Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ٥
٢٢١
سُوَّةُ القَدْرِ
وذكر ابن رجب(١) أنَّ الأكملَ الجمعُ بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكّر.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعلُ ذلك كلَّه لاسيما في العشر الأواخر.
ويحصلُ قيامها - على ما قال البعض - بصلاة التراويح، وأخرج البيهقيُّ عن
أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((من صلَّى المغربَ والعشاءَ في جماعةٍ
حتَّى ينقضي شهرُ رمضان، فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر))(٢).
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن زنجويه والبيهقيُّ عن سعيد بن المسيب قال:
من شهدَ العشاء ليلة القدر في جماعةٍ، فقد أخذَ بحظّه منها(٣).
وفي (تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتميِّ عليه الرحمة: يسنُّ لرائيها كتمُها،
ولا ينالُ فضلَها - أي: كمالَه - إلَّا من أَظْلَعه اللهُ تعالى عليها. انتهى.
والظاهر أنَّه عنى برؤيتها رؤيةَ ما يحصلُ به العلم له بها ممَّا خُصَّتْ به من
الأنوار وتنزّلِ الملائكة عليهم السلام، أو نحواً من الكشف المفيد للعلم ممَّا
لا يَعْرِفُ حقيقتَه إلَّا أهلُه، وهو كالنصِّ في أنَّها يراها مَن شاء الله تعالى من
عباده.
وقال أبو حفص بن شاهين(٤) - على ما حكاه ابن رجب -: إنَّ الله تعالى لم
يكشفها لأحدٍ من الأوَّلين والآخرين، ولا النبيين والمرسلين، في يومٍ ولا ليلةٍ، إلَّا
نبينا وَّةِ، فإنَّه لمَّا أنزلَها عليه، وعرَّفَهُ قَدْرَها، أراه عليه الصلاة والسلام إيّاها في
منامه، وعرَّفه في أيِّ ليلةٍ تكون، فأصبح عالماً بها، وأراد أنْ يُخبرَ بها الناس
لسروره، فتلاحى بين يديه رجلان، فأُنسِيهَا وَلّ، وأمر بطلبها في ليالي العشر
الأواخر؛ لأنَّهم لا يرونَها مكاشفةً أبداً، ولا يراها أحدٌ بعدَه وَِّ أصلاً، فأُمِروا
بذلك ليلتمس فضلها في الليالي المسماة. انتهى.
(١) في لطائف المعارف ص ٢١٧ .
(٢) شعب الإيمان (٣٧٠٧).
(٣) الموطأ ٣٢١/١، ومصنف ابن أبي شيبة ٥١٥/٢، وشعب الإيمان (٣٧٠٤).
(٤) هو عمر بن أحمد بن محمد بن حسن بن شاهين، الشيخ المسند، توفي سنة (٤٥٤هـ). سير
أعلام النبلاء ١٨/ ١٢٧ .
.

الآية : ٥
٢٢٢
سُوَرَّةُ القَدْرِ
وحديثُ أنَّهِ وَّهِ رآها ونُسِّيَها قد رواه الإمام مالك والإمام أحمد والبخاريُّ
ومسلم وغيرهم(١)، وهو مما لا تردّدَ في صحَّته، لكنَّ في دلالته على أنَّه لم يَعلم
عليه الصلاة والسلام بها ولم يَرها بعدُ ولا يَراها أحدٌ من أمَّتَه وَِّ أبداً تردُّداً، ولعلَّ
الأمر بالتماسها في العشر الأواخر مثلاً يشيرُ إلى رجاء رؤيتها فيها، إذ ما لا يُرجى
في زمانٍ أو مكانٍ لا يَحْسُنُ أن يؤمرَ أحدٌ بالتماسه فيه عادةً، وفي بعض الأخبار
ما يدلُّ على أنَّ رؤيتَها مناماً وقعتْ لغيره وَّةِ، ففي ((صحيح مسلم)) وغيره عن ابن
عمر رِّ أنَّ رجالاً من أصحاب النبيِّ وََّ أُرُوا ليلةَ القدر في المنام في السبع
الأواخر، فقال رسول الله وَهلير: ((أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمَن
كان متحرِّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر)»(٢).
وحُكي نحو قولِ ابن شاهين عن غيره أيضاً وغُلِّط، ففي ((شرح الصحيح))
للنوويٌّ: اعلم أنَّ ليلةَ القدر موجودةٌ، وأنَّها تُرى، ويتحقَّقُها مَنْ شاء الله تعالى من بني
آدم كلَّ سنةٍ في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث، وإخبار الصالحين بها،
ورؤيتُهم لها أكثرُ من أن تحصى، وأمَّا قول القاضي عياض عن المهلب بن أبي صُفرة:
لا يمكن رؤيتها حقيقةً، فغلطٌ فاحشٌ، نَبَّهْتُ عليه لئلا يُغَتَرَّ به(٣). انتهى.
بقيَ في الكلام على هذه الليلة بحثٌ مهمٌّ، وهو أنَّه على قولِ المعتبرِين
لاختلاف المطالِع يلزمُ القول بتعدُّدها في رمضان، وكونها وتراً من لياليه عند قوم
وشفعاً عند آخرين، فلا يصحُّ إطلاقُ القول بأحدهما، وكذا لا يصحُّ إطلاقُ القول
بأنَّها ليلةُ كذا، كليلة السابع والعشرين أو الحادي والعشرين مثلاً من الشهر، على
ذلك أيضاً، بل لا يصحُّ إطلاقُ القول بأنَّ وقت التقديرِ وتنزُّلِ الملائكة ليلٌ، فالليلةُ
عند قومٍ نهارٌ في الجهة المسامتة لأقْدَامهم، وهي قد تكون مسكونةً ولو بواسطة
(١) الموطأ ٣١٩/١، ومسند أحمد (١١٠٣٤) و(١١١٨٦)، وصحيح البخاري (٢٠١٨)
و(٢٠٢٧)، وصحيح مسلم (١١٦٧)، وسلف ص١٩٨-١٩٩ من هذا الجزء، من حديث أبي
سعيد الخدري رضيعنه .
(٢) صحيح مسلم (١١٦٥).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ٦٦/٨، وكلام القاضي عياض في إكمال المعلم ١٤٨/٤.

