Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ١١ - ١٣
٢١
سُورَةُ الْفَجْرِ
إما مجرورٌ على أنه صفةٌ للمذكورين: عاد ومَنْ
﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ
١١
بعده، أو منصوبٌ أو مرفوعٌ على الذَّمِّ، أي: طغى كلُّ طاغيةٍ منهم في بلاده، وكذا
الكلام في قوله تعالى: ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ ﴾﴾ أي: بالكفر وسائر المعاصي.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أي: أنزل سبحانه إنزالاً شديداً على كلِّ طائفةٍ من أولئك
الطوائف، عَقِيبَ ما فعلتْ من الطغيان والفساد.
﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: سَوْطاً من عذابٍ، على أنَّ الإضافة بمعنى (من)) والعذاب
بمعنى المعذَّب به، والمراد بذلك ما حلَّ بكلِّ منهم من فنون العذاب التي شُرِحتْ
في سائر السور الكريمة.
والسَّوْطُ في الأصل مصدرٌ مِن سَاطَ يَسُوط إذا خَلَطَ، قال الشاعر:
أحارثُ إنَّا لو تُسَاطُ دماؤنا تَزَايَلْنَ حتى لا يَمَسَّ دٌّ دما (١)
وشاع في الجلد المضفور الذي يُضرَبُ به، وسُمِّي به لكونه مخلوطَ الطاقات
بعضها ببعض، أو لأنه يَخْلِطُ اللحمَ بالدم، والتعبيرُ عن إنزاله بالصَّبِّ للإيذان
بكثرته وتتابعه واستمراره، فإنه عبارةٌ عن إراقة شيءٍ مائعٍ، أو جارٍ مجراه في
السيلان كالحبوب والرمل، وإفراغه بشِدَّةٍ وكثرةٍ واستمرار، ونسبتُهُ إلى السوط - مع
أنه على ما سمعتَ ليس من هذا القبيل - باعتبار تشبيهه في سُرْعة نزوله بالشيء
المصبوب، وتسميةُ ما أُنزل سَوْطاً قيل: للإيذان بأنه على عِظَمه بالنسبة إلى ما أُعدَّ
لهم في الآخرة كالسوط بالنسبة إلى سائر ما يُعذّبُ به.
وفي ((الكشف)): إنَّ إضافةَ السَّوط إلى العذاب تقليلٌ لما أصابهم منه، ولا يأبى
ذلك التعبيرُ بالصَّبِّ المؤذِنِ بالكَثْرة؛ لأنَّ القِلَّةَ والكَثْرةَ من الأمور النسبية.
وجُوِّزَ أن يُرادَ بالعذاب التعذيبُ، والإضافةُ حينئذٍ على معنى اللام، وأَمْرُ
التعبير بالصَّبِّ والتسمية بالسوط على ما تقدم، والآيةُ من قبيل قوله تعالى: ﴿فَأَذَقَهَا
اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: ١١٢]. وجُوِّزَ أن تكون الإضافةُ كالإضافة في لُجَين الماء،
(١) البيت للمتلمس، وهو في الأصمعيات ص ٢٤٥، والشعر والشعراء ١٨١/١، ورسالة
الصاهل والشاحج ص٥٩٩.

الآية : ١٤
٢٢
سُوَةُ الْفَجْزِ
أي: فَصَبَّ عليهم ربك عذاباً كالسَّوْط، على معنى: أنواعاً من العذاب مخلوطاً
بعضُها ببعضٍ اختلاطَ طاقات السَّوط بعضها ببعض، وأن يكون السَّوْطُ مصدراً
بمعنى المفعول، والإضافةُ كالإضافة في ((جرد قطيفةٍ»(١)، أي: فَصَبَّ عليهم ربك
عذاباً مسوطاً، أي: مخلوطاً، ومآله: فَصَبَّ أنواعاً من العذاب خُلِطَ بعضُها
ببعض .
وفي ((الصحاح)): ((سَوْطَ عذابٍ)) أي: نصيبَ عذاب، ويقال: شِدَّته؛ لأنَّ
العذابَ قد يكون بالسوط(٢). وأراد أنَّ الغرضَ التصوير، والأليقُ بجزالة التنزيل
ما تقدم.
تعليلٌ لما قبله، وإيذانٌ بأنَّ كفار قومه وَّ سيصيبهم
١٤
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
مثلُ ما أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب، كما يُنبئُ عنه التعرُّضُ لعنوان
الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام.
والمرصاد: المكانُ الذي يقوم به الرَّصَد ويترقَّبون فيه، مِفْعالٌ من رَصَدَهُ
كالميقات من وَقَتَهُ، وفي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ: شُبِّهَ كونه تعالى حافظاً لأعمال
العصاة - على ما روي عن الضحاك - مترقِّباً نقيرها وقِظْميرها، بحيث لا ينجو منه
سبحانه أحدٌ منهم، بحالٍ مَنْ قَعَدَ على الطريق مترصِّداً لمن يسلكها، ليأخذه فيوقع
به ما يريد، ثم أُطلق لفظُ أحدهما على الآخر.
والآيةُ على هذا وعيدٌ للعصاة مطلقاً، وقيل: هي وعيدٌ للكَفَرة، وقيل: وعيدٌ
للعصاة وَوَعْدٌ لغيرهم، وهو ظاهرُ قول الحسن، أي: يَرصُدُ سبحانه أعمال بني
آدم.
وجوَّزَ ابن عطية(٣) كونَ المرصاد صيغة مبالغة، كالمِظْعام والمِطْعان. وتعقَّبه
أبو حيان بأنه لو كان كما زَعَمَ لم تدخل الباءُ؛ لأنها ليست في مكانٍ دخولها،
(١) أي: قطيفة انجرد خَمْلُها وخَلقَتْ، وهذا من إضافة الصفة للموصوف، ومثله: أخلاق
ثياب. ينظر النهاية (جرد)، وفيض القدير ٥٢٨/٥.
(٢) الصحاح (سوط).
(٣) في المحرر الوجيز ٤٧٩/٥.

الآية : ١٥
٢٣
سُورَةُ الفَجْزِ
لا زائدةً ولا غيرَ زائدة (١). وأُجيب بأنها على ذلك تجريدية، نعم يلزمهُ إطلاق
المرصاد على الله عزَّ وجلَّ، وفيه شيءٌ .
وقوله تعالى: ﴿فَمَّا أَلْإِنسَنُ﴾ إلخ متَّصلٌ بما عنده، كأنه قيل: إنه سبحانه
لبالمرصاد من أجل الآخرة، فلا يطلبُ عزَّ وجلَّ إلا السَّعيَ لها، فأما الإنسان
فلا يهمُّهُ إلا الدنيا ولذَّاتها، فإن نالَ منها شيئاً رضي، وإلا سَخِطَ، وكان اللائقُ أن
لا يهمَّهُ إلا ما يطلبه الله عزَّ وجلَّ، ولا يكون حالهُ ذلك.
وقيل: هو مثَّصلٌ به متفرٌِّ عليه على معنى: فالإنسانُ يؤاخَذُ لا محالةَ؛ لأنه بين
غِنَّى مهلكٍ مُوجبٍ للتكبِّر والافتخار بالدنيا، وبين فَقْرٍ لا يصبرُ عليه، ويكفرُ لأجله
بالجَزَع والقول بما لا ينبغي. وهو كما ترى.
إِذَا مَا أَبْئَلَهُ رَبُّهُ﴾ أي: عامله معاملةَ مَنْ يبتليه بالغنى واليسار، ليرى هل يشكرُ
أم لا .
والفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَأَكْرَمَدُ وَنَعَّمَهُ﴾ تفسيريةٌ، فإنَّ الإكرامَ والتنعيمَ عينُ
المراد بالابتلاء، ولَمَّا كان الإكرامُ والتنعيمُ في حُكْم شيءٍ واحدٍ اقتصر على قوله:
(أكرمن)) في قوله سبحانه: ﴿فَيَقُولُ رَبَِّ أَكْرَمَنٍ﴾، ولم يضمَّ إليه: ونعَّمني، وهذه
الجملةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو ((الإنسان))، والفاء لِمَا في ((أمَّا)) من معنى الشرط،
والظرفُ - أعني ((إذا)) - متعلِّقٌ بـ (يقول)) وهو على نية التأخير، ولا تمنعُ الفاء من
ذلك كما صرَّح به الزمخشريُّ(٢) وغيرُهُ من متقدِّمي النحاة، وتَبِعَهم مَنْ بعدهم
كأبي حيان والسمين(٣) والسفاقسي مع جَمْعٍ غفيرٍ من المفسِّرين، وهو كما قال
الشهاب: الحقُّ الذي لا محيدَ عنه، وخالفهم في ذلك الرضي ومَنْ تبعه كالبدر
الدماميني في (شرح المغني)) فقالوا: إنما يجوز تقديمُ ما بعد الفاء عليها إذا كان
المقدَّمُ هو الفاصل بين ((أما)) والفاء؛ لما يتعلَّقُ بتقديمه من الأغراض، فإن كان ثمَّةً
(١) البحر المحيط ٤٧٠/٨.
(٢) في الكشاف ٤/ ٢٥١.
(٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٧٠، والدر المصون ١٠/ ٧٨٧.

سُوْرَةُ الْفَجْزِ
٢٤
الآية : ١٦
فاصلٌ آخر امتنع تقديمُ غيره(١)، فيمتنعُ: أمَّا زيدٌ طعامَك فآكِلٌ، وإن جاز: أمَّا
طعامَك فزيدٌ آكِلٌ، وقالوا في ذلك: إنهم لَمَّا التزموا حَذْفَ الشرط، لَزِمَ دخولُ أداته
على فاء الجواب، وهو مستكرَةٌ، فدعتِ الضرورةُ للفصل بينهما بشيءٍ مما بعد
الفاء، والفاصلُ الواحدُ كافٍ فيه، فيجبُ الاقتصارُ عليه، وزَعَمَ الجلبيُّ مُحَنِّي
((المطوَّل))(٢) أنَّ هذا متَّفقٌ عليه، فَرَدَّ به على المفسِّرين إعرابَهم السابق، وقال: إنه
خطأٌ، والصوابُ أن يُجعَل الظرفُ متعلِّقاً بمقدَّرٍ وهو المبتدأ في الحقيقة، والتقدير:
فأما شأنُ الإنسان إذا .. إلخ، فالظرفُ من تتمة الجزء المفصول به وليس فاصلاً
ثانياً كقولك: أما إحسان زيدٍ إلى الفقير فَحَسَنٌ. ويَرِدُ على تقديره أنه لا يصحُ وقوعُ
جملةِ ((يقول)) خبراً عن الشأن إلا بتعسُّفٍ، كأن يكون الفعلُ بتأويل المصدر وإن لم
تكن معه في اللفظ ((أن)) المصدرية، كما قيل في: تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن
تراه(٣). وهو فرارٌ من السحاب إلى الميزاب، وذهب أبو البقاء إلى أنَّ ((إذا)»
شرطيةٌ، وقوله تعالى: (فَيَقُولُ) جوابها، والجملةُ الشرطيةُ خبرُ ((الإنسان))، ويلزمه
حَذْفُ الفاء بدون القول، وقد قيل: إنه ضرورةٌ(٤).
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّ إِذَا مَا أَبَلَئُهُ﴾ عامله معاملةَ مَنْ يبتليه ويختبره بالحاجة
والفقر ليرى هل يصبر أم لا ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِ﴾ بتقدير: وأما هو - أي:
الإنسان - إذا ما ابتلاه .. إلخ؛ ليصَّ التفصيلُ ويتمَّ التوازنُ، وبقيةُ الكلام فيه
كما في سابقه.
والظاهرُ أنَّ كلتا الجملتين متضمِّنةٌ لإنكار قول الإنسان الذي تضمَّنته، وإنکارُ
قوله إذا ضُيِّقَ عليه رزقه: ((ربِّي أهانن))؛ لدلالته على قصور نظره وسوء فكره، حيث
حَسِبَ أنَّ تضييقَ الرزق إهانةٌ، مع أنه قد يؤدِّي إلى كرامة الدارين، ولِعَدَمِ كونه
(١) جاء في هامش الأصل و(م): قيل: هذا في غير الظرف لتوسعهم فيه فليحفظ.
(٢) هو حسن جلبي بن محمد شاه الرومي الحنفي، بدر الدين المعروف بابن الفناري، المتوفى
سنة (٨٨٦هـ). نظم العقيان في أعيان الأعيان للسيوطي ص ١٠٥.
(٣) يضرب لمن خَبَرُهُ خيرٌ من مرآه. مجمع الأمثال ١٢٩/١.
(٤) حاشية الشهاب ٣٥٨/٨- ٣٥٩، وينظر الإملاء ٤/ ٤٦٥.

الآية : ١٦
٢٥
سُوَرَةُ الفَجْرِ
إهانةً أصلاً لم يقل سبحانه في تفسير الابتلاء: فأهانه وقَدَرَ عليه رزقه، نظير ما قال
سبحانه أولاً : (فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ).
وإنكارُ قوله إذا أُكرمَ: ((ربِّي أكرمني) مع قوله تعالى: (فَأَكْرَمَهُ) أولاً من حيث
إنه أثبتَ إكرامَ الله تعالى له على خلاف ما أثبتَ الله تعالى، وهو قصدُ أنَّ الله تعالى
أعطاه ما أعطاه إكراماً له مستحقًّا ومستوجباً قَصْداً جارياً على ما كانوا عليه من
افتخارهم وزَعْمهم جلالةَ أقدارهم.
والحاصلُ أنَّ المنكَرَ كونُهُ عن استحقاقٍ لِحَسَبٍ أو نَسَبٍ، وفي ((المفصل))
ما يدلُّ على أنَّ أصلَ الإكرام مُنكَرٌ، لا كونه عن استحقاقٍ، وإنكارُ أصل الإهانة
يَعضدُهُ، ووجهه ما أثبته تعالى من الإكرام أنَّ الله عز وجل أثبتَ الإكرامَ بإيتاء المال
والتوسعة، وهو جَعَلَهُ إكراماً كُلِّيًّا مثبتاً للزلفى عنده تعالى، فأنكر أنه ليس من ذلك
الإكرام في شيءٍ.
وجُوِّزَ أن يكون الإنكارُ إنكاراً للإهانة فقط، يعني أنه إذا تفضّل عليه بالخير
وأُكرم به، اعترفَ بتفضُّل الله تعالى وإكرامه، وإذا لم يتفضَّل عليه سمَّى تَرْكَ التفضُّل
هواناً، وليس به، قيل: ويعضده ذِكْرُ الإكرام في قوله تعالى: (فَأَكْرَمَهُ) وفي الآية مع
ما بعدُ شَمَّةٌ من أسلوب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًاً
وَإِذَا مَسَّهُ أُلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١]. ولا يخفى أنَّ الوجه هو الأول.
٢٠
وقرأ ابن كثير: ((أكرمني وأهانني)) بإثبات الياء فيهما(١). ونافعٌ بإثباتها وَضْلاً
وحَذْفها وَقْفاً، وخيَّرَ في الوجهين أبو عمرو، وحَذَفَها باقي السبعة فيهما وَضْلاً
ووَقْفاً، ومَنْ حَذَفها وَقْفاً سَأَّنَ النون فيه(٢).
وقرأ أبو جعفر وعيسى وخالد والحسن بخلافٍ عنه، وابن عامر: ((فَقَدَّرَ))
بتشديد الدال للمبالغة(٣).
(١) وهي قراءة ابن كثير من رواية البزي عنه. التيسير ص٢٢٣، والنشر ٤٠٠/٢-٤٠١، والكلام
من البحر ٨/ ٤٧٠ .
(٢) البحر ٨/ ٤٧٠.
(٣) النشر ٢/ ٤٠٠ عن ابن عامر وأبي جعفر، والكلام من البحر ٤٧٠/٨.

سُوَةُالْفَجْزِ
٢٦
الآية : ١٧ - ١٨
﴿كلّ﴾ُ رَدْعُ للإنسان عن قوليه المحكيّين، وتكذيبٌ له فيهما، لا عن الأخير
فقط كما في الوجه الأخير، وقد نصَّ الحسنُ على ما قلنا.
وقال ابن عباس ها: المعنى: لم أَبتله بالغنى لكرامته عليَّ، ولم أبتله بالفقر
لهوانه عليَّ، بل ذلك لمحض القضاء والقدر.
وقوله سبحانه: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْقِيِمَ ﴾﴾ إلخ انتقالٌ وترقٌّ من ذَمِّه بالقبيح
من القول إلى الأقبح من الفعل، والالتفاتُ إلى الخطاب لتشديد التقريع وتأكيد
التشنيع. وقيل: هو بتقدير: قل، فلا التفاتَ، نعم فيه من الإشارة إلى تنقيصهم
ما فيه، والجمعُ باعتبار معنى الإنسان؛ إذ المرادُ هو الجنس، أي: بل لكم
أفعالٌ وأحوالٌ أشدُّ شرًّا مما ذُكِرَ، وأدلُّ على تهالككم على المال، حيث
يكرمكم الله تعالى بكثرة المال، فلا تؤدُّون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم
بالمبرَّة به والإحسان إليه، وفي الحديث: ((أحبُّ البيوت إلى الله تعالى بيتٌ فيه
يتيمٌ مُكْرَمٌ)) (١).
وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدريُّ وأبو عمرو: ((لا يُكرِمُون)»
بياء الغيبة(٢).
﴿وَلَا تَّمُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين من تتحاضون، أي: ولا يحضُّ ويحثُ
بعضكم بعضاً.
﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾﴾ أي: على إطعامه، فالطعام مصدرٌ بمعنى الإطعام
كالعَطاء بمعنى الإعطاء. وزعم أبو حيان أنَّ الأَوْلى أن يُرادَ به الشيءُ المطعوم،
ويكونُ الكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: على بذل طعام المسكين(٣). والمرادُ
بالمسكين ما يعمُّ الفقير.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٤٣٤) من حديث ابن عمر رؤيهًا، وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم
الحُنَيني، وهو ضعيف. ينظر تهذيب التهذيب ١١٤/١، وأسنى المطالب ص ٢٠-٢١.
(٢) التيسير ص ٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٤٧١/٨.
(٣) البحر المحيط ٤٧١/٨ .

الآية : ١٩
٢٧
سُورَةُ الفَجْزِ
وقرأ عبد الله وعلقمةُ وزيد بن علي وعبد الله بن المبارك والشَّيزَري(١) عن
الكسائي كقراءة الجماعة، إلا أنهم ضمُّوا تاءَ ((تُحاضُّون)) من المحاضة(٢).
وقرأ أبو عمرو ومَنْ سمعتَ الحسنُ ومَنْ معه: ((ولا يَحضُّون)) بياء الغيبة
ولا ألف بعد الحاء، وباقي السبعة بتاء الخطاب كذلك، وكذا الفِعْلان بعدُ(٣).
والفعلُ على القراءتين جُوِّزَ أن يكون متعدِّياً ومفعوله محذوفٌ، فقيل: أنفسهم
أو أنفسكم، وقيل: أهليهم أو أهليكم. وقيل: أحداً، وجُوِّزَ - وهو الأَولى - أن
يكون منزَّلاً منزلةَ اللازم للتعميم.
﴿وَتَأْكُلُونَ الثَُّاثَ﴾ أي: الميراثَ، وأصله: وُرَاث، فأُبدلت الواو تاءً كما في:
تُخَمَة، وتگأة، ونحوهما.
﴿أَكْلًا لَمَّا﴾ أي: ذا لَمِّ، أو هو نفسُ اللَّمِّ على المبالغة، واللَّمُّ: الجمعُ،
ومنه قول النابغة:
ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تَلُمُّه على شَعَثٍ أيُّ الرجال المهذَّبُ (٤)
والمراد به هنا الجمعُ بين الحلال والحرام، وما يُحمَدُ وما لا يُحمَدُ، ومنه قول
الخُطَيئة:
إذا كان(٥) لَمَّا يَتْبَعُ الَّمّ ربّه فلا قدَّسَ الرحمنُ تلك الطواحنا(٦)
يعني: أنكم تجمعون في أَكْلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم،
ويُروى أنهم كانوا لا يُورِّثون النساءَ ولا صغارَ الأولاد، فيأكلون نصيبهم ويقولون:
لا يأخذ الميراثَ إلا مَنْ يقاتل ويحمي الحَوْزة، هذا وهم يعلمون من شريعة
(١) في (م): الشيرزي.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٨٠، والبحر ٤٧١/٨ .
(٣) التيسير ص٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٤٧١/٨.
(٤) ديوان النابغة ص١٨. قال البغدادي في الخزانة ٤٦٩/٩: يقول: أيُّ الرجال يكون مبرّاً من
العيوب؟ فإن قطعتَ إخوانك بذنب لم يبق لك أخ.
(٥) في هامش الأصل: أي الأكل.
(٦) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في الكشاف ٢٥٣/٤، والقرطبي ٢٧٩/٢٢.

سَُّةُ الْفَجْرِ
٢٨
الآية : ٢٠ - ٢١
إسماعيل عليه السلام أنهم يَرِثون، فاندفعَ ما قيل: إنَّ السورة مكيةٌ، وآيةُ المواريث
مدنية، ولا يُعلَمُ الحِلُّ والحُرْمةُ إلا من الشرع، فإنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العقليين ليسا
مذهباً لنا (١).
وقيل: يعني تأكلون ما جَمَعَهُ الميتُ المورِّثُ من حلالٍ وحرامٍ، عالمين بذلك،
فتلمُّون في الأكل بین حلاله وحرامه.
وفي ((الكشاف)»(٢): يجوز أن يذمَّ الوارثَ الذي ظَفِرَ بالمال سَهْلاً مَهْلاً من غير
أن يعرق فيه جبينُهُ، فيُسرفُ في إنفاقه، ويأكله أَكْلاً واسعاً، جامعاً بين ألوان
المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ونحوها، كما يفعله الوُرَّاثُ البطَّالون.
وتُعقِّبَ بأنه غيرُ مناسبٍ للسياق.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمًّا (®َ﴾ أي: كثيراً كما قال ابن عباس، وأنشد قولَ
أمية :
إنْ تغفرِ اللهمَّ تغفرْ جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمًّا(٣)
والمراد: إنكم تُحبُّونه مع حِرْصٍ وشَرَدٍ.
· رَدْعٌ لهم عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكَّتِ الْأَرْضُ دَّا دَّ﴾ إلى آخره، استئنافٌ جيءَ به بطريق
الوعيد تعليلاً للرَّدْع. والدَّّ قال الخليل: كسرُ الحائطِ والجبلِ ونحوهما، وتكريرُهُ
للدلالة على الاستيعاب، فليس الثاني تأكيداً للأول؛ بل ذلك نظيرُ الحال في نحو
قولك: جاؤوا رجلاً رجلاً، و: علَّمته الحساب باباً باباً، أي: إذا دَُّتِ الأرضُ
دًَّا متابعاً حتى انكسرَ وذهب كلُّ ما على وجهها من جبالٍ وأبنيةٍ وقصورٍ وغيرها،
حين زُلزلتِ المرَّةَ بعد المرَّة، وصارت هباءً منثوراً.
(١) فوقها في الأصل: من كلام القائل.
(٢) ٤/ ٢٥٣.
(٣) ديوان أمية بن أبي الصلت ص١١٤ .

الآية : ٢٢
٢٩
سُرَةُ الْفَجْزِ
وقال المبرِّد: الدَّكُّ: حَظُ المرتفع بالبَسْطِ والتسوية، واندًّ سنامُ البعير: إذا
انفرشَ في ظهره، وناقةٌ دَكَّاءُ: إذا كانت كذلك، والمعنى عليه: إذا سُوِّيتْ تسويةً
بعد تسويةٍ، ولم يبقَ على وجهها شيءٌ حتى صارت كالصخرة الملساء.
وأيَّاما كان فهو على ما قيل عبارةٌ عمَّا عَرَضَ للأرض عند النفخة الثانية.
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ قال منذر بن سعيد: معناه: ظهر سبحانه للخلق هنالك، وليس
ذلك بمجيءٍ نُقْلةٍ، وكذلك مجيءُ الطَّامَّة والصَّاشَّة.
وقيل: الكلامُ على حَذْفِ المضاف للتهويل، أي: وجاء أمرُ ربك وقضاؤه
سبحانه .
واختار جَمْعٌ أنه تمثيلٌ لظهور آيات اقتداره تعالى، وتبيُّن آثار قُدْرته عزَّ وجلَّ
وسلطانه عزَّ سلطانه، مُثِّلتْ حالُهُ سبحانه في ذلك بحال الملك إذا حَضَرَ بنفسه ظَهَرَ
بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصِّه عن
بَكْرةٍ أبيهم، وأنت تعلمُ ما للسَّلف في المتشابه من الكلام(١).
﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: جنسُ الملك، فيشملُ جميع ملائكة السماوات عليهم السلام.
﴿صَغَّا صَفَّا﴾ أي: مُصطفِّين، أو ذوي صفوفٍ، فإنه قيل: ينزل يومَ القيامة
ملائكةُ كلِّ سماءٍ، فيصطقُّون صفًّا بعد صفِّ بحَسَبٍ منازلهم ومراتبهم، مُحْدِقين
بالجنِّ والإنس. وقيل: يصطقُّون بحَسَبِ أمكنة أمورٍ تتعلَّقُ بهم. وهو قريبٌ
مما ذُكِرَ. وروي أنَّ ملائكةَ كلِّ سماءٍ تكونُ صفًّا حول الأرض. فالصفوف سبعةٌ
على ما هو الظاهر.
وقال بعض الأفاضل: الظاهرُ أنَّ ((المَلَكَ)) أعمُّ من ملائكة السماوات وغيرها،
وتعريفُهُ للاستغراق، واذَّعى أنَّ اصطفافهم بحَسَبِ مراتبهم اصطفافَ أهل الدنيا في
الصلاة. وظاهره أنه اصطفافٌ من غير تحديق، ورأيتُ غيرَ أثرٍ في أنهم يصطفُّون
مُحدِقِين(٢).
(١) ينظر ما سلف ٢٢٧/١٦ وما بعدها.
(٢) منها ما أخرجه ابن جرير في التفسير ٢٧١/٢٠ عن قتادة والسدي.

سُوَدَةُ الْفَجْرِ
٣٠
الآية : ٢٣
﴿وَبِأْىّءَ يَوْمَيلِمٍ بِجَهَنَّمْ﴾ قيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾
[النازعات: ٣٦] على أن يكون مجيئها متجوَّزاً به عن إظهارها.
واختير أنه على حقيقته، فقد أخرج مسلمٌ والترمذيُّ وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم وابن مردويه (١) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلَهُ: (( يُؤْتَى
بجهنمَ يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعونَ ألفَ ملكِ يجرُّونها)»، وفي
روايةٍ بزيادة: ((حتى تُنْصَبَ عن يسار العرش، لها تغيُّظُ وزفيرٌ))(٢).
وجاء في بعض الآثار أنَّ جبريل عليه السلام جاء إلى النبيِّ وَّرِ فناجاه، ثم قام
النبيُّ عليه الصلاة والسلام منكسرَ الطَّرْفِ، فسأله عليٌّ كرم الله تعالى وجهه،
فقال وَلّ: ((أتاني جبريلُ عليه السلام بهذه الآية: ﴿كَلَّ إِذَا ذُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ الآية))
فقال له عليّ كرم الله تعالى وجهه: كيف يُجاء بها، فقال رسول الله وَله: ((تُقاد
بسبعين ألفَ زمام، كلُّ زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شَرَدَتْ
عليهم شَرْدَةً انفلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها فأخذوها لأحرقت مَنْ في
الجمع))(٣)، وفي رواية: ((لولا أنَّ الله تعالى حَبَسَها لأحرقت السماوات
والأرض)) (٤).
وتأويل كلِّ ما ذُكِرَ ونحوه مما ورد وحَمْلُهُ على المجاز لا يدعو إليه إلا استحالةٌ
الانتقال الذي يقتضيه المجيءُ الحقيقيُّ على جهنم، وهو لَعَمْري غیرُ مستحيلٍ،
فيجوز أن تخرجَ وتنتقلَ من محلّها في المحشر، ثم تعود إليه، والحالُ في ذلك
اليوم وراءَ ما تتخيَّلهُ الأذهان.
(١) مسلم (٢٨٤٢)، والترمذي (٢٥٧٣)، وابن جرير ٣٨٩/٢٤، والكلام من الدر المنثور
٣٥٠/٦.
(٢) تفسير البغوي ٤٨٦/٤.
(٣) أخرجه ابن وهب في كتاب الأهوال كما في الدر المنثور ٣٤٩/٦ عن زيد بن أسلم قال:
جاء جبريل إلى النبي ◌َّ فناجاه ... ، وفيه: منكس الطرف. بدل: منكسر الطرف. وأخرجه
بنحوه الثعلبي في تفسيره ٢٠١/١٠، والواحدي في الوسيط ٤٥٨/٤-٤٥٩ من حديث
أبي سعيد الخدري ضُه .
(٤) أخرجه ابن مردويه من حديث علي ﴿به كما في الدر المنثور ٣٤٩/٦.

الآية : ٢٣
٣١
سُورَةُ الْفَجْزِ
﴿يَوْمَيدِ﴾ بدلٌ من ((إذا دُكَّت))، وظاهر كلام الزمخشريِّ أنَّ العامل فيه هو
العاملُ نفسُهُ في المبدل منه، أعني: قوله تعالى: ﴿يَذَكَّرُ الْإِسَنُ﴾(١)، وهو قولٌ
قد نُسِبَ إلى سيبويه، وفي ((البحر)): المشهور خلافه، وهو أنَّ البدلَ على نية تكرار
العامل(٢). والظاهر عندي الأولُ.
و((يتذكّر)) من الذِّكر ضِدِّ النسيان، أي: يتذكَّرُ الإنسان ما فرَّطَ فيه بتفاصيله
بمشاهدة آثاره وأحكامه، أو بإحضار الله تعالى إياه في ذهنه وإخطاره له، وإن لم
يشاهد بعدُ أثراً، أو بمعاينة عينه، بناءً على أنَّ الأعمال تتجسَّمُ في النشأة الآخرة،
فتبرزُ بما يناسبها من الصُّوَر حُسْناً وقُبْحاً. أو من التذكُّر بمعنى الانِّعاظ، أي: يتَّعظُ
بما يرى من آثار قدرة الله عزَّ وجلَّ وعظيم عظمته تعالى شأنه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَّ لَهُ الذِّكْرَى﴾ اعتراضٌ جيء به لتحقيق أنه ليس بتذُّرٍ
حقيقةً؛ لعرائه عن الجدوى لعدم وقوعه في أوانه، و((أنَّى)) خبرٌ مقدَّمٌ و((الذكرى))
مبتدأٌ، و((له)) متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به الخبرُ، أي: ومن أين تكونُ له الذكرى وقد فات
أوانها .
وقيل: هناك مضافٌ محذوفٌ، أي: وأنَّى له منفعةُ الذكرى، ولا بدَّ من تقديره
لئلا يكونَ تناقضٌ. وقد علمتَ أنَّ هذا يتحقَّقُ بما قُرِّرَ أولاً، على أنه إذا جُعِلَ
اختصاصُ اللام مقصوراً على النافع، استقامَ من غير تقدير، ويكونُ إنكار أنْ تكونَ
الذكرى له لا عليه، وأما كونه حكايةً لما كان عليه في الدنيا من عدم الاعتبار
والاتعاظ، فليس بشيءٍ.
واستُدِلَّ بالآية على أنَّ التوبةَ من حيث هي توبةٌ غيرُ واجبةِ القَبول عقلاً كما زعم
المعتزلة بناءً على وجوب الأصلح عندهم. وقيل في توجيهه: إنه لو وَجَبَ قبولها
لوجب قبولُ هذا التذكُّر، فإنه توبةٌ؛ إذ هي كما بُيِّنَ في محلِّه: الندمُ على المعصية
من حيث هي معصيةٌ، والعزمُ على أن لا يعودَ لها إذا قَدر عليها. ولم يعتبر أحدٌ في
(١) الكشاف ٤/ ٢٥٣.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٧١ .
٠٠

سُوَةُ الْفَجْزِ
معد
٣٢
الآية : ٢٤
تعريفها كونَها في الدنيا، وإن كانت النافعةُ منها لا تكون إلا فيها، وهذا التذكُّرُ هو
عينُ الندم المذكور، وقد صرَّح الضحاك - كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم(١) - بأنه
توبةٌ، ولم تُقْبَلْ لعدم ترتُّب المنفعة عليه التي هي من لوازم القبول.
واعتُرض بأنَّ المعتزلةَ إنما يقولون بوجوب قبولها بشرط عدم رَفْعِ التكاليف.
وقيل: إنَّ تذكُّرَهُ ليس من التوبة في شيء، فإنه عالمٌ بأنها إنما تكون في الدنيا
». ويُعلَمُ ما فيه مما تقدَّمَ
٢٤
كما يُعرب عنه قوله تعالى: ﴿یَقُولُ یَلَيْتَنِ قَدَّعْتُ ◌ِيَانِ
من توجيه الاستدلال، فلا تغفل.
وهذه الجملةُ بدلُ اشتمال من ((يتذكَّر))، أو استئنافٌ وَقَعَ جواباً عن سؤالٍ نشأ
منه، كأنه قيل: ماذا يقول عند تذكُّره؟ فقيل: يقول: يا ليتني .. إلخ، واللام
للتعليل، والمراد بحياته: حياتُه في الآخرة، ومفعولُ ((قدَّمتُ)) محذوفٌ، فكأنه
قال: يا ليتني قدَّمتُ لأَجْلٍ حياتي هذه أعمالاً صالحةً أنتفعُ بها فيها .
وقيل: اللام للتعليل، إلا أنَّ المعنى: يا ليتني قدَّمتُ أعمالاً صالحةً لأجل أنْ
أحيا حياةً نافعةً، وقال ذلك لأنه لا يموتُ ولا یحیا حينئذٍ. وهو كما ترى.
ويجوز أن تكونَ اللامُ توقيتيةً مثلُها في نحو: كتبته لخمسَ عشرةَ ليلةً مَضَين
من المحرَّم. و: جئتُ لطلوع الشمس، ويكون المراد بحياته حياتَه في الدنيا،
أي: يا ليتني قدَّمتُ وعملتُ أعمالاً صالحةً وقتَ حياتي في الدنيا، لأنتفع بها
الیومَ.
وليس في هذا التمنِّ شائبةُ دلالةٍ على استقلال العبد بفعله، وإنما يدلُّ على
اعتقاد كونه متمكِّناً من تقديم الأعمال الصالحة، وأما أنَّ ذلك بمحض قدرته تعالى
أو بخَلْق الله عزَّ وجلَّ عند صَرْفٍ قدرته الكاسبة إليه فكلّاً، وزَعَمَه الزمخشريُّ(٢)
دليلاً على الاستقلال، ورَدَّ به على المجبِّرة وهم عنده غيرُ المعتزلة؛ زَعْماً منه
المنافاةَ بين التمنِّي والحَجْر، وقد علمتَ أنه لا دلالة على ذلك، وفي ((الكشف)) أنَّ
(١) كما في الدر المنثور ٣٥٠/٦.
(٢) في الكشاف ٤/ ٢٥٣.

الآية : ٢٥ - ٢٦
٣٣
سُورَةُ الفَجْرِ
التمنِّي قد يقعُ على المستحيل، على أنه حالتئذٍ كالغريق، هذا وأهل الحق لا يقولون
بسَلْبٍ الاختيار بالكلية.
﴿فَيَدٍ﴾ أي: يومَ إذ يكونُ ما ذُكِرَ من الأحوال والأقوال.
﴿لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (١٥) وَلَا يُؤْثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ الهاء إما لله عزَّ وجلَّ، أي:
لا يتولَّى عذاب الله تعالى ووثاقه سبحانه أحدٌ سواه عزَّ وجلَّ، وكأنه قيل: لا يفعلُ
عذاب الله تعالى ووثاقه ولا يباشرهما أحدٌ، وذلك لأنَّ الفعل في ضمن كلِّ فعلٍ
خاصّ، واستعمل ذلك استعمالاً شائعاً في مثل:
وقد حِيلَ بين العِير والنَّزَوان(١)
و﴿ إِن تَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾ [الجاثية: ٣٢] فالعذاب مفعولٌ به، وكذا الوثاق، وفيه تعظيمُ
عذاب الله تعالى ووثاقه سبحانه لهذا الإنسان الذي شرح من أحواله ما شرح على
طريق الكناية، فما ادعاه ابن الحاجب من عدم قوة المعنى على تقدير عَوْدِ الضمير
إليه تعالى بناءً على فوات التعظيم الذي يقتضيه السياق، فللغفول عن نكتةِ الكناية.
وإما للإنسان الموصوف، والإضافةُ إلى المفعول، أي: لا يُعذِّبُ ولا يُوثِقُ
أحدٌ من الزبانية أحداً من أهل النار مثل ما يُعذِّبونه ويُوثقونه، كأنه أشدّهم عذاباً
ووثاقاً؛ لأنه أشدُّهم سيئات أفعال وقبائح أحوال. وهو وجهٌ حسنٌ، بل هو أرجحُ
من الأول على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.
وقرأ ابن سيرين وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وسلام
والكسائي ويعقوب وسهل وخارجة عن أبي عمرو: ((لا يُعذَّبُ ولا يُوثَقُ)) بالبناء
للمفعول(٢)، فالهاء في ((عذابه)) و((وثاقه)) للإنسان الموصوف، أي: لا يُعذّبُ أحدٌ
مثلَ عذابه، ولا يُوثَقُ بالسلاسل والأغلال مثلَ وثاقه؛ لتناهيه في كُفْرِه وشقاقه،
ونَصْبُ ((العذاب)) على المصدرية واقعٌ موقعَ التعذيب، إما لأنه بمعناه في الأصل
(١) عجز بيت لصخر بن عمرو، وهو في الشعر والشعراء ٣٤٥/١، والكامل للمبرد ١٤٢٦/٣،
والخزانة ٤٣٦/١، وصدره: أهمُّ بأمر الحزم لو أستطيعه.
(٢) التيسير ص ٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢ عن الكسائي ويعقوب، والكلام من البحر ٤٧٢/٨.

سُؤَدَةُالْفَجْزِ
٣٤
الآية : ٢٧
كالسلام بمعنى التسليم، ثم نُقِلَ إلى ما يُعذّبُ به، أو لأنه وُضِعَ موضعه كما يُوضَعُ
العطاءُ موضعَ الإعطاء، وكذلك الوثاق.
وجُوِّزَ أن يكون المعنى: لا يحملُ عذابَ الإنسان أحدٌ، ولا يُوثَقُ وثاقه أحدٌ،
كقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] والعذاب عليه جارٍ على
المتعارف، والنصبُ على تضمين التعذيب معنى التحميل. والأول أنسبُ بمقام
التغليظ على هذا الإنسان المفرِّط أوانَ التمّن، والوجهُ الثاني للقراءة الأولى
مطابقٌ لهذا كما لا يخفى، والمراد من أنه لا يُعذّبُ أحدٌ مثلَ عذابه أنه لا يُعذّبُ
أحدٌ من جنسه ـ كالعصاة - كذلك، فلا يلزمُ كونه أشدَّ عذاباً من إبليس ومَنْ في
طبقته .
ثم إنَّ الظاهر أنَّ المرادَ جنسُ المثَّصف بما ذُكِرَ. وقيل: المراد به أميَّةُ بن
خَلَف، وقيل: أُبِيُّ بن خَلَف، وهو خلافُ الظاهر، وإن قيل: إنَّ الآيةَ نزلتْ فيمَنْ
ذُكِرَ.
وأما القول بأنَّ هذا المعذَّب الموثق إبليس عليه اللعنة، فليس بشيءٍ؛ إذ لا يقال
له إنسانٌ، وكونُ الضمير له وإن لم يسبق له ذِكْرٌ لا للإنسان المذكور في قوله
تعالى: (يَوْمَيِذٍ يَنَذَكَّرُ الْإِنسَنُ) إلخ مما لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه.
وقرأ أبو جعفر وشيبة بخلاف عنه: ((وِثاقه)) بكسر الواو(١).
وقوله تعالى: ﴿يَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ (3﴾ إلخ حكايةٌ لأحوال مَن اطمأنَّ
بذِكْر الله تعالى وطاعته عزَّ وجلَّ إثرَ حكاية من اطمأنَّ بالدنيا وسَكَنَ إليها. وذُكِرَ أنه
على إرادة القول، أي: يقول الله تعالى: يا أيتها النفس .. إلخ، إما بالذات كما كلَّم
سبحانه موسى عليه السلام، أو على لسان الملك.
واستُظهرَ أنَّ ذلك القول عند تمام الحساب، وليُنظر التفاوت ما بين ذلك
الإنسان وهذه النفس، ذاك يقول: يا ليتني قدَّمتُ لحياتي، وهذه يقول الله تعالى
(١) البحر المحيط ٨/ ٤٧٢.

الآية : ٢٨
٣٥
سُورَةُ الْفَجْرِ
لها: يا أيتها النفس المطمئنَّة .. إلخ، وكأنه للإيذان بغاية التباين لم يذكرِ القول،
وتُعطَف الجملةُ على الجملة السابقة.
والنفس: قيل بمعنى الذات، ووُصِفتْ بالاطمئنان بذلك لأنها تترقَّى(١) بقوَّتها
العاقلة في معارج الأسباب والمسبّبات إلى المبدأ المؤثِّر بالذات جلَّت صفاته
وأسماؤه، فتضطربُ وتقلقُ قبل الوصول إلى معرفته تعالى، فإذا وصلت إليه عزَّ
وجلَّ اطمأنت واستغنت به سبحانه عن وجودها وسائر شؤونها، ولم تلتفتْ إلى
ما سواه جلَّ وعلا بالكلية.
وقيل: هي النفسُ المؤمنةُ المطمئنَّةُ إلى الحقِّ، الواصلةُ إلى ثلج اليقين
وبرودته، بحيث لا يُخالطها شكٌّ ما، ولا يمازجها سخونةُ اضطراب القلب في
الحق أصلاً. وهو وجهٌ حَسَنٌ، والارتباطُ عليه أنَّ هذه النفس هي المتَّعظةُ الذاكرةُ،
على خلاف الإنسان الموصوف فيما قبل، فإنَّ التذكُّرَ على قدر قوة اليقين، ألا ترى
إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ﴾ [الرعد: ١٩]؟.
وقيل: هي الآمنةُ التي لا يستفزُّها خوفٌ ولا حزنٌ يوم القيامة، أعني: النفس
المؤمنة اليومَ، المتوفَّة على الإيمان. وأُيِّدَ بقراءة أُبيِّ: ((يا أيتها النفس الآمنة
المطمئنة))(٢)، وكأنه لأنَّ الوصفين يعتبر تناسبهما في الأكثر، وهي على هذا أيضاً
تُقابِلُ السابقَ، وهو المتحسرُ المتحزِّنُ.
وقرأ زيد بن علي: ((يا أيها)) بغير تاء، وذكر صاحب ((البديع)) أنَّ ((أيًّا)) قد تُذكَّرُ
مع المنادى المؤنَّث، قيل: ولذلك وجهٌ من القياس، وذلك أنها كما لم تُثَنَّ ولم
تُجْمَعْ في نداء المثنَّى والمجموع، فكذلك لم تؤنَّثْ في نداء المؤنَّثِ (٣). واعتبارُ
النفس هاهنا مذكرةً ثم مؤنَّئَةً مما لا تلتفت إليه النفس المطمئنة.
﴿أَرْجِعِىّ﴾ أي: من حيث حُوسبتِ ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: إلى محلِّ عنايته تعالى
وموقف كرامته عزَّ وجلَّ لك أولاً، وهذا لأنَّ للسعداء قبلَ الحساب كما يُفهَمُ من
(١) في (م): لترقى، بدل: تترقى.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٧٣ .
(٣) البحر المحيط ٨/ ٤٧٢.

سُدَةُ الفَجْزِ
٣٦
الآية : ٢٨
الأخبار موقفاً في المحشر مخصوصاً يكرمهم الله تعالى به، لا يجدون فيه ما يجده
غيرهم في مواقفهم من النَّصَب، ومنه يُنادى الواحدُ بعد الواحد للحساب، فمتى
كان هذا القولُ عند تمام الحساب اقتضى أن يكون المعنى ما ذكر.
ويجوز أن يكون المعنى: ارجعي بتخلية القلب عن الأعمال، والالتفات إليها
والاهتمامٍ بأمرها، أَتُقْبَلُ أم لا؟ أي: إلى ملاحظة ربك والانقطاع إليه، وترك
الالتفات إلى ما سواه عزَّ وجلَّ كما كنت أولاً، كأنَّ النفسَ المطمئنَّةَ لَمَّا دعيت
للحساب شُغِلَ فكرُها - وإن كانت مطمئنةً - بمقتضى الطبيعة وحالِ اليوم بأمر
الحساب وما ينتهي إليه، وأنه ماذا يكون حالُ أعمالها أَتُقْبَلُ أم لا؟ فلما تمَّ حسابُها
وقُبلتْ أعمالها قيل لها ذلك؛ تطبيباً لقلبها بأنَّ الأمرَ قد انتهى وفُرِغ منه، وليس بعدُ
إلا كلُّ خيرٍ، ونداؤها بعنوان الاطمئنان لتذكيرها بما يقتضي الرجوع، نظير قولك
الشجاعٍ مشهور بالشجاعة أَحْجَمَ في بعض المواقف: يا أيها الشجاع أَقدِمْ
ولا تُحَجُمْ. والظاهر أنه على الأول لا يناسبها.
ولا يخفى ما في قوله سبحانه: (إِلَى رَبِّكِ) على الوجهين من مزيد اللُّطف بها،
ولذا لم يقل نحو: ارجعي إلى الله تعالى، أو: إليَّ.
﴿رَاضِيَةٌ﴾ أي: بما تُؤْتَيْنَهُ من النِّعَم التي لا تتناهى. وقد يقال: راضيةً بما نلتيه
من خِفَّة الحساب وقبول الأعمال. وليس بذاك.
﴿قَرْضِيَّةٌ﴾ أي: عند الله عزَّ وجلَّ.
وقيل: المراد: راضيةً عن ربك، مرضيةً عنده. وزُعِمَ أنه الأظهر. واعترض
بأنه غيرُ مناسبٍ للسياق، وفيه نظرٌ.
والوصفان منصوبان على الحال، والظاهر أنَّ الحالَ الأَولى مقدَّرةٌ، وقيل:
مقارِنةٌ، وذِكْرُ الحال الثانية من باب الترقِّي، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَرِضْوَنٌ
مِنَ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ (١) [التوبة: ٧٢].
(١) جاء في هامش الأصل: وما ألطف ما قيل:
إذا كنت عني يا منى القلب راضياً
أرى كلّ من في الكون لي يَتَّبسِّم

الآية : ٢٩ - ٣٠
٣٧
سُورَةُ الفَجْزِ
﴿فَادْخُلِ فِ عِبَدِی
سلکھم، وکوني في جملتهم.
في زمرة عبادي الصالحين المخلصين لي، وانتظمي في
٢٩
جَ﴾ عَطْفٌ على الجملة قبلها، داخلةٌ معها في حَيِّز الفاء المفيدة
﴿وَآدْخُلِ جَنَِّی
لكون ما بعدها عقيبَ ما قبلها من غير تراخٍ.
وكأنَّ الأمرَ بالدخول في جملة عباد الله تعالى الصالحين إشارةٌ إلى السعادة
الروحانية؛ لكمال استئناس النفس بالجليس الصالح، والأمرَ بدخول الجنة إشارةٌ
إلى السعادة الجسمانية، ولفَضْلِ الأولى على الثانية قُدِّمَ الأمرُ الأول، وجيء بالثاني
على وجه التتميم. ونكتةُ الالتفات فيهما ظاهرةٌ بأدنى التفات.
وتعدِّي الدخول أولاً بـ ((في)) وثانياً بدونها، قال أبو حيان: لأنَّ المدخولَ فيه
إن كان غير ظرف حقيقيٍّ تعدَّى إليه في الاستعمال بـ ((في))؛ تقول: دخلتُ في
الأمر، ودخلتُ في غمار الناس، وإذا كان ظَرْفاً حقيقيًّا تعدَّى إليه في الغالب بغير
وساطتها(١). فلا تغفل.
وقيل: المراد: ارجعي إلى موعد ربك، واستُظهر أنَّ المرادَ بموعده تعالى على
تقدير كون القول المذكور بعد تمام الحساب: ما وعده سبحانه من الجنة، والكونِ
مع عباده تعالى الصالحين، والفاءُ تفسيريةٌ.
واستشكل عليه الأمر بالرجوع؛ إذ يقتضي أن تكونَ الجنةُ مقرًّا للنفس قبل
ذلك.
وأُجيب بتحقُّقِ هذا المقتضَى بناءً على وجودها بالقوة في ظهر آدم عليه السلام
حين كان في الجنة، وقد قيل نحوُ هذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِىِ فَرَضَ عَلَيْكَ
اَلْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] على ما روي عن أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه وعن ابن عباس ﴿ها، من أنَّ المراد بالمعاد الجنة دون مكة.
وأنت تعلم أنَّ هذا على ما فيه لا يتمُّ إلا على القول بأنَّ جنةً آدم عليه السلام
هي الجنةُ التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، لا جنةٌ أخرى كانت في الأرض،
(١) البحر المحيط ٨/ ٤٧٢.

سُوَرَةُ الفَجْرِ
٣٨
الآية : ٣٠
والخلافُ في ذلك قويٌّ كما لا يخفى على مَنْ راجع كتاب ((مفتاح السعادة))(١)
للعلامة ابن القيم، واطّلع على أدلة الطرفين.
وقيل: المراد: ارجعي إلى أمر ربك. واستُظهر أنَّ المرادَ بالأمر على ذلك
التقدير واحدُ الأمور، ويُفسَّرُ بمعاملة الله تعالى إياها بما ليس فيه ما يشغل بالها،
أو بتمييزها بموقفٍ كريم، أو بنحو ذلك مما يتحقَّقُ معه ما يقتضيه ظاهر الرجوع.
وقيل: المراد: ارجعي إلى كرامة ربك، ويُرادُ جنسُ كرامته سبحانه، والرجوعُ
إليه باعتبار أنها كانت بعد الموت في البرزخ، أو بعد البعث وقبل الحساب في نوعٍ
منه، والفاءُ عليه قيل: تفسيريةٌ أيضاً.
وعن عكرمة والضحاك أنَّ ذلك القول عند البعث؛ فقيل: النفس بمعنى الذات
أيضاً، والمراد بالرَّبِّ هو الله عزَّ وجلَّ، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، ولا يُقدَّرُ محلٌّ
كرامته تعالى مراداً به الموقفُ الخاصُّ على ما سمعت؛ لأنه إنما يكون لها بعد.
وقيل: النفس بمعنى الروح، والمراد بالرَّبِّ الصاحب، وفُسِّر بالجسد، وباقي
الآية على حاله، أي: ارجعي إلى جسدك كما كنتِ في الدنيا، فادخلي بعد الرجوع
إليه في جملة عبادي، وادخلي دارَ ثوابي.
وقيل: المراد بالنفس والربّ ما ذُكِرَ، وقوله تعالى: (فِ عِبَدِى) على حَذْفٍ
مضافٍ، أي: فادخلي في أجساد عبادي. وجاء هذا في روايةٍ عن ابن عباس وابن
جبير، ولا يضرُّ الإفرادُ أولاً والجمعُ ثانياً؛ لأنَّ المعنى على الجنس.
وقال ابن زيد وجماعةٌ: إنَّ ذلك القول عند الموت، وأُيِّدَ بما أخرجه عبد بن
حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في ((الحلية)) عن ابن جبير
قال: قُرئتْ عِند النبيِّ وَّهِ: (يَّهَا النَفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ) الآية فقال أبو بكر ◌َظُه: إنَّ هذا
لَحَسَنٌ. فقال رسول الله وَّه: ((أما إنَّ الملك سيقولها لك عند الموت))(٢).
(١) ص١٢ وما بعدها .
(٢) تفسير الطبري ٣٩٦/٢٤، والحلية ٢٨٣/٤. والكلام من الدر المنثور ٦/ ٣٥٠. وهذا مرسل
حسن كما قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية.

الآية : ٣٠
٣٩
سُورَةُ الفَجْزِ
وجاء نحو هذا من رواية الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول))(١) من طريق ثابت بن
عجلان عن سليم بن عامر عن الصديق پته.
والنفس عليه بمعنى الروح، والمعنى على ما قيل: ارجعي بالموت إلى عالم
قُدْسِ ربك، راضيةً بما تؤتَّيْنَ من النعيم، أو راضيةً عن ربك، مرضيّةً عنده تعالى،
فادخلي في زمرة عبادي المقرَّبين سَكَنَةٍ حظائر القدس، وادخلي جنتي التي أعددتها
لذوي النفوس المطمئنّة، وهذان الدخولان يعقبان الرجوع، إلا أنَّ الدخولَ الأولَ
يعقبه بلا تراخٍ قبل يوم القيامة، والثاني يعقبه بتراخ لأنه يوم القيامة إن أُريد بدخول
الجنة دخولها على وجه الخلود، إلا أنَّ الأمر لتحقُّقه يجوز تعقيبه بالفاء.
وجُوِّزَ أن يكون تعقيبُ الأمرين على هذا النمط إن أُريد بالدخول في عباده
تعالى انتظامها في سلك العباد الصالحين المخلصين من جنسها، ويجوز على إرادة
هذا التعقيب أن يُرادَ: فادخلي في أجساد عبادي.
وجُوِّزَ أن يكون تعقيبُ الأمرين بلا تراخٍ إن أُريد بالدخول في العباد الدخول
في زمرة المقربين من سَكَنَةٍ حظائر القدس، وبالدخول في الجنة الدخول لا على
وجه الخلود، بل لنوعٍ من التنعُّم إلى أن تقوم الساعة، ففي الحديث: ((إنَّ أرواح
المؤمنين في حواصل طيور في الجنة))(٢)، وفي بعض الآثار: ((إذا مات المؤمن
أعطي نصفَ الجنة))(٣) أي: نصفَ جَّته التي وُعِدَ دخولها يوم القيامة، وذُكِرَ في
وجه إدخالها مع الأرواح القدسية أنها (٤) كالمرايا المصقولة، فإذا انضمَّ بعضُها إلى
بعضٍ تعاكست أشعةُ أنوار المعارف، فيظهرُ لكلٍّ منها ما يُكمِّلها، فيكونُ سبباً
لتكامل(٥) السعادات، وتعاظم الدرجات، وهو عندي كلامٌ خِطابيٍّ.
(١) ص١٩ دون ذكر الإسناد.
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (١٥٧٧٨)، والنسائي ١٠٨/٤، وابن ماجه (١٤٤٩) من حديث كعب بن
مالك .
(٣) لم نقف عليه.
(٤) قوله: أنها، ليس في (م).
(٥) قبلها في (م): أنها .

سُورَةُ الْفَجْرِ
٤٠
الآية : ٣٠
وعن بعض السلف ما يُؤْيِّدُ بعضَ هذه الأوجه، أخرج ابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم عن أبي صالح أنه قال في الآية: (أَرْجِعِيّ إِلَى رَيِكِ) هذا عند الموت،
ورجوعُها إلى ربِّها خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لها: ادخلي في
عبادي، وادخلي جنتي(١).
وقيل: إنَّ هذا القول بعد الموت وقبل القيامة، والمراد برجوعها إلى ربها
رجوعُها إلى جسدها لسؤال الملكين، أخرج ابن المنذر(٢) عن محمد بن كعب
القرظي أنه قال في الآية: إنَّ المؤمنَ إذا مات أُريَ منزله من الجنة، فيقول تبارك
وتعالى: يا أيتها النفس المطمئنة عندي، ارجعي إلى جسدك الذي خرجتٍ منه،
راضيةً بما رأيتٍ من ثوابي، مرضيًّا عنك، حتى يسألك منكرٌ ونكيرٌ.
وقيل: إنه في مواطنَ ثلاثة، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم
أنه قال في الآية: بُشِّرتْ بالجنة عند الموت وعند البعث ويوم الجمع(٣). وتُفسَّرُ
عليه بما ينطبق على الجميع.
وقيل: يجوز أن يكون ذلك في سائر أوقات النفس في حياتها الدنيا، والمراد
بالأمر بالرجوع إلى الرَّبِّ: الأمرُ بالرجوع إليه تعالى في كلِّ أمرٍ من الأمور،
والمرادُ بالأمر بالدخول في العباد: الأمرُ بالدخول في زمرة العباد الخُلَّص، الذين
ليس للشيطان عليهم سلطان، بالإكثار من العمل الصالح، وبالأمر بالدخول في
الجنة: الأمرُ بالدخول فيها بالقوة القريبة، فكأنه سبحانه بعد أن بالغ جلَّ وعلا في
سوء حال الأمَّارة ووعيدها، خاطَبَ المطمئنّة بذاك، وأَرشدَها سبحانه إلى ما فيه
صلاحُها ونجاتُها .
ولا يخفى ما فيه، فلا ينبغي أن يُعَدَّ وجهاً.
وأيَّاما كان من الأَوْجُه فالظاهر العموم فيها وإن أخرج ابن أبي حاتم من طريق
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عثمان بن عفان ربه حين اشترى
(١) الدر المنثور ٣٥١/٦، وهو في تفسير الطبري ٢٩٦/٢٤ .
(٢) كما في الدر المنثور ٣٥١/٦.
(٣) الدر المنثور ٣٥١/٦.