Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ٣٨
٢٤١
سُورَةُ النَّبِّ
وقيل: هو مَلَكٌ، ما خلق الله عز وجل بعدَ العرش خلقاً أعظمَ منه، عن ابن
عباس أنَّه إذا كان يوم القيامة قام هو وحدَه صفًّا، والملائكةُ صفًّا. وعن الضحاك
أنَّه لو فتح فاه لوسع جميعَ الملائكة عليهم السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ((العظمة)) وابن مردويه عن ابن عباس أنَّ
النبيِ وَلِ﴿ قال: ((الروحُ جندٌ من جنود الله تعالى، ليسوا ملائكةٌ، لهم رؤوسٌ وأيدٍ
وأرجلٌ)) - وفي رواية: ((يأكلون الطعام)) - ثم قرأ: (يَؤْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفّاً)،
وقال: هؤلاء جندٌ وهؤلاء جندٌ(١). وروي القولُ بهذا عن مجاهد وأبي صالح.
وقيل: هم أشراف الملائكة. وقيل: هم حَفَظُ الملائكة.
وقيل: مَلَكٌ موَّلٌ على الأرواح. قال في ((الإحياء))(٢): المَلَك الذي يقال له:
الروح، هو الذي يولج الأرواحَ في الأجسام، فإنَّه يتنفَّس فيكون في كلِّ نَفَس من
أنفاسه روحٌ في جسم، وهو حقٌّ يشاهده أرباب القلوب ببصائرهم.
وأخرج أبو الشيخ(٣) عن الضحاك أنَّه جبريل عليه السلام. وهو قولٌ لابن
عباس، فقد أخرج هو عنه أيضاً(٤) أنَّه قال: إنَّ جبريل عليه السلام يوم القيامة لقائمٌ
بين يدي الجبار ترعدُ فرائصُه فَرَقاً من عذاب الله تعالى، يقول: سبحانك، لا إله إلَّا
أنت، ما عبدناكَ حقَّ عبادتك. وإنَّ ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب،
أما سمعتَ قولَ الله تعالى: (يَوَمَ يَقُومُ الزُُّحُ وَالْمَلَّكَةُ صَغَاً).
وفي رواية البيهقي في ((الأسماء والصفات))(٥) عنه أنَّ المراد به أرواحُ الناس
وأنَّ قيامَها مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ إلى الأجساد. وهو خلافُ
الظاهر في الآية جدًّا، ولعلَّه لا يصحُّ عن الحَبْر.
(١) العظمة (٤١٢)، وعزاه لهم السيوطي في الدر المنثور ٣٠٩/٦.
(٢) ٤ / ٢٥٧.
(٣) في العظمة (٤١٦).
(٤) العظمة (٣٦٥).
(٥) برقم (٧٨٤)، وإسناده مسلسل بالضعفاء، كما ذكر ذلك الشيخ أحمد شاكر في حديثه على
هذا الإسناد في تعليقه على تفسير الطبري ٢٦٣/١ (طبعة المعارف).

سُورَةُ النَّبَا
٢٤٢
الآية : ٣٨
وقيل: القرآن، وقيامُه مجازٌ عن ظهور آثاره الكائنة عن تصدیقه أو تكذيبه. وفيه
الجمع بين الحقيقة والمجاز مع ما لا يخفى. ولم يصحَّ عندي فيه هنا شيءٌ.
و((يوم)) ظرف لـ ((لا يملكون))، و((صفاً)) حالٌ، أي: مصطفِّين. قيل: هما صفَّان؛
الروحُ صفّ واحد أو متعدِّدٌ، والملائكة صفُّ آخرُ، وقيل: صفوفٌ. وهو الأوفق
لقوله تعالى: ﴿وَأَلْمَلَكُ صَفًّا صَفَّا﴾ [الفجر: ٢٢]. وقيل: ((يوم يقوم الروحُ والملائكة))
الكلُّ صفًّا واحداً.
وجوِّز أن يكون ((يوم)) (١) ظرفاً لقوله تعالى: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وقوله سبحانه:
﴾ بدلٌ من ضمير ((لا يتكلمون))، وهو عائدٌ إلى
﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا لـ
أهل السماوات والأرض الذين من جملتهم الروحُ والملائكة.
وذكرُ قيامهم مصطفِّين لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته عزَّ وجل،
وتهويل يوم البعث الذي عليه مدارُ الكلام من مطلع السورة الكريمة إلى مقطعها .
والجملةُ استئناف مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى: ((لا يملكون) إلخ ومؤكِّدٌ له، على
معنى: إنَّ أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا حينئذٍ أن يتكلَّموا بشيءٍ من جنس
الكلام - إلا مَنْ أذن الله تعالى له منهم في التكلُّم - مطلقاً، وقال ذلك المأذونُ له
بعد الإذن في مطلَق التكلُّم قولاً صواباً - أي: حقًّا - من الشفاعة لمن ارتضى،
فكيف يملكون خطابَ ربِّ العزَّة جلَّ جلاله مع كونه أخصَّ من مطلق الكلام وأعزَّ
منه مراماً؟
وجوِّز أن يكون ضمير ((لا يتكلمون)) إلى الروح والملائكة، والكلامُ مقرِّرٌ
لمضمون قوله تعالى: ((لا يملكون)) إلخ أيضاً، لكن على معنى: إنَّ الروح
والملائكة مع كونهم أفضلَ الخلائق وأقرَبهم من الله تعالى إذا لم يقدروا أن يتكلَّموا
بما هو صوابٌ من الشفاعة لمن ارتضى إلَّا بإذنه، فكيف يملكه غيرُهم؟
وذكره بعض أهل السنّة، فتعقِّب بأنَّه مبنيٌّ على مذهب الاعتزال من كون
الملائكة عليهم السلام أفضلَ من البشر مطلقاً، وأنت تعلم أنَّ من أهل السنة أيضاً
(١) لفظة: يوم، ليست في (م).

الآية : ٣٨
٢٤٣
سُوَدَّةُ النَّبِّ
من ذهب إلى هذا كأبي عبد الله الحليمي(١)، والقاضي أبي بكر الباقلانيِّ، والإمام
الرازيٌّ(٢)، ونُسب إلى القاضي البيضاويِّ(٣)، وكلامُه في التفسير هنا لا يخلو عن
إغلاقٍ، وتصدَّی من تصدَّى لتوجيهه وأطالوا في ذلك.
على أنَّ الخلاف في أفضليّتهم بمعنى كثرة الثواب وما يترتَّب عليها من كونهم
أكرمَ على الله تعالى وأحبَّهم إليه سبحانه، لا بمعنى قرب المنزلة ودخول حظائر
القُدس ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنًّا، والمناسبة في النزاهة
وقلَّة الوسائط ونحو ذلك، فإنَّهم بهذا الاعتبار أفضلُ بلا خلاف، وكلامُ ذلك
البعض يحتمل أن يكونَ مبنيًّا عليه، وهذا كما نشاهده من حال خدَّام الملك وخاصَّة
حَرَمِه فإنَّهم أقربُ إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه، وليسوا عنده بمرتبةٍ
واحدة، وإنْ زادوا في التبسُّط والدَّلال عليه.
وعن ابن عباس أنَّ ضمير ((لا يتكلمون)) للناس.
وجوِّز أن يكون ((إلا من أذن)) إلخ منصوباً على أصل الاستثناء، والمعنى:
لا يتكلَّمون إلا في حقِّ شخصٍ أذن له الرحمن، وقال ذلك الشخص في
الدنيا صواباً، أي: حقًّا، هو التوحيد وقولُ: لا إله إلا الله، كما روي عن ابن
عباس وعكرمة، وعليه قيل: يجوز أن يكون ((قال صوابا)) في موضع الحال من
(مَن)) بتقدير ((قد)) أو بدونه، لا عطفاً على ((أذن)). ومن الناس من جوَّز الحالية على
الوجه الأول أيضاً، لكن من ضمیر ((يتكلمون)) باعتبار كلِّ واحدٍ أو باعتبار
المجموع، وظن أنَّ قول بعضهم: المعنى: لا يتكلَّمون بالصواب إلَّا بإذنه، لا يتمُّ
بدون ذلك. وفيه ما فيه.
وقيل: جملة ((لا يتكلمون)) حالٌ من ((الروح والملائكة)) أو من ضميرهم في
((صفًّا)). والجمهور على ما تقدَّم.
(١) ينظر المنهاج في شعب الإيمان ٣٠٩/١-٣١١.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٢١٥/١-٢٣٥.
(٣) ينظر تفسيره ٣١٠/٨-٣١١ (مع حاشية الشهاب).

سِوَرَةِ النَّبَا
٢٤٤
الآية : ٣٩ - ٤٠
وإظهارُ ((الرحمن)) في موقع الإضمار للإيذان بأنَّ مناط الإذن هو الرحمةُ البالغة
لا أنَّ أحداً يستحقُّه عليه سبحانه وتعالى، كما أنَّ ذكرَه فيما تقدَّم للإشارة إلى أنَّ
الرحمة مناط تربيته عز وجل.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور، وما فيه من معنى البعد مع
قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلوِّ درجته وبعد منزلته في الهَوْل والفخامة. ومحلّه
الرفع على الابتداء، خبرُه قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمُ﴾ الموصوف بقوله سبحانه: ﴿اَلْحَقّ﴾
أو هو الخبر و((اليوم)) بدل أو عطف بيان، والمراد بالحقِّ الثابتُ المتحقِّقُ، أي:
ذلك اليوم الثابتُ الكائن لا محالةَ، والجملة مؤكِّدةٌ لما قبلُ، ولذا لم تعطف.
والفاء في قوله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَيِّ مَثَابًا (﴾﴾ فصيحةٌ، تفصح
عن شرطٍ محذوف، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ دلَّ عليه الجزاء، و((إلى ربه)) متعلُّقٌ
بـ ((مآباً))، قدِّم عليه اهتماماً به ورعايةً للفواصل، كأنَّه قيل: وإذا كان الأمر كما ذُكر
من تحقّق الأمر المذكور لا محالةَ، فمن شاء أن يتّخذ مرجعاً إلى ثواب ربِّه الذي
ذكر شأنُه العظيم فَعَلَ ذلك بالإيمان والطاعة.
وقال قتادة فيما رواه عنه عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر(١): ((مآباً)
أي: سبيلاً. وتعلّق الجارّ به لِمَا فيه من معنى الإفضاء والإيصال، والأول أظهرُ.
وتقديرُ المضاف - أعني: الثواب - قيل: لاستحالة الرجوع إلى ذاته عز وجل.
وقيل: لأنَّ رجوع كلِّ أحدٍ إلى ربِّه سبحانه ليس بمشيئته، إذ لا بدَّ منه، شاء أم لا،
والمعلَّق بالمشيئة الرجوعُ إلى ثوابه تعالى، فإنَّ العبد مختار في الإيمان والطاعة
ولا ثواب بدونهما. وقيل: لتقدُّم قوله تعالى: (لِلطَّحِينَ مَثَابًا) فإنَّ لهم مرجعاً تعالى
أيضاً لكن للعقاب لا للثواب. ولكلٍّ وجهةٌ.
﴿إِنََّ أَنْذَرْنَّكُمْ﴾ أي: بما ذُكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث بما فيه
وما بعده من الدواهي، أو بها وبسائر القوارع الواردة في القرآن العظيم ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾
هو عذاب الآخرة، وقربُه لتحقُّق إتيانه، فقد قيل: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو
(١) عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤، وعزاه لهم السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠.

الآية : ٤٠
٢٤٥
سُوَدَةُ النَّبّ
آت. أو لأنه قريبٌ بالنسبة إليه عزَّ وجل، أو يقال: البرزخُ داخلٌ في الآخرة، ومبدؤه
الموت، وهو قريب حقيقةً كما لا يخفى على مَن عَرَف القرب والبعد.
وعن قتادة: هو عقوبة الذنب؛ لأنَّه أقربُ العذابين.
وعن مقاتل: هو قتل قريش يومَ بدر. وتعقّب بأنَّه يأباه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ
الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ فإنَّ الظاهر أنَّه ظرفٌ لمضمر هو صفة ((عذاباً)) أي: عذاباً كائناً
يوم .. إلخ، وليس ذلك اليوم إلَّ يومَ القيامة، وكذا على ما قيل من أنَّه بدلٌ من
((عذاباً))، أو ظرف لـ ((قريباً))، وعلى هذا الأخير قيل: لا حاجةً إلى توجيه القرب؛
لأنَّ العذاب في ذلك اليوم قريبٌ لا فاصلَ بينه وبين المرء. ونُظر فيه بأنَّ الظاهر
جعل المنذَر به قريباً في وقت الإنذار؛ لأنه المناسبُ للتهديد والوعيد، إذ لا فائدة
في ذكر قربه منهم يومَ القيامة، فإذا تعلَّق به فالمرادُ بيانُ قرب اليوم نفسه، فتأمَّل.
والظاهر أنَّ ((المرء)) عامٌّ للمؤمن والكافر. و((ما)) موصولة منصوبة بـ ((ينظر))،
والعائدُ محذوف، والمراد: يوم يشاهد المكلَّف المؤمن والكافر ما قدَّمه من خير أو
شرِّ. وجوِّز أن تكون ((ما)) استفهاميةً منصوبة بـ ((قدَّمت)) أي: ينظر أيَّ شيءٍ قدَّمت
يداه. والجملة معلَّق عنها؛ لأنَّ النظر طريق العلم، والكلامُ في قوَّة: ينظر جوابَ
ما قدَّمت يداه. وفي الكلام - على ما ذكره العلّامة التفتازاني - تغليبُ ما وقع بوجه
مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه، حيثُ ذكر اليدان لأنَّ أكثر الأعمال تزاول
بهما، فجعل الجميع كالواقع بهما تغليباً .
وقرأ ابن أبي إسحاق ((المُرءُ) بضمِّ الميم (١)، وضعَّفها أبو حاتم، ولا ينبغي أن
تضعَّف؛ لأنَّها لغةُ بعض العرب يتبعون [الميم] (٢) حركةَ الهمزة فيقولون: مُرْءٌ،
ومَرْأً، ومِرْءٍ على حسب الإعراب.
﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا ®﴾ تخصيصٌ لأحد الفريقين الَّذين
تناولهما «المرء)» فيما قبل منه بالذكر، وخُصَّ قول الكافر دون المؤمن؛ لدلالة قوله
(١) البحر ٤١٦/٨.
(٢) زيادة من البحر ٤١٦/٨ يقتضيها السياق.

