Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ٩
٢٨١
سُورَةُ الْغَائِبَاتِ
العامل في ((إذا))، وهي ظرفية، أي: أيفعل ما يفعل من القبائح، أو: ألا يلاحِظ
فلا يعلم الآنَ مآلَه إذا بُعثِر مَن في القبور مِن الموتى؟! وإيرادُ ((ما)) لكونهم إذ ذاك
بمعزلٍ من رتبة العقلاء.
وقال الحوفي: العاملُ في ((إذا)) الظرفيةِ ((يَعْلم))(١).
وأُورِد عليه أنه لا يُراد به العلم في ذلك الوقت، بل العلم في الدنيا .
وأجيب بأنَّ هذا إنما يَرِد إذا كان ضمير ((يعلم)) راجعاً إلى ((الإنسان))، وذلك
غيرُ لازم على هذا القول؛ لجواز أن يرجع إليه عز وجل، ويكون مفعولا ((يعلم))
محذوفَينٍ، والتقدير: أفلا يَعْلَمهم الله تعالى عاملين بما عملوا إذا بُعثر؟ على أن
تكون العلمُ كنايةً عن المُجازاة، والمعنى: أفلا يجازيهم إذا بُعثر؟ وتكون الجملة
المؤگّدة بعدُ تحقيقاً وتقريراً لهذا المعنى. وهو كما ترى.
وقيل: إنَّ ((إذا)) مفعولٌ به لـ ((يَعْلم)) على معنى: أفلا يعلم ذلك الوقتَ ويعرف
تحققه.
وقيل: إنَّ العامل فيها ((بُعثر)) بناءً على أنَّها شرطيةٌ غيرُ مضافة. وقيل: ما دلَّ
عليه خبر ((إنَّ))، أي: أفلا يعلم إذا بعثر الموتى جُوْزُوا. والجملة الشرطية سادَّةٌ
مسدّ مفعولَي ((يَعْلم))(٢).
قالوا: ولم يجوَّز أن يعمل فيها ((لخبير)) لأنَّ ما بعد ((إنَّ) لا يعمل فيما قبلها.
وأوجَهُ الأوجُه ما قدَّمناه، وتعدِّي العلم - إذا كان بمعنى المعرفة - لواحد
شائعٌ، وتقدَّم تحقيقُ معنى البعثرة فتذكَّر(٣).
وقرأ عبد الله: ((بُحْثِر)) بالحاء والثاء المثلثةِ(٤).
(١) البحر ٨/ ٥٠٥.
(٢) الكلام من: وقيل: ما دلَّ عليه ... إلى هنا ليس في (م)، وضرب عليه في النسخة النعمانية.
(٣) ينظر ٦٣/٣٠.
(٤) القراءات الشاذة ص١٧٨، والبحر ٨/ ٥٠٥. ونُسب إلى مصحفه: ((بُحِث))، كما في معاني
القرآن للفراء ٢٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٥١٥/٥.

سُورَةُ الْغَائِبَات
٢٨٢
الآية : ١٠ - ١١
وقرأ الأسود بن يزيد: ((بُحِثَ)) بهما بدون راء(١).
وقرأ نصر بن عاصم: ((بَحْثَرَ)) كقراءة عبد الله، لكن بالبناء للفاعل(٢).
أي: جُمع ما في القلوب من العزائم المصمَّمة
﴿وَحُصِلَ مَا فِ الصُّدُورِ ﴾﴾
وأُظهر كإظهار اللُّبِّ من القشر وجَمْعِه، أو: ميِّز خيرُه من شرِّه، فقد استُعمِل:
حصَّل الشيءَ، بمعنى: مَيَّزه من غيره، كما في ((البحر))(٣).
وأصل التحصيل إخراجُ اللَّبِّ من القشر كإخراج الذهب من حَجَر المعدن والبُرِّ
من التبن.
وتخصيصُ ما في القلوب لأنه الأصل لأعمال الجوارح، ولذا كانت الأعمال
بالنيات، وكان أول الفكر آخر العمل، فجميعُ ما عَمِل تابعٌ له، فيدلُّ على الجميع
صريحاً وكنايةً.
وقرأ ابن يعمر ونصر بن عاصم ومحمد بن أبي معدان: ((وحَصَّلَ)) مبنيًّا للفاعل،
وهو ضميره عز وجل.
وقرأ ابن يعمر ونصر أيضاً: ((حَصَلَ)) مبنيًّا للفاعل خفيفَ الصاد(٤)، فـ ((ما)) عليه
هو الفاعل.
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾ أي: المبعوثين، كني عنهم بعد الإحياء الثاني بضمير العقلاء بعد
ما عبِّر عنهم قبل ذلك بـ ((ما)) بناءً على تفاؤُتهم في الحالين.
بذواتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها ﴿يَوْمَدٍ﴾ أي: يومَ إذ يكون
ما عُدَّ مِن بَعْثِ ما في القبور وتحصيلِ ما في الصدور، والظرفان متعلِّقان بقوله
تعالى: ﴿لَّخَبِيرٌ﴾ أي: عالِمٌ بظواهر ما عملوا وبواطنه علماً مُوجباً للجزاء متَّصلاً
(١) القراءات الشاذة ص ١٧٨، والبحر ٥٠٥/٨، والدر المصون ٩١/١١، ووقع في الأصل
و(م) ومطبوع البحر: زيد، بدل: يزيد، وهو تصحيف.
(٢) البحر ٨/ ٥٠٥، وهي في القراءات الشاذة ص ٧٨١ بالعين بدل الحاء.
(٣) ٥٠٨/٨.
(٤) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١٧٨، والبحر ٥٠٥/٨.

