Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ٧ ٢٤١ سُوَرَةُ الْبَّيْنَةِ الأصل، من بَرَأَهم الله تعالى بمعنى: ابتدأهم واخترَعَ خَلْقَهم، فهي فعيلةٌ بمعنى مفعولة، لكنَّ عامة العرب إلا أهل مكة التزموا تسهيلَ الهمزة بالإبدال والإدغام، فقالوا: البريّة، كما قالوا: الذريَّة والخابِيّة(١). وقيل: ليس بالأصل، وإنما ((البرية)) بغير همزٍ من البَرَى المقصورِ يعني التراب، فهو أصلٌ برأسه، والقراءتان مختلفتان أصلاً ومادةً ومتفقتان معنّ في رأي، وهو أن يكون المراد عليهما البَشَر، ومختلفتان فيه أيضاً في رأي آخَرَ، وهو أن يكون المراد بالمهموز الخليقةَ الشاملةَ للملائكة والجنِّ كالبشر، وبغير المهموز البشرَ المخلوقون من التراب فقط. وأيَّاما كان فليست القراءة بالهمز خطاً، كيف وقد نُقلت عمَّن ثبتت عصمتُه؟ مع أنَّ الهمز لغةُ قوم مَن أُنزل عليه الكتابُ وَّهِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بيانٌ لمحاسن أحوال المؤمنين إثر بيانِ سوء حال الكفرة، جرياً على السنَّةِ القرآنية مِن شَفْع الترهيب بالترغيب، أو هو على ما أشرنا إليه سابقاً . وقال عصام الدين: إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إلخ كالتأكيد لقوله تعالى: (وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) إذ لا تحقيقَ لكونها الملةَ القيِّمةَ فوق أن يكون جزاءُ المُعْرِضِ هذا وجزاءُ الممتثلِ ذلك، إلا أنَّ ذلك اقتضى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) إلخ، وكأنه فُصل لتخييل عدم المناسبة بين الجملتين، لا في المسند إليه ولا في المسند. ﴿أُوْلَِّكَ﴾ أي: المنعوتون بما هو الغايةُ القاصيةُ من الشرف والفضيلة من الإيمان والطاعة ﴿هُمْ خَيْرُ الْرِيَّةِ﴾ وقرأ حميد وعامر بن عبد الواحد: ((هم خيار البریة»(٢) وهو جمع خیر کجیاد وجید. (١) الخابية: الجرة الكبيرة، وأصلها: الخابئة بالهمز، وربما جرت على الأصل فهمزت. ينظر معجم متن اللغة (خبأ) و(خبي)، والدر المصون ١/ ٤٠٠ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٧٧، والبحر ٤٩٩/٨. سُورَةُ الْبَّيْنَةِ ٢٤٢ الآية : ٨ ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ بمقابلةٍ ما لهم من الإيمان والطاعات ﴿عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَجِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبْدًا﴾ تقدَّمت نظائره. وفي تقديم مَدْحِهم بخير البرية، وذِكْرِ الجزاء المؤذِنِ بكونِ ما مُنح في مقابلةٍ ما وُصفوا به، وبيانِ كونه من عنده تعالى، والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم، وجَمْعِ الجنات وتقييدِها بالإضافة وبما يزيدها نعيماً، وتأكيدِ الخلود بالأُبود = من الدلالة على غاية حُسْنٍ حالهم ما لا يخفى. والظاهر أنَّ جملة ((هم خير البرية)) خبرُ اسم الإشارة، وكذا ما بعدُ، وزعم بعض الأجلَّة أنَّ الأنسب بالعديل السابق أن تُجعلَ معترضةً، ويكونَ الخبر ما بعدها، وفيه نظر. وقوله تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ استئنافٌ نحويٌّ، وإخبارٌ عمَّا تفضَّل عز وجل به زيادةً على ما ذكر من أجزية أعمالهم، ويجوز أن يكون بيانيًّا جواباً لمن يقول: ألهم فوق ذلك أمرٌ آخرُ؟ وجوِّز أن يكون خبراً بعد خبرٍ، أو حالاً بتقدير ((قد)) أو بدونه. وجوِّز أن يكون دعاءً لهم من ربِّهم، وهو مجازٌ عن الإيجاد مع زيادةِ التكريم. وهو خلافُ الظاهر، ويُبْعِدُه عطفُ قوله تعالى: ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ عليه. وعلِّل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتَها، ومن المآرب ناصيتَها، وأُتيح لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من الجزاء والرضوان ﴿لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ فإنَّ الخشية ملاكُ السعادة الحقيقية والفوزِ بالمراتب العَلِيَّة؛ إذ لولاها لم تترك المناهي والمعاصي، ولا استُعِدَّ ليوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصلاً إلى أقصى المراتب، ورضوانٍ من الله أكبر، بل الموصِلُ له خشيةُ الله تعالى، وإنما يخشى الله من عباده العلماءُ، ولذا قال الجنيد قدس سره: الرضا على قَدْرِ قوة العلم والرسوخِ في المعرفة. وقال عصام الدين: الأظهر أنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى ما يترتَب عليه الجزاء الآية : ٨ ٢٤٣ سُورَةُ الْبَّيْنَةِ والرضوان من الإيمان والعمل الصالح. وتعقِّب بأنَّ فيه غفلةً عما ذكر، وعن أنه لا يكون حينئذ لقوله تعالى: (ذَلِكَ) إلخ كبيرُ فائدةٍ. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية المُعرِبةِ عن المالكية والتربية؛ للإشعارِ بعلة الخشية، والتحذيرِ من الاغترار بالتربية. واستُدِلَّ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ على أنَّ البشر أفضلُ من المَلَك؛ لظهورٍ أنَّ المراد بـ ((الذين آمنوا)): المؤمنون من البشر، وفي الآثار ما يدلُّ على ذلك؛ أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أتعجبون لمنزلة الملائكة من الله تعالى، والذي نفسي بيده لمنزلةُ العبد المؤمنِ عند الله تعالى يوم القيامة أعظمُ من منزلة المَلَك، واقرؤوا إن شئتم: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ)(١). وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، مَن أكرمُ الخَلْقِ على الله تعالى؟ قال: ((يا عائشة أمَا تقرئين: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ أُوْلَكَ هُمْ خَّرُ الْبِيَّةِ))(٢). وأنت تعلم أنَّ هذا ظاهرٌ في أنَّ المراد بالبرية الخليقةُ مطلقاً ليتمَّ الاستدلالُ، ثم إنه يحتاج أيضاً إلى إدخال الأنبياء عليهم السلام في عموم ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) بأنْ لا يرادَ بهم قومٌ بخصوصهم؛ إذ لو لم يدخلوا لزم تفضيلُ عوامٌ البشر - أي: الذين ليسوا بأنبياء منهم - على خواصِّ الملائكة، أعني رسلَهم عليهم السلام، وذلك مِمَّا لم يذهب إليه أحدٌ من أهل السنَّة، بل هم يكفِّرون مَن يقول به، فلمُتَفَظّنْ. والإمام قد ضعَّف الاستدلال في تفسيره(٣) بما لا يخلو عن بحثٍ. ولعل الأبعدَ عن القيلِ والقالِ جَعْلُ الحصر إضافيًّا بالنسبة إلى ما يزعمه أهل (١) الدر المنثور ٣٧٩/٦. (٢) المصدر السابق. (٣) ٥٢/٣٢. سُورَةُ الْبَيْنَةِ ٢٤٤ الآية : ٨ الكتاب والمشركون قالاً أو حالاً من أنهم هم خيرُ البرية، وكذا يُجْعَلُ الحصر السابق بالنسبة إلى ما يزعمونه من أن المؤمنين هم شرُّ البرية، وصحةٌ ما سبق من الآثار في حيِّز المنع. ثم الظاهرُ أنَّ المراد بـ ((الذين آمنوا)) إلخ مقابل ((الذين كفروا)) لا قومٌ من الذين اَّصفوا بما في حيِّز الصلة بخصوصهم، وزعم بعضٌ أنهم مخصوصون؛ فقد أخرج ابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: قال لي رسول الله وَلجر: ((ألم تسمع قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ) هم أنت وشيعتُك، وموعدي وموعدُكم الحوضُ إذا جَثَتِ الأمم للحساب تُدعَون غرًّا محجَّلين))(١). ورَوَى نحوَه الإماميةُ عن يزيد بن شراحيل الأنصاريِّ كاتبٍ الأمير كرم الله تعالى وجهه، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك له عند الوفاة، ورأسُه الشريفُ على صدره رآڅ﴾(٢). وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن عباس قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ قال رسول الله وَّهِ لعليٍّ رضي الله عنه وكرم وجهه: ((هو أنت وشيعتُك يوم القيامة راضين مرضيِّين))(٣). وذلك ظاهر في التخصيص. وكذا ما ذكره الطبرسيُّ الإماميُّ في ((مجمع البيان)) عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في الآية: نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأهلِ بيته(٤). وهذا - إن سلِّمتْ صحتُه - لا محذورَ فيه؛ إذ لا يستدعي التخصيصَ بل الدخولَ في العموم، وهم بلا شبهةٍ داخلون فيه دخولاً أوليًّا، وأمَّا ما تقدَّم فلا تسلَّم صحته، فإنه يلزم عليه أن يكون عليٍّ كرم الله تعالى وجهه خيراً من (١) الدر المنثور ٣٧٩/٦. (٢) مجمع البيان ٢٠٣/٣٠. (٣) الدر المنثور ٣٧٩/٦، وعزاه في منهاج السنة ٢٥٨/٧ لأبي نعيم، وقال: هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة بالمنقولات. (٤) مجمع البيان ٣٠/ ٢٠٣ ومقاتل ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. الآية : ٨ ٢٤٥ سُوَدَةُ الْبَيْنَةِ رسول الله وَّه، والإماميةُ وإن قالوا إنه نظُبه خيرٌ من الأنبياء حتى أولي العزم عليهم السلام، ومن الملائكة حتى المقرَّبين عليهم السلام، لا يقولون بخيريته من رسول الله آل﴾. فإنْ قالوا بأنَّ ((البرية)) على ذلك مخصوصةٌ بمن عَدَاه عليه الصلاة والسلام للدليل الدالٌ على أنه وَّر خيرٌ منه كرم الله تعالی وجهه. قيل: إنها مخصوصةٌ أيضاً بمن عدا الأنبياء والملائكة، ومَن قال أهلُ السنَّة بخیریته؛ للدليل الدالِ علی خیریتھم. وبالجملة لا ينبغي أن يُرتاب في عدم تخصيص ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) بالأمير كرم الله تعالى وجهه وشيعتِه، ولا به رضُّّه وأهل بيته، وإنَّ دون إثبات صحة تلك الأخبار خَرْطُ القتاد، والله تعالى أعلم. ثم إنَّ الروايات في أنَّ هذه السورةَ قد نُسخ منها كثيرٌ كثيرةٌ، منها ما أخرج الإمام أحمد والترمذيُّ والحاكم وصحَّحاه(١) عن أبيٍّ: أنَّ رسول الله وَّل قال: ((إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن)) فقرأ عليه الصلاة والسلام: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ) فقرأ فيها: ((ولو أنَّ ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فَأُعْطِيَه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأُعْطِيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدمَ إلا التراب، ويتوبُ الله على مَن تاب، وإنَّ الدين عند الله الحنيفيةُ، غير المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومَن يفعل ذلك(٢) فلن يُكْفَرِه))(٣). وفي بعض الآثار أنَّ النبي ◌َّو أقرأه هكذا: ((ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكِّين حتى تأتيهم البينة، رسولٌ من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتبٌ قيِّمة، إنَّ أَقْوَمَ الدِّينِ الحنيفيةُ مسلمةً غيرَ مشركةٍ ولا يهوديةٍ ولا نصرانيةٍ، (١) في الأصل و(م): وصححه، والمثبت من الدر المنثور ٣٧٨/٦، والكلام منه. (٢) كذا في الأصل و(م) والدر، والذي في مصادر التخريج: خيراً. (٣) مسند أحمد (٢١٢٠٢)، وسنن الترمذي (٣٧٩٣)، والمستدرك ٢٢٤/٢ و٥٣١، وأخرجه أيضاً الضياء في المختارة (١١٦٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. سُورَةُ الْبَّنْيَةِ ٢٤٦ الآية : ٨ ومَن يعمل صالحاً فلن يُكْفَره، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينةُ، إنَّ الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لَمَّا جاءهم أولئك عند الله شرُّ البرية، ما كان الناس إلا أمةً واحدةً ثم أرسل الله النبيين مبشِّرين ومنذرين يأمرون الناس، يقيمون الصلاةَ ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده، أولئك عند الله خيرُ البرية، جزاؤهم عند ربِّهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربَّه)) أخرج ذلك ابن مردويه عن أبيِّ ◌َُّ(١)، وهو مخالفٌ لِمَا صحَّ عنه، فلا يعوَّلُ عليه كما لا يَخْفَى على العارفِ بعِلْمِ الحديث. (١) الدر المنثور ٣٧٨/٦، وسلف ١٤٨/١-١٤٩. سُوْدَةُ الَّزَيَّةِ ويقال: سورة: إذا زُلْزِلَت. وهي مكية في قول ابن عباس ومجاهد وعطاء، ومدنيةٌ في قول قتادة ومقاتل(١)، واستدلَّ له في ((الإتقان)) بما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدريِّ رَّه قال: لَمَّا نزلت: (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) إلخ قلتُ: يا رسول الله، إني لراءٍ عملي؟ قال: ((نعم)). قلت: تلك الكبارَ الكبارَ؟ قال: (نعم)). قلت: الصغارَ الصغارَ؟ قال: ((نعم)). قلتُ: واتُكلَ أمي. قال: ((أَبشِر يا أبا سعيد، فإنَّ الحسنةَ بعشر أمثالها)) الحديث. وأبو سعيد لم يكن إلا بالمدينة، ولم يبلغ إلا بعد أُحُد(٢). وآيها ثمان في الكوفي والمدني الأوَّل، وتسعٌ في الباقية(٣). وصحَّ في حديث الترمذيِّ والبيهقيِّ وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً: (إِذَا زُلْزِلَتِ) تَعدِل نصفَ القرآن(٤). وجاء في حديثٍ آخر تسميتُها رُبعاً (٥). (١) البحر ٥٠٠/٨، وورد في هامش الأصل: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة. اهـ. وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٧٩/٦. (٢) الإتقان ٤١/١، والحديث ذكره أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه السورة عن ابن أبي حاتم بإسناده، وفيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ، وهشام بن سعد وهو ضعيف. (٣) ورد هنا في هامش الأصل: اختلافها: ﴿أَشْنَانًا﴾ [الآية: ٦] غير الكوفي والمدني الأول. اهـ. وهو في مجمع البيان ٢٠٤/٣٠. (٤) سنن الترمذي (٢٨٩٤)، وشعب الإيمان (٢٥١٤)، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة. اهـ. ويمان ضعيف كما في التقريب. وقد أخرج هذا الحديث الترمذي (٢٨٩٣)، والبيهقي في الشعب (٢٥١١) عن أنس أيضاً. وفي إسناده الحسن بن سلم بن صالح العجلي، قال البيهقي: مجهول. (٥) أخرجه الترمذي (٢٨٩٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥١٥) عن أنس ظ به، قال = سُؤَدَّةُ الَُّلِّ ٢٤٨ الآية : ١ ووجه ما في الأول بأنَّ أحكام القرآن تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، وهذه السورة تشتمل على أحكام الآخرة إجمالاً وزادت على ((القارعة)) بإخراج الأثقال وبحدیث الأخبار. وما في الآخر بأنَّ الإيمانَ بالبعث الذي قرَّرتْه هذه السورةُ ربعُ الإيمان في الحديث الذي رواه الترمذي: ((لا يؤمنُ عبدٌ حتى يُؤمنَ بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحقِّ، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر))(١). وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق بهذا المقام. وكأنه لَمَّا ذكر عز وجل في السورة السابقة جزاءً الفريقَين المؤمنين والكافرين كان ذلك كالمحرِّك للسؤال عن وقته، فبيَّنه جلَّ شأنه في هذه السورة فقال عزَّ من قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا زُلْلَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: حُرِّكت تحريكاً عنيفاً متدارِكاً متكرِّراً ﴿زِلْزَالَمَا﴾ أي: الزلزالَ المخصوصَ بها الذي تقتضيه بحسب المشيئة الإلهية المبنية على الحِكم البالغة، وهو الزلزالُ الشديد الذي ليس بعده زلزالٌ، فكأنَّ ما سواه ليس زلزالاً بالنسبة إليه. أو: زلزالَها العجيبَ الذي لا يقادَر قدرُه. فالإضافة على الوجهين للعهد . ويجوز أن يراد الاستغراقُ؛ لأنَّ زلزالاً مصدرٌ مضافٌ فيعمُّ، أي: زلزالَها كلَّه، وهو استغراقٌ عُرفي قُصد به المبالغة، وهو مرادُ مَن قال(٢): أي: زلزالَها الداخلَ في حيِّز الإمكان، أو عنى بذلك العهدَ أيضاً. الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ. وفيه سلمة بن وردان، قال البيهقي: ليس بقوي