Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ٧ ٣٠١ سُورَةُ التَّائِ وقيل: يجوز أن يكون المراد: لتروُنَّ الجحيمَ غيرَ مرةٍ. إشارةً إلى الخلود، وهذا نحو التثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ اٌلْصَرَ كَرََّنٍ﴾ [الملك: ٤]. وهو خلافُ الظاهر جدًّا. ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: الرؤية التي هي نفس اليقين، فإنَّ الانكشافَ بالرؤية والمشاهدة فوق سائر الانكشافات، فهو أحقُّ بأن يكون عينَ اليقين، فـ ((عين)) بمعنى النفس، مثله في نحو: جاء زيدٌ نفسُه. وهو صفةٌ مصدر مقدَّر، أي: رؤيةً عينَ اليقين، والعامل فيه («لتَرَوُنَّها)). وجوِّز أن يكون متنازعاً فيه للفعلين قبله، وفي إطلاقه كلامٌ لا أظنه يخفى عليك. واليقين في اللغة على ما قال السيد السند (١): العِلْم الذي لا شكَّ فيه. وفي الاصطلاح: اعتقادُ الشيء أنَّه كذا مع اعتقادِ أنه لا يمكن إلا كذا اعتقاداً مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال. وقال الراغب: اليقين من صفة العلم فوقَ المعرفة والدراية وأخواتهما، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين. وهو سكونُ النفس مع ثبات الفهم(٢). وفسَّر السيِّد اليقينَ بما سمعتَ، ونَقَل عن أهل الحقيقة عدةً تفسيرات فيه، وعلمَ اليقين بـ : ما أعطاه الدليل من إدراك الشيء على ما هو عليه. وعينَ اليقين بـ : ما أعطاه المشاهدة والكشف، وجَعَلَ وراء ذلك حقَّ اليقين(٣)، وقال على سبيل التمثيل: علمُ كلِّ عاقل بالموت علمُ اليقين، وإذا عايَنَ الملائكة عليهم السلام فهو عين اليقين، وإذا ذاقَ الموتَ فهو حقُّ اليقين (٤). ولهم غير ذلك، ومَبْنَى أكثرِ ما قالوه على الاصطلاح فلا تغفل. وقرأ ابن عامر والكسائي: ((لَتُّرَوُنَّ) بضم التاء(٥). (١) هو الجرجاني، وكلامه في كتابه التعريفات ص٣٣٢. (٢) المفردات (يقن)، وفيه :.... وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم. (٣) جاء في الأصل: وفسّره بفناء العبد في الحق والبقاء به علماً وشهوداً وحالاً، وهو اصطلاح صوفي. اهـ منه. والكلام في التعريفات ص ١٢٠ . (٤) ينظر التعريفات ص ٢٠١، ٢٠٦، ١٢٠-١٢١. (٥) التيسير ص٢٢٥، والنشر ٤٠٣/٢ . سُودَةُالتّكَائِ ٣٠٢ الآية : ٨ وقرأ علي كرم الله وجهه وابن كثير في رواية وعاصم كذلك بفتحها في ((لَتَرَوُنَّ» وضمِّها في ((لَتُرَوُنَها)). ومجاهد وأشهب وابن أبي عبلة بضمها فيهما(١). وروي عن الحسن وأبي عمرو بخلافٍ عنهما أنهما همزا الواوين(٢)، ووُجِّه بأنَّهم استثقلوا الضمَّة على الواو فهمزوا للتخفيف كما همزوا في ﴿أُقَِّتْ﴾ [المرسلات: ١١] وكان القياس ترك الهمز؛ لأنَّ الضمة حركة عارضة لالتقاء الساكنين فلا يعتدُّ بها، لكنْ لَمَّا لزمت الكلمةَ بحيث لا تزول أَشْبَهتِ الحركةَ الأصلية فهمزوا، وقد همزوا من الحركة العارضة التي تزول في الوقف نحو ((اشْتَرَؤُا الضلالة))(٣)، فالهمز من هذه أولى. ﴿ثُمَّ لَتُشْثَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾﴾ قيل: الخطاب للكفار، وحُكي ذلك عن الحسن ومقاتل، واختاره الطيبيُّ، والنعيم عامّ لكلِّ ما يتلذَّذَ به من مطعم ومشرب ومفرش ومركب، وكذا قيل في الخطابات السابقة. وقد رُوي عن ابن عباس أنَّه صرَّح بأنَّ الخطاب في ﴿لَتَوُنَّ الْجَحِيمَ للمشركين، وحملوا الرؤية عليه على رؤية الدخول، وحملوا السؤال هنا على سؤال التقريع والتوبيخ لِمَا أنهم لم یشکروا ذلك بالإيمان به عز وجل. والسؤال قيل: يجوز أن يكون بعدَ رؤية الجحيم ودخولها، كما يُسألون كذلك عن أشياء أُخَر على ما يُؤْذِن به قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَرَنْهَا أَلَمْ يَأْتِكُ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] وقوله سبحانه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ﴾ [المدثر: ٤٢] وذلك لأنَّه إذ ذاك أشدُّ إيلاماً وأدعى للاعتراف بالتقصير، فـ ((ثمّ)) على ظاهرها. وأن يكون في موقف الحساب قبل الدخول، فتكون ((ثمَّ)) للترتيب الذِّكْريِّ. وقيل: الخطاب مخصوصٌ بكلِّ مَن ألهاه دنياه عن دينه، والنعيمُ مخصوصٌ (١) زاد المسير ٢٢٠/٩، والبحر ٥٠٨/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٧٩، والبحر ٥٠٨/٨. (٣) البحر ٥٠٨/٨، وقراءة الهمز أجازها الكسائي كما في القراءات الشاذة ص٢، والدر المصون ١٥١/١، وهي لغة قيس كما في المحتسب ١/ ٥٥، وضعفها ابن جني، والنحاس في إعراب القرآن ١٩٢/١- ١٩٣، وأبو البقاء في الإملاء ١/ ٦٠. الآية : ٨ ٣٠٣ سورةالتغائِ بما شغله عن ذلك؛ لظهور أنَّ الخطاب في (أَلَهَنَكُمُ) إلخ للمُلْهين فيكون قرينةً على ما ذُكِر، وللنصوص الكثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلٌّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] و﴿كُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] وهذا أيضاً يحمل السؤالَ على سؤال التوبيخ، ويدخل فيما ذُكر الكفارُ وفَسَقَةُ المؤمنين. وقيل: الخطاب عامٌّ، وكذا السؤال يعمُّ سؤالَ التوبيخ وغيرَه، والنعيمُ خاصٌّ، واختلف فيه على أقوال: فأخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) عن ابن مسعود مرفوعاً: ((هو الأمن والصحة))(١). وأخرج البيهقي عن الأمير عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: ((النعيم)): العافية(٢). وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((أكلُ خبز البرِّ، والنومُ في الظلِّ، وشرب ماء الفرات مبرَّداً»(٣) . وأخرج ابن جرير عن ثابت البنانيٌّ مرفوعاً: ((النعيم المسؤولُ عنه يوم القيامة کسرةٌ تقوته، وماءٌ یرویه، وثوبٌ یواریه»(٤). وأخرج الخطيب عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله وَله يفسِّره قال: ((الخصاف والماء وفِلَقُ الكِسَر)»(٥). ورُوي عنه وعن جابر أنه ملاذُّ المأكول والمشروب(٦). وقال الحسين بن الفضل: هو تخفيف الشرائع وتيسير القرآن(٧). (١) الزهد ص ٤٦٧. (٢) شعب الإيمان (٤٦١٢). (٣) أورده أيضاً عن أبي الدرداء الديلميُّ في مسند الفردوس (٢٥٤٦). (٤) تفسير الطبري ٦٠٩/٢٤، والحديث مرسل. (٥) الدر المنثور ٣٩١/٦، وهو في تاريخ مدينة دمشق ١٢/٤٧. (٦) قول جابر في النكت والعيون ٣٣٢/٦، وقول ابن عباس في التفسير الكبير ٨٢/٣٢، وروي بمعناه حديث مرفوع عن جابر ظه، أخرجه أحمد (١٤٦٣٧)، والطبري ٢٤/ ٦٠٥. (٧) تفسير البغوي ٤/ ٥٢٢، وتفسير الرازي ٨٢/٣٢. سُودَةُالتَّكَائِ ٣٠٤ الآية : ٨ ويروى عن جابرِ الجُعْفيِّ من الإمامية قال: دخلتُ على الباقر ◌َُّه، فقال: ما يقول أربابُ التأويل في قوله تعالى: (لَتُتْثَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)؟ فقلت: يقولون: الظلُّ والماء البارد. فقال: لو أنك أدخلتَ بيتك أحداً وأقعدتَه في ظلِّ وسقيتَه، أتمُنُّ عليه؟ قلتُ: لا. قال: فالله تعالى أكرم من أن يُطعِم عبده ويَسقيه ثم يسأله عنه. قلتُ: ما تأويله؟ قال: النعيم هو رسولُ الله ◌َ لل أنعم الله تعالى به على أهل العالم فاستنقذهم به من الضلالة، أما سمعتَ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا﴾ (١) [آل عمران: ١٦٤]. ومن رواية العياشي من الإمامية أيضاً أنَّ أبا عبد الله رَض ◌ُبه قال لأبي حنيفة رُه في الآية: ما النعيم عندك يا نعمان؟ فقال: القوت من الطعام، والماء البارد. فقال أبو عبد الله: لئن أوقفك الله تعالى بين يديه حتى يسألك عن كلِّ أكلةٍ أكلتَها أو شربةٍ شربتَها ليطولَنَّ وقوفُك بين يديه. فقال أبو حنيفة: فما النعيم؟ قال: نحن أهلَ البيت النعيمُ، أنعم الله تعالى بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وينا ألَّف الله تعالى بين قلوبهم، وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم إلى الإسلام، وهو النعمة التي لا تنقطع، والله تعالى سائلُهم عن حقِّ النعيم الذي أنعم سبحانه به عليهم وهو محمد وعترته عليه وعليهم الصلاة والسلام(٢). وكِلَا الخبرين لا أرى لهما صحةً، وفيهما ما ينادي على عدم صحتهما كما لا يخفى على مَن ألقى السمع وهو شهيد. والحقُّ عموم الخطاب والنعيم، بيدَ أن المؤمن لا يثرَّب عليه في شيء ناله منه في الدنيا، بل يُسأل غيرَ مثرَّب، وإنما يثرَّب على الكافر كما ورد ذلك في حديث رواه الطبراني عن ابن مسعود(٣) . ويدلُّ على عموم الخطاب ما أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن (١) تفسير الرازي ٨٢/٣٢. (٢) مجمع البيان ٢٢٤/٣٠. (٣) في المعجم الكبير (١٠٤٩٦)، وفيه محمد بن السائب الكلبي، وهو كذاب. ينظر مجمع الزوائد ١٠/ ١١٩. الآية : ٨ ٣٠٥ ماجه وآخرون عن أبي هريرة قال: خرج النبي وَّر ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﴿ًّا، فقال: ((ما أَخْرَجَكُما مِن بُيوتِكُما هذه السَّاعةَ»؟ قالا: الجوع يا رسول الله. قال: ((والذي نَفْسِي بيدِه لأَخْرَجَني الذي أَخْرَجَكُما، فقُوموا)) فقاموا معه عليه الصلاة والسلام، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلمَّا رأته * المرأة قالت: مرحباً. فقال النبي وَله: ((أين فلانٌ))؟. قالت: انطَلَقَ يَستعذِب لنا الماء. إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى النبي ◌َّر وصاحبيه فقال: الحمد لله، ما أحدٌ اليومَ أكرمَ أضيافاً مني. فانطلق فجاء بعِذقٍ فيه بُسر وتمرٌ، فقال: كلوا من هذا. وأخذ المديةَ، فقال له رسول الله وَّهِ: ((إياك والحَلوبَ)) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلمَّا شبعوا ورَوُوْا قال رسول الله وَل﴿ لأبي بكر وعمر: ((والذي نفسي بيده لتُسأَلُنَّ عن هذا النعيم يومَ القيامة))(١). وفي رواية ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس أنَّ النبيَّ بِّهِ وصاحبيه انطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاريِّ، فقالت امرأته: مرحباً بنبي الله وٌَّ ومَن معه. فجاء أبو أيوب فقطع عذقاً، فقال النبي وَّ: ((ما أردتُ أن تقطع لنا هذا، ألا جنيتَ من تمره؟)) قال: أحببتُ يا رسولَ الله أن تأكلوا منه تمره وبُسره ورُطَبه. ثم ذبح جَدْياً فشَوَى نصفَه وطبخ نصفَه، فلمَّا وضع بين يدي النبيِّ وَّ أخذ من الجَدْي، فجعله في رغيفٍ، وقال: ((يا أبا أيوب، أبلِغْ هذا فاطمةَ - رِّا - فإنها لم تُصِب مثلَ هذا منذ أيام)). فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة ﴿ّا، فلما أكلوا وشبعوا قال النبيُّ وَّ: ((خبزٌ ولحمٌ، وتَمْر وبُسْرٌ ورُطَبٌ - ودَمَعَتْ عيناه عليه الصلاة والسلام - والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيمُ الذي تُسأَلون عنه، قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُشْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ التَّعِيمِ) فهذا النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة)). فكَبُر ذلك على أصحابه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((بلى، إذا أصبتُم مثلَ هذا فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله. (١) صحيح مسلم (٢٠٣٨)، وسنن الترمذي (٢٣٦٩)، وسنن النسائي الكبرى (١١٦٣٣)، وسنن ابن ماجه (٣١٨٠) و(٣١٨١). وعزاه لأبي داود السيوطي في الدر ٣٨٩/٦، ولم نقف عليه في سننه . سُوَدَّةُ التَّكَاثِ ٣٠٦ الآية : ٨ فإذا شبِعتُم فقولوا: الحمد لله الذي أشبَعَنا وأنعَمَ علينا وأفضل. فإنَّ هذا كفافٌ بذاك))(١) . وليس المراد في هذا الخبر حصرَ النعيم مطلقاً فيما ذُكر، بل حصر النعيم بالنسبة إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه جياعاً، وكذا فيما يصحُّ من الأخبار التي فيها الاقتصار على شيء أو شيئين أو أكثر، فكلُّ ذلك من باب التمثيل ببعض أفراد خُصَّت بالذكر لأمر اقتضاه الحالُ، ويؤيِّد ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام في غير رواية عند ذكر شيء من ذلك: ((هذا من النعيم الذي تُسألون عنه)) بـ ((من)) التبعيضية . وفي ((التفسير الكبير)): الحقُّ أنَّ السؤال يعمُّ المؤمنَ والكافرَ عن جميع النِّعَم، سواءٌ كان ما (٢) لا بدَّ منه أو لا؛ لأنَّ كلَّ ما يَهَبُ الله تعالى يجب أن يكون مصروفاً إلى طاعته سبحانه لا إلى معصيته عز وجل، فيكون السؤالُ واقعاً عن الكلِّ، ويؤكّده قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تزول قدما العبد حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عَمِل به))(٣)، لأنَّ كلَّ نعيم داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام(٤). ويُشْكِلُ عليه ما أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في ((زوائد الزهد)» والديلميُّ عن الحسن قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ثلاثٌ لا يُحاسَب بهنَّ العبدُ: ظلُّ خُصِّ يَستظلُّ به، وكسرةٌ يَشُدَّ بها صلبَه، وثوبٌ يُواري به عورَه))(٥) . وأجيب بأنَّه إن صحَّ فالمراد: لا يناقشُ الحسابَ بهنَّ. وقيل: المراد: ما يضطرُّ العبد إليه من ذلك لحياته. فتأمَّل. (١) صحيح ابن حبان (٥٢١٦)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٨٩/٦. (٢) في التفسير الكبير: مما . (٣) أخرجه الترمذي (٢٤١٦)، وقد سلف عند تفسير الآية (٢٤) من سورة الصافات. (٤) تفسير الرازي ٨٢/٣٢-٨٣. (٥) الزهد ص١٨، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان (١٠٣٦٨)، ولم نقف عليه عند الديلمي. الآية : ؟؟ ٣٠٧ سُورَةُ التَّكَاثِ، ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ الطعام الذي يُؤكل مع اليتيم لا يُسأَل عنه، وكأنَّ ذلك لأنَّ في الأكل معه جبراً لقلبه وإزالةً لوحشته، فيكون ذلك بمنزلة الشكر، فلا يُسأل عنه سؤالَ تقريع. وفي القلب من صحَّة ذلك شيء. والله تعالى أعلم. سُورَةُ الْعِصْر مكيةٌ في قول ابن عباس وابن الزبير والجمهور، ومدنيةٌ في قول مجاهد وقتادة ومقاتل(١). وآيها ثلاث بلا خلاف، وهي على قصرها جَمَعتْ من العلوم ما جَمَعتْ؛ فقد رُوي عن الشافعي عليه الرحمة أنَّه قال: لو لم ينزل غيرُ هذه السورة لكفت الناس(٢)؛ لأنَّها شملت جميعَ علوم القرآن. وأخرج الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي في ((الشعب)) عن أبي مدينة(٣) - وكانت له صحبة - قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله وَ ﴿ إذا التقيا لم يتفرَّقا حتى يقرأ أحدُهما على الآخر سورةَ ((والعصر))، ثم يسلِّم أحدُهما على الآخر. وفيها إشارة إلى حالِ مَن لم يُلهِه التكاثُر، ولذا وُضعت بعد سورته. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال مقاتل: أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها؛ لأنها الصلاة ﴿وَاَلْعَصْرِ ( الوسطى عند الجمهور؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، (١) البحر ٥٠٩/٨. (٢) حاشية الشهاب ٩/ ٣٩٥، وفي مفتاح دار السعادة ٥٦/١: قال الشافعي: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكَفَّتْهم. ومثله في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٣) في الأصل و(م): حذيفة، وفي الدر المنثور ٣٩٢/٦: مليكة الدارمي، وجاء في شعب الإيمان (٩٠٥٧): الدارمي، ولم يذكر الكنية، والمثبت من المعجم الأوسط (٥١٢٠)، والإصابة ٥٧/٦، وقال الطبراني: قال علي بن المديني: اسم أبي مدينة عبد الله بن حصن. اهـ. الآية : ١ ٣٠٩ سُورَةُ العَصر صلاةٍ العصر))(١). ولما في مصحف حفصة: ((والصلاة الوسطى صلاةٍ العصر))(٢). وفي الحديث: ((مَن فاتته صلاةُ العصر فكأنما وُتِرِ أهلَه ومالَه))(٣). ورُوي أنَّ امرأةً كانت تصيح في سكك المدينة: دلّوني على رسول الله وَّهِ. فرآها عليه الصلاة والسلام فسألها: ((ماذا حدث))؟ فقالت: يا رسول الله، إنَّ زوجي غاب، فزنيت فجاءني ولدٌ من الزنى فألقيتُ الولدَ في دَنِّ خَلِّ فمات، ثم بعت ذلك الخلّ، فهل لي من توبة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما الزنى فعليكِ الرَّجْمُ بسببه، وأما القتلُ فجزاؤه جهنمُ، وأما بيع الخلِّ فقد ارتكبتِ كبيراً، لكن ظننتُ أنكِ تركتٍ صلاةَ العصر)). ذكر ذلك الإمام(٤)، وهو لعمري إمامٌ في نقل مثل ذلك مما لا يعوَّل عليه عند أئمة الحديث، فإياك والاقتداء به. وخُصَّت بالفضل لأنَّ التكليفَ في أدائها أشقُّ؛ لتهافُتِ الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخرَ النهار، واشتغالهم بمعايشهم. وقيل: أقسم عز وجل بوقت تلك الصلاة لفضيلة صلاته، أو لخلق آدم أبي البشر عليه السلام فيه من يوم الجمعة، وإلى هذا ذهب قتادة؛ فقد رُوي عنه أنه قال: العصرُ العشيُّ، أقسم سبحانه به كما أقسم بالضحى؛ لما فيها من دلائل القدرة(٥). وقال الزّجَّاج: العصر اليوم، والعصر الليلة. وعليه قولُ حميد بن ثور: ولم يلبَثِ العصران يومٌ وليلةٌ إذا طَلَبَا أن يُدرِكا ما تَيمَّمَا (٦) وقيل: العصر بُكرةٌ، والعصر عشِيَّةٌ. وهما الأبردان. (١) أخرجه البخاري (٦٣٩٦)، ومسلم (٦٢٧) من حديث علي تظـ (٢) أخرجه الطبري ٣٤٨/٥، وأخرجه مالك في الموطأ ١٣٩/١ برواية: ((وصلاة العصر)) بالواو، وهي أصح إسناداً من الأولى كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٣/٤ . (٣) سلف عند تفسير الآية (٣٥) من سورة محمد. (٤) في التفسير الكبير ٣٢/ ٨٥، ولم نقف عليه عند غيره. (٥) النكت والعيون ٣٣٣/٦، والبحر ٥٠٩/٨. (٦) معاني القرآن للزجاج ٣٥٩/٥، والبيت في إصلاح المنطق ص ٤٣٧، وتفسير القرطبي ٤٦٣/٢٢، والبحر ٥٠٩/٨، وديوان حميد بن ثور، ورواية الديوان: يوماً وليلةً. بالنصب. والمعنى: إذا طلب العصران شيئاً بلغاه وأدركاه، لا يفوتهما شيءٌ. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٥٩٤. سُوَّةُ العَصْرِ ٣١٠ الآية : ٢ وعليه وعلى ما قبله يكون القسم بواحد من الأمرين غيرٍ معيَّن. وقيل: المراد به عصرُ النبوّة. وكأنه عنى به وقتَ حياته عليه الصلاة والسلام، فإنه أشرفُ الأعصار؛ لتشريف النبيِّي وَلِ. وقيل: هو زمان حياته وَل﴿ وما بعده إلى يوم القيامة، ومقدارُه فيما مضى من الزمان مقدارُ وقت العصر من النهار، ويُؤذن بذلك ما رواه البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع النبيَّ ◌َّه يقول: ((إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس))(١). وشرفُه لكونه زمانَ النبيِّ بَّهِ وأمتِه التي هي خيرُ أمة أخرجت للناس، ولا يضرُّه تأخيرُه كما لا يضُرُّ السنانَ تأخّره عن أطراف مُرَّانه، والنَّورَ تأخُرُه عن أطراف أغصانه. وقال ابن عباس: هو الدهر، أقسم عز وجل به لاشتماله على أصناف العجائب، ولذا قيل له: أبو العَجَب، وكأنَّه تعالى يذكِّر بالقسم به ما فيه من النِّعَم وأضدادِها لتنبيه الإنسان المستعدِّ للخسران والسعادة، ويعرِّض عز وجل لِمَا في الإقسام به من التعظيم بنفي أن يكون له خسرانٌ أو دخلٌ فيه كما يزعمه من يُضيف الحوادثَ إليه، وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان إشعارٌ بأنه صفةٌ له، لا للزمان، كما قيل: يَعيبون الزمانَ وليس فيه معايبُ غيرَ أهلٍ للزمان وتُعقّب بأنَّ استعمالَ العصر بذلك المعنى غيرُ ظاهر. ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾﴾ أي: خسرانٍ في متاجرهم ومساعيهم وصرف أعمارهم في مباغيهم التي لا ينتفعون بها في الآخرة، بل ربما تضرُّ بهم إذا حَلُّوا الساهرةَ. والتعريفُ للاستغراق بقرينة الاستثناء، والتنكير قيل: للتعظيم، أي: في خُسرٍ عظيم. ويجوز أن يكون للتنويع، أي: بنوعٍ من الخُسرِ غير ما يعرفه الإنسان. (١) صحيح البخاري (٥٥٧). الآية : ٣ ٣١١ سُؤَدَّةُ العَصْر ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فإنهم في تجارة لن تبور، حيث باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيسَ، واستبدلوا الباقياتِ الصالحاتِ بالغاديات الرائحاتِ، فيا لها من صفقةٍ ما أربَحَها، ومنفعةٍ جامعةٍ للخير ما أوضحها . والمراد بالموصول كلُّ مَن اتصف بعنوان الصلة، لا عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وسلمان الفارسيُّ ◌ُه فقط، كما يُتوهّم مِن اقتصار ابن عباس ﴿يَّ في الذكر عليهما(١)، بل هما داخلان في ذلك دخولاً أوليًّا، ومثل ذلك اقتصارُه في الإنسان الخاسر على أبي جهل(٢)، وهو ظاهر. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم وقوله تعالى: ﴿وَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ﴾ إلخ بيانٌ لتكميلهم لغيرهم، أي: وصَّى بعضُهم بعضاً بالأمر الثابتِ الذي لا سبيل إلى إنكاره، ولا زوالَ في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كلُّه من الإيمان بالله عز وجل واتباع كُتُبُه ورُسُله عليهم السلام في كلِّ عقد وعمل. ﴿وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلَّة البشرية، وعلى الطاعات التي يشقُّ عليها أداؤُها، وعلى ما يبتلي الله تعالى به عبادَه من المصائب(٣). والصبرُ المذكور داخلٌ في الحقِّ، وذُكر بعدَه مع إعادة الجارِّ والفعلِ المتعلِّق هو به لإبراز كمال العناية به، ويجوز أن يكون الأولُ عبارةً رتبةِ العبادة التي هي فعلُ ما يُرضِي اللهَ تعالى، والثاني عبارةَ رتبةٍ العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى، فإنَّ المراد بالصبر ليس مجرَّدَ حَبْس النفس عما تَتُوق إليه من فعلٍ أو تركٍ، بل هو تلقِّي ما وَرَدَ منه عز وجل بالجميل، والرضا به باطناً وظاهراً. وقرأ سلَّام وهارون وابن موسى عن أبي عمرو: ((والعَصِر)) بكسر الصاد، و((الصَّبِر)) بكسر الباء(٤)، قال ابن عطية: وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٩٢/٦ لابن مردويه. (٢) المصدر السابق. (٣) في هامش الأصل: واستظهر أن المراد: وتواصوا بالصبر على الحق. اهـ منه. (٤) القراءات الشاذة ص ١٧٩، والبحر ٥٠٩/٨. سُورَةُ الْغَضْرِ ٣١٢ الآية : ٣ الحركة، ورُوي عن أبي عمرو: ((بالصَّبِر)) بكسر الباء إشماماً، وهذا كما قال: لا يكون أيضاً إلا في الوقف(١). وقال صاحب ((اللوامح)): قرأ عيسى البصرة: (بالصَّبِرْ)) بنقل حركة الراء إلى الباء(٢)؛ لئلا يُحتاجَ إلى أن يُؤتَى ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يُسكّن فيُجمع بين ساكنين، وذلك لغةٌ شائعةٌ وليست بشاذَّةٍ، بل مستفيضةٌ، وذلك دلالةٌ على الإعراب، وانفصالٌ من التقاء الساكنين، وتأديةُ حقٌّ الموقوف عليه من السكون. انتهى، ومِن هذا كما في ((البحر)) قولُه: أنا جريرٌ كنيتي أبو عَمِرْو أضربُ بالسيف وسعدٌ في القَصِرْ (٣) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقرأ: ((والعَصْرِ ونَوَائبِ الدَّهْر، إنَّ الإنسانَ لفي خُسْر، وإنَّه لَفِيه إلى آخِرِ الدهر»(٤). وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في ((المصاحف)) عن ميمون بن مهران أنه قرأ: ((والعصر، إن الإنسانَ لفي خُسْر، وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا ... )) إلخ وذكر أنها قراءة ابن مسعود(٥). هذا واستدلَّ بعضُ المعتزلة بما في هذه السورة على أنَّ مرتكِبَ الكبيرة مخلَّد في النار؛ لأنه لم يستثن فيها عن الخُسرِ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. إلخ. (١) المحرر الوجيز ٥٢٠/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٥٠٩/٨. (٢) البحر ٥٠٩/٨، والكلام وما بعده منه. (٣) البحر ٥٠٩/٨، وعنه نقل المصنف كلام صاحب اللوامح، والرجز في أخبار القضاة ٣/ ٧٠، وتاريخ الطبري ٥٧٧/٣ و٥٨٠، والقراءات الشاذة ص ١٧٩، والبدء والتاريخ ١٧٦/٥، وتاريخ مدينة دمشق ٣٥٣/٢٠، والإنصاف ٧٣٣/٢. وجرير: هو ابن عبد الله البجلي، أنشد الرجز يوم القادسية. وسعد: هو ابن أبي وقاص ﴿ه. ووقع في الأصل و(م)، والقراءات الشاذة والبحر: العصر، بدل: القصر. وهو خطأ . (٤) تفسير الطبري ٦١٣/٢٤، وأخرجه الحاكم ٥٣٤/٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٣٩٢/٦. (٥) المصاحف ٢٩٧/١ عن ميمون بن مهران، وأخرجه عبد بن حميد عن إبراهيم وسعيد بن جبير كما في الدر المنثور ٣٩٢/٦. الآية : ٣ ٣١٣ سُؤَةُ الْغَضْرِ وأجيب عنه بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر مِن كون غير المستثنى في خُسرٍ، وأما على كونه مخلَّداً في النار فلا، كيف والخُسرُ عامٌّ، فهو إمَّا بالخلود إن مات كافراً، وإما بالدخول في النار إن مات عاصياً ولم يُغْفَر، وإمَّا بفَوت الدرجات العاليات إن غُفِر. وهو جوابٌ حسن، وللشيخ الماتريدي رحمه الله تعالى في التفصِّي عن ذلك تكلُّفاتٌ مذكورة في ((التأويلات)) (١) فلا تغفل. وفي السورة من الندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يُحِبَّ المرءُ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، ما لا يخفى. (١) ٥/ ٥١٧. سُورَةُ القُشْرَة مكيةٌ، وآيُّها تسعٌ بلا خلافٍ في الأمرَين. ولمَّا ذكر سبحانه فيما قبلَها أنَّ الإنسان سوى مَن استثنَى في خُسرٍ بَيَّن عز وجل فيها أحوالَ بعضٍ الخاسرين، فقال عز مِن قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لَكُلٍ هُمَزَقِ لُّمَزَةٍ ﴾﴾ تقدَّم الكلامُ على إعراب مثل هذه الجملة(١). والهَمزُ الكَسْرُ كالهَزْم، واللَّمزُ الطَّعْنُ كاللَّهزِ، شاعا في الكسر من أعراض الناس والغضِّ منهم واغتيابهم والطّعن فيهم، وأصلُ ذلك كان استعارةً؛ لأنَّه لا يُتصوَّر الكسرُ والطّعنُ الحقيقيَّان [إلا] في الأجسام، فصار حقيقةً عرفيَّة [في] ذلك(٢). وبناءُ فُعَلَة يدلُّ على الاعتياد، فلا يقال: ضُحَكَة ولُعَنَة إلَّا للمُكْثِرِ المتعوِّد، قال زياد الأعجم : وإنْ تغيَّبْتُ كنتَ الهامزَ اللُّمَزَ،(٣) إذا لقيتُك عن شَخْط ◌ُکاشِرُني وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبِلِّ يَّمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، وقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. (٢) حاشية الشهاب ٣٩٧/٨، وما بين حاصرتين منه. (٣) ديوان زياد الأعجم ص١٢٧، ومجاز القرآن ٢٦٣/١، وجمهرة اللغة ١٨/٣، وهو دون نسبة في تفسير الطبري ٥٠٥/١١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٦١/٥، والقرطبي ٤٦٩/٢٢، ولسان العرب، وتاج العروس (لمز). ورواية الديوان: إذا لقيتُك تُبْدي لي مكاشرة وإِنْ أَغِبِ فَلَأَنْتَ الهامز اللُّمَزَّةْ ، الآية : ١ ٣١٥ سُورَةُ الْهُمْرَةِ هو المشَّاءُ بالنميمةِ، المفرِّقُ بين الجمع، المُغري بين الإخوان(١). وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد: الهُمَزَة: الطَّعَّان في الناس، واللُّمَزَة: الطَّعَّان في الأنساب. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية: الهَمْزُ في الوجه، واللَّمْزُ في الخلف(٢). وأخرج البيهقي في ((الشعب)) عن ابن جريج: الهَمْزُ بالعين والشِّدْق واليد، واللَّمْزُ باللسان(٣). وقيل غير ذلك، وما تقدَّمَ أجمعُ. وقرأ الباقر تظله: ((لكل مُمْزة لُمْزَة)) بسكون الميم فيهما(٤) على البناء الشائع في معنى المفعول، وهو المَسْخَرة الذي يأتي بالأضاحيك فيُضْحَك منه ويُشتَم ويُهْمَز ويُلْمَز. ونزل ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر في أُبي بن خلف(٥). وعلى ما أخرج عن السدي في أُبيِّ بن عمر الثقفي الشهير بالأخنس بن شَرِيق، فإنَّه كان مِغْتاباً كثيرَ الوقيعة(٦). وعلى ما قال ابن إسحاق: في أُمية بن خلف الجُمَحي، وكان يهمزُ النبيَّ ◌َّل ویعیبه(٧) . (١) تفسير الطبري ٦١٦/٢٤-٦١٧، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٣٩٢/٦، وأخرجه أيضاً وكيع في الزهد (٤٤٧)، وهناد في الزهد (١٢١٤). (٢) الأثران في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢، وأخرجهما الطبري ٢٤/ ٦١٧ -٦١٨. (٣) شعب الإيمان (٦٧٥٢). (٤) تفسير القرطبي ٤٦٩/٢٠، والبحر المحيط ٥١٠/٨. (٥) أسباب النزول للسيوطي ص ٤٤٢، والدر المنثور ٦/ ٣٩٠، ووقع في مطبوع الدر: جميل بن عامر، بدل: أبي بن خلف. (٦) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٣٩٢/٦. (٧) السيرة النبوية ٣٥٦/١. سُورَةُ الهُشَرَةِ ٣١٦ الآية : ٢ وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد: في جميل بن عامر(١). وعلى ما قيل: في الوليد بن المغيرة واغتيابِهِ لرسول الله وَل﴿ وغَضِّه منه. وعلى