Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ٢٢٥
٢٨١
سُؤَدَّةُ الْبَغَة
والحلفُ بلا قصد، أو به مع ظنِّ الصدق، الغير المُؤاخَذ(١) عليهما في الآخرة
كما عُلم منها أيضاً. والمُؤاخذةُ الدنيوية على المعقودة التي لم يعلم حُكمها في
الآخرة من الآيتين لظهوره من ترتّب المؤاخذة الدنيوية عليه، فلا تدافع بين الآيتين
عنده أيضاً؛ لأن مقتضَى الأُولى تحقّق المؤاخدة الأخروية في الغموس، ومُقتضَى
الثانية عدمُ المؤاخذة الدنيوية فيه.
ومن هذا يُعلَم أن ما في ((الهداية))(٢)، وشاع في كتب الأصحاب عن الإمام
حيث قال: إن الأيمان على ثلاثة أضرب: يمين الغموس، ويمين مُنعقدة، ويمين
لغو، وبيَّن حُكم كلِّ، وفسَّر الأخير بأنْ يحلف على ماضٍ وهو يظنُّ كما قال،
والأمر بخلافه، وثبت في بعض الروايات عن أبي هريرة رضيُه(٣) وغيره= ليس بشيء
لو كان المقصود بما في التفسير الحصر لا التمثيل للَّغو؛ لأنَّ اللائقَ بالنظم أن
يكون ((ما كسبت)» مُقابلاً للغو من غير واسطة بينهما، وبقصد الحصر يبقى اليمين
الذي لا قصدَ معه واسطةً بينهما غير معلوم الاسم ولا الرسم، وهو مما لا يكاد
يكون كما لا يخفى على المنصف، فليتدبَّر، فإنه مما فات كثيراً من الناس.
وذهب مسروق إلى أن اللغو هو الحلف على المعاصي، وبرّه تركُ ذلك الفعل
ولا كفارة. ورُوي عن ابن عباس وطاوس أنه اليمين في حال الغضب، فلا كفارةً فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تُحرِّم ما أحلَّ الله
تعالى عليك (٤). بأن تقول: مالي عليَّ حرام إنْ فعلتُ كذا مثلاً، وبهذا أخذ مالكٌ
إلا في الزوجة.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: هو كقول الرجل: أَعمى الله بصري
إن لم أفعل كذا، وكقوله: هو مشرك، هو كافر إن لم يفعل كذا، فلا يُؤاخذ به حتى
یکون من قلبه(٥) .
(١) في (م): لغير المؤاخذة.
(٢) ٣/٤ - ٥ (مع فتح القدير).
(٣) أخرجه الطبري ١٩/٤ .
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٤٠٩/٢.
(٥) تفسير الطبري ٣٢/٤.

سُورَةُ الْبَحَة
٢٨٢
الآية : ٢٢٦
وقيل: لغو اليمين يمينُ المُكره؛ حكاه ابن الفرس ولم يُرَ مسنداً.
هذا ولم يعطف قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاِذُكُ﴾ الآية على ما قبله لاختلافها خبراً
وإنشاء وإن كانا متشاركين في كون كل منهما بياناً لحُكم الأيمان.
﴿وَاللَّهُ غَفُورُ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو ﴿حَلِيمٌ (9) حيث لم يعجِّل بالمُؤاخذة
على يمين الجِدِّ. والجملة تذييلٌ للجملتين السابقتين، وفائدته الامتنانُ على
المؤمنين وشمولُ الإحسان لهم.
والحليم من حَلُم بالضم يحلُم: إذا أمهل بتأخير العقاب، وأصل الحِلْم الأناة،
وأما حَلِمَ الأديم فبالكسر، يحلَم بالفتح: إذا فسد، وأما حَلَم - أي: رأى في نومه -
فبالفتح. ومصدر الأوّل: الحِلْم، بالكسر، ومصدر الثاني: الحَلَم، بفتح اللام،
ومصدر الثالث: الحُلم، بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها .
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآَيْهِمْ﴾ الإيلاء كما قال الراغب: الحَلِفُ الذي يقتضي النقيصة
في الأمر الذي يُحلَف فيه، من قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]،
أي: باطلاً، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وصار في الشّرع عبارةً عن
الحَلِف المانع عن جماع المرأة (١). فـ ((يؤلون))، أي: يحلفون، و﴿مِّن نِسَابِهِم﴾
على حذف المضاف، أو من إقامة العين مُقام الفعل المقصودِ منه للمبالغةُ.
وعُدِّي القَسَم على المُجامعة بـ ((من)) لِتضمُّنه معنى البعد، فكأنه قيل: يَبْعُدون
من نسائهم مولين. وقيل: إن هذا الفعل يتعذّى بـ ((من)) و((على)). ونقل أبو البقاء(٢)
عن بعضهم من أهل اللغة تعديته بـ: ((من)). وقيل: بها بمعنى ((على)). وقيل:
بمعنى ((في)). وقيل: زائدة. وجوّز جعل الجارِّ ظرفاً مستقراً، أي: استقرَّ لهم من
نسائهم ﴿تَرَبُُّ أَزْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ .
وقرئ: ((آلَوْا من نسائهم))(٣). وفي مصحف أُبَيّ: ((للذين يُقْسِمون))، وهو
(٤)
المروي عن ابن عباس
(١) مفردات الراغب (ألى).
(٢) في إملاء ما منّ به الرحمن ٤٤٨/١ (بهامش الفتوحات الإلهية).
(٣) الكشاف ٣٦٣/١، وتفسير الرازي ٨٥/٦ عن ابن مسعود ظ له.
(٤) القراءات الشاذة ص١٣، والمحرر الوجيز ٣٠٢/١.

الآية : ٢٢٧
٢٨٣
سُورَةُ الْبَرَة
والتربُّص: الانتظار والتوقف، وأُضِيف إلى الظرف على الاتِّساع، وإجراءِ
المفعول فيه مُجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، وهو مبتدأً وما قبله خبرُه،
أو فاعلٌ للظرف على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد.
والجملة على التقديرين بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ
كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فإن الإيلاء لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحِنْث
من غير إثم، والطلاق على تقدير البِرّ مخالفٌ لسائر الأيمان المكتوبة، حيث يتعيّن
فيها المُؤاخذة بهما أو بأحدهما عند الشافعي، والمؤاخذة الأخروية عند
أبي حنيفة ظُه، فكأنه قيل: إلا الإيلاء فإنَّ حُكمه غير ما ذكر، ولذلك لم تُعطف
هذه الجملة على ما قبلها .
وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى أنَّ لِلمُولين من نسائهم تربُّص أربعة أشهر، بيَّن
حُكمه بقوله تعالى جل شأنه: ﴿فَإِن ◌َّاءُو﴾ أي: رَجَعوا في المُدَّةِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴾﴾ لِمَا حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث،
أو بسبب الفيئة والكفارة، ويُؤْيِّده قراءةُ ابن مسعود: ((فإن فاؤوا فيهن))(١). ﴿وَإِنْ
عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ أي: صمَّموا قصده بأن لم يفيئوا واستمرُّوا على الإيلاء ﴿فَإِنَّ اللّهُ سَمِيعُ﴾
لإيلائهم الذي صار منهم طلاقاً بائناً بمضي العدة(٢) ﴿عَلِيمٌ ) بغرضهم من هذا
الإيلاء، فيُجازيهم على وَفْق ◌ِيَّاتهم.
وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية، فإنهم قالوا: الإيلاء من المرأة أن
يقول: والله لا أَقربك أربعة أشهر فصاعداً، على التقييد بالأشهر، أو: لا أَقربك
على الإطلاق، ولا يكون فيما دون ذلك عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، خلافاً
للظاهرية والنخعية وقتادة وحماد وابن أبي حماد وإسحاق، حيث يصير عندهم مُولياً
في قليل المُدَّة وكثيرها، وحُكمه إن فاء إليها في المُدَّة بالوطء إن أمكن أو بالقول
إِنْ عَجَزَ عنه صحَّ الفيء، وحنث القادر ولَزِمته كفارة اليمين، ولا كفارةً على
العاجز، وإنْ مضتِ الأربعةُ بانَتْ بتطليقة من غير مطالبةِ المرأة إيقاع الزوج أو
الحكم.
(١) البحر المحيط ١٨٢/١، قال أبو حيان: والضمير عائد على الأشهر.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: المدة.

