Indexed OCR Text

Pages 481-500

الآية : ١٥
٤٨١
سُورَةُ الأَعَلى
وقيل: آتى الزكاةَ. وروي هذا عن أبي الأحوص وقتادة وجماعة.
﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِهِ﴾ بلسانه وقلبه، لا بلسانه مع غفلة القلب؛ إذ مِثْلُ ذلك لا ثوابَ
فيه، فلا ينبغي أن يدخل فيما يترتَّبُ عليه الفلاح، والذِّكْرُ القلبيُّ باستحضار اسمه
تعالى في القلب وإن كان ممدوحاً بلا شبهة إلا أنَّ إرادته بخصوصه مما ذُكِرَ خلافُ
الظاهر، وحكاه في ((مجمع البيان))(١) عن بعضٍ، وما روي عن ابن عباس من قوله:
أي: ذَكَرَ معادَهُ وموقفه بين يدي ربه عزَّ وجلَّ، ظاهرٌ فيه وفي إقحام لفظ ((اسم)).
وذهب بعضُ الحنفية إلى أنَّ المراد بهذا الذكر تكبيرةُ الافتتاح، كأنه قيل: وكَبَّر
للافتتاح ﴿فَصَلَّى ®﴾ أي: الصلوات الخمس، كما أخرجه ابن المنذر وغيره عن
ابن عباس(٢)، وروي ذلك في حديث مرفوع(٣). وقيل: الصلاةَ المفروضةَ وما أمكنَ
من النوافل. واحتجَّ بذلك على وجوب التكبيرة، حيث نِيطَ به الفلاحُ، ووقع بين
واجبين، بل فَرْضين: التَّزَكِّي من الشرك والصلاة، مع أنَّ الاحتياط في العبادات
واجبٌ فلا يضرُّ الاحتمال.
وعلى أنَّ الافتتاحَ جائزٌ بكلِّ اسمٍ من أسمائه عزَّ وجلَّ، وهو ظاهرٌ.
وعلى أنَّ التكبيرةَ شرطٌ لا ركنٌ؛ للعطف بالفاء، وعَظْفُ الكلِّ على الجزء
كعطفِ العامِّ على الخاصِّ وإن جاز لا يكون بها، مع أنه لو سُلِّم صحته بتكلُّفٍ
فلا بدَّ له من نُكْتَةٍ ليُدَّعى وقوعه في الكلام المعجز، فحيث لم تظهرْ لم يصحّ
ادِّعاؤه وبناءُ الركنية عليه. والإنصافُ أنه مع ما سمعت احتجاجٌ ليس بالقوي.
وقيل: هو خصوصُ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) قبل الصلاة. وليس بشيء.
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ((تزلَّى)) أي: تصدَّقَ صدقةَ الفطر، و((ذَكَرَ اسم
ربه)»: كَبَّر يوم العيد فصلَّى صلاة العيد. وعن جماعةٍ من السلف ما يقتضي ظاهره
ذلك.
(١) ١٠٩/٣٠.
(٢) الدر المنثور ٣٣٩/٦. وأخرجه الطبري ٣٢١/٢٤، وابن أبي حاتم ٣٤١٧/١٠.
(٣) قطعة من حديث جابر الذي سلف قربياً.

سُورَةُ الأَعَلى
٤٨٢
الآية : ١٥
وتُعقِّبَ بأنَّ الصلاةَ مقدَّمةٌ على الزكاة في القرآن، وأنَّ السورةَ مكيةٌ، ولم يكن
حينئذٍ عيدٌ ولا فِظْرٌ.
وَرُدَّ بأنَّ ذلك إذا ذُكِرَتْ باسمها، أما إذا ذُكرت بفعلٍ فتقديمُها غيرُ مُظَّردٍ، ومنه
﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَ صَلَى﴾ [القيامة: ٣١] على أنه يجوز أن تكونَ مخالفةُ العادة هاهنا
للإرشاد إلى أنَّ هذه الزكاةَ المقدَّمة قولاً ينبغي تقديمُها فعلاً على الصلاة، ولهذا
كانوا يُخرجونها قبلَ أن يُصلُّوا العيدَ كما جاء في الآثار، وكونُ السورة مكيةً غيرُ
مُجمَعٍ عليه، وعلى القول بِمَكِّيَّتها - الذي هو الأصح - يكون ذلك مما تأخّرَ حُكْمُهُ
عن نزوله.
وأقول: يجوز أن يقال: ((تزَّى))، أي: تطهّر من الشرك بأن آمن بقلبه و((ذَكَرَ
اسمَ ربِّه))، أي: قال: لا إله إلا الله، ((فصلَّى))، أي: الصلاةَ المفروضة. وأخرج
ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ما يؤيده(١)، فيكون ((تزَّى))
إشارة إلى التصديق بالجَنان و((ذَكَرَ اسمَ ربِّه )) إلى النطق باللسان، و((صلى)) إلى
العمل بالأركان؛ لِمَا أنَّ الصلاةَ عمادُ الدين، وأفضلُ الأعمال البدنية، وناهيةٌ عن
الفحشاء والمنكر، فلا بِدع أن تُذْكَرَ فيُرادَ جَمْعُ الأعمال البدنية والعبادات
القالبية.
وقد يقال: اقتصرَ على ذِكْرِ الصلاة لأنَّ الفرائضَ والواجباتِ البدنية لم تكن
تامةً يومَ نزول السورة، وكانت الصلاةُ أهمّ ما نزل إن كان نزل غيرُها، وقد روى
عطاءٌ عن ابن عباس، ويزيد النحويُّ عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن أنَّ أولَ
ما نزل من القرآن بمَّة: ﴿أَفْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ ثم ﴿ن﴾ ثم ((المزمل))، ثم ((المدثر)»، ثم
﴿َبَّتْ﴾ ثم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ ثم ﴿سَيِجِ اسْمَ رَبِّكَ﴾(٢) ثم إن من رِدافٍ (٣) لا إله
إلا الله: محمد رسول الله، وكان ذِكرُ الله تعالى المطلوب هو مجموع الجملتين،
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٣٤١٧/١٠، وتفسير الطبري ٣١٩/٢٤، ٣٢١.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٤٢ .
(٣) أي: توابع، الرِّداف: جمع الرِّدف والرديف، وهو كل ما تبع شيئاً. معجم متن اللغة
(ردف).