قولٍ: في العاص بن وائل. ويجوزُ أن يكونَ نازلاً في جميع مَن ذُكر، لكن استُشكِلَ نزولها في الأخنس بأنَّه على ما صحَّحه ابنُ حجر في ((الإصابة)) أسلم (٢)، وكان من المؤلّفة قلوبُهم، فلا يتأتَّى الوعيدُ الآتي في حقِّه، فإمَّا أنْ لا يصحَّ ذلك، أو لا يصحَّ إسلامُه. وأيضاً استُشكلَت قراءةُ الباقر ◌َظُه بناءً على ما سمعتَ في معناها وكونِ الآية نازلةً في الوليد بن المغيرة ونحوه من عظماء قريش. وأُجيبَ بأنَّ ما تقدَّم فيها أصلُ وضعِ اللفظ، ثم عمَّ لكلِّ مَن يُكثِرُ الغيبة والطّعن وإنْ لم يكن يُضْحَك منه ويُشتم. ثم إنَّ العموم هو المراد على جميع الأقوال، أي: ويلٌ لكلِّ هُمَزة لمزة، كافراً كان أو مؤمناً، والقصد إلى نهي الإنسان عن ذَيْنك الفعلَين وتقبيحِهما وإن كان النزول على الكفار، وهذا شاهدٌ بَيِّنٌ على أنَّ الكافر مكلّفٌ بالفروع مؤاخذٌ بها(٣)، وبه اندفَع ما في ((التأويلات)) مِن أنَّه كيف عِيبَ الكافرُ بهذَين الفعلَين مع أنَّ فيه حالاً أقبحَ منهما(٤) وهو الكفر؟ وأمَّا ما أجابَ به مِن أنَّ الكفرَ غيرُ قبيحٍ لنفسه بخلافهما(٥)، فلا يخفَى ضعفُه؛ لأنَّ فَوْتَ الاعتقادِ الصحيح أقبحُ من كُلِّ شيء قبيح. وقوله تعالى: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا﴾ بدلٌ من ((كلِّ) بدلَ كلٌّ، وقيل: بدلَ بعضٍ من كلّ. وقال الجاربردي: يجوزُ أنْ يكونَ صفةً له لأنَّه معرفةٌ، على ما ذكره (١) كذا ذكر، والصواب أن الطبري أخرجه من كلام رجل من أهل الرقة. تفسير الطبري ٦١٩/٢٤، وأسباب النزول للسيوطي ص ٤٣٨. (٢) الإصابة ٣٦/١. (٣) من قوله: وأجيب بأن ما تقدم ... إلى قوله: مؤاخذ بها، ليس في (م). (٤) في الأصل: منها . (٥) تأويلات أهل السنة ٥١٨/٥. الآية : ٢ ٣١٧ سُورَةُ الهُشْرَة الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] إذ جعل جملة ((معها سائق)) حالاً من ((كل نفس)) لذلك(١). ولا يخفى ما فيه. ويجوزُ أنْ يكون منصوباً أو مرفوعاً على الذمِّ. وتنكير ((مالاً)) للتفخيم والتكثير، وقد كان عند القائلين إنَّها نزلَت في الأخنس أربعةَ آلاف دينار، وقيل: عشرة آلاف. وجوِّزَ أن يكونَ للتحقير والتقليل باعتبار أنَّه عند الله تعالى أقلُّ وأحقرُ شيءٍ. وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر والأخوان: ((جمَّع)) بشدِّ الميم (٢) للتكثير، وهو أوفقُ بقوله تعالى: ﴿وَعَذَّدَهُ﴾ أي: عدَّه مرةً بعد أخرى حبًّا له وشَغَفاً به. وقيل: جَعَله أصنافاً وأنواعاً كعَقَار ومَتاع ونقود، حكاه في (التأويلات))(٣). وقال غيرُ واحدٍ: أي: جعله عُدَّةً ومدَّخراً لنوائب الدهر ومصائبه. وقرأ الحسن والكلبي: ((وَعَدَدَه)) بالتخفيف (٤)، فقيل: معناه: وَعَذَّه، فهو فعلٌ ماضٍ فُكَّ إدغامُه على خلاف القياس كما في قوله: مَهْلاً أعاذلَ هل جَرَّبتٍ مِن خُلُقي أَنِّي أَجُودُ لِأَقوامٍ وإنْ ضَيِئُوا(٥) وقيل: هو اسمٌ بمعنى العدد المعروف، معطوفٌ على مالِهِ، أي: جمع مالَه وضبط عدَدَه وأحصاه، وليس ذلك على ما في ((الكشف)) من باب: علفتُها تبناً وماءً باردا(٦) (١) الكشاف ٤/ ٧. (٢) التيسير ص٢٢٥، والنشر ٤٠٣/٢ عن أبي جعفر وابن عامر والأخوين (حمزة والكسائي)، وهي قراءة خلف ويعقوب برواية روح. وقراءة الحسن في البحر المحيط ٨/ ٥١٠ . (٣) تأويلات أهل السنة ٥١٩/٥، وحاشية الشهاب ٣٩٧/٨. (٤) القراءات الشاذة ص١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٥١٠. (٥) البيت لقعنب بن أم صاحب، كما في الكتاب ٥٣٥/٣، والخصائص ١٦٠/١، والحماسة البصرية ٧٦/٢، ومختارات ابن الشجري ٧/١، واللسان (ضنن). وجاء في المصادر: قد جرّبت، بدل: هل جرّبت. (٦) سلف عند تفسير الآية (٣) من سورة النساء. سُؤَدَّةُ الْهُشَرَةِ ٣١٨ الآية : ٣ لأنَّ جمْعَ العدد عبارةٌ عن ضَبْطه وإحصائه، فلا يحتاجُ إلى تكلُّف. وعلى الوجهَين أيِّد بالقراءة المذكورة المعنى الأولُ لقراءة الجمهور. وقيل: هو اسم بمعنى الأتباع والأنصار؛ يقال: فلانٌ ذو عَدَدٍ وعُدَد، إذا كان له عَدَدٌ وافرٌ من الأنصار وما يُصلحُهم، وهو معطوف على مالِه أيضاً، أي: جمع مالَه وقومَه الذين ينصرونه. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَهُ ﴾﴾ جملةٌ حالية أو استئنافيةٌ، و((أخلده)» وخلَّده بمعنّى، أي: تركه خالداً، أي: ماكثاً مُكثاً لا يتناهَى، أو مكثاً طويلاً جدًّا، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية، والمرادُ أنَّ المالَ طوَّل أملَه ومنَّاه الأمانيَّ البعيدةَ، فهو يعملُ مِن تشييد البنيانِ، وغرسِ الأشجار، وكَرْي الأنهار، ونحو ذلك، عَمَلَ مَن يظنُّ أنَّ(١) مالَه أبقاه حيًّا . والإظهارُ في مقام الإضمار لزيادة التقرير، والتعبيرُ بالماضي للمبالغة في المعنى المراد. وجوِّز أنْ يُراد أنَّه حاسِبٌ ذلك حقيقةً لفَرْط غرورِه واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أمامَه من قوارع الآخرة، أو لِزَعْمِه أنَّ الحياة والسلامةَ عن الأمراض والآفات تدورُ على مراعاة الأسباب الظاهرة، وأنَّ المال هو المحورُ لكرَّتها، والملكُ المطاع في مدينتها . وقيل: المرادُ أنَّه يحسب المالَ من المخلِّدات، ولا نظر فيه إلى أنَّ الخلودَ دنيوي أو أُخرَوي ذكراً أو عيناً، إنما النظرُ في إثبات هذه الخاصة للمال، والغرضُ منه التعريضُ بأنَّ ثَمَّ مخلِّداً ينبغي للعاقل أنْ يَكُبَّ عليه، وهو السعي للآخرة. وهو بعيدٌ جدًّا، ولذا لم يجعل بعضُ الأجلة التعريضَ وجهاً مستقلًا. وزعم عصامُ الدين أنَّه يحتمل أن يكونَ فاعلُ ((أخلد)) الحاسبُ، ومفعوله المال، أي: يظنُّ أنْ يَحفَظ مالَه أبداً، ولا يعرف أنَّه معرَّضٌ للحوادث أو للمفارقة بالموت، كما قيل: بشِّرْ مالَ البخيل بحادث أو وارث. وهو لعمري مما لا عصام له. (١) في (م): أنه ماله. الآية : ٤ ٣١٩ سُورَةُ المُشَة · ردعٌ له عن ذلك الحسبان الباطلٍ، أو عنه وعن جمع المال وحبِّه كلّمـ المفرط على ما قيل. واستُظهر أنَّه ردٌ عن الهمز واللَّمز، وتُعقّب بأنَّه بعيدٌ لفظاً ومعنّی. وأنا لا أرى بأساً في كون ذلك ردعاً له عن كلِّ ما تضمَّنته الجملُ السابقة من الصفات القبيحة. وقوله تعالى: ﴿لَيُقْبَذَنَّ﴾ جوابُ قسم مقدَّر، والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لعلة الردع، أي: والله لَيُطْرَحَنَّ بسبب أفعاله المذكورة ﴿فِ اُلْطَمَةِ﴾ أي: في النار التي من شأنها أنْ تحطِمَ كلَّ مَن يُلقَى فيها. وبناء فُعَلَة لتنزيل الفعل - لكونه طبيعيًّا - منزلةً المعتاد. والحَظْم: كسر الشيء، كالهَشْم، ثم استُعمل لكلِّ كسر متناهٍ، وأنشدوا: إنَّا حَطَمنا بالقَضيب مُصعَبًا يومَ كَسَرنا أَنْفَه لِيغضَبَا(١) ويقال: رجلٌ حُطَمَة، أي: أكول، تشبيهاً له بالنار، ولذا قيل في أكول: كأنَّما في جوفه تَثُّور(٢) وفسَّر الضحاك ((الحطمة)) هنا بالدَّرك الرابع من النار. وقال الكلبي: هي الطبقةُ السادسةُ من جهنم. وحكى القشيري عنه: أنَّها الدرك الثاني. وقال الواحدي: هي بابٌ من أبواب جهنّم(٣). وزعم أبو صالح أنَّها النار التي في قبورهم. وليس بشيءٍ. (١) البيت لصخير بن أبي الجهم، كما في المنمَّق لابن حبيب ص٣٦٦، وتاريخ ابن عساكر ٥/٢٤، وفيهما: نحن خطمنا ... ، ومصعب هو ابن عبد الرحمن بن عوف، كما قال ابن حبيب. ومعنى خطمه: ضرب أنفه. القاموس (خطم). (٢) البيت في المفردات للأصفهاني، مادة (حطم). (٣) الأقوال السالفة في البحر المحيط ٥١٠/٨. سُورَةُ المُشَةِ ٣٢٠ الآية : ٥ - ٧ التهويل أمرها ببيان أنَّها ليسَت من وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْخُطَمَةُ الأمور التي تنالُها عقولُ الخلق. وقرأ علي كرم الله تعالی وجهه والحسن بخلافٍ عنه وابن محيصن وحميد وهارون عن أبي عمرو: ((ليُنْبذانٌ)) بضمير الاثنين(١) العائد على ((الهُمَزَة)) وماله. وعن الحسن أيضاً: ((لينبذُنَّ) بضم الذال(٢) وحذف ضمير الجمع، فقيل: هو راجعٌ ((لكل همزة)) باعتبار أنَّه متعدِّد، وقيل: له ولعدَدِه، أي: أتباعه وأنصاره بناءً على ما سمعتَ في قراءته هناك. وعن أبي عمرو: ((لتَشْبِذَنَّه)) بنون العظمة وهاء النصب ونون التأكيد(٣). وقرأ زيد بن علي رَظُه: ((في الحاطمة وما أدراك ما الحاطمة)) (٤). ﴿إِنَارُ اللَّهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ لبيان شأن المسؤول عنها، أي: هي نارُ الله ﴿اٌلْمُوقَدَةُ﴾ بأمر الله عز وجل. وفي إضافتها إليه سبحانه ووَصْفها بالإيقاد من تهويل أمرها ما لا مزيدً علیه. ١﴾ أي: تعلُو أوساطَ القلوب وتغشاها، وتخصيصُها ﴿الَّتِى تَطَِّعُ عَلَى الْأَفْدَةِ ® بالذكر لِمَا أنَّ الفؤادَ ألطفُ ما في الجسد وأشدُّه تألُّماً بأدنى أذى يمسُّه، أو لأنَّه محلُّ العقائد الزائغةِ والنيات الخبيثةِ والملكات القبيحة، ومنشَأ الأعمال السيئة، فهو أنسبُ بما تقدَّم من جميع أجزاء الجسد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنَّه قال في الآية: (١) معاني القرآن للفراء ٢٩٠/٣، والمحرر الوجيز ٥٢٢/٥، وتفسير القرطبي ٤٧٢/٢٢-٤٧٣، والبحر المحيط ٥١٠/٨، وينظر القراءات الشاذة ص ١٧٩، وهي خلاف المشهور عن أبي عمرو. (٢) تفسير القرطبي ٢٢/ ٤٧٣، والبحر المحيط ٥١٠/٨. (٣) نسبها القرطبي في تفسيره ٤٧٣/٢٢ للحسن، وقراءة أبي عمرو في القراءات الشاذةص١٧٩، والبحر المحيط ٥١٠/٨: لينبذنَّه. (٤) البحر ٨/ ٥١٠، ودون نسبة في القراءات الشاذة ص١٧٩ .