الآية : ٥
٢٢٣
سُوَرَّةُ القَدرُ
سفينةٍ تمرُّ فيها، وربَّما يكونُ زمانُ الليل عندَ قوم بعضه ليلاً وبعضُه نهاراً عند
آخرين، كأهل بعض العُرُوض البعيدة عن خطّ الاستواء، بل قد تنقضي أشهرٌ بليلٍ
ونهارٍ على قومٍ، ولم ينقض يومٌ واحد في بعض العُرُوض، بل لا يَصُّ أيضاً إطلاقُ
القول بأنّها في رمضان وأنَّها الليلة الأولى أو الأخيرة منه، إذ الشهرُ دخولاً
وخروجاً مختلفٌ بالنسبة إلى سكان البسيطة.
وأجاب بعضٌ بالتزام أنَّ ما أُطلِقٍ من القول فيها ليس على إطلاقه؛ فيكون
القولُ بوتريتها بالنسبةِ إلى قومٍ وبشفعيتها بالنسبة إلى آخرين، وهكذا القولُ بأنَّها ليلةٌ
كذا من الشهر، وبالتزام أنَّهَا ليلةٌ بالنسبة إلى قوم نهارٌ بالنسبة إلى آخرين، وأنَّ
التعبير بالليلة لرعاية مكان المنزّلِ عليه القرآنُ عليه الصلاة والسلام وغالبِ المؤمنين
به، فإنَّ ما هو سمتُ أقدامهم ممَّا ليلهم نهاره لم يُعْمَر بالمسلمين، بل لا يكادُ يعمَرُ
بهم حتى يرثَ الله تعالى الأرض ومن عليها .
وقال: إنَّها حيثُ كانت نهاراً عند قوم لا يبعدُ أنْ يعطي الله تعالى أجرَها مَن
اجتهدَ من غيرهم في ليلة ذلك النهار، وأنْ يعطي سبحانَه ذلك أيضاً من اجتهدَ منهم
ليلاً وهي عندهم نهار، وعلى نحو هذا يقال في الصُّوَر التي ذكرت في البحث.
واذَّعى أنَّ هذا نوعٌ من الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وأنَّ في قولهم: يسنُّ
الاجتهاد في يومها، رمزاً مَّا لشيءٍ من ذلك. وهو كما ترى.
وأجاب آخَرُ بما يستحي القلمُ مِن ذِكْرِهِ، ويرى تَرْكَه هو الحَرِيَّ بقَدْرِهِ.
وسمعت من بعض أحبابي أنَّ الشيخ إسماعيل العجلوني(١) عليه الرحمة تعرَّض
فيما شرح من ((صحيح البخاريِ)) لشيءٍ من هذا البحث والجوابِ عنه، ولم أقف
عليه .
وعندي أنَّ البحثَ قويٌّ، والأمرَ ممَّا لا مجالَ لعقلي فيه.
(١) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء، محدث الشام في
وقته، له ((كشف الخفا))، و((الفيض الجاري في شرح صحيح البخاري))، توفي سنة
(١١٦٢هـ). الأعلام ٣٢٥/١.

سُؤَّ القَدرِ
٢٢٤
الآية : ٥
ومثلُ ليلة القدر فيما ذُكر وقتُ نزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا من
الليل، كما صحَّت به الأخبار(١)، وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمعة(٢)، إلى
أمثال أُخر، وللشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى كلامٌ طويلٌ في الأوَّل لم يحضرني
منه الآن ما يروي الغليل(٣)، ولغيره كابن حجر كلامٌ مختصرٌ في الثاني(٤)، وهو
مشهور.
وربما يقال: إنها لِكلِّ قوم ليلتهم، وإن اختلفت دخولاً وخروجاً بالنسبة إلى
آفاقهم كسائر لياليهم، فتدخلُ الليلة مطلقاً في بغداد مثلاً عند غروب الشمس
فيها، وبعد نحو نصف ساعةٍ منه تدخلُ في إسلامبول مثلاً، وذلك أول وقتٍ
الغروب فيها، وهكذا، والخروج على عكس ذلك، فكأنَّ الليلةَ راكبٌ يسيرُ إلى
جهة، فيصلُ إلى كلِّ منزلٍ في وقت، ويُلْتَزمُ أنَّ تنزّلَ الملائكة حَسبَ سيرها،
ولا يبعدُ أن يتنزَّل عند كلِّ قوم ما شاء الله تعالى منهم عند أوَّل دخولها عندهم،
ويعرجونَ عند مطلع فجرها عندهم أيضاً، أو يبقى المتنَزِّل منهم هناك إلى أن
تنقضيَ الليلةُ في جميع المعمورة، فيعرجون معاً عند انقضائها، ويلتزمُ القول
بتعدُّد التقدير حسبَ السير أيضاً بأن يقدِّر الله تعالى في أيِّ جزءٍ شاء سبحانه منها
بالنسبة إلى مَن هي عندهم أموراً تتعلَّق بهم، ومناطُ الفضل لكلِّ قومٍ تحقّقها
بالنسبة إليهم، وقيامهم فيها، ومثل هذه الليلة فيما ذكر سائرُ أوقات العبادة،
كوقت الظهر والعصر وغيرهما .
وهذا غايةُ ما يخطر بالبال فيما يتعلَّق بهذا الإشكال، وأمرُ ما يعكِّرُ عليه من
أخبار الآحاد سهلٌ، على أنَّ الكثيرَ منها في صحَّته مقالٌ، فتأمَّل في ذاك، والله عز
وجل يتولَّى هداك.
ثم إنَّ ليلةَ القدر عند السادة الصوفيّة ليلةٌ يختصُّ فيها السالك بتجلِّ خاصٌ
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة لله، وسلف ٣٢٦/١.
(٢) أخرجه البخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) من حديث أبي هريرة .
(٣) ينظر مجموع الفتاوى ٤٦٧/٥ وما بعدها.
(٤) ينظر فتح الباري ٤٢٢/٢.

الآية : ٥
٢٢٥
سُورَةُ القَدُ
يَعْرِفُ بهِ قَدْرَه ورتبتَه بالنسبة إلى محبوبه، وهي وقتُ ابتداء وصول السالك إلى عينٍ
الجمع ومقام البالغين في المعرفة، وما ألطفَ قول الشيخ عمر بن الفارض قُدِّس
سره :
وكلُّ الليالي ليلةُ القدر إنْ دَنَتْ كما كلُّ أَيَّام اللِّقا يومُ جمعةٍ (١)
هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ديوان ابن الفارض ص ٨٠.

سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
وتسمَّى: سورةَ القيامة، وسورةَ البلد، وسورةَ المنفكِّين، وسورة البَرِيَّة، وسورة
لم یکن.
قال في ((البحر)): مكيةٌ في قول الجمهور، وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار:
مدنية؛ قاله ابن عطية. وفي كتاب ((التحرير)»: مدنية، وهو قول الجمهور. ورَوَى
أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية (١)، واختاره يحيى بن سلام(٢). انتهى.
وقال ابن الفرس(٣): الأشهر أنها مكية. ورواه ابن مردويه(٤) عن عائشة.
وجزم ابن كثير(٥) بأنها مدنيةٌ، واستَدَلَّ على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد وابن
قانع في ((معجم الصحابة)) والطبرانيُّ وابن مردويه عن أبي حبَّةَ(٦) البدريِّ قال: لَمَّا
نزلت: (لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ) إلى آخرها قال جبريل عليه السلام:
يا رسول الله، إنَّ ربك يأمرك أن تُقْرِئها أُبَيًّا. فقال النبيُّ وَّوَ لأُبيِّ ◌َه: ((إنَّ جبريل
عليه السلام أمرني أن أُقْرِئكَ هذه السورةَ)) فقال أبيٍّ: أَوَقَد ذُكرتُ ثَمَّ يا رسول الله؟!
قال: (نعم))، فبكى(٧). وهذا هو الأصح.
(١) جاء في هامش الأصل: وروى ابن مردويه عنه أنها مدنية.
(٢) البحر ٤٩٨/٨، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٠٧.
(٣) كما في الإتقان ١/ ٤١.
(٤) كما في الدر المنثور ٦/ ٣٧٧.
(٥) عند تفسير هذه السورة، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإتقان ٤١/١.
(٦) في الأصل و(م): خيثمة، وهو تصحيف، وأبو حبة اختلف في اسمه، ينظر توضيح المشتبه
٨٠/٣.
(٧) مسند أحمد (١٦٠٠٠)، ومعجم الصحابة ٤٨/٣، والمعجم الكبير ٢٢/ (٨٢٣). وله شاهد
من حديث أنس حيه عند البخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩): (٢٤٦).

الآية : ١
٢٢٧
سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
وآيُّها تسعٌ في البصري وثمان في غيره(١).
وجاء في فضلها ما أخرجه أبو موسى المدينيُّ (٢) في ((المعرفة)) عن إسماعيل بن
أبي حكيم، عن نُظَير (٣) المزني أو المدني، عن النبيِّ وَّ قال: ((إنَّ الله تعالى يسمع
قراءة (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ) فيقول: أبشر عبدي، فَوَعِزَّتي لا أنساك (٤) على حالٍ من
أحوال الدنيا والآخرة، ولأُمكِّنَنَّ لك في الجنة حتى ترضى))(٥).
ووَجْهُ مناسبتها لِمَا قبلها: أنَّ قوله تعالى فيها: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) إلخ كالتعليل
لإنزال القرآن، كأنه قيل: إنَّا أنزلناه لأنه لم يكن الذين كفروا منفكِّين عن كفرهم
حتى يأتيهم رسولٌ يتلو صحفاً مطهّرةً وهي ذلك المنزل، فلا تغفل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ أي: اليهود والنصارى، وإيرادُهم بذلك
العنوان؛ قيل: لإعظام شناعة كفرهم. وقيل: للإشعار بعلَّةٍ ما نُسب إليهم من الوعد
باتِّباع الحق، فإنَّ مناط ذلك وجدانُهم له في كتابهم، وهو مبنيٌّ على وجهٍ يأتي إن
شاء الله تعالى في الآية بعدُ. وإيرادُ الصلة فعلاً لِمَا أنَّ كفرهم حادثٌ بعد أنبيائهم
عليهم السلام بالإلحاد في صفات الله عز وجل.
و((من)) للتبعيض كما قال عَلَمُ الهدى الشيخُ أبو منصور الماتُرِيديُّ في
((التأويلات))(٦) لا للتبيين؛ لأنَّ منهم مَن لم يكفر بعدَ نبيِّه، وكان على الاعتقاد
(١) في هامش الأصل: اختلافها ﴿مُحِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ بصري.
(٢) كما في أسد الغابة ٣٢٥/٥، وتفسير ابن كثير، والإصابة ١٥٦/١٠، والدر المنثور ٦/ ٣٧٧،
وعنه نقل المصنف.
(٣) في الأصل و(م) والدر: مطر، والمثبت من باقي المصادر، وهو الصواب.
(٤) في الأصل و(م): أسألك، وهو تصحيف، والمثبت من المصادر.
(٥) حديث ضعيف، في إسناده عبد الله بن سلمة، وهو واهي الحديث كما ذكر الحافظ في
الإصابة ١٠/ ١٥٧.
(٦) ٥/ ٤٩٩.

سُورَةُ الْبَيْنَةِّ
٢٢٨
الآية : ١
الحقِّ حتى تَوقَّاه الله تعالى، وعُدَّ من ذلك الملكانية من النصارى؛ فقيل: إنهم كانوا
على الحقِّ قبل بعثة رسول الله وَ له، والتبيينُ يقتضي كفرَ جميعهم قبل البعث،
والظاهرُ خلافُه.
وأيِّد إرادةُ التبعيض بما روي عن ابن عباس ﴿ها من أنَّ المراد بأهل الكتاب
اليهودُ الذين كانوا بأطراف المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع.
وقال بعضٌ: لا نسلم أنَّ التبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث؛ لجوازٍ أن
يكون التعبير عنهم بـ ((الذين كفروا)) باعتبارِ حالِهم بعد البعثة، كأنه قيل: لم يكن
هؤلاء الكفرةُ، وبُيِّنوا بأهل الكتاب ﴿ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وهم مَن اعتقدوا لله سبحانه
شريكاً صنماً أو غيرَه، وخصَّهم بعضٌ بعَبَدةِ الأصنام لأنَّ مشركي العرب الذين بمكة
والمدينة وما حولها كانوا كذلك، وهم المقصودون هنا على ما روي عن الحبر.
وأيًّا ما كان فالعطفُ على ((أهل الكتاب))، ولا يلزم على التبعيض أن لا يكون
بعضهم كافرين ليجب العدولُ عنه للتبيين؛ لأنهم بعضٌ من المجموع كما أفاده
بعض الأجلَّة.
واحتمالُ أن يراد بالمشركين أهلُ الكتاب، وشركُهم لقولهم: المسيح ابن الله،
وعزيرٌ ابن الله، تَعالَى الله عن ذلك علوًّا كبيراً، والعطفُ لمغايرة العنوان = ليس
بشيء.
وقرئ: ((والمشركون)) بالرفع عطفاً على الموصول(١). وحَمْلُ قراءة الجمهور
على ذلك، واعتبارُ أنَّ الجرَّ للجوار، لا يَخْفَى حالُه.
والجارُّ والمجرور في موضع الحال من ضمير («كفروا))، وقولُه تعالى:
﴿مُنْفَكِينَ﴾ خبر ((يكن)). والانفكاكُ في الأصل: افتراقُ الأمور الملتحمة بنوعٍ
مزايلةٍ، وأريدَ به المفارقةُ لِمَا كانوا عليه مما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
فالوصف اسمُ فاعلٍ من ((انفكَّ)) التامةِ دون الناقصةِ الداخلةِ على المبتدأ
(١) تفسير القرطبي ٤٠٩/٢٢ عن الأعمش وإبراهيم، وهي في البحر ٤٩٨/٨ دون نسبة.

