Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ١ - ٣
٨١
سُوَّةُ الليك
وقرئ: ((والذي خلق))(١)، وقرأ ابن مسعود: ((والذّكر والأنثى))(٢) وتبعه ابن
عباس كما أخرج ذلك ابن النجار في ((تاريخ بغداد)) من طريق الضحاك عنه(٣)،
ونُسبت لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه (٤).
وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرهم عن علقمةَ أنه قَدِمَ الشام
فجلسَ إلى أبي الدرداء وظُبه، فقال له أبو الدرداء: ممن(٥) أنت؟ فقال: من أهل
الكوفة. قال: كيف سمعتَ رسولَ اللهِ وَلَه يقرأ(٦): (وَلَّيْلِ إِذَا يَفْنَى). قال علقمة:
((والذكر والأنثى)). فقال أبو الدرداء: أشهدُ أني سمعتُ رسولَ الله وَلَّهِ يقرأ
هكذا، وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنْثَ) والله لا أتابعهم.
وأنت تعلم أنَّ هذه قراءةٌ شائَّةٌ منقولةٌ آحاداً لا تجوزُ القراءةُ بها، لكنها
بالنسبة إلى مَنْ سَمِعها من النبيِّ عليه الصلاة والسلام في حُكْم المتواترة، تجوزُ
قراءته بها .
وذكر ثعلبُ أنَّ من السلف مَنْ قرأ: ((وما خَلَقَ الذكرِ)) بجرِّ الراء، وحكاها
الزمخشريُّ عن الكسائي(٧)، وخرَّجوا ذلك على البدل من ((ما)) بمعنى:
وما خلقه الله، أي: ومخلوقِ الله الذّكرِ والأنثى، قيل: وقد يُخرَّجُ على توهُّم
المصدر بناءً على مصدرية ((ما))، أي: وخَلْقِ الذكر والأنثى، كما في قوله:
(١) القراءة في الكشاف ٤/ ٢٦٠، والتفسير الكبير ١٩٩/٣١، منسوبة لابن مسعود
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٤، والمحتسب ٣٦٤/٢.
(٣) عزاه له السيوطي في الدر ٣٥٨/٦ وجاء فيه أنه كان يقرأ على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية
عشر حرفاً، أخذها من قراءة عبد الله بن مسعود. وعدّ منها هذه القراءة.
(٤) المحتسب ٣٦٤/٢.
(٥) في (م): فمن.
(٦) كذا في الأصل و(م): والذي في المصادر: كيف سمعت عبد الله يقرأ. والحديث عند
البخاري (٤٩٤٣)، ومسلم (٨٢٤)، والترمذي (٢٩٣٩)، والنسائي في الكبرى (١١٦١٢)،
وأحمد (٢٧٥٣٥).
(٧) الكشاف ٢٦٠/٤-٢٦١، وذكرها عن الكسائي أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١٧٤، وذكر كلام ثعلب ابنُ جني في المحتسب ٣٦٤/٢.

سُورَةُ الليّك
٨٢
الآية : ٤ - ٥
كما طافَ بالبِيعة الراهبِ(١)
تطوفُ العُفاة بأبوابه
بجَرِّ الراهب على توهُّم النطق بالمصدر، أي: كطواف الراهب بالبيعة (٢).
﴿إِنَّ سَعِيٌَّ﴾ أي: مساعيكم، فإنَّ المصدرَ المضافَ يفيدُ العمومَ، فيكونُ جَمْعاً
معنى، ولذا أُخبر عنه بجمعٍ، أعني: قوله تعالى: ﴿لَقَّ﴾ فإنه جَمْعُ شتیت بمعنی
متفرِّق. ويجوز أن لا يُعتَبَر (سعيكم)) في معنى الجمع، ويكون ((شتى)) مصدراً مؤنَّئاً
كَذِكْری وبُشْری خبراً له بتقدير مضاف، أي: ذو شتَّى، أو بتأويله بالوصف، أي:
شتيت، أو بجعله عينَ الافتراق مبالغةً.
وأيًّا ما كان فالجملةُ جوابُ القَسَم كما أخرجه ابن جرير عن قتادة (٣). وجُوِّزَ
أن يكون الجوابُ مقدَّراً كما مرَّ غير مرَّة.
والمراد بتفرُّق المساعي اختلافُها في الجزاء، وقوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلخ
تفصيلٌ مبيِّنٌ لتفرُّقها واختلافها في ذلك.
وجُوِّزَ أن يُرادَ باختلافها كونُ البعض طالباً لليوم المتجلِّي، والبعض طالباً لِلَّيل
الغاشي، وبعضها مستعاناً بالذَّكَر، وبعضها مستعاناً بالأنثى، فيكونُ الجوابُ شديدَ
المناسبة بالقَسَم، ولا يخفى بُعْدُهُ وركاكته.
والظاهر أنَّ المرادَ بالإعطاء بذلُ المال، ومن هنا قال ابن زيد: المراد إنفاق
ماله في سبيل الله تعالى. وقال قتادة: المعنى: أعطى حقَّ الله تعالى، وظاهرُهُ
الحقوقُ المالية.
﴿وََّى﴾ أي: واتَّقى اللهَ عزَّ وجلَّ كما قال ابن عباس، وفي معناه قولُ قتادة:
واتقى ما نُهي عنه. وفي روايةٍ: محارمَ الله تعالى.
(١) الجمل في النحو للخليل ص ١٧٥، ومعاني القرآن للأخفش ٦٣٣/٢، والأضداد لابن
الأنباري ص ٨٨، والبحر المحيط ٤٨٣/٨، والدر المصون ٢٨/١١.
(٢) وجعله الخليل من الجرِّ على الجوار، وقال السمين: والذي يظهر في تخريج البيت أن
أصله: الراهبي بياء النسب، نسبة إلى الصفة، ثم خفّف، وهو قليل. ينظر الجمل ص١٧٥،
والدر المصون ٢٨/١١.
(٣) تفسير الطبري ٢٤ / ٤٦٠ .

الآية : ٦
٨٣
سُورَةُ اللَيَّلِكَ
وقال مجاهد: واتقى البخلَ. وهو كما ترى.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ ﴾﴾ أي: بالكلمة الحسنى، وهي كما قال أبو عبد الرحمن
السلمي وغيره وروي ذلك عن ابن عباس: لا إله إلا الله، أو هي ما دلَّتْ على حقٍّ
كما قال بعضهم، وتدخلُ كلمةُ التوحيد دخولاً أوليًّا.
أو بالملة الحسنى وهي مِلَّةُ الإسلام.
وقال عكرمة وجماعة وروي عن ابن عباس أيضاً: هي المثوبةُ بالخلف في
الدنيا مع المضاعفة.
وقال مجاهدٌ: الجنةُ.
وقيل: المثوبةُ مُطلقاً .
ويترجَّحُ عندي أنَّ الإعطاءَ إشارةٌ إلى العبادة المالية، والاتِّقاءَ إشارةٌ إلى
ما يشملُ سائرَ العبادات من فعل الحسنات وترك السيئات مطلقاً، والتصديقَ
بالحسنى إشارةٌ إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمُّهُ وغيره مما يجبُ الإيمان به، وهو
تفصيلٌ شاملٌ للمساعي كلِّها .
وتقديمُ الإعطاء لما أنه سببُ النزول ظاهراً، فقد أخرج الحاكم وصححه عن
عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال أبو قحافة لأبي بكر ظُه: أراك تُعتِقُ
رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذا فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ رجالاً جُلْداً يمنعونك ويقيمون
دونك. فقال: يا أبه، إنما أُريد ما أُريد. فنزلت: (فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَثََّ) إلى (وَمَا لِأَحَدٍ
عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ)(١).
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إنَّ أبا بكرٍ
(١) المستدرك ٥٢٥/٢، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٢)، وفيه :...
لو أعتقت مَن يمنع ظهرك. فقال: مَنْعَ ظهري أُريد. وأخرجه الطبري ٤٦٦/٢٤ عن
عامر بن عبد الله بن الزبير به، ولم يقل: عن أبيه، وفيه :... إنما أريد، أظنه قال:
ما عند الله.

سُوَّةُ الليل
٨٤
الآية : ٧ - ١٠
اشترى بلالاً من أمية بن خلف بيُرْدةٍ وعشرة أواق، فأعتقه، فأنزل الله تعالى: (وَالَّلِ
إِذَا يَغْنَى) إلى قوله سبحانه: (إِنَّ سَعْكٌ لَشَقّ)(١).
وكذا على القول بأنها نزلت في أبي الدحداح.
ولَمَّا كان الإيمانُ أمراً معتنَّى به في نفسه، أُخِّرَ عن الاتقاء لیکون ذِكْرُهُ بعده من
باب ذِكْرِ الخاصّ بعد العامِّ، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة.
وقيل: المراد: أعطى الطاعةَ، واتقى المعصيةَ، وصدَّقَ بالكلمة الدالة على
الحقِّ ككلمة التوحيد. وفيه أنَّ المعروفَ في الإعطاء تعلُّقه بالمال خصوصاً، وقد
وَقَعَ في مقابلة ذِكْرِ البخل والمال. وأَمْرُ تأخير الإيمان عليه بحاله، وقيل: أُخِّرَ لأنَّ
من جملة إعطاء الطاعة الإصغاءَ لتعلُّم كلمة التوحيد التي لا يتمُّ الإيمان إلا بها،
ومن جملة الاتقاءِ الاتقاءُ عن الإشراك، وهما متقدِّمان على ذلك. وليس بشيء.
. فسنهيِّتُهُ للخصلة التي تؤدِّي إلى يُسْرِ وراحةٍ كدخول الجنة
فسنَيْسِرُهُ لِلْيُسْرَى
ومباديه. مِن يَسَّرَ الفرس للركوب: إذا أَسْرَجها وأَلجمها. وَوَصْفُها باليسرى إما على
الاستعارة المصرِّحة، أو المجاز المرسل، أو التجوُّز في الإسناد.
﴿وَمَّا مَنْ يَخِلَ﴾ بماله، فلم يبذله في سبيل الخير. وقيل: أي: بَخِلَ بفعلٍ ما أُمر
به. وفيه ما فيه.
﴿وَأَسْتَغْفَ﴾ أي: وزَهِدَ فيما عنده عزَّ وجلَّ، كأنَّه مستغنٍ عنه سبحانه، فلم يتَّقه
جلَّ وعلا. أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العُقبى؛ لأنه في مقابلة ((واتقى))،
كما أنّ قوله تعالى:
في مقابلة ((وصدق بالحسنى))، والمراد
﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
بالحسنى فيه ما مرَّ في الأقوال قبلُ.
﴾ أي: للخصلة المؤدِّية إلى العُسْر والشِّدَّةِ كدخول النار
﴿فَسَيَسْرُ لِلْمُسْرَى ◌َّ
ومباديه، وَوَصْفُها بالعُسْرى على نحو ما ذُكر.
وأصل التيسير من اليُسْر بمعنى السهولة، لكن أُريد التهيئةُ والإعداد للأمر،
(١) تاريخ دمشق ٦٩/٣٠، وعزاه لهم السيوطي في الدر ٣٥٨/٦.

الآية : ١٠
٨٥
سُورَةُ الليل
أعني: ما يُفضي إلى راحةٍ وما يُفضي إلى شِدَّةٍ. والسينُ في «سنيسِّره)) قيل:
للتأكيد، وقيل: للدلالة على أنَّ الجزاء الموعود معظمُه يكون في الآخرة التي هي
أمرٌ منتظرٌ متراخٍ. وتقديمُ البخل فالاستغناءِ فالتكذيب يُعلَمُ وجههُ مما تقدَّم.
وفي ((الإرشاد)»: لعلَّ تصديرَ القَسَمين بالإعطاء والبخل مع أنَّ كلَّ منهما أدنى
رتبةً مما بعدُ في استتباع التيسير لليسرى والتعسير للعسرى؛ للإيذان بأنَّ كلّ منهما
أصيلٌ فيما ذُكِرَ [لا تتمة] لِمَا بعدهما من التصديق والتقوى والتكذيب والاستغناء(١).
وقيل: التيسير أولاً بمعنى اللُّطْف، وثانياً بمعنى الخذلان، واليسرى والعسرى:
الطاعة؛ لكونها أيسرَ شيءٍ على المثَّقي وأعسرَه على غيره، والمعنى: أمَّا مَن
أَعْطَى .. إلخ(٢)، فسنلطفُ به ونوفِّقْهُ حتى تكونَ الطاعةُ عليه أيسر الأمور وأهونها،
من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وأما
مَنْ بخل .. إلخ فسنخذله ونمنعهُ الألطاف حتى تكونَ الطاعةُ أعسرَ شيءٍ عليه
وأشدّ، من قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَّغَدُ فِ السَّمَلَّمْ﴾
[الأنعام: ١٢٥] وأصل هذا: فسنيسِّرُهُ للطاعة العسرى، ثم أُريد ما ذُكِرَ على أنَّ
الوصفَ هو المقصودُ بتعلَّقِ التيسير، أعني: التعسير، لا الموصوف أعني الطاعة،
ومع هذا إطلاقُ التيسير للعُسرى مشاكلةٌ.
وجُوِّزَ أن يُرادَ باليسرى طريقُ الجنة، وبالعسرى طريق النار، وبالتيسير في
الموضعين معنى الهداية، وهو في الآخرة وَعْداً ووعيداً، وأَمْرُ المشاكلة فيه على
حاله.
وجُوِّزَ أن يُرادَ بالتيسير التهيئةُ والإعدادُ، واليسرى والعسرى: الطاعة والمعصية
ومباديهما من الصفات المحمودة والمذمومة. وهو وجهٌ حَسَنٌ غيرُ بعيدٍ عن الأول،
وكلاهما حَسَنُ الطَّباق؛ لما صحَّ في الأخبار، أخرج الإمام أحمد والبخاريُّ
ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه وغيرهم عن عليٍّ بن أبي طالب
(١) إرشاد العقل السليم ٩/ ١٦٧ وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) قوله: إلخ. ليس في (م).

سُورَةُ الليلة
٨٦
الآية : ١١
كرم الله تعالى وجهه قال: كنّا مع رسول الله وَّر في جنازة، فقال: ((ما منكم من
أحدٍ إلا وقد كُتِبَ مقعدهُ من الجنة ومقعده من النار)). فقالوا: يا رسول الله، أفلا
نَتَّكلُ. فقال: ((اعملوا فكلٌّ مُيسَرٌ لما خُلق له، أمَّا مَن كان من أهل السعادة فَيُيسَّرُ
لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فيُيسَّرُ لعمل أهل الشقاء)» ثم قرأ
عليه الصلاة والسلام: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى) الآيتين(١).
وكأن حاصلَ ما أراده وَلُّر بقوله: اعملوا .. إلخ: عليكم بشأن العبودية
وما خلقتم لأجله وأُمرتم به، وكِلُوا أمور الربوبية المغيبة إلى صاحبها، فلا عليكم
بشأنها .
وأيًّا ما كان فالمراد بِمَنْ أعطى .. إلخ وبِمَنْ بخل .. إلخ: المتَّصفُ بعنوان
الصلة مطلقاً وإن كان السببُ خاصًّا؛ إذ العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب،
نعم هو قطعيُّ الدخول.
وقيل: (مَنْ أعطى)) أبو بكر ◌َظُه، و((مَنْ بَخِلَ)) أميةُ بن خلف.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر(٢) عن ابن عباس أنَّ الأولَ
أبو بكر ظه، والثاني أبو سفيان بن حرب. ونحوه عن عبد الله بن أبي أوفى. وفي
هذا نظرٌ؛ لأنَّ أبا سفيان أسلم وقوي إسلامه في آخر أمره عند أهل السنة، وفي
رواية الطستي عنه: أنَّ ((وأما من بخل)) إلخ نزل في أبي جهل (٣).
ولعلَّ كلَّ ما قيل من التخصيص فهو من باب التنصيص على بعض أفراد العام
لتحقُّقِ دخوله فيه عند مَنْ خَصَّصَ.
﴿وَمَا يُغْنِى عَنَّهُ مَالُهُ﴾ أي: ولا يغني عنه، على أنَّ ((ما)) نافية. أو: أيّ شيءٍ يُغني
عنه ماله الذي يبخل به، على أنها استفهامية.
(١) أحمد (١٠٦٧)، والبخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي
(٣٣٤٤)، والنسائي في الكبرى (١١٦١٤)، وابن ماجه (٧٨).
(٢) تاريخ دمشق ٧٠/٣٠، والكلام من الدر المنثور ٣٥٨/٦-٣٥٩.
(٣) الدر المنثور ٣٥٩/٦.

الآية : ١٢ - ١٣
٨٧
سُوَّةُ الليك
﴿إِذَا تَرََّ﴾ أي: هلك، تفعَّل من الرَّدى(١)، وهو الهلاكُ. قاله مجاهد.
وقيل: تردَّى في حفرة القبر.
وقال قتادة وأبو صالح: تردَّى في جهنم، أي: سقط (٢).
وقال قوم: تردَّى بأكفانه، من الرِّداء، وهو كنايةٌ عن موته وهلاكه.
، استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله، أي: إنَّ علينا بموجب قضائنا
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى (
المبنيِّ على الحِكَم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة أنْ ندلَّهم ونُرشدهم إلى الحقِّ،
أو أن نُبيِّن لهم طريقَ الهدى وما يُؤدِّي إليه من طريق الضلال وما يُؤدِّي إليه، وقد
فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه، فلا يتُّ الاستدلال بالآية على الوجوب عليه عزَّ وجلَّ
بالمعنى الذي يزعمه المعتزلة.
وقيل: المراد أنَّ الهدى موكولٌ علينا لا على غيرنا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا
تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وليس المعنى أنَّ الهدى
يجبُ علينا، حتى يكونَ بظاهره دليلاً على وجوب الأصلح عليه، تعالى عن ذلك
علوًّا كبيراً. وفيه أنَّ تعلُّقَ الجارِّ بالكون الخاصِّ - أعني موكولاً - خلافُ الظاهر.
ومِثْلُه ما قيل: إنَّ المراد: ثم إنَّ علينا طريقة الهدى، على معنى أنَّ مَنْ سلك
الطريقةَ المبيَّنَةَ بالهدى والإرشاد إليها، يصلُ إلينا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى
اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: مَنْ سلك السبيلَ القَصْدَ - أي: المستقيم - وَصَلَ
إليه سبحانه.
﴾ أي: التصرُّفَ الكُلِّيَّ فيهما كيفما نشاء، فنفعل فيهما
﴿وَإِنَّ لَاَ للَّخِرَةَ وَالْأُوْلَى
ما نشاء من الأفعال التي من جملتها ما ذكرنا فيمَن أَعْطَى وفيمَن بَخِلَ. أو: إنَّ لنا
ذلك فتُثيب مَن اهتدى وأنجعَ فيه هدانا. أو: إنَّ لنا كلَّ ما في الدارين، فلا يضرُّنا
تَرْكُكُم الاهتداءَ وعدمُ انتفاعكم بهدانا، أو فلا ينفعنا اهتداؤكم كما لا يضرُّنا
ضلالكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَنْ ضَلَّ فإنما يَضِلُّ عليها .
(١) في هامش الأصل: والثلاثي منه رَدِيَ كفرح، أي: هلك.
(٢) في هامش الأصل: ويقال: رَدَى كَرَمَى، أي: سقط.

سُورَةُ اللَّيَّك
٨٨
الآية : ١٤ - ١٧
١٤
قيل: متفرٌِّ على كون الهدى عليه سبحانه، أي:
﴿فَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى
فهَدَيْتُكم بالإنذار وبالغتُ في هدايتكم.
وتلّى بمعنى تلتهب، وأصله: تتلّى بتاءين، فحذفتْ منه إحداهما، وقد قرأ
بذلك ابن الزبير وزيد بن علي وطلحة وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير(١).
﴿لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَثْقَى (
المراد به الکافر، فإنه أشقی من الفاسق، ویُفصِحُ
١٥
بذلك وَصْفُهُ بقوله تعالى: ﴿الَّذِى كَذَّبَ﴾ أي: بالحق ﴿وَتَوَ﴾ وأعرضَ عن الطاعة.
﴿وَسَيُجَتَُّهَا﴾ أي: سيُبْعَدُ عنها ﴿اَلْأَنْقَى﴾ المبالغُ في اتقاء الكفر والمعاصي،
فلا يحومُ حولَها .
واستُشكل بأنَّ صَلْيَ النارِ دخولُها، أو مقاساة حرِّها، وهو لازمُ دخولها على
المشهور، فالحصرُ السابق يقتضي أن لا يَصْلَى المؤمنُ العاصي النارَ؛ لأنه لیس
داخلاً في عموم الأشقى الموصوفِ بما ذُكِرَ، وأنَّ ((سيجنَبها الأتقى)) يقتضي
بمفهومه أنَّ غيرَ الأتقى - أعني التقي في الجملة، وهو المؤمنُ العاصي - لا يُجنَّبها،
بل يصلاها، فَبَيْنَ الحصرين مخالفةٌ.
وأجيب بأنَّ الصَّلْيَ ليس مطلقَ دخول النار، ولا مطلقَ مقاساة حَرِّها، بل هو
مقاساتُه على وجه الأشَدِّية(٢)، فقد نقل ابن المنير عن أئمة اللغة أنَّ الصَّلْيَ أن
يحفروا حفيرة، فيجمعوا فيها جَمْراً كثيراً، ثم يَعْمَدوا إلى شاةٍ فيدسُوها وَسْطَهُ بين
أطباقه(٣). فالمعنى: لا يُعذّبُ بين أطباقها، ولا يقاسي حَرَّها على وجه الأشدِّية
إلا الأشقى، وسيُبْعَدُ عنها الأتقى، فلا يدخلها، فضلاً عن مقاساة ذلك، فيلزمُ من
الأول أنَّ غيرَ الأشقى - وهو المؤمنُ العاصي - لا يُعذّبُ من أطباقها، ولا يقاسي
حَرَّها على وجه الأشدِّية، ولا يلزمُ منه أن لا يدخلها ولا يُعذَّبَ بها أصلاً، فيجوزُ
أن يدخلها ويُعذّب بها على وجهها عذاباً دون ذلك العذاب، ويلزمُ من الثاني أنَّ
-
(١) القراءات الشاذة ص١٧٤، والبحر ٤٨٤/٨.
(٢) جاء في هامش الأصل: ومن هنا اعْتَبَر فيه بعضهم اللزوم.
(٣) الانتصاف ٢٦٢/٤.

الآية : ١٧
٨٩
سُورَةُ اللَيِّ
غيرَ الأتقى لا يُجَّبها، ولا يلزمُ منه أنَّ غيره - أعني التقي في الجملة وهو المؤمن
العاصي - يصلاها ويُعذّبُ بين أطباقها أشدَّ العذاب، بل غايتُهُ أنه لا يُجنَبها، فيجوز
أن يدخلها ويُعذَّبَ بها على وجهها عذاباً ليس بالأشدِّ، فلا مخالفةً بين الحصرين.
واعتبر بعضُهم في الصَّلْي الأشدِّيةَ؛ لمَا ذكر، واللزومُ هنا لمقابلته بقوله تعالى:
(وَسَيُجَنَُّهَا) كذا قيل. واستُحسن جَعْلُ السين للتأكيد؛ ليكونَ المعنى: يُجَبها الأتقى
ولا بدَّ، فيفيدُ على القول بالمفهوم أنَّ غيرَهُ - وهو المؤمنُ العاصي - لا يُجَّبها ولا بدَّ،
على معنى أنه يجوزُ أن يُجنَّبها، ويجوزُ أن لا يُجتَّبها، بل يدخلها غيرَ صالٍ بها.
وقرَّرَ الزمخشريُّ الاستشكالَ بأنه قد عُلِم أنَّ كلَّ شقي يصلاها، وكلَّ تقي
يُجَّبها، لا يختصُّ الصَّلْي بأشقى الأشقياء، ولا التجنُّبُ والنجاةُ بأتقى الأتقياء،
وظاهر الجملتين ذلك. وأجاب بما حاصله أنَّ الحصرَ حيثُ كانت الآيةُ واردةً
للموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيمٍ من المؤمنين ادِّعائيٌّ مبالغةً
لا حقيقي، كأنَّ غيرَ هذاَ الأشقى غيرُ صالٍ، وَغيرَ هذا الأتقى غيرُ مجئَّبٍ
بالكلية(١). واستحسنه في ((الكشف)) فقال: هو معنَى حَسَنٌّ.
وأنت تعلم أنَّ مَبنَى ما قاله على الاعتزال وتخليدِ العصاة في النار.
وقال القاضي: إنَّ قوله تعالى: (لَا يَصْلَنَهَا) لا يدلُّ على أنه تعالى لا يُدخِلُ النارَ
إلا الكافر كما يقول المرجئة، وذلك لأنه تعالى نكَّر ((النار)) فيها، فالمراد أنَّ ناراً
من النيران لا يصلاها إلا مَنْ هذه حاله، والنارُ دركاتٌ على ما عُلِمَ من الآيات،
فمن أين عُرِفَ أنَّ هذه النار لا يصلاها قومٌ آخرون(٢)؟
وتعقّبه الزمخشريُّ بأنه ما يصنعُ عليه بقوله تعالى: (وَسَيُجَنَّهَا الْأَنْقَى)؟ فقد عُلِمَ
أنَّ أَفسقَ المسلمين يُجنَّبُ تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصةً(٣).
(١) الكشاف ٤/ ٢٦٢.
(٢) جاء في هامش الأصل: ونقل في التفسير الكبير عنه كلاماً أطول من هذا وضعَّفه فارجع
إليه. اهـ، وينظر التفسير الكبير ٢٠٣/٣١-٢٠٤.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٦٢.

سُوَّةُ اللَّيَِّك
٩٠
الآية : ١٧
وأجيب بأنه لعلَّ هذا القائلَ لا يقول بمفهوم الصفة ونحوها، فلا تفيدُ الآية
المذكورةُ عنده الحصرَ، ويكونُ تمييزُ هذا الأتقى عنده بمجموع التجنُّب وما سيُذْكَرُ
بعدُ، ولعلَّ كلَّ مَنْ لا يقولُ بالمفهوم لا يُشكِلُ عليه الأمر إلا أمر الحصر في
((لا يصلاها)) إلخ، فإنه كالنصِّ في بادئ النظر فيما يدَّعيه المرجئة؛ لِحَمْلِهِمُ الصَّلْيَ
فيه على مطلق الدخول، وأيَّدوه بما أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن
أبي هريرة(١) قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يدخل النارَ إلا مَن شَقِيَ)) قيل: ومَنِ
الشقي؟ قال: ((الذي لا يعمل لله تعالى طاعة، ولا يترك الله تعالى معصية)) وهذا
الخبرُ ونحوه من الأخبار مما يستندون إليه في تحقيق دعواهم، وأهلُ السنة يُؤْوِّلون
ما صحَّ من ذلك؛ للنصوص الدالة على تعذيب بعضٍ ممن ارتكب الكبيرة على
ما بيِّنَ في موضعه.
وقيل في الجواب: إنَّ المراد بالأشقى والأتقى الشقيُّ والتقيُّ. وشاعَ أفعلُ في
مثل ذلك، ومنه قول طرفة :
تمثَّى رجالٌ أن أموتَ فإن أمت فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأَوْحَدٍ (٢)
فإنه أراد: بواحد.
واعتُرض بأنه لا يَحْسِمُ مادةَ الإشكال؛ إذ ذلك الشقي في الآية ليس إلا الكافرَ،
فيلزمُ الحصرَ أن لا يدخلَ النارَ، أو لا يُعذَّبَ بها غيره، مع أنه خلافُ المذهب
الحقّ، وأيضاً إنَّ ذلك التقي فيها قد وُصِفَ بما وُصِفَ، فعلى القول بالمفهوم يلزمُ
أن لا يُجَبها التقيُّ الغيرُ الموصوف بذلك، كالتقيِّ الذي لا مال له، وكغير
المكلَّفين من الأطفال والمجانين، مع أنَّ الحقَّ أنهم يُجَّبونها. وقيل غير ذلك.
ولعلَّكَ بعد الاطلاع عليه وتدقيق النظر في جميع ما قيل، واستحضارٍ ما عليه
الجماعة في أهل الجمع تستحسنُ - إن قلت بالمفهوم - ما استحسنه صاحبُ
(١) أحمد (٨٥٩٤)، وابن ماجه (٤٢٩٨).
(٢) مجاز القرآن ٣٠١/٢، وتفسير الطبري ٤٧٨/٢٤، وليس في ديوان طرفة. ونسبه الأخفش
في الاختيارين ص١٦١ لمالك بن القين. وهو في ديوان عبيد بن الأبرص ص٦٨ برواية:
تمنى مُرَيُ القيس موتي وإن أمت ....

الآية : ١٨
٩١
سُورَةُ اللَيَِّ
((الكشف)) مما مرَّ عن الزمخشري، وإن لم تكن ممن يقولُ بتخليد أهل الكبائر من
المؤمنين، فتأمل.
وجنَّب يتعدَّى إلى مفعولين، فالضميرُ هاهنا المفعولُ الثاني، والأتقى المفعولُ
الأول، وهو النائبُ عن الفاعل، ويقال: جنبَ فلانٌ خيراً وجنبَ شرًّا، وإذا أُطلقَ
فقيلَ: جنبَ فلانٌ، فمعناه على ما قال الراغب(١): أُبعِدَ عن الخير، وأصل جنبته
كما قيل: جعلتُهُ على جانبٍ منه، وكثيراً ما يُرادُ منه التبعيدُ، ومنه ما هنا، ولذا
قلنا: أي: سُبْعَدُ عنها الأتقى.
﴿الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ﴾ أي: يعطيه ويصرفه ﴿يَتَزَّ﴾ طالباً أن يكون عند الله تعالى
زاكياً نامياً، لا يريد به رياءً ولا سمعةً، أو متطهراً من الذنوب. فالجملةُ نَصْبٌ على
الحال من ضمير ((يؤتي)).
وجُوِّزَ أن تكون بدلاً من الصلة، فلا محلَّ لها من الإعراب. وجُوِّز أيضاً أن
يكون الفعل وحده بدلاً من الفعل السابق وحده.
واعتُرض كلا الوجهين بأنَّ البدلَ من قسم التابع المعرَّفِ بـ : كلّ ثانٍ أُعرب
بإعراب سابقه، ولا إعرابَ للصلة حتى يثبتَ لها تابعٌ فيه، وسببُ الإعراب - وهو
الرفعُ - في الفعل متوفرٌ مع قَطْعِ النظر عن التبعية، وهو على المشهور تجرُّدُهُ عن
الناصب والجازم، فليس معرباً بإعراب سابقه لظهور ذلك في كون إعرابه للتبعية،
وهو هنا ليس لها بل للتجرد.
وأجيب مع الإغماض عمّا في ذلك التعريف مما نبّه على بعضه الرضيُّ:
أما عن الأول: فبأنَّ المرادَ: أُعرب بإعرابٍ سابقه إن كان له إعرابٌ، أو بأنَّ
المرادَ: أُعرب بإعراب سابقه وجوداً وعَدَماً. وقيل: إطلاقُ التابع على ذلك ونحوه
من الحرف والفعل الغير المعرب مجازٌ من حيث إنه مشابهٌ للتابع لموافقته لسابقه
فیما له.
(١) في المفردات (جنب).

سُورَةُ الليك
٩٢
الآية : ١٩
وأما عن الثاني: فبأنَّ الشيءَ قد يُقصَدُ لشيءٍ وإن كان متحقِّقاً قبل ذلك
الشيء لأمرٍ آخر، كألف التثنية وواو الجمع، فإنه يُؤْتَى بهما للدلالة على التثنية
والجمع، فيتحقَّقان، ويأتي عاملُ الرفع على المثنَّى والمجموع، وهما فيهما قبله
فيُقصَدان له.
وقال السيد عيسى(١): المراد بقولهم: كلُّ ثان أُعرب .. إلخ: كلُّ ثانٍ أعرب
لو لم يكن مُعرَباً. فتدبّر ولا تغفل.
وجُوِّزَ أن يكون ((يتزَّى)) بتقدير: لأَنْ يتزَّى، متعلِّقاً بـ ((يُؤتي)) علَّة له، ثم
حُذفتِ اللامُ، وحَذْفُها من ((أنَّ)) و((أنْ)) شائعٌ، ثم حُذفتِ ((أن)) فارتفع الفعلُ أو بقي
منصوباً، كما في قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الوغى(٢)
فقد روي برفع ((أحضرُ)) وبنَصْبه، وقيل: إنه بتقدير: لأن، أو: عن أن أحضرَ،
فصُنِعَ فیه نحو ما سمعت.
وأيًّا ما كان يدلُّ الكلامُ على أنَّ المرادَ بإيتائه صرفُهُ في وجوه البرِّ والخير.
وقرأ الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﴿ه: ((يزََّّى)) بإدغام
التاء في الزاي(٣).
· استئنافٌ مقرِّرٌ لما أفاده الكلام السابق من
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ ®َـ
كون إيتائه للتزكِّي خالصاً لله تعالى، أي: ليس لأحدٍ عنده نعمةٌ من شأنها أن تُجزى
وتكافأ، فيقصد بإيتاء ما يُؤتي مجازاتها. ويُعلَمُ مما ذُكِرَ أنَّ بناءَ ((تُجزى)) للمفعول
(١) لعله: عيسى بن محمد بن عبيد الله، أبو الخير، قطب الدين الحسني الحسيني الإيجي
الشافعي الصوفي، المعروف بالصفوي نسبة إلى ((صفي الدين)) جدّه لأمه. له: تفسير جزء
((عمّ)، وشرح الكافية لابن الحاجب، وغيرهما. (ت ٩٥٣هـ). شذرات الذهب ٤٢٧/١٠،
والأعلام ١٠٨/٥ .
(٢) ديوان طرفة ص ٣٢، وسلف عند تفسير الآية (٨٣) من سورة البقرة.
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٤ وفيه: الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن علي بن
أبي طالب، والكلام من البحر ٤٨٤/٨ .

الآية : ٢٠
٩٣
سُورَةُ الليك
لأنَّ القَصْدَ ليس لفاعلٍ مُعيَّنٍ. وقيل: إنَّ ذلك لكونه فاصلةً، وأصله: يُجزيه إياها،
أو يُجزيها إياه.
منصوبٌ على الاستثناء المنقطع من ((نعمة))؛ لأنَّ
﴿إِلَّا آبشِفَ وَجْهِ رَبِّهِ اٌلْأَعْلَ فَـ
الابتغاءَ لا يندرجُ فيها، فالمعنى: لكنه فَعَلَ ذلك لابتغاء وجه ربِّهِ سبحانه، وطَلَبٍ
رضاه عزَّ وجلَّ، لا لمكافأة نعمه.
وقرأ يحيى بن وثاب: ((ابتغاءُ)) بالرفع(١) على البدل من محلِّ ((من نعمة))، فإنه
الرفع إما على الفاعلية، أو على الابتداء، و((من)) مزيدةٌ، والرفع في مثل ذلك لغة
تميم، وعليها قوله:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ(٢)
وروي بالرفع والنصب - على ما في ((البحر))(٣) - قولُ بشر بن أبي خازم:
إلا الجآذر والظُلْمان تختلفُ (٤)
أَضْحَتْ خَلاءً قِفاراً لا أنیسَ بها
وجُوِّزَ أن يكون نَصْبُهُ على أنه مفعولٌ له على المعنى؛ لأنَّ معنى الكلام:
لا يُؤتي ماله لأجل شيءٍ من الأشياء إلا لأجل طَلَبٍ رضا ربه عزَّ وجلَّ، لا لمكافأةٍ
نعمةٍ. فهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ العِلَل والأسباب، وإنما أوِّلَ لأنَّ الكلامَ - أعني
(يُؤتي ماله)) - مُوجبٌ، والاستثناءُ المفرَّغُ يختصُّ بالنفي عند الجمهور، لكنه لَمَّا
عقَّب بقوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ) وقد قال سبحانه أولاً: (يَتَزََّ) متضمِّناً نفيَ الرياء
والسُّمعة، دلَّ على المعنى المذكور.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((إلا ابتغا)) مقصورٌ(٥)، وفيه احتمالُ النَّصب والرفع.
(١) القراءات الشاذة ص١٧٤، والبحر ٨/ ٤٨٤.
(٢) البيت لجران العَوْد النميري، وهو في ديوانه ص٩٧، وسلف ٢٦٣/١٣.
(٣) ٨/ ٤٨٤.
(٤) ديوان بشر ص١٥٨ ووقع فيه: الجوازئ، بدل: الجآذر، والجآذر: جمع جُؤْذُر - وتفتح
الذال ـ وهو ولد البقر الوحشي. والجوازئ: الوحش. والظلمان: جمع ظليم. وهو الذكر
من النعام. القاموس (جذر) و(جزأ) و(ظلم).
(٥) القراءات الشاذة ص١٧٤، والبحر ٨ /٤٨٤.

سُورَةُ اللَيِّ
٩٤
الآية : ٢١
وهذه الآياتُ على ما سمعتَ نزلتْ في أبي بكر ظُه؛ لِمَا أنه كان يعتِقُ رقاباً
ضعافاً، فقال له أبوه ما قال، وأجابه هو بما أجاب، وقد أوضحتُ ما أبهمه
في قوله فيه: إنما أُريد ما أُريد (١). وفي رواية ابن جرير وابن عساكر(٢) أنه قال:
أيْ أَبَهْ، إنما أُريد ما عند الله تعالى. وفي رواية عطاء والضحاك عن ابن عباس
أنه رَظُّهِ اشترى بلالاً - وكان رقيقاً لأمية بن خلف يُعذِّبه لإسلامه - برِظْلٍ من ذهب،
فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا لِيَدٍ كانت له عنده، فنزلت(٣).
وهو ◌َّه أحدُ الذين عُذِّبُوا لإسلامهم، فاشتراهم الصِّدِّيقُ وأعتقهم، فقد أخرج ابن
أبي حاتم عن عروةَ أنَّ أبا بكرٍ ظَبه أعتقَ سبعةً كلّهم يُعذّبُ في الله عزَّ وجلَّ:
بلالٌ، وعامرُ بن فهيرة، والنهديةُ، وابنتها، ودنيرةُ، وأم عبيس، وأمةُ بني المؤمل.
وفيه نزلت: (وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَىَ) إلى آخر السورةُ(٤)، واستدلَّ بذلك الإمامُ(٥) على
أنه رَُّبه أفضلُ الأمة، وذكر أنَّ في الآيات ما يأبى قولُ الشيعة: إنها في عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه، وأطالَ الكلام في ذلك، وأتى بما لا يخلو عن قيل وقال.
جوابُ قَسَمِ مُضْمَرٍ، أي: وبالله لسوف یرضی،
قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (®
والضميرُ فيه للأتقى المحدَّث عنه، وهو وَعْدٌ كريمٌ بنَيل جميع ما يبتغيه على أكمل
الوجوه وأجملها؛ إذ به يتحقَّقُ الرضا.
وجوَّز الإمام كونَ الضمير للربِّ تعالى، حيث قال بعد أن فَسَّر الجملةَ على
رجوعه للأتقى: وفيه عندي وجهٌ آخر، وهو أنَّ المراد أنه ما أنفق إلا لِطَلَبٍ
رضوان الله تعالى، ولسوف يرضى الله تعالى عنه، وهذا عندي أعظمُ من الأول؛
لأنَّ رضا الله سبحانه عن عبده أكملُ للعبد من رضاه عن ربه عزَّ وجلَّ، وبالجملة
فلا بدَّ من حصول الأمرين كما قال سبحانه: ﴿رَضِيَةٌ تَّهِيَّةً﴾(٦) [الفجر: ٢٨] انتهى.
(١) لم يتكلم فيما سلف بشيء عن هذا، ينظر ص٨٣ من هذا الجزء.
(٢) ابن جرير ٢٤/ ٤٦٦، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٩/٣٠.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٨٨ .
(٤) عزاه له السيوطي في الدر ٦/ ٣٥٩، وفيه: زنيرة وأم عيسى، بدل: دنيرة وأم عبيس.
(٥) في تفسيره ٢٠٥/٣١.
(٦) التفسير الكبير ٢٠٧/٣١.

الآية : ٢١
٩٥
سُوَّةُ اللَيَلِك
والظاهرُ هو الأولُ، وقد قرئ: ((ولسوف يُرْضى)) بالبناء للمفعول من
الإرضاء(١)، وما أشار إليه في معنى ((راضية مرضية)) غيرُ متعيِّنٍ كما سمعتَ، وفي
هذه الجملة كلامٌ يُعلَمُ مما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
(١) البحر المحيط ٤٨٤/٨.

سُورَةُ الضّعى
مكِّيَّةٌ، وآيُها إحدى عشرةَ آية بلا خلافٍ. ولَمَّا ذكر سبحانه فيما قبلَها:
﴿وَسَيُجَُّهَا الْأَنْقَى ﴾ [الليل: ١٧] وكان سيِّدَ الأتقين رسولُ اللهِ وَِّ عقَّبَ سبحانه
ذلك بذكر نعمه عزَّ وجلَّ عليه وَله .
وقال الإمام(١): لما كانت الأُولَى سورة أبي بكر ﴿ه، وهذه سورةُ
رسول الله وَّهِ، عقَّب جلَّ وعلا بها، ولم يجعل بينهما واسطةً؛ ليُعْلَم أن لا واسطةَ
بین رسوله ﴾ والصدیق ضائه.
وتقديمُ سورة الصديق على سورته عليه الصلاة والسلام لا يدلُّ على أفضليَّته
منه وَل﴿، ألا ترى أنَّه تعالى أقسمَ أوَّلاً بشيءٍ من مخلوقاته سبحانه، ثم أقسم بنفسه
عزَّ وجلَّ في عِدَّة مواضع، منها السورةُ السابقة على ما علمت، والخدمُ قد تتقدَّم
بين يدي السادة، وكثيرٌ من السُّنَن أُمِرَ بتقديمه على فروض العبادة، ولا يضرُّ النَّوْرَ
تأخّره عن أغصانه، ولا السِّنَان كونه في أطراف مُرَّانه (٢). ثمّ إنَّ ما ذكره زهرةٌ ربيعِ
لا تتحمَّل الفركَ كما لا يخفى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقدَّم الكلام فيه، والمراد به هنا وقتُ ارتفاع الشمس الذي يلي
﴿وَالضُّحَى
وقتَ بروزها للناظرين، دون ضوئها وارتفاعها؛ لأنَّه أنسبُ بما بعد. وتخصيصُه
(١) في التفسير الكبير ٢٠٩/٣١.
(٢) المران: الرماح. مختار الصحاح (مرن).

الآية : ٢
٩٧
سُؤَّةُ الصَّعَى
بالإقسام به لأنَّه شبابُ النهار، وقُوَّتُهُ(١) فيه قوَّةٌ غيرُ قريبةٍ من ضِدِّها، ولذا عُدَّ شرفاً
يوميًّا للشمس وسعداً، ولأنَّه - على ما قالوا - الساعةُ التي كلَّم الله تعالى فيها موسى
عليه السلام، وأُلقي فيه السحرةُ سُجَّداً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه:
٥٩] ففيه مناسبةٌ للمقسَم عليه، وهو أنَّه تعالى لم يترك النبيَّ وَّة، ولم تفارقه ألطافُه
تعالی وتکلیمُه سبحانه.
وقيل: المراد به النهار، كما في قوله تعالى: ﴿يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ﴾
[الأعراف: ٩٨].
واعتُرِض بالفَرْق، فإِنَّه وقع هناك في مقابلة البيات، وهو مطلقُ الليل، وهنا في
مقابلة الليل مقيَّداً معنًى باشتداد ظلمته، فالمناسب أن يُراد به وقتُ ارتفاعه وقوَّة
إضاءته .
وأجيبَ بمنع دلالة القيد على الاشتداد، وستسمعُ إن شاء الله تعالى ما في
ذلك.
وأيًّا ما كان، فالظاهرُ أنَّ المراد الجنس، أي: وجنس الضحى.
﴿وَلَّيْلِ﴾ أي: وجنس الليل ﴿إِذَا سَجَى﴾ أي: سكن أهلُه، على أنَّه من السجو،
وهو السكونُ مطلقاً كما قال غيرُ واحد، والإسنادُ مجازيٌّ، أو هو على تقدير
المضاف كما قيل، ونحوه ما رُوي عن قتادةً، أي: سكنَ الناس والأصوات فيه.
وهذا يكون في الغالب فيما بين طرفيه، أو بعد مُضِيِّ برهةٍ من أوَّله.
أو: ركد ظلامه، من سجا البحر: سكنت أمواجه، قال الأعشى:
وما ذنبنا أن جاشَ بحرُ ابن عمِّكم وبحركَ سَاجٍ لا يُؤَاري الدَّعامِصا(٢)
فالسجو - قيل - على هذا في الأصل: سكون الأمواج، ثم عَمَّ. والمراد
(١) في (م): وقوله، وهو تصحيف.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصُّه: جمع دعموص، وهو دودة سوداء تتحرك دائماً على وجه
الماء. اهـ منه.
والبيت في ديوان الأعشى ص٢٠١، وفيه: أتوعدني. بدل: وما ذنبنا.

سُورَةُ الضّعَى
٩٨
الآية : ٢
بسكون ظلامه عدمُ تغيُّره بالاشتداد والتنَزّل، أي: فيما يحسُّ ويظهر، وذلك إذا
كمل حسَّا بوصول الشمس إلى سَمْتِ القدم وقُبيلَه وبُعيدَه، وصرَّح باعتبار الاشتداد
ابنُ الأعرابيّ حيث قال: سجا الليل: اشتدَّ ظلامُه.
وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن ابن جبير أنَّه قال: أي: إذا أقبل فغظَّى كلَّ
شيء(١).
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفيّ عن ابن عباس تفسير ((سجا))
بـ : أقبل (٢)، بدون ذكر التغطية، وأخرجا هما وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً
أنه قال: ((إذا سجا)»: إذا ذهب (٣).
وكلا التفسيرين خلافُ المشهور.
وشاعَ: ليلٌ ساكن أو ساج، لِمَا لا ريح فيه، ووصفُه بذلك - أعني
السكون - قيل: على الحقيقة، كما إذا قيل: ليلٌ لا ريح فيه، ولا يقال: إنَّ الساكن
هو الريح بالحقيقة؛ لأنَّ السكونَ عليها حقيقةً محالٌ؛ لأنَّه هواءٌ متحرٌِّ، ثمَّ إِنَّهم
یقولونہ لِما لا ریحَ فیه، لا لما سکن ريحُه.
والتحقيق أن يقال: إنَّ السكونَ على تفسيريه - أعني: عدم الحركة عمَّا من شأنه
الحركة، أو كونين في حيِّزٍ واحد - لا يصحُّ على الليل؛ لأنَّه زمانٌ خاصٌّ، لكن لَمَّا
كان سكونُ الهواء بمنزلة عَدَمٍ له في العرف العامِّيّ؛ لعدم الإحساس، أو لتضمُّنه
عدم الريح لا الهواء، قيل: لَيلٌ ساجٍ وساكنٌ، وصف الليل على الحقيقة، أي:
لا إسنادَ فيه إلى غير ملائم، على أنَّهَ يحتملُ أن يجعل السكونُ بهذا المعنى حقيقةً
عرفيَّةً، وجُوِّزَ حملُ ما في الآية على هذا الشائع، ولعلَّ التقييد بذلك لأنَّ الليلَ
الذي لا ريحَ فيه أبعدُ عن الغوائل.
وقد ذكر بعض الفقهاء أنَّ الريحَ الشديدةَ ليلاً عذرٌ من أعذار الجماعة.
(١) الدر المنثور ٣٦١/٦. وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٢) الدر المنثور ٦/ ٣٦٠-٣٦١، وهو في تفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٢.
(٣) الدر المنثور ٣٦١/٦، وهو في تفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٢.

الآية : ٢
٩٩
سورة الضحى
ونُقل عن قتادة ومقاتل أنَّ المرادَ بالضحى هو الضحى الذي كَلَّم الله تعالى فيه
موسى عليه السلام، وبالليل ليلة المعراج.
ومن الناس من فسَّر الضحى بوجهه وَّر، والليل بشعره عليه الصلاة والسلام،
كما ذكر الإمام، وقال: لا استبعاد فيه (١). وهو كما ترى، ومثله ما قيل: الضحى
ذكورُ أهل بيته عليه الصلاة والسلام، والليل إناثهم.
وقال الإمام: يحتمل أن يقال: الضحى رسالتُهُ وَّه، والليل زمانُ احتباس
الوحي فيه؛ لأن في حال النزول حصلَ الاستئناس، وفي زمان الاحتباس حصل
الاستيحاش(٢)، أو الضحى نورُ علمه تعالى الذي يعرف [به] المستور من الغيوب،
والليل عفوه تعالى الذي به يسترُ جميع العيوب، أو الضحى إقبالُ الإسلام بعد أنْ
كان غريباً، والليل إشارةٌ إلى أنَّه سيعود غريباً، أو الضحى كمالُ العقل، والليلُ
حال الموت، أو الضحى علانيته عليه الصلاة والسلام التي لا يَرى الخلقُ عليها
عيباً، والليل سرُّهُ وَّوَ لا يعلم عالمُ الغيب عليها عيباً(٣). انتهى.
ولا يخفى أنَّه ليس من التفسير في شيء، وبابُ التأويل والإشارة يدخلُ فيه أكثرُ
من ذلك.
وتقديمُ الضحى على الليل - بناءً على ما قلنا أوَّلاً - لرعاية شرفه لما فيه من
ظهور زيادةِ النور، وللنور شرفٌ ذاتيٌّ على الظلمة لكونه وجوديًّا، أو لكثرة منافعه،
أو لمناسبته لعالم الملائكة، فإنَّها نورانيَّةٌ، وتقديمُ الليل في السورة السابقة لما فيه
من الظلمة التي هي لعدميتها أصلٌ للنور الحادث بإزالتها لأسبابٍ حادثة.
(١) تفسير الرازي ٢١٠/٣١.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: اختلف في أمر الليل والنهار، فقيل: النهار أفضل بدليل أنَّ
فيه ثلاث صلوات مفروضات، وقيل: الليل أفضل بدليل أن فيه كان المعراج. وقيل: إنَّ الله
تعالى جَمَع ما في الجنة من ظلمةٍ، فخلق منها الليل، ولذا يستراحُ فيه، وجَمَعَ ما في النار
من ضياءٍ، فخلق منه النهار، ولذا يُكَدُّ ويتعبُ فيه، فالليل لذلك أفضلُ من النهار. وهو
کما تری ولا یکاد یصح. اهـ منه.
(٣) تفسير الرازي ٢١٠/٣١. وما سلف بين حاصرتين منه.

سُورَةُ الضّعى
١٠٠
الآية : ٢
وقيل: تقديمه هناك؛ لأنَّ السورةَ في أبي بكر، وهو قد سبقَه كُفْرٌ، وتقديم
الضحى هنا لأنَّ السورة في رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو وٍَّ لم يسبقهُ
ذلك.
وتخصيصه تعالى الوقتين بالإقسام، قيل: ليشيرَ سبحانه بحالهما إلى حال ما وَقع
له عليه الصلاة والسلام، ويؤيِّدَ عزَّ وجلَّ نفيَ ما تُوهِّم فيه، فكأنَّه تعالى يقول:
الزمانُ ساعةٌ فساعة، ساعةٌ ليلٌ وساعةٌ نهار، ثمَّ تارةً تزدادُ ساعات الليل وتنقصُ
ساعاتُ النهار، وأخرى بالعكس، فلا الزيادةُ لهوّى ولا النقصان لقِلَى، بل كلٌّ
لحكمةٍ، وكذا أمرُ الوحي: مرةً إنزال، وأخرى حبس، فلا كان الإنزالُ عن ھوّی
ولا الحبسُ عن قِلَى، بل كلٌّ لحكمةٍ.
وقيل: ليسلِّي عزَّ وجلَّ بحالهما حبيبَه عليه الصلاة والسلام، كأنَّه سبحانه
يقولُ: انظر إلى هذين المتجاورين، لا يسلمُ أحدهما من الآخر، بل الليلُ يغلبُ
تارةً، والنهارُ أخرى، فكيف تطمعُ أن تَسْلَمَ من الخلق.
والقولان مبنيَّان على أنَّ المراد بالضحى النهارُ كلُّه، وبالليل إذا سجى جميعُ
الليل. وتخصيصُ الضحى على ما سمعت أوَّلاً لما سمعت، وتخصيصُ الليل بناءً
على أنَّ المرادَ وقتُ اشتداد الظلمة، قيل: لأنَّه وقتُ خلوِّ المحبِّ بالمحبوب،
والأمنِ من کلِّ واشٍ ورقيب.
وقال الطيبيُّ طَيَّبَ الله تعالى ثراه في ذلك: إنَّه تعالى أقسمَ له بَّه بوقتين فيهما
صَلاتُه عليه الصلاة والسلام التي جُعِلت قرَّةَ عينه، وسببَ مزيد قربه وأنسه؛ أمَّا
الضحى، فلِمَا رواه الدارقطنيُّ في ((المجتبى)) (١) عن ابن عباس مرفوعاً: ((كتب عليَّ
النحرُ ولم يُكتَب عليكم، وأُمِرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها))(٢). وأمَّا الليل
فلقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] إرغاماً لأعدائه
(١) واسمه: ((المجتبى من السنن المأثورة)) وأخرجه الدار قطني أيضاً في السنن كما سيرد.
(٢) سنن الدارقطني (٤٧٥١)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٩١٧)، وفي إسناده جابر الجعفي، وهو
ضعيف. وينظر التلخيص الحبير ١١٨/٣.