الآية : ١١
٢٨٣
سُوَرَةُ الْغَّاِبَاتِ
١
به، كما ينبئ عنه تقييدُه بذلك اليوم، وإلا فمطلَقُ علمه عز وجل بما كان
وما سيكون.
وقرأ أبو السمال والحجاج: ((أنَّ ربهم بهم يومئذٍ خبيرٌ)) بفتح همزة ((أنّ)
وإسقاط لام التأكيد(١)، فـ ((أنَّ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ معمولٍ لـ ((يعلم)) على
ما استظهره بعضهم (٢)، وأيِّد به كون ((يعلم)) معلَّقةً عن العمل في: (إِنَّ رَبَّهُم) إلخ
على قراءة الجمهور لمكان اللام، و((إذا)) على هذا لا يجوز تعلُّقها بـ ((خبير)) أيضاً؛
لكونه في صلة ((أنَّ) المصدرية، فلا يتقدَّم معمولُه عليها. ويُعلم أمره مما تقدَّم.
وقيل: الكلام على تقدير لام التعليل وهي متعلِّقة بـ ((حُصِّل))، كأنه قيل:
وحُصِّل ما في الصدور لأنَّ ربَّهم بهم يومئذ خبيرٌ. والأول أظهر. والله تعالى أعلم
وأخبر.
(١) القراءات الشاذة ص ١٧٨، والبحر ٥٠٥/٨.
(٢) هو أبو حيان في البحر ٥٠٥/٨.

سُورَةُ القَطِّعَّة
مكيةٌ بلا خلاف. وآيُها إحدى عَشْرةَ آيَةً في الكوفي، وعشرةٌ في الحجازي،
وثمانٍ في البصريِّ والشاميِّ(١). ومناسبتها لِمَا قبلها أظهر من أن تذكر.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اَلْفَارِعَةُ جَ مَا الْقَارِعَةُ جَ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ الجمهور على أنَّها
القيامة نفسُها، ومبدؤُها النفخة الأولى، ومنتهاها فصلُ القضاء بين الخلائق.
وقيل: صوتُ النفخة.
وقال الضحاك: هي النار ذات التغيُّظ والزَّفير. وليس بشيء.
وأيَّاما كان فهي من القَرْع، وهو الضرب بشدّة بحيث يحصل منه صوتٌ شديدٌ.
وقد تقدَّم الكلامُ فيها، وكذا ما يُعلم منه إعراب ما ذكر في الكلام على قوله تعالى:
﴿اَلْحَقَّةُ جَ مَا الْحَفَّةُ ﴿ وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الْخَفَّةُ﴾(٢) [الحاقة: ١-٣].
وقرأ عيسى: ((القارعةً)) بالنصب. وخُرِّج على أنه بإضمار فعلٍ، أي: اذكر
القارعةَ(
(١) في هامش الأصل: اختلافها ثلاث: ﴿اَلْقَارِعَةُ ﴾﴾ الأولى كوفي. ﴿فَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾
و﴿خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ كلتاهما حجازي كوفي. كذا في ((المجمع)). اهـ. وهو في مجمع البيان
٢١٦/٣٠.
(٢) ينظر ما سلف عند تفسير هذه الآيات.
(٣) البحر ٥٠٦/٨.

الآية : ٤
٢٨٥
سُورَةُ القَطِعَةِ
قيل أيضاً: منصوبٌ
٤
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ
بإضمار: اذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى
معرفتها: اذْكُر يومَ يكون الناس .. إلخ، فإنَّه يُدريك ما هي.
وقال الزمخشريُّ: ظرفٌ لمضمَر دلَّت عليه ((القارعة))، أي: تَقْرَع يوم (١).
وقال الحوفي: ظرفُ ((تَأْتِي)) مقدَّراً (٢). وبعضهم قدَّر هذا الفعل مقدَّماً على
((القارعة))، وجَعَلها فاعلاً له أيضاً.
وقال ابن عطية: ظرفٌ لـ ((القارعة)) نفسها من غير تقديرٍ(٣). ولم يبيِّن أيَّ
القوارع أراد. وتعقّبه أبو حيان بأنه إن أراد اللفظَ الأول ورد عليه الفصلُ بين
العامل - وهو في صلة ((أل)) - والمعمول بالخبر، وهو لا يجوز، وإن أراد الثاني أو
الثالثَ فلا يلتئم معنى الظرف معه (٤). ولذا لا يجوز التعلُّق بـ ((القارعة)) إذا كانت
عَلَماً للقيامة.
وقال بعض الأجلة(٥): إذا تعلَّق بالثاني وقيل ما بينهما اعتراض لم يمنع منه
مانع، ودعوى عدمِ الالتئام غيرُ مسلَّمة. وكأنه لم يعتبر العلَّمية.
وقال في ((الإرشاد))(٦): هو مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، والفتح لإضافته
إلى الفعل وإن كان مضارعاً كما هو رأي الكوفيين، أي: هي يوم يكون .. إلخ(٧).
وأيِّد بقراءة زيد بن علي: ((يومُ)) بالرفع على ذلك(٨)، وقدّر بعضهم المبتدأ: وَقْتُها.
(١) الكشاف ٢٧٩/٤.
(٢) البحر ٨/ ٥٠٦.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٦/٥.
(٤) البحر ٥٠٦/٨.
(٥) القائل هو الشهاب في حاشيته ٣٩٣/٨.
(٦) ٩ / ١٩٣.
(٧) الكلام من: ولذا لا يجوز التعلق ... إلى هنا، ساقط من (م).
(٨) البحر ٨/ ٥٠٦.

سُؤَةُ القَالمُعت
٢٨٦
الآية : ٥
و((الفَراش)) قال في ((الصحاح): جمعُ فَراشة؛ التي تطير وتَهافَتُ في النار(١).
وهو المرويُّ عن قتادة(٢).
وقيل: هو طيرٌ رقيقٌ يقصد النارَ ولا يزال يتقحم على المصباح ونحوه حتى
یحترق.
وقال الفراء: هو غوغاء الجراد الذي ينتشر في الأرض ويركب بعضُه بعضاً من
الهَوْل(٣) .
وقال صاحب ((التأويلات)): اختلفوا في تأويله على وجوه، لكن كلَّها ترجع إلى
معنّى واحدٍ، وهو الإشارة إلى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم(٤).
واختار غير واحد ما روي عن قتادة، وقالوا: شُبِّهوا في الكثرة والانتشار
والضَّعف والذِّلة، والمجيء والذهابِ على غير نظام، والتطايُرِ إلى الداعي من كلِّ
جهة حين يدعوهم إلى المحشر، بالفراش المتفرِّق المتطاير؛ قال جرير(٥):
مثلُ الفَرَاشِ غَشِين نارَ المُصْطَلي
إنَّ الفرزدقَ ما علمتَ وقومه
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْيِهْنٍ﴾ أي: الصوفِ مطلقاً، أو المصبوغ كما قيَّده
الراغب به (٦)، وقد تقدَّم الكلام فيه في ((المعارج))(٧). و((كان)) بمعنى: صار، أي:
وتَصِير جميعُ الجبال كالعِهْن ﴿اٌلْمَنْفُوشِ﴾ المفرَّق بالأصبع ونحوها في تفرُّق
أجزائها وتطايُرِها في الجوِّ حسبما ينطق به غير آية.
(١) الصحاح (فرش).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٩٣.
(٣) معاني القرآن ٢٧٦/٣.
(٤) تأويلات أهل السنة ٥/ ٥١١.
(٥) البيت في الكشاف ٢٧٩/٤، والبحر ٥٠٦/٨، والدر المصون ٩٥/١١، وفتح الباري
٧٢٨/٨، وهو في ديوان جرير ص٩٢٣، والشطر الأول فيه برواية: أزرى بحلمكم
الفِياش فأنتم. والفِياش: بالكسر: الرخاوة والضَّعف. تاج العروس (فيش).
(٦) في المفردات (عهن).
(٧) عند تفسير الآية (٩).