سُورَةُ النَّبـ
٢٤٦
الآية : ٤٠
على غاية الخيبة ونهاية التحسُّر، ودلالةُ حذف قول المؤمن على غاية التبجُّح ونهاية
الفرح والسرور.
وقال عطاء: ((المرء)) هنا الكافر؛ لقوله تعالى: (إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ) وكان الظاهر
عليه الضمير فيما بعد (١)، إلَّا أنَّه وضع الظاهر موضعه؛ لزيادة الذمِّ. وفيه: أنَّ
تناول الفريقين هو المطابق لِمَا سبق من وصف يوم الفصل لما اشتمل على
حالهما، وهو الوجه؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَيِّهِ، مَثَابًا)، و((إِنا
أنذرناكم)) لا يخصُّ الكافر؛ لأنَّ الإنذار عامٌّ للفريقين أيضاً، فلا دلالة له(٢)
على الاختصاص.
وقال ابن عباس وقتادة والحسن: المراد به المؤمن. قال الإمام(٣): دلَّ عليه
قول الكافر، فلمَّا كان هذا بياناً لحال الكافر وجب أن يكون الأول بياناً لحال
المؤمن. ولا يخفى ما فيه من الضعف كاستدلال الرياشيِّ بالآية على أنَّ المرء
لا يطلق إلَّا على المؤمن.
وأراد الكافر بقوله هذا: ليتني كنت تراباً في الدنيا، فلم أُخلق ولم أكلَّف، أو:
ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أُبعث. وعن ابن عمر وأبي هريرة ومجاهد أنَّ الله
تعالى يُخْضِرُ(٤) البهائمَ فيقتصُّ لبعضها من بعض، ثم يقول سبحانه لها: كوني تراباً
فيعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافرُ ذلك تمنَّى مثلَه. وإلى حشر البهائم
والاقتصاص لبعضها من بعض ذهب الجمهور، وسيأتي الكلامُ في ذلك في سورة
((التكوير)) إن شاء الله تعالى.
وقيل: الكافر في الآية إبليس - عليه اللَّعنة - لَمَّا شاهد آدَمَ عليه الصلاة والسلام
ونَسْلَه المؤمنين وما لهم من الثواب تمنَّى أن يكون تراباً؛ لأنَّه احتقره لَمَّا قال: ﴿خَلَقْنَني
مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. وهو بعيدٌ عن السياق، وإن كان حسناً.
(١) أي: عود ضمير لـ ((المرء)) من غير تصريح به. حاشية الشهاب ٣١١/٨.
(٢) لفظ: له، ليس في (م).
(٣) في تفسيره ٢٦/٣١.
(٤) في هامش الأصل: يحشر، نسخة.

الآية : ٤٠
٢٤٧
سُورَةُ النَّبُ
والتراب على جميع ما ذكر بمعناه المعروف، والكلامُ على ظاهره وحقيقته.
وجوِّز - لاسيما على الأخير - أن يكون المراد: يقول: ليتني كنت في الدنيا متواضعاً
لطاعة الله تعالى لا جبَّاراً ولا متكبِّراً عليه (١). والمعوَّل عليه ما تقدَّم كما لا يخفى.
:
(١) لفظ: عليه، ليست في (م).

سُورَةُ النَّارِعَاتِ
وتسمَّى سورةَ الساهرة، والطامَّة.
وهي مكيةٌ بالاتفاق. وعددُ آيَها ستٌّ وأربعون في الكوفيِّ وخمسٌ وأربعون في
غیره(١).
وعن ابن عباس أنها نزلت عقبَ سورة ((عمَّ)). وأوَّلُها يشبه أن يكون قَسَماً
لتحقيق ما في آخر ((عمَّ) أو ما تضمَّنته كلُّها .
وفي (البحر))(٢): لمَّا ذكر سبحانه في آخر ما قبلها الإنذارَ بالعذاب يومَ القيامة
أَقْسَم عز وجل في هذه على البعث ذلك اليوم، فقال جلَّ شأنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٤
فَالسَِّقَتِ سَبْقًا
٣
وَاَلسَّبِحَتِ سَبْحًا
﴿وَالنَِّعَتِ غَرْقًا ﴾ وَالتَّشِطَتِ نَشْطَا ()
قَالْمُدََِّّتِ أَفْهَا ﴾﴾ أقسامٌ من الله تعالى بطوائفَ من ملائكة الموت عليهم السلام
الذين ينزعون الأرواحَ من الأجساد على الإطلاق كما في روايةٍ عن ابن عباس
ومجاهد(٣). أو أرواحَ الكَفَرة على ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليٍّ
(١) ورد في هامش الأصل ما نصُّه: اختلافها آيتان: ﴿وَلِأَنْفَِكُ﴾ [٣٣] حجازي كوفي. ﴿لَى﴾
[٣٧] عراقي وشامي. اهـ. والكلام من مجمع البيان ١٧/٣٠ .
(٢) ٤١٩/٨.
(٣) هذا قول ابن مسعود ورواية عن ابن عباس كما في النكت والعيون ١٩٢/٦، والمحرر
الوجيز ٤٣٠/٥، والبحر ٤١٩/٨، وقال مجاهد: إِنها المنايا تنزع النفوس. وقوله في
المصادر المذكورة آنفاً. ولم نقف على من نسب القول الأول لمجاهد.

