Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ١٦١ ٦١ سُورَةُ الْجَنَة وقيل: أظهروا ما أحدثوه من التوبة؛ ليمحوا سمَة الكفر عن أنفسهم ويقتدي بهم أضرابُهم، فإنَّ إظهار التوبة ممن يقتدى به شرط فيها على ما يشير إليه بعض الآثار. وفيه أنَّ الصحيح أنَّ إظهار التوبة إنما هو لدفع معصية المتابعة وليس شرطاً في التوبة عن أصل المعصية، فهو داخل في قوله تعالى: ((وأصلحوا)). ﴿فَأُوْلَمْكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ عطفٌ على ما قبله تذييلٌ له، والالتفات إلى التكلُّم(١) للافتنان، الرَّحِيمُ مع ما فيه من الرمز إلى اختلاف مبدأ فِعْليه السابقِ واللاحق. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ الموصول للعهد كما هو الأصل، والمرادُ به: الذين كتموا، وعبَّر عن الكتمان بالكفر نعياً عليهم به، والجملة عديلةٌ لِمَا فيها (إلا))، ولم تعطف عليها إشارةً إلى كمال التباين بين الفريقين. والآية مشتملةٌ على الجمع والتفريق؛ جَمعَ الكاتمين في حكمٍ واحدٍ وهو أنَّهم ملعونون، ثمَّ فرَّق فقال: أمَّا الذين تابوا فقد تاب الله تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة، وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم يتوبوا عنه، فقد استقرَّتْ عليهم اللعنةُ ولم تُزَلْ عنهم. وأورد كلمة الاستثناء في الجملة الأولى مع أنه ليس للإخراج عن الحكم السابق، بل هو بمعنى ((لكنْ))؛ للدلالة على أنَّ التوبة صارت مكفِّرةً للَّعن عنهم، فكانّهم لم يباشروا ولم يدخلوا تحته. قاله بعض المحققين، وفيه ارتكابُ خلافٍ الظاهر في الاستثناء. ولهذا قال البعض: إنَّ المرادَ بالجملة المستثنى منها بيانُ دوام اللعن واستمرارِهِ، وعليه يدور الاستثناء المتَّصل، وجملة ((إنَّ الذين كفروا)) إلخ مستأنفةٌ سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء، وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين. والاقتصارُ على ذكر الكفر في الصِّلة من غير تعرُّضٍ لعدم التوبة والإصلاح والتبيينِ مبنيٌّ على أنَّ وجود الكفر مستلزمٌ لعدمها جميعها، كما أنَّ وجودها مستلزمٌ (١) في الأصل: المتكلم. سُورَةُ الْبَّرَة ٦٢ الآية : ١٦١ للإيمان الموجب لعدم الكفر، ولذا لم يصرِّح بالإيمان في صفات التائبين. والفرق بين الدوامين: أن الأول تجدُّديٌّ، والثاني تُبُوتي. ولا يخفى أنَّ هذا أوفق بظاهر اللفظ، وما ذكره بعض المحققين أجزلُ معنّى وأعلى كعباً وأدقُّ نظراً. وقيل: الموصول عامٌّ للذين كتموا وغيرِهم كما يقتضيه ظاهر الصلة، والآية من باب التذييل، فيدخل الكاتمون الذين ماتوا على الكتمان دخولاً أوَّلِيًّا . واعترض بأن تقييد الوعيد بعدم التخفيف أعدلُ شاهد على أنَّ الآية في شأن الكاتمين الذين ماتوا على ذلك؛ لأنَّهم أشدُّ الكفرة وأخبثُهم، فإنَّ الوعيد في حقٌّ الكفرة مطلقُ الخلود في النار. وأنت تعلم أنَّ هذا في حيِّز المنع، بل ما من كافر جهنَّميَّ إلا وحالُه يوم القيامة طبقُ ما ذكر في الآية، ولا أظنُّك في مرية من ذلك بعد سماع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلْمُجْرِمِنَ فِى عَذَابٍ جَهَنََّ خَالِدُونَ ﴿ لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]. فلا يبعد القول بحسن هذا القيل، وإليه ذهب الإمام(١)، وكلامُ الطيبي يشير إلى حُسْنِهِ وِيْبِهِ فتدبَّر. ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقْنَّةُ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ المراد استمرارُ ذلك ودوامُه، فهذا الحكم غيرُ ما سبق؛ إذ المراد منه حدوثُ اللعنة ووقوعُها عليهم. وليس المقصودُ من ذكر الملائكة والناس التخصيصَ لينافي العمومَ السابق، ولا العمومَ لَيَرِدَ خروجُ المهيَّمين الذين لا شعورَ لهم بذواتهم، وكثيرٍ من الأتقياء الذين لا يلعنون أحداً، بل المقصودُ أنَّه يلعنهم هؤلاء المعتدّون من خَلْقِه، و((أجمعين)) تأكيد بالنسبة إلى الكلِّ لا للناس فقط، والمراد بهم المؤمنون لأنَّهم المعتدّون منهم، والكفار كالأنعام؛ لأنَّه لا يحسم مادة الإشكال. وقيل: إنَّه باقٍ على عمومه والكفارُ يلعن بعضُهم بعضاً يوم القيامة. أو الجملة مُسَاقةٌ للإخبار باستحقاق أولئك اللعنَ من العموم لا بوقوعه بالفعل. ولم يكرر اللعن هنا كما كرر الفعل قبل؛ اكتفاءً به، وافتناناً في النظم الكريم، ومناسبةً لما يُشْعِر به التأکید. (١) تفسير الرازي ٤/ ١٨٧، وقوله هو: أن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام فلا وجه لتخصيصه. الآية : ١٦٢ ٦٣ سُوَّةُ الْبَاقَة وقرأ الحسن: ((والملائكةُ والناسُ أجمعون)) بالرفع(١)، وخُرِّج على وجوه: فقيل: عطف على ((لعنة)) بتقدير: لعنةُ الله ولعنةُ الملائكة، فحذف المضاف من الثاني وأقيم المضاف إليه مُقامه. وقيل: مبتدأ محذوف الخبر، أي: والملائكة والناس يلعنونهم، أو فاعلٌ لفعل محذوف، أي: يلعنهم. وقيل: إنَّ ((لعنة)) مصدرٌ مضاف إلى فاعله، والمرفوع معطوف على محله، وقد أتبعت العرب فاعل المصدر على محلّ رفعاً كقوله: مَشْيَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفُضُلُ(٢) برفع الفُضُل - وهو صفةٌ للهَلُوك - على الموضع، وإذا ثبت في النعت جاز في العطف؛ إذ لا فارق بينهما . وادعى أبو حيان عدمَ الجواز؛ لأنَّ شرط العطف على الموضع أن يكون ثَمَّةً طالبٌ ومُحرِزٌ للموضع لا يتغير. وأيضاً ((لعنة)) وإنْ سلُّم مصدريتُه، فهو إنَّما يعمل إذا انحلَّ لأنْ والفِعْلِ، وهنا المقصود الثبوت، فلا يصح انحلالُه لهما(٣). وسلَّمه له غيره، وقالوا: إنَّه مذهب سيبويه. ﴿خَلِينَ فِيهِّ﴾ أي: في اللعنة، وهو يؤكّد ما تفيده اسميةُ الجملة من الثبات. وجوِّز رجوع