الآية : ١٦
٤٨٣
سُورَةُ الأَعَلى
فلا بُعْدَ في أن يُرادَ من ذِكْرِه تعالى في الآية، وإذا اعتُبر الإتيانُ باسمه عزَّ وجلَّ في
الجملة الثانية على الوجه الذي أتى به ذِكْراً له تعالى، كان أمرُ الإرادة أقربَ، وهذا
الوجهُ لا يخلو عن حُسْنِ.
وكلمةُ ((قد)) لما أنه عند الإخبار بسوء حال المتجنِّب عن الذِّكر في الآخرة
يتوقَّعُ السامعُ الإخبارَ بحُسْن حال المتذكِّر فيها، ولا يَبْعُدُ أن تكونَ الجملةُ مستأنفةً
استئنافاً جواباً لسؤالٍ نشأ عن بيانِ حال المتجنِّب، والسكوتِ عن حال المتذكِّر
الذي يخشى، فكأنه قيل: ما حالُ مَنْ تذكَّر، فقيل: قد أفلح .. إلى آخره.
وكان الظاهرُ: قد أفلح مَنْ تذكَّر، إلا أنه وُضِعَ ((مَنْ تزَّى)) إلى آخره موضعَ
((مَنْ تذكَّر)) إشارة إلى بيان المتذكر بسماته.
[1﴾ إضرابٌ عن مُقدَّرٍ ينساق إليه
وقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنَّا
الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: لا تفعلون ذلك بل تؤثرون .. إلخ،
ولعلَّهُ مرادُ مَنْ قال: إنه إضرابٌ عن ((قد أفلح)) إلخ.
وقيل: إضرابٌ عن بيان حال المتذكِّر والمتجنِّب، إلى بيان أنه لا ينفع هذا
البيانُ وأضعافُه المتمرِّدينَ، على وجهٍ يتضمَّنُ بيانَ سبب عدم النفع، وهو إيثار
الحياة الدنيا. والخطابُ على هذا للكفرة الأَشْقَيْنَ من أهل مكة، وعلى الأول
يحتملُ أن يكون لهم، فالمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا والاطمئنان بها،
والإعراض عن الآخرة بالكلية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا
وَرَضُواْ بِاَلْمَوَةِ الدُّنْيَا وَأْمَأَنُواْ بِهَا﴾ الآية [يونس: ٧] ويحتمل أن يكون لجميع الناس على
سبيل التغليب، فالمراد بإيثارها ما هو أعمُّ مما ذُكِرَ، وما لا يخلو عنه الناس غالباً
من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي وترتيب المبادي. وعن ابن مسعود
ما يقتضيه .
والالتفاتُ على الأول لتشديد التوبيخ، وعلى الثاني كذلك في حقِّ الكفَرة،
ولتشديد العتاب في حق المسلمين.
وقيل: لا التفات؛ لأنه بتقدير ((قل)).

سُورَةُ الأَعَلى
٤٨٤
الآية : ١٧ - ١٩
وقرأ عبد الله وأبو رجاء والحسن والجحدري وأبو حيوة وابن أبي عبلة .
وأبو عمرو والزعفراني وابن مقسم: ((يؤثرون)) بياء الغيبة(١).
حالٌ من فاعل ((تؤثرون» مؤكّدة للتوبيخ
وقوله تعالى: ﴿وَلَخِرَةُ خَيْرٌ وَبَقَ (َ
والعتاب، أي: تؤثرونها على الآخرة والحالُ أنَّ الآخرةَ خيرٌ في نفسها؛ لِمَا أنَّ
نعيمها مع كونه في غاية ما يكون من اللَّذَّة خالصٌ عن شائبة الغائلة أبديٌّ لا انصرامَ
له. وعدمُ التعرُّض لبيان تكوُّر نعيم الدنيا بالمنغِّصات وانقطاعِه عمَّا قليلٍ لغاية
الظهور.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ إشارةٌ - على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد - إلى
قوله تعالى: (وَآَخِرَةُ خَّرٌ وَأَبْقَ)(٢) وروي ذلك عن قتادة.
وقال غيرُ واحدٍ: إشارةٌ إلى ما ذُكر من قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزََّّ) إلخ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث ما يشهد له.
وقال الضحاك: إشارةٌ إلى القرآن، فالآيةُ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ الْأَوَّلِينَ﴾
[الشعراء: ١٩٦].
وعن ابن عباس وعكرمة والسدي: إشارةٌ إلى ما تضمّنته السُّوَر جميعاً. وفيه
بعدٌ.
﴾ أي: ثابتٌ فيها معناه، وقرأ الأعمش وهارون
١٨
﴿لَفِى الضُّحُفِ اَلْأُولَى
وعصمة كلاهما عن أبي عمرو بسكون الحاء، وكذا فيما بعد، وهي لغةُ تميمٍ على
ما في ((اللوامح))(٣).
بدلٌ من «الصحف الأولى)) وفي إبهامها وَوَصْفِها
﴿ُحُفٍ إِزَهِيَمَ وَمُوسَى
بالقِدَم ثم بيانها وتفسيرها من تفخيم شأنها ما لا يخفى، وكانت صحفُ إبراهيمَ
عشرة، وكذا صحف موسى عليه السلام، والمراد بها ما عدا التوراة، أخرج عبد بن
(١) التيسير ص٢٢١، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٤٦٠/٨.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٣٢٤-٣٢٥.
(٣) البحر المحيط ٤٦٠/٨.

الآية : ١٩
٤٨٥
سُورَةُ الأَعَلى
حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: كم أنزل الله
تعالى من كتاب؟ قال: ((مئة كتاب وأربعة كتب، أَنزل على شيث خمسين صحيفة،
وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل
التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان)). قلت:
يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: ((أمثالٌ كلُّها، أيها الملك المتسلِّط
المُبتَلَى(١) المغرور، لم أبعثك لتجمعَ الدنيا بعضها إلى بعض، ولكنْ بعثتكَ لتردًّ
عني دعوةَ المظلوم، فإني لا أردُّها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن
مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربَّه، وساعةٌ
يُحاسبُ فيها نفسَهُ ويتذكَّر فيما صنع، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من الحلال، فإنَّ
في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات، واجتماعاً للقلوب، وتفريغاً لها. وعلى
العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، فإنَّ مَنْ حَسَبَ
كلامَهُ من عمله أقلَّ الكلام إلا فيما يعنيه. وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث:
مَرَمَّةٌ لمعاش، أو تزوُّدٌ لمعاد، أو تلذُّذُ في غير محرَّم)). قلت: يا رسول الله،
فما كانت صحف موسى؟ قال: ((كانت عِبَراً كلّها: عجبتُ لمن أيقن بالموت ثم
يفرح، ولمن أيقن بالنار ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلُّبها بأهلها ثم يطمئنُّ
إليها، ولمن أيقن بالقَدَر ثم يغضب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل)) قلت:
يا رسول الله، هل أنزل عليك شيءٌ مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال:
((يا أبا ذر نعم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَّى ﴿ وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَ ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنيا
وَلَخِرَةُ خَرٌّ وَأَبْقَ ﴾﴾(٢). والله تعالى أعلم بصحّة الحديث.
وقرأ أبو رجاء: ((إبرهمَ)) بحذف الألف والياء، وبالهاء مفتوحةً ومكسورةً،
(١) قبلها في الأصل و(م): على، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) تاريخ دمشق ٢٧٨/٢٣، والكلام من الدر المنثور ٣٤١/٦، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢٦٩٩/٧،
وفيه يحيى بن سعد السعدي عن ابن جريج، قال ابن عدي: هذا حديث منكر من هذا
الطريق عن ابن جريج، ويحيى بن سعد هذا يعرف بهذا الحديث.
وأخرجه ابن حبان (٣٦١) بإسناد آخر عن أبي ذر، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني،
قال عنه أبو حاتم: كذاب، كما في الجرح والتعديل ٢/ ١٤٢-١٤٣.