الآية : ٥
٢٤٩
سُورَةُ النَّازِعَانْتِ
كرَّم الله تعالى وجهه، وجويبر في تفسيره عن الحبر، وابن أبي حاتم عن ابن
مسعود، وعبد بن حميد عن قتادة (١)، ورُوي عن سعيد بن جبير ومسروق(٢).
ويَنْشِطُونها: أي: يُخرِجونها من الأجساد، من نَشَط الدَّلْوَ من البئر: إذا
أخرجها، ويَسبَحون في إخراجها سَبْحَ الذي يُخرِج من البحر ما يُخرجِ، فَيَسْبِقون
ويُسرِعُون بأرواح الكَفَرة إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبِّرون أمرَ
عقابِها وثوابِها بأن يُهَيِّوها لإدراكِ ما أُعِدَّ لها من الآلام واللذَّاتِ.
ومال بعضُهم إلى تخصيص النزع بأرواح الكفار، والنشطِ والسبحِ بأرواح
المؤمنين، لأن النزعَ جذبٌ بشدَّةٍ، وقد أردف بقوله تعالى: ((غرقاً)) وهو مصدرٌ
مؤكِّدٌ بحذف الزوائد، أي: إغراقاً في النزع من أقاصي الأجساد.
وقيل: هو نوعٌ، والنزعُ جنسٌ، أي: في هذا المحلِّ، وذلك أنسبُ بالكفار،
وقال ابن مسعود: تَنزع الملائكة روحَ الكافر من جسده من تحتِ كلِّ شعرةٍ ومن
تحت الأظافر وأصولِ القدمَيْنِ، ثم تُغرِقها في جسده ثم تنزعها، حتى إذا كادت
تخرُج يرُدُّها في جسده، وهكذا مراراً، فهذا عملُها في الكفَّار.
والنشْطُ : الإخراجُ برفقٍ وسهولةٍ، وهو أنسبُ بالمؤمنين، وكذا السبحُ ظاهرٌ في
التحرُّك برفقٍ ولطافةٍ، قال بعضُ السلف: إنَّ الملائكةَ يسُلُّون أرواحَ المؤمنين سلًّا
رقيقاً، ثم يتركونها حتى تَستريحَ رُويداً، ثم يستخرجونها برفقٍ ولطفٍ، كالذي يسبح
في الماء فإنه يتحرَّك برفقٍ لئلا يغرق، فهم يرفقون في ذلك الاستخراج لئلا يصل
إلى المؤمن ألمٌ وشدَّةٌ.
وفي ((التاج)) أنَّ النشطَ حلُّ العقدةِ برفقٍ(٣). ويقال - كما في ((البحر))(٤) -:
أَنْشَطْتُ العقالَ ونَشَطْتُه: إذا مددتَ أنشوطتَه فانحلَّت، والأنشوطة: عُقدةٌ يَسهُل
(١) ذكر هذه الأخبار السيوطيُّ في الدر ٣١٠/٦-٣١١.
(٢) تفسير الطبري ٥٨/٢٤، والنكت والعيون ٦/ ١٩٢.
(٣) تاج العروس (نشط).
(٤) ٨/ ٤١٩ .

سُورَةُ النَّارِعَاتِ
٢٥٠
الآية : ٥
انحلالُها إذا جُذِبت، كعقدة التِّكَّة، فإذا جُعِلت ((الناشطات)) من النشط بهذا المعنى
كان أوفقً للإشارة إلى الرفق.
والعطف مع اتحاد الكلِّ لتنزيلِ التغايُر العنوانيِّ منزلةَ التغاير الذاتي، كما مرَّ
غير مرة، للإشعار بأنَّ كلَّ واحدٍ من الأوصاف المعدودة من مُعظّمات الأمور حقيقٌ
بأن يكونَ على حياله مَناطاً لاستحقاقٍ موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من
غير انضمامِ الأوصاف الأُخرِ إليه.
ولو جعلتَ ((النازِعات)) ملائكة العذاب، و((الناشطات)) ملائكة الرحمة، كان
العطفُ للتغايُر الذاتي على ما هو الأصل.
والفاءُ في الأخيرَين للدلالة على ترتُّبهما على ما قبلَهما بغير مُهلة. وانتصابُ
(نشطاً)) و(سبحاً) و((سبقاً)) على المصدرية كانتصابٍ ((غرقاً))، وأما انتصابُ ((أمراً))
فعلى المفعولية لـ ((المدبِّرات)) لا على نزع الخافض، أي: بأمرٍ منه تعالى، كما قيل،
وزُعم أنه الأولى. وتنكيره للتهويل والتفخيم.
وجوِّز أن يكون ((غرقاً)) مصدراً مؤوَّلاً بالصفة المشبَّهة، ونصبُه على المفعولية
أيضاً لـ ((النازعات))، أو صفةً للمفعول به لها، أي: نفوساً غَرِقةً في الأجساد.
وحمل بعضُهم غرقَها فيها بِشدَّةِ تعلُّقها بها وغلبةِ صفاتها عليها، وكأنَّ ذلك مبنيٌّ
على تجرُّدِ الأرواح، كما ذهب إليه الفلاسفة وبعضُ أجلَّةِ المسلمين.
هذا، ولم نقف على نصٍّ في أنَّ الملائكة حالَ قبض الأرواح وإخراجها هل
يدخلون في الأجساد أم لا؟ وظاهرُ تفسير ((الناشطات)) أنَّهم حالةَ النزع خارجَ
الجسد، كالواقف، و((السابحات)) دخولُهم فيه لإخراجها على ما قيل، وأنتَ تعلم
أنَّ السبحَ ليس على حقيقته، ولا مانعَ من أن يُرادَ به مجرَّدُ الاتصال ونحوِهِ
مما لا تَوقُّفَ له على الدخول.
وجوِّز أن يكونَ المرادُ بـ ((السابحات)) وما بعدها طوائف من الملائكة يسبَحون
في مُضيِّهم، فيسبقون فيه إلى ما أمروا به من الأمور الدنيوية والأخروية، فيدبِّرون
أمرَه من كيفيته وما لا بدَّ منه فيه. ويعمُّ ذلك ملائكة الرحمة وملائكةَ العذاب،
والعطفُ عليه لتغايُر الموصوفات كالصفات.