الآية : ٢ - ٣
٢٢٩
سُوَرَةُ الْبَّيْنَّةِ
والخبر، وزعم بعض النحاة أنه وصفٌ منها والخبرُ محذوف، أي: واعِدينَ اتِّباعَ
الحقِّ، أو نحوه. وتعقِّب ـ مع كونه خلاف الظاهر - بأنَّ خبر ((كان)) وأخواتها
لا يجوز حذفه في السعة لا اقتصاراً ولا اختصاراً، وحين ليس مجيرٌ - أي: في
الدنيا - ضرورةٌ(١).
وقوله تعالى: ﴿حَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِنَةُ﴾ متعلِّقٌ بـ ((منفكِّين))، و((البينة)) صفةٌ اسم
الفاعل، أي: المبينُ للحقِّ، أو هي بمعناها المعروف: وهو الحجةُ المثبتة
للمدَّعَى، ويراد بها المعجِزُ.
وعلى الوجهين فقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ﴾ بدلٌ منها بدلَ كلٍّ من كلٍّ، أو خبرٌ
المقدَّرٍ، أي: هي رسولٌ، وتنوينُه للتفخيم، والمراد به نبيُّنَا وَّ، وقوله سبحانه:
﴿مِّنَ اَللَّهِ﴾ في موضع الصفة له مفيدٌ للفخامة الإضافية، فهو مؤكِّدٌ لِمَا أفاده التنوينُ
من الفخامة الذاتية.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةَ﴾ صفةٌ أخرى له، أو حالٌ من الضمير في صفته
الأولى كما أن قوله سبحانه: ﴿فِيهَا كُنُبٌّ قَيِّمَةٌ ﴾ صفةٌ ثانيةٌ لـ ((صحفاً)) أو حالٌ
من الضمير في صفتها الأولى، أعني ((مطهّرة))، ويجوز أن يكون الصفةُ أو الحال
هنا الجارَّ والمجرورَ فقط، و((كُتُبٌ)) مرتفعاً على الفاعلية.
وإطلاق البينة عليه عليه الصلاة والسلام على المعنى الأول ظاهرٌ، وعلى
المعنى الأخير باعتبارٍ أن أخلاقه وصفاته وَل﴿ كانت بالغةً حدَّ الإعجاز كما قال
الغزالي في ((المنقذ من الضلال))(٢)، وأشار إليه البوصيريُّ بقوله:
كفاك بالعلم في الأميّ معجزةً في الجاهليةِ والتأديبِ في اليُتْمِ
ويُعلم منه حكمةُ جَعْلِه عليه الصلاة والسلام يتيماً. أو باعتبارِ كثرةٍ معجزاته وَيّ
غير ما ذكر وظهورِها .
(١) يشير إلى البيت الذي سلف عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الكهف، وهو:
لهفي عليك كلهفةٍ من خائف يبغي جوارك حين ليس مُجيرُ
(٢) ينظر ما ورد فيه ص١٦٤ .

سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
٢٣٠
الآية : ٣
وجوِّز أن يراد بالبيِّنة القرآنُ لأنه مبينٌ للحق، أو معجزٌ مثبِتٌ للمدَّعَى، وروي
ذلك عن قتادة وابن زيد، و((رسول)) عليه قيل: بدلُ اشتمالٍ، أو بدلُ كلٍّ من كلِّ
أيضاً بتقدير مضافٍ، أي: بينةُ أو وحيُّ أو معجزُ أو كتابُ رسولٍ، أو هو خبرُ مبتدأ
مقدَّرٍ، أي: هي رسولٌ، ويقدَّر معه مضافٌ كما سمعتَ.
وجوِّز أن يكون ((رسول)) مبتدأً لوَصْفِه، وخبرُه جملةُ ((يتلو)) إلخ، وجملةُ
المبتدأ وخبرِهِ مفسِّرةٌ للبيِّنة، وقيل: اعتراضٌ لمدحها. وقيل: صفةٌ لها مراداً بها
القرآنُ، ويراد بالصحف المطهّرة البينة (١)، وقد وُضعت موضعَ ضميرها فكانت
الرابط .
وقرأ أبيٍّ وعبد الله: ((رسولاً)) بالنصب على الحالية من ((البينة)(٢).
والصحف جمعُ صحيفةٍ، وكذا الصِّحاف: القراطيس التي يُكتب فيها،
وأصلها: المبسوطُ من الشيء، والمراد بتطهيرها: تنزيهُها عن الباطل على سبيل
الاستعارة المصرِّحة، ويجوز أن يكون في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ. أو: تطهيرُ مَن
يمسُها على التجوُّز في النسبة، فكأنه قيل: صحفاً لا يمسُّها إلا المطهّرون.
والمراد بالكتب: المكتوبات، وبالقيِّمة: المستقيمة، واستقامتُها نُطقُها بالحق.
وفي ((التيسير)): هي كتب الأنبياء عليهم السلام، والقرآنُ مصدِّقٌ لها، فكأنها فيه.
ووَصْفُه عليه الصلاة والسلام بتلاوة الصحف المذكورة - بناءً على المشهور من
أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقرأ الكتاب، كما أنه وعليه لم يكن يكتب (٣) - من
باب التجوُّز في النسبة إلى المفعول؛ لأنه وَ﴿ لَمَّا قرأ ما فيها فكأنه قرأها. وقيل:
على تقدير مضافٍ، أي: مثلَ صحفٍ.
(١) في هامش الأصل: قال الراغب: قيل: جعل القرآن صحفاً فيها كتبٌ من أجل تضمُّنه لزيادةٍ
على ما في كتب الله تعالى المتقدمة.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٦، ومعاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣، والكشاف ٢٧٤/٤، والبحر
٨/ ٤٩٨.
(٣) في هامش الأصل: مقابلُه قولُ أنه كان يقرأ ولا يكتب، وقول أنه عليه الصلاة والسلام كان
كلا الأمرين له في آخر الأمر.

الآية : ٤
٢٣١
سُوَّةُ الْبَيْنَّةِ
وقيل: في ضمير ((يتلو)) استعارةٌ مكنيةٌ بتشبيهه عليه الصلاة والسلام - لتلاوته
مِثْلَ ما فيها - بتاليها، أو الصحفُ مجازٌ عما فيها بعلاقة الحلول، ففي ضمير ((فيها))
استخدامٌ (١)؛ لعَوْده على الصحف بالمعنى الحقيقي.
وقيل: المراد بالرسول جبريل عليه السلام، وبالصحف صحفُ الملائكة عليهم
السلام المنتَسخةُ من اللوح المحفوظ، وبتطهيرها ما سبق، والمراد بتلاوته عليه
الصلاة والسلام إياها ظاهرٌ، وجَعْلُها مجازاً عن وَحْيِهِ إياها غيرُ وجيهٍ.
والأولى حَمْلُ الرسول على النبيِّ وَّهِ، وهو المرويُّ عن ابن عباس ومقاتل
وغيرهما .
وقد اختلفوا في المعنى المراد بالآية اختلافاً كثيراً، حتى قال الواحديُّ في
كتاب ((البسيط))(٢): إنها من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً. وبيِّن ذلك(٣) - بناءً
على أنَّ الكفر وصفٌ لكلٍّ من الفريقين قبل البعثة - بأنَّ الظاهر أنَّ المعنى: لم يكن
الذين كفروا من الفريقين منفكِّين عمَّا هم عليه من الكفر حتى يأتيهم الرسول وَّ،
و(حتى)) لانتهاء الغاية، فتقتضي أنهم انفكُّوا عن كفرهم عند إتيان الرسول اَّة،
وهو خلافُ الواقع، ويناقضُه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنَّ بَعْدِ مَا
جَآءَنْهُمُ الْبِنَةُ ﴾﴾ فإنه ظاهرٌ في أنَّ كفرهم قد زاد عند ذلك.
فقال جار الله: كان الكفار من الفريقين يقولون قبل المبعث: لا ننفكُّ عما نحن
فيه من ديننا حتى يبعث الله تعالى النبيَّ الموعود الذي هو مكتوبٌ في التوراة
والإنجيل، وهو محمدٌ رَّة، فحَكَى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال سبحانه:
﴿وَمَا نَفَرَّقَ﴾ إلخ، يعني أنهم كانوا يَعِدُون اجتماعَ الكلمة والاتِّفاقَ على الحقِّ إذا
جاءهم الرسول، ثم ما فرَّقهم عن الحق وأقرَّهم على الكفر إلا مجيتُه، ونظيره في
الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يَعِظُه: لستُ بمنفكِّ مما أنا فيه حتى يرزقني الله
(١) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى
الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.
(٢) كما في تفسير الرازي ٣٨/٣٢، وقاله أيضاً في الوسيط ٥٣٩/٤.
(٣) المبيِّن هو الرازي في تفسيره ٣٨/٣٢.
:

سُورَةُ الْبَّيِّنَّةِ
٢٣٢
الآية : ٤
تعالى الغِنَى. فيرزقُه الله عز وجل ذلك فيزدادُ فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفگًا
عن الفسق حتى تُؤْسِرَ، وما غمستَ رأسك في الفسق إلا بعد اليسار. يذكِّرُه ما كان
يقوله توبيخاً وإلزاماً (١).
وحاصله: أنَّ الأول من باب الحكاية لزَعْمِهم، وقوله سبحانه: (وَمَا نَفَرَّقَ) إلخ
إلزامٌ عليهم؛ حَكَّى الله تعالى كلامهم على سبيل التوبيخ والتعبير، فقال: هذا هو
الثمرةُ، وظاهره أنه أراد بتفرُّقهم: تفرُّقَهم عن الحق، وحُمِلَ على الثبات على الكفر
والباطل لاستلزامه إياه. وعدمُ التعرُّضِ للمشركين في قوله تعالى: (وَمَا نَفَرَّقَ) إلخ
العِلْمٍ حالهم من حال الذين أوتوا الكتاب بالأَوْلَى.
وقيل(٢) - وهو قريبٌ من ذاك من وجه، وفيه إيضاحُ له من وجه -: أي: لم
يكونوا منفكِّين عما كانوا عليه من الوعد باتِباع الحق والإيمان بالرسول المبعوث في
آخر الزمان إلى أن أتاهم ما جعلوه ميقاتاً للاجتماع والاتفاق، فجعلوه(٣) ميقاتاً
للانفكاك والافتراق، كما قال سبحانه: (وَمَا نَفَرَّقَ) إلخ. وفي التعبير بـ ((منفكين))
إشارةٌ إلى وكادة وعدهم، وهو من أهل الكتاب مشهورٌ، حتى إنهم كانوا يستفتحون
ويقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبيِّ المبعوث في آخر الزمان، ويقولون
لأعدائهم من المشركين: وقد أَظلَّ زمانُ نبيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه
قَتْلَ عادٍ وإرمَ. ومن المشركين لعله وقع من متأخِّريهم بعدما شاع [ذلك] من أهل
الكتاب واعتقدوا صحته مما شاهدوا - مثلاً - من بعض مَن يوثَقُ به بينهم من قومهم
كزيد بن عمرو بن نفيل، فقد كان يتطلَّب نبيًّا من العرب، ويقول: قد أظلَّ زمانُه،
وأنه من قريش، بل من بني هاشم، بل من بني عبد المطلب. ويشهد لذلك أنهم
قبيل بعثته عليه الصلاة والسلام سمَّى منهم غيرُ واحدٍ ولدَه بمحمد رجاء أن يكون
النبيَّ المبعوث، والله أعلم حيث يجعل رسالته. والتعبيرُ عن إتيانه بصيغة المضارع
باعتبار حال المحكيِّ لا باعتبار حال الحكاية كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَغْلُوا
(١) الكشاف ٤/ ٢٧٤.
(٢) هو قول أبي السعود في تفسيره ٩/ ١٨٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) في الأصل و(م): فاجعلوه، والمثبت من تفسير أبي السعود، وهو الصواب.

الآية : ٤
٢٣٣
سُوَرَةُ الْبَّيْنَةِّ
الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: تَلَتْ، وقوله تعالى: (وَمَا نَفَرَّقَ) إلخ كلامٌ مسوقٌ لمزيد
التشنيع على أهل الكتاب خاصةً ببيانِ أنَّ ما نُسب إليهم من الانفكاك لم يكن
الاشتباهٍ في الأمر، بل بعد وضوح الحقِّ وتبيَّنِ الحال وانقطاعِ الأعذار بالكلِّية، وهو
السرُّ في وَصْفِهم بإيتاء الكتاب المُنْبِئ عن كمالِ تمكّنهم من مطالعته والإحاطةِ
بما في تضاعيفه من الأحكام والأخبارِ التي من جملتها ما يتعلَّق بالنبيِّ عليه الصلاة
والسلام وصحةٍ بعثته، بعد ذكرهم فيما سبق بما هو جارٍ مجرى اسم الجنس
للطائفتين، ولَمَّا كان هؤلاء والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي المذكور في
حكم فريقٍ واحدٍ عبَّر عمَّا صَدَرَ عنهم (١) عقيب الاتفاق عند الإخبار بوقوعه
بالانفكاك، وعند بيان كيفيةِ وقوعه بالتفرُّق، اعتباراً لاستقلال كلٍّ من فريقي أهل
الكتاب، وإيذاناً بأنَّ انفكاكهم عن الرأي المذكور ليس بطريق الاتفاق على رأي
آخَرَ، بل بطريق الاختلاف القدیم.
وتعقِّب التقريران بأنه ليس في الكلام ما يدلُّ على أنه حكايةٌ، ولا على إرادة:
منفگین عن الوعد باتباع الحق.
وقال القاضي عبد الجبار: المعنى: لم يكن الذين كفروا منفكِّين عن كفرهم
وإن جاءتهم البيئة. وتعقَّبه الإمام: بأنَّ تفسير لفظِ ((حتى)) بما ذُكر ليس من اللغة في
شيء(٢).
ولعله أراد أنَّ المراد استمرارُ النفي، وأنَّ في الكلام حذفاً، أي: لم يكونوا
منفكِّين عن كفرهم في وقتٍ من الأوقات حتى وقت أن تأتيهم البينةُ، إلا أنه عبر
بما ذكر لأنه أَخْصَرُ، وفيه أيضاً ما لا يخفى.
وقيل: المعنى: لم يكونوا منفكِّين عن ذكر الرسول و # بالمناقب والفضائل إلى
أن أتاهم، فحينئذٍ تفرَّقوا فيه وقال كلٌّ منهم فيه عليه الصلاة والسلام قولاً زُوراً.
وتعقِّب بأنه لا دلالة على إرادة ما قدِّر متعلَّقَ الانفكاك.
(١) في (م): منهم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٢) تفسير الرازي ٣٩/٣٢.