سُورَةُ الأَعَلى
٤٨٦
الآية : ١٩
وعبد الرحمن بن أبي بكرة بكسرها لا غير. وقرأ أبو موسى الأشعري وابن الزبير:
(إبراهام)) بألفين في كلِّ القرآن. وقرأ مالك بن دينار: ((إبراهَم)) بألفٍ وفتح الهاء
وبغير ياء(١). وجاء كما قال ابن خالويه: ((إبرهُم)) بضم الهاء بلا ألفٍ ولا ياء(٢).
وهذا من تصرُّفات العرب في الأسماء الأعجمية، فإنَّ إبراهيم على الصحيح
منها، وحكى الكرمانيُّ في عجائبه أنه اسمٌ عربيٍّ مشتقٌّ من البرهمة، وهي شِدَّةُ
النظر. ونَسَبُهُ قد تقدم، وكذا نَسَبُ موسى صلى الله تعالى عليهما وسلم.
(١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٧٢، والبحر ٤٦٠/٨، وعنه نقل المصنف.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٢ .

سُورَةُ الْغَاشِيَّةِ
مكيةٌ بلا خلاف، وعِدَّةُ آياتها سِتُّ وعشرون كذلك، وكان ◌َّ كما أخرج
مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير يقرؤها في الجمعة مع
سورتها(١).
ولما أشار سبحانه فيما قبلُ إلى المؤمن والكافر والجنة والنار إجمالاً، بَسَطَ
الكلامَ هاهنا فقال عزَّ قائلاً:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قيل: ((هل)) بمعنى ((قد)) وهو ظاهرُ كلام
﴿هَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
قُظْرب حيث قال: أي: قد جاءك يا محمدُ حديثُ الغاشية. والمختار أنه
للاستفهام، وهو استفهامٌ أريد به التعجيبُ مما في حَيِّزه، والتشويقُ إلى استماعه،
والإشعارُ بأنه من الأحاديث البديعة التي حَقُّها أن تتناقلها الرواة، ويتنافس في
تلقُّنها الوعاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال: مرَّ النبيُّ وَّر على
امرأةٍ تقرأ: ﴿هَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فقام عليه الصلاة والسلام يستمعُ ويقول:
((نعم قد جاءني))(٢).
((والغاشيةُ)): القيامة، كما قال سفيان والجمهور، وأُطلق عليها ذلك لأنها
تغشى الناسَ بشدائدها، وتكتنفهم بأهوالها .
(١) مسلم (٨٧٨)، وأبو داود (١١٢٢)، والنسائي في المجتبى ١٨٤/٣، وهو عند أحمد
(١٨٣٨٣)، وسلف ص١٠٢ من هذا الجزء.
(٢) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وهو مرسل.

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
٤٨٨
الآية : ٢ - ٣
وقال محمد بن كعب وابن جبير: هي النار، من قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَىْ وُجُوهَهُمُ
النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقوله سبحانه: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. وليس
بذاك، فإنَّ ما سيروى(١) من حديثها ليس مختصًّا بالنار وأهلها، بل ناطقٌ بأحوال
أهل الجنة أيضاً .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ﴾ المرفوعُ مبتدأٌ، وجاز الابتداءُ به وإن كان نكرةً؛ لوقوعه في
موضع التنويع، وقيل: لأنَّ تقديرَ الكلام: أصحابُ وجوه. والخبرُ ما بعد،
والظرفُ متعلّقٌ به، والتنوينُ عِوَضٌ عن جملةٍ أشعرت بها الغاشية، أي: يومَ إذ
غشيت، والجملةُ إلى قوله تعالى: (مَثُونَةُ) استئنافٌ وَقَعَ جواباً عن سؤالٍ نشأ من
الاستفهام التشويقي، كأنه قيل من جهته عليه الصلاة والسلام: ما أتاني حديثُها،
ما هو؟ فقيل: ((وجوه)) إلخ؛ قال ابن عباس ﴿ه: لم يكن أتاهُ وَّهِ حديثُها، فأخبره
سبحانه عنها فقال جلَّ وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ خَشِعَةٌ
والمراد بـ ((خاشعة)): ذليلة، ولم توصف بالذُّلِّ ابتداءً؛ لما في وَصْفها
بالخشوع من الإشارة إلى التهكّم، وأنها لم تخشَعْ في وقتٍ ينفعُ فيه الخشوع،
وكذا حالُ وَصْفها بالعمل في قوله سبحانه: ﴿عَامِلَةٌ﴾ على ما قيل، وهو وقوله
خبران آخران لـ ((وجوه)) إذ المراد بها أصحابها، وفي ذلك
تعالى: ﴿نَصِبَةٌ
احتمالاتٌ(٢) أُخر ستأتي إن شاء الله تعالى.
أي: عاملةٌ في ذلك اليوم تعبةٌ فيه، وذلك في النار على ما روي عن ابن عباس
والحسن وابن جبير وقتادة، وعملُها فيها على ما قيل جَرُّ السلاسل والأغلال،
والخوضُ فيها خوضَ الإبل في الوحل، والصعودُ والهبوطُ في تلالها وَوِهَادها،
وذلك جزاءُ التكبُّر عن العمل وطاعة الله تعالى في الدنيا .
وعن زيد بن أسلم أنه قال: أي: عاملةٌ في الدنيا، ناصبةٌ فيها؛ لأنها على غير
هدّى، فلا ثمرةَ لها إلا النَّصَب، وخاتمته النار. وجاء ذلك في روايةٍ أخرى عن ابن
(١) في (م): ما سيرى.
(٢) في (م): الاحتمالات.