الآية : ٦
٢٨٧
سُورَةُ القَطِعَّة
إلى آخره بيانٌ إجماليٍّ لتحُّبِ
٦
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ.
الناس حزبَينٍ، وتنبيهٌ على كيفية الأحوال الخاصَّة بكلٍّ منهما إثرَ بيان الأحوال
الشاملة للكلِّ. وهذا إشارةٌ إلى وزن الأعمال، وهو مما يجب الإيمان به حقيقةً
ولا يكفَّر منكره، ويكون بعد تطاير الصُّحُف وأخذِها بالأيمان والشمائل وبعد
السؤال والحساب - كما ذكره الواحديُّ وغيره، وجزم به صاحب ((كنز
الأسرار)) - بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان كإطباق السماوات والأرض، والله تعالى أعلم
بماهيته، وقد رُوي القول به عن ابن عباس والحسن البصري(١)، وعزاه في ((شرح
المقاصد)» لكثير من المفسرين(٢). ومكانُه بين الجنة والنار كما في ((نوادر
الأصول))(٣)، وذَكَر: يتقبَّل به العرش(٤)، يأخذ جبريل عليه السلام بعموده ناظراً
إلى لسانه، وميكائيل عليه السلام أمينٌ عليه(٥).
والأشهر الأصحُّ أنه ميزانٌ واحد كما ذكرنا لجميع الأمم ولجميع الأعمال،
فقوله تعالى: (مَوَزِينُهُ) - وهو جمعُ ميزان، وأصله: مِوْزَان بالواو لكن قُلبت ياءً
لسكونها وانكسارٍ ما قبلها - قيل: للتعظيم، كالجمع في قوله تعالى: ﴿كَذََّتْ عَادُ
الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] في وجهٍ، أو باعتبارِ أجزائه نحو: شابت مفارقه. أو
باعتبار تعدُّد الأفراد للتغايُر الاعتباريِّ كما قيل في قوله:
لَمَعَانُ برقٍ أو شعاعُ شُمُوسٍ (٦)
وقيل: لكلِّ أمة ميزانٌ.
وقيل: لكلِّ مكلَّفٍ ميزان.
(١) النكت والعيون ٣٢٨/٦، وتفسير أبي السعود ١٢٣/٩.
(٢) شرح المقاصد للتفتازاني ٥/ ١٢١.
(٣) لم نقف عليه في مطبوع نوادر الأصول.
(٤) أي: يجعل تجاه العرش، كما ورد ١١٣/١٧.
(٥) ينظر في صفة الميزان ما سلف عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف، وقال ابن حزم في
الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٦٥/٤: وأمور الآخرة لا تعلم إلا بما جاء في القرآن، أو
بما جاء عن رسول الله وَّةٍ. ولم يأت عنه عليه السلام شيء يصحُّ في صفة الميزان.
(٦) وصدره: حمي الحديد عليهم فكأنهم، والبيت للأشتر النخعي، وسلف ١٩/ ٩٣.

الآية : ٦
٢٨٨
سُورَةُ القَطِعَة
وقيل: لكلِّ موازينُ بعدد أنواع حسناته وأنواع سيئاته. وما هنا ظاهر في ذلك.
وهل هو موجود اليوم أو لا؟ توقَّفَ بعضهم، وبعضُ الأخبار ظاهرٌ في الأول.
وتوزن كتبُ الأعمال على ما ذهب إليه أبو المعالي(١) وجمهور المفسرين،
ويؤيِّده حديثُ البطاقة والسجلات(٢). وزعم الرازي على ما نُقل عنه أنَّ فيه حديثاً
مرفوعاً (٣).
وقال آخرون: يوزن نفس الأعمال، فتصوَّر الصالحة بصورٍ حسنةٍ نورانيةٍ ثم
تُطرح في كفَّة النور، وهي اليمنى المعدَّةُ للحسنات، فتثقل بفضل الله تعالى،
وتصوَّر الأعمال السيئة بصُوَر قبيحة ظلمانية ثم تُطرح في كفَّة الظلمة وهي الشمال،
فتخفُّ بعدل الله تعالى. وامتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات ممنوعٌ، أو
مقيّدٌ ببقاء آثار الحقيقة الأولى.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ الله تعالى يخلق أجساماً على عدد تلك الأعمال من
غير قلبٍ لها، وادَّعى أنَّ فيه أثراً.
والظاهر أنَّ الثقلَ والخفَّةَ مثلهما في الدنيا فما تَقُل نزل إلى أسفل ثم يرتفع إلى
علِّيْن، وما خفّ طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجِّين. وبه صرَّح القرطبيُّ(٤).
وقال بعض المتأخرين: هما على خلافِ ما في الدنيا، وإنَّ عمل المؤمن إذا
رَجَحَ صَعِدَ، وثَقُلت سيئاته، وإنَّ الكافر تشقُل كفَّته لخلوِّ الأخرى من الحسنات، ثم
تلا: ﴿وَأَلْعَمَلُ الصَّْلِحُ بَرْفَعٌُ﴾ [فاطر: ١٠] وفي كونه دليلاً نظرٌ.
وذكر بعضهم أنَّ صفة الوزن أن يجعل جميعُ أعمال العباد في الميزان مرة
واحدة، الحسنات في كفَّة النور عن يمين العرش جهةَ الجنة، والسيئات في كفة
(١) في الإرشاد ص ٣٢٠.
(٢) أخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو ﴿يا، وسلف ٢٤/٩.
(٣) أورد الرازي في تفسيره ٣٥/١٤ حديثاً: سئل رسول الله خير عما يوزن يوم القيامة؟ فقال:
((الصحف)). اهـ. ولم نقف عليه في المصادر الحديثية.
(٤) في التذكرة ص٣١٢.

الآية : ٦
٢٨٩
سُورَةُ القَطِعَةِ
الظلمة جهةَ النار، ويخلق الله تعالى لكلِّ إنسان عِلْماً ضروريًّا يُدرك به خفةً أعماله
وثقلَها .
وقيل نحوه، إلا أنَّ علامةَ الرجحان عمودٌ من نورٍ يَثُور من كفّة الحسنات حتى
يكسو كفَّة السيئات، وعلامة الخفّة عمودُ ظلمةٍ يثور من كفة السيئات حتى يكسو
كفَّةَ الحسنات.
فالكيفياتُ أربعٌ، وستظهر حقيقة الحال بالعيان.
وهو، قال القرطبي(١): لا يكون في حقِّ كلِّ أحد لِمَا في الحديث الصحيح
فيقال: ((يا محمد، أَدْخِل الجنةَ مِن أمتك مَن لا حسابَ عليهم من الباب الأيمن))
الحديث(٢)، وأحرى الأنبياء عليهم السلام، وقولِه سبحانه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ
فَيُؤْخَذُ بِالتَّوَصِى وَالْأَقْدَاِ﴾ [الرحمن: ٤١] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله تعالى من
الفريقين .
وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أنَّ أهل الصبر لا توزن أعمالُهم، وإنما
يصبُّ لهم الأجر صبًّا (٣).
وذهب بعضهم إلى أنَّ أعمالَ الكفار لا توزن؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥] وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءَ
مَنْتُورًا﴾(٤) [الفرقان: ٢٣]، والظاهر أنه يُدرَج المنافق في الكافر.
والحقُّ أنَّ أعمالهم مطلقاً توزن؛ لظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة، والمراد
في الآية الأولى: وزناً نافعاً، وفي الثانية: فجعلناه كالهباء في عدم النفع أصلاً، أو
المخلص من الخلود في النار(٥).
(١) في التذكرة ص٢٦٣، وقوله: وهو، أي: الوزن.
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة .
(٣) ينظر ما سلف ١٧/ ١١٥ .
(٤) الكلام من: وذهب بعضهم ... إلى هنا ساقط من (م).
(٥) الكلام من: وفي الثانية ... إلى هنا ساقط من (م).

سُورَةُ القَطِعَةِ
٢٩٠
الآية : ٧
والصحيح أنَّ الجنَّ مؤمنهم وكافرهم كالإنس في هذا الشأن، كما قُرِّر في
محلِّه، والتقسيم فيما نحن فيه على ما سمعتَ عن القرطبي بالنسبة إلى مَن توزن
أعمالُه، لا بالنسبة إلى الناس مطلقاً .
وأنكر المعتزلة الوزنَ حقيقةً وجماعةٌ من أهل السنة والجماعة، منهم مجاهد
والضحاك والأعمش قالوا: إنَّ الأعمال أعراضٌ، إن أمكن بقاؤُها لا يمكن وزنُها،
فالوزن عبارةٌ عن القضاء السويِّ والحكم العادل. وجوَّزوا فيما هنا أن تكون
الموازين جمعَ مَوْزون، وهو العمل الذي له وزنٌ وخَطرٌ عند الله تعالى، وأنَّ معنى
ثقلها رجحانُها(١). ورُوي هذا عن الفراء، أي: فمن ترجَّحت مقادير حسناته ورُتَبُها
﴿فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رَّاضِبَةٍ ﴾﴾ المشهور جَعْلُ ذلك من باب النَّسب، أي: ذات
رضاً، وجوِّز أن تكون ((راضية)) بمعنى المفعول، أي: مَرْضِيَّة، على التجوُّز في
الكلمة نفسها، وأن يكون الإسناد مجازيًّا، وهو حقيقةً إلى صاحب العِيْشة. وجوِّز
أن يكون في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ وتخييليةٌ على ما قرِّر في كتب المعاني.
لكن ذَكَر بعض الأجلَّة هاهنا كلاماً نفيساً(٢)، وهو أنَّ ما كان للنسب يؤوَّل بذي
كذا، فلا يؤنَّث؛ لأنه لم يَجْر على موصوفٍ فأُلحِق بالجوامد، ونَقَل عن السيرافي أنَّه
قال: [إنه] يقدَح فيما علَّلوا به [عدم] سقوط الهاء في ((عيشة راضية))، وفيه وجهان:
أحدهما: أن تكون بمعنى أنها رَضِيَتْ أهلَها(٣)، فهي ملازِمةٌ لهم راضيةٌ بهم.
والآخر: أن تكون الهاء للمبالغة كعلَّامة وراوية. ووجِّه بأنَّ الهاء لزمت لئلا تسقُط الياء
فيخلّ بالبِنية، كناقةٍ مُسْلية (٤)، وكلبة مُجرِيةٍ(٥)، وهم يقولون: ظبيةٌ مُطفِلٌ ومُشْدِنٌ(٦)،
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٨٧/٣، وتفسير الرازي ٧٣/٣٢.
(٢) هو الشهاب في حاشية البيضاوي ٨/ ٣٩٣ وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) في (م): راضية أهلها، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب.
(٤) في الأصل و(م): مشلية. والمثبت من حاشية الشهاب ٣٩٣/٨.
(٥) كتبت فوقها في الأصل: ذات جَرْو.
(٦) في الأصل و(م): ومشدان، وهو خطأ، والمثبت من حاشية الشهاب، وظبية مُشْدِن، أي:
شَدَن ولدها، أي: قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، والمطفِل: هي الظبية مع طفلها
وهي قريبة عهد بالنتاج، وكذلك الناقة. الصحاح (شدن) و(طفل).
۔۔

الآية : ٨ - ١١
٢٩١
سُورَةُ القَطِعَةِ
وبابُ مِفعَل ومِفعَال لا يؤنَّث، وقد أدخلوا الهاءَ في بعضه کمِصگّة(١). انتهى.
ثم قال(٢): إنَّ هذا حقيقٌ بالقبول، ومحصّله: الجوابُ بوجوه:
أحدها: أنَّ ((راضية)) هنا(٣) ليس من باب النسب، بل هو اسم فاعل أُرِيدَ به
لازمُ معناه؛ لأنَّ مَن شاء شيئاً ورضي به لازَمَه، فهو مجازٌ مرسَلٌ أو استعارةٌ،
ويجوز أن يراد أنه مجازٌ في الإسناد، وما ذُكر بيانٌ لمعناه.
الثاني: أنَّ الهاء للمبالغة، ولا تختصُّ بـ ((فعَّال))، ولذا مثِّل بـ ((راوية)) أيضاً.
والثالث: أنه يجوز إلحاقُ الهاء في المعتلِّ لحفظ البنية، و((مِصَكّة)» إمّا شاذٌّ أو
لتشبيه المضاعف بالمعتلِّ(٤). انتهى. فاحفظه فإنه نفيسٌ خلا عنه أكثرُ الكتب.
﴿وَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ ﴾﴾ بأن لم يكن له حسنةٌ يعتدُّ بها، أو ثقلت
سيئاته على حسناته ﴿فَأُتُّهُ﴾ أي: فمأواه، كما قال ابن زيد وغيره(٥)
﴿هَاوِيَةٌ﴾ أريد بها النار، كما يُؤذِن به قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَةْ
نَارُ حَامِيَةٌ ﴾﴾، فإنَّه تقريرٌ لها بعد إبهامها، والإشعارُ بخروجها عن المعهود
للتفخيم والتهويل.
وذُكر أنَّ إطلاقَ ذلك عليها لغاية عمقها وبُعدِ مهواها؛ فقد رُوي أنَّ أهل النار
تهوي فيها سبعين خريفاً (٦). وخصّها بعضهم بالباب الأسفل من النار.
وعبِّر عن المأوى بالأمِّ على التشبيه بها، فالأمُّ مفزع الولد ومأواه، وفيه
تھگُّم به.
(١) جاء في هامش الأصل: من الصَّكَّة: شدة الهاجرة. اهـ منه.
(٢) القائل هو الشهاب.
(٣) في (م) زيادة: فيه.
(٤) حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي ٣٩٣/٨.
(٥) أخرجه عن ابن زيد وقتادة الطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٩٥-٥٩٦ .
(٦) أخرج الترمذي (٢٣١٤)، وابن حبان (٥٧٠٦) عن أبي هريرة رضيه قال: سمعت رسول الله الحلول
يقول: ((إنَّ الرجلَ ليتكلّمُ بالكلمة ما يرى بها بأساً، يَهْوِي بها في النار سبعين خريفاً)).

سُؤَدَةُ القَطُعَّة
٢٩٢
الآية : ١١
وقيل: شبَّه النارَ بالأمِّ في أنها تُحيط به إحاطة رَحِم الولد بالأمِّ(١).
وعن قتادة وأبي صالح وعكرمة والكلبي وغيرهم: المعنى: فأمُّ رأسِه هاويةٌ في
قعر جهنم؛ لأنه يُطرَح فيها منكوساً .
وفي رواية أخرى عن قتادة: هو من قولهم إذا دَعَوا على الرجل بالهَلَكَة: هوت
أمُّه؛ لأنه إذا هوى - أي: سقط وهلك - فقد هَوت أمُّه ثكلاً وحُزْناً(٢)، ومن ذلك
قولُ كعب بن سعد الغنوي(٣):
هوت أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غاديا وماذا يردُّ اللَّيلُ حِينَ يَؤُوبُ (٤)
وفي ((الكشف)): إنَّ هذا أحسن؛ ليطابق قوله سبحانه: (فِ عِيشَةٍ زَّاضِيَةٍ)
وما فيه من المبالغة. وقال الطيبي: إنه الأظهر. وللبحث فيه مجال، والضمير أعني
((هي)) عليه للداهية التي دلَّ عليها الكلام، وعلى ما قدَّمنا لـ ((هاوية))، وعلى الوجه
الثاني لِمَا يُشعر به الكلام، كأنه قيل: فأمُّ رأسه هاويةٌ في نار، وما أدراك
ما هيه .. إلخ.
والهاء الملحَقة في ((هِيَه)) هاء السكت، وحَذَفَها في الوصل ابن أبي إسحاق
والأعمش وحمزة(٥)، وأثبتها الجمهور.
ورفع ((نارٌ)) على أنَّها خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي نار. و((حامية)) نعتٌ لها،
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: إحاطة رحم الأم بالولد.
(٢) البحر ٨/ ٥٠٧ دون نسبة، ومثله في تفسير الطبري ٥٩٥/٢٤، وزاد المسير ٢١٥/٩ عن
قتادة.
(٣) في هامش الأصل: يرئي أخاه أبا المغوار.
(٤) البيت في الأصمعيات ص ٩٥، وجمهرة أشعار العرب ٧٠٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس
٢٨١/٥، والصحاح (هوى)، وأمالي القالي ٢/ ١٥٠، وجمهرة الأمثال ٣٥٤/٢، والكشاف
٤/ ٢٨٠، والبحر ٥٠٧/٨، والخزانة ٤٣٥/١٠. قوله: ما يبعث الصبح ... ، يريد أن هذين
الوقتين يجدِّدان ذكره، ويثيران الحزن عليه، لأن الصباح وقت الغارة، والليل وقت طروق
الضِّيفان. سمط اللآلي للبكري ٢/ ٧٧٣.
(٥) التيسير ص ٢٢٥ عن حمزة، والكلام من البحر ٨/ ٥٠٧.

