Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٣٠
٤١
سُورَةُ الفَجْزِ
بئر رُومة، وجعلها سقايةً للناس(١).
وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب.
وقيل: نزلت في خُبيب بن عدي الذي صَلَبَهُ أهلُ مكة، وجعلوا وجهه إلى
المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ، فحوِّلْ وجهي نحو قبلتك، فحوَّل الله
تعالىٍوجهه نحوها، فلم يستطع أحدٌ أن يُحوِّله بعدُ(٢).
فتفسير النفس المذكورة بأحد هؤلاء المذكورين كما نُقِلَ عن بعضٍ من باب
التمثيل، وأنَّ صورةَ السبب قطعيةُ الدخول، وينبغي أن يُحمَلَ قولُ ابن عباس في
تلك النفس كما أخرجه عنه ابن مردويه: هو النبيُّ وَلي(٣)، على نحو ذلك.
وأشعرت الآية على بعض أوجهها بأنَّ الأرواحَ مخلوقةٌ قبلَ الأبدان، ومقرُّها إذ
ذاك في عالم الملكوت، والخلافُ في المسألة شهيرٌ، وجمهورُ المتكلِّمين على أنها
مخلوقةٌ عند استعداد الأبدان لها، وكذا أفلاطون وأصحابه.
وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح وأبو شيخ
واليماني: ((في عبدي)) على الإفراد (٤)، واستُظهر أنَّ المراد الجنسُ كما في ((النفس)).
وللسادة الصوفية قُدِّستْ نفوسُهم كلامٌ طويلٌ في تقسيم مراتب النفس، وقالوا:
إِنَّ الآيةَ متضمّنةٌ لمراتبَ ثلاثٍ منها: المطمئنَّةُ والراضيةُ والمرضيةُ، وفسَّروا كلَّا
بما فسَّروه، فمَنْ أراده فليرجع إليه في كتبهم، وأنا أقول كما علَّم رسول الله وله
بعض الصحابة على ما أخرج الطبراني وابن عساكر(٥) عن أبي أمامة صوته: ((اللهم
إني أسألك نفساً مطمئنةً تؤمنُ بلقائك، وترضى بقضائك، وتَقْنَعُ بعطائك)).
(١) الدر المنثور ٦/ ٣٥٠، وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) الكشاف ٢٥٤/٤، والبحر ٨/ ٤٧٢ .
(٣) الدر المنثور ٣٥٠/٦.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٧٣، والمحتسب ٣٦٠/٢، والبحر ٤٧٢/٨، وأبو شيخ، هو الهُنَائي
البصري، قيل: اسمه حيوان - بالمهملة أو المعجمة - بن خالد. التقريب ص ٥٧١.
(٥) المعجم الكبير (٧٤٩٠)، وتاريخ ابن عساكر ٨١/٣٥.
1

سُورَةُ التَّلَدَ
مکیةٌ في قول الجمهور بتمامها .
وقيل: مدنيةٌ بتمامها. وقيل: مدنيةٌ إلا أربعَ آيات من أولها. واعتُرض
كلا القولين بأنه يأباهما قوله تعالى: (ِهَذَا الْبَلَدِ) قيل: ولقوة الاعتراض ادَّعى
الزمخشريُّ الإجماعَ على مكيتها (١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنَّ في بعض الأخبار
ما هو ظاهرٌ في نزول صَدْرها بمكة بعد الفتح.
وهي عشرون آيةً بلا خلاف، ولَمَّا ذمَّ سبحانه فيما قبلها مَنْ أَحَبَّ المالَ وأكلَ
التراث أَكْلاً لَمًّا، ولم يحضَّ على طعام المسكين، ذَكَرَ جلَّ وعلا فيها الخصالَ
التي تُطلَبُ من صاحب المال؛ من فَكِّ الرقبة، وإطعامٍ في يومٍ ذي مَسْغبة، وكذا
لَمّا ذَكَرَ عزَّ وجلَّ النفسَ المطمئنّة هناك، ذَكَرَ سبحانه هاهنا بعضَ ما يحصلُ به
الاطمئنانُ فقال عزَّ قائلاً:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لََّ أُقِْمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾﴾ أَقْسَمَ سبحانه بالبلد الحرام - أعني: مكة، فإنه المراد
بالمشار إليه بالإجماع - وما عطف عليه على [أنَّ](٢) الإنسانَ خُلِقَ مغموراً في
مكابدة المشاقٌ ومعاناة الشدائد.
(١) الكشاف ٤/ ٢٥٤.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٩/ ١٦٠.

الآية : ٢
٤٣
سُورَةُ الَّلَدَ
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَدِ ﴾﴾ على ما اختاره في ((الكشاف)) (١)
اعتراضٌ بين القَسَمِ وجوابه، وفيه تحقيقُ مضمونه بذِكْرٍ بعض المكابدة على نهج
براعة الاستهلال، وإدماجُ لسوء صنيع المشركين ليُصرِّح بذمِّهم، على أنَّ الحِلَّ
بمعنى المستَحَلّ - بزنة المفعول - الذي لا يُحتَرم، فكأنه قيل: ومن المكابدة أنَّ
مثلَكَ على عِظَم حُرْمته يُستَحلُّ بهذا البلد الحرام ولا يُحتَرم، كما يُسْتَحَلُّ الصيدُ في
غير الحرم. عن شُرَحبيل بن سعد: يُحرِّمون أن يقتلوا به صيداً، ويَعضِدوا شجرةٌ،
ويستحلُّون إخراجَكَ وقتلَكَ.
وفي تأكيد كون الإنسان في كَبَدٍ بالقَسَم تثبيتٌ لرسول الله وَّةِ، ويَعْثُ على أنْ
يُطَامِنَ نفسَه الكريمة على احتماله، فإنَّ ذلك قَدَرٌ محتومٌ.
وجُوِّزَ أن يكون الحِلُّ بمعنى الحلال ضدّ الحرام، قال ابن عباس فيما أخرجه
عنه ابن جرير وغيره: وأنت يا محمدُ يَحِلُّ لك أنْ تقاتلَ به، وأما غيرك فلا(٢).
وقال مجاهد: أَحلَّه الله تعالى له عليه الصلاة والسلام ساعةً من نهار، وقال
سبحانه له: ما صنعتَ فيه من شيءٍ فأنت في حِلٌّ لا تؤاخذ به.
وروي نحوُ ذلك عن أبي صالح، وقتادة، وعطية، وابن زيد، والحسن،
والضحاك ولفظه: يقولُ سبحانه: أنت حِلٌّ بالحرم، فاقتلْ إن شئتَ أو دَعْ.
وذلك يوم الفتح، وقد قَتَلَ بَله يومئذ عبد الله بن خَطَل، وهو الذي كانت قريشٌ
تُسمِّيه ذا القلبين، قدَّمه أبو برزة سعيد بن حرب الأسلمي، فضَرب بأمره وَلِّ عنقَه.
وهو متعلّقٌ بأستار الكعبة، وكان قد أظهر الإسلام، وكتب لرسول الله وَله شيئاً من
الوحي، فارتدَّ وشَنَّع على رسول الله وَّهِ بأنَّ ما يُمليه من القرآن منه عليه الصلاة
والسلام، لا من الله تعالى.
وقتل غيره أيضاً كما هو مذكورٌ في كتب السير.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله تعالى حرَّمَ مكة يوم خَلَقَ السماوات
(١) ٤ / ٢٥٥.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٠٣ .