الآية : ٤ .
٤٨٩
سُؤَةُ الْغَاشِيَةِ
عباس وابن جبير أيضاً. والظاهرُ أنَّ الخشوع عند هؤلاء باقٍ على كونه في الآخرة،
وعليه فـ ((يومئذ)) لا تَعلُّقَ له بالوصفين معنَى، بل متعلّقهما في الدنيا، ولا يخفى
ما في هذا الوجه من البعد، وظهورُ أنَّ العملَ لا يكون في الآخرة - بعد
تسليمه - لا يجدي نفعاً في دَفْعٍ بُعْده.
وقال عكرمة: عاملةٌ في الدنيا ناصبةٌ يوم القيامة. والظاهرُ أنَّ الخشوعَ على
ما مرَّ، ولا يخفى ما في جَعْلِ المُحاط باستقباليين ماضويًّا من البعد.
وقيل: الأوصاف الثلاثةُ في الدنيا، والكلامُ على منوال:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ (١)
أي: ظهر لهم يومئذٍ أنها كانت خاشعةً عاملةً ناصبةً في الدنيا من غير نفع،
وأما قبل ذلك اليوم فكانوا يحسبون أنهم يُحسنون صُنْعاً، وهؤلاء النُّسَّاكُ من اليهود
والنصارى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٢)، ويشمل غيرَهم مما شاكلهم
من نُسَّاك أهل الضلال، وهذا الوجهُ أبعدُ من أخويه.
وقوله تعالى: ﴿تَعْلَ نَارًا حَامِيَةٌ ﴾﴾ متناهيةً في الحرِّ، من حَميتِ النارُ: إذا
اشتدَّ حَرُّها، خبرٌ آخرُ لـ «وجوه».
وقيل: ((خاشعةٌ)) صفةٌ لها، وما بعدُ أخبار. وقيل: الأولان صفتان،
والأخيران خبران. وقيل: الثلاثةُ الأُوَلُ صفات، وهذه الجملةُ هي الخبر، والكلُّ
كما ترى.
وجُوِّزَ أن يكون هذا وما بعده من الجملتين استئنافاً مبيّناً لتفاصيل أحوالها.
وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وحميد وابن محيصن: ((عاملة ناصبةً)) بالنصب
على اللَّهُ (٣).
(١) البيت الزائدة بن صعصعة، وعجزه: ولم تَجِدي من أن تُقرّي به بدًا، وسلف ١٦٩/١٦.
(٢) الدر المنثور ٣٤٢/٦.
:
(٣) المحتسب ٣٥٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٧٢/٥.

سُوَّةُ الْغَاشِيَةِ
٤٩٠
الآية : ٥ - ٦
وقرأ أبو رجاء وابن محيصن ويعقوب وأبو عمرو وأبو بكر: ((تُصْلَى)) بضم
التاء (١). وقرأ خارجة: ((تُصَلَّى)) بضم التاء وفتح الصاد مشدّد اللام للمبالغة(٢).
﴿ُقَى مِنْ عَيٍِّ ◌َِيَةِ ﴾﴾ بلغت إناها، أي: غايتها في الحَرِّ، فهي متناهية فيه،
كما في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وهو التفسيرُ المشهور، وقد
روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد.
وقال ابن زيد: أي حاضرة لهم، من قولهم أَنِيَ الشيءُ: حَضَرَ. وليس بذاك.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ ﴾﴾ بيانٌ لطعامهم إثر بيان شرابهم،
والضريعُ - كما أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس - الشِّبْرِقُ اليابسُ(٣). وهي - على
ما قال عكرمة - شجرةٌ ذاتُ شَوْكٍ لاطئةٌ بالأرض.
وقال غير واحد: هو جنسٌ من الشَّوك، ترعاه الإبل رَظْباً، فإذا يبِس تحامَتْهُ،
وهو سمُّ قاتلٌ، قال أبو ذؤيب:
رَعَى الشِّبرِقَ الرِيَّانَ حتى إذا ذَوَى وصارَ ضَريعاً بانَ عنه الثَّحائصُ(٤)
وقال ابن عَيزارة(٥) الهذلي يذكر إبلاّ وسوءً مرعى:
حَذْباءُ داميةُ اليدين حَرُودُ(٦)
وحُبِسْنَ في هَزْمِ الضَّريع فكلُّها
(١) التيسير ص ١٢١، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن أبي عمرو وأبي بكر ويعقوب، والكلام من البحر ٤٦٢/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٢، والكشاف ٢٤٦/٤، والبحر ٨/ ٤٦٢.
(٣) الدر المنثور ٣٤٢/٦.
(٤) لم نقف عليه في ديوان الهذليين، وهو في الكشاف ٢٤٦/٤، وتفسير الرازي ١٥٣/٣١.
وجاء في هامش الأصل: النحائص جمع نحوص وهي الأتان الحامل. منه. وفي القاموس
(نحص): هي الناقة الشديدة السمن.
(٥) في الأصل: عزارة، وفي (م): غرارة. والمثبت هو الصواب. وعيزارة أمُّه، واسمه:
قيس بن خويلد، أخو بني صاهلة، والبيت من قصيدة في رثاء أخيه لأبيه وأمه الحارث بن
خويلد. شرح أشعار الهذليين للسكري ٥٨٩/٣ و٥٩٧ .
(٦) البيت في ديوان الهذليين ٧٣/٣. وجاء في هامش الأصل: هزم بالزاي المعجمة: ما تكسَّر
منه، وناقة حدباء: بادٍ عظمُ وركها. ويروى: جرباء بالجيم والراء من الجرب معروف.
والحرود من النوق القليلة اللبن.

الآية : ٦
٤٩١
سُوَّةُ الْغَاشِيَّةِ
وقال بعض اللُّغويين: الضريعُ: يبيسُ العَرْفَج إذا انحطم. وقال الزجاج: نبتٌ
كالعوسج. وقال الخليل: نبت أخضرُ مُنْتِنُ الريح يرمي به البحرُ(١).
والظاهر أنَّ المرادَ ما هو ضريعٌ حقيقةً. وقيل: هو شجرةٌ ناريةٌ (٢) تُشبه
الضريع. وأنت تعلم أنه لا يُعجِزُ الله تعالى الذي أخرج من الشجر الأخضر ناراً أن
يُنْبتَ في النار شجرَ الضريع، نعم يؤيِّدُ ما قيل ما حكاه في ((البحور الزاخرة))(٣) عن
البغوي عن ابن عباسٍ يرفعه: ((الضريعُ: شيءٌ في النار شبه الشوك، أَمَرُّ من الصَّبْرِ،
وأنتنُ من الجيفة، وأشدُّ حَرًّا من النار))(٤) فإن صَحَّ فذاك.
وقال ابن كيسان: هو طعامٌ يَضْرَعون عنده ويذلُّون، ويتضرَّعون إلى الله تعالى
طلباً للخلاص منه، فسُمِّيَ بذلك. وعليه يحتملُ أن يكون شجراً وغيره.
وعن الحسن وجماعة: أنه الزَّقُّوم.
وعن ابن جبير: أنه حجارةٌ في النار.
وقيل: هو وادٍ في جهنم، أي: ليس لهم طعامٌ إلا من ذلك الموضع، ولعلَّه هو
الموضع الذي يسيلُ إليه صديدُ أهل النار وهو الغِسْلين، وعليه يكون التوفيقُ بين
هذا الحصر والحصر في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَمّ إِلَّ مِنْ غِيْلِينِ﴾ [الحاقة: ٣٦] ظاهراً
بأن يكونَ طعامُهم من ذلك الوادي هو الغِسْلين الذي يسيلُ إليه، وكذا إذا أُريد به
ما قاله ابن كيسان واتحد به، وقد يتَحدُ بهما عليه أيضاً الزقوم، واتِّحادُهُ
بالضَّريع - على القول بأنه شجرةٌ - قريبٌ.
وقيل في التوفيق: إنَّ الضريعَ مجازٌ أو كنايةٌ أُريد به طعامٌ مكروهٌ حتى للإبل
وغيرها من الحيوانات التي تلتذَّ رعيَ الشوك، فلا ينافي كونه زَقُّوماً أو غِسْليناً.
(١) نقل المصنف هذه الأقوال عن البحر ٤٦١/٨، وقول الزجاج في معاني القرآن ٣١٧/٥:
الضريع: الشبرق، وهو جنس من الشوك، إذا كان رطباً فهو شبرق، فإذا ييس فهو الضريع.
(٢) أي: من الأشجار التي خلقها الله في النار. حاشية الشهاب ٣٥٣/٨.
(٣) البحور الزاخرة عن علوم الآخرة، لشمس الدين محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي،
المتوفى سنة (١١٨٨). هدية العارفين ٣٤٠/٢.
(٤) تفسير البغوي ٤٧٩/٤، وأخرجه الواحدي في الوسيط ٤٧٤/٤، وابن مردويه كما في الدر
المنثور ٣٤٢/٦، وسنده واوٍ كما ذكر السيوطي.

سُورَةُ الغَاشِيَّةِ
٤٩٢
الآية : ٧
وقيل: إنه أُريد أن لا طعام لهم أصلاً؛ لأنَّ الضريعَ ليس بطعام للبهائم، فضلاً
عن الناس، كما يقال: ليس لفلانٍ ظِلٌّ إلا الشمس، أي: لا ظِلَّ لَه. وعليه يُحملُ
قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَّ
طَعَامُ اَلْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٤] فلا مخالفةً أصلاً.
الزَّقُومِ @
وقيل: إنَّ الغِسْلين وهو الصديد في القدرة الإلهية أن تجعله على هيئة الضريع
والزقوم، فطعامهم الغِسْلين والزقوم اللذان هما الضريع. ولا يخفى تعسّفُه على
الرضيع.
وقد يقال في التوفيق على القول بأنَّ الثلاثةَ متغايرةٌ بالذات: إنَّ العذابَ ألوانٌ،
والمعذَّبون طبقاتٌ، فمنهم أَكَلَةُ الزَّقُّوم، ومنهم أَكَلَةُ الغِسْلين، ومنهم أَكَلَةُ الضَّريع،
لكلِّ بابٍ منهم جزءٌ مقسومٌ.
﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوعٍ ﴾﴾ إما في محلِّ جرِّ صفةٍ لـ ((ضريع))، والمعنى: إنَّ
طعامهم من شيءٍ ليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوكٌ، والشوكُ مما ترعاه الإبل
وتتولَّعُ به، وهذا نوعٌ منه تنفرُ عنه ولا تقربه، ومنفعتا الغذاء منفيَّتان عنه، وهما إماطة
الجوع وإفادة القوة والسِّمَن في البدن. وإن شئت فقل: إنه من شيءٍ مكروهٍ يُضْرَعُ
عنده ويُتَضَرَّعُ إلى الله تعالى، ويُطلَبُ منه سبحانه الخلاص عنه، وليس فيه منفعتا
الغذاء أصلاً.
وإما في محلِّ رَفْع صفةٍ لـ ((طعام)) المقدَّر؛ إذ التقدير: ليس لهم طعامٌ إلا طعامٌ
من ضريع. والمعنى قريبٌ مما ذكر، ولا يجوز كونه صفةً للمذكور؛ إذ لا يدلُّ
حينئذٍ على أنَّ طعامَهم منحصرٌ في الضريع، بل يدلُّ على أنَّ ما لا يسمنُ ولا يغني
من طعامهم منحصرٌ فيه، ويفسدُ المعنى.
وإما لا محلَّ له من الإعراب، على أنه مستأنفٌ. والأول أظهر.
ويُروى أنَّ كفار قريشٍ قالوا لَمَّا سمعوا صَدْرَ الآية: إنَّ الضريع لَتَسْمَنُ عليه
إيلُنا. فنزلت: ﴿لَّا يُِّنُ﴾ إلخ(١). قيل: فلا يخلو إما أن يتكذَّبوا ويتعثَّتوا
(١) الوسيط ٤ / ٤٧٥ .

الآية : ٧
٤٩٣
سُورَةُ الْغَاشِيَّة
بذلك - وهو الظاهرُ - فيُرَدُّ قولهم بنفي السِّمَن والشِّبَع، وإما أن يُصدِّقوا، فيكون
المعنى: إنَّ طعامهم من ضريعٍ ليس من جنس ضريعكم، إنما هو غيرُ مُسْمِنٍ
ولا مُغْنٍ من جوع. وعلى الأول هو صفةٌ مؤكِّدةٌ ردًّا لما زعموه، لا كاشفةٌ؛ إذ
لا خفاءَ، وعلى الثاني هو صفةٌ مخصّصةٌ.
وأيَّاما كان فتنكيرُ الجوع للتحقير، أي: لا يغني من جوعٍ ما، وتأخيرُ نفي
الإغناء منه لمراعاة الفواصل، والتوسُّلِ به إلى التصريح بنفي كِلَا الأمرين؛ إذ لو
قُدِّمَ لما احتيج إلى ذِكْرٍ نفي الإسمان ضرورةً استلزام نفي الإغناء عن الجوع إياه،
ولذلك كُرِّرَ لا لتأكيد النفي.
وفي ((الإرشاد)) أنَّ نفيَ الأمرين عنه ليس على أنَّ لهم استعداداً للشِّبَع والسِّمَن،
إلا أنه لا يفيدُ شيئاً منهما، بل على أنه لا استعدادَ من جهتهم، ولا إفادةً من جهته.
وتحقيقُ ذلك: أنَّ جوعَهم وعَطَشَهم ليسا من قبيل ما هو المعهودُ منهما في هذه
النشأة من حالةٍ عارضةٍ للإنسان عند استدعاء الطبيعة لِيَدَل ما يتحلَّل من البدن
مشوّقة له إلى المطعوم والمشروب، بحيث يلتذُّ بهما عند الأكل والشرب، ويستغني
بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة، ويستفيدُ منهما قوةً وسِمَناً عند
انهضامهما، بل جوعُهم عبارةٌ عن اضطرارهم عند اضطرام النار في أحشائهم إلى
إدخال شيءٍ كثيفٍ يملؤها ويُخرِجُ ما فيها من اللَّهَب، وأما أن يكون لهم شوقٌ إلى
مطعوم ما، والتذاذٌ به عند الأكل، واستغناءٌ به عن الغير، واستفادةُ قوة، فهيهات.
وكذا عَطَشُهُمْ عبارةٌ عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيءٍ
مائعٍ باردٍ ليُطفؤوه من غير أن يكونَ لهم التذاذٌ بِشُرْبه، أو استفادةُ قوةٍ به في
الجملة، وهو المعني بما روي أنه تعالى يُسلِّطُ عليهم الجوعَ بحيث يُضطرُّون إلى
أكل الضَّريع، فإذا أكلوه سلَّط عليهم العطش، فاضطرُّوا إلى شرب الحميم، فيشوي
وجوههم ويقطعُ أمعاءهم(١). أعاذنا الله تعالى وسائر المسلمين من ذلك. انتهى.
وهو خلافُ الظاهر، ومثلُهُ لا يُقالُ عن الرأي، وليس له فيما وقفنا عليه مستندٌ
يُؤوَّل لأجله الظواهر، فالحقُّ أنَّ لهم جوعاً وعطشاً وشهوةً إلى الطعام والشراب،
(١) إرشاد العقل السليم ٩/ ١٤٩.

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
٤٩٤
الآية : ٨ - ٩
كما أنَّ للجائع والعطشان في الدنيا شهوةً إليهما، لكنهما لهم هناك قد بلغا الغايةَ
بتسليط الله تعالى عزَّ وجلَّ بدون سببٍ عاديٍّ على نحو ما في الدنيا، فيضطرُّون
لذلك إلى الضريع والحميم، كما يضطرُّ مَنْ أَفرطَ فيه الجوُ والعطشُ في الدنيا إلى
تناول الكريه البَشِع من المطعوم والمشروب، لكنهم لا ينتفعون بما يتناولونه، بل
يزدادون به عذاباً فوق العذاب، نسأل الله تعالى العفو والعافية بِمَنِه وكَرَمه.
شروعٌ في روایة حدیث أهل الجنة،
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ ®
وتقديمُ حكاية أهل النار لأنه أَدخلُ في تهويل الغاشية وتفخيم حديثها، ولأنَّ حكايةً
حُسْنٍ حال أهل الجنة بعد حكاية سوء حال أهل النار مما يزيد المحكيَّ حُسْناً
وبهجةً، والكلامُ في إعرابه نظيرُ ما تقدم، وإنما لم تُعطَّفْ هذه الجملةُ على تلك
الجملة، إيذاناً بكمال تباين مضمونيهما .
والناعمةُ إما من النعومة، وكنَى بها عن البهجة وحُسْن المنظر، أي: وجوهٌ
يومئذٍ ذاتُ بهجةٍ وحُسْنٍ كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ التَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]
أو من النعيم، أي: وجوهٌ يومئذٍ متنعِّمة.
﴿لَسَعْبِهَا﴾ أي: لعملها الذي عملته في دار الدنيا، وهو متعلِّقٌ بقوله تعالى:
﴿رَاضِيَةٌ ﴾﴾، والتقديمُ للاعتناء مع رعاية الفاصلة، واللامُ ليست للتعليل، بل
مثلُها في: رضيت بكذا، فكأنه قيل: راضيةٌ بسعيها. وذكر بعضُ المحقّقين أنها
مقوِّيةٌ لتعدِّي الوصف بنفسه، ولذا قال سفيانُ في ذلك - كما أخرجه عنه ابن
أبي حاتم -: رَضِيتْ عملَها(١). ورضاها به كنايةٌ أو مجازٌ عن أنه محمودُ العاقبة،
مُجازَى عليه أعظمَ الجزاء وأحسَنَهُ.
وقيل: في الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، أي: لثواب سَعْيها راضية.
وجُوِّزَ كونُ اللام للتعليل، أي: لأجل سعيها في طاعة الله تعالى راضية، حيث
أُوتِيتْ ما أُوتِيتْ من الخير. وليس بذاك.
(١) الدر المنثور ٣٤٢/٦.

الآية : ١٠ - ١١
٤٩٥
سُورَةُ الْغَاشِيَّةِ
١٠
مرتفعةِ المحل، أو عَلِيَّةِ القَدْر، فالعلوُّ إما حِسِّيٍّ أو
﴿فِي جَّةٍ عَالِيَةِ
معنويٌّ، وجمع أبو حيان(١) بينهما .
﴿لَا تَسْمَعُ﴾ خطابٌ لكلِّ مَنْ يصلحُ للخطاب، أو هو مُسنَدٌ إلى ضمير الغائبة
المؤنَّثة، وهو راجعٌ للوجوه، على أنَّ المراد بها أصحابها، أو الإسنادُ مجازيٌّ،
وكذا يقال فيما قبل، وأشار بعضٌ إلى أنَّ في الآية صنعةً الاستخدام(٢) اختياراً؛
لأنَّ المرادَ بالوجوه أولاً حقيقتُها، وعند إرجاع الضمير إليها ثانياً أصحابُها، فهم
الذین لا يسمعون.
﴿فِيهَا لَفِيَةُ ﴾﴾ أي: لغواً، فهي مصدرٌ بمعناه، ويجوز كونها صفةَ كلمةٍ محذوفةٍ
على أنها للنسب، أي: كلمةً ذاتَ لغوٍ، وجُوِّزَ على تقدير كونها صفةً كونُ الإسناد
مجازيًّا لأنَّ الكلمةَ ملغوٌّ بها لا لاغية. ويجوز أن تكونَ صفة ((نفس)) محذوفةً، أي:
لا تسمعُ فيها نفساً لاغيةً، وجَعْلُها مسموعةٌ لِوَصْفِها بما يُسمَعُ، كما تقول: سمعتُ
زيداً يقول كذا. وجُوِّزَ أن يكون ذلك على المجاز في الإسناد أيضاً.
وقرأ الأعرج وأهل مكة والمدينة ونافع وابن كثير وأبو عمرو بخلافٍ عنهم
(لا تُسْمَعُ)) بتاء التأنيث مبنيًّا للمفعول ((لا غيةٌ)) بالرفع(٣) .
وابن محيصن وعيسى وابن كثير وأبو عمرو كذلك، إلا أنهم قرؤوا بالياء
التحتية(٤)؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ مع وجود الفاصل. والجحدريُّ كذلك إلا أنه نصب
(لاغيةً))، على معنى: لا يُسْمَع فيها - أي: أحدٌ - لاغيةً، من قولك: أَسمعْتُ
زيداً(٥).
(١) في البحر المحيط ٨/ ٤٦٣.
(٢) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى
الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.
(٣) التيسير ص٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن نافع، والكلام من البحر ٤٦٣/٨.
(٤) التيسير ص ٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن ابن كثير وأبي عمرو، والكلام من البحر ٤٦٣/٨.
(٥) البحر المحيط ٤٦٣/٨. وذكر السمين في الدر المصون ٧٦٩/١٠ عن المفضل والجحدري
أنهما قرأا: ((لا يَسمع)) بياء الغيبة مفتوحة.

سُوَدَّةُ الْغَاشِيَةِ
٤٩٦
الآية : ١٢ - ١٦
قيل: يجري ماؤها ولا ينقطع، وعدمُ الانقطاع إما من
﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
وَصْفِ العين؛ لأنها الماء الجاري، فَوَصْفُها بالجريان يدلُّ على المبالغة كما في
(ار حامية))، وإما من اسم الفاعل، فإنه للاستمرار بقرينة المقام. والتنكيرُ للتعظيم،
واختار الزمخشريُّ (١) كونه للتكثير كما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] أي: عيونٌ
كثيرةٌ تجري میاهها .
رفيعةُ السَّمك أو المقدار، وقيل: مخبوءةٌ، من: رفعتُ
﴿فِيَهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ لَ
لك كذا، أي: خبأته.
﴿وَآگوَابُ﴾ وقداحٌ لا عُری لها.
١٤
وموضوعَة
﴾ أي: بين أيديهم، وقيل: على حافَّات العيون.
وجُوِّزَ أن يُراد: موضوعةٌ عن حَدِّ الكبار، أوساط بين الصِّغَر والكِبَر، كقوله
﴾ [الإنسان: ١٦]. ولا يخفى بُعْدُهُ.
تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا (
﴿وَغَارِهُ﴾ ووسائدُ؛ قال زهير:
على سُرُرٍ مصفوفةٍ ونمارقٍ(٢)
كهولاً وشُبَّاناً حساناً وجوهُهُمْ
جمع نُمْرُقة بضمِّ النون والراء، وبكسرهما، وبفتحهما(٣)، وبغير هاء.
صُفَّ بعضُها إلى جنب بعض للاستناد إليها والاتكاء عليها .
١٥
﴿ مَصْقُونَةٌ (
وقال الكلبي: وسائدُ موضوعةٌ بعضُها إلى جَنْبٍ بعضٍ، كالشيءِ الذي جُعِل صفًّا،
أينما أراد أن يجلسَ المؤمنُ جلس على واحدةٍ واستند إلى أخرى، وعلى رأسه
وصائفُ كأنَهنَّ الياقوتُ والمرجان.
﴿وَزَرَبٌِ﴾ وبُسُطّ فاخرةٌ كما قال غير واحد. وقال الفراء: هي الطّنافس التي لها
خَمْلٌ رقيق(٤). وقال الراغب: إنها في الأصل ثيابٌ محبَّرةٌ منسوبةٌ إلى موضع، ثم
(١) في الكشاف ٢٤٧/٤.
(٢) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في المحرر الوجيز ٤٧٤/٥، والبحر ٤٦١/٨.
(٣) في (م): وفتحهما.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٥٨/٣.

الآية : ١٧
٤٩٧
سُؤَةُ الْغَاشِيَّةِ
استُغيرت للبُسط، واحدها زرْبيةٌ مثلَّةَ الزاي(١).
ولم يفرق في ((الصحاح)) (٢) بين الزرابيّ والنمارق. والظاهرُ الفرقُ، نعم قيل:
قد جاء نمارق بمعنى الزرابي، ومنه :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق(٣)
لظهور أنَّ الوسائد لا يُمشَى عليها عادةً.
مبسوطةٌ أو مفرَّقةٌ في المجالس.
دَبُونَةُ (
﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير ما فُصِّلَ من
﴿أَفَلَا يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (
حديث الغاشية، وما هو مبنيٌّ عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون، بالاستشهاد
عليه بما لا يستطيعون إنكاره.
وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال: لمَّا نَعَتَ الله تعالى ما في الجنة،
عَجِبَ من ذلك أهلُ الضلالة، فأنزل سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾ إلخ(٤). ويرجع
هذا في الآخرة إلى إنكار البعث كما لا يخفى.
والهمزةُ للإنكار والتوبيخ، والفاءُ للعَطْفِ على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، وكلمة
(كيف)) منصوبةٌ بما بعدها على أنها حالٌ من مرفوع ((خُلقت)) كما في قوله تعالى:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] معلِّقةٌ لفعل النظر، والجملةُ بدلُ اشتمالٍ من
الإبل، وقد تُبدَلُ الجملةُ وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها، كقولهم: عرفتُ
زيداً أبو مَنْ هو؟ على أصحِّ الأقوال، على أنَّ العربَ قد أدخلتْ ((إلى)) على ((كيف))
بلا واسطة إبدال، كما أدخلت عليها ((على))، فحُكي عنهم أنهم قالوا: انظر إلى
كيف يصنع، كما حكي عنهم أنهم قالوا: على كيفَ تبيعُ الأحمرين. وذكر أبو حيان
(١) مفردات الراغب (زرب).
(٢) مادة (زرب).
(٣) سلف عند تفسير الآية (٧٣) من سورة هود.
(٤) الدر المنثور ٣٤٣/٦، وهو في تفسير الطبري ٣٣٨/٢٤-٣٣٩.

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
٤٩٨
الآية : ١٧
في ((البحر)) و((التذكرة)) وغيرهما أنه إذا عُلِّقَ الفعل عما فيه الاستفهام، لم يبقَ
الاستفهامُ على حقيقته(١).
وقيل: ((كيف)) بدلٌ من ((الإبل)). وتعقّبه في ((المغني))(٢) بما في بعضه نظر.
وجَوَّزَ في ((مجمع البيان)) كونها في موضع نصبٍ على المصدر(٣)، وهو
كما ترى.
والإبل: يقع على البُعْران الكثيرة، ولا واحدَ له من لفظه، وهو مؤنَّثٌ، ولذا
إذا صُغِّر دخلته التاء، فقالوا: أُبيلةٌ، وقالوا في الجمع آبال، وقد اشتقُّوا من لفظه
فقالوا: أَبَّلَ وتأَبَّلَ الرجلُ. وتعَجَّبوا من هذا الفعل على غير قياسٍ فقالوا: ما آبَلَ
زيداً. ولم يحفظ سيبويه فيما قيل اسماً جاء على ((فِعِلٍ)) بكسر الفاء والعين غيرَ
إِيلٍ (٤).
أي: أينكرون ما أُشيرَ إليه من البعث وأحكامه ويستبعدون وقوعه من قُدْرة الله
عزَّ وجلَّ، فلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم يستعملونها كلَّ حينٍ كيف
خُلقتْ خَلْقاً بديعاً، معدولاً به عن سَنَنِ خَلْقِ أكثر أنواع الحيوانات، في عِظَم
مُثَّتها، وشِدَّةٍ قوَّتها، وعجيبٍ هيئاتها اللائقة بتأتِّي ما يصدر عنها من الأفاعيل
الشاقة، كالنَّوء بالأوقار(٥) الثقيلة وهي باركةٌ، وإيصالها الأثقال الفادحة إلى
الأقطار لنازحة، وفي صَبْرها على الجوع والعطش حتى إنَّ ظِمْئها (٦) ليبلغ
العِشْرَ - بكسرٍ فسكون، وهو ثمانيةُ أيامٍ بين الوِرْدَين، وربما يجوز ذلك، وتُسمَّى
حينئذٍ الحوازى بالحاء المهملة والزاي - واكتفائها باليسير، ورَغْيها لكلِّ ما يتيسَّر من
شوكٍ وشجرٍ وغير ذلك مما لا يكادُ يرعاه سائرُ البهائم، وفي انقيادها مع ذلك
(١) البحر المحيط ٨/ ٤٦٤.
(٢) مغني اللبيب ص ٢٧٣.
(٣) مجمع البيان ١١٣/٣٠.
(٤) الكتاب ٣/ ٥٧٤ .
(٥) جمع وقر، وهو الحمل الثقيل، وتنوء به، أي: تقوم به وترفعه. حاشية الشهاب ٣٥٤/٨.
(٦) الظّمْء بالكسر: ما بين الشربتين والوردين. القاموس (ظمأ).

الآية : ١٧
٤٩٩
سُورَةُ الْغَاشِيَّةِ
للإنسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض، حيث يستعملها في ذلك كيف
يشاء، ويقتادها بقطارها كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ، وفي تأثّرها بالصوت الحَسَنِ على غَلِظِ
أكبادها، إلى غير ذلك.
وخُصَّتْ بالذكر لأنها أعجبُ ما عند العرب من الحيوانات التي هي أشرفُ
المركبات وأكثرها صُنْعاً، ولهم على أحوالها أتُّ وقوفٍ.
وعن الحسن أنها خُصَّتْ بالذكر لأنها تأكلُ النَّوى والقَتّ، وتُخرج اللَّبِنَ. وقيل
له: الفيل أعظمُ في الأعجوبة. فقال: العربُ بعیدُ العهد بالفیل، ثم هو خنزيرٌ
لا يُؤْكَلُ لحمه، ولا يُركَبُ ظهره - أي: على نحو ما يُركَبُ ظهرُ البعير من غير مشقَّةٍ
في تربيضه - ولا يُحلَبُ دَرُّهُ (١).
وقال أبو العباس المبرِّد: الإبلُ هنا السحاب؛ لأنَّ العربَ قد تُسمِّيها بذلك؛ إذ
تأتي أرسالاً کالإبل، وتزجی کما تزجی الإبل، وهي في هيئاتها أحياناً تشبه الإبل،
يعني أنَّ إرادته منها هنا على طريق التشبيه والمجاز، وكأنه كما قال الزمخشريُّ(٢)
لم يَدعُ القائل بذلك إلا طلبُ المناسبة بين المتعاطفات على ما يقتضيه قانون
البلاغة، وهي حاصلةٌ مع بقاء الإبل في عَطّنها .
قال الإمام: التناسب فيها أنَّ الكلامَ مع العرب وهم أهلُ أسفارٍ على الإبل في
البراري، فربما انفردوا فيها، والمنفردُ يتفكّرُ لعدم رفيقٍ يُحادثه، وشاغلٍ يشغله،
فيتفكّرُ فيما يقعُ عليه طَرْفُهُ، فإذا نظر لِمَا معه رأى الإبل، وإذا نظر لما فوقه رأى
السماء، وإذا نظر يميناً وشمالاً رأى الجبال، وإذا نظر لأسفلَ رأى الأرض، فأُمرَ
بالنظر في خلوته لما يتعلَّقُ به النظر من هذه الأمور، فَبَيْنَها مناسبةٌ بهذا الاعتبار(٣).
وقال عصام الدين: إنَّ خيال العرب جامعٌ بين الأربعة؛ لأنَّ مالَهُمُ النفيسَ
الإبلُ، ومدارَ السَّقي لهم على السماء، ورعيَهم في الأرض، وحفظَ مالهم
(١) الوسيط ٤٧٦/٤.
(٢) في الكشاف ٢٤٧/٤ .
(٣) تفسير الرازي ١٥٩/٣١، وحاشية الشهاب ٣٥٤/٨، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الْغَاشِيَّةِ
٥٠٠
الآية : ١٨ - ٢٠
بالجبال، وما ألطفَ ذِكْرَ الإبل بعد ذكر الضريع، فإنَّ خُطورها بعده على طَرَف
الثُّمام، وإذا صَحَّ ما روي من كلام قريش عند نزول تلك الآية، كان ذِكْرُها ألطفَ
وألطفَ.
وقرأ الأصمعيُّ عن أبي عمرو: ((إلى الإبْل)) بسكون الباء(١).
وقرأ عليٍّ كرَّمَ الله تعالى وجهه وابن عباس ◌ًِّا: (الإبلِّ)) بتشديد اللام،
ورويت عن أبي عمرو وأبي جعفر والكسائي(٢)، وقالوا: إنها السحاب، عن قوم
من أهل اللغة.
﴿وَإِلَى التَِّ﴾ التي يشاهدونها ليلاً ونهاراً ﴿كَفَ رُفِعَتْ (®﴾ رَفْعاً سحيقَ المدى
بلا عمادٍ ولا مساك، بحيث لا يناله الفهم والإدراك.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ﴾ التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمائها وأشجارها.
﴿َ﴾ وُضِعَتْ وَضْعاً ثابتاً يتأتَى معه ارتقاؤها، فلا تميلُ ولا تميدُ،
﴿لَيْفَ نُصِبَتْ
ويمكن الرُّقيُّ إلى ذُراها(٣).
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ﴾ التي يضربون فيها ويتقلَّبون عليها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ (®﴾ سَطْحاً
بتوطئةٍ وتمهيدٍ وتسويةٍ وتوطيدٍ حسبما يقتضيه صلاحُ أمور أهلها، ولا ينافي ذلك
القولُ بأنها قريبةٌ من الكرة الحقيقية؛ لمكان عِظَمها.
وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه وأبو حيوة وابن أبي عبلة: ((خَلَقْتُ)) ((رَفَعْتُ))
(نَصَبْتُ)) ((سَطَحْتُ)) بتاء المتكلِّم مبنيًّا للفاعل(٤)، والمفعولُ ضميرٌ محذوفٌ، وهو
العائدُ إلى المُبْدَلِ منه بَدَلَ اشتمال، أي: خَلَقْتُها رَفَعْتُها نَصَبْتُها سَطَحْتُها .
وقرأ الحسن وهارون الرشيد: ((سُطِّحَتْ)) بتشديد الطاء(٥)، والمعنى:
(١) القراءات الشاذة ص ١٧٢، والبحر ٨/ ٤٦٤.
(٢) المصدران السابقان.
(٣) في (م): دارها.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٧٢، والمحتسب ٣٥٦/٢، والبحر ٤٦٤/٨.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٧٢، والبحر ٨/ ٤٦٤.