الآية : ١١
٢٩٣
سُورَةُ القَطِعْت
وهو من الحَمْي: اشتداد الحرِّ؛ قال في ((القاموس)) (١): حَمِي الشمسُ والنارُ حَمْياً
وحُمِيًّا وحُمُوًّا: اشتدَّ حُرُّهما.
وجعله بعضهم - على ما قيل - من: حَميتُ القِدْرَ فهي مَحْمِيَّةٌ، ففسَّره بـ : ذات
حَمْىٍ، وهو كما ترى.
وقرأ طلحة: ((فإمُّه)) بكسر الهمزة(٢)، قال ابن خالويه: وحكى ابن دريد أنها
لغة، وأما النحويون فيقولون: لا يجوز كسر الهمزة إلا أن يتقدَّمها كسرةٌ أو ياءٌ(٣).
والله تعالى أعلم.
(١) مادة (حمي).
(٢) المحرر الوجيز ٥١٧/٥، والبحر ٨/ ٥٠٧.
(٣) نقله عن ابن خالويه في البحر ٨/ ٥٠٧ .

سُوْرَةُ التَّكَاثِ
وكان أصحابُ رسول الله وَ ل و - كما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن
أبي هلال - يسمُّونها المقبرة(١).
وهي مكية، قال أبو حيان(٢): عند جميع المفسرين. وقال الجلال
السيوطي(٣): على الأشهر، ويدلُّ لكونها مدنيةً - وهو المختارُ - ما أخرجه ابن
أبي حاتم عن ابن بريدة(٤) فيها قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار: في بني
حارثة وبني الحارث، تفاخَروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثلُ فلان وفلان؟
وقال الآخرون مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور،
فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثلُ فلان - تشير إلى القبر - ومثل فلان؟ وفعل
الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله تعالى: (أَلَهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ) إلخ.
وأخرج البخاري وابن جرير عن أبيّ بن كعب قال: كنا نرى هذا
من القرآن: ((لو أنَّ لابن آدم واديين من مال لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يملأ
جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ثم يتوبُ الله على مَن تاب)) حتى نزلت: (أَلَهَنَكُمُ
اُلتّكَافُرُ) إلخ(٥).
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن علي كرم الله تعالى
(١) الدر المنثور ٣٨٦/٦، وتحرف في الأصل و(م) سعيد إلى: سعد. وهو سعيد بن أبي هلال
الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، من رجال التهذيب.
(٢) في البحر ٨/ ٥٠٧.
(٣) في الإتقان ١/ ٤١.
(٤) في الأصل و(م): أبي بريدة، وهو خطأ، والمثبت من الإتقان.
(٥) صحيح البخاري (٦٤٣٩) و(٦٤٤٠)، وتفسير الطبري ٥٩٩/٢٤.

٢٩٥
سُودَةُ التّكَائِ،
وجهه: ما زلنا نَشُُّ في عذاب القبر حتى نزلت: (أَلَهَنَكُمُ الشَّكَاثُرُ) (١).
وعذابُ القبر لم يذكر إلا في المدينة كما في الصحيح في قصة اليهودية(٢). انتهى.
ولقوة الأدلة على مدنيتها قال بعض الأجلة(٣): إنه الحقُّ.
وآيها ثمان بالاتفاق، وهي تعدل ألفَ آية من القرآن؛ أخرج الحاكم والبيهقي
في ((الشعب)) عن ابن عمر رضيًّا قال: قال رسول الله وَله: ((ألا يستطيع أحدُكم أن
يقرأ ألفَ آية في كلِّ يوم))؟ قالوا: ومَن يستطيع أن يقرأ ألفَ آية؟ قال: ((أما يستطيع
أحدُكم أن يقرأ: (أَلْهَنَكُمُ التَّكَائِرُ)؟)) (٤).
وأخرج الخطيب في ((المتفق والمفترق)) والديلمي عن عمر بن الخطاب
قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ في ليلة ألفَ آية لقي الله تعالى وهو ضاحكٌ
في وجهه)). فقيل: يا رسول الله، مَن يَقْوَى على ألف آية؟ فقرأ سورة (أَلَهَنَكُمُ
التَّكَاثُرُ) إلى آخرها؛ ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده إنها لتعدِلُ
ألفَ آيةٍ»(٥) .
وذكر ناصر الدين بن الميلق(٦) في سرِّ ذلك: أنَّ القرآن ستةُ آلافٍ ومنتا آيةٍ
وكسر، فإذا تركنا الكسرَ كان الألف سُدُسَ القرآن، وهذه السورة تشتمل على سُدُس
من مقاصد القرآن فإنها (٧) على ما ذكره الغزالي ستة :
(١) سنن الترمذي (٣٣٥٥)، وتفسير الطبري ٢٤/ ٦٠٠، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه
وغيرهما السيوطي في الدر ٣٨٧/٦.
(٢) صحيح البخاري (١٣٧٢) عن عائشة رش
(٣) هو الشهاب في حاشيته ٣٩٤/٨.
(٤) المستدرك ٥٦٦/١-٥٦٧، وشعب الإيمان (٢٥١٨).
(٥) المتفق والمفترق ١/ ٤٠١، وفي إسناده محمد بن جعفر الأنصاري، قال الخطيب: مجهول،
والحدیث غیر ثابت. اهـ.
(٦) هو محمد بن عبد الدائم الشاذلي ناصر الدين ابن بنت الميلق، اعتنى بالعلم. وعانى طريق
التصوف، وقال الشعر الرائق، كان واعظاً بليغاً، ولي القضاء وتوفي سنة (٧٩٧هـ). إنباء
الغمر بأبناء العمر لابن حجر العسقلاني ٢٧١/٣- ٢٧٢.
(٧) أي: مقاصد القرآن.

رةُ الفِكَائِرِ
٢٩٦
الآية : ١ - ٢
ثلاثة مهمَّة: وهي تعريفُ المدعوِّ إليه، وتعريفُ الصراط المستقيم، وتعريفُ
الحال عند الرجوع إليه عز وجل.
وثلاثة مُتِمَّة: وهي تعريف أحوال المطيعين، وحكاية أقوال الجاحدين،
وتعريفُ منازل الطريق.
وأحدُها معرفة الآخرة المشارُ إليه بـ : تعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى،
المشتمل عليه السورة، والتعبير على هذا المعنى بألفِ آية أفخم وأجلُّ من التعبير
بالسدس. انتهى. والأمرُ - والله تعالى أعلم - وراءَ ذلك.
ومناسبتها لِمَا قبلَها ظاهرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَهَنْكُمْ﴾ أي: شَغَلَكم، وأصلُ اللهو الغَفْلةُ، ثم شاع في كلِّ شاغل، وخصّه
العرفُ بالشاغل الذي يسرُّ المرءَ، وهو قريبٌ من اللعب، ولذا وَرَد بمعناه كثيراً،
وقال الراغب(١): اللهو ما يشغلك عما يَعني وُهِمُّ.
وقيل - وليس بذاك -: المراد به هنا الغفلةُ، والمعنى: جعلكم لاهين
غافلين.
﴿التَّكَاثُرُ﴾ أي: التباري في الكثرة والتباهي بها بأن يقول هؤلاء: نحن أكثرُ.
وهؤلاء: نحن أكثر.
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَغَابِرَ ﴾﴾ حتى إذا استَوْعَبْتُم عددَ الأحياء صرتم إلى المقابر
وانتقلتم إلى ذكْرٍ مَن فيها، فتكاثرتُم بالأموات. فالغاية داخلة في المغيّا، وقد تقدَّم
مِن سبب النزول ما يوضح ذلك.
وعن الكلبيِّ ومقاتل أنَّ بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيُّهم أكثرُ عدداً،
(١) في المفردات (لهي).

الآية : ٢
٢٩٧
سُورَةُ التكاثر.
فَكَثَرَتْهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إنَّ البغي أهلَكَنا في الجاهلية، فعادُّونا
بالأحياء والأموات. فكَثَرَتْهم بنو سهم (١) .
وزيارة المقابر على ما تقدَّم على ظاهرِها، وأما على هذا فقد عبّر بها عن
بلوغهم ذكرَ الموتى كنايةً أو مجازاً، واستُحسن جعلُه تمثيلاً .
وفي ((الكشاف))(٢): عبِّر بذلك عما ذُكر تهّماً بهم. ووجَّهه بعضٌ بأنَّه كأنَّه
قيل: أنتم في فعلكم هذا كمن يزور القبورَ مِن غير غرضٍ صحيح. وبعضٌ آخرُ بأنَّ
زيارة القبور للاتعاظ وتذكُّر الموت، وهم عَكَسوا فجعلوها سبباً للغفلة. وهذا
أولى(٣)، والمعنى: ألهاكم ذلك، وهو لا يَعْنِيكم ولا يُجدي عليكم في دنياكم
وآخرتكم عما يَعْنيكم من أمر الدين الذي هو أهمُّ وأَعْنَى من كلِّ مهمٌّ.
وحذف المُلهَى عنه للتعظيم المأخوذ من الإبهام بالحذف، والمبالغةِ(٤) في
الذمِّ، حيثُ أشار إلى أنَّ ما يُلهي مذمومٌ فضلاً عن المُلهِي عن أمر الدين.
وقيل: المراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن مُتم وقُبِرتم مُنفِقين
أعمارَكم في طلب الدنيا والاشتياقِ إليها والتهالكِ عليها إلى أن أتاكم الموتُ لا هَمَّ
لكم غيرُها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعملِ لآخرتكم.
وصدره(٥) قد أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس، وهو وابن أبي حاتم وابن
أبي شيبة عن الحسن (٦). وزيارة المقابر عليه عبارةٌ عن الموت، كما قال الشاعر:
(١) أسباب النزول للواحدي ص٤٩٩، وتفسير البغوي ٥٢٠/٤. وفي هامش الأصل زيادة:
وقال قتادة: نزلت في اليهود، قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني
فلان. اهـ. وقول قتادة في المصدرين السابقين.
(٢) ٤ / ٢٨١.
(٣) في هامش الأصل: ومما يفرَّق به بين الوجهين أن المُلهي في هذا مما يهمُّ أيضاً، وإن كان
المُلْهَى عنه أهمّ، ولوحظ في الأول عدم أهمية المُلهي أصلاً. اهـ.
(٤) قوله: والمبالغة، معطوف على قوله: للتعظيم.
(٥) في الأصل فوق هذه الكلمة: إلى: إلى أن مُتم.
(٦) قول ابن عباس عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٨٧/٦، وقول الحسن في مصنف ابن
أبي شيبة ١٤/ ٢٠.

سُورَةُ التكاثر
٢٩٨
الآية : ٢
إني رأيتُ الضَّمْدَ(١) شيئاً نُكْرًا
لن يُخلِصَ العامَ خليلٌ عِشْرًا
ذاقَ الضمادَ أو يزورَ القَبْرَا(٢)
وقال جرير:
زار القبورَ أبو مالك فأصبح أَلْأَمَ زُوَّارِها(٣)
وفي ذلك إشارةٌ إلى تحقّق البعث، يُحكى أنَّ أعرابيًّا سمع ذلك فقال: بُعِث
القومُ للقيامة وربّ الكعبة، فإن الزائر منصرفٌ لا مقيمٌ(٤).
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا بدَّ لمن زار أن يَرجع إلى جنةٍ أو نارٍ (٥) .
وفيه أيضاً إشارةٌ إلى قِصَر زمن اللبث في القبور، والتعبيرُ بالماضي لتحقُّق
الوقوع، أو لتغليبٍ مَن مات أولاً، أو لجعل موتٍ آبائهم بمنزلةٍ موتهم. ومما
يُقضى منه العجبُ قولُ أبي مسلم: إنَّ الله عز وجل يتكلّم بهذه السورة يومَ القيامة
تعبيراً للكفَّار، وهم في ذلك الوقت قد تقدَّمت منهم زيارةُ القبور(٦).
وقيل: هذا تأنيبٌ على الإكثار من زيارة القبور تكثُّراً بمن سلف ومباهاةً
(١) جاء في هامش الأصل: في الفائق: ضَمْدُ المرأة: جمعها خليلين. اهـ. وينظر الفائق
للزمخشري ٣٤٨/٢.
(٢) جمهرة اللغة ٤٧٧/٣-٤٧٨، والكشاف ٢٨١/٤، وقال ابن دريد: الضَّمْد أن يصادق الرجل
امرأتين أو ثلاثاً، وكذلك المرأة، وعِشْراً: يعني المعاشرة، يقول: من ذاق الضماد واعتاده
لم يُخلص معاشرةً صديقٍ أبداً. اهـ. والأبيات في تهذيب اللغة ٦/١٢، واللسان وتاج
العروس (ضمد) لمُدرِك بن حصن. وروايتهم: ذات الضماد. وعندهم وعند ابن دريد:
لا يُخلصُ الدهرَ.
(٣) دیوان جرير ص٢٣٥ .
(٤) البحر ٨/ ٥٠٧ .
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، والدر المنثور ٣٨٧/٦ بلفظ: ما أرى المقابر
إلا زيارة، وما للزائر بدَّ من أن يرجع إلى منزله. وزاد ابن كثير: قال أبو محمد: يعني: أن
يرجع إلى منزله، أي: إلى جنة أو نار.
(٦) تفسير الرازي ٧٧/٣٢.