الضمير إلى النار، والإضمارُ قبل الذكر يدلُّ على حضورها في الذهن، المُشْعِر بالاعتناء المفضي إلى التهويل والتفخيم. (١) القراءات الشاذة ص ١١، والمحتسب ١١٦/١. (٢) البيت للمتنخل الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٨١، والشعر والشعراء ٦٢٥/٢، والمعاني الكبير ٥٤٣/١، ولسان العرب (خعل) و(فضل)، والمقاصد النحوية ٥١٦/٣، وصدره: السَّالكُ النُّغْرةَ اليقظانَ كالِتُّها وفي شرح أشعار الهذليين ١٢٨١/٣ - ١٢٨٢: الثغرة والثغر واحد، وهو موضع المخافة ومكانُ الخوف. والهلوك: التي تَهالَكُ، وهي الغَنِجة المتكسِّرة، تَهالَكُ وتَغْزّلُ وتَساقَطُ. والخيعل: درع يخاط أحد شقّيه ويترك الآخر. والفضل: التي ليس في درعها إزارٌ. (٣) البحر المحيط ١/ ٤٦١. سُورَةُ الْبَفَقَة ٦٤ الآية : ١٦٣ وقيل: إنَّ اللعن يدل عليها؛ إذ استقرار الطَّرْدِ عن الرحمة يستلزم الخلود في النار خارجاً وذهناً، والموتُ على الكفر وإن استلزم ذلك خارجاً لكنَّه لا يستلزمه ذهناً فلا يدل عليه. و((خالدين)) على كلا التقديرين في المرجع حالٌ مقارِنٌ لاستقرار اللعنة، لا كما قيل: إنَّه على الثاني حالٌ مقدَّرة. ﴿لَا يُكَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ إما مستأنفٌ لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف إِثْرَ بيان كثرته من حيث الكمُّ، وإما حالٌ من ضمير ((عليهم)) أيضاً، أو من ضمير «خالدین)). ﴿وَلَا هُمْ يُظُرُونَ (٧)﴾ عطفٌ على ما قبله جارٍ فيه ما جرى فيه، وإيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره، والفعل إمَّا من الإنظار بمعنى التأخير، أي: لا يُمْهَلون عن العذاب ولا يؤّرون عنه ساعة، وإمّا من النظر بمعنى الانتظار، أي: لا يُنتظرون ليَعتذروا. وإمَّا من النظر بمعنى الرؤية، أي: لا ينظر الله تعالى إليهم نَظَرَ رحمة، والنظر بهذا المعنى يتعدَّى بنفسه أيضاً كما في ((الأساس))(١) فیصاغ منه المجهول. ﴿وإذھُگُر إِلَهُ وچګٌ﴾ نزلت - کما روي عن ابن عباس - لمّا قال كفار قريش النبيِّ ◌َّهِ: صِفْ لنا ربَّك(٢). والخطاب عامّ لكلِّ مَن يصح أن يخاطَب ـ كما هو الظاهر - غيرُ مختصٍّ بشأن النزول، والجملة معطوفة على ((إنَّ الذين يكتمون)) عطفَ القصة على القصة، والجامع أنَّ الأولى مَسوقةٌ لإثبات نبؤَّته وَلِهِ، وهذه لإثبات وحدانيته تعالی. وقيل: الخطاب للكاتمين، وفيه انتقالٌ عن زجرهم عمَّا يعاملون رسولَهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربَّهم، حيث يكتمون وحدانيته ويقولون: عزير وعيسى ابنان لله عزَّ وجلَّ. وفيه أنه وإن حَسُنَ الانتظام إلا أنَّه فيه خروجُ شأن النزول عن الآية وهو باطل. (١) أساس البلاغة ((نظر)). (٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٤٥/١، وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ١٦٧. الآية : ١٦٣ ٦٥ سُورَةُ الْبَقَة وإضافة ((إله)) إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا باعتبار الوقوع، فإنَّ الآلهة الغيرَ المستحَقَّةِ كثيرةٌ. وإعادةُ لفظ ((إله)) وتوصيفُه بالوحدة؛ لإفادة أنَّ المعتبر الوحدةُ في الألوهية واستحقاقِ العبادة، ولولا ذلك لكفى: وإلهكم واحد، فهو بمنزلة وصفهم الرجلَ بأنه سيد واحد، وعالم واحد. وقال أبو البقاء: ((إله)) خبر المبتدأ، و((واحد)) صفة له، والغرض هنا هو الصفة؛ إذ لو قال: وإلهكم واحد، لكان هو المقصود، إلا أنَّ في ذكره زيادةً تأكيد، وهذا يشبه الحال الموظّئة كقولك: مررت بزيد رجلاً صالحاً، وكقولك في الخبر: زيد شخصٌ صالح(١). ولعلَّ الأول ألطف. وأكثر الناس على أنَّ الواحدَ هنا بمعنى: لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقيل: إنَّ المراد به: ما ليس بذي أبعاض، ولا يجوز عليه الانقسام، ولا يحتمل التجزئة أصلاً، وليس المعنيّ به هنا مبدأ العدد. وأصحُّ الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنَّه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة، وهو مستلزمٌ لكلِّ كمال، آبٍ عمَّا فيه أدنى وصمةٍ وإخلال. ﴿لَّ إَِهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ، أو صفةٌ أخرى للخبر، أو جملةٌ معترضة لا محل لها من الإعراب، وعلى أيِّ تقدير هو مقرِّر للوحدانية، ومُزيحٌ - على ما قيل - لِمَا عسى أن يتوهم أنَّ في الوجود إلهاً لكن لا يستحق العبادة. والضمير المرفوع على الصحيح بدلٌ من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف، فهو بدلٌ مرفوعٌ من ضمير مرفوع. وقد اختلف في المنفيّ: هل المعبود بحقِّ، أو المعبود بباطل؟ فقال محمد الشيشيني(٢): النفي إنَّما تسلّط على الآلهة (١) الإملاء ٣٠٨/١ - ٣٠٩. (٢) لعله محمد بن عمر بن محمد بن وجيه، القطب أبو البركات القاهري الشافعي، المتوفي سنة (٨٥٥هـ). أو جدُّه الجمال محمد بن وجيه القاهري الشافعي، حدث عن أبي حيان. والشيشني نسبة إلى شيشين الكوم، قرية من أعمال المحلَّة. الضوء اللامع ٢٦٦/٨، والتاج (شيش). سُورَةُ الْبََّقَة ٦٦ الآية : ١٦٤ المعبودة بباطل تنزيلاً لها منزلة العدم. وقال عبد الله الهِبْطِي(١): إنما تسلّط على الآلهة المعبودة بحقِّ. ولكلٍّ انتصر بعضٌ، وذكر الملويُّ أنَّ الحقَّ مع الثاني؛ لأنَّ المعبود بباطل له وجودٌ في الخارج، ووجودٌ في ذهن المؤمن بوصف كونه باطلاً، ووجودٌ في ذهن الكافر بوصف كونه حقًّا، فهو من حيث وجودُه في الخارج في نفسه لا ينفَى؛ لأنَّ الذات لا تنفى، وكذا من حيث كونُه معبوداً بباطل لا ينفى أيضاً؛ إذ كونُه معبوداً بباطل أمرٌ حقٌّ لا يصح نفيُه، وإلا كان كذباً، وإنَّما ينفى من حيث وجودُه في ذهن الكافر من حيث وجودُه في ذهنه بوصف كونِه معبوداً بحقّ، فالمعبودات الباطلة لم تُنْفَ إلا من حيث كونها معبودةً بحقّ، فلم يُنْفَ في هذه الكلمة إلا المعبودُ بحقِّ غيره تعالى فافهم. وسيأتي تحقيقُ ما في هذه الكلمة الطيبة في محلِّه إن شاء الله تعالى. (٣)﴾ خبران آخران بعد خبر أو خبرين لقوله تعالى: ((إلهكم))، ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ أو لمبتدأ محذوف والجملةُ معترضة، أو بدلان على رأي، وجيء بهما لتمييز الذات الموصوفة بالوحدة عمَّا سواه، وليكون الجواب موافقاً لما سألوه، وفي ذلك إشارةٌ إلى حجة الوحدانية؛ لأنَّه لمَّا كان مُؤْليَ النعم كلِّها أصولاً وفروعاً دنيا وأخرى، وما سواه إمَّا خيرٌ مَخْضٌ أو خيرٌ غالب. وهو إمَّا نعمة أو منعم عليه، لم يستحق العبادة أحدٌ غيرُه؛ لاستواء الكلِّ في الاحتياج إليه تعالى في الوجود وما يتبعه من الكمالات. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَمََّتِ وَالْأَرْضِ﴾ أخرج البيهقي عن أبي الضحى - معضَلاً - أنَّه كان للمشركين حول الكعبة ثلاثُ مئةٍ وستُّون صنماً، فلمَّا سمعوا هذه الآيةَ تعجّبوا وقالوا: إن كنتَ صادقاً فأتِ بآية نعرفُ بها صدْقَك فنزلتْ(٢). ولَفَرْطِ جهلهم لم يكفِهم الحَجَّةُ الإجمالية المشيرُ إليها الوصفان. (١) هو عبد الله بن محمد الهبطي، أبو محمد، من كبار الزَّهاد في المغرب، وكان سلطان المغرب يجلّه. صنف كتباً منها: الإشادة بمعرفة مدلول كلمة الشهادة، وأجوبة في مسائل من التوحيد. توفي سنة (٩٦٣هـ). الأعلام ١٢٨/٤. (٢) شعب الإيمان (١٠٤)، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور في سننه (٢٣٩ - تفسير)، والطبري ٦/٣ -٧. وأبو الضحى هو مسلم بن صبيح. الآية : ١٦٤ ٦٧ سُؤَدَّةُ الْبَادَة وإنَّما جمع السماوات وأفرد الأرض؛ للانتفاع بجميع أجزاءِ الأولى باعتبار ما فيها من نورٍ كواكبها وغيره دون الثانية، فإنه إنما يُنتفع بواحدة من آحادها، وهي ما نشاهده منها . وقال أبو حيان(١): لم تجمع الأرض لأنَّ جمعَها ثقيلٌ، وهو مخالف للقياس، ورُبَّ مفردٍ لم يقع في القرآن جمعُه لثقله وخِفَّة المفرد، وجمعٍ لم يقع مفردُه كالألباب. وفي ((المثل السائر)» نحوه(٢). وقال بعض المحققين: جمع السماوات لأنَّها طبقاتٌ ممتازةٌ كلُّ واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] [فإنها (٣)] سواء كانت متماسَّةً كما هو رأي الحكيم، أو لا كما جاء في الآثار: ((أنَّ بين كلِّ سماءين مسيرة خمسٍ مئة عام)) (٤)، مختلفةُ الحقيقة؛ لِمَا أنَّ الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] يدل عليه. ولم يجمع الأرض؛ لأنَّ طبقاتها ليست متَّصفةً بجميع ذلك، فإنَّها سواء كانت مُتفاصلةً بذواتها، كما ورد في الأحاديث من أنَّ بين كلِّ أرضين كما بين كلِّ سماءين(٥)، أو لا تكون متفاصلةً - كما هو رأيُ الحكيم - غيرُ مختلفة في الحقيقة اتفاقاً . ﴿وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تَعاقُبِهما وكونِ كلٍّ منهما خَلَفاً للآخر، أو اختلاف كلٌّ منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً، أو ظلمةً ونوراً. وقدم الليل لسَبْقِه في الخلق أو لشرفه. ﴿وَآلْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِى الْبَعْرِ﴾ عطف على ((خلق السماوات)) لا على ((السماوات))، أو عطف على ((الليل والنهار)). (١) ذكره عنه الشهابي في الحاشية ٢/ ٢٦٢. (٢) المثل السائر ٢٨٦/١. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) أخرجه مطولاً أحمد (٨٨٢٨)، والترمذي (٣٢٩٨) من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعاً، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. (٥) قطعة من الحديث السابق. 1 سُورَةُ الجَقَة ٦٨ الآية : ١٦٤ والفلك من الألفاظ التي استعملت مفرداً وجمعاً، وقدِّر بينهما تغايرٌ اعتباريٌّ، فإن اعتبر أنَّ ضمَّتَه أصلية كضمة ((قُفْل)) فمفرد، وإن اعتبر أنَّها عارضةٌ كضمة ((أُسْد)) فجمع، ومن الأول قوله تعالى: ﴿فِ الْقُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] و[يس: ٤١] ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. وقيل: إنه جمع فَلْك بفتح الفاء وسكون اللام. وقيل: إنه اسم جمع. وزعم بعضهم أنه قرئ: (قُلُك)) بضمتين(١)، وهو عند بعضٍ مفردٌ لا غير. وقال الكواشي: الفُلْك، والفُلُك - بضمتين - لغتان، الواحدُ والجمعُ سواءٌ في اللفظ، ويعرف ذلك بجمع ضميرٍ فِعْلِهما وإفراده. ﴿بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ ((ما)) إما مصدرية، أي: بنَفْعِهم، أو موصولة، أي: بالذي ينفعهم. وعلى الأول: ضمير الفاعل إما للفلك؛ لأنَّه مذكَّرُ اللفظ مؤنَّثُ المعنى كما قيل، أو للجري، أو للبحر. واحتمالُ كونها موصوفةً لا يلائمه مقام الاستدلال. ﴿وَمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَمَاءِ مِن ◌َّآءٍ﴾ عطفٌ على الفلك، قيل: وتأخيره عن ذكرها مع كونه أعمَّ منها نفعاً لِمَا فيه من مزيد تفصيل. وقيل: المقصود من الأول الاستدلال بالبحر وأحوالِه لا بالفلك الجاري فيه؛ لأنَّ الاستدلال بذلك إمَّا بصنعته على وجه يجري في الماء، أو العلم بكيفية إجرائه، أو بتسخير الريح والبحر لذلك، أو توسُّله إلى ما ينفع الناس، وشيءٌ منها ليس من حاله في نفسه، ولأنَّ الاستدلال بالفلك الجاري في البحر استدلالٌ بحال من أحوال البحر؛ بخلافٍ ما لو استدلَّ بالبحر وجميع أحواله فإنه أعمُّ وأليقُ بالمقام، إلا أنَّه خصَّ الفلك بالذكر مع أنَّ مقتضى المقام حينئذٍ أن يقال: والعجائب التي في البحر؛ لأنَّه سبب الاطّلاع على أحواله وعجائبه، فكان ذكرهُ ذكراً لجميع أحواله، وطريقاً إلى العلم بوجوه دلالته، ولذلك قُدِّم على ذكر المطر والسحاب؛ لأنَّ منشأهما البحر في غالب الأمر، وإلا فالمناسب بعد ذكر اختلاف (١) القراءات الشاذة ص ١١. الآية : ١٦٤ ٦٩ سُؤَّةُ الْجَنَة الليل والنهار - الذي هو من الآيات العلوية - ذكرُ المطر والسحاب اللذين هما من كائنات الجوّ، وعدمُ نَظْمِ الفُلْكِ في البَيْنِ لكونها من الآيات السفلية. وعندي أنَّ هذا خلاف الظاهر جدًّا وإن جلَّ قائله؛ إذ يَؤُول المعنى إلى: والبحر الذي تجري فيه الفلك بما ينفع الناس، وهو قلبٌ للنظم الكريم بغير داعٍ إليه ولا دليلٍ يعوَّل عليه، وأيُّ مانع من كون الاستدلال باختلاف الفلك وذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحرِّكها المقادير الإلهية، أو بالفلك الجارية في البحر من حيث إنَّها جاريةٌ فيه موقرة مقبلة ومدبرة، متعلِّقة بحبال الهواء على لطفه وكثافتها، لا ترسب إلى قاع البحر مع تلاُمِ أمواجه واضطراب لُجَجِهِ؟ وكونُ شيءٍ من ذلك ليس حالاً لها في نفسها غيرُ مسلَّم. ووجه الترتيب - على ما أرى - أنَّه سبحانه ذكر أولاً خَلْقَ أمرين علويٍّ وسفليٍّ، واختلافَ شيئين بمدخليةٍ أمرين سماويٍّ وأرضيٍّ ثانياً؛ إذ تعاقب الليل والنهار، أو اختلافُهما ازدياداً وانتقاصاً، أو ظلمةً ونوراً، إنَّما هو بمدخلية سير الفَلَك، وحيلولةٍ جرم الأرض على كيفيتين مخصوصتين، ثمَّ عقَّب ذلك بما يشبه آيتي الليل والنهار، السابحِ كلٌّ منهما في لُمَّجَّة بحر فَلَكه الدوَّارِ المسخَّرِ بالجريان فيه ذهاباً وإياباً بما ينفع الناس في أمر معاشِهم وانتظام أحوالهم، وهو الفُلْكُ التي تجري على كبد البحر بذلك، ويختلف جريانُها شرقاً وغرباً على حسب تسليك المقادير الإلهية لها في هاتيك المسالك، فالآية حينئذٍ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَّقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْمُجُونِ اَلْقَدِيرِ (® وَعَلَيَّةٌ لَّمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ وَلَ أَلَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٣٧ - ٤١]. إلا أنَّ الفرق بين الآيتين أنَّ الآيتين في الثانية ذكرتا متوسّطتين صريحاً بين حديث الفُلْكِ وشأنِ الليل والنهار، وفي الأولى تقدَّم ما يشعر بهما ويشير إليهما. ثَّ عقّب ذلك بما يشترك فيه العالم العلوي والعالم السفلي، وله مناسبةٌ لذكر البحر، بل ولذكر الفُلْكِ التي تجري فيه بما ينفع الناس، وهو إنزال الماء من السماء، ونشرُ ما كان دفيناً في الأرض بالإحياء، وفي ذلك النفعُ التّامُّ والفضلُ العامّ. سُورَةُ الْجَنَة ٧٠ الآية : ١٦٤ و((من)) الأولى ابتدائية والثانيةُ بيانيَّة، وجوِّز أن تكون تبعيضية وأن تكون بدلاً من الأولى، والمراد من السماء جهةُ العلو، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. ﴿فَأَنْيَا بِ الْأَرْضَ﴾ بتهييج قواها النَّامية، وإظهارِ ما أودع فيها من أنواع النبات والأزهار والأشجار ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وعدم ظهور ذلك فيها؛ لاستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها . ﴿وَبَثَ فِهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ عطف إمَّا على (أنزل))، والجامع كونُ كلٍّ منهما آيةً مستقلَّةً لوحدانيته تعالى، وهو الغرضُ المسوق له الكلام، مع الاشتراك في الفاعل، و((أحيا)) من تتمة الأول كأنَّ الاستدلال بالإنزال المسبَّبِ عنه الإحياء، فلا يكون الفصل به مانعاً للعطف. [و](١) إما على ((أحيا)) فيدخل تحت فاء السببية، وسببيةُ إنزال الماء للبثِّ باعتبار أنَّ الماء سببُ حياة المواشي والدواب، والبثُّ فرعُ الحياة، ولا يحتاج إلى تقدير الضمير للربط؛ لإغناء فاء السببية عنه في المشهور. وقيل: يحتاج إلى تقديرٍ : به، أي: بالماء؛ ليشعر بارتباطه بـ ((أنزل)) استقلالاً كـ ((أحيا))، وفاء السببية لا تكفي في ذلك؛ إذ يجوز أن يكونَ السبب مجموعَهما، وحديث أنَّ المجرور إنَّما يحذف إن جُرَّ الموصول بمثله أكثريٌّ لا كلِّيّ. و((من)) بيانية على التقدير الأول على الصحيح، والمراد من ((كلِّ دابة)): كلُّ نوع من الدواب، ومعنى بثّها: تكثيرُها بالتوالد والتولّد، فالاستدلال بتكثير كلِّ نوع مما يدبُّ على الأرض وعدم انحصاره في البعض. وقيل: تبعيضية؛ لأنَّ الله تعالى لم يبث إلا بعض الأفراد بالنسبة إلى ما في قدرته، على أنه أثبت الزمخشريُّ دَوابَّ في السماء أيضاً في سورة حمعسق(٢). وفيه أنَّ بثَّ كلِّ نوع مما يدبُّ على الأرض لا ينافي كونَ بعض أفراده مقدَّراً، ولا وجودَه في السماء، على أنَّ مدلول التبعيضية كونُ شيء جزءاً من مدخولها لا فرداً منه. (١) زيادة يقتضيها السياق، وينظر الدر المصون ٢/ ٢٠٣، وتفسير أبي السعود ١٨٤/١، وحاشية الشهاب ٢٦٣/٢. (٢) جاء في الكشاف ٣/ ٤٧٠ ما نصه: ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيواناً يمشي فيها مشيَ الأناسيّ على الأرض. الآية : ١٦٤ ٧١ سُوَُّ الْبَقَة وزائدةٌ على التقدير الثاني لعدم تقدُّم المبين، وعدم صحة التبعيض، وهي زيادة في الإثبات لم يجوزها سوى الأخفش(١). ﴿وَصْرِيفِ الرَّجِ﴾ أي: تقليب الله تعالى لها جنوباً وشمالاً وقبولاً ودَبوراً، حارةً وباردةً وعاصفةً وليِّنة وعقيماً ولواقح، وتارة بالرحمة ومرة بالعذاب. وقرأ حمزة والكسائي: ((الريح»(٢) على الإفراد، وأريد به الجنس، وعن ابن عباس ﴾: الرياح للرحمة والريح للعذاب. وروي أنَّ النبيَّ وَ لو كان إذا هبت ريح قال: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))(٣). ولعلَّه قصد بالأول والثاني قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَلِهِ: أَن يُرْسِلَ الْرَّجَ مُبَشْرَةٍ﴾ [الروم: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. وعقّب إحياءَ الأرض بالمطر وبثَّ كلِّ دابَّةٍ فيها بتصريف الرياح؛ لأنَّ في ذلك تربيةَ النبات وبقاءَ حياة الحيوانات التي تدبُّ على وجه الأرض، ولو أمسك الله تعالى الريحَ ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض كما نطق به بعض الآثار. ﴿وَالسََّابِ﴾ عطفٌ على ما قبله، وهو اسمُ جنس واحدُه سحابة، سمي بذلك لانسحابه في الجوِّ، أو لجرِّ الرياح له. ﴿اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةٌ للسحاب باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كـ ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، و((بين)) ظرفٌ لغوٌ متعلِّقٌ بـ ((المسخَّر))، ومعنى تسخيره أنَّه لا ينزل ولا يزولُ، مع أن الطبع يقتضي صعودَه إن كان لطيفاً وهبوطَه إن كان كثيفاً. (١) ينظر مذهب الأخفش في زيادة ((مِن)) في الإثبات في معاني القرآن له ٢٧٢/١. (٢) التيسير ص١٨، والنشر ٢٢٣/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٣) أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ١٧٥، عمَّن لا يَتَّهِم، عن العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً. قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٢٩: وهذا المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف. وقال في تعجيل المنفعة ٩١/٢: لا تقوم بإسناده حجة. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٤٥٥)، والطبراني في الكبير (١١٥٣٣)، وابن عدي ٧٦٣/٢ من طريق الحسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً. وحسين بن قيس ضعفه أبو زرعة وابن معين، وقال البخاري: لا يكتب حديثه. وقال الدارقطني: متروك. الميزان ٥٤٦/١. سُورَةُ الْبَقَة ٧٢ الآية : ١٦٤ وقيل: الظرف مستقرٌّ وقع حالاً من ضمير ((المسخَّر)) ومتعلّقه محذوف، أي: المسخر للرياح حيث تقلّبه في الجو بمشيئة الله تعالى. وتعقيب تصريف الرياح بالسحاب؛ لأنَّه كالمعلول للرياح كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَنُثِيرُ سَحَابً﴾ [الروم: ٤٨]، ولأنَّ في جَعْله ختم المتعاطفات مراعاةٌ في الجملة لِمَا بدأ به منها؛ لأنَّه أرضيٍّ سماويّ، فينتظم بدءُ الكلام وختمُه، وبما ذکرنا عُلِم وجه الترتيب في الآية. وقال بعض الفضلاء: لعلَّ تأخيرَ تصريف الرياح وتسخيرٍ السحاب في الذِّكر عن جريان الفُلْك وإنزالِ الماء مع انعكاس الترتيب الخارجيِّ؛ للإشعار باستقلال كلٍّ من الأمور المعدودة في كونها آية، ولو روعي الترتيب الخارجيّ، لربما تُؤُهِّم كون المجموع المرتَّبِ بعضُه على بعضٍ آيةً واحدة. ولا يخفى أنَّه يُبْعِد هذا التوهُّمَ ظاهرُ قوله تعالى: ﴿لَآَيَتٍ﴾ اسم ((إنَّ) دخلته اللام لتأُّرِه عن خبرها، والتنكير للتفخيم كمَّا وكيفاً، أي: آيات عظيمة كثيرة دالَّةٍ على القدرة القاهرة، والحكمةِ الباهرة، والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الإلهية به سبحانه. ﴿لَقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (19)﴾ أي: يتفكرون، فالعقل مجازٌ عن التفكّر الذي هو ثمرته؛ أخرج ابنُ أبي الدنيا وابن مردويه عن عائشة ﴿ُها، أنَّ النبيَّ ◌َّو لما قرأ هذه الآية قال: ((ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّرْ فيها))(١). وفيها تعريضٌ بجهل(٢) المشركين الذين اقترحوا على النبيِّ وَ﴿ آيةً تُصدِّقُه، وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقول، وإلّا فمَن تأمل في تلك الآيات وجد كلَّ منها مشتملاً على وجوه كثيرة من الدلالة على وجودِه تعالى ووحدانيته، وسائر صفاته الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى، واستغنى عن سائرها . (١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢٦٣/١، والصواب أن هذا الحديث ورد في الآية (١٩٠) من سورة آل عمران كما ذكر ابن كثير عن ابن مردويه وابن أبي الدنيا وابن حبان، وهو في صحيح ابن حبان (٦٢٠). (٢) في (م): بجعل. الآية : ١٦٥ ٧٣ سُورَةُ الْبَرَة ومجمل القول في ذلك: أنَّ كلَّ واحد من هذه الأمور المعدودة قد وُجِد على وجهٍ خاصٍّ من الوجوه الممكنة دون ما عداه، مستتبعاً لآثارٍ معيَّنة وأحكام مخصوصة، من غير أن تقتضي ذاتُه وجودَه فضلاً عن وجوده على النمط الكذائي، فإذاً لا بُدَّ له من موجِدٍ؛ لامتناع وجود الممكن بلا موجِدٍ قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، حكيم عالم بحقائق الأشياء وما فيها من المفاسد والمصالح، يوجده حَسْبَما يستدعيه علمه بما فيه من المصلحة وتقتضيه مشيئته، مُتَعالٍ عن مقابلة غيره؛ إذ لو كان معه واجبٌ يَقْدِرُ على ما يقدر الحقُّ تعالى عليه: فإن وافقت إرادةُ كلِّ منهما إيجادَه على وجهٍ مخصوصٍ أراده الآخر، فالتأثير إن كان لكلٍّ منهما، لزم اجتماعُ فاعلين على أثرٍ واحد، وهو يستلزم اجتماعَ العلتين التامَّتين، وإن كان الفعل لأحدهما، لزم ترجيحُ الفاعلِ من غير مرجِّح؛ لاستوائهما في إرادة إيجاده على الاستقلال، وعَجْزِ الآخر لِمَا أنَّ الفاعل سدَّ عليه إيقاع ما أراده. وإن اختلفت الإرادتان بأن أراد أحدُهما وجودَه على نحوٍ، وأراد الآخرُ وجودَه على نحوٍ آخَرَ، لزم التمانعُ والتطارُدُ لعدم المرجح، فليزم عجزُهما، والعجزُ منافٍ للألوهية بديهةً. وفي الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية، وتنبيهٌ على شرف علم الكلام وفضلِ أهله، ورُبَّما أشارت إلى شرف علم الهيئة(١). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَِّذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ بيانٌ لحال المشركين بعد بيان الدلائل الدالّة على توحيده تعالى، و((من دون الله)) حال من ضمير ((يتخذ))، والأنداد: الأمثال، والمراد بها الأصنام كما هو الشائع في القرآن، والمرويُّ عن قتادة ومجاهد وأكثر المفسرين. وقيل: الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب من الرجال، وروي عن السدّيِّ، ونُسِبَ إلى الصادق وقيل: المراد أعمُّ منهما، وهو ما يشغل عن الله تعالى. والمعنى: ومن الناس مَن يتخذ - متجاوزين الإله الواحد الذي ذُكرت شؤونُه الجليلة - أمثالاً، فلا يَقْصُرون الطاعة عليه سبحانه بل يشاركونهم إياه. وإيثار الاسم (١) هو علم تعرف به أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية، وأشكالها وأوضاعها وأبعاد ما بينها، وحركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها. أبجد العلوم ٢/ ٥٨١. سُوَّةُ الْبَقَة ٧٤ الآية : ١٦٥ الجليل لتعيينه تعالى بالذات غِبّ (١) تعيينه بالصفات. ﴿يُوَهُمْ كَحُبِ اللهِ﴾ إما جملة مستأنفة، أو صفةُ الأنداد، أو صفةٌ لـ (مَن)) إذا جعلتها نكرةً موصوفة مسوقة لبيان وجه الانّخاذ. والمحبة: ميلُ القلب، من الحَبِّ واحدٍ الحبوب(٢)، استعير لحبَّة القلب وسويدائه، ثمَّ اشتق منه الحُبّ؛ لأنَّه يؤثِّر في صميم القلب ويرسخ فيه . ومحبة العباد لله تعالى عند جمهور المتكلمين نوعٌ من الإرادة، سواءٌ قلنا إنَّها نفسُ الميل التابع لاعتقاد النفع كما هو رأي المعتزلة، أو صفةٌ مرجِّحة مغايرةٌ له كما هو مذهب أهل السنة، فلا تتعلق إلا بالجائزات ولا يمكن تعلَّقها بذاته تعالى، فمحبة العبد له سبحانه إرادةُ طاعته وتحصيلٍ مراضيه، وهذا مبنيٌّ على انحصار المطلوب بالذات في اللذة ورفع الألم. والعارفون بالله سبحانه قالوا: إنَّ الكمال أيضاً محبوبٌ لذاته، فالعبد يحبُّ الله تعالى لذاته؛ لأنَّه الكاملُ المطلق الذي لا يداني كمالَه کمالٌ، وأما محبةُ خدمته وثوابِهِ فمرتبةٌ نازلة. ومحبةُ الله تعالى للعباد صفةٌ له عزَّ شأنه، لا تتكيَّف ولا يحوم طائرُ الفكر حول حِماها. وقيل: إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي. والمراد بالمحبة هنا التعظيمُ والطاعة، أي: أنَّهم يسوُّون بين الله تعالى وبين الأنداد المنَّخَذة، فيعظّمونَهم ويطيعونَهم كما يعظّمون الله تعالى ويميلون إلى طاعته. وضمير الجمع المنصوب راجعٌ إلی الأنداد، فإن أريد بها الرؤساء فواضحٌ، وإلا فالتعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزعم الباطل أنَّهم أنداد الله تعالى. والمصدر المضاف من المبنيِّ للفاعل، وفاعله ضميرُ ((هم)) بقرينة سَبْقِ الذكر، وأنَّ المشركين يعترفون به تعالى ويلجؤون إليه في الشدائد ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَّتِ (١) الغِبُّ: العاقبة والآخر، بمعنى: بعد. معجم متن اللغة (غيب). (٢) كذا ذكر، والصواب أن الحَبَّ والحبوب كلاهما جمع، واحده: حبة. ينظر اللسان والتاج (حبب)، وحاشية الشهاب ٢/ ٢٦٤. الآية : ١٦٥ ٧٥ سُؤَدَّةُ الْبَقَة وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] و[الزمر: ٣٨] ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقيل - وهو خلاف الظاهر وعدولٌ عمَّا يقتضيه كون جملة ((يحبونهم)) بياناً لوجه الاتخاذ -: إنَّه مصدرُ المبني للمفعول، واستُغني عن ذكر مَن يُحِب؛ لأنَّه غير ملبسٍ، والمعنى على تشبيه محبوبية الأنداد من جهة المشركين بمحبوبيته تعالى من جهة المؤمنين، ولا ينافي ذلك قولَه تعالى: ﴿وَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ لأنَّ التشبيهَ إنَّما وقع بين المحبوبيتين، وذلك يقتضي أن يكون محبوبيةُ الأصنام مماثلاً لمحبوبيته تعالى، والترجيح بن المحبتين، لكن باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى، فإنَّ المرادَ بشدة محبة المؤمنين شدتُها في المحل، وهو رسوخُها فيهم وعدمُ زوالها عنهم بحال، لا كمحبة المشركين لآلهتهم حيث يعدلون عنها إلى الله تعالى عند الشدائد، ويتبرؤون منها عند معاينة الأهوال، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره وربما أكلوه، كما يحكى: أنَّ باهلة كانت لهم أصنام من حَيس(١)، فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها، ولله أبوهم فإنه لم ينتفع مشرك بآكهته کانتفاع هؤلاء بها، فإنَّهم ذاقوا حلاوة الكفر. وليس المراد من شدة المحبة شدتَها وقوتها في نفسها ليَرِدَ أنَّا نرى الكفار يأتون بطاعات شاقَّة لا يأتي بشيء منها أكثرُ المؤمنين، فكيف يقال: إنَّ محبتهم أشدُ من محبتهم؟ ومن هذا ظهر وجه اختيار ((أشدّ حبًّا)) على (أَحَبُّ))؛ إذ ليس المراد الزيادةَ في أصل الفعل، بل الرسوخَ والثباتَ وهو مِلَاكُ الأمر؛ ولهذا نزل: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وكان أحبُّ الأعمال إليه وَلّ أدومَها . وقال العلّامة: عدل عن أحبَّ إلى (أشدّ))؛ لأنَّه شاع في الأشدّ محبوبية، فعدل عنه احترازاً عن اللبس. وقيل: إن ((أحبّ)) أكثر من ((حبّ))، فلو صيغ منه أفعل لتوهُّم أنه من المزيد. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: لو يعلم هؤلاء الذين ظلموا بالاتِّخاذ المذكور، (١) الحيس: التمر البرنيّ. اللسان (حيس). سُورَةُ الْبَقَة ٧٦ الآية : ١٦٦ ووَضَعَ الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنَّ ذلك الاتّخاذ ظلم عظيم، وأن اتِّصاف المتَّخِذين به أمرٌ معلومٌ مشهورٌ حيث عبَّر عنه بمطلق الظلم، والموصول والصِّلة للإشعار بسبب رؤيتهم العذابَ المفهومة من قوله سبحانه: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي: عاينوا العذاب المعدَّ لهم وأبصروه يوم القيامة، وأورد صيغة المستقبل بعد ((لو)) و((إذ)) المختصّينْ بالماضي؛ لتحقُّق مدلوله، فيكون ماضياً تأويلاً مستقبلاً تحقيقاً، فرُوعِيَ الجهتان. ﴿أَنَّ الْقُوَّة ◌ِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مسدّ مفعولي ((یری»، وجوابُ ((لو)» محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي: لوقعوا من الحسرة والندامة فيما لا يكاد يوصف. وقيل: هو متعلق الجواب، والمفعولان محذوفان، والتقدير: ولو يرى الذين ظلموا أندادَهم لا تنفع لعلموا أنَّ القوة لله جميعاً، لا ينفع ولا يضرُّ غيرُه. وقرأ ابنُ عامر ونافع ويعقوب: ((ترى))(١) على أنَّ الخطاب له وَِّ، أو لكلِّ أحد ممن يصلح للخطاب، والجواب حينئذ: لرأيت أمراً لا يوصف من الهول والفظاعة. وابن عامر: ((إذ يُرَوْن)) بالبناء للمفعول(٢). (19)﴾(٣) على ويعقوب: ((إنَّ) بالكسر، وكذا: ﴿وإنَّ اللَّهُ شَدِيدُ الْعَذَابِ الاستئناف أو إضمار القول، أي: قائلين ذلك. وفائدة هذه الجملة المبالغةُ في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإنَّ اختصاصَ القوة به تعالى لا يوجب شدّة العذاب؛ لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُِّعُوا﴾ بدل من ((إذا يرون)) مطلقاً، وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه لطول البدل، وجوّز أن يكون ظرفاً لـ ((شديد العذاب)). أو مفعولاً لـ: اذكروا. وزعم بعضهم أنَّه بدل من مفعول ((ترى)) على قراءة الخطاب، كما أن ((إذ يرون)) بدل منه أيضاً، و((أنّ القوّةَ)) في موضع بدل الاشتمال من ((العذاب)). (١) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٤/٢. (٢) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٤/٢. (٣) النشر ٢٢٤/٢، وهي أيضاً قراءة أبي جعفر. الآية : ١٦٦ ٧٧ سُورَةُ الْبَفَقَة ولا يخفى أنّ هذا يقتضي جوازَ تعدد البدل ولم يُعثر عليه في شيء من كتب النحو. وأيضاً يَرِدُ عليه أنَّ المبدل منه في بدلِ الاشتمال يجب أن يكون متقاضياً للبدل دالًّا عليه إجمالاً، وأن يكون البدل مشتملاً على ضمير المبدل منه، وكلاهما مفقودان. والمعنى: إذ تبرأ الرؤساء المتبعون ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ﴾ أي: المرؤوسين بقولهم: ﴿بَرَأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]. وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول(١)، أي: تبرّأ الأتباعُ وانفصلوا عن متبوعيهم، وندموا على عبادتهم. ﴿وَرَوَّا الْعَذَابٌّ﴾ حالٌ من الأتباع والمتبوعين، كما في: لقيتُه راكبَيْن، أي: رائين له، فـ ((الواو)) للحال، و((قد)) مضمرة. وقيل: عطف على (تبرأ)). وفيه أنه يؤدي إلى إبدال ((ورأوا العذاب)) من ((إذ يرون العذاب)) وليس فيه كثيرُ فائدة؛ لأنَّ فاعل الفعلين وإن كانا متغايرين إلا أنَّ تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه وهو رؤية العذاب، ولأنَّ الحقيق بالاستفظاع هو تبُّؤهم حال رؤية العذاب لا هو نفسه. وأجيب أنَّ البدلَ الوقتُ المضاف إلى الأمرين، والمبدلَ منه الوقتُ المضاف إلى واحد وهو الرؤية فقط. وفيه أنَّ هذا أيضاً لا يُخْرج ذلك عن الركاكة؛ إذ بعد تهويل الوقت بإضافته إلى رؤية العذاب لا حاجة إلى جمعها مع التبرّؤ، بخلافٍ ما إذا جعل حالاً، فإنَّ البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب. ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ إما عطف على ((تبرأ))، أو ((رأوا))، أو حال، ورجح الأول؛ لأنَّ الأصل في الواو العطفُ، وفي الجملة الاستقلال، ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير ((قد)). والباء من (بهم)) للسببية، أي: تقطّعت بسبب كفرهم الأسبابُ التي كانوا يرجون منها النجاة. وقيل: للملابسة، أي: تقطعت الأسباب موصولةً بهم، كقولك: خرج زيد بثيابه. وقيل: بمعنى عن. وقيل: للتعدية، أي: قطّعتهم (١) ذكر القراءة الزمخشري في الكشاف ٣٢٦/١. سُورَةُ الْبَقَة ٧٨ الآية : ١٦٧ الأسباب، كما تقول: تفرَّقت بهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلِهٍ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وأصل السبب: الحبلُ مطلقاً، أو الحبلُ الذي يتوصَّل به إلى الماء، أو الحبلُ الذي أحدُ طرفيه متعلِّق بالسقف، أو الحبلُ الذي يُرْتَقَى به النخل. والمراد بالأسباب هنا: الوصَلُ التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا من الأنساب والمحابِّ، والاتفاقِ على الدين، والاتِّباعِ والاستتباع. وقرئ: ((تُقُطّعتْ)) بالبناء للمفعول (١)، وتَقَطَّع جاء لازماً ومتعديًّا . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَزَّةٍ﴾ أي: لو ثَبَتَ لنا عودةٌ ورجوٌ إلى الدنيا ﴿فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي: من المتبوعين ﴿كَمَا تَبَزَّهُواْ مِنَّ﴾ تمنَّوا الرجوعَ إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فَيَتبَرَّؤوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حُشروا جميعاً مثل تبرُّؤْ المتبوعين منهم، مجازاةً لهم بمثل صنيعهم، أي: كما جعلوا بالتبرؤ غائظين متحيِّرين على متابعتهم نجعلهم أيضاً بالتبرؤ غائظين متحيِّرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم، ولذا لم يتبرؤوا منهم قبل تمنِّي الرجوع؛ لأنَّه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرؤوا من الأتباع أوّلاً، ومن هنا يظهر وجه القراءة على البناء للفاعل؛ لأنَّ تبرُّؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد ما تبيَّن لهم عدمُ نفعهم، وذلك لا يغيظ المتبوعين؛ الاشتغال كلٌّ منهم بما يقاسيه، فلذا تمثّوا الرجوعَ إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم تبرُّؤاً يغيظهم. وأما قوله سبحانه: ﴿كَمَا تَبَرَّهُوا﴾ فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من المتبوعين، وهو منصوصٌ في آية أخرى، ولا يقتضي أن يكون مذكوراً فيما سبق. وقيل: إنَّ الأتباع بعد أن تبرؤوا من المتبوعين يوم القيامة تمنّوا الكَرَّة إلى الدنيا مع متبوعيهم؛ ليتبرؤوا منهم فيها ويخذلوهم، فيجتمع لهم ذلُّ الدنيا والآخرة. ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في ((لنا)) أي: لنا ولهم؛ إذ التبرؤ في الدنيا إنَّما يتصوَّر إذا رجع كلتا الطائفتين. ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع المفعول المطلَق لما بعده، والمشارُ إليه الإراءُ المفهوم (١) ذكر القراءة البيضاوي في تفسيره ٢٠٨/١. الآية : ١٦٧ ٧٩ سُوَّةُ الْبَقَة من ((إذ يرون))، أي: كإراءِ العذابِ المتلبِّس بظهور أنَّ القوة لله والتبرؤ وتقطّع الأسباب وتمنِّي الرجعة. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمْ﴾. وجوّز أن يكون المشارُ إليه المصدرَ المفهوم مما بعده، والكاف مقحَّمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُّه النصب على المصدرية أيضاً، أي: ذلك الإراءَ الفظيعَ يريهم، على حدٍّ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. والجملة تذييلٌ لتأكيد الوعيد، وبيانِ حال المشركين في الآخرة وخلودٍ عذابهم، ويجوز أن تكونَ استئنافاً، كأنَّه لمَّا بولغ في وعيدهم وتفظيع عذابهم، كان محلَّ أن يتردّد السامع ويسأل: هل لهم سوى ذلك من العذاب أم تَمَّ؟ فأجيب بما ترى. و (حسرات)) أي: ندمات، وهو مفعولٌ ثالثٌ لـ ((يُري)) إن كانت الرؤية قلبيةً، وحالٌ من ((أعمالهم)) إن كانت بَصَرية. ومعنى رؤيةٍ هؤلاء المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسراتٍ: رؤيتُها مسطورةً في كتاب ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيَرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا﴾ [الكهف: ٤٩] وتيقُّنُ الجزاء عليها، فعند ذلك يندمون على ما فرَّطوا في جنب الله تعالى. و((عليهم)) صفةُ ((حسرات))، وجوِّز تعلُّقه بها على حذف المضاف، أي: [على](١) تفريطهم، لأنَّ ((حسر)) يتعدَّى بـ ((على)). واستدلَّ بالآية مَن ذهب إلى أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع. ﴿وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ المتبادر في أمثاله حَصْرُ النفي في المسند إليه نحو ﴿وَمَآ أَنْ بِطَارِهِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [هود: ٢٩] ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ففيه إشارةٌ إلى عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُ حُبَّا لِلَّهُ﴾ في النار، وإذا أريد من ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الكفارُ مطلقاً دون المشركين فقط، كان الحصرُ حقيقياً، ويكون المقصودُ منه المبالغةُ في الوعيد بأنَّه لا يشاركهم في الخلود غيرُهم، فإن الشركة تهوِّن العقوبات. (١) زيادة من الدر المصون ٢٢١/٢. سُورَةُ الْبَقَة ٨٠ التفسير الإشاري (١٦٧ -١٦٧) وقيل: إنَّ المقصود نفيُ أصل الفعل لأنَّه اللائق بمقام الوعيد، لا حصرُ النفي؛ إذ ليس المقام مقامَ تردُّدٍ ونزاعٍ في أنَّ الخارج هم أو غيرهم على الشركة أو الانفراد، وإن كان صحيحاً بالنظر إلى العصاة إلا أنه غُيّر إلى ما ترى إفادةً للمبالغة في الخلود، والإقناطِ عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا، وزيادةُ الباء، وإخراجُ ذواتهم من عداد الخارجين؛ لتأكيد النفي، وأنت تعلم أنَّه إذا لم يُعتبر في الحصر حالُ المخاطب، لم يبق فيه ما يقال سوى أنَّ ظواهر بعض الآيات تقتضي عدمَ إرادة الحضر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم ◌ِخَرِمِينَ مِنهَا﴾ [المائدة: ٣٧] فليس القولُ بعدم الحصر نصًّا في الاعتزال كما وهم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ أي: الروحَ الصافيةَ عن دَرَنِ المخالفات ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ أي: النفسَ القائمة بخدمة مولاها؛ من إعلام دين الله ومناسكِه القلبية والقالبية، ﴿فَمَنْ﴾ بلغَ مقامَ الوحدة الذاتية، ودخل بيتََ الحضرة الإلهية بالفناء عن السِّوى، أو زارَ الحضرةَ بتوحيد الصفات، واتَّزر بأنوار الجلال والجمال، فلا حرجَ عليه حينئذٍ أن يّوف بهما، ويرجعَ إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعدَ التمكين المطلوب، ﴿وَمَنْ﴾ تبرَّع ﴿خَيْرًا﴾ بالتعليم والنَّصيحة وإرشاد المسترشدين، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ يشكرُ عملَه ويعلم جزاءه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ﴾ ما أفضْنا عليهم من أنوار المعارف وهدي الأحوال ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فىِ﴾ كتاب عقولهم المنوَّرة بنور المتابعة ﴿أُوْلَئِكَ﴾ يُبعِدُهم الله تعالى ويحجُبهم عنه ﴿وَيَلْعَُّمُ اللَّعِنُونَ﴾ من الملأ الأعلى فلا يمدُّونهم، ومن المستعدّین فلا يصحبونھم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ رجعوا إلى الله تعالى، وعلموا أنَّ ما هم فيه ابتلاءٌ منه عزَّ وجلَّ، وأصلحوا أحوالَهم بالرياضة، وأظهروا ما احتجب عنهم بصدق المعاملة، ﴿فَأُوْلَبْكَ﴾ أَقبلُ توبتَهم ﴿وَأَنَا الثَّبُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واحتجبوا عن الحقِّ، وبَقُوا على احتجابهم حتى زال استعدادُهم، وانطفاً نورُ فطرتهم، أولئك استحقُّوا الطَّرْدَ والبُعْدَ عن الحقِّ وعالمٍ الملكوت، خالدين في ذلك ﴿لَا يُحَنَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ لرسُوخ الأمور الموجبة لَهَ فيهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ﴾ للزوم تلك الهيآت المظلمة إياهم.