سُورَةُ التَّلَدَ
٤٤
الآية : ٢
والأرض، فهي حرامٌ إلى أن تقومَ الساعة، لا تَحِلُّ لأحدٍ قبلي، ولن تَحِلَّ لأحدٍ
بعدي، ولم تَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، فلا يُعضَدُ شجرها، ولا يُخْتَلى خلاها،
ولا يُنفَّر صيدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لمنشدٍ)) فقال العباس: يا رسول الله
إلا الإذْخِرَ، فإنه لِقُيوننا وقبورنا وبيوتنا. فقال عليه الصلاة والسلام:
((إلا الإذخِرَ))(١).
وتقديم المسند إليه على هذا للاختصاص كما أُشير إليه في خبر ابن عباس.
و((حِلٌّ) على معنى الاستقبال بناءً على أنَّ نزولَ السورة قبل الهجرة التي هي قبل
الفتح بكثيرٍ، وفي خبرٍ رواه عبد بن حميد(٢) عن ابن جبير ما هو ظاهرٌ في أنَّ الآيةَ
نزلت بعد أن ضَرَبَ أبو برزةَ عُنُقَ ابن خَطَل يوم الفتح، فإن صحَّ لا يكون في معنى
الاستقبال، لكنَّ الجمهورَ على الأول.
وفي تعظيم المُقْسَم به وتوكيد المُقْسَم عليه بالإقسام توكيدٌ لما سيق له الكلام،
وهو - على ما ذُكر - أنَّ عاقبةَ الاحتمال والمكابدة إلى الفتح والظّفَرِ، والغرضُ
تسليته وَّ، ثم ترشيحُها بالتصريح بما سيكون من الغَلَبة، وتعظيمُ البلد يدلُّ على
تعظيم مَنْ أُحِلَّ له، وفي الإقسام به توطئةٌ للتسلية؛ لأنَّ تعظيمَ البلد تعظيمٌ للساكن
فيه .
وجُوِّز أن يكون الحِلُّ على نحو ما ذُكِرَ في هذا الوجه، لكنَّ المعنى: وأنت
حِلٌّ بهذا البلد مما يقترفه أهله من المآثم، مُتَحَرّجٌ بريءٌ منها، والمعنى في الإقسام
بالبلد تعظيمُهُ، وفي الاعتراض ترشيحُ التعظيم والتشريف بكون مثله وَّر في جلالة
القَدْر ومنصب النبؤَّة ساكناً فيه مبايناً لِمَا عليه الغاغةُ والهمج، والفائدة فيه تأكيدُ
المُقْسَم عليه بأنهم من أهل الطبع، فلا ينفعهم شَرَفُ مكان والمتمكّن فيه، كأنه
قيل: أقسم بهذا البلد الطيب بنفسه وبمَنْ سَكّنَ فيه إنَّ أهله لفي مرضٍ قلبٍ وشَكِّ
لا يُقَادَرُ قَدْرُهُ.
(١) أخرجه أحمد (٢٣٥٣)، والبخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣). والقُيون: جمع قَيْن، وهو
الحداد والصائغ. النهاية ١٣٥/٤.
(٢) كما في الدر المنثور ٣٥١/٦.

الآية : ٣
٤٥
سُورَةُ التّد
وقيل: الحِلُّ صفةٌ أو مصدرٌ بمعنى الحالّ، يقال: حَلَّ - أي: نَزَلَ - يَحِلُّ حِلًّا
وحُلولاً، ويقال أيضاً: هو حِلٌّ بموضع كذا، كما يقال: حالٌّ به، والقولُ بأنَّ
الصفةَ من الحلول حالٌّ لا حِلٌّ، ومصدر حَلَّ - بمعنى نزلَ - الحُلولُ والحَلُّ بفتح
الحاء والحَلَلُ فقط = ناشئٌّ من قِلَّة التتبُّع. والاعتراض لتشريفه نَّهِ بِجَعْل حُلوله
عليه الصلاة والسلام مناطاً لإعظام البلد بالإقسام به.
وجَعَلَ بعضُ الأجِلَّة الجملةَ على هذا الوجه حالاً من ((هذا البلد)»، وكذا جَعَلَها
بعضُهم حاليةً على الوجهين قبل، إلا أنَّ الحالَ على ثانيهما مقارنةٌ، وعلى أولهما
مقدَّرةٌ، أو مقارِنةٌ إن قيل: إنَّ النزولَ ساعةً أُحِلَّتْ مكةُ، وجعلها ابنُ عطيةَ حالاً
على الوجه الأول أيضاً، أعني: كونَ الحِلِّ بمعنى المستحلِّ، لكن قيَّده بكون ((لا))
نافيةً غير زائدة(١)، فتأمل.
وأيَّاما كان ففي الإشارة وإقامة الظاهر مقامَ الضمير من تعظيم البلد
ما فيهما .
﴿وَالِدٍ﴾ عَظْفٌ على ((هذا البلد)» المُقْسَم به، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾
والمراد بالأول آدمُ عليه السلام، وبالثاني جميعُ ولده على ما أخرج الحاكم
وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس(٢)، ورواهُ جماعةٌ أيضاً عن مجاهد وقتادة
وابن جبير(٣).
وقيل: المراد آدم عليه السلام والصالحونَ من ذريته.
وقيل: نوحٌ عليه السلام وذُرِّيَتُه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران أنهما إبراهيم عليه السلام
وجميعُ ولده (٤).
(١) المحرر الوجيز ٤٨٣/٥.
(٢) المستدرك ٥٢٣/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٠٧ عن مجاهد وقتادة.
(٤) تفسير ابن جرير ٤٠٨/٢٤، والدر المنثور ٣٥٢/٦.