الآية : ٣ - ٤
٢٩٩
سُورَةُ التكاثر.
وتفاخراً به، لا انِّعاظاً وتذكُّراً للآخرة كما هو المشروع. ويُشير إليه خبرُ أبي داود:
(«نهيتكم عن زيارة القبور، فزُوروها فإنَّها تُذكِّركم الآخرة)»(١).
ولا يخفى أنَّ الآية بمعزل عن ذلك، نعم لا كلامَ في ذمِّ زيارة القبور للتفاخر
بالمَزُورِ أو للتباهي بالزيارة كما يفعل كثيرٌ من الجهلة المنتسبين إلى المتصوِّفة في
زياراتهم لقبور المشايخ عليهم الرحمة، هذا مع ما لهم فيها من منكراتٍ اعتقدوها
طاعاتٍ، وشنائعَ اتخذوها شرائعَ، إلى أمورٍ تضيق عنها صدورُ السطور.
وقرأ ابن عباس وعائشة ومعاوية وأبو عمران الجوني وأبو صالح ومالك بن
دينار وأبو الجوزاء وجماعة: ((آلهاكم)) بالمدِّ على الاستفهام (٢).
وروي عن أبي بكر الصديق ظُله وابن عباس أيضاً والشعبي وأبي العالية وابن
أبي عبلة والكسائي في روايةٍ: ((أألهاكم)) بهمزتين(٣). والاستفهامُ للتقرير.
ردعٌ عن الاشتغال بما لا يعنيه عمَّا يعنيه، وتنبيهٌ على الخطأ فيه لأنَّ
عاقبتَه وخيمةٌ.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سوءَ مغبّةِ ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبتَه. والعلمُ بمعنى المعرفة
المتعدِّية لواحد.
تكريرٌ للتأكيد، و((ثم)) للدلالة على أنَّ الثاني أبلغُ،
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
كما يقول العظيم لعبده: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل. قيل: ولكونه أبلغَ نزل
منزلةَ المغايِرِ (٤) فعُطف، وإلا فالمؤكِّد لا يعطف على المؤكَّد لِمَا بينهما من شدّة
الاتصال. وأنتَ تعلم أنَّ المنع هو رأي اللُّغويين، وقد صرَّح المفسِّرون والنحاة
بخلافه .
(١) سنن أبي داود (٣٢٣٥)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٠٥٤) وقال: حديث حسن صحيح،
وهو من حديث بريدة حظه، وأخرجه مسلم (٩٧٧) دون قوله: ((فإنها تذكركم ... )).
(٢) القراءات الشاذة ص٢٢٤، والبحر ٥٠٨/٨ .
(٣) المصدران السابقان.
(٤) في (م): المغايرة.

سُؤدّالتَّائِ،
٣٠٠
الآية : ٥ - ٧
وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه: الأول في القبور (١)، والثاني في
النشور. فلا تكرير، والتراخي على ظاهره، ولا كلام في العطف.
قال الضحاك: الزجر الأول ووعيدُه للكافرين، وما بعدُ للمؤمنين (٢). وهو
خلاف الظاهر.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾﴾ أي: لو تعلمون مابين أيديكم علمَ الأمر
المتيقّنِ، أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور. فالعلم مضافٌ للمفعول، و((اليقين))
بمعنى المتيقّن صفةٌ لمقدَّر. وجوَّز أبو حيان(٣) كون الإضافة من إضافة الموصوف
إلى صفته، أي: العلمَ اليقينَ. وفائدةُ الوصف ظاهرةٌ بناءً على أنَّ العلم يُطلَق على
غير اليقين.
وجواب ((لو)) محذوفٌ للتهويل، أي: لو تعلمون كذلك لفعلتم ما لا يوصف
ولا يُكْتَنَه، أو: لشَغَلَكم ذلك عن التكاثُر وغيره. أو نحو ذلك.
جوابُ قَسَمِ مضمَرٍ أُكِّد به الوعيد وشدّد
وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
به التهديد، وأوضح به ما أُنذِرُوه بعد إيهامه تفخيماً، ولا يجوز أن يكون جواب
(لو)) الامتناعية؛ لأنه محقَّق الوقوع، وجوابها لا يكون كذلك.
وقيل: يجوز، ويكون المعنى: سوف تعلمون الجزاءَ، ثم قال سبحانه: لو
تعلمون الجزاءَ علَمَ اليقين الآن لترون الجحيمَ، يعني تكون الجحيم دائماً في نظركم
لا تغیب عنکم. وهو کما تری.
﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا﴾ تكريرٌ للتأكيد، و((ثم)) للدلالة على الأبلغية. وجوِّز أن تكون
الرؤيةُ الأولى إذا رأتهم من بعيد، والثانية(٤) إذا وردوها أو إذا دخلوها. أو الأولى
إذا وردوها، والثانية إذا دخلوها. أو الأولى المعرفة، والثانيةُ المشاهدة والمعاينة.
(١) في الأصل فوق هذه الكلمة ما نصه: وقيل: عند الموت. اهـ منه. وقول علي ظه في
البحر ٥٠٨/٨.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٦٠١، وتفسير البغوي ٥٢٠/٤.
(٣) في البحر ٥٠٨/٨.
(٤) في (م): الثاني. وهو تصحيف.