سُوَّةُ الْبَرَ
٢٨٤
الآية : ٢٢٧
وقالت الشافعية: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، فلو قال: والله لا أقربك
أربعة أشهر، لا يكون إيلاء شرعاً عندهم ولا يترتب حكمه عليه، بل هو يمين
كسائر الأيمان، إنْ حنث كفَّر، وإنْ برَّ فلا شيء عليه، وللمُولي التلبُّثِ في هذه
المدّة، فلا يُطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء في اليمين بالحنث ((فإن الله غفور
رحيم)) للمُولي إثمَ حِنْثه إذا كَفَّر كما في الجديد، أو ما توخَى بالإيلاء من ضرار
المرأة ونحوه بالفيئة التي هي كالتوبة. ((وإن عزم الطلاق فإن الله سميع)) لطلاقه
((عليم) بنيَّته، وإذا مضت المدّة ولم يَفئ ولم يُطلِّق ◌ُطُولب بأحد الأمرين، فإن أبى
عنهما طلَّق عليه الحاكم؛ وأُيِّد كون مدَّته أكثر من ﴿أَزْبَعَةٍ أَشْهُرٍ﴾ بأن الفاء في الآية
للتعقيب، فتدل على أن حكم الإيلاء من الفيئة والطلاق يترتّب عليه بعد مُضي أربعة
أشهر، فلا يكون الإيلاء في هذه المدّة إيلاء شرعاً لانتفاء حكمه، وبذلك اعترضوا
على الحنفية، واعترضوا عليهم أيضاً بأنه لو لم يُحتَجْ إلى الطلاق بعد مُضي المدَّة
لزم وقوعُ الطلاق من غير مُوقِع، وأن النصَّ يُشير إلى أنه مسموع.
فلو بانت من غير طلاق لا يكون هاهنا شيء مسموع.
وأُجيب عن الأوَّل بأن الفاء للتعقيب في الذكر، وعن الثاني بأن المسموع
ما يُقارن ذلك الترك من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة
الشيطان عليهم بما استمرُّوا عليه من الظلم أو الإيلاء الذي صار طلاقاً بائناً
بالمُضي، وهذا أنسب بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَزَبُواْ الطَّلَقَ﴾ حيث اكتفى بمجرّد
العَزْم، بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مُضي المدة، فإنه
يحتاج إلى التقدير، وبعده لا يحتاج إلى (عزموا)) أو يحتاج إلى جعل عزم الطلاق
كنايةً عنه، فما قيل من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محلّه، وقد ذهب
إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة كثيرٌ(١) من الإمامية.
وأخرج عبد بن حُميد عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه قال: الإيلاء إيلاآن: إيلاءٌ
في الغضب، وإيلاءٌ في الرِّضا، فأمَّا الإيلاء في الغضب فإذا مَضَتْ أربعة أشهر فقد
بانت منه، وأمَّا ما كان في الرِّضا فلا يُؤاخذ به(٢).
(١) في (م): وکثیر.
(٢) الدر المنثور ٢٧٠/١.

الآية : ٢٢٨
٢٨٥
سُورَةُ الجَلَقَة
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير ﴿يا قال: أتى رجل عليًّا كرم الله تعالى
وجهه فقال: إني حلفتُ أن لا آتيَ امرأتي سنتين. فقال: ما أراك إلا قد آليت.
قال: إنما حلفتُ من أجل أنها تُرضع ولدي. قال: فلا إذاً(١).
ورُوي عن إبراهيم: ما أعلم الإيلاء إلا في الغضب؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ وإنما الفيء من الغَضَب(٢). ورُوي ذلك عن ابن عباس ◌َهَا(٣).
واستُدلَّ بعموم الآية على صحةِ الإيلاء من الكافر، وبأي يمين كان، ومن غير
المدخول بها، والصغيرة، والخَصِيّ، وأن العبدَ تُضرَبُ له الأربعة أشهر کالحُرّ.
واستُدلَّ بتخصيص هذا الحكم بالمُؤلي على أنَّ من ترك الوطء ضِراراً بلا يمين
لا يلزمه شيء، وما رُوي عن عائشة ﴿ّ أنها قالت وهي تَعِظُ خالد بن سعيد
المخزومي وقد بلغها أنه هجر امرأته: إياك - يا خالد - وطُولَ الهَجْر، فإنك قد
سمعتَ ما جعل اللهُ تعالى للمُؤلي من الأجل(٤). محمولٌ على إرادة العطف
والتحذير من التشُّه بالإيلاء.
﴿وَالْمُطَلَقَتُ﴾ أي: ذوات الأقراء من الحرائر المَدْخول بهنَّ، لِمَا قد بُيِّن في
الآيات والأخبار أن لا عِدَّة على غير المدخول بها، وأن عِدَّة مَن لا تحيض لِصِغَرٍ
أو كِبَرٍ أو حَمْل بالأشهر ووَضْع الحمل، وأن عِدَّة الأَمَةِ قَرْآن أو شهران. فـ ((أل))
ليست للاستغراق؛ لأنه هاهنا متعذِّر لِمَا بَيِّن، فتحمل على الجنس كما في:
لا أتزوَّج النساء. ويُراد منه ما ذُكر بقرينة الحُكم، وهذا مذهبُ ساداتنا الحنفية؛
لأن الكلام المستقلَّ الغيرَ الموصول عندهم ناسخٌ للعامّ، والنسخ إنما يصحُّ إذا ثبت
عمومُ الحكم السابق، ولا عمومَ هاهنا .
وقال الشافعية: إن ((المطلَّقات)) عامّ، وقد خُصَّ البعض بكلام مستقلِّ غير
موصول. واعترضه الإمام بأنَّ التخصيصَ إنما يحسن إذا كان الباقي تحت العام
(١) مصنف عبد الرزاق (١١٦٣١).
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٧١/١.
(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٤٥ .
(٤) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٧٠/١ .

سُورَةُ الْبَقَة
٢٨٦
الآية : ٢٢٨
أكثر، وهاهنا ليس كذلك، وليس بشيء، لأنه مما لا شاهدَ له، فإنَّ المذكورَ في
كتب الأصول أن العامَّ يجوز تخصيصُه إلى أن يبقى تحته ما يستحقُّ به معنى الجمع
لئلا يلزم إبطال الصيغة، فليفهم.
﴿يَتَرَّيَّصْنَ﴾ أي: ينتظرن، وهو خبر قُصد منه الأمر على سبيل الكناية، فلا يحتاج
في وقوعه خبراً لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يُجوِّز وقوع الإنشاء خبراً من
غير تأويل. وقيل: إنَّ الجملة الاسمية خبرية بمعنى الأمر، أي: ليتربَّص
المُطلَّقات، ولا يخفى أنه لا يُحتاج إليه.
وتغيير العبارة للتأكيد بدلالته على التحقيق؛ لأن الأصل في الخبر الصدق
والكذب احتمالٌ عقلي، والإشعارِ بأنه مما يجب أن يُسارَع إلى امتثاله حيث أُقيم
اللفظ الدالّ على الوقوع مُقامَ الدال على الطلب، وفي ذِكْره متأخّراً عن المبتدأ
فضلُ تأكيدٍ؛ لما فيه من إفادة التقوِّي على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ
عبد القاهر والسكاكي.
وقيَّد التربُّص هنا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ وتَركّه في قوله تعالى:
﴿َرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] لتحريض النساء على التربُّص؛ لأن الباء للتعدية،
فيكون المأمور به أن يَقْمَعْنَ أَنفُسهنَّ ويحملنها على الانتظار، وفيه إشعارٌ بكونهنَّ
مائلاتٍ إلى الرجال، وذلك مما يستنكفن منه، فإذا سَمِعنَ هذا تربَّصْنَ. وهذا بخلاف
الآية السابقة، فإن المأمورَ فيها بالتربُّص الأزواج، وهم وإن كانوا طامحين إلى النساء
لكن ليس لهم استنكاف منه، فَذِكْر الأَنْفُس فيها لا يُفيد تحريضَهم على التربُّص.
﴿ثَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدَّة، والمفعول به محذوفٌ
لأن التربُّصَ متعدٍّ، قال تعالى: ﴿وَتَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اَللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٢]،
أي: يتربَّصنَ التزوّجَ(١)، وفي حذفه إشعارٌ بأنهن يتركن التزوُّج في هذه المدّة بحيث
لا يتلفَّظنَ به. وجوِّز أن يكون على المفعولية بتقدير مضاف، أي: يتربَّصن مُضِيَّها.
والقروء جمع قرء، بالفتح والضم، والأوَّل أفصحُ، وهو يطلق للحیض؛
لِمَا أخرج النسائي وأبو داود والدار قطني أن فاطمة ابنة أبي حُبيش قالت: يا
(١) في الأصل: الزوج.

الآية : ٢٢٨
٢٨٧
سُورَةُ الْبَّفَقَة
رسول الله إني امرأةٌ أُستَحاضُ فلا أَطهر، أَفَأَدَعُ الصلاة؟ فقال ◌َّرِ: ((لا، دَعي
الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ))(١).
ويُطلق للظُهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى:
أفي كلِّ عام أنت جاشمُ غزوةٍ تشدُّ لأقصاها عزيم عزائكا
لما ضاع فيها من قروءِ نسائكا(٢)
مُورِّئةٍ مالاً وفي الحي رفعةٌ
أي: أطهارهنَّ، لأنها وقت الاستمتاع، ولا جماع في الحيض في الجاهلية أيضاً.
وأصله: الانتقال من الظهر إلى الحيض لاستلزامه كلَّ واحد منهما، والدليل
على ذلك كما قال الراغب (٣): إن الطاهر التي لم تَرَ الدمَ لا يقال لها ذات قَرْء،
والحائضُ التي استمرَّ لها الدمُ لا يقال لها ذلك أيضاً.
والمراد بالقرء في الآية عند الشافعي الانتقالُ من الظهر إلى الحيض في قولٍ
قويٍّ له، أو الطهر المُنتقَل منه كما في المشهور، وهو المَرْوي عن عائشة وابن عمر
و زيد بن ثابت وخلقٍ كثيرٍ، لا الحيض، واستدلُّوا على ذلك بمعقول ومنقول:
أما الأول: فهو أن المقصود من العِدَّة براءةُ الرحم من ماء الزوج السابق، والمُعرِّفُ
البراءة الرحم هو الانتقال إلى الحيض، لأنه يدلُّ على انفتاح فم الرحم، فلا يكون
فيه العُلوق؛ لأنه يُوجب انسدادَ فم الرحم عادةً، دون الحيض، فإن الانتقال من
الحيض إلى الظُهر يدل على انسدادٍ فم الرحم، وهو مَظِنَّة العُلوق، فإذا جاء بعده
الحیض عُلم عدم انسداده.
وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١] واللام للتأقيت
والتخصيص بالوقت، فيفيد أن مَدْخولَه وقتٌ لما قبله، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ
الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] و﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]
(١) سنن النسائي ١٢١/١ - ١٢٢، وسنن أبي داود (٢٨٢)، وسنن الدارقطني (٧٨٧) بنحوه من
حديث عائشة ﴿يًّا، وهو في مسند أحمد (٢٤١٤٥)، وصحيح البخاري (٢٢٨) بنحوه
أيضاً وأورده بلفظ المصنف الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٦٠.
(٢) ديوان الأعشى ص١٣٢، وفيه: الحمد، بدل: الحي. وقوله: جاشم: قال صاحب اللسان
(جشم): جَشِمَ الأمرَ يَجْشَمه وتجشَّمه: تكلَّفه على مشقة.
(٣) في مفرداته (قرأ).

سُوَّةُ الْجَنَة
٢٨٨
الآية : ٢٢٨
فيفيد أن العِدَّة وقت الطلاق، والطلاق في الحيض غير مشروع؛ لما أخرج الشيخان
أن ابن عمر ﴿ه طلَّق زوجته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله وَّر، فتغيَّظَ ثم
قال: (مُرْهُ فليُراجِعْها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء
أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ، فتلك العِدَّة التي أمر الله تعالى أن يُطلَّق
لها النساء)»(١) وهو أحد الأدلة أيضاً على أن العِدَّة بالأطهار.
وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المراد بالقَرْء الحيض، وهو المَرويّ عن ابن
عباس ومجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وجَمٍّ غفير. وكون الانتقال
من الظهر إلى الحيض هو المُعرِّف للبراءة إذا سلِّم معارَضٌ بأن سيلان الدم هو
السبب للبراءة المقصودة، ولا نُسلِّم أن اعتبار المُعرِّف أولى من اعتبار السبب،
وليس هذا من المكابرة في شيء.
على أن المهم في مثل هذه المباحث الأدلة النقلية، وفيما ذكروه منها بحث،
لأن لام التوقيت لا تقتضي أن يكونَ مدخولُها ظرفاً لما قبلها، ففي الرَّضي إن اللام
في نحو: جئتك لِغُرَّةِ كذا، هي المفيدة للاختصاص الذي هو أصلها، والاختصاص
هاهنا على ثلاثة أضرب: إما أن يختصَّ الفعل بالزمان بوقوعه فيه نحو: كتبته لِغُرَّة
كذا، أو يختصَّ به لوقوعه بعده نحو: لِليلةٍ خَلَتْ، أو اختصَّ به لوقوعه قبلَه نحو:
لِليلةِ بَقِيَتْ، فمع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه، ومع قرينة نحو: خَلَتْ
یکون لوقوعه بعده، ومع قرینة نحو: بقیت لوقوعه قبله. انتهى.
وفيما نحن فيه قرينةٌ تدلُّ على كونه قبلَه؛ لأن التطليق يكون قبل العدَّة لا مُقارناً
لها، ويُؤيِّده قراءة النبي بَّهِ: ((في قُبُل عِدَّتهن))(٢)، ففي ((الصحاح)): القُبْل والقُبُل
نقيض الدُّبْر والدُّبُر، ووقع السهم بقُبُل الهدف وبُدبُره، وَقُدّ قميصه من قُبُل ودُبُر،
أي: من مُقدَّمه ومُؤَخَّره، ويقال: انْزِل بقُبل هذا الجبل، أي: بسفحه(٣). فمعنى
((فِي قُبُل عِدَّتهنّ)) في مُقدَّم عِدَّتهن وأمامها، كما يقتضيه ظاهر الأمثلة. وما ذكروه(٤)
(١) صحيح البخاري (٥٢٥١)، وصحيح مسلم (١٤٧١)، وأخرجه أحمد (٥٢٩٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٧١): (١٤)، وهي قراءة شاذة، ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة
عن النبي ے وابن عباس پ ومجاهد.
(٣) الصحاح (قبل).
(٤) في (م): ذكره.

الآية : ٢٢٨
٢٨٩
سُورَةُ الْبَفَقَة
من أن قُبل الشيء أوّله يرجع إلى هذا أيضاً، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المُقدَّم
على الأوَّل بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار.
والحديث الذي أخرجه الشيخان مُسَلَّمٌ، لكنَّ جَعْلَه دليلاً على أنَّ العِدَّة هي
الأطهار غيرُ مُسلَّم؛ لأنه موقوفٌ على جعل الإشارة للحالة التي هي الظُّهر،
ولا يقوم عليه دليل؛ فإنَّ اللام في ((يُطلَّق لها النساء)» كاللام في ((لعدتهن)) يجوز أن
تکون بمعنی في، وأن تكون بمعنی قَبْلَ، فيجوز أن یکون المشار إلیه الحیض،
وأَنَّث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع بين مرجع مذكَّر وخبر مُؤنَّث،
فإنَّ الأَولى - على ما عليه الأكثر - مراعاةُ الخبر إذ ما مضى فات، والمعنى: فتلك
الحيض العدّة التي أمر الله تعالى أن يُطلق قبلَها النساء، لا أن يُطلق فيها النساء
کما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق فيه .
وقول الخطابي: الأقراء التي تعتدُّ بها المطلقة الأطهار لأنه ذكر: «فتلك العِدَّة»
بعد الطهر(١). مجابٌ عنه بأنَّ ذِكْره بعد الطهر لا يقتضي أن يكون مُشاراً إليه؛
لجواز أن يكون ذكر الظهر للإشارة إلى أنَّ الحيض المحفوف بالطهر يكون عِدَّة،
وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني إلى نكتة، وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأوَّل
بالجماع لم يكن طلاقها فيه للسنة، فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاعُ الطلاق
السُّنيِّ، وأن لا تكون الرجعةُ لغرض الطلاق فقط، وأن تكون كالتوبة عن المعصية
باستبدال حاله، وأن يطول مقامه معها، فلعله يُجامعها فيذهب ما في نفسها من
سبب الطلاق فيمسكها .
هذا ما يرجع إلى الدفع. وأمَّا الاستدلال على أن القَرْء الحيض فهو ما أخرجه
أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه وَّلهوقال: («طلاقُ الأمة
تطليقتان، وعِدَّتها حيضتان))(٢) فصرح بأنَّ عِدَّة الأمة حيضتان، ومعلومٌ أن الفَرْق
بين الحُرَّة والأَمَة باعتبار مقدار العِدَّة لا في جنسها، فيلتحق قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةً
(١) أعلام الحديث للخطابي ٢٠٢٩/٣ والخطابي: هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب
البستي، صاحب التصانيف، توفي سنة (٣٨٨هـ). السير ٢٣/١٧.
(٢) سنن أبي داود (٢١٨٩)، وسنن الترمذي (١١٨٢)، وسنن ابن ماجه (٢٠٨٠)، وسنن
الدار قطني (٤٠٠٣).

سُوَّ البَدَة
٢٩٠
الآية : ٢٢٨
للإجمال الكائن بالاشتراك بياناً به، وكونه لا يُقاوم ما أخرجه الشيخان في
٤٠
قُرُوَ
قصة ابن عمر ها لضَعْفه؛ لأن فيه مُظاهراً(١)، ولم يعرف له سواه، لا يخلو عن
بحث:
أما أولاً: فَلِمَا علمت أن ذلك الحديث ليس بنصٍّ في المُدَّعَى.
وأما ثانياً: فلأن تعليلَ تضعيف مُظاهر غير ظاهر، فإن ابن عدي أخرج له
حديثاً آخر (٢)، ووثَّقه ابن حبان(٣)، وقال الحاكم(٤): ومُظاهر شيخ من أهل البصرة
ولم يذكره أحد من متقدِّمي مشايخنا بِجَرْحٍ، فإذاً إن لم يكن الحديث صحيحاً كان
حسناً، ومما يصحّح الحديث عملُ العلماء على وفقه؛ قال الترمذي عقيب روايته:
حديثٌ غريبٌ والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول وَّر وغيرهم. وفي
الدار قطني: قال القاسم وسالم(٥): عمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث
تغني عن سنده، كذا في ((الفتح))(٦).
ومن أصحابنا مَن استدلَّ بأنه لو كان المراد من القَرْء الظُّهرَ لزم إبطال موجب
الخاص، أعني لفظ ثلاثة، فإنه حينئذ تكون العدة ◌ُهرين وبعضَ الثالث في الطلاق
المشهور.
ولا يخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ناشئٌ من قلَّة التدبُّر فيما قاله الإمام
الشافعي ظه، فلهذا اعترضوا به عليه؛ لأنه إنما جعل القرء الانتقالَ من الظُّهر إلى
الحيض، أو الطهرَ المُنتقَل منه، لا الطهرَ الفاصل بين الدَّمين. والانتقالُ المذكور،
(١) هو ابن أسلم المخزومي المدني، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: منكر
الحديث، وقال أبو داود: رجل مجهول، وحديثه في طلاق الأمة منكر، تهذيب التهذيب.
(٢) في الكامل ٦/ ٢٤٤٢ من حديث أبي هريرة به أن رسول الله ﴾ كان يقرأ عشر آيات من
آخر آل عمران.
(٣) الثقات ٥٢٨/٧.
(٤) في المستدرك ٢٠٥/٢.
(٥) القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ظه، مات سنة (١٠٦ هـ)، وسالم هو ابن
عبد الله بن عمر تها، مات آخر سنة (١٠٦ هـ)، وهما من فقهاء المدينة السبعة. السير
٤٥٧/٤ و٥٣/٥، والتقريب.
(٦) فتح القدير لابن الهمام ٤٣/٣.

الآية : ٢٢٨
٢٩١
سُوَّةُ الْبََّقَة
أو الطهر المُنتقَل منه تامٌّ، على أن كون الثلاثة اسماً لعدد كامل غيرُ مسلّم،
والتحقيق فيه أنه إذا شرع في الثالث ساغ الإطلاق، ألا تراهم يقولون: هو ابنُ
ثلاث سنين وإن لم تكمل الثالثة، وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازاً، ثم أطلق على
المجموع اسم العدد الكامل.
ومن الشافعية مَن جعل القَرْءَ اسماً للحيض الذي يحتوشه دمان، وجعل إطلاقَه
على بعض الطهر وكلُّه كإطلاق الماء والعسل، قالوا: والاشتقاق مُرشِدٌ إلى معنى
الضم والاجتماع، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم، وبعضُه وكلُّه في
الدلالة على ذلك على السواء. وأطالوا الكلام في ذلك.
والإمامية وافقوهم فيه، واستدلُّوا عليه برواياتهم عن الأئمة، والروايةُ عن عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه في هذا الباب مختلفة.
وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قويٌّ كما لا يخفى على مَن أحاط بأطراف
كلامهم، واستقرأ ما قالوه، وتأمَّلَ ما دفعوا به أدلةَ مُخالفيهم، وفي ((الكشف» بعضُ
الكشف، وما في ((الكشاف))(١) غيرُ شافٍ لبغيتنا، وهذا المقدار يكفي أنموذجاً.
هذا، وكان القياس ذِكْرَ القَرْء بصيغة القلة التي هي الأَقْراء، ولكنهم يتوسَّعون
في ذلك فيستعملون كلَّ واحد من البناءين مكان الآخر، ولعل النكتة المُرجِّحة
لاختياره هاهنا أن المراد بالمطلّقات هاهنا جميعُ المطلَّقات ذوات الأقراء الحرائر،
وجميعها مُتجاوِزٌ فوق العشرة، فهي مستعملة مقامَ جمع الكثرة، ولكلِّ واحدة منها
ثلاثةُ أقراء، فيحصل في الأقراء الكثرة، فحسن أن يُستعمل جمع الكَثْرة في تمييز
الثلاثة تنبيهاً على ذلك، وهذا كما استعمل ((أنفسهن)) مكان نفوسهن للإشارة إلى أن
الطلاق ينبغي أن يقع على القِلَّة.
﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَّ﴾ قال ابن عمر: الحمل
والحيض. أي: لا يحلُّ لها إن كانت حاملاً أن تكتُمَ حملها، ولا إن كانت حائضاً
أن تكتُمَ حيضَها، فتقول وهي حائض: قد طهرتُ. وكنَّ يفعلن الأولَ لئلا ينتظر
لأجل طلاقها أن تضعَ، ولئلا يشفقَ الرجلُ على الولد فيترك تسريحَها. والثانيَ
(١) ٣٦٥/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٢٩٢
الآية : ٢٢٨
استعجالاً لمضيِّ العِدَّة وإبطالاً لحقُّ الرجعة. وهذا القولُ هو المَروي عن الصادق
والحسن ومجاهد وغيرهم.
والقولُ بأن الحيضَ غيرُ مخلوق في الرحم، بل هو خارجٌ عنه، فلا يصح حمل
((ما)) على عمومها، بل يتعيَّن حملُها على الولد، وهو المروي عن ابن عباس
وقتادة = مدفوعٌ بأن ذات الدم وإن كان غيرَ مخلوق في الرحم لكن الاتِّصاف بكونه
حیضاً إنما يحصل له فيه.
وما قيل: إن الكلام في المطلَّقات ذوات الأقراء، فلا يحتمِل خلق الولد في
أرحامهِنَّ فيجب حمل ((ما)» على الحيض، كما حُكي عن عكرمة = فمدفوعٌ أيضاً
بأنَّ تخصيصَ العامٌّ وتقييدَه بدليل خارجيٍّ لا يقتضي اعتبارَ ذلك التخصيص أو
التقييد في الراجع(١).
واستُدلَّ بالآية على أنَّ قولها يُقبل فيما خلق اللهُ تعالى في أرحامهنَّ؛ إذ
لولا قَبول ذلك لما كان فائدةٌ في تحريم كِتْمانِهنَّ. قال ابن الفرس: وعندي أنَّ
الآيةَ عامَّةٌ في جميع ما يتعلق بالفرج من بَكارة وثيوبة وعيب؛ لأنَّ كل ذلك
مما خلق الله تعالى في أرحامهن، فيجب أن يصدّقن فيه، وفيه تأمل.
﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الََّثِ﴾ شرط لقوله تعالى: ﴿لَا يَجِلُّ﴾ لكن ليس
الغرضُ منه التقييدَ حتى لو لم يُؤْمنَّ - كالكتابيات - حلَّ لهنَّ الكِثْمان، بل بيانَ منافاة
الكتمان للإيمان وتهويلَ شأنه في قلوبهنَّ، وهذه طريقةٌ متعارفة، يقال: إن كنتَ
مؤمناً فلا تُؤذِ أباك.
وقيل: إنه شرط جزاؤه محذوف، أي: فلا يَكتُمنَ، وقوله سبحانه: ((لا يحلُّ»
علةٌ له أُقيم مُقامَه، وتقدير الكلام: إنْ كُنَّ يُؤمنَّ بالله واليوم الآخر لا يكتمن
ما خلق الله في أرحامهن؛ لأنه لا يحلُّ لهنَّ.
وفيه: أنَّ ((لا يكتمن)) المُقدَّر إن كان نهياً يلزم تعليل الشيء بنفسه، وإن كان
نفياً يكون مَفَادُ الكلام تعليق عدم وقوع الكتمان في المستقبل بأيمانهم في الزمان
الماضي، وهو كما ترى.
(١) كذا في الأصل و(م): الراجع، ولعل الصواب: الراجح.

الآية : ٢٢٨
٢٩٣
سُورَةُ الْبَقَة
﴿وَبُوَهُنَّ﴾ أي: أزواج المطلقات، جمع بعل، كَعَمّ وعُمومة، وفحل وفُحولة،
والهاء زائدة مؤكّدة لتأنيث الجماعة، والأمثلة سماعيةٌ لا قياسية، لا يقال: کعب
وكعوبة، قاله الزجاج(١).
وفي ((القاموس)): البعل الزوج - والأنثى بَعْل وبَعْلة - والرَّبُّ، والسيِّد،
والمالك، والنخلة التي لا تُسقى، أو تُسقى بماء المطر(٢).
وقال الراغب(٣): البعل النخل الشارب بعروقه، عبّر به عن الزوج لإقامته على
الزوجة؛ للمعنى المخصوص، وقيل: باعَلها جامَعَها، وبَعِلَ الرجلُ إذا دَهِشَ فأقام
كأنه النخل الذي لا يبرح، ففي اختيار لفظ البُعولة إشارةٌ إلى أنَّ أصلَ الرجعة
بالمجامعة .
وجوِّز أن يكون البعولة مصدراً نُعِتَ به، من قولك: بَعْل حسنُ البُعولة، أي:
العِشْرة مع الزوجة، أو أُقيم مقام المضاف المحذوف، أي: وأهلُ بعولتهنَّ.
﴿أَحَقُّ بِّهِنَ﴾ إلى النكاح والرجعة إليهن، وهذا إذا كان الطلاق رجعيًّا؛ للآية
بعدَها، فالضمير - بعد اعتبار القيد - أخصُّ من المرجوع إليه، ولا امتناع فيه كما إذا
كرِّر الظاهر، وقيل: بعولة المطلقات أحق بردِّهنّ، وخصِّص بالرَّجعي.
و ((أحقّ)) هاهنا بمعنى حقيق، عبّر عنه بصيغة التفضيل للمبالغة، كأنه قيل:
للبعولة حقُّ الرجعة، أي: حقٌّ محبوبٌ عند الله تعالى بخلاف الطلاق فإنه مبغوض،
ولذا ورد للتنفير عنه: ((أبغضُ الحلال إلى الله تعالى الطلاق))(٤). وإنما لم يبقَ على
معناه من المشاركة والزيادة إذ لا حقَّ للزوجة في الرجعة كما لا يخفى.
وقرأ أبيٍّ: ((بردّتهن))(٥).
(١) في معاني القرآن ٣٠٦/١.
(٢) القاموس (بعل).
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (بعل) بنحوه.
. وأُعِلَّ بالإرسال
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث ابن عمر
كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٥٦/٩.
(٥) القراءات الشاذة ص١٤، والبحر المحيط ١٨٨/٢.

سُورَةُ الْبَقَة
٢٩٤
الآية : ٢٢٨
﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: زمان التربُّص، وهو متعلِّق بـ ((أحقُّ)) أو ((بردّهنّ)).
﴿إِنْ أَرَدُواْ إِصْلَعًا﴾ أي: إن أراد البُعولة بالرجعة إصلاحاً لِمَا بينهم وبينهنَّ،
ولم يريدوا الإضرار بتطويل العِدَّة عليهنَّ مثلاً، وليس المرادُ من التعليق اشتراط
جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز؛ للإجماع على
جوازها مطلقاً، بل المرادُ تحريضُهم على قَصْد الإصلاح حيث جُعل كأنه مَنُوط به
ینتفي بانتفائه.
﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ فيه صنعة الاحتباك(١)، ولا يخفى لطفُه فيما بين
الزوج والزوجة، حيث حذف في الأول بقرينة الثاني، وفي الثاني بقرينة الأول،
كأنه قيل: ولهنّ عليهم مثلُ الذي لهم عليهنَّ.
والمراد بالمماثلة المماثلةُ في الوجوب، لا في جنس الفعل؛ فلا يجب عليه إذا
غَسلت ثيابَه أو خَبزَتْ له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يُقابله بما يَليق بالرِّجال،
أخرج الترمذي - وصحَّحه - والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أن
رسولَ اللهِوَ﴿ قال: ((ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا،
فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يُوطِئْن فُرُشَكم مَن تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم
لمن(٣) تكرهون، أَلا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسِنوا إليهنَّ في كِسوتهنَّ وطعامهنَّ))(٣).
قال: إنِّي لأُحِبُّ أن أتزيَّن للمرأة
وأخرج وكيعٌ وجماعةٌ، عن ابن عباس ﴾
كما أُحِبُّ أن تتزيَّن المرأةُ لي، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ﴾ الآية (٤).
وجعلوا مما يجب لهنَّ عدمُ العَجَلة إذا جامع حتى تقضيَ حاجتها. والمجرور
(١) الاحتباك: هو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني من أثبت نظيره في
الأول. أو هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة
الآخر عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿خَطُوْ عَمَلًا صَلِحًا وَمَاخَرَ سَيِقًا﴾ [التوبة: ١٠٢] أي:
عملاً صالحاً بسيئ، وآخر سيئاً بصالح. الإتقان ٨٣١/٢.
(٢) في الأصل و(م): من، والمثبت من المصادر.
(٣) سنن الترمذي (١١٦٣)، وسنن النسائي الكبرى (٩١٢٤)، وسنن ابن ماجه (١٨٥١).
(٤) الدر المنثور ٢٧٦/١، وهو في تفسير الطبري ١٢٠/٤. ووقع في (م): وأخرج وكيع
وجماعة عن أنس عن ابن عباس ...

الآية : ٢٢٨
٢٩٥
سُوَرَّةُ الْبَيْنَة
الأخير متعلّق بما تعلَّق به الخبر، وقيل: صفة لـ ((مثل)) وهي لا تتعرَّف بالإضافة.
﴿وَلِلرّجَالِ عَلَّهِنَّ دَرَبَةٌ﴾ زيادة في الحق؛ لأنَّ حقوقَهم في أنفسهنَّ، فقد ورد أنَّ
النكاح كالرِّق (١). أو شرفُ فضيلة؛ لأنهم قُوَّامٌ عليهنَّ وحُرَّاس لهنَّ، يُشاركونهنَّ(٢)
في غَرَض الزواج من التلذّذ وانتظام مصالح المَعَاش، ويُخصُّون بشرفٍ یحصلُ لهم
لأجل الرِّعاية والإنفاق عليهنَّ.
والدرجة في الأصل: المِرْقاة، ويقال فيها: دُرَجة، كَهُمَزة. وقال الراغب(٣):
الدَّرَجة نحو المنزلة لكن تقال إذا اعتبرت بالصُّعود دون الامتداد على البسيط،
كدرجة السَّطح والسُّلَّم، ويُعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة، ومنه الآية. فهي على
التوجيهین مجاز.
وفي ((الكشف)): إن أصل التركيب لمعنى الأَناة والتقارب على مَهَل، من دَرَجَ
الصبيُّ: إذا حبا، وكذلك الشيخ والمُقيّد(٤) لتَقارُبِ خَطْوِهما. والدَّرجة التي يُرتَّقَى
عليها؛ لأنَّ الصُّعود ليس في السهولة كالانحدار والمشي على مستو، فلا بدَّ من
تدرُّج، والمَدارج(٥): المواضع التي يمر عليها السيل شيئاً فشيئاً، ومنه التدرُّج في
الأمور، والاستدراج من الله، والدَّركة هي الدرجة بعينها لكن في الانحدار.
و((الرجال)) جمع رَجُل. وأصلُ الباب القوّة والغَلَبة، وأتى بالمُظهر بدل المُضمر
للتنويه بذكْر الرُّجولية التي بها ظهرت العَزِيَّة للرجال على النساء.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُعجزه الانتقام ممن خالف الأحكام ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ عالمٌ
بعواقب الأمور والمصالح التي شرع ما شرع لها، والجملة تذييل للترهيب
والترغيب.
﴿اَلَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ إشارةٌ إلى الطلاق المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَئُهُنَّ أَحَقُّ بِرَّهِنَ﴾
(١) أورده البيهقي في السنن الكبرى ٨٢/٧ من قول أسماء بنت أبي بكر ﴿يا وعن أبيها، قالت:
إنما النكاح كالرق، فلينظر أحدكم أين يرق عتيقته.
(٢) في (م): يشاركوهن.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (درج).
(٤) في (م): المفيد.
(٥) في (م): الدرج. وكلاهما بمعنى. ينظر اللسان (درج).

سُؤَةُ الْبَرَة
٢٩٦
الآية : ٢٢٩
وهو الرَّجعي، وهو بمعنى التطليق الذي هو فعل الرجل، كالسلام بمعنى التسليم،
لأنه الموصوف بالوحدة والتعدُّد دون ما هو وصف المرأة، ويُؤْيِّد ذلك ذِكْر ما هو
من فعل الرجل أيضاً بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ] ◌ِمَعْرُوفٍ﴾ أي: بالرجعة وحسن
المُعاشرة ﴿أَوْ نَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إطلاقٌ مُصاحِبٌ له من جَبْر الخاطر وأداء
الحقوق، وذلك إمّا بأن لا يُراجعها حتى تَبين، أو يُطلِّقها الثالثة وهو المأثور، فقد
أخرج أبو داود وجماعةٌ عن أبي رَزِين الأسدي أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إني
أسمع الله تعالى يقول: ﴿الطّلَقُّ مَنَّتَانِ﴾ فأين الثالثة؟ فقال: ((التسريح بإحسان هو
الثالثة))(١).
وهذا يدل على أن معنى ((مرتان)) اثنتان، ويُؤيّد العهد كالفاء في الشق الأوَّل،
فإنَّ ظاهرها التعقيب بلا مُهلة، وحكم الشيء يعقبه بلا فصل، وهذا هو الذي حمل
عليه الشافعية الآية، ولعله أليقُ بالنَّظم حيث قد انجرَّ ذكر اليمين إلى ذِكْر الإيلاء
الذي هو طلاق، ثم انجرَّ ذلك إلى ذِكْر حُكم المُطلَّقات من العِدَّة والرجعة، ثم
انجرَّ ذلك إلى ذِكْر أحكام الطلاق المعقب للرَّجعة، ثم انجرَّ ذلك إلى بيان الخُلع
والطلاق الثلاثة، وأوفقُ بسبب النزول؛ فقد أخرج مالك والشافعي والترمذي
وغيرهم عن عروة قال: كان الرجلُ إذا طلَّق امرأتَه ثم ارتجعها قبل أن تنقضيَ
عِدَّتُها كان ذلك له، وإن طلَّقها ألفَ مرة، فعمد رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها حتى إذا
ما شارفَتِ انقضاءَ عَّتها ارتجعها ثم طلَّقها ثم قال: والله لا آويك إليَّ ولا تَحِلِّين(٢)
أبداً، فأنزل الله تعالى الآية(٣).
والذي دعاهم إلى ذلك قولُهم: إن جمع الطلقات الثلاث غير محرَّم، وإنه
لا سُنَّةَ في التفريق كما في ((تحفتهم))، واستدلَّوا عليه بأن عُوَيْمراً العَجْلاني لمَّا لا عَنَ
امرأته طلَّقها ثلاثاً قبل أن يُخبره وَّه بحرمتها عليه. رواه الشيخان(٤). فلو حرم لنهاه
عنه؛ لأنه أوقعه معتقداً بقاءَ الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمعُ عند المُخالف،
(١) المراسيل لأبي داود (٢٢٠).
(٢) في الأصل و(م): تخلين، والمثبت من المصادر.
(٣) الموطأ ٥٨٨/٢، ومسند الشافعي ٣٤/٢، وسنن الترمذي بعد الحديث (١١٩٢).
(٤) صحيح البخاري (٥٢٥٩)، وصحيح مسلم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد
الساعدي ﴿، وهو في مسند أحمد (٢٢٨٥١).

الآية : ٢٢٩
٢٩٧
سُورَةُ الْبَدَة
ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليمُ الجاهل، ولم يُوجدا، فدلَّ على أنه
لا حُرمة، وبأنه قد فعله جمعٌ من الصحابة وأفتى به آخرون.
وقال ساداتنا الحنفية: إن الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، وإنما السنَّة
التفريق لما رُوي في حديث ابن عمر﴾ًا أن رسولَ اللهِوَّه قال له: ((إنما السُّنَّةُ أن
تستقبلَ الظّهر استقبالاً، فَتُطَلِّقها لكل قَرْء تطليقة))(١) فإنه لم يُرِدِ وَّهِ من السُّنَّةُ أنه
يستعقب الثواب؛ لكونه أمراً مباحاً في نَفْسه لا مندوباً، بل كونه من الطريقة
المسلوكة في الدين؛ أعني ما لا يستوجب عقاباً. وقد حصره عليه الصلاة والسلام
على التفريق، فعلم أن ما عداه من الجمع. والطلاق في الحيض بدعة، أي:
موجبٌ لاستحقاق العقاب.
وبهذا يندفع ما قيل: إن الحديث إنما يدلُّ على أن جمع الطلقتين أو الطَّلّقات
في طهر واحدٍ ليس سنة، وأمَّا أنه بدعة فلا، لثبوت الواسطة عند المُخالف، ووجه
الدفع ظاهرٌ كما لا يخفى.
وفي ((الهداية))(٢): وقال الشافعي: كل الطلاق مباحٌ؛ لأنه تصرُّفٌ مشروعٌ حتى
يُستفاد به الحُكم، والمشروعية لا تُجامع الحظر بخلاف الطلاق في الحيض؛ لأن
المُحرَّم تطويلُ العِدَّة عليها لا الطلاق. ولنا أن الأصل في الطلاق هو الحَظْر؛ لما فيه
من قَظْع النكاح الذي تعلَّقت به المصالح الدينية والدنيوية، والإباحة للحاجة إلى
الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث، وهي في المُفرَّق على الأطهار ثابتة نظراً
إلى دليلها، والحاجةُ في نَفْسها باقية فأمكن تصوير الدليل عليها، والمشروعية في ذاته
من حيث إنه إزالة الرِّقّ لا يُنافي الحظر لمعنى في غيره، وهو ما ذكرناه. انتهى.
ومنه يعلم أن المُخالِفِ مُعمِّم لا مُقَسِّم، وإذا قلنا: إنه مُقَسِّم بناءً على ما في
كتب بعض مذهبه فغاية ما قال(٣) أن الجمعَ خِلافُ الأَولى من التفريق على الأقراء
أو الأشهر، وقد علمتَ أن تقسيمَ أبي القاسم وَّ غير تقسيمه.
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٤٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٣٠. وإسناده
ضعيف، ينظر نصب الراية ٢٢٠/٣.
(٢) ٢٦/٣ - ٢٧ (مع فتح القدير).
(٣) في (م): ما أثبت.

سُورَةُ الْبَعَة
٢٩٨
الآية : ٢٢٩
وأجيب عما في خبر عُويمر بأنها واقعةُ حال، فلعلها من المُستثنَيات؛ لما أن
مقام اللِّعان ضيقٌ، فيغتفر فيه مثل ذلك، ويُعذر فيه الغيور؛ وإعمال الدليلين أَولى
من إهمال أحدهما .
وحملوا الآية على أن المراد التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق،
لِمَا أن وظيفةَ الشارع بيانُ الأمور الشرعية، واللام ليست نصًّا في العهد، بل الظاهر
منها الجنس، وأيضاً تقييدُ الطلاق بالرجعي يدع ذِكْر الرجعة بقوله سبحانه: ﴿فَإِسَاٌ
يمَعْرُوفٍ﴾ تكراراً، إلا أن يقال: المطلوب هاهنا الحُكم المردَّد بين الإمساك
والتسريح، وأيضاً لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص،
وهذا الوجه مع كونه أبعد عن توهّم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد بالعبارة
يُفيد حُكماً زائداً وهو التفريق، ودلالة الآية حينئذ على ما ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان
معنى مرتين مجردَ التكرير دون(١) التثنية على حدٍّ ﴿ثُمَّ أَتْجِعِ الْصَرَ كَِّ﴾ [الملك: ٤]،
أي: كرةً بعد كرة، لا كرتين ثنتين(٢)، إلا أنه يلزم عليه إخراجُ التثنية عن معناها
الظاهر، وكذا إخراج الفاء أيضاً، وجعلُ ما بعدَها حُكماً مبتدأ وتخييراً مطلقاً عَقِيبَ
تعليمهم كيفية التطليق، وليس مرتَّباً على الأول ضرورةً أن التفريقَ المُطلَق لا يترتَّب
عليه أحدُ الأمرين لأنه إذا كان بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح، وتُحمل
الفاء حينئذ على الترتيب الذكري، أي: إذا عَلِمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حُكمه
الإمساك أو التسريح، فالإمساك في الرجعي والتسريحُ في غيره.
وإذا كان معنى مرتين التفريقَ مع التثنية كما قال به المحقّقون بناءً على أنه
حقيقةٌ في الثاني ظاهرٌ في الأول؛ إذ لا يقال لمن دفع إلى آخرَ دِرْهمين مرةً واحدة:
إنه أعطاه مرتين حتى يفرّق بينهما، وكذا لمن طلَّق زوجته ثِنتين دفعةً: إنه طلَّق
مرتين = اندفع حديثُ ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر، وفيما بعدها
أيضاً لصحة الترتب، ويكون عدمُ جواز الجمع بين التطليقتين مستفاداً من ((مرتان)»
الدالةِ على التفريق والتثنية، وعدمُ الجمع بين الثالثة مستفاداً من قوله سبحانه: ﴿أَوْ
تَشْرِيٌ﴾ حيث رتّب على ما قبله بالفاء، وقيل: إنه مُستفاد من دلالة النص.
(١) في (م): مجرد التنكر يردون.
(٢) في الأصل: تثنيتين.

الآية : ٢٢٩
٢٩٩
سُورَةُ الْجَنَة
هذا، ثم إن مَن أَوْجَبَ التفريقَ ذهب إلى أنه لو طلَّق غير مُفرِّق وقع طلاقُه
وكان عاصياً، وخالف في ذلك الإماميةُ وبعضٌ من أهل السنة - كالشيخ أحمد بن
تيمية ومَن اتَّبعه - قالوا: لو طلَّق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة. احتجاجاً بهذه
الآية، وقياساً على شهادات اللِّعان ورَمْي الجَمَرات، فإنه لو أتى بالأربع بلفظ واحد
لا تُعَدُّ له أربعاً بالإجماع، وكذا لو رَمَى بسبع حَصَيات دَفْعةً واحدة لم يُجزه
إجماعاً، ومثلُ ذلك مالو حلف لَيُصلِّين على النبيِ وَّ ألفَ مرة، فقال: صلى الله
تعالى على النبي ألف مرة، فإنه لا يكون بارًّا ما لم يأتِ بآحادِ الألف، وتَمسُّكاً
بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس با قال:
كان الطلاقُ الثلاثُ على عهد رسول الله صل وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر
واحدةً، فقال عمر: إنَّ الناسَ قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة، فلو أَمضيناه
عليهم، فأمضاه(١).
وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلَّق في مجلسٍ واحدٍ ثلاثَ مرات فإنه
لا يقع إلا واحدةً أيضاً؛ لِمَا أخرج البيهقي عن ابن عباس ظّ قال: طلَّق رُكانَةُ
امرأتَه ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله وكلية:
(كيف طلَّقتها؟)) قال: طلقتها ثلاثاً. قال: ((في مجلس واحد؟)) قال: نعم. قال:
((فإنما تلك واحدةٌ، فارجعها إنْ شئتَ» فراجعها(٢). والذي عليه أهلُ الحق اليوم
خلاف ذلك كلِّه.
والجواب عن الاحتجاج بالآية أنها كما علمت ليست نصًّا في المقصود،
وأما الحديث فقد أجاب عنه جماعةٌ؛ قال السُّبكي: وأحسن الأجوبة أنه فيمن
يعرف اللفظ، فكانوا أولاً يَصْدُقون في إرادة التأكيد لديانتهم، فلما كَثُرت الأخلاط
فيهم اقتضت المصلحةُ عدمَ تصديقهم وإيقاعَ الثلاث.
واعترضه العلّامة ابن حجر(٣) قائلاً: إنه عجيبٌ، فإنَّ صريحَ مذهبنا تصديقُ
(١) صحيح مسلم (١٤٧٢)، وسنن أبي داود (٢٢٠٠)، وسنن النسائي ١٤٥/٦، والمستدرك
١٩٦/٢، وسنن البيهقي الكبرى ٣٣٦/٧.
(٢) سنن البيهقي الكبرى ٣٣٩/٧، وأخرجه أحمد (٢٣٨٧)، وينظر الكلام على هذا الحديث
في مسند أحمد.
(٣) هو الهيثمي، وكلامه في كتابه تحفة المحتاج في شرح المنهاج.

سُورَةُ الَفَة
٣٠٠
الآية : ٢٢٩
مُريد التأكيد بشرطه وإن بلغ في الفِسق ما بلغ، ثم نقل عن بعض المُحقِّقين أن
أحسنها أنهم كانوا يعتادونه طلقة، ثم في زمن عمر ظ له استعجلوا وصاروا يُوقعونه
ثلاثاً، فعامَلَهم بقضيته، وأوقع الثلاث عليهم، فهو إخبارٌ عن اختلاف عادة الناس
لا عن تغيير حُكم في مسألة.
واعترض عليه بعدم مطابقته للظاهر المُتبادر من كلام عمر، لاسيما مع قول ابن
عباس ﴿ًا: الثلاث. إلخ، فهو تأويل بعيدٌ لا جوابٌ حَسَنٌ فَضْلاً عن كونه أحسنَ.
ثم قال: والأحسنُ عندي أن يُجاب بأن عمر ◌َّه لمَّا استشار الناس عَلِمَ فيه
ناسخاً لِمَا وقع قبلُ فعمل بقضيته، وذلك الناسخ إما خبرٌ بَلَغه أو إجماعٌ، وهو
لا يكون إلا عن نصّ، ومن ثمَّ أطبق علماءُ الأُمّة عليه، وإخبارُ ابن عباس لبيان أن
الناسخ إنما عُرِفَ بعد مُضِيّ مدة من وفاته بَلتر. انتهى.
وأنا أقول: الطلاق الثلاث في كلام ابن عباس ﴿ما يحتمل أن يكون بلفظ
واحد، وحينئذ يكون الاستدلال به على المُدَّعَى ظاهراً، ويُؤيِّد هذا الاحتمال
ظاهراً ما أخرجه أبو داود عنه: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً، بفم
واحدة، فهي واحدة(١). وحينئذ يُجاب بالنسخ.
ويحتمل أن يكون بألفاظٍ ثلاثة في مجلس واحد؛ مثل: أنت طالقٌ، أنت
طالق، أنت طالق، ويُحمل ما أخرجه أبو داود على هذا بأن يكون ((ثلاثاً)) متعلقاً
بـ ((قال)) لا صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: طلاقاً ثلاثاً، ولا تمييز للإبهام الذي في
الجملة قبله؛ و((بفم واحدة)) معناه: متتابعاً، وحينئذ يوافق الخبر بظاهره أهل القول
الأخير، ويُجاب عنه بأن هذا في الطلاق قبل الدخول، فإنه كذلك لا يقع إلا واحدةً
كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﴿ه؛ لأن البينونة وقعت بالتطليقة الأولى،
فصادفتها الثانية، وهي مُبانة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود والبيهقي عن
طاوس أن رجلاً يقال له: أبو الصَّهباء كان كثيرَ السؤال لابن عباس قال: أما علمت
أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد
رسول الله وَل﴿ وأبي بكر. وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل
(١) سنن أبي داود (٢١٩٧).