الآية : ٣
٤٦
سُورَةُ الجلد
وقيل: إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام والنبيُّ وَّ. وادُّعي(١)
أنه يُنبئُ عن ذلك المعطوفُ عليه، فإنه حَرَمُ إبراهيمَ ومنشأُ إسماعيل ومسقط رأس
رسول الله صلی الله علیهم أجمعين .
وقال الطبريُّ والماوردي(٢): يحتملُ أن يكونَ ((الوالد)) النبيّ وَّه؛ لتَقدُّم ذِكْره،
و((ما ولد)» أمَّتُهُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد))(٣)،
ولقراءة عبد الله: ((وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌّ لهم)) (٤)، وفي القَسَم بذلك مبالغةٌ في
شَرَفه عليه الصلاة والسلام. وهو كما ترى.
وقيل: المراد كلُّ والدٍ وولده من العقلاء وغيرهم، ونُسِبَ ذلك لابن عباس.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق عكرمة عنه أنه قال: الوالد: الذي يلدُ،
وما ولد: العاقرُ الذي لا يَلِدُ من الرجال والنساء(٥). ونُسِبَ إلى ابن جبير أيضاً.
فـ (ما)) عليه نافيةٌ، فيحتاجُ إلى تقدير موصولٍ يصحُّ به المعنى الذي أُريد، كأنه قيل:
ووالدٍ والذي ما ولد. وإضمارُ الموصول في مثله لا يجوز عند البصريين، ومع هذا
هو خلاف الظاهر، ولعلَّ ظاهرَ اللفظ عدمُ التعيين في المعطوفين، وظاهرُ العَظْفِ
على ((هذا البلد)) إرادةُ مَنْ له دخلٌ فيه وشهرة بنسبة البلد إليه، والمشهور في ذلك
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وتنكيرُ ((والد)) على ما اختاره غيرُ واحدٍ للتعظيم، وإيثارُ ((ما)) على ((مَنْ)) بناءً
على أنَّ المراد بـ ((ما)) ولد العاقل؛ لإرادة الوصف، فتفيدُ التعظيمَ في مقام المدح،
وأنه مما لا يُكْتَنَهُ كُنْهه لشِدَّة إبهامها، ولذا أفادت التعجُّب أو التعجيب - وإن لم
(١) في (م): ادعی، دون واو.
(٢) في النكت والعيون ٢٧٥/٦، وذكره عن الطبري أبو حيان في البحر ٤٧٥/٨، وعنه نقل
المصنف، ولم نقف عليه في تفسير الطبري، وقد اختار الطبري أن الكلام عام في كل والد
وكل مولود. تفسير الطبري ٢٤/ ٤٠٨ .
(٣) أخرجه أبو داود (٨) من حديث أبي هريرة
(٤) القراءات الشاذة ص١١٩.
(٥) الدر المنثور ٣٥٢/٦، وهو في تفسير الطبري ٤٠٦/٢٤ .

الآية : ٤
٤٧
سورة البلد
تكن استفهاميةً - كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] أي:
أيّ مولودٍ عظيم الشأن وضعتُهُ، والتعظيمُ والتعجيبُ على تقدير أن يُراد بـ ((ما ولد»
ذريةُ آدم عليه السلام مثلاً، قيل: باعتبار التغليب. وقيل: باعتبار الكثرة وما خُصَّ
به الإنسانُ من خواصٌ البشر كالعقل وحُسْن الصورة، ومَنْ تأمَّلَ في شؤون الإنسان
من حيث هو إنسانٌ، يعلم أنه من تلك الحيثية مُعَلَّمٌ يُتَعجَّبُ منه.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنسَنَ فِى كَبَدٍ ﴾﴾ أي: في تَعَبٍ ومشقَّةٍ، فإنه لا يزال يُقاسي فنونَ
الشدائد من وقت نَفْخ الروح إلى حين نَزْعها وما وراءه، يقال: كَبِدَ الرجلُ كَبَداً فهو
أَكبدُ، إذا وَجِعَتْهُ كَبِدُهُ وانتفختْ، فاتُّسِعَ فيه حتى استُعمِلَ في كلِّ تَعَبٍ ومشقَّةٍ، ومنه
اشتُقَّتِ المكابدةُ؛ لمقاساة الشدائد، كما قيل: كَبَتَهُ بمعنى: أَهْلَكَهُ، وأَصلُهُ: كَبَدَهُ،
إذا أصاب كَبِدَهُ، قال لبيد يرثي أخاه:
قُمنا وقام الخصومُ في كَبدِ (١)
يا عينُ هلا بكيتٍ أَرْبدَ إذ
أي: في شِدَّة الأمر وصعوبة الخَطْب.
وعن ابن عمر: يُكابد الشكرَ على السَّرَّاء، ويُكابد الصَّبَرَ على الضَّرَّاء.
وعن ابن عباس وعبد الله بن شدَّاد وأبي صالح والضحاك ومجاهد أنهم قالوا:
أي: خلقناه مُنتصِبَ القامة واقفاً، ولم نجعله مُنكبًّا على وجهه.
وقال ابن كيسان: أي: منتصباً رأسُهُ في بطن أمِّه، فإذا أُذِنَ له في الخروج قَلَبَ
رأسَهُ إلى قَدَمَي أمِّه.
وهذه الأقوال كلُّها ضعيفةٌ لا يُعوَّلُ عليها بخلاف الأول، وقد رواه الحاكم
وصححه وجماعةٌ عن ابن عباس(٢)، وروي عن غير واحدٍ من السلف.
نعم مجُوِّزَ أن يكون المعنى: لقد خلقناه(٣) في مرضٍ شاقٌّ، وهو مرضُ القلب
وفساد الباطن، وهذا بناءً على الوجه الثالث من الأوجه الأربعة السابقة في قوله
(١) ديوان لبيد ص ١٦٠، وينظر قصة موت أربد فيما سلف ٧٢/١٣-٧٣.
(٢) المستدرك ٥٢٣/٢، والدر المنثور ٣٥٢/٦.
(٣) في (م): خلفناه.