في الحدیث. (١) سنن الترمذي (٢١٤٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٥٨)، وهو من حديث علي نظر اته. (٢) هو أبو السعود في تفسيره ١٨٨/٨. الآية : ٢ ٢٤٩ سُؤَدَّةُ الثََُّّةِ وقرأ الجحدريُّ وعيسى: ((زَلْزَالَها)) بفتح الزاي(١)، وهو عند ابن عطية مصدرٌ كالزِّلزال بالكسر (٢)، وقال الزمخشري: المكسورُ مصدرٌ، والمفتوحُ اسمٌ للحرکة المعروفة، وانتصب هاهنا على المصدر تجوُّزاً لسدِّه مسدَ المصدر. وقال أيضاً: ليس في الأبنية فَعْلَالٌ بالفتح إلا في المضاعف(٣). وذكروا أنه يجوز في ذلك الفتحُ والكسرُ، إلا أنَّ الأغلب فيه إذا فُتح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، كصَلصال بمعنى مُصلصِل، وقَضْقاض بمعنى مُقَضْقِض(٤)، ووَسواس بمعنى مُؤَسْوِس. وليس مصدراً عند ابن مالك(٥). وأما في غير المضاعف فلم يُسمع إلا نادراً سواء كان صفةً أو اسماً جامداً، وبَهْرَام وبَسْطَام معرَّبان إن قيل بصحّة الفتح فيهما. ومن النادر ((خَزْعَال)) بمعجمتين، وهو الناقة التي بها ظَلْع، ولم يُثبِت بعضُهم غيرَه. وزاد ثعلب: قَهْقَار (٦)، وهو الحجر الصلب. وقيل: هو جمعٌ. وقيل: هو لغة ضعيفة، والفصيحة: قَهْقَرّ، بتشديد الراء. وزاد آخر: قَسْطالآً(٧)، وهو الغبارُ. وهذا الزلزال على ما ذهب إليه جمعٌ عند النفخة الثانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾﴾، فقد قال ابن عباس: أي: موتاها(٨). وقال النقاش والزَّجَّاج ومنذر بن سعيد: أي: كنوزَها وموتاها(٩). ورُوي عن ابن عباس أيضاً. (١) القراءات الشاذة ص١٧٧، والبحر ٥٠٠/٨. (٢) المحرر الوجيز ٥١٠/٥. (٣) الكلام في الكشاف ٤/ ٢٧٥ باختصار. (٤) القضقاض: الأسد يُقَضْقِضُ فريسته. والقَضْقَضَةُ: صوت كسر العظام. الصحاح (قضض). (٥) نقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٨٨/٨، وكلام ابن مالك في ((التسهيل)) ظاهر في إجازة المصدر، حيث قال ص٢٠٦: ومصدر فَعْلَلَ والملحق به بزيادة هاء التأنيث في آخره، أو بكسر أوله وزيادة ألفٍ قبل آخره. وفَتحُ أول هذا إن كان كالزلزال جائزٌ، والغالب أن يراد به حينئذٍ اسم الفاعل. اهـ. وينظر أوجز المسالك ص٤٣٩. (٦) تحرف في (م) إلى: قهقاز. (٧) وزاد في القاموس (خزعل): خرطال. وينظر تاج العروس (خزعل) فئمَّة ألفاظ أخر. (٨) أخرجه الطبري ٥٥٩/٢٤ . (٩) معاني القرآن للزجاج ٣٥١/٥، والمحرر الوجيز ٥١٠/٥. سُورَةُ الزُّلَّةِ ٢٥٠ الآية : ٢ وهذه الكنوزُ على هذا القول غيرُ الكنوز التي تخرج أيامَ الدجال على ما وردت به الأخبار، وذلك بأن تُخرِج بعضاً في أيامه وبعضاً عند النفخة الثانية، ولا بُعدَ في أن تكون بَعد الدجال كنوزٌ أيضاً فتُخرجها مع ما كان قد بقي يومئذٍ. وقيل: هو عند النفخة الأولى، و((أثْقَالَها)): ما في جوفها من الكنوز، أو منها ومن الأموات، ويعتبر الوقتُ ممتدًّا. وقيل: يحتمل أن يكون إخراجُ الموتى كالكنوز عند النفخة الأولى، وإحياؤها في النفخة الثانية، وتكون على وجه الأرض بين النفختين. وأنت تعلم أنه خلافُ ما تدلُّ عليه النصوصُ. وقيل: إنها تُزِلْزَلُ عند النفخة الأولى فتُخرِج كنوزها، وتُزَلزل عند الثانية فتُخرِج موتاها. وأريد هنا بوقت الزلزال ما يعمُّ الوقتين. واقتصر بعضهم على تفسير الأثقال بالكنوز مع كون المراد بالوقت وقتَ النفخة الثانية، وقال: تُخرج الأرض كنوزَها يومَ القيامة ليراها أهلُ الموقف، فيتحسَّر العصاةُ إذا نظروا إليها حيث عصوا الله تعالى فيها ثم تركوها لا تُغني عنهم شيئاً. وفي الحديث: ((تُلقي الأرضُ أفلاذَ كَبِدِها أمثالَ الأسطوانات من الذهب والفضة، فيجيء القاتلُ فيقول: مِن هذا قَتَلتُ. ويجيء القاطعُ فيقول: في هذا قَطَعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعت يَدِي. ثم يَدَهُونه فلا يأخذون منه شيئاً))(١) . وقيل: إنَّ ذلك لتُكوى بها جباهُ الذين كَتَزوا وجنوبُهم وظهورُهم. وأيَّاما كان فالأثقال جمعُ ثَقَلِ بالتحريك، وهو على ما في ((القاموس)): متاعُ المسافر، وكلُّ نفيسٍ مَصُون(٢). وتُجوِّز به هاهنا على سبيل الاستعارة عن الثاني. (١) أخرجه مسلم (١٠١٣)، والترمذي (٢٢٠٨) عن أبي هريرة له. وعندهما: ((تقيءُ))، بدل: تُلْقي، ومعناهما واحد. و((الأسطوان))، بدل: الأسطوانات، وكلاهما جمع أسطوانةٍ، وهي السارية والعمود. ينظر الديباج على مسلم للسيوطي ٣/ ٨٥، ومعجم متن اللغة (سطن). (٢) القاموس (ثقل). الآية : ٣ - ٤ ٢٥١ سُورَةُ الَُّلَِّ ويجوز أن يكون جمعَ ثِقْل بكسر فسكون، بمعنى حَمْل البطن، على التشبيه والاستعارة أيضاً كما قال الشريف المرتضى في ((الدرر))، وأشار إلى أنه لا يُطلَق على ما ذُكر إلا بطريق الاستعارة (١). ومنهم مَن فسَّر الأثقال هاهنا بالأسرار، وهو مع مخالفته للمأثور بعيدٌ. وإظهار ((الأرض)) في موقع الإضمار لزيادة التقرير. وقيل: للإيماء إلى تبديل الأرض غيرَ الأرض. أو لأنَّ إخراج الأثقال حالُ بعض أجزائها . والظاهر أنَّ إخراجها ذلك مسبَّب عن الزلزال كما يُنْفَض البساط ليخرُج ما فيه من الغبار ونحوه، وإنما اختيرت الواوُ على الفاء تفويضاً لذهن السامع. كذا قيل، ولعلَّ الظاهر أنَّه لم تُرَد السببيةُ والمسبَّبية، بل ذُكر كلٌّ مما ذكر من الحوادث من غير تعرُّضٍ لتسبُّبِ شيء منها على الآخر. ﴿وَقَالَ الْإِنسَنُ﴾ أي: كلُّ فردٍ من أفراد الإنسان لِمَا يَبهَرهم من الطامَّة التامَّة، ويَدْهَمهم من الداهية العامَّة: ﴿مَا لَمَا﴾ تَزلزلت هذه المرتبةَ من الزلزال، وأخرجت ما فيها من الأثقال؟! استعظاماً لِمَا شاهدوه من الأمر الهائل وقد سُيِّرت الجبالُ في الجوِّ وصُيِّرت هباءً. وذهب غير واحد إلى أنَّ المراد بالإنسان الكافرُ غير المؤمن بالبعث، والأظهر هو الأول على أنَّ المؤمن يقول ذلك بطريق الاستعظام والكافر بطريق التعُّب. ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ بدلٌ من ((إذا))، وقوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ - أي: الأرضُ، واحتمالُ كون الفاعل المخاطَبَ كما زعم الطبرسيُّ(٢) لا وجهَ له - عاملٌ فيهما. وقيل: العاملُ مضمَر يدلُّ عليه مضمونُ الجمل بعدُ، والتقديرُ: يُحشَرون إذا زلزلت، و((يومئذ)) متعلِّقٌ بـ ((تُحدِّث))، و((إذا)) عليه لمجرَّد الظرفية. (١) أمالي الشريف المرتضى المسماة غرر الفوائد ودرر القلائد ١/ ٩٥. (٢) في مجمع البيان ٢٠٧/٣٠. سُؤَةُ الزَُّلَّةِ ٢٥٢ الآية : ٥ وقيل: هي نصبٌ على المفعولية لـ : اذْكُرْ، محذوفاً، أي: اذْكُر ذلك الوقتَ، فليست ظرفيةً ولا شرطيةً. وجوِّز أن تكون شرطيةً منصوبَةً(١) بجوابٍ مقدَّر، أي: يكون ما لا يُدرَك كُنْهه. أو نحوه. والمراد: يومَ إذ(٢) زُلزلت زلزالَها، وأخرجت أثقالَها، وقال الإنسان: ما لها؟ تُحدِّث الخلقَ ما عندها من الأخبار، وذلك بأنَّ يَخلُق الله تعالى فيها حياةً وإدراكاً وتتكلّم حقيقةً فتشهد بما عُمِل عليها من طاعة أو معصية. وهو قول ابن مسعود والثوريِّ وغيرهما، ويشهد له الحديثُ الحسنُ الصحيحُ الغريب؛ أخرج الإمام أحمد والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله وَ﴿ هذه الآية: (يَوْمَبِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ثم قال: ((أتدرون ما أخبارُها))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنَّ أخبارَها أن تشهد على كلِّ عبد وأَمَة بما عَمِل على ظهرها، تقول: عَمِل يومَ كذا كذا، فهذه أخبارُها))(٣) . والباء في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْخَ لَهَا ﴾﴾ للسببيَّة، أي: تُحدِّث بسببٍ إيحاء ربِّك لها وأمرِه سبحانه إياها بالتحديث، واللام بمعنى ((إلى))، أي: أوحى إليها؛ لأنَّ المعروف تَعدِّي الوحي بها كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] لكن قد يتعدّى باللام كما في قول العجاج يصف الأرض: وشدَّها بالراسياتِ الثُّبَّتِ (٤) أوحى لها القَرارَ فاستَقرَّتِ ولعلَّ اختيارَها لمراعاةِ الفواصل. (١) في الأصل و(م): منصوب. والمثبت من حاشية الشهاب ٣٨٨/٨، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): إذا، والمثبت من البحر ٥٠٠/٨، والدر المصون ٧٤/١١، وتفسير أبي السعود ١٨٨/٩ . (٣) مسند أحمد (٨٨٦٧)، وسنن الترمذي (٢٤٢٩) و(٣٣٥٣). قال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريب صحيح. اهـ. وفيه يحيى بن أبي سليمان، قال الحافظ في التقريب: لين الحدیث. (٤) ديوان العجاج ص ٢٦١، وهو في مجاز القرآن ٣٠٦/٢، والنكت والعيون ٦/ ٣٢٠، والبحر ٥٠١/٨. الآية : ٥ ٢٥٣ سُؤَدَّةُ الَُّلَّةِ وجوِّز أن تكون اللام للتعليل أو المنفعة؛ لأنَّ الأرض بتحديثها بعمل العُصاة يحصل لها تشفّ منهم بفضحها إياهم بذكر قبائحهم، والموحَى إليه هي أيضاً. والوحي يحتمل أن يكون وحْيَ إلهام، وأن يكون وحيَ إرسالٍ، بأن يُرسِل سبحانه إليها رسولاً من الملائكة بذلك. وقال الطبري وقوم: التحديثُ استعارةٌ أو مجازٌ مرسَلٌ لمطلق دلالة حالها، والإيحاءُ إحداثُ ما تدلُّ به، فيُحدِث عزَّ وجلَّ فيها من الأحوال ما يكون به دلالةٌ تقوم مقامَ التحديث باللسان، حتى ينظر مَن يقول: ما لها، إلى تلك الأحوال فيَعلم لِمَ زُلزِلت ولم لَفَظت الأمواتَ، وأنَّ هذا ما كانت الأنبياء عليهم السلام يُنذِرونه ويُحذِّرون منه. وما يُعلم هو أخبارُها (١). وقيل: الإيحاء - على تقدير كون التحديث حقيقيًّا أيضاً - مجازٌ عن إحداث حالةٍ يُنْطِقها سبحانه بها كإيجاد الحياة وقوَّةِ التكلُّم، والأخبارُ على ما سمعتَ آنفاً. وقال يحيى بن سلام: تُحدِّث بما أخرجت من أثقالها(٢). ويشهد له ما في حديث ابن ماجه في سننه: ((تقول الأرض يومَ القيامة يا ربِّ، هذا ما استودعتني»(٣). وعن ابن مسعود: تحدِّث بقيام الساعة إذا قال الإنسان: ما لها، فتُخبر أنَّ أمرَ الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى. فيكون ذلك جواباً لهم عند سؤالهم(٤). وقال الزمخشري: يجوز أن يكون المعنى: تُحدِّث بتحديث أنَّ ربك أوحى لها أخبارَها، على أنَّ تحديثَها بأنَّ ربك أوحى لها تحديثٌ بأخبارها، كما تقول: نصحتَني كلَّ نصيحة بأن نصحتَني في الدين(٥). فأخبارُها عليه هو أنَّ ربَّك أوحى لها. والباءُ تجريديةٌ، مثلها في قولك: لئن لَقِيتَ فلاناً لتَلقَيَنَّ به رجلاً متناهياً في (١) ينظر تفسير الطبري ٢٤/ ٥٦٠، والكشاف ٢٧٦/٤، والبحر ٥٠١/٨. (٢) البحر ٥٠١/٨ . (٣) سنن ابن ماجه (٤٢٦٣) وهو من حديث ابن مسعود ظه. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٤٩/٢: إسناده صحيح ورجاله ثقات. (٤) النكت والعيون ٣١٩/٦. (٥) الكشاف ٢٧٦/٤ . سُورَةُ الْقَرُالَّةِ ٢٥٤ الآية : ٥ الخير. وكان الظاهرُ: تُحدِّث بخبرها، بالإفراد، وكذا على ما قبله من الوجهين، لكن جُمع للمبالغة كما يُشير إليه المثالُ، ونحوُه قولُ الشاعر: كانت مخالسةً كخِطفة طائرٍ فأنالَني كلَّ المُنَى بزيارةٍ لتطولَ ليلُنا سوادَ الناظرِ (١) فلو استطعتُ [إذاً] خَلَعْتُ على الدُّجَى ولا يخفى بعدُه. وبالغ أبو حيان في الحطّ عليه فقال: هو عفش ينزَّه القرآن عنه(٢). وأراد بالعفش ـ بعين مهملة وفاء وشين معجمة -: ما يدنِّس المنزلَ من الكناسة، وهي كلمة تستعملها في ذلك عوامُّ أهل المغرب، وليس كما قال. وجوِّز أيضاً أن يكون (بِأَنَّ رَبَّكَ) إلخ بدلاً من (أَخْبَارَهَا)، كأنه قيل: يومئذٍ تحدِّث بأنَّ ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدَّثتُه كذا، وحدَّثتُه بكذا. فيصحُّ إبدال (بأنَّ) إلخ من ((أخبارَها)) وأنَّ أحدَهما مجرورٌ والآخرَ منصوبٌ؛ لأنه يحلُّ محلَّه في بعض الاستعمالات، وليس ذلك في الامتناع - خلافاً لأبي حيان (٣) - كـ : استغفرتُ الذنبَ العظيم، بنصب الذنب وجرِّ العظيم على أنَّه نعتٌ له باعتبار قولهم: استغفرتُ من الذنبِ = لأنَّ البدلَ هو المقصود فهو في قوة عاملٍ آخر، بخلاف النعت. نعم هو أيضاً خلافُ الظاهر. وبعد كلِّ ذلك اللائقُ أن لا يُعدل عن المأثور، لاسيَّما إذا صحَّ عن رسول الله وَليلة. بقي هاهنا بحثٌ وهو أنهم اختلفوا في نحو: حدَّثت، هل هو متعدٍّ إلى مفعولٍ واحد أو إلى أكثر، فذهب الزمخشريُّ(٤) وغيرُه - ونُقل عن سيبويه(٥) - إلى الثاني، وهو عندهم ملحقٌ بأفعال القلوب، فينصب مفعولين كـ : حدَّثتُ زيداً الخبرَ. أو ثلاثةً كـ: حدَّثْتُه عَمْراً قائماً. فـ ((أخبارها)) عليه هو المفعولُ الثاني، والمفعول (١) البيتان في فيض القدير ٤٦٣/٢ دون نسبة، وما بين حاصرتين منه. (٢) البحر ٨/ ٥٠١. (٣) حيث منع ذلك في البحر ٨/ ٥٠١. (٤) في الكشاف ٢٧٦/٤، وهو قول ابن مالك كما في أوضح المسالك ص٢٢٧ . (٥) كما في حاشية الشهاب ٣٨٩/٨. الآية : ٥ ٢٥٥ سُؤَدَّةُ الْرُلَِّ الأول محذوفٌ كما أشرنا إليه، ولم يُذكر لأنه لا يتعلَّق بذكره غرضٌ إذ الغرض تهويلُ اليوم وأنه مما ينطِق فيه الجمادُ، بقطع النظر عن المحدَّث كائناً من كان. وقال الشيخ ابن الحاجب: إنما هو متعدٍّ لواحد، وما جاء بعده لتعيين المفعول المطلق، فـ ((عَمْراً قائماً) في نحو: حدَّثتُ زيداً عَمْراً قائماً، منصوبٌ لوقوعه موقع المصدر، لا لكونه مفعولاً ثانياً وثالثاً، ولا يقال: كيف يصحُّ أن يقع ما ليس بفعلٍ في المعنى - أعني: عمراً قائماً - مصدراً؟ لأنه لم يكن مصدراً باعتبار كونه عمراً قائماً، ولكن باعتبار كونه حديثاً مخصوصاً، فالوجه الذي صحَّح الإخبارَ به عن الحديث إذا قلتَ: حديثُ زيدٍ عمرٌو قائمٌ، هو الذي صحَّح وقوعَه مصدراً، فـ ((أخبارها)) عليه في موقع المفعول المطلق(١)، والمفعولُ به محذوفٌ؛ لِمَا تقدَّم، بل قال بعضهم: إنك إذا قلتَ: حدَّثْتُه حديثاً، أو: خبراً، فلا نزاعَ في أنه مفعولٌ مطلقٌ. والظاهر أنَّ الأخبارَ في زعمه كذلك. وتعقّب ذلك في ((الكشف)) بأنَّ ما ذكره الشيخُ غير مسلَّم، فإنَّه لم يفرِّق بين التحديث والحديث، والأول هو المفعول المطلق، كيف وهو يُجُّ بالباء فتقول: حدَّثْتُه الخبرَ، و: بالخبر؟ ومعلومٌ أنَّ ما دخل عليه الباءُ لا يجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً . وقد يقال: كونُ الشيخ لم يفرِّق في حيِّز المنع، وكيف يخفى مثلُ ذلك على مثله؟ لكنَّه قائلٌ بأنَّ أثر المصدر ومتعلِّقه قد سدَّ مسدّه فيما ذُكر، كما سدَّ مسدَّه آلتُّه في نحو: ضربته سَوْطاً، ولعلَّ ما قرَّره في غير ما دخلته الباء. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: إنَّ حَدَّثَ وأخواتها متعدِّياتٌ إلى مفعولٍ واحد حقيقةً، وجَعْلُها متعدِّياتٍ إلى ثلاثة أو إلى اثنين تجوُّزٌ أو تضمينٌ لمعنى الإعلام. واستأنَسَ له بكلامٍ نقلَه عن ((المفضَّل))(٢)، وكلام نقله عن صاحب ((الإقليد)). فتأمَّل. (١) لفظة: المطلق، سقطت من (م). (٢) ينظر شرح المفصل لابن يعيش ٧ /٦٥ - ٦٦. سُورَةُ الرَُّنَّةِ ٢٥٦ الآية : ٦ وقرأ ابن مسعود: ((تُنَبِّئُ أخْبَارَها))(١)، وسعيد بن جبير: ((تُنْبِئُ)) بالتخفيف(٢). ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ أي: يومَ إذ يقع ما ذُكر، وهو ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ يَخرُجون من قبورهم بعد أن دُفنوا فيها إلى موقف الحساب ﴿أَشْنَانًا﴾ متفرِّقين بحسب طبقاتهم: بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فَزِعین، ورَاکبین وماشین، ومقيَّدین بالسلاسل وغير مقيَّدين. وعن بعض السلف: مفترقين(٣) إلى سعيد وأسعد، وشقيٍّ وأشقى. وقيل: إلى مؤمنٍ وكافٍ . وعن ابن عباس: أهلُ الإيمان على حدة، وأهل كلِّ دين على حدة. وجوِّز أن يكون المرادُ: كلَّ واحدٍ وحدَه لا ناصرَ له ولا عاضدَ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقيل: متفرقين بحسب الأقطار. ﴿لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: ليُبصِروا جزاءَ أعمالهم خيراً أو شرًّا، فالرؤية بصريةٌ، والكلام على حذف مضاف، أو على أنَّه تجوُّزٌ بالأعمال عما يتسبَّب عنها من الجزاء. وقدَّر بعضُهم: كُتُبَ، أو: صَحَائفَ. وقال آخر: لا حاجةً إلى التأويل والأعمالُ تجسَّم نورانية وظلمانية بل يجوز رؤيتها مع عرضيّتها. وهو كما ترى. وقيل: المراد: ليعرفوا أعمالَهم ويُوقَفوا عليها تفصيلاً عند الحساب. فلا يحتاج إلى ما ذكر أيضاً. وقال النقاش: الصدورُ مقابل الورود، فيَرِدُون المحشرَ ويَصدُرون منه متفرِّقين، فقومٌ إلى الجنة وقومٌ إلى النار؛ ليُرَوا جزاءَ أعمالهم من الجنة والنار. وليس بذاك. (١) معاني القرآن للفراء ٢٨٤/٣، والكشاف ٢٧٦/٤. (٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٦٠، والقراءات الشاذة ص ١٧٧ . (٣) في (م): متفرقين. الآية : ٧ - ٨ ٢٥٧ سُورَةُ الزَُّلَّةِ وأيَّاما كان فقوله تعالى: (لِيهُرَوْأ) متعلِّق بـ ((يَصْدُر)). وقيل: هو متعلّق بـ ((أوحى لها)» وما بينهما اعتراضٌ. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة والزهريُّ وأبو حيوة وعيسى ونافع في رواية: (لِيَرَوا)) بفتح الياء(١). ! وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ لهَ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾ تفصيلٌ لـ ((يُرَوا)). والذرَّة: نملةٌ صغيرةٌ حمراء رقيقة. ويقال: إنها تجري إذا مضى لها حولٌ. وهي عَلَمٌ في القلّة؛ قال امرؤ القيس: من الذرِّ فوقَ الإِتْبِ منها لأثَّرَا(٢) من القاصراتِ الظَّرْفِ لو دبَّ مُخْوِلٌ وقيل: الذرُّ: ما يُرى في شعاع الشمس من الهباء. وأخرج هناد عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها، ثم نفخ فيها وقال: كلُّ واحدةٍ من هؤلاء مثقالُ ذَرَّةٍ(٣). وانتصابُ ((خيراً)) و((شرًّا)) على التمييز، لأنَّ ((مثقالَ ذرَّةٍ» مقدارٌ. وقيل: على البدلية من ((مثقال)). والظاهر أنَّ (مَن)) في الموضعين عامَّة للمؤمن والكافر، وأنَّ المرادَ من رؤيةٍ ما يُعادِل مثقال ذرةٍ من خير أو شرِّ مشاهدةٌ جزائه بأن یحصل له ذلك. واستشكل بأنَّ ذلك يقتضي إثابة الكافر بحسناته وما يفعله من الخير، مع أنهم (١) المحرر الوجيز ٥١١/٥، والبحر ٥٠١/٨-٥٠٢، والمشهور عن نافع بضم الياء كقراءة الجماعة. (٢) ديوان امرئ القيس ص٦٨. وقد سلف البيت ٨٩/٢٣ برواية: الأنف، بدلَ: الإتب. وجاء في هامش الأصل: الإِتب بالكسر: بُرْدٌ يشَقُّ فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كمَّين، ودرعُ المرأة، وما قصر من الثياب فنَصَفَ الساقَ، أو سراويل بلا رجلين، أو قميص بلا كمين. اهـ. وهو منقول من القاموس (أتب). والمُحوِل: الذي أتى عليه الحول. القاموس (حول). (٣) الزهد لهناد بن السري (١٩٣). سُؤَةُ الَُّلَِّ ٢٥٨ الآية : ٧ - ٨ قالوا: أعمالُ الكَفَرَة مُحَبَطة. وادَّعى في ((شرح المقاصد)) الإجماعَ على ذلك(١)، كيف وقد قال سبحانه: ﴿وَقَدِمِنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال عز وجل: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] وقال تعالى: ﴿مَثِّلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَيْهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]؟ وكونُ خيرهم الذي يرونه تخفيفَ العذاب يدفعه قولُه تعالى: ﴿فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ٨٦] وقولُه سبحانه: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] ويقتضي أيضاً عقابَ المؤمن بصغائره إذا اجتنب الكبائرَ، مع أنهم قالوا إنها مكفَّرَةٌ حينئذٍ؛ لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوَنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقول ابن المنير (٢): إنَّ الاجتنابَ لا يوجب التكفيرَ عند الجماعة، بل التوبةُ أو مشيئةُ الله تعالى = ليس بشيء؛ لأنَّ التوبة والاجتنابَ سواءٌ في حكم النصِّ، ومشيئةُ الله تعالى هي السببُ الأصيل. فالتزم بعضُهم كونَ المراد بـ ((مَن)) الأولى السعداءُ، وبـ ((من)) الثانية الأشقياءُ، بناءً على أنَّ (فَمَن يَعْمَلْ) إلخ تفصيلٌ لـ (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا) وكان مفسَّراً بما حاصله: فريق في الجنة وفريق في السعير، فالمناسب أن يرجع كل فقرةٍ إلى فرقة ليطابق المفصّلُ المجملَ، ولأنَّ ظاهرَ قولهِ سبحانه: (فَمَن يَعْمَلْ) (وَمَن يَعْمَلْ) بتكرير أداة الشرط يقتضي التغايُرَ بين العاملين. وقال آخرون بالعموم، إلا أنَّ منهم مَن قال: في الكلام قيدٌ مقدَّر تُرك لظهوره والعلم به من آياتٍ أُخَر، فالتقدير: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره إن لم يُحبَط، ومن يعمَلْ مثقالَ ذرة شرًّا يره إن لم يكفّر. ومنهم مَن جعلَ الرؤية أعمَّ مما تكون في الدنيا وما تكون في الآخرة، فالكافر يرى جزاءً خيرِه في الدنيا وجزاءَ شرِّه في الآخرة، والمؤمن يرى جزاءَ شرِّه في الدنيا وجزاء خيره في الآخرة، فقد روى البغويُّ وابن جرير وابن المنذر وغيرُهم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: فمن (١) ينظر شرح المقاصد ١٤٣/٥. (٢) في الانتصاف ٤/ ٢٧٧ . الآية : ٧ - ٨ ٢٥٩ سُؤَّةُ الَُّلِّ يعمل مثقالَ ذرَّة من خيرٍ وهو كافرٌ فإنه يرى ثوابَ ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى يبلغَ الآخرة وليس له فيها خير، ومَن يعمل مثقال ذرَّةٍ من شرٍّ وهو مؤمن كُوفِيَ ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى يبلغ الآخرةَ وليس عليه فيها شرٌّ (١). وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي في ((الشعب)) وابن أبي حاتم وجماعة عن أنس قال: بينما أبو بكر الصديق رَظُه يأكل مع النبيِّ ◌َّه إذ نزلت عليه: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الآية، فرفع أبو بكر يدَه وقال: يا رسول الله، إني لراءٍ ما عملتُ من مثقال ذرَّةٍ من شرِّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا أبا بكر، أرأيتَ ما ترى في الدنيا مما تكره فَبِمَثاقيل ذَرِّ الشرِّ، ويُدَّخَرُ لك مثاقيلُ ذرِّ الخير حتى تُوقَّاه يومَ القيامة»(٢). وفي رواية ابن مردويه عن أبي أيوب أنَّه وَلِّ قال له إذ رفع يده: ((مَن عَمِل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة، ومَن عَمِل منكم شرًّا يره في الدنيا مصيباتٍ وأمراضاً، ومَن يكن فيه مثقال ذرة من خيرٍ دَخَل الجنة))(٣). ومنهم من قال: المراد مِن رؤيةِ ما يُعادِل ذلك من الخير والشرِّ مشاهدةُ نفسه من غيرِ أن يُعتبر معه الجزاءُ ولا عدمُه، بل يُفوّض كلٌّ منهما إلى سائر الدلائل الناطقة بعفوٍ صغائر المؤمن المجتنِب عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته، وبحبوط (١) تفسير البغوي ٥١٦/٤، وتفسير الطبري ٢٤/ ٥٦٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٨١/٦، وهو في تفسير عبد الرزاق ٣٨٨/٣. (٢) المعجم الأوسط (٨٤٠٢)، وشعب الإيمان (٩٨٠٩)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر وغيرهم السيوطي في الدر ٦/ ١٨٠، وهو في تفسير الطبري ٢٤/ ٥٦٤ -٥٦٥، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٣٢-٥٣٣ وصححه، وهو مرسل كما قال الذهبي في التلخيص. (٣) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٦/ ٣٨١، وفيه أن الذي أمسك يده عن الطعام هو رسول الله ◌َ، ليس أبا بكر. وجاء في هامش الأصل: وفي رواية لابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ﴿َوَمَّآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. اهـ. وهو في الدر المنثور ٣٨١/٦. سُوَّةُ الَُّالَّةِ ٢٦٠ الآية : ٧ - ٨ حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه. وبه يُشعر ما أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ((البعث)) عن ابن عباس من قوله في الآية: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عَمِل خيراً وشرًّا في الدنيا إلا أراه الله تعالى إياه، فأمَّا المؤمن فيرى حسناتِه وسيئاتِهِ، فَيَغْفِر له من سيئاته ويُئيبه بحسناته، وأما الكافر فيُرِيه حسناتِهِ وسيئاتِهِ فيردُّ حسناتِه ويعذِّبه بسيئاتِه(١). واختار هذا الطيبيُّ فقال: إنه يُساعده النظمُ والمعنى والأسلوب: أمّا النظم: فإنَّ قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ) إلخ تفصيلٌ لِمَا عقِّب به من قوله سبحانه: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ)، فيجب التوافق، والأعمالُ جمعٌ مضافٌ يُفيد الشمولَ والاستغراقَ، و(يَصْدُرُ النَّاسُ) مقيَّدٌ بقوله عز وجل: (أَشْنَانًا) فيُفيد أنهم على طرائقَ شتَّى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة، ومن ثَمَّ كانت الجنة ذاتَ درجات والنارُ ذاتَ دَرَكات. وأمَّا المعنى: فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّوَمِ اٌلْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وأما الأسلوب: فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلاً وفرعاً؛ روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة: سُئِل رسول اللهِوَّ عن الحُمُر - أي: عن صدقتها - قال: ((لم ينزل عليَّ فيها شيءٌ إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة)) - أي: المتفرِّدة في معناها - فتلاها عليه الصلاة والسلام(٢). وروى الإمام أحمد(٣) عن صعصعة بن معاوية عمِّ الفرزدق أنه أتى النبيَّ ◌َّه (١) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٦٣، والبعث والنشور (٥٩)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٨١/٦. (٢) صحيح البخاري (٢٣٧١)، وصحيح مسلم (٩٨٧)، وقد رواه أيضاً مالك ٢/ ٤٤٤، وأحمد (٧٥٦٣)، والنسائي ٢١٦/٦-٢١٧. (٣) جاء في هامش الأصل: ورواه أيضاً النسائي والطبراني وابن المبارك في الزهد وغيرهم. اهـ منه.