سُورَةُ الْبَّنْيَةِ
٢٣٤
الآية : ٤
وقيل: المعنى: لم يكونوا منفكِّين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول ێآ،
فلما جاءهم تفرَّقوا فمنهم مَن آمن ومنهم مَن أصرَّ على كفره، ويكفي ذلك في
العمل بموجب (حتى)).
وتعقّب بأنَّ ظاهر ((وما تفرَّق)) إلخ ذمٌّ لجميعهم وتشنيعٌ عليهم، ويؤيِّده قوله
سبحانه بعدُ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ) إلخ، ويَبعُدُ ذلك على حمل التفرُّق
على إيمانِ بعضٍ وإصرارِ بعضٍ.
وقيل: المعنى: لم يكونوا منفكِّين عن كفرهم بأن يتردّدوا فيه، بل كانوا
جازمين به معتقدين حقِّيته إلى أن أتاهم رسول الله وَّر، فعند ذلك اضطربت
خواطرُهم وأفكارهم، وتشكّك كلٌّ في دينه ومقالته. وفيه ما لا يخفى.
وقيل: معنى ((منفكين)): هالكين، من قولهم: انفك صَلا المرأة عند الولادة،
وهو أن ينفصل فلا يلتئم، والمعنى: لم يكونوا معذّبين ولا هالكين إلا بعد قيام
الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقريبٌ منه معنًى ما قيل: لم يكونوا منفكِّين عن الحياة بأن يموتوا ويهلكوا حتى
تأتيهم البينة. وهو كما ترى.
وقيل: المراد أنهم لم ينفكوا عن دينهم حقيقةً إلى مجيء الرسول التالي
للصحف المبيِّنةِ نَسْخَه وبطلانه، ولَمَّا جاء وتبيَّن ذلك انفُوا عنه حقيقةً وإن بقُوا
عليه صورةً. وفيه ما فيه.
وقال أبو حيان: الظاهر أنَّ المعنى: لم يكونوا منفكِّين، أي: منفصلاً بعضُهم
عن بعضٍ، بل كان كلٌّ منهم مُقِرًّا الآخَرَ على ما هو مما اختاره لنفسه، هذا من
اعتقاده بشريعته، وهذا من اعتقاده بأصنامه، وحاصلُه أنه اتصلت مودَّتُهم واجتمعت
كلمتهم إلى أنْ أتتهم البينة، ((وما تفرق الذين أوتوا)) أي: من المشركين، وانفصل
بعضُهم من بعض، فقال كلٌّ ما يدلُّ عنده على صحة قوله، ((إلا من بعد ما جاءتهم
البينة)) وكان يقتضي عند مجيئها أن يجتمعوا على اتِّباعها(١).
(١) البحر ٨/ ٤٩٨ .

الآية : ٤
٢٣٥
سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
ولا يَخْفَى أن قوله: بل كان كلٌّ منهم .. إلخ، في حيِّز المنع، وأيضاً حَمْلُ
((وما تفرَّق)) على ما حَمَلَه عليه غيرُ ظاهرٍ .
وقال ابن عطية: هاهنا وجهٌ بارعُ المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن
هؤلاء القومُ منفكِّين من أمر الله تعالى وقدرتِه ونظرِه سبحانه حتى يبعث عزَّ وجلَّ
إليهم رسولاً منذراً يُقيم تعالى عليهم به الحجةَ، ويتمُّ على مَن آمن به النعمة، فكأنه
قال: ما كانوا ليُتْركوا سدّى، ولهذا نظائرُ في كتاب الله جلَّ جلاله(١).
هذا ما ظفرنا(٢) به سؤالاً وجواباً، وجرحاً وتعديلاً.
ثم إنِّي أقول: ما تقدَّم في تقرير الإشكال مبنيٌّ على مذهب القائلين بمفهوم
الغاية، وهم أكثر الفقهاء، وجماعةٌ من المتكلِّمين كالقاضي أبي بكر والقاضي
عبد الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم، دون مذهب الغير القائلين به، وهم
أصحاب الإمام أبي حنيفة وجماعةٌ من الفقهاء والمتكلِّمين، واختاره الآمدي،
واستدلَّ عليه بما استدلَّ، وردًّ ما يعارضه من أدلة المخالف(٣).
وعليه يمكن أن يقال: إنه سبحانه وتعالى بيَّن أولاً حالَ الذين كفروا من
الفريقين إلى وقت إتيان الرسول وَ ﴿ بقوله عز وجل: (لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ) أي: عمَّا هم عليه من الدِّين حَسبَ اعتقادهم فيه إلى أن
يأتيهم الرسول. ولَمَّا لم يتعرَّض في ذلك على ذلك المذهب لحالهم بعد إتيان
الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّنه سبحانه بقوله جل وعلا: (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِنَبَ) إلخ، أي: وما تفرَّقوا فعرف بعضٌ منهم الحقَّ وآمَنَ، وعرفه بعضٌ آخَرُ
منهم وعانَدَ فلم يؤمن، في وقتٍ من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم البينةُ، وطَوَى
سبحانه ذِكْرَ حال المشركين لعلمه بالأَوْلى من حالهم، ثم إنه تعالى ذكر بعدُ حالَ
كلٍّ من الفريقين المؤمن والكافر وما له في الآخرة بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا) إلخ وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ.
(١) المحرر الوجيز ٥٠٧/٥ .
(٢) في الأصل: ظفرت.
(٣) الإحكام للآمدي ١٠١/٣-١٠٣.

سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
٢٣٦
الآية : ٥
والذي أميلُ إليه مما تقدَّم كونَ الانفكاك عن الوعد باتِّباع الحق، ولعل القرينة
على اعتباره حالية.
ويحتمل نحواً آخر من التوجيه، وذلك بأنْ يُجعل الكلام من باب الإعمال،
فيقال: إن ((منفكِّين)) يقتضي متعلِّقاً هو المنفكُ عنه، و((تأتيهم)) يقتضي فاعلاً، وليس
في الكلام سوى ((البينة))، فكلٌّ منهما يقتضيه، فأُعْمِلَ فيه ((تأتيهم)) وحُذف معمول
(منفكِّين)) لدلالته عليه، فكأنه قيل: لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكّين عن البيئة
حتى تأتيهم البينةُ، وحيث كان المراد بالبينة الرسولَ كان الكلامُ في قوةٍ: لم يكونوا
منفكِّين عن الرسول حتى يأتيهم، ويراد بعدم الانفكاك عن الرسول حيث لم يكن
موجوداً إذ ذاك عدمُ الانفكاك عن ذكره والوعدِ باتِّباعه، ويكون باقي الكلام في الآية
على نحو ما سبق على تقدير إرادة: منفكِّين عما كانوا عليه من الوعد باتِباع الحق.
وإن شئتَ قلتَ في قوله تعالى: (وَمَا نَفَرَّقَ) إلخ: إنه على معنى: وما تفرق
الذين أوتوا الكتاب عن الرسول وما انفكوا عنه بالإصرار على الكفر إلا من بعد
ما جاءهم.
فتأمَّل جميعَ ما أتيناك به، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ﴾ جملة حالية مفيدةٌ لغاية قبح ما فعلوا،
والمراد بالأمر مطلقُ التكليف، ومتعلِّقه محذوفٌ، واللام للتعليل، والكلام في
تعليلِ أفعاله تعالى شهيرٌ، والاستثناءُ مفرٌَّ من أعمِّ العلل، أي: والحالُ أنهم
ما كلِّفوا في كتابهم بما كلِّفوا به لشيء من الأشياء إلا لأَجْلٍ عبادة الله تعالى(١).
وقال الفرَّاء: العرب تجعل اللام موضع ((أنْ)) في الأمر، كـ: ﴿وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ﴾
[الأنعام: ٧١] وكذا في الإرادة كـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] فهي هنا
بمعنى ((أن))، أي: إلا بأنْ يعبدوا الله، وأيّد بقراءة عبد الله: ((إلا أن يعبدوا))(٢)
فيكون عبادة الله تعالى هي المأمور بها، والأمرُ على ظاهره.
(١) جاء في هامش الأصل: ومثله ما قيل من أن اللام زائدة، فلا تغفل.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣.

الآية : ٥
٢٣٧
سُوَرَّةُ الْبَّيْنَةِ
والأول هو الأظهر، وعليه قال علم الهدى أبو منصور الماتريدي: هذه الآية
عُلم منها معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
أي: إلا لأمرهم بالعبادة فيُعْلَمُ المطيع من العاصي(١). وهو كما قال الشهاب كلامٌ
حسنٌ دقيق(٢).
﴿يُخْصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ أي: جاعلينَ دينَهم خالصاً له تعالى فلا يُشْرِكون به عز
وجل، فـ ((الدِّين)) مفعولٌ لـ ((مخلصين))، وجوِّز أن يكون نصباً على إسقاط الخافض
ومفعولُ ((مخلصين)) محذوف، أي: جاعلين أنفسهم خالصةً له تعالى في الدين.
وقراءة الحسن: ((مخلصين)) بفتح اللام(٣)، وحينئذٍ يتعيَّن هذا الوجهُ في ((الدين))
ولا يتسنَّى الأول، نعم جوِّز أن يكون نصباً على المصدر والعاملُ («ليعبدوا))، أي:
ليَدِينوا اللهَ تعالى بالعبادة الدينَ.
﴿حُنَفَآءَ﴾ أي: مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، وفيه من تأكيد
الإخلاص ما فيه، فالحَنَفُ: الميلُ إلى الاستقامة، وسمِّي مائلُ الرِّجْلِ إلى
الاعوجاج أحتفَ للتفاؤل، أو مجازٌ مرسلٌ بمرتبتين.
وعن ابن عباس تفسير ((حنفاء)) هنا بـ : حُجَّاجاً.
وعن قتادة بـ : مختتنين محرِّمين النكاح الأمِّ والمحارم.
وعن أبي قِلَابَةَ بـ : مؤمنين بجميع الرسل عليهم السلام.
وعن مجاهد بـ : متَّبعين دينَ إبراهيم عليه السلام.
وعن الربيع بن أنس بـ : مستقبلين القبلة بالصلاة.
وعن بعضٍ بـ : جامعينَ كلَّ الدِّين.
وحالُ الأقوال لا يَخْفَى.
(١) تأويلات أهل السنة ٥/ ٥٠٠- ٥٠١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٨٦/٨.
(٢) حاشية الشهاب ٣٨٦/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٩، والبحر ٤٩٩/٨.

سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
٢٣٨
الآية : ٦
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ﴾ إنْ أريدَ بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة
فالأمر بهما ظاهرٌ، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أَمْرِهم بهما في كتابهم أنَّ أمرهم
باتِّاع شريعتنا أمرٌ لهم بجميع أحكامها التي هما من جملتها .
﴿وَذَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من عبادة الله تعالى بالإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة، وما فيه من البعد للإشعار بعلوِ رتبته وبُعْدٍ منزلته في الشرف.
﴿رِينُ الْقَيِمَةِ﴾ أي: الكتبِ القيِّمة، فـ ((أل)) للعهد إشارة إلى ما تقدم في قوله
تعالى: (فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَةُ) وإليه ذهب محمد بن الأشعث الطالقانيُّ(١).
وقال الزّجَّاج أي: الأمة القيِّمة، أي: المستقيمة(٢).
وقال غير واحد: أي: الملَّةِ القيِّمة، والتغايرُ الاعتباريُّ بين الدِّين والملَّة
يصحّح الإضافة.
وبعضُهم لم يقدِّر موصوفاً، ويجعلُ ((القيّمة)) بمعنى الملَّة. وقيل: أي: الحجج
القيِّمة.
وقرأ عبد الله عظته: ((الدِّين القيِّمة))(٣) فقيل: التأنيثُ على تأويل الدِّين بالملَّة.
وقيل: الهاء للمبالغة .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٤) قيل: بيانٌ لحال
الفريقين في الآخرة بعد بيانِ حالهم في الدنيا، وذكر ((المشركين)) لئلا يُتوهّمَ
اختصاصُ الحكم بأهل الكتاب حَسبَ اختصاص مشاهدة شواهد النبوة في الكتاب
(١) كما في تفسير الثعلبي ٢٦١/١٠، والمحرر الوجيز ٥٠٨/٥، والبحر ٤٩٩/٨، واسمه
كما ذكر الثعلبي: محمد بن محمد بن الأشعث، أبو سهل، ولم نقف له على ترجمة.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٣٥٠، وفيه: أي: وذلك دين الأمة القيمة بالحق، فيكون ذلك دين
الملة المستقيمة.
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٥، والبحر ٤٩٩/٨.
(٤) جاء في هامش الأصل: جوز عطف ((المشركين)) هنا على الموصول، والظاهر عطفه على
((أهل الكتاب)).

الآية : ٦
٢٣٩
سُورَةُ الْبَّيْنَةِّ
بهم، فالمراد بهؤلاء الذين كفروا هم المتقدمون في صدر السورة، وفي ذلك
احتمالٌ أشرنا إليه فلا تغفل.
ومعنى كونهم في نار جهنم: أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، لكنْ لتحقُّق ذلك
لم يصرَّح به وجيء بالجملة اسميةً، أو يقدَّر متعلَّق الجارِّ بمعنى المستقبل، أو أنهم
فيها الآن على إطلاق نار جهنم على ما يوجبها من الكفر مجازاً مرسلاً بإطلاق اسم
المسبّب على السبب، وجوِّزت الاستعارة.
وقيل: إن ما هم فيه من الكفر والمعاصي عينُ النار، إلا أنها ظهرت في هذه
النشأة بصورةٍ عرضيةٍ، وستخلعها في النشأة الآخرة وتظهرُ بصورتها الحقيقية، وقد
مرَّ نظيره غيرَ مرةٍ.
خَلِينَ فِيهَاً﴾ حالٌ من المستكنِّ في الخبر، واشتراكُ الفريقين في دخول النار
بطريق الخلود لا ينافي تفاوتَ عذابهما في الكيفية، فإنَّ جهنم - والعياذُ بالله
تعالى - دركاتٌ، وعذابُها ألوان، فيُعذَّب أهل الكتاب في دركٍ منها نوعاً من العذاب،
والمشركون في دركِ أسفلَ منه بعذابٍ أشدَّ؛ لأن كفرهم أشدُّ من كفر أهل الكتاب.
وكونُ أهل الكتاب كفروا بالرسول بَلقه مع علمهم بنعوته الشريفة وصحةٍ رسالته
من كتابهم، ولم يكن للمشركين علمٌ بذلك كعلمهم، لا يوجب كونَ عذابهم أشدَّ
من عذاب المشركين ولا مساوياً له، فإنَّ الشرك ظلم عظيم وقد انضمَّ إليه من أنواع
الكفر في المشركين مما ليس عند أهل الكتاب.
وقد استدلَّ بالآية على خلود الكفار مطلقاً في النار.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتِّصافهم بما هم فيه من القبائح المذكورة، وما فيه
من معنى البعد لبعد منزلتهم في الشرّ، أي: أولئك البُعَداءُ المذكورون ﴿هُمْ شَرُّ
الْبَرِيَّةِ﴾ أي: الخليقة. وقيل: أي: البشر.
والمراد: قيل: هم شرُّ البرية أعمالاً، فتكون الجملة في حيّز التعليل لخلودهم
في النار. وقيل: شرُّها مقاماً ومصيراً، فتكون تأكيداً لفظاعة حالهم. ورجِّح الأول
بأنه الموافقُ لِمَا سيأتي إن شاء الله تعالى في حقِّ المؤمنين.

الآية : ٦
٢٤٠
سُورَةُ الْبَّيْنَةِ
وأيًّا ما كان فالعمومُ - على ما قيل - مشكلٌ؛ فإنَّ إبليس وجنوده شرٌّ منهم
أعمالاً ومقاماً، وكذا المشركون المنافقون، حيث ضَمُّوا إلى الشرك النفاقَ، وقد
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وقال بعضٌ: لا يبعد أن يكون في كفار الأمم مَن هو شرٌّ منهم كفرعون وعاقر
الناقة. وأجاب بأن المراد بـ ((البَرِيَّة)): المعاصرون لهم. ولا يَخْفَى أنه يبقى معه
الإشکالُ بإبليس ونحوه.
وأُجيبَ بأن ذلك إذا كان الحصر حقيقيًّا، وأمَّا إذا كان إضافيًّا بالنسبة إلى
المؤمنين بحسب زعمهم فلا إشكالَ؛ إذ يكون المعنى: أولئك هم شرُّ البرية
لا غيرُهم من المؤمنين كما يزعمون قالاً أو حالاً .
وقيل: يراد بـ ((البرية)): البشر، ويراد بشرِّيتهم: شرِّيتُهم بحسب الأعمال،
ولا يبعُدُ أن يكونوا بحَسَبِ ذلك هم شرَّ جميع البرية؛ لِمَا أنَّ كفرهم مع العلم
بصحة رسالته عليه الصلاة والسلام ومشاهدةٍ معجزاته الذاتية والخارجية ووَعْدِ
الإيمان به عليه الصلاة والسلام، ومع إدخالِهم به الشبهةَ في قلوب مَن يأتي
بعدهم، وتسبُِّهم به ضلالَ كثيرٍ من الناس، إلى غير ذلك مما تضمَّنه واستَلْزَمَه من
القبائح = شرَّ كفرٍ وأقبحَه لا يتسنَّى مثلُه لأحدٍ من البشر إلى يوم القيامة، وكذا سائر
أعمالهم: من تحريف الكَلِم عن مواضعه، وصدِّ الناس عنه وَّ، ومحاربتهم إياه
عليه الصلاة والسلام، وكونُ كفرٍ فرعونَ وعاقر الناقة وفِعْلِهما بتلك المثابة غيرُ
مسلَّم، ويلتزم دخولُ المنافقين في عموم الذين كفروا، أو كونُ كفرهم وأعمالهم
دون كفرٍ وأعمالِ المذكورين. وفيه شيءٌ لا يَخْفَى فتأمَّل.
وقيل: ليس المراد بأولئك الذين كفروا أقواماً مخصوصين وهم المحدَّث عنهم
أولاً، بل الأعمَّ الشاملَ لهم ولغيرهم من سالف الدهر إلى آخره. وهو على ما فيه
لا يتمُّ بدون حمل «البَرِيَّة)» على البشر، فلا تغفل.
وقرأ الأعرج وابنُ عامر ونافع: ((البريئة)) هنا وفيما بعدُ بالهمزة(١)، فقيل: هو
(١) التيسير ص٢٢٤، والنشر ٤٠٧/١ عن نافع وابن ذكوان، والكلام من البحر ٤٩٩/٨.