سُورَةُ البلد
٤٨
الآية : ٥ - ٦
تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَدِ) والمراد بالإنسان عليه: الذين
عَلِمَ الله تعالى منهم حين خَلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. والظاهر
أنَّ المرادَ على ما عداه جنسُ الإنسان مطلقاً. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان آدمُ
عليه السلام، وبالكَبَد السماء، وشاعَ في وَسَطِ السماء(١) كالكُبَيداء والكُبيداةِ
والكَبْداء والكَبْد، بفتحِ فسكون. وليس بشيءٍ أصلاً. والضميرُ في قوله تعالى:
﴿أَيَخْسَبُ﴾ على ما عدا ذلك راجعٌ إلى ما دلَّ عليه السياق ممن يكابد منه وَّل
ما يُكابد من كفار قريش، وينتهك حرمة البيت وحُرْمته عليه الصلاة والسلام،
وعليه(٢): للإنسان، والتهديدُ مصروفٌ لمن يستحقّه.
وقيل على إرادة البعض: هو أبو الأَشد(٣) أسيد بن كَلْدة الجمحي، وكان شديدَ
القوة مغترًّا بقوَّته، وكان يُبْسَطُ له الأديم العُكاظيُّ فيقوم عليه ويقول: مَنْ أزالني عنه
فله كذا، فيجذبهُ عشرةٌ، فينقطعُ قِطَعاً ويبقى موضع قدميه.
وقيل: عمرو بن عبد وُدِّ. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: أبو جهل بن
هشام. وقيل: الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. ويجوز أن يكون كلٌّ من
هؤلاء سبب النزول فلا تغفل.
وجعل عصام الدين الاستفهامَ للتعجيب، على معنى: أيظنُّ ﴿أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَّهِ﴾
أي: على الانتقام منه ومكافأته بما هو عليه ﴿أَحَدٌ﴾ مع أنه لا يتخلّص من المكابدة
ومقاساة الشدائد. و((أن)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، ولعلَّ في ذلك إدماجَ عدم الإيمان بالقيامة.
﴾ أي: كثيراً، من تلبَّدَ الشيءُ: إذا اجتمع، أي:
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَّدًّا
يقول ذلك وقتَ الاغترار فخراً ومباهاة وتعظّماً على المؤمنين، وأراد بذلك ما أنفقه
رياءً وسُمعةً، وعبّر عن الإنفاق بالإهلاك إظهاراً لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعلْ ذلك
رجاءَ نَفْعٍ، فكأنه جعل المالَ الكثيرَ ضائعاً .
(١) أي: شاع في معنى الكَبَد أنه: وسطً السماء. ينظر القاموس (كبد).
(٢) أي: على القول المذكور.
(٣) بالشين المعجمة، وضبطه بعضهم بالمهملة، ويقال أيضاً: أبو الأشدين. ينظر حاشية
الشهاب ٣٦٢/٨.

الآية : ٧
٤٩
سُوَّةُ البلد
وقيل: يقول ذلك إظهاراً لشِدَّة عداوته لرسول الله وَّه، مريداً بالمال ما أنفقه
في معاداته عليه الصلاة والسلام.
وقيل: يقول ذلك إِيذاءً له عليه الصلاة والسلام، فعن مقاتل أنَّ الحارث بن
نوفل كان إذا أذنبَ استفتى الرسولِ وَلّ﴾، فيأمرُهُ عليه الصلاة والسلام بالكفارة،
فقال: لقد أهلكتُ مالاً لُبَداً في الكفارات والتَّبِعات منذ أطعتُ محمداً وَّه.
وقيل: المراد ما تقدَّم أولاً، إلا أنَّ هذا القول وقت الانتقام منه، وذلك يوم
القيامة، والتعبيرُ عن الإنفاق بالإهلاك لما أنه لم ينفعه يومئذٍ.
وقرأ أبو جعفر: (لُبَّدَا)) بِشَدِّ الباء (١)، وعنه وعن زيد بن علي: (لُبْداً)) بسكون
الباء(٢). وقرأ مجاهد وابن أبي الزناد: (ُبُدا) بضمِّ اللام والباء(٣).
﴿أَيَخَسَبُ أَنْ لَّمْ يَُّ أَّدُّ ﴾﴾ أي: حين كان يُنفقُ ما ينفقُ رئاءَ الناس، أو حِرْصاً
على معاداته وَّةِ، يعني: أنَّ الله تعالى كان يراهُ، وكان سبحانه عليه رقيباً، فهو عزَّ
وجلَّ يسأله عنه ويجازيه عليه، وفي الحديث: ((لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى
يُسألَ عن أربع: عن عمره فِيمَ أفناه، وعن ماله مِمَّ جمعه وفِيمَ أنفقه، وعن عِلْمه
ماذا عمل به))(٤).
وجُوِّزَ أن يكون المعنى: أن لم يجده أحد، على أنَّ المرادَ بالرؤية الوجدان
اللازم له، و((لم)) بمعنى ((لن)) وعبّر بها لتحقُّق الوقوع، يعني: أنه تعالى يجدهُ يوم
القيامة فيحاسبه على ذلك.
وعن الكلبي أنَّ هذا القائل كان كاذباً لم ينفقْ شيئاً، فقال تعالى: أَيظنُّ أنَّ الله
تعالى ما رأى ذلك منه، فَعَلَ أو لم يفعل، أنفقَ أو لم ينفق، بل رآه عزَّ وجلَّ وعَلِمَ
منه خلافَ ما قال، وقرَّرَ سبحانه القدرةَ على مجازاته ومحاسبته والاطلاع على
(١) النشر ٢/ ٤٠١ .
(٢) البحر المحيط ٤٧٦/٨ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٤، والمحرر الوجيز ٤٨٤/٥ .
(٤) أخرجه بنحوه الترمذي (٢٤١٦) من حديث أبي برزة الأسلمي ظله، وقال: حسن صحيح.

سُورَةُ البلد
٥٠
الآية : ٨ - ١٠
حاله بقوله جلَّ وعلا: ﴿أَلَمَّ نَجْعَل لَّهُ، عَيْنَيْنِ (ج) يُبصِرُ بهما ﴿وَلِسَانًا﴾ يُفصِحُ به عمّا
في ضميره ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يسترُ بهما فاهُ، ويستعينُ بهما على النطق والأكل والشرب
والنفخ وغير ذلك. والمفرد شَفَةٌ، وأصلها شَفَهةٌ، حُذفت منها الهاء، ويدلُّ عليه
شُفَيهةٌ وشِفاهٌ وشافهتُ، وهي مما لا يجوزُ جمعُهُ بالألف والتاء وإن كان فيه تاء
التأنيث على ما في ((البحر))(١).
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ أي: طريقَي الخير والشر كما أخرجه الحاكم وصححه،
والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود(٢). وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن ابن
عباس(٣)، وروي عن عكرمة والضحاك وآخرين، وأخرجه الطبرانيُّ(٤) عن أبي أمامة
مرفوعاً .
والنَّجْدُ مشهورٌ في الطريق المرتفع، قال امرؤ القيس:
فريقان منهم جازعٌ بَظْنَ نخلةٍ وآخرُ منهم قاطعٌ نَجْدَ كَبْكَبٍ(٥)
وسُمِّيتْ نجدٌ به لارتفاعها عن انخفاض تهامة، والامتنانُ على (٦) المحدَّث عنه
بأنْ هداه سبحانه وبيَّن له تعالى شأنه ما إن سَلَکه نجا، وما إن سلکه هلك،
ولا يتوقَّفُ الامتنانُ على سلوك طريق الخير، وقد جعل الإمام(٧) هذه الآية كقوله
تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِنَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وَوَصْفُ سبيل الخير
بالرفعة والنجدية ظاهرٌ، بخلاف سبيل الشر، فإنَّ فيه هبوطاً من ذروة الفطرة إلى
(١) ٨/ ٤٧٣.
(٢) المستدرك ٢/ ٥٢٣، والمعجم الكبير (٩٠٩٧).
(٣) تفسير الطبري ٤١٦/٢٤ .
(٤) كما في الدر المنثور ٣٥٣/٦.
(٥) ديوان امرئ القيس ص٤٣. قوله: جازع بطن نخلة، يعني بستان ابن معمر، وهو مجتمع
الواديين: نخلة الشامية ونخلة اليمانية، وكبكب: اسم جبل. يعني افترق الحيان بعد انقضاء
المُرْتَبَع الذي كان يجمعهم، ورجع كل حيٍّ إلى مائه وموضع إقامته، فكانوا فرقتين، فمنهم
آخذٌ سٌفلاً، ومنهم آخذٌ علوًا. ينظر شرح الديوان، ومعجم البلدان ١/ ٤١٤ و٢٧٧/٥.
(٦) قوله: على، ليس في (م).
(٧) هو الرازي. ينظر تفسيره ١٨٤/٣١.