الآية : ٥
٢٥١
سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
وأيًّا ما كان فجوابُ القَسَم محذوفٌ يدلُّ عليه ما بعدُ من أحوال القيامة، ويلوِّح
إليه الأقسامُ المذكورةُ، والتقدير: والنازعات .. إلخ، لتُبعَثُنَّ، وإليه ذهب الفراءُ(١)
وجماعةٌ .
وقيل: أقسامٌ بالنجوم السيّارة التي تَنزع، أي: تسير، من نَزَعَ الفَرَسُ: إذا جرى
من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع وجدًّا في السير، بأن تقطع الفلكَ على ما يبدو
للناس حتى تنحظّ في أقصى الغرب، وتَنشِط من بُرج إلى بُرج، أي: تخرُج، من:
نَشَط الثورُ: إذا خَرَج من مكانٍ إلى مكانٍ آخَر، ومنه قولُ هِمْيان بن قُحافة:
أرى هُمومي تَنشِط المَناشِطا
الشامَ بي طَوْراً وطَوراً واسطاً (٢)
وتسبح في الفلك فيسبق بعضُها في السير لكونه أسرعَ حركةً، فتدَبِّرُ أمراً نِيط بها
كاختلاف الفصول، وتقدير الأزمنة، وظهورٍ مواقيت العبادات والمعاملات
المؤجّلة، ولَمَّا كانت حركاتُها من المشرق إلى المغرب سريعةً قسريةً وتابعةً لحركة
الفلك الأعظم ضرورةً، وحركاتُها من بُرج إلى برج بإراداتها من غير قسرٍ لها وهي
غيرُ سريعةٍ، أُطلِقٍ على الأولى النزعُ لأنه جذبٌ بشدّةٍ، وعلى الثانية النشطُ لأنه
برفقٍ .
ورُوي حملُ ((النازعات)) على النجوم عن الحسن وقتادة والأخفش وابن كيسان
وأبي عبيدة (٣). وحَملُ ((الناشطات)) عليها عن ابن عباس والثلاثة الأوَل(٤)، وحملُ
(١) في معاني القرآن ٢٣١/٣.
(٢) البيت في تفسير الطبري ٦٢/٢٤، وتهذيب اللغة ٣١٣/١١، والنكت والعيون ١٩٣/٦،
وتفسير القرطبي ٤٠/٢٢، برواية: أمست، في الشطر الأول. وهو في المحرر الوجيز
٤٣٠/٥، والبحر ٤١٧/٨ برواية المصنف. ونسبه الجميع لهميان بن قحافة، وتحرف في
النكت والعيون إلى: همام. وفي المحرر الوجيز إلى: همان. وهو: هِميان بن قُحافة
أحد بني عُوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ويقال: أحد بني عامر بن عبيد بن الحارث،
راجزٌ محسنٌ إسلاميٌّ، وكان في الدولة الأموية. المؤتلف والمختلف ص٣٠٤.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٩٢، والمحرر الوجيز ٤٣٠/٥، والبحر ٤١٩/٨. وقول أبي عبيدة في
مجاز القرآن ٢٨٤/٢.
(٤) يريد بهم الحسن وقتادة والأخفش، المحرر الوجيز ٤٣٠/٥، والبحر ٤١٩/٨.

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٥٢
الآية : ٥
((السابحات)) عليها عن الأولين(١). وحملها أبو روق على الليل والنهار والشمس
والقمر منها، و((المدبرات)) عليها عن معاذ(٢). وإضافة التدبير إليها مجازٌ.
وقيل: أقسامٌ بالنفوس الفاضلة حالةَ المفارقة لأبدانها بالموت، فإنها تنزع عن
الأبدان غرقاً - أي: نزعاً شديداً من: أغرقَ النازعُ في القوس: إذا بلغ غايةَ المدِّ
حتى ينتهي إلى النصْل - لعُسرِ مفارقتها إياها حيث أَلِفَتْه وكان مطيَّةً لها لاكتساب
الخير ومظنةً لازدياده، فتنشَط شوقاً إلى عالم الملكوت وتسبّح به، فتسبق إلى
حظائر القُدس فتصير لشَرَفها وقوَّتها من المدبِّرات، أي: مُلحَقةً بالملائكة، أو
تصلُح هي لأن تكون مدبِّرةً، كما قال الإمام: إنَّها بعد المفارقة قد تظهر لها آثارٌ
وأحوالٌ في هذا العالم، فقد يرى المرءُ شيخَه بعد موته فيُرشده لِمَا يهمُّه. وقد نُقِل
عن جالينوس أنه مَرِض مرضاً عجز عن علاجه الحكماءُ، فوُصِف له في منامه
علاجُه، فأفاق وفعله فأفاق. وقد ذكره الغزالي(٣). ولذا قيل - وليس بحديث
كما تُوهِّم -: إذا تحيّرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور، أي: أصحابٍ
النفوس الفاضلة المتوفّين، ولا شكَّ في أنه يحصل لزائرهم مددٌ روحانيٍّ ببركتهم،
وكثيراً ما تنحلُّ عقَدُ الأمور بأنامل التوسُّل إلى الله تعالى بحرمتهم.
وحمله بعضُهم على الأحياء الممثلين أمرَ: موتوا قبل أن تموتوا(٤).
وتفسير ((النازعات)) بالنفوس مرويٌّ عن السدي، إلا أنه قال: هي جماعةٌ
النفوس تنزع بالموت إلى ربِّها(٥). و((الناشطات)) بها عن ابن عباس أيضاً، إلا أنه
قال: هي النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج (٦). و((السابقات)) بها عن ابن
(١) المحرر الوجيز ٤٣١/٥، والبحر ٤١٩/٨.
(٢) القولان في المصدرين السابقين، وقول معاذ في النكت والعيون ٦/ ١٩٤.
(٣) التفسير الكبير ٣١/٣١، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣١٣/٨.
(٤) قال ابن حجر: هو غير ثابت. وقال القاري: هو من كلام الصوفية. كشف الخفا ٣٨٤/٢.
وسلف ١٧٨/٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٣٠/٥ .
(٦) البحر ٤١٩/٨ .

الآية : ٥
٢٥٣
سُوَّةُ النَّازِعَانْتِ
مسعود، إلا أنَّه قال: هي أنفُسُ المؤمنين تسبِق إلى الملائكة عليهم السلام الذين
يقبضونها، وقد عاينتِ السرورَ شوقاً إلى لقاء الله تعالى(١).
وقيل: أقسامٌ بالنفوس حالَ سلوكها وتطهيرٍ ظاهرها وباطنها بالاجتهاد في
العبادة والترقِّي في المعارف الإلهيَّة، فإنها تَنزع عن الشهوات وتنشَط إلى عالم
القدس، فتسبح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من
المكملات للنفوس الناقصة.
وقيل: أقسامٌ بأنفُس الغُزاة، أو أيديهم تَنزع القسيَّ بإغراق السهام، وتنشَط
بالسهم للرمي، وتسبح في البرِّ والبحر، فتسبق إلى حرب العدو فتدبِّر أمرَها.
وإسناد السبح وما بعده إلى الأيدي عليه مجازٌ للملابسة.
وحملُ ((النازعات)) على الغُزاة مرويٌّ عن عطاء، إلا أنه قال: هي النازعات
بالقسيِّ وغيرها(٢).
وقيل: بصفاتٍ خيلهم، فإنها تنزع في أعنَّتها غرقاً، أي: تمدُّ أعنَّتها مدًّا قويًّا
حتى تُلصِقها بالأعناق من غير ارتخائها، فتصير كأنها انغمست فيها، وتخرج من
دار الإسلام إلى دار الكفر، وتسبح في جريها فتسبق إلى العدوِّ فتُدبِّر أمرَ الظفر.
وإسناد التدبير إليها إسنادٌ إلى السبب.
وحملُ ((السابحات)) على الخيل مرويٌّ عن عطاء أيضاً وجماعةٍ.
ولا يخفى أنَّ أكثر هذه الأقوال لا يليق بشأن جزالة التنزيل، وليس له قوَّةٌ
مناسِبةٌ للمقام، ومنها ما فيه قولٌ بما عليه أهل الهيئة المتقدِّمُون من الحركة الإرادية
للكوكب، وهي حركته الخاصَّةُ ونحوها مما ليس في كلام السلف ولم يتمَّ عليه
برهانٌ، ولذا قال بخلافه المحدثون من الفلاسفة.
وفي حمل ((المدبِّرات)) على النجوم إيهامُ صحَّةٍ ما يزعمه أهلُ الأحكام وجهلةُ
المنجِّمين، وهو باطلٌ عقلاً ونقلاً كما أوضحنا ذلك فيما تقدَّم(٣).
(١) المصدر السابق.
(٢) تفسير الطبري ٥٩/٢٤، والبحر ٤١٩/٨.
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الصافات.
.

سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
٢٥٤
الآية : ٥
وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهامُ صحةٍ ما يزعمه كثيرٌ من
سَخَفَة العقول من أن الأولياء يتصرَّفون بعد وفاتهم بنحوِ شفاء المريض وإنقاذٍ
الغريق والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على
معنى أنَّ الله تعالى فوَّض إليهم ذلك، ومنهم مَن خصَّ ذلك بخمسةٍ من الأولياء،
والكلُّ جهلٌ وإن كان الثاني أشدَّ جهلاً. نعم لا ينبغي التوقُّف في أنَّ الله تعالى قد
يُكرم مَن شاء من أوليائه بعدَ الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيُبرئ سبحانه المريضَ
ويُنقِذ الغريقَ وينصر على العدوِّ وينزلُ الغيث وكيت وكيت كرامةً له، وربَّما يُظهر عزَّ
وجل مَن يُشبِهُه صورةً فتفعل ما سُئل الله تعالى بحرمته مما لا إثمَ فيه استجابةً
للسائل، وربما يقع السؤال على الوجه المحظور شرعاً فيُظهِر سبحانه نحو ذلك
مكراً بالسائل واستدراجاً له.
ونقل الإمام في هذا المقام عن الغزالي أنه قال: إنَّ الأرواح الشريفة إذا فارقت
أبدانَها ثم اتفق إنسانٌ مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن، فإنَّه لا يَبعُد أن
يحصل للنفس المفارقة تعلّقٌ بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلّقة بذلك
البدن على أعمال الخير، فتُسمَّى تلك المعاونةُ إلهاماً، ونظيرُه في جانب النفوس
الشريرة وسوسة(١). انتهى.
ولم أَرَ ما يشهد على صحّتِه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد ذكر
الإمام نفسه في ((المباحث المشرقية)) استحالةَ تعلُّقِ أكثر من نفسٍ بيدنٍ واحد، وكذا
استحالةَ تعلُّق نفسٍ واحدةٍ بأكثر من بدنٍ، ولم يتعقّب ما نقله هنا، فكأنه فَهِم أنَّ
التعلُّقَ فيه غيرُ التعلُّقِ المستحيل، فلا تغفل.
وقال في وجه حمل المذكورات على الملائكة: إنَّ الملائكة عليهم السلام لها
صفاتٌ سلبيةٌ، وصفاتٌ إضافيةٌ، أما الأولى فهي أنَّها مبرَّأة عن الشهوة والغضب
والأخلاق الذميمة، والموت والهرم والسقم والتركيب، والأعضاء والأخلاط
والأركان، بل هي جواهرُ روحانيةٌ مبرَّأةٌ عن هذه الأحوال، فـ ((النازعاتِ غَرْقاً))
(١) التفسير الكبير ٣١/٣١.

الآية : ٥
٢٥٥
سُوَرَّةُ النَّازِعَائْتِ
إشارةٌ إلى كونها منزوعةً عن هذه الأحوال نزعاً كليًّا من جميع الوجوه على أنَّ
الصيغة للنسبة. و((الناشطات نشْطاً)) إشارةٌ إلى أنَّ خروجها عن ذلك ليس كخروج
البشر على سبيل الكلفة والمشقَّة، بل بمقتضى الماهية، فالكلمتان إشارتان إلى
تعريف أحوالهم السلبية.
وأما صفاتُهم الإضافية فهي قسمان:
الأول: شرحُ قوَّتهم العاقلة وبيانُ حالهم في معرفة مُلك الله تعالى وملكوته
سبحانه والاطلاع على نورٍ جلاله جلَّ جلالُه، فوصفهم سبحانه في هذا المقام
بوصفین :
أحدهما: ((والسابحات سبحاً)) فهم يَسبَحون من أول فطرتهم في بحارِ جلالِه
تعالى، ثم لا منتهى لسبحهم؛ لأنَّه لا منتهى لعظمة الله تعالى وعلوِّ صمديته ونور
جلاله وكبريائه، فهم أبداً في تلك السباحة.
وثانيهما: ((فالسابقات سبقاً)) وهو إشارةٌ إلى تفاؤُتِ مراتبهم في درجات المعرفة
وفي مراتب التجلِّي.
والثاني: شرحُ قوَّتهم العامة وبيانُ حالهم فيها، فوصفهم سبحانه في هذا المقام
بقوله تعالى: ((والمدبرات أمرا)) ولَمَّا كان التدبير لا يتمُّ إلا بعدَ العلم قدَّم شرح
القوَّة العاقلة على شرح القوَّة العاملة(١). انتهى.
وهو على ما في بعضه من المنع - ليس بشديد المناسبة للمقام.
ونقل غيرُ واحد أقوالاً غيرَ ما ذُكر في تفسير المذكورات، فعن مجاهد:
((النازعات)) المنايا، تنزع النفوسَ. وحكى يحيى بن سلام أنها الوحشُ تَنزع إلى
الكلأ. وعن الأول تفسيرُ ((الناشطات)) بالمنايا أيضاً. وعن عطاء تفسيرُها بالبقر
الوحشية وما يجري مجراها من الحيوان الذي يَنشِط من قطرٍ إلى قطرٍ. وعنه أيضاً
تفسيرُ ((السابحات)» بالسُّفُن. وعن مجاهد تفسيرُها بالمنايا تسبح في نفوس الحيوان.
(١) التفسير الكبير ٢٨/٣١-٢٩.
1

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٥٦
الآية : ٦ - ٧
وعن بعضهم تفسيرها بالسحاب، وعن آخر تفسيرها بدوابٌّ البحر. وعن بعضٍ
تفسيرُ ((السابقات)) بالمنايا على معنى أنها تسبق الآمالَ(١).
وعن غير واحدٍ تفسير ((المدبِّرات)) بجبريل يدبِّر الرياحَ والجنودَ والوحيَ،
وميكالَ يدبِّر القطرَ والنباتَ، وعزرائيلَ يدبِّر قبضَ الأرواح، وإسرافيل يدبِّر الأمر
المنزَّل عليهم، لأنه ينزل به ويدبِّر النفخَ في الصور(٢). والأكثرون تفسيرُها
بالملائكة مطلقاً، بل قال ابن عطية: لا أحفظ خلافاً في أنها الملائكة(٣).
وليس في تفسير شيء مما ذكر خبرٌ صحيحٌ عن رسول اللهِوَ ﴿ فيما أعلم،
وما ذكرتُه أولاً هو المرجّح عندي نظراً للمقام، والله تعالى أعلم.
﴾ منصوبٌ بالجواب المضمَر، والمراد
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ
بـ ((الراجفة)): الواقعةُ أو النفخةُ التي تَرجُف الأجرامُ عندها، على أنَّ الإسناد إليها
مجازيٌّ؛ لأنها سببُ الرجف، أو التجوُّزِ في الطرف بجعلٍ سببِ الرجف راجفاً.
وجوِّز أن تُفسَّر ((الراجِفَةُ)) بالمحرِّكة، ويكون ذلك حقيقةً؛ لأنَّ: رَجَفَ، يكون
بمعنى: حرَّك وتحرَّك، كما في ((القاموس)) (٤)، وهي النفخة الأولى.
وقيل: المراد بها الأجرام الساكنة التي تشتدُّ حركتُها حينئذٍ كالأرض والجبال،
لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] وتسميتُها راجفة باعتبار
الأول، ففيه مجازٌ مرسلٌ، وبه يتضح فائدةُ الإسناد.
وقوله تعالى: ﴿تَبْعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾﴾ أي: الواقعة أو النفخةُ التي تردف وتتبع
الأولى، وهي النفخة الثانية. وقيل: الأجرام التابعةُ، وهي السماء والكواكب،
فإنها تنشقُّ وتنتثر بعدُ. والجملة حالٌ من ((الراجفة))، مصحِّحةٌ لوقوع اليوم ظرفاً
للبعث لإفادتها امتدادَ الوقت وسعتَه، حيثُ أفادت أنَّ اليومَ زمانُ الرجفة المقيَّدةِ
(١) ينظر لهذه الأقوال: تفسير الطبري ٥٧/٢٤-٦٤، والنكت والعيون ٦/ ١٩٢-١٩٤، والمحرر
الوجيز ٤٣٠/٥-٤٣١، والبحر ٤١٩/٨.
(٢) زاد المسير ١٧/٩، والبحر ٤١٩/٨.
(٣) المحرر الوجيز ٤٣١/٥.
(٤) مادة (رجف).

الآية : ٨
٢٥٧
سُؤَدَُّ النَّازِعَائْتِ
بتبعيَّةِ ((الرادفة)) لها، وتبعيَّةُ الشيء الآخَرَ فرعُ وجودٍ ذلك الشيء، فلا بدَّ من امتدادٍ
اليوم إلى ((الرادفة))، واعتبارُ امتداده مع أنَّ البعثَ لا يكون [إلا](١) - عند
((الرادفة)) - أعني: النفخةَ الثانيةَ، وبينَها وبينَ الأولى أربعون - لتهويل اليوم ببيانٍ
كونه موقعاً لداهيتّيْن عظيمتيْن.
وقيل: ((يومَ تَرْجُف)) منصوبٌ بـ ((اذكر))، فتكون الجملة استئنافاً مقرِّراً لمضمون
الجواب المضمَر، كأنه قيل لرسول الله وَلقول: اذكُر لهم يومَ النفختين، فإنه وقتُ
بعثهم .
وقيل: هو منصوبٌ بما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاحِفَةُ ﴾﴾ أي: يومَ
ترجُف وَجَفَتِ القلوبُ، أي: اضطربت، يقال: وَجَفَ القلبُ وَجيفاً: اضطربَ من
شدَّة الفَزَع، وكذلك وَجَب وَجِيباً.
ورُوي عن ابن عباس أنَّ ((واجفة)) بمعنى: خائفة، بلغةِ همدان(٢).
وعن السديّ: زائلةٌ عن مكانها(٣).
ولم يُجعَل منصوباً بـ ((واجفة))؛ لأنه نَصَبَ ظرفَه، أعني ((يومئذ))، والتأسيسُ أولى
من التأكيد فلا يُحمَل عليه، كيف وحذفُ المضافِ وإبدالُ التنوين مما يأباه أيضاً.
ورفع ((قلوبٌ)) على الابتداء، و((يومئذ)) متعلِّقٌ بـ ((واجفة))، وهي الخبر على
ما قيل، وهو الأظهر كما في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَدٍ نَاضِرَةٌ ﴿ إِلَى ◌َّهَا نَاظِرَةٌ
٣٣
وَدُجُوهٌ يَوْمَيٍِ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٤] وجاز الابتداء بالنكرة لأنَّ تنكيرَها للتنويع، وهو
يقوم مقامَ الوصف المخصِّص، نعم التنويعُ في النظير أظهرُ لذكر المقابل، بخلاف
ما نحن فيه، ولكن لا فرقَ بعدَ ما ساق المعنى إليه، وإن شئتَ فاعتبر ذلك للتكثير
كما اعتُبِر في: شَرِّ أهرَّ ذا ناب(٤).
(١) زيادة يقتضيها السياق. ينظر الكشاف ٢١٢/٤، وتفسير أبي السعود ٩٦/٩، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٦٩/٢٤، والكلام من البحر ٤١٧/٨.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٤٣.
(٤) يقال: أهرَّه: إذا حمله على الهرير، و((شرِّ) رفع بالابتداء، وهو نكرة، وشرط النكرة أن
لا يبتدأ بها حتى تخصص، وإنما جاز ذلك لأن المعنى: ما أهرّ ذا ناب إلّا شرٌّ. وذو
=

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٥٨
الآية : ٩
وقيل: ((واجفة)) صفةُ ((قلوبٌ)) مصحِّحة للابتداء بها .
أي: أبصارُ أهلِها ذليلةٌ من الخوف،
وقولُه تعالى: ﴿أَبْصَرُهَا خَشِمَةٌ @
ولذلك أضافَها إليها، فالإضافة لأدنى ملابسةٍ. وجوِّز أن يرادَ بالأبصار البصائرُ،
أي: صارت البصائر ذليلةٌ لا تُدرِك شيئاً، فكنَى بذُلِّها عن عدم إدراكها، لأنَّ عزَّ
البصيرة إنما هي بالإدراك. وبُحِث في كون القلوب غيرَ مُدرِكة يومَ القيامة. وأجيب
بأنَّ المرادَ شدَّةُ الذهول والحيرة = جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ رفعٍ على الخبرية
لـ «قلوب)).
وتعقِّب بأنه قد اشتهر أنَّ حقَّ الصفة أن تكونَ معلومةَ الانتساب إلى الموصوف
عند السامع، حتى قال غيرُ واحدٍ: إنَّ الصفات قبلَ العلم بها أخبارٌ، والأخبار بعد
العلم بها صفاتٌ، فحيث كان ثبوتُ الوجيف وثبوتُ الخشوع الأبصارِ أصحابٍ
القلوب سواء في المعرفة والجهالةِ كان جَعْلُ الأول عنوانَ الموضوع مسلَّمَ الثبوت
مفروغاً عنه، وجَعْلُ الثاني مخبراً به مقصودَ الإفادة تحُّماً بحتاً، على أنَّ الوجيفَ
الذي هو عبارةٌ عن اضطراب القلب وقَلَقِهِ من شدَّة الخوف والوَجَلِ أشدُّ من خشوع
البصر وأهولُ، فجَعْلُ أهونِ الشرَّين عمدةً وأشدِّهما فضلةً مما لا عهدَ له في
الكلام.
وأيضاً فتخصيصُ الخشوع بقلوبٍ موصوفةٍ بصفة معيَّنةٍ غيرِ مُشعِرةٍ بالعموم
والشمول تهوينٌ للخطب في موقع التهويل. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ ((المشتهر)) و((ما قاله غيرُ واحد)) غيرُ مجمع على اطّراده، وأنَّ
بعضَ ما اعترض به يندفع على ما يُفهِمه كلامُ بعض الأجلة من جواز جعل المفرد
خبراً والجملةِ بعدُ صفةً، لكنه بعيدٌ، وما قيل على الأول من أنَّ جعلَ التنوين
للتنويع مع إلباسه مخالفٌ للظاهر، وكونه كالوصف معنّى تعسُّف = خروج (١) عن
الإنصاف.
= الناب: السبع. ويضرب به المثل في ظهور أمارات الشرِّ ومخايله. مجمع الأمثال ٣٧٠/١،
وقد سلف ٢٤/ ١٢٠.
(١) قوله: خروج، هو خبر ((ما)) في قوله: وما قيل على الأول ....

الآية : ١٠
٢٥٩
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
وزعم ابن عطية أنَّ النكرةَ تخصَّصت بقوله تعالى: ((يومئذ))(١). وتعقِّب بأنه
لا تتخصّصُ الأجرامُ (٢) بظروف الزمان.
وقدَّر عصام الدين جوابَ القَسَم: ليأتينَّ، وقال: نحن نقدِّره كذلك ونجعل
(يوم تَرجُف)) فاعلاً له مرفوعَ المحلِّ، ونجعل ((تتبعها الرادفة)) صفةً للراجفة بجَعْلِها
في حكم النكرة، لكون التعريف للعهد الذهني، نحو:
أمُرُّ على اللئيم يسبُّني(٣)
وفيه ما فيه، وفيه ما فيه (٤).
وقيل: إنَّ الجوابَ ((تتبعها الرادفة))، و((يومَ)) منصوبٌ به، ولامُ القَسَم محذوفةٌ،
أي: لَيومَ كذا تتبعها الرادفة. ولم تدخل نون التأكيد لأنَّه قد فصل بين اللام المقدَّرة
والفعل. وليس بذاك.
وقال محمد بن عليٍّ الترمذي(٥): إنَّ جوابَ القَسَم ((إن في ذلك لعبرة لمن
یخشی)». وهو كما ترى.
ومثله ما قيل: هو ((هل أتاك حديث موسى)) لأنَّه في تقدير: قد أتاك.
وقال أبو حاتم: على التقديم والتأخير، كأنه قيل: فإذا هم بالساهرةٍ
والنازعاتِ. وخطَّه ابن الأنباري بأنَّ الفاء لا يُفْتَتَح بها الكلامُ.
وبالجملة الوجهُ الوجيه هو ما قدَّمنا.
حكايةٌ لِمَا يقوله المنكرون
١٠
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَنَا لَمَرْدُودُونَ فِىِ الْحَافِرَةِ
للبعث، المكذِّبون بالآيات الناطقة به، إثرَ بيانٍ وقوعه بطريق التوكيد القَسَميِّ وذکرِ
مقدِّماته الهائلة وما يَعرِض عندَ وقوعها للقلوب والأبصار، أي: يقولون إذا قيل
(١) المحرر الوجيز ٤٣١/٥.
(٢) تحرف في (م) إلى: بالإجرام. والمثبت من الأصل والبحر ٤٢٠/٨، والكلام منه.
(٣) وعجزه: فمضيتُ ثمةَ قلتُ لا يعنيني، وسلف ٧/ ٤٦٤ .
(٤) كذا وردت العبارة مكررة في الأصل و(م)، وكتب فوقها في الأصل: صح.
(٥) كما في البحر ٨/ ٤٢٠، وعنه نقل المصنف ما سيرد من أقوال.

سُوَّةُ النَّازِعَانِتِ
٢٦٠
الآية : ١٠
لهم: إنكم تُبعَثون، منكرين له متعجّبين منه: أئنًّا لمردودون بعدَ موتنا في الحافرة؟!
أي: في الحالة الأولى، يعنون الحياةَ كما قال ابن عباس وغيرُه.
وقيل: إنه تعالى شأنه لَمَّا أقسم على البعث وبيَّن ذُلَّهم وخوفَهم ذكر هنا
إقرