Indexed OCR Text

Pages 81-100

التفسير الإشاري (١٦٧-١٦٧)
٨١
سُورَةُ الْبَغَة
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وٌَِ﴾ بالذات لا شيء في الوجود غيرُه، فأَنَّى يُعْبَدُ سواه وهو
العدمُ البخت.
إنَّ في إيجاد سماوات الأرواح وأرضِ النفوس، واختلافِ النُّور والظلمة بينهما،
وفُلْكِ البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفعُ الناسَ في كسب كمالاتهم،
وتكميلٍ نشأتهم، وما أَنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرضَ النفوس
بعد موتها بالجهل، وبثَّ فيها القوى الحيوانية، وفرَّق في أفلاكها سَيَّارات عالم
الملكوت، وتصريفٍ رياح النفحات المحرّكة لأغصان أشجار الشّوق في ریاض
القلوب، وسحاب التجلِّيات المسخَّر بين سماء الرُّوح وأرض النَّفْس؛ ليُمْطِر قطرات
الخطاب على نيران الألباب لتسكُن ساعةً من الاحتراق بالتهاب نارِ الوَجْد، لآيات
ودلائل لقوم يعقلون بالعقل المَنوَّر بالأنوار القدسية، المجرَّد عن شوائب الوهم.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ مَن يعبد من دون الله أشياء مَنَعَتْه عن خدمة سيِّده والتوجُّه إليه،
﴿يُنَهُمْ﴾ ويميلون إليهم كحبِّهم لله، ويسوُّون بينهم وبينَه سبحانه؛ لأنَّهم لم يذوقوا لذةَ
محبته، ولم يروا نورَ مشاهدته وحقائق وصلِه وقربه ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الكامل
﴿أَشَدُّ ◌ُبَّا لِلّهُ﴾ لأنَّهم مستغرقون بمشاهدته، هائمون بلذيذِ خطابه من عهد ﴿أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لا يلتفتون إلى ما سواه طرفةَ عين، فهيهات أنْ يزول حبُّهم، أو
یمیل إلی الأغيار لُّهم، وهم أُحُّوه بحبُّه وصارت قلوبُهم عرشَ تجلِیاته وقربه.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُوَا﴾ وأشركوا مَن هو في الحقيقة لا شيء ولا وحي ولا ليّ،
في وقت رؤيتهم عذابَ الاحتجاب عن ربِّ الأرباب، وأنَّ القدرة لله جميعاً، وليس
لآلهتهم التي أَلْهتْهم عنه منها شيء، لندموا وتحسَّروا حيث لم يقصدوا وجه الله
تعالى ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرأ الأتباع من المتَّبَعين(١)، وقد رأوا عذاب
الحرمان، وتقطّعت بهم الوُصَلُ التي كانت بينهم في الدنيا، وتمثَّوا ما لا يمكن
بحال، وبقُوا بحسرة وعذاب، وكذا يكون حالُ القوى الروحانية المصافية(٢) للقوى
النفسانية التابعة لها في تحصيل لذَّاتها، وطوبى للمتحابِّين في الله تعالى عزَّ شأنه.
(١) في (م): المتبوعين.
(٢) في (م) الصافية.

سُورَةُ الْبََّفَة
٨٢
الآية : ١٦٨
﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِنَا فِ اَلْأَرْضِ حَلَا﴾ نزلت في المشركين الذين حرَّموا على
أنفسهم البَحِيرةَ والسائبة والوصيلة والحامي. كما ذكره ابن جرير. وابن
في(١)
عباس رضيها(١).
وقيل: في عبد الله بن سلام وأضرابه، حيث حرَّموا على أنفسهم لحمَ الإبل
لمَّا کان حراماً في دین اليهود.
وقيل: في قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حيث
حرَّموا التمرَ والأقطّ على أنفسهم.
و((حلالاً)) إمَّا مفعولُ ((كلوا)) أو حالٌ من الموصول، أي: کلوه حال كونه
حلالاً، أو صفةٌ لمصدر مؤكّد، أي: أكلاً حلالاً. و((من)) على التقديرين الأخيرين
للتبعيض ليكون مفعولاً به لـ ((كلوا))، وعلى التقدير الأول: يجوز أن تكون ابتدائية
متعلّقة بـ ((كلوا))، أو حالاً من ((حلالاً)) وقُدِّم عليه لتنكيره، وأن تكون ابتدائية بل هي
متعينة كما في ((الكشف)) على مذهب مَن جعل الأصل في الأشياء الإباحة، وأن
تكون تبعيضيةً بناءً على ما ارتضاه الرضيّ من أنَّ التبعيضيَّة في الأصل ابتدائيةٌ،
إلا أنه يكون هناك شيء ظاهر أو مقدَّرٌ، هو بعض المجرور بـ ((من))، ولا يلزم صحة
إقامة لفظِ البعض مُقامها .
والعلَّامة التفتازاني منع كونَها تبعيضية على هذا التقدير؛ لأنَّها في موقع
المفعول به حينئذ، والفعلُ لا ينصب مفعولين، وهو مبنيٌّ على ما في ((التسهيل)) (٢)
وغيرِه أنَّ التبعيض معنًى حقيقيّ لـ ((من)) وعلامتُه صحة إقامة لفظ البعض مُقامها.
والأمرُ للوجوب فيما إذا كان الأكلُ لقوام البُنية، وللندب كما إذا كان لمؤانسة
الضيف، وللإباحة فيما عدا ذلك.
ومناسبة الآية لما قبلها: أنَّه سبحانه لما بيَّن التوحيدَ ودلائلَه، وما للتائبين
والعاصين، أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمولٍ رحمته؛ ليدلَّ على أنَّ الكفر لا يؤثر في
قطع الإنعام.
(١) تفسير الطبري ٣٦/٣ - ٣٧، وذكره عن ابن عباس الواحدي في الوسيط ٢٥٢/١.
(٢) لم نقف عليه في التسهيل، ولعله في أحد شروحه.

الآية : ١٦٨
٨٣
سُؤَدَّةُ الْبَكَة
وقوله تعالى: ﴿َتِبَأْ﴾ صفة ((حلالاً))، ومعناه كما قال الإمامُ مالك: ما يجده
فمُ الشرع لذيذاً لا يَعَافُه ولا يكرهه، أو تراه عينه طاهراً عن دنس الشبهة، وفائدةٌ
وصف الحلال به: تعميمُ الحكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾
[الأنعام: ٣٨] و[هود: ٦] ليحصل الردُّ على مَن حرَّم بعض الحلالات، فإنَّ النكرة
الموصوفة بصفة عامَّةٍ تعمُّ بخلاف غير الموصوفة.
وقال الإمام الشافعي ظُه: المراد به ما تستطيبه الشهوةُ المستقيمة الناشئةُ من
المزاج الصحيح. ورُدَّ بأنَّ ما لا تستطيبه إمَّا حلالٌ لا شبهةَ فيه فلا منع، وإلَّا خرج
بقيد الحلال.
وأجيب بأنَّ المراد بالحلال ما نصَّ الشارعُ على حِلِّه، وبهذا ما لم يَرِدْ فيه نصٍّ
ولكنه مما يُسْتَلِذُّ ويشتهيه الطبعُ المستقيم، ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته
کاسکارٍ وضررٍ.
والأَوْلَى - نظراً للمقام - أن يقال: إنَّ التقييد ليس للاحتراز عمَّا تستطيبه الشهوةُ
الفاسدة، بل لكونه معتبراً في مفهومه؛ إذ لا يقال الطيب واللذيذ إلا على ما تستلذُّه
الشهوة المستقيمة، وتكون فائدة التوصيف حينئذٍ التنصيصَ على إباحة ما حرَّموه.
والقول بأنَّ في الآية على هذا التفسير إشارةً إلى النهي عن الأكل على امتلاء
المعدة والشهوة الكاذبة؛ لأن ذلك لا يستطيب= لا يَستطيب؛ لأنَّ الطعام اللذيذَ
المأكول كذلك مما تستطيبه الشهوةُ، إلا أنه ليس مأكولاً بالشهوة المستقيمة، وبين
المعنيين بُعد بعيد، كما قاله بعض المحققين.
واستدل بعضُهم بالآية على أنَّ مَن حرَّم طعاماً مَثَلاً، فهو لاغٍ ولا يحرم عليه،
وفيه خفاءٌ لا يخفى.
﴿وَلَا تَتَّعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنّ﴾ أي: آثارَه كما حكي عن الخليل(١). أو أعماله،
كما روي عن ابن عباس ﴿يا. أو خطاياه كما نقل عن مجاهد. وحاصلُ المعنى:
لا تعتقدوا به وتستثُّوا بسُنَّته، فتحرِّموا الحلالَ وتحلِّلوا الحرام.
(١) كتاب العين ٤/ ٢٩٢.

سُؤَّةُ الْبَقَة
٨٤
الآية : ١٦٩
وعن الصادق: من خطوات الشيطان الحَلِفُ بالطلاق، والنذورُ في المعاصي،
وكلُّ يمين بغير الله تعالى.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة بتسكين الطاء(١) وهما لغتان في جمع خطوة،
وهي مابين قدمي الماشي.
وقرأ عليّ كرم الله تعالى وجهه بضمتين وهمزة(٢)، وفي توجيهها وجهان،
الأول: ما قيل: إنَّ الهمزة أصلية، من الخطأ بمعنى الخطيئة. والثاني: أنَّ الواو
قلبت همزة؛ لأنَّ الواو المضمومة تُقْلب لها نحو ((أُجُوه))، وهذه لما جاورت الضمة
جُعلتْ كأنَّها عليها. قال الزَّجَّاج(٣): وهذا جائز في العربية.
وعن أبي السّمال أنه قرأ بفتحتين(٤) على أنَّه جمع خطوة، وهي المرَّة من
الخطو.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ (﴾﴾ تعليلٌ للنهي، و((مبين)) من أَبَانَ بمعنى: بان وظهر،
أي: ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يُظهرُ الولايةَ لمن يُغويه، ولذلك
سمي وليًّا في قوله تعالى: ﴿أَوْلِمَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ويحتمل أن يكون
ذلك من باب: تحيَّتهم السيف.
وقيل: أبان بمعنى أظهر، أي: مُظْهِر العداوة. والأول أليقُ بمقام التعليل.
﴿إِنََّا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوَّهِ وَالْفَحْشَآِ﴾ استئنافٌ لبيان كيفية عداوته، وتفصيلٌ لفنون شرِّه
وإفساده، وانحصار معاملته معهم في ذلك، أو علَّة للعلة بضمٌّ، وكلُّ مَن هذا شأنُه
فهو عدو مبين، أو علَّةٌ للأصل بضمٌّ، وكلُّ مَن هذا شأنُه لا يتَّبع، فيكون الحكم
معلَّلاً بعلتين: العداوة، والأمر بما ذكر.
وليس الأمر على حقيقته، لا لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ◌ِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾
[الحجر: ٤٢] و[الإسراء: ٦٥] ينافي ذلك لكونه مبنيًّا على أنَّ المعتبر في الأمر العُلوُّ
(١) التيسير ص٧٨، والنشر ٢١٦/٢، وقرأ بها أيضاً شعبة والبزي وخلف.
(٢) المحتسب ١١٧/١، وهي في القراءات الشاذة ص١١ عن عمرو بن عبيد وعيسى بن عمر.
(٣) في معاني القرآن ٢٤١/١.
(٤) المحتسب ١١٧/١، وهي في القراءات الشاذة ص١١ عن أبي حرام الأعرابي.

الآية : ١٦٩
٨٥
سُورَةُ الْبَّكَفَة
كما هو مذهب المعتزلة، وإلا فمجرد الاستعلاء لا ينافي أن يكون له سلطان، وعلى
أن يكون ((عبادي)» لعموم الكلِّ بدليل الاستثناء، وعلى أنَّ الخطاب في ((يأمركم))
لجميع الناس لا للمتبعين فقط، ولا منافاة أيضاً = بل لأنَّا نجد من أنفسنا أنَّه لا طلب
منه للفعل منا، وليس إلا التزيين والبعث، فهو استعارةٌ تبعية لذلك، ويتبعها الرمز إلى
أنَّ المخاطبين بمنزلة المأمورين المنقادين له، وفيه تسفيهُ رأيهم وتحقيرُ شأنهم.
ولا يَرِدُ أنه إذا كان الأمر بمعنى التزيين، فلا بُدَّ أن يقال: يأمر لكم، وإن كان
بمعنى البعث، فلا بد أن يقال: يأمركم على السوء أو للسوء؛ إذ المذكور لفظ
الأمر فلا بدَّ من رعاية طريق استعماله.
((السوء)) في الأصل مصدر ساءه يسوءه سوءاً أو مساءةً: إذا أَحْزَنَه، ثم أطلق
على جميع المعاصي سواء كانت قولاً أو فعلاً أو عقداً؛ لاشتراك كلِّها في أنَّها
تسوء صاحبها، والفحشاء أقبحُ أنواعها وأعظمُها مساءة.
وروي عن ابن عباس ﴿هما: أنَّ السوء ما لا حدَّ فيه، والفحشاء ما فيه حدٍّ.
وقيل: هما بمعنَّى، وهو ما أنكره العقلُ وحَكمَ بأنه ليس فيه مصلحةٌ وعاقبةٌ
حميدة، واستقْبَحَهُ الشرع، والعطف حينئذٍ لتنزيل تغاير الوصفين منزلةً تغاير
الحقيقتين، فإنَّ ذلك سوءٌ لاغتمام العاقل، وفحشاءٌ لاستقباحه(١) إياه، ولعلَّ
الداعي إلى هذا القول أنَّه سبحانه سمَّى جميع المعاصي والفواحش سيئة في قوله
جلَّ شأنه: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ﴾ [البقرة: ٨١] و﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:
(١١٤] ﴿وَجَزَّوُاْ سَفْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وسمَّى جميع المعاصي بالفواحش
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
ويمكن أن يقال: سلَّمْنا ولكن السيئة والفاحشة إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا
اجتمعا فلا يتم الاستدلال.
﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (٣)﴾ عطف على سابقه، أي: ويأمركم
الشيطان بأن تفتروا على الله الكذبَ بأنه حرَّم هذا وأحلَّ هذا، أو بذلك وبأنه أمر
باتِّخاذ الأنداد، ورضي بما أنتم عليه من الإفساد.
(١) في (م): باستقباحه.

سُورَةُ الْبَقَة
٨٦
الآية : ١٧٠
والتنصيصُ على الأمر بالتقوُّل مع دخوله فيما سبق؛ للاهتمام بشأنه. ومفعول
العلم محذوف، أي: ما لا تعلمون الإذن فيه منه تعالى، والتحذير عن ذلك مستلزمٌ
للتحذير عن التقوُّل عليه سبحانه بما يعلمون عدمَ الإذن فيه، كما هو حال كثير من
المشركين استلزاماً ظاهراً.
وظاهر الآية المنعُ من اتِّباع الظنِّ رأساً؛ لأنَّ الظنَّ مقابلٌ للعلم لغةً وعرفاً.
ويُشْكِلُ عليه أنَّ المجتهد يعمل بمقتضى ظنِّه الحاصلِ عنده من النصوص،
فكيف يَسُوغُ اتِّاعُه للمقلد؟
وأجيب بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العملُ به للدليل القاطع وهو
الإجماع، وكلُّ حكم يجب العمل به قطعاً عُلِمَ قطعاً بأنَّه حكمُ الله تعالى، وإلا لم
يجب العمل به قطعاً، وكلُّ ما عُلم قطعاً أنه حكم الله تعالى فهو معلومٌ قطعاً،
فالحكم المظنون للمجتهد معلومٌ قطعاً .
وخلاصته: أنَّ الظنَّ كافٍ في طريق تحصيله، ثمَّ بواسطة الإجماع على وجوب
العمل صارَ المظنون معلوماً وانقلب الظنُّ علماً، فتقليد المجتهد ليس من اتّباع
الظنِّ في شيء، وزَعْمُ ذلك من اتَّبَاعِ الظنِّ وتحقيقُه في الأصول.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَِّعُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ الضمير للناس، والعدولُ عن الخطاب إلى
الغيبة للتنبيه على أنَّهم لفَرْط جهلهم وحمقهم ليسوا أهلاً للخطاب، بل ينبغي أن
يُضْرفَ عنهم إلى مَن يعقله، وفيه من النداء لكلِّ أحدٍ من العقلاء على ضلالتهم
ما ليس إذا خوطبوا بذلك.
وقيل: الضميرُ لليهود - وإن لم يُذكروا - بناءً على ما روي عن ابن عباس
أنَّ الآية نزلتْ فيهم لَمَّا دعاهم رسول الله وَّه إلى الإسلام.
وقيل: إنَّه راجع إلى ((مَن يَتَّخذ))، أو إلى المفهوم من ((إنَّ الذين يكتمون))،
والجملة مستأنفةٌ، بناءً على ما روي أنَّها نزلتْ في المشركين.
وأنت تعلم أن النزول في حقِّ اليهود أو المشركين لا يقتضي تخصيصَ
الضمير بهم، وقد شاع أنَّ عموم المرجع لا يقتضي عمومَ الضمير كما في قوله

الآية : ١٧٠
٨٧
سُورَةُ الْبَرَة
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَّرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله سبحانه: ﴿وَيُعُولَئُهُنَّ أَحَقُ بِرِهِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢٨] على أنَّ نَظْمَ القرآن الكريم يأبى هذا القيل.
والموصول إما عامٌّ لسائر الأحكام الحقَّة المنزلة من الله تعالى، وإما خاصٌّ
بما يقتضيه المقام.
﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابََّنَاْ﴾ أي: وجدناهم عليه، والظرف إمّا حالٌ من
(آبائنا))، و(ألفينا)) متعدٍّ إلى واحد، وإما مفعولٌ ثان له مقدَّمٌ على الأول.
﴿أَوْلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ جواب الشرط
محذوف، أي: لو كان آباؤهم جهلةً لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى
الحقِّ لاتَّبعوهم، والواو للحال أو للعطف، والجملةُ الشرطية إما حالٌ عن ضمير
(قالوا)) أو معطوفةٌ عليه، والهمزة لإنكار مضمون تلك الجملة وهو التزامُهم الاتِّبَاعَ
على تقديرٍ ينافيه وهو كونهم غيرَ عاقلين ولا مهتدين، المستلزم لالتزامهم الاتِّباعَ
على أيّ حال كانوا من غير تمييز وعلم بكونهم محقِّين أو مبطلين، وهو التقليدُ
المذموم، ويتولد من ذلك الإنكار التعجيبُ.
وجوِّز أن تكون الجملة حالاً عن ضمير جملة محذوفة، أي: أيتبعونهم في حال
فرضهم غير عاقلين ولا مهتدين. وأن تكون معطوفة على شرط مقدَّر، أي: يتبعونهم
لو لم يكونوا غيرَ عاقلين ولو كانوا غير عاقلين.
وإلى الأول ذهب الزمخشريّ(١)، وإلى الثاني الجَرْمي، ولا يخفى أنه على
تقدير حذفِ الجملة المتقدمة لا يُحتاج إلى القول بحذف الجزاء، ولعلَّ ما ذكر
أولاً أولى؛ لِمَا فيه من التحرُّز عن كثرة الحذف، وإبقاء ((لو)» على معناها المشهور،
والهمزةِ الاستفهامية على أصلها وهو إيلاء المسؤول عنه. وكونُ المعنى يدور على
العطف على المحذوف في أمثال ذلك في سائر اللغات غيرُ مسلَّم.
واختار الرَّضيُّ أنَّ ((الواو)) الداخلةَ على كلمة الشرط في مثل هذا اعتراضيةٌ،
وعَنَى بالجملة الاعتراضية ما يتوسّط بين أجزاء الكلام، أو يجيء آخره متعلِّقاً به
معنَى مستأنفاً لفظاً.
(١) في الكشاف ٣٢٨/١.

سُورَةُ الجَمَ
٨٨
الآية : ١٧١
قيل: وفي الآية دليلٌ على المنع من التقليد لمن قَدَرَ على النَّظر، وأما اتِّباع
الغير في الدِّين بعد العلم بدليلٍ ما أنَّه محقٌّ، فاتِباعٌ في الحقيقة لِمَا أنزل الله تعالى،
وليس من التقليد المذموم في شيء، وقد قال سبحانه: ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] و[الأنبياء: ٧].
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثّلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءُ وَنِدَاءٌ﴾ جملةٌ ابتدائيةٌ
واردةٌ لتقرير ما قبلها أو معطوفةٌ عليه، والجامع أنَّ الأُولَى لبيان حال الكفار، وهذه
تمثيلٌ لها، وفيها مضافٌ محذوفٌ إمّا من جانب المشبّه أو المشبّه به، أي: مَثَلُ
داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق، أو: مَثَلُ الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق،
ووضع المظهر - وهو الموصول - موضعَ المضمر وهو البهائم؛ ليتمكن من إجراء
الصفة التي هي وجهُ الشبه عليه.
وحاصل المعنى على التقديرين: أنَّ الكفرة لانهماكهم في التقليد، وإخلادهم
إلى ما هم عليه من الضلالة، لا يُلْقُون أذهانهم إلى ما يُتلى عليهم، ولا يتأمَّلون
فيما يقرَّر معهم، فهم في ذلك كالبهائم التي يُنعق عليها وهي لا تسمع إلا جرسَ
النغمة ودويَّ الصوت.
وقيل: المراد تمثيلُهم في اتِّباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها،
بالبهائم التي تسمعُ الصوت ولا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنامَ
بالناعق في نعقه، وهذا يغني عن الإضمار، لكن لا يساعده قولُه تعالى: ﴿إِلَّا دُعَّءُ
وَنِدَآءٌ﴾ لأنَّ الأصنام بمعزلٍ عن ذلك، فلا دَخْلَ للاستثناء في التشبيه إلا أنْ يُجعل
من التشبيه المركّب، ويُلتزم كونُ مجموعِ ((لا يسمع إلا دعاءً ونداء)) كنايةً عن عدم
الفهم والاستجابة.
والنعيق: التتابعُ في التصويت على البهائم للزَّجرِ، ويقال: نعق الغراب نُعَاقاً
ونَعيقاً: إذا صوَّت من غير أن يمدَّ عنقه ويحركها، ونَغَقَ بالغين بمعناه. فإذا مدَّ عنقَه
وحرَّكها ثمّ صاح، قيل : نَعَبَ بالباء.
والدعاء والنداء بمعنى، وقيل: إنَّ الدعاء ما يُسمع والنداء قد يُسمع وقد
لا يُسمع، وقيل: إنَّ الدعاء للقريب والنداء للبعيد.

الآية : ١٧٢ ، ١٧٣
٨٩
سُورَةُ الْبَعَة
﴿هُمْ بُكْمَّ عُمْىٌ﴾ رفع على الذمِّ؛ إذ فيه معنى الوصف مع مانع لفظيٍّ من
الوصف به ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لا يدركون شيئاً لفقدان الحواسِّ الثلاثة،
وقد قيل: مَن فَقَدَ حسًّا فقدْ فَقَّدَ علماً. وليس المراد نفيّ العقل الغريزيِّ باعتبار
انتفاء ثمرته - كما قيل به - لعدم صحة ترتُبه بالفاء على ما قبله.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَنِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ أي: مستلَذَّاته، أو: من
حلاله، والآية إما أمرٌ للمؤمنين بما يليق بشأنهم من طلب الطيبات وعدم التوسُّع في
تناول ما رزقوا من الحلال، وذا لم يُستفَدْ من الأمر السابق، وإما أمرٌ لهم على طبق
ما تقدم، إلا أنَّ فائدة تخصيصهم بعد التعميم تشريفُهم بالخطاب وتمهيدٌ لطلب
الشكر. و((كلوا)) لعموم جميع وجوه الانتفاع دلالة وعبارة.
﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ على ما أَنعم به عليكم، والالتفاتُ لتربية المهابة ﴿إِن
كُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنَّه قيل: واشكروا
له لأنَّكم تخصُّونه بالعبادة، وتخصيصُكم إياه بالعبادة يدلُّ على أنكم تريدون
عبادةٌ كاملة تليقُ بكبريائه، وهي لا تتم إلا بالشكر؛ لأنَّه من أجلِّ العبادات
ولذا جُعل نصفَ الإيمان، وورد من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: يقول الله
تعالى: ((إنِّي والإنسَ والجنَّ في نبأ عظيم؛ أَخْلُق ويُعبَدُ غيري، وأرزقُ ويُشكر
غيري»(١).
والقول بأنَّ المراد: إن كنتم تعرفونه، أو: إن أردتم عبادته، منحظٌ من القول.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَكُمُ الْمَيْنَةَ﴾ أي: أكلَها والانتفاعَ بها، وأضاف الحرمةَ
إلى العين - مع أنَّ الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فِعْل
المكلَّف، وليست مما تتعلَّق بالأعيان - إشارةً إلى حرمة التصرف في الميتة،
وهي التي ماتت من غير ذكاةٍ شرعيةٍ، من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده،
حيث جعل العين غير قابلةٍ لتعلُّقِ فِعْلِ المكلَّف بها إلا ما خصَّه الدليل،
کالتصرُّف بالمدبوغ.
وأُلحق بالميتة ما أُبين من حيٍّ؛ للحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذيُّ -
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٩٧٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٦٣).

يُوَدَّةُ الْبَّهَغَة
٩٠
الآية : ١٧٣
وحسَّنه - عن أبي واقد الليثي قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((ما قُطِعَ من البهيمةِ وهي
حيَّة فهي ميتة))(١).
وخرج عنها السمكُ والجرادُ للحديث الذي أخرجه ابنُ ماجه والحاكم من
حديث ابن عمر رضيّها مرفوعاً: ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السمكُ والجرادُ والكبدُ
والطحال)»(٢). وللعُرْف أيضاً؛ فإنه إذا قال القائل: أكل فلانٌ الميتة، لم يَسْبِقِ
الوهمُ إليهما، نعم حرَّم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من الجراد بغير
سبب، وعليه أكثر المالكية.
واستُدل بعموم الآية على تحريم الأجنَّة، وتحريم ما لا نفس له سائلة، خلافاً
لمن أباحه من المالكية.
وقرأ أبو جعفر: ((الميّتة)) مشدّدةٌ(٣).
﴿وَلَّمَ﴾ قَيِّد في سورة الأنعام(٤) بالمسفوح وسيأتي، واستُدلَّ بعمومه على
تحریم ونجاسة دم الحوت وما لا نَفْس له تسيل.
﴿وَلَحْمَ الْخِيرِ﴾ خصَّ اللحم بالذكر مع أن بقية أجزائه أيضاً حرام خلافاً
للظاهریة؛ لأنَّه معظمُ ما يؤكل من الحیوان، وسائرُ أجزائه کالتابع له.
وقيل: خصَّ اللحم ليدلَّ على تحريم عينه ذُكِّيَ أو لم يُذَلَّ، وفيه ما لا يخفى.
ولعلَّ السرَّ في إقحام لفظ اللحم هنا إظهارُ حرمة ما استَظْيَبوه وفضَّلوه على
سائر اللحوم، واستعظموا وقوع تحريمه.
واستدل أصحابنا بعموم الخنزير على حرمة خنزير البحر، وقال الشافعي
لا بأس به، وروي عن الإمام مالك أنه قال له شخص: ما تقول في خنزير البحر؟
فقال: حرام. ثمَّ جاء آخر فقال له: ما تقول في حيوان في البحر على صورة
الخنزير؟ فقال: حلال. فقيل له في ذلك فقال: إنَّ الله تعالى حرَّم الخنزير ولم
(١) سنن أبي داود (٢٨٥٨)، وسنن الترمذي (١٤٨٠)، وهو في مسند أحمد (٢١٩٠٣).
(٢) سنن ابن ماجه (٣٣١٤)، وهو في مسند أحمد (٥٧٢٣). ولم نقف عليه في المستدرك.
(٣) النشر ٢٢٤/٢.
(٤) وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَكُونَ مَّيْتَةً أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِرٍ﴾ [الآية: ١٤٥].

الآية : ١٧٣
٩١
سُورَةُ البَفَة
يحرِّم ما هو على صورته، والسؤال مختلف في الصورتين.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ما رُفع(١) متلبّساً به - أي: بذبحه ـ الصوتُ
لغير الله تعالى، وأصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة: رؤيةُ الهلال، لكنْ
لمَّا جرت العادةُ أن يُرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سمي ذلك إهلالاً. ثم قيل لرفع
الصوت وإن كان بغيره.
والمراد بغير الله تعالى: الصنمُ وغيرُه كما هو الظاهر، وذهب عطاء ومكحول
والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى تخصيص الغير بالأول، وأباحوا ذبيحةً
النصراني إذا سمَّى عليها باسم المسيح، وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من
التحريم.
وإنما قدم ((به)) هنا؛ لأنَّه أمسُّ بالفعل، وأخِّر في مواضع أُخَرَ نظراً للمقصود
فيها من ذكر المستنكَر، وهو الذبح لغير الله عزَّ شأنه.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيّرَ بَاِ﴾ بالاستئثار(٢) على مضطرِّ آخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك
الآخر ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: متجاوزٍ ما يسدُّ الرَّمقَ والجوعَ، وهو ظاهرٌ في تحريم
الشبع، وهو مذهب الأكثرين؛ فعن الإمام أبي حنيفة والشافعي رؤيا: لا يأكل
المضطرُّ من الميتة إلا قَدْرَ ما يمسك رمقه؛ لأنَّ الإِباحة للاضطرار، وقد اندفع به .
وقال عبد الله بن الحسن العبري(٣): يأكل منها قَدْرَ ما يسدُّ جوعَته.
وخالف في ذلك الإمامُ مالك فقال: يأكل منها حتى يشبعَ ويتزوّد، فإن وجد
غنّی عنها طرحها .
ونقل عن الشافعي أنَّ المراد: ((غير باغ)) على الوالي، ((ولا عاد)» بقطع الطريق،
وجَعَل من ذلك السفر في معصية، فالعاصي في سفره لا يباح له الأكلُ من هذه
(١) في الأصل و(م): وقع، والمثبت هو الصواب، ينظر البحر ٤٨٩/١، وتفسير البيضاوي
٢١١/١، وتفسير أبي السعود ١٩١/١ .
(٢) في (م): بالاستتار.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب عبيد الله بن الحسن العنبري، وقوله في الاستذكار لابن
عبد البر ٣٥٣/١٥، وتفسير الرازي ٢٦/٥. وعبيد الله بن الحسن هو قاضي البصرة، قال
عنه النسائي: فقيه بصري ثقة، توفي سنة (١٦٨هـ). أخبار القضاة ٨٨/٢، والتهذيب ٣/ ٧.

سُورَةُ الْبَدَة
٩٢
الآية : ١٧٣
المحرمات، وهو المرويُّ عن الإمام أحمد أيضاً، وهو خلاف مذهبنا، ويحتاج
حكم الرخصة على هذا إلى التقييد بأن لا يكون زائداً على قدر الضرورة من خارج،
واستُدلَّ بعموم الآية على جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي خلافاً لمن منع
ذلك.
وقرأ أهلُ الحجاز والشام والكسائي: ((فمنُ اضطر)) بضم النون. وأبو جعفر
منهم بكسر الطاء من ((اضطر))(١).
﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ﴾ أي: في تناوله، بل ربَّما يأثم بترك التناول.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ ﴾﴾ فلذا أسقط الحرمة في تناوله ورَّص. وقيل:
الحرمة باقيةٌ، إلا أنه سقط الإثم عن المضطر وغُفِر له لاضطراره، كما هو الظاهر
من تقييد الإثم بـ ((عليه)). واستُدل للأول بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
[الأنعام: ١١٩] حيث استثنى من الحرمة.
ثمَّ اعْلَمْ أنه ليس المراد من الآية قصرَ الحرمة على ما ذكر مطلقاً - كما هو
الظاهر - حتى يَرِدَ منعُ الحصر بحرمة أشياء لم تذكر، بل مقيدٌ بما اعتقدوه
حلالاً بقرينةٍ أنَّهم كانوا يستحلُّون ما ذكر، فكأنه قيل: إنَّما حرَّم عليكم ما ذكر من
جهة ما استحللتموه لا شيئاً آخر(٢)، والمقصود من قَصْر الحرمة على ما ذكر ردٌ
اعتقادهم حِلِّيّته بأبلغ وجه وآكدِه فيكون قَصْرَ قَلْبٍ، إلا أنَّ الجزء الثاني ليس لردِّ
اعتقاد الحرمة؛ إذ لم يعتقدوا حرمةً شيء مما استحلَّوه، بل تأكيد الجزء الأول.
والخطاب للناس باعتبار دخول المشركين فيهم، فيكون مفادُ الآية الزجرُ عن تحليل
المحرمات، كما أنَّ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] زجرٌ عن تحريم الحلالات.
أو المرادُ قصرُ حرمة ما ذُكر على حال الاختيار، كأنه قيل: إنَّما حرَّم عليكم
هذه الأشياءّ ما لم تضطروا إليها، والأنسبُ حينئذ أن يكون الخطابُ للمؤمنين؛
ليكون محطّ الفائدة هو القيد، حيث كانوا معتقدين حرمة هذه الأمور، وفائدةٌ
الحكم: الترخيصُ بعد التضييق عليهم بطلب الحلال الطيب، أو تشريفُهم بالامتنان
(١) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٥/٢.
(٢) في (م): لأشياء أخر.

الآية : ١٧٤
٩٣
سُوَّةُ الْجَدَة
بهذا الترخيص بعد الامتنان عليهم بإباحة المستلذَّات.
واختار بعضُهم أنَّ المراد من الحصر ردُّ المشركين في تحريمهم ما أَحلَّه الله
تعالى من البَحيرة والوصيلة والحامي وأمثالها؛ لأكلهم من هذه المحرَّمات المذكورة
في الآية، فكأنَّهم قالوا: تلك حُرِّمتْ علينا ولكن هذه أُحلَّتْ لنا، فقيل: ما حرَّمتُ
إلا هذه، فهو إذاً إضافي.
وذهب آخرون إلى أنه قصرُ إفراد(١) بالنسبة إلى ما حرَّمه المؤمنون - مع
المذكورات - من المستلذَّات. وفيه أنَّ المؤمنين لم يعتقدوا حرمةً المستلذَّات، بل
حرَّموها على أنفسهم لِمَا سمعوا من شدائد المحاسبة والسؤال عن النعم. قاله
بعض المحققین فليتدبر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ المشتملِ على فنون الأحكام
التي من جملتها أحكام المحلَّلات والمحرَّمات. والآية نزلتْ - كما روي عن ابن
عباس ﴿ - في علماء اليهود، كانوا يصيبون من سِفْلَتِهم هدايا، وكانوا يرجون أن
يكون النبيُّ المبعوثُ منهم، فلما بُعث من غيرهم كتموا وغيَّروا صفَّتِهِ وَّه حتى
لا يُتَبع فتزولَ ریاستُهم وتنقطعَ هداياهم(٢).
﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي: يأخذون بَدَلَه في نفس الأمر، والضمير لـ ((الكتاب))، أو
لـ «ما أنزل))، أو للكتمان. ﴿ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ أي: عوضاً حقيراً.
﴿أُوْلَكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ﴾ إما في الحال كما هو أصل المضارع؛
لأنَّهم أكلوا ما يتلَّس بالنار وهو الرّشا؛ لكونها عقوبة لها، فيكون في الآية استعارة
تمثيلية بأنْ شبَّه الهيئة الحاصلة من أكلهم ما يتلبس بالنار بالهيئة المنتزعة من أكلهم
النار، من حيث إنَّه يترتب على أكل كلِّ منهما من تقطّع الأمعاء والألم ما يترتب
على الآخر، فاستعمل لفظ المشبّه به في المشبّه.
(١) قصر الإفراد: هو قطع الشركة بين صفتين في الثبوت للموصوف، أو بين الموصوف وغيره
في الاتصاف بالصفة، فقولنا: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، نخاطب به من يعتقد أن زيداً كاتب
وشاعر. وقولنا: ما شاعرٌ إلا زيدٌ، نخاطب به مَن يعتقد أن زيداً شاعر، لكن يدَّعي أن عمراً
شاعرٌ أيضاً. ينظر الإيضاح للقزويني ١١٨/١.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٤٤ .

سُورَةُ النَّفَة
٩٤
الآية : ١٧٤
وإما في المآل، أي: لا يأكلون يوم القيامة إلا النار، فالنار في الاحتمالين
مستعملٌ في معناه الحقيقيّ.
وقيل: إنَّها مجازٌ عن الرّشا إذا أريد الحلالُ والعلاقةُ السببية والمسبَّبية، وحقيقةٌ
إذا أريد المآل. ولا يخفى أنَّ الأولَ هو الأليقُ بمقام الوعيد.
والجارُّ والمجرور حالٌ مقدَّرة، أي: ما يأكلون شيئاً حاصلاً في بطونهم
إلا النار؛ إذ الحصولُ في البطن ليس مقارناً للأكل، وبهذا التقدير يندفع ضعفُ
تقديم الحال على الاستثناء، ولا يُحتاج إلى القول بأنَّه متعلق بـ ((يأكلون)). والمراد:
في طريق بطونهم، كما اختاره أبو البقاء(١). والتقييد بالبطون لإفادة المَلْءٍ(٢)
لا للتأكيد كما قيل به، والظرفية بلفظة ((في)) وإن لم تقتضِ استيعابَ المظروفٍ
الظرفَ، لكنَّه شاع استعمال ظرفية البطن للاستيعاب(٣)، كما شاع ظرفية بعضه في
عدمه کقوله :
كُلُوا في بَعْضٍ بَظْنِكُمُ تَعِقُّوا فإنَّ زمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ(٤)
﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: كلامَ رحمة كما قال الحسن، فلا ينافي
سؤاله سبحانه إیاهم. وقيل: لا یکلمهم أصلاً لمزید غضبه جلَّ جلاله عليهم،
والسؤال بواسطة الملائكة.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يطهِّرهم من دنس الذنوب، أو لا يثني عليهم ﴿وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾﴾ أي: مؤلم.
وقد جاءت هذه الأخبار مرتَّبةً بحسب المعنى؛ لأنَّه لَمَّا ذكر سبحانه اشتراءهم
بذلك الثمن القليل، وكان كنايةً عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولاً في الخبر
بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ ثمَّ قابل كتمانَهم الحقَّ وعدمَ التكلُّم
به بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ﴾، وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله
(١) في الإملاء ٣٣٤/١.
(٢) في الأصل: الملاء.
(٣) في (م): في الاستيعاب.
(٤) البيت في الكتاب ١/ ٢١٠، وأساس البلاغة (خمص)، وخزانة الأدب ٧/ ٥٥٩ .

الآية : ١٧٥ ، ١٧٦
٩٥
سُورَةُ الْبَقَة
تعالى ثمناً قليلاً أنَّهم شهودُ زورٍ وأحبارُ سوءٍ، آذَوا بهذه الشهادة الباطلة
رسولَ الله ◌َ﴿ والموه، فقوبلوا بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾
وبدأ أولاً بما يقابل فرداً فرداً، وثانياً: بما يقابل المجموع.
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ آَشْتَّرُوا﴾ بسبب كتمانهم الحقَّ للمطامع الدنيَّة، والأغراض
الدنيوية ﴿الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ في الدنيا ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَؤُ﴾ في الآخرة. والجملةُ
إما مستأنفة، فإنَّه لَمَّا عظم وعيدُ الكاتمين كان مظنةً أن يُسأل عن سبب عِظَم
وعيدهم، فقيل: إنَّهم بسبب الكتمان خسروا الدنيا والآخرة. وإمَّا خبرٌ بعد خبرٍ
لـ «إنَّ»، والجملة الأولى لبيان شدَّة وعيدِهم، وهذه لبيان شناعة كتمانهم.
﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَى النَّارِ (٣٥)﴾ أي: ما أشدَّ صبرَهم، وهو تعجيبٌ للمؤمنين
من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيّ صبرٍ لهم، و ((ما)» في مثل هذا
التركيب قيل: نكرةٌ تامَّة. وعليه الجمهور، وقيل: استفهاميةٌ ضُمِّنتْ معنى التعجّب.
وإليه ذهب الفراء (١)، وقيل: موصولةٌ. وإليه ذهب الأخفش، وحكي عنه أيضاً أنها
نكرة موصوفة (٢). وهي على هذه الأقوال في محلِّ رفع على الابتداء، والجملة
خبرها، أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة، وتمام الكلام في كتب النحو.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: مجموعُ ما ذكر: من أكل النار، وعدم التكليم والتزكية، والعذابِ
المرتَّبِ على الكتمان. ﴿يَأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بسبب أنَّ الله تعالى
نزّل القرآنَ أو التوراةَ متلبساً بالحقِّ، ليس فيه شائبة البطلان أصلاً، فرفضوه
بالتكذيب أو الكتمان.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِىِ الْكِتَابِ﴾ أي: في جنسه بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى
وكفروا ببعض، أو في التوراة، ومعنى ((اختلفوا)»: تَخلَّفوا عن سلوك طريق الحقِّ
فيها، أو جعلوا ما بدَّلوه خلفاً عمَّا فيها، أو في القرآن، واختلافُهم فيه قولُ
بعضهم: إنَّه سحر، وبعضِهم: إنَّه شعر، وبعضِهم: إنَّه أساطير الأولين.
®﴾ عن الحقِّ، موجبٍ لأشدِّ العذاب.
﴿لَفِی شقاقٍ﴾ أي: خلافٍ ﴿ییدٍ
(١) في معاني القرآن ١٠٣/١.
(٢) ذكر القولين عن الأخفش أبو حيان في البحر ٤٩٤/١، وينظر معاني القرآن للأخفش ٣٤٧/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٩٦
الآية : ١٧٧
وهذه الجملة تذييلٌ لِمَا تقدَّم معطوفةٌ عليه. ومن الناس مَن جعل ((الواو))
للحال، والسببيةَ المتقدِّمةَ راجعةً إليها، والتذييلُ أَدْخَلُ في الذِّ كمَا لا يخفى.
﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اٌلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (البر)) اسمٌّ جامعٌ لأنواع الخير
والطاعات المقرِّبة إلى الله تعالى، والخطابُ لأهل الكتابين، والمراد من ((قِبَلَ
المشرق والمغرب) السَّمْتان المعيَّنان، فإنَّ اليهود تصلِّي قِبَل المغرب إلى بيت
المقدس من أفق مكة، والنصارى قِبَل المشرق، والآية نزلت ردًّا عليهم حيث
أكثروا الخوضَ في أمر القبلة، وادَّعى كلُّ طائفة حصرَ البرِّ على قبلته رَدًّا على
الآخر، فردّ الله تعالى عليهم جميعاً بنفي جنس البرِّ عن قبلتهم لأنَّها منسوخة،
فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي لا للقصر؛ إذ ليس المقصود نفيَ القصر أو قصرَ
النفي.
ويحتمل أن يكون الخطاب عامًّا لهم وللمسلمين، فيكون عوداً على بدء، فإنَّ
الكلام في أمر القبلة وطعنَهم في النبي ◌َّه بذلك كان أساسَ الكلام إلى هذا
القطع، فجُعل خاتمةً كليّة أُجْمِلَ فيها ما فصِّل. والمراد من ذكر المشرق والمغرب
التعميمُ لا تعيينُ السمتين، وتعريف البر حينئذ(١) إمّا للجنس فيفيد القصر،
والمقصود نفيُ اختصاص البرِّ بشأن القبلة مطلقاً على ما يقتضيه الحالُ من كثرة
الاشتغال والاهتمام بذلك، والذهولِ عمَّا سواه، وإمَّا للعهد، أي: ليس البرَّ العظيم
الذي أكثرتم الخوضَ فيه وذهلتم عمَّا سوى ذلك، وقدّم المشرق على المغرب مع
تأخر زمان الملة النصرانية، رعايةً لما بينهما من الترتيب المتفرِّع على ترتيب
الشروق والغروب.
وقرأ حمزة وحفص: ((البرَّ)) بالنصب، والباقون بالرفع(٢). ووجه الأولى أن
يكون خبراً مقدماً كما في قوله :
سَلي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عنَّا وعنهُمُ فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهُولُ(٣)
(١) قوله: حينئذ، ليس في الأصل.
(٢) التيسير ص٧٩، والنشر ٢٢٦/٢.
(٣) البيت السموأل أو لعبد الملك الحارثي، كما في شرح الحماسة المرزوقي ١٢٣/١، وشرح
الحماسة للتبريزي ١/ ٦١.

الآية : ١٧٧
٩٧
سُورَةُ الْبَقَة
وحسَّن ذلك أنَّ المصدر المؤوَّل أَعْرَفُ من المحلَّى باللام؛ لأنَّه يشبه الضمير
من حيثُ إنَّه لا يوصف ولا يوصف به، والأعرف أحقُّ بالاسمية، ولأنَّ في الاسم
طولاً فلو روعي الترتيب المعهود لفات تَجاوُبُ أطراف النظم الكريم.
ووجه الثانية: أنَّ كل فريق يدَّعي أنَّ البرَّ هذا، فيجب أن يكون الردُّ موافقاً
لدعواهم، وما ذلك إلا بكون البرِّ اسماً كما يُفْصِحُ عنه جَعْلُه مخبَراً عنه في الاستدراك.
وقرأ ابن مسعود ﴿ه: ((ليس البرَّ) بالنصب ((بأن تولوا)) بالباء(١).
﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ تحقيقٌ للحقِّ بعد بيان بطلان الباطل، و((أل)) في
((البر)) إما للجنس، فيكون القصر ادِّعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد،
وإما للعهد، أي: ما ينبغي أن يُهْتَمَّ به ويُعْتَنَى بشأنه ويُجدَّ في تحصيله.
والكلام على حذف مضاف، أي: بُّ مَن آمَنَ؛ إذ لا يُخْبَر بالجثة عن المعنى،
ويجوز أن لا يُرتكب الحذف، ويُجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو يقال بإطلاق
البر على البارِّ مبالغة. والأول أَوْفَقُ لقوله: ((ليس البر)) وأحسنُ في نفسه؛ لأنَّ كنزع
الخفِّ عند الوصول إلى الماء، ولأن المقصود من كون ذي البرِّ مَن آمن إفادةُ أنَّ
البرَّ إيمانُه فيَؤُول إلى الأول، والمراد بهذا الإيمان إيمانٌ خالٍ عن شائبة الإشراك،
لا کإيمان اليهود والنصارى القائلين ﴿عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿الْمَسِيحُ
أَبْنُ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقرأ نافع وابن عامر: ((ولكن)) بالتخفيف (٢)، وقرأ بعضهم: ((البارّ)) بصيغة اسم
الفاعل(٣).
﴿وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي: المعاد الذي يقول به المسلمون، وما يَتْبعُه عندهم
﴿وَالْعَلَبِكَةٍ﴾ أي: وآمَنَ بهم وصدَّق بأنَّهم عبادٌ مُكْرَمون لا يوصفون بذكورة
ولا أنوثة، ومنهم المتوسّطون بينَه تعالى وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بإلقاء
الوحي وإنزال الكتب.
(١) القراءات الشاذة ص١١، والمحتسب ١١٧/١.
(٢) التيسير ص٧٩، والنشر ٢٢٦/٢.
(٣) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣٣٠/١.

سُورَةُ الْبَّكَفَة
٩٨
الآية : ١٧٧
﴿وَالْكِنَبِ﴾ أي: جنسه، فيشمل جميع الكتب الإلهية؛ لأنَّ البرَّ الإيمانُ
بجميعها، وهو الظاهر الموافق لقرينه، ولِمَا ورد في الحديث: ((أنْ تؤمنَ بالله
وملائكته وكتبه ورسله))(١). أو: القرآن؛ لأنَّه المقصود بالدعوة، والكاملُ الذي
يستأهل أن يسمَّى كتاباً، والإيمانُ به يستلزمُ الإيمانَ بجميع الكتب لكونه مصدِّقاً
لما بین یدیه.
وقيل: التوراة. ويُبْعِدُه عدمُ ظهور القرينة المخصّصة لها، وأن الإيمان بها
لا يستلزم الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن.
والإيمانُ بالكتب أن يؤمنَ بأنَّها كلامُ الربِّ جلَّ شأنه، منزهةٌ عن الحدوث،
منزَّةٌ على ذويها، ظاهرةٌ لديهم حَسْبَما اقتضته الحكمةُ من اللغات.
﴿وَلَّبْعِنَ﴾ أي: جميعهم من غير تَفْرِقةٍ بين أحدٍ منهم كما فعل أهلُ الكتابين،
والإيمان بهم أن يصدِّق بأنَّهم معصومون مطهّرون، وأنَّهم أشرفُ الناس حسباً ونسباً،
وأنْ ليس فيهم وصمةٌ ولا عيبٌ مُنفِّرٌ، ويعتقد أنَّ سيدَهم وخاتمهم محمد ◌َّهِ، وأنَّ
شريعته ناسخةٌ لجميع الشرائع، والتمسُّك بها لازمٌ لجميع المكلَّفين إلى يوم القيامة.
﴿وَءَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهٍ﴾ حالٌ من ضمير ((آتى))، والضميرُ المجرورُ للمال، أي:
أعطى المال كائناً على حبِّ المال، والتقييد لبيان أفضل أنواع الصدقة، فقد أخرج
البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رَّه قال: قال رسولُ اللهِوَّ: «أفضلُ
الصدقة أنْ تصدَّقَ وأنت صحيحٌ، تأمُلُ البقاءَ، وتخشى الفقرَ، ولا تُمْهل حتى إذا
بلغَتِ الحلقومَ قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان»(٢).
وفي هذا إيذانٌ بأنَّ درجات الثواب تتفاوتُ حَسْبَ تفاوتِ المراتب في الحبّ،
حتى إنَّ صدقةَ الفقير والبخيل أفضلُ من صدقة الغنيّ والكريم، إلّا أن يكونا أحبَّ
للمال منهما، ويؤيِّد ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أفضلُ الأعمال أحمزُها))(٣).
(١) قطعة من حديث جبريل الطويل سلف تخريجه ٢٩٥/١.
(٢) صحيح البخاري (١٤١٩)، وصحيح مسلم (١٠٣٢)، وهو في مسند أحمد (٧٤٠٧).
(٣) ذكره ابن الأثير في النهاية (حمز) عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صل ى: أي الأعمال
أفضل؟ فقال: ((أحمزها)). وقال علي القاري في الأسرار المرفوعة ص ١٠٠: قال الزركشي:
لا يعرف، وقال ابن القيم في شرح المنازل: لا أصل له، قلت: ومعناه صحيح لما في

الآية : ١٧٧
٩٩
سُورَةُ البَّفَة
وجوِّز رجوع الضمير لله تعالى، أو للمصدر المفهوم من الفعل، والتقييدُ حينئذ
للتكميل، وبيانِ اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة، ودفع كون إيتاء المال
مطلقاً برًّا. والأول هو المأثور عن السلف الصالح، ولعلَّه المرويُّ عن
رسول الله (﴾﴾.
﴿ذَوِى الْقُرْبَ﴾ مفعولٌ أوَّلُ لـ ((آتى)) قدِّم عليه مفعوله الثاني للاهتمام، أو لأنَّ
فيه مع ما عطف عليه طولاً لو روعي الترتيب لفات تجاوُبُ الأطراف، وهو الذي
اقتضى تقديم الحال أيضاً. وقيل: هو المفعول الثاني.
والمراد بـ ((ذوي القربى)): ذوو قرابة المعطي، لكن المحاويجُ منهم لا مطلقاً؛
لدلالة سوق الكلام، وعدِّ مصارف الزكاة على أنَّ المرادَ الخير والصدقة، وإيتاءُ
الأغنياء هبةٌ لا صدقة.
وقدم هذا الصنف لأنَّ إيتاءهم أهمُّ، فقد صحَّ عن أم كلثوم بنت عقبة قالت:
سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((أفضلُ الصدقة على ذي الرَّحم الكاشح))(١).
وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال: قال رسولُ اللهِ وَّه:
(الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم اثنتان: صدقة وصلة))(٢).
﴿وَأَلْيَى﴾ عطف على ((ذوي القربى)). وقيل: على ((القربى))؛ إذ لا يصحُ
إيصالُ المال إلى مَن لا يعقل، فالمعطَى حينئذ كافلُهم لأجلهم، وفيه ما لا يخفى.
= الصحيحين عن عائشة: ((الأجر على قَدْرِ التعب)). اهـ. قلنا: حديث عائشة قد ذكره
بالمعنى، فقد أخرجه البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١): (١٢٦)، وفيهما أن النبي ◌َّ
قال لعائشة في أجر العمرة: ((لكنها على قدر نصبك - أو قال - نفقتك)). أما حديث ابن
عباس فقد ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٢٣٣/٤ من طريق ابن جريج، عمن حدثه، عن
ابن عباس: أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أحمزها. ولم يرفعه. قال أبو عبيد:
أحمزها، يعني أمتنها وأقواها.
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٣٨٦)، والطبراني في الكبير ٨٠/٢٥، والحاكم في المستدرك
٥٦٤/١ وصححه. وله شاهد من حديث حكيم بن حزام ﴿به عند أحمد (١٥٣٢٠).
(٢) مسند أحمد (١٦٢٢٦)، وسنن الترمذي (٦٥٨)، وأخرجه النسائي ٩٢/٥، وابن ماجه
ـا عند أحمد (١٦٠٨٢)،
(١٨٤٤)، وله شاهد من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود
والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠).

سُوَّةُ الْبَقَة
١٠٠
الآية : ١٧٧
﴿﴿وَالْمَسَكِينَ﴾ جمع مسكين وهو الدائمُ السكون، لِمَا أن الحاجة أسكنته بحيث
لا حراك به، أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس. وتخصيصُه بمن لا شيء له،
أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته، خارجٌ عن مفهومه.
﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر كما قاله مجاهد. وسُمِّ بذلك لملازمته الطريق
في السفر، أو لأنَّ الطريق تُبْرِزه فكأنَّها ولدته، وكأنَّ إفرادَه لانفراده عن أحبابه
ووطنه وأصحابه، فهو أبداً يتوقُ إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحِنُّ إلى
وطنه حنينَ الشارف إلى عطنه(١)، أو لأنَّه لَمَّا لم يكن بين أبناء السبيل والمعطي
تعارُفّ غالباً يهوّن أمر الإعطاء ويرغِّبُ فيه، أفردهم ليهوِّن أمرَ إعطائهم، وليشير إلى
أنَّهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة، فلا يَضْجَرْ من إعطائهم لعدم
معرفتهم وبُعْدِ منفعتهم، فلیفهم.
وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير: أنَّه الضيفُ الذي ينزل بالمسلمين.
﴿وَلسَّآيَلِينَ﴾ أي: الطالبين للطعام سواء كانوا أغنياء إلا أنَّ ما عندهم لا يكفي
لحاجتهم، أو فقراءَ كما يدلُّ عليه ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن
أبي حاتم عن الحسين بن علي ﴿يَا قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: (للسائل حقٌّ وإن جاء
على فرس))(٢) فإنَّ الجائي على فرس يكون في الغالب غنيًّا.
وقيل: أراد المساكينَ الذين يَسألون فتُعرف حالُهم بسؤالهم، والمساكينُ السابقُ
ذكرُهم الذين لا يَسألون وتُعرف حاجتُهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى، وعليه
يكون التقييد في الحديث لتأكيد رعاية حقِّ السائل، وتحقيقِ أنَّ السؤالَ سببٌ
للاستحقاق وإن فرض وجوده من الغنىَ كالقرابة واليتم.
﴿وَفِي الرِقَاپ﴾ متعلق بـ ((آتى)، أي: آتی المال في تخليص الرقاب وفکاکها،
بمعاونة المكاتبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرقاب لعتقها. والرقبةُ مجازٌ عن
(١) الشارف: الناقة التي قد أسنَّت. والعطن للإبل كالوطن للناس، وقد غلب على مبركها حول
الحوض. اللسان (عطن).
(٢) مسند أحمد (١٧٣٠)، وسنن أبي داود (١٦٦٥)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٠/١ (١٥٥٦)
من طريق يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها ... وإسناده ضعيف
لجهالة یعلی بن أبي یحیی.