الآية : ١١ - ١٢
٥١
سُورَةُ التَّلد
حضيض الشقاوة، فهو على التغليب، أو على توقُّم المتخيلة له صعوداً، ولذا
استعمل الترقِّي في الوصول إلى كلِّ شيءٍ وتكميله. كذا قيل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرقٍ عن ابن عباس أنهما الثديان(١).
وروي ذلك عن ابن المسيب، أي: ثديي الأمِّ؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد
ورزقه، والارتفاعُ فيهما ظاهرٌ، والبطنُ تحتهما كالغَوْر، والعربُ تُقِمُ بثدي الأمّ
فتقول: أَمَا ونجديها ما فعلتُ. ونُسِبَ هذا التفسيرُ لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه
أيضاً، والمذكور في ((الدر المنثور)) من رواية الفريابي وعبد بن حميد، وكذا في
((مجمع البيان)) أنه كرَّمَ الله تعالى وجهه [قيل له: ] إن أناساً يقولون: إنَّ النجدين
الثديان، فقال: لا، هما الخيرُ والشّرُّ(٢). ولعلَّ القائلَ بذلك رأى أنَّ اللفظ يحتمله
مع ظهور الامتنان(٣) عليه جدًّا.
﴿فَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ (٣)﴾ الاقتحام: الدخول بسرعةٍ وضغطٍ وشِدَّةٍ، ويقال: فَحَم
في الأمر قُحُوماً: رمى نفسه فيه من غير رويَّةٍ. والعقبةُ: الطريقُ الوَعرُ في الجبل.
وفي ((البحر)): هي ما صعبَ منه وكان صُعُوداً (٤). والجمع عَقَبٌ وعِقابٌ، وهي هنا
استعارةٌ لما فُسِّرتْ به من الأعمال الشاقة المرتفعة القَدْرِ عند الله تعالى، والقرينةُ
ظاهرةٌ، وإثبات الاقتحام المرادِ به الفعلُ والكسبُ ترشيحٌ، ويجوز أن يكون قد
جُعل فِعْلُ ما ذُكِرَ اقتحاماً وصعوداً شاقًّا، وذِكْرُهُ بعد النجدين جَعَلَ الاستعارةَ في
الذروة العليا من البلاغة، والمراد ذَمُّ المحدَّث عنه بأنه مُقصِّرٌ مع ما أنعم الله تعالى
به عليه من النِّعَم العِظام، والأيادي الجليلة الجِسام، كأنه قيل: فَقَصَّرَ ولم يشكرْ
تلك النِّعم العظيمة، والأيادي الجسيمة، بفِعْلِ الأعمال الصالحة، بل غَمَطَ النعمة
وگَفَرَ بالمنعم، واتبع هوی نفسه.
أي: أيُّ شيءٍ أعلمك ما هي، تعظيمٌ
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
(١) تفسير الطبري ٤١٩/٢٤، والدر المنثور ٣٥٤/٦.
(٢) الدر المنثور ٣٥٣/٦، ومجمع البيان ١٤٤/٣٠، وما بين حاصرتين منهما.
(٣) في الأصل: أمر الامتنان.
(٤) البحر ٤٧٦/٨ .

سُورَةُ البلد
٥٢
الآية : ١٣
(٣)﴾ إلخ. وتفسيرُها بذلك بناءً على
أَفَكَّ رَقَبَةٍ
لشأن العقبة المفسّرة بقوله سبحانه :
الادِّعاء والمجاز، وهو مما لا شُبهة في صحته، وإن لم يتَّحدِ العقبةُ والفَكُّ حقيقةً،
فلا حاجة إلى تقدير مضافٍ كما زعمه الإمام(١) ليصحَّ التفسيرُ، أي: وما أدراك
ما اقتحام العقبة، فَكُّ .. إلخ.
وقال بعضهم: يحتمل أن يُرادَ بالعقبة نفسُ الشكر، عبّر بها عنه لصعوبته،
ولا يأباهُ: ((وما أدراك)) إلخ، لأنه بمنزلة: ما أدراك ما الشكر، فُّ رقبةٍ. وهو
كما ترى.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن أبي شيبة عن ابن عمر أنَّ العقبة جبلٌ
زلالٌ في جهنم (٢). وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه(٣).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها النار(٤). وفي رواية عبد بن حميد
عنه(٥) أنها عقبةٌ بين الجنة والنار. وعن مجاهد والضحاك والكلبي أنها الصراطُ،
وقد جاء في صفته ما جاء، ولعلَّ المراد: بعَقَبةٍ بين الجنة والنار.
هذا، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رجاء أنه قال: بلغني أنَّ
العقبةَ التي ذَكَرَ الله تعالى في القرآن مَظْلَعُها سبعةُ آلافِ سنة، ومَهْبِطُها سبعةُ آلاف
سنة(٦).
وهذه الأقوال إن صحَّت يتعيَّنُ عليها أن يُراد بالاقتحام المرورُ والجوازُ
بسرعة، وأن يُقدَّرَ المضافُ، أي: وما أدراك ما اقتحامُ العقبة، فَكُّ .. إلخ،
وجَعْلُ الفَكِّ وما عُطِفَ عليه نفسَ الاقتحام على سبيل المبالغة في سبيَّته له، حتى
كأنه نفسه، ومآلُ المعنى: فلا فَعَلَ ما ينجو به ويجوزُ بسببه العَقَبةَ الكؤود یوم
(١) في تفسيره ١٨٦/٣١.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٢٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٢٦/٣، والدر المنثور ٣٥٤/٦.
(٣) تفسير الطبري ٤٢٠/٢٤ .
(٤) الدر المنثور ٣٥٤/٦.
(٥) كما في الدر المنثور ٣٥٤/٦.
(٦) الدر المنثور ٣٥٤/٦، ولم نقف عليه في مطبوع تفسير الطبري.

الآية : ١٣
٥٣
سُؤَدَّةُ البلد
القيامة، وبهذا يندفعُ ما نقلهُ الإمامُ عن الواحديِّ بعد نقله تفسيرها بجبلٍ زلالٍ في
جهنم، وبالصراط ونحو ذلك، وهو قوله: وفي هذا التفسير نظرٌ؛ لأنَّ من المعلوم
أنَّ هذا الإنسانَ وغيرَهُ لم يقتحموا عقبةَ جهنّم ولا جاوزوها، فَحمْلُ الآية عليه
يكونُ إيضاحاً للواضحات، ثم قال: ويدلُّ عليه أنه لما قال سبحانه: (وَمَّا أَدْرَئِكَ مَا
الْعَقَبَةُ) فسَّرها جلَّ شأنه بفَكِّ الرقبة والإطعام(١). انتهى. نعم أنا لا أقول بشيءٍ
من ذلك حتى تصحَّ فيه - تفسيراً للآية - روايةٌ مرفوعةٌ.
والفَكُّ تخليصُ شيءٍ من شيءٍ، قال الشاعر:
فيا رُبَّ مكروبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ منه ففدَّاني(٢)
وهو مصدرُ فكّ، وكذا الفَكاك بفتح الفاء كما نصَّ عليه الفراء، والمشهور أنَّ
المراد به هنا تخليصُ رقبةِ الرقيق من وَصْفِ الرِّقيَّة بالإعتاق، وأخرج أحمد وابن
حبان وابن مردويه والبيهقي عن البراء نظ﴿به(٣) أنَّ أعرابيّا قال: يا رسول الله، علِّمني
عملاً يدخلني الجنة؟ قال: ((أعتقْ النَّسَمة، وفُكَّ الرقبة)) قال: أَوَليسا بواحدٍ؟ قال:
((لا، إنَّ عِثْقَ النَّسَمة أن تنفردَ بعتقها، وفَكَّ الرقبة أن تُعيْنَ في عتقها)) الحديث.
وعليه يكون نفيُ العتق عن المحدَّث عنه متحقِّقاً من بابٍ أَوْلى، ومن الفَكِّ بهذا
المعنى إعطاءُ المكاتَبِ ما يصرفُهُ في جهة فَكاك نفسه، وجاء في فَضْلِ الإعتاق
أخبارٌ كثيرةٌ، منها ما أخرجه أحمد والشيخان والترمذيُّ وغيرهم عن أبي هريرة(٤)
قال: قال رسول الله وَله: ((من أعتقَ رقبةً مؤمنةً، أعتقَ الله بكلِّ عضو منها عضواً
منه من النار، حتى الفرجُ بالفرج)» وهو أفضلُ من الصدقة عند أبي حنيفة ظُه،
وعند صاحبيه الصدقةُ أفضلُ، والآيةُ - على ما قيل - أَدلُّ على قول الإمام؛ لمكان
تقديم الفَكِّ على الإطعام، وعن الشعبي تفضيلُ العتق أيضاً على الصدقة على ذي
القرابة فضلاً عن غيره، وقال الإمام: في الآية وجهٌ آخرُ حَسَنٌ، وهو أن يكون
(١) تفسير الرازي ١٨٥/٣١.
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٩٠.
(٣) أحمد (١٨٦٤٧)، وابن حبان (٣٧٤)، والبيهقي ٢٧٢/١٠- ٢٧٣.
(٤) أحمد (٩٤٤١)، والبخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩)، والترمذي (١٥٤١).

سُورَةُ التَّلَدِ
٥٤
الآية : ١٤ - ١٦
المرادُ أن يفكّ المرءُ رقبةَ نفسهِ بما يُكلَّفهُ من العبادة التي يصيرُ بها إلى الجنة، فهي
الحريةُ الكبرى (١). وعليه قيل: يكون ما بعدُ من قبيل التخصيص بعد التعميم، وفيه
بُعدٌ كما لا يخفى.
مصدرٌ ميميٌّ بمعنى السَّغَب، قال أبو حيان:
﴿أَوْ إِعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَكَرٍ (3)
وهو الجوعُ العامُّ، وقد يقال: سَغِبَ الرجلُ إذا جاع(٢). وقال الراغب: هو الجوعُ
مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب(٣). وفسَّرَهُ ابن عباس هنا بالجوع من
غير قيد، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم أنه قال: في يوم فيه
الطعام عزيزٌ(٤). وليس بتفسيرٍ بالمعنى الموضوع له.
وَوَصْفُ اليوم بذي مسغبةٍ نحو ما يقول النحويُّون في قولهم: هَمٌّ ناصبٌ: ذو
نَصَبٍ، وليلٌ نائمٌ: ذو نومٍ، ونهارٌ صائمٌ: ذو صومٍ .
أي: قرابة، فهو مصدرٌ ميميٌّ أيضاً من قَرُبَ في النَّسَب،
﴿يَلِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ (٥)
يقال: فلانٌ ذو قرابتي وذو مقربتي بمعنّى، قال الزجاج: وفلانٌ قرابتي قبيحٌ؛ لأنَّ
القرابةَ مصدرٌ قال:
يبكي الغريبُ عليه ليس يَعرِفُه
وذو قرابته في الحيِّ مسرورٌ(6)
وفیه بحثٌ.
وفي إطعام هذا جمعٌ بين الصدقة والصِّلة، وفيهما من الأجر ما فيهما، وقيل:
إنه لا يخصُّ القريبَ نسباً، بل يشمل مَنْ له قُرْبٌ بالجوار.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةِ ﴾﴾ أي: افتقارٍ، وهو مصدرٌ ميميٌّ - كما تقدم - من تَرِبَ
(١) تفسير الرازي ١٨٦/٣١.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٧٣ .
(٣) المفردات (سغب).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٣٥/١٠، وينظر الدر المنثور ٣٥٥/٦ وإبراهيم هو النخعي.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٢٩/٥-٣٣٠، والبيت اختلف في نسبته، وسلف عند تفسير الآية
(٥٦) من سورة الأعراف.

الآية : ١٦
٥٥
سُورَةُ البلد
إذا افتقر، ومعناه: التصقَ بالتراب، وأما أَتْرَبَ فاستغنى، أي: صار ذا مالٍ
کالتراب(١) في الکثرة، کما قيل: أثرى.
وعن ابن عباس أنه فسَّره هنا بالذي لا يقيه من التراب شيءٌ.
وفي روايةٍ أخرى: هو المطروحُ على ظهر الطريق، قاعداً على التراب لا بيت
له. وهو قريبٌ مما أخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً (٢): هو الذي مأواه
المزابل. فإن صحَّ لا يُعدَلُ عنه.
وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس: هو الذي يخرجُ من بيته، ثم يقلبُ وجهه إليه
مستيقناً أنه ليس فيه إلا التراب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه قال في ذلك: يعني
بعيدَ الثُّربة، أي: بعيداً من وطنه(٣). وهو بعيدٌ.
والصفةُ على بعض هذه التفاسير صفةٌ كاشفةٌ، وبعضٍ آخرَ مخصّصة. و((أو))
على ما في ((البحر))(٤) للتنويع.
وقد استشكل عدمُ تكرار ((لا)» هنا مع أنها دخلت على الماضي، وهم قالوا:
يلزمُ تكرارها حينئذٍ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا صَلَّقَ وَلاَ صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] وقول
الحطيئة (٥):
وإن كانت النَّعماءُ فيهم جَزَوا بها وإن أَنعموا لا كَدَّروها ولا كَدُّوا
وشدَّ قوله:
لاهُمَّ إِنَّ الحارث بن جَبَلَهْ
جنى على أبيه ثم قَتَلَهْ
(١) في (م): كالتراث. والمثبت من الأصل والكشاف ٢٥٧/٤ والكلام منه.
(٢) كما في الدر المنثور ٣٥٥/٦.
(٣) الدر المنثور ٣٥٥/٦.
(٤) ٨/ ٤٧٦ .
(٥) ديوانه ص ١٤٠ .

سُورَةُ البلد
٥٦
الآية : ١٧
وكان في جاراته لا عهد له
فأيّ أمرٍ سيِّئٍ لا فَعَلَهُ (١)
وأجيب بأنَّ اللازمَ تكرارُها لفظاً أو معنّى، وهي هنا مكرَّرةٌ معنًى؛ لأنَّ تفسيرَ
العَقَبة بما فُسِّرَتْ به من الأمور المتعدِّدة يلزمُ منه تفسيرُ الاقتحام، فيكون ((فلا اقتحم
العقبة)) في معنى: فلا فكَّ رقبةً ولا أَطعم يتيماً .. إلخ، وقد يقال في البيت نحوُ
ذلك، بأن يقال: إنَّ العمومَ فيه قائمٌ مقامَ التكرار.
ويلزمه على ما قيل جوازُ: لا جاءني زيدٌ وعمرو؛ لأنه في معنى: لا جاءني
زيدٌ ولا جاءني عمرو. ومَنَعَهُ بعضُهم.
وقال الزجاج والفراء(٢): يجوز أن يكون منه قوله تعالى: ﴿ثُقَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾، فإنه عَظْفٌ على المنفيِّ، أعني (اقتحم))، فكأنه قيل: فلا اقتحمَ ولا آمنَ،
ولا يلزمُ منه كونُ الإيمان غيرَ داخلٍ في مفهوم العقبة؛ لأنه يكفي في صِحَّة العَظْفِ
والتكرار كونُه جزءاً أشرفَ خُصَّ بالذكر عَظْفاً، فجاءتْ صورةُ التكرار ضرورة؛ إذ
الحملُ على غير ذلك مُفْسِدٌ للمعنى.
ويلزمه جوازُ: لا أَكَلَ زيدٌ وشَرِبَ، على العَظْفِ على المنفيِّ، والبعضُ المتقدِّمُ
يمنعه .
وقيل: إنَّ ((لا)) للدعاء، والكلامُ دعاءٌ على ذلك الكافر أن لا يرزقه الله تعالى
ذلك الخير.
وقيل: ((لا)) مخفَّفُ ((ألا)) للتحضيض كـ ((هلّا))، فكأنه قيل: فهلّ اقتحمَ، أو
الاستفهامُ محذوفٌ والتقدير: أفلا اقتحم، ونقل ذلك عن ابن زيد والجُبَّائي
وأبي مسلم. وفيه أنه لم يُعرَفْ تخفيفُ ((ألا)) التحضيضية، وأنه كما قال المرتضى:
يَقْبُحُ حَذْفُ حرفِ الاستفهام في مثل هذا الموضع، وقد عِيْبَ على عمر بن أبي ربيعة
قوله :
(١) الرجز لابن العَيِّف العبدي، وهو في إصلاح المنطق ص١٧٣، والمستقصى ٣٧/١.
(٢) معاني القرآن للزجَّاج ٣٢٩/٥، وللفرَّاء ٢٦٤/٣.

الآية : ١٧
٥٧
سُورَةُ التَّلَدَ
ثم قالوا: تُحبُّها قلت: بَهْراً عَدَدَ الرَّملِ والحصى والتُّرابِ(١)
وقولهم: لو أُريد النفيُ لم يتَّصلِ الكلامُ، ليس بشيءٍ؛ لظهور ((كان)) تحت
النفي، واتصال الكلام عليه.
قيل(٢): الكلامُ إخبارٌ عن المستقبل، فليس مما يلزم فيه التكرير، أي:
فلا يقتحم العقبة؛ لأنَّ ماضيه معلومٌ بالمشاهدة، فالأهمُّ الإخبارُ عن حاله في
الاستقبال، لكن لتحقُّقِ الوقوع عبّر بالماضي.
ونقل الطيبيُّ عن أبي عليٍّ الفارسي عدمَ وجوب تكريرها، رادًّا على الزجاج في
زَعْمه ذلك، وقال: هي كـ ((لم))، والتكرُّرُ في نحو: (فَلَ صَلَّقَ وَلَا صَلَّ) لا يدلُّ على
الوجوب كما في: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وعلى عدم التكرُّر جاء قول
أميّة السابق(٣) :
إن تغفرِ اللهمَّ تغفرْ جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا أَلمّا
والمتيقَّنُ عندي أكثريةُ التكرُّرِ، وأما وجوبه فليس بمتيقَّنٍ، والله تعالى أعلم.
وقرأ ابن كثير والنحويان: ((فَكَّ)) فعلاً ماضياً ((رقبةً)) بالنَّصب (أو أَظْعَمَ)) فعلاً
ماضياً أيضاً(٤)، وعلى هذه القراءة فـ ((فَّ)) مُبْدَلٌ من ((اقتحم)) وما بينهما
اعتراضٌ، ومعناه: إنك لم تَدْرِ كُنْهَ صعوبتها على النفس، وكُنْهَ ثوابها عند الله عزَّ
وجلَّ.
وقرأ أبو رجاء كذلك، إلا أنه قرأ: ((ذا مسبغة)) بالألف، على أنَّ ((ذا)) منصوبٌ
على المفعولية بـ ((أطعم))، أي: أطعم في يومٍ من الأيام إنساناً ذا مسبغة، ويكون
(يتيماً)) بدلاً منه، أو صفةً له.
(١) أمالي المرتضى ٢٨٩/٢، والبيت في ديوان عمر ص٤٣١، وبهراً: مصدر بمعنى الغلبة،
وكأنه قال: غلبني حبُّها واستولى علي غلباً عظيماً.
(٢) بعدها في الأصل: هو.
(٣) ص٢٨ من هذا الجزء.
(٤) التيسير ص٢٢٣، والنشر ٤٠١/٢ .

سُورَةُ التَّلد
٥٨
الآية : ١٨
وقرأ هو أيضاً والحسن: ((أو إطعامٌ في يوم ذا)) بالألف أيضاً(١) على أنه مفعولٌ
به للمصدر .
وقرأ بعض التابعين: ((فُّ رقبة)) بالإضافة، ((أو أَطْعَمَ)) فعلاً ماضياً(٢)، وهو
معطوفٌ على المصدر لتأويله به.
والتراخي المفهومُ من ((ثم)) في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ) إلخ رُتْبِيٌّ، فالإيمان فوقَ
جميع ما قبله؛ لأنه يَستقلُّ بكونه سبباً للنجاة، وشكراً بدون الأعمال، كما فيمَنْ
آمنَ بشرطه ومات في يومه قبل أن يجبَ عليه شيءٌ من الأعمال، فإنَّ ذلك ينفعه
ويُخلِّصه، بخلاف ما عداه، فإنه لا يُعتَدُّ به بدونه.
وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ عَظْفٌ على ((آمنوا))، أي: أوصى بعضُهم بعضاً
بالصبر على الإيمان والثبات عليه، أو: بذلك والصبر على الطاعات، أو به والصبر
عن المعاصي وعلى المِحَن التي يُبتلى بها الإنسان.
﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْهَةِ﴾ أي: بالرحمة على عباده عزَّ وجلّ، ومن ذلك الأمرُ
بالمعروف والنهيُ عن المنكر، أو: تواصوا بأسباب رحمة الله تعالى وما يُؤدِّي إليها
من الخيرات، على أنَّ المرحمةَ مجازٌ عن سببها، أو الكلامُ على تقدير مضافٍ.
وذُكِرَ أنَّ ((تواصوا بالصبر)) إشارةٌ إلى تعظيم أمر الله تعالى، و(«تواصوا
بالمرحمة)) إشارةٌ إلى الشفقة على خَلْقِ الله تعالى، وهما أصلان عليهما مدارُ
الطاعة، وهو الذي قاله بعضُ المحققين: الأصلُ في التصوُّفِ أمران: صِدْقٌ مع
الحقِّ، وخُلُقٌ مع الخَلْقِ.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حَيِّز صِلَته، وما فيه من
معنى البعد - مع قُرْبِ المشار إليه - لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ، أي: أولئك الموصوفون
بالتُّعوت الجليلة المذكورة.
(١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٧٤، والمحتسب ٣٦٢/٢، والبحر ٤٧٦/٨.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٧٦.

الآية : ١٩ - ٢٠
٥٩
سُورَةُ التَّلد
﴿أَعْخَبُ الْيَُّنَةِ﴾ أي: جهة اليمين التي فيها السُّعداء، أو اليُمْنُ لكونهم ميامين
على أنفسهم وعلى غيرهم.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَئِنَا﴾ بما نصبناه دليلاً على الحقِّ من كتابٍ وحُجَّةٍ، أو بالقرآن.
﴿هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ﴾ أي: جهة الشمال التي فيها الأشقياء، أو الشُّؤْم على
أنفسهم وعلى غيرهم.
﴿عَلَهِمْ نَارٌ﴾ عظيمةٌ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، من آصَدْتُ البابَ: إذا غلَّقته وأطبقته،
وهي لغةُ قريش على ما روي عن مجاهد، وظاهرُ كلام ابن عباس عدمُ الاختصاص
بهم، ومن ذلك قول الشاعر:
تَحِنُّ إلى أجبالِ مكةَ ناقتي ومِنْ دونها أبوابُ صنعاءَ مُؤْصدهُ(١)
ويجوز أن يكون من أوصدتُ بمعنى: غلَّقتُ أيضاً، وهُمِزَ على حَدِّ مَنْ قرأ:
((بالسؤق)) مهموزاً (٢).
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: ((موصدةٌ)) بغير همز(٣)، فيظهر أنه من ((أَوصدتُ))،
وقيل: يجوز أن يكون من ((آصَدْتُ)) وسُهِّلتِ الهمزةُ، وقال الشاعر:
قوماً يُعالج ثُمَّلاً أبناؤهم وسلاسِلاً ملساً وباباً مُوصدا(٤)
والمراد: مُغلَّقةٌ أبوابُها، وإنما أُغلقتْ لتشديد العذاب - والعياذ بالله
تعالی ۔ علیھم .
وصَرَّحَ بوعيدهم ولم يُصرِّحْ بوَعْدِ المؤمنين؛ لأنه الأنسبُ بما سِيقَ له الكلام،
والأوفقُ بالغرض والمرام، ولذا جيءَ بضمير الفصل معهم لإفادة الحصر، واعتُبروا
(١) البيت في إصلاح المنطق ص ١٨٠ دون نسبة، وأنشده ابن عباس لنافع بن الأزرق كما في
الدر المنثور ٣٥٥/٦ عن الطستي.
(٢) في قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْمَئًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] وهي قراءة قنبل كما في التيسير
ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢.
(٣) التيسير ص٢٢٣، والنشر ٣٩٥/١ وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي، وشعبة
عن عاصم، وحمزة إن وقف.
(٤) البيت للأعشى وهو في ديوانه ص٢٨١ .

سُورَةُ الجلد
٦٠
الآية : ٢٠
غُيَّباً كأنهم بحيثُ لا يصلحون بوجهٍ من الوجوه لأنْ يكونوا مُشاراً إليهم، ولم يسلكْ
نحوَ هذا المسلك في الجملة الأولى التي في شأن المؤمنين.
ونُقل عن الشمني أنه قال: الحكمةُ في تَرْكِ ضمير الفصل في الأولين، والإتيان
بَدَله باسم الإشارة، أنَّ اسمَ الإشارة يُؤتَى به لتمييز ما أُريد به أكملَ تمييز، كقوله:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنهِ من نسل شيبان بين الضَّالِ والسَّلَم(١)
ولا كذلك الضمير، فإنَّ اسمَ الإشارة البعيد يفيدُ التعظيمَ؛ لتنزيل رفعةِ محلٌ
المشار به إليه منزلةً بعد درجته، فاسمُ الإشارة للتعظيم، والإشارةُ إلى تمييزهم
واستحقاقهم كمالَ الشهرة، بخلاف أصحاب المشأمة، والضميرُ لا يفيد ذلك.
انتھی.
وفيه أنَّ اسمَ الإشارة كما يفيد التعظيمَ يُفيدُ التحقير، كما في قوله تعالی:
﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُُ اَلْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] وكمالُ الشهرة كما يكون في الخير
يكون في الشَّرِّ، فأيُّ مانع من اعتبار استحقاقهم كمالَ الشهرة في الشَّرِّ؟ وبالجملة
ما ذكره ليس بشيءٍ، ولعلَّ ما ذكرناه هو الأولى فتدبر.
(١) البيت لابن الرومي، وسلف ١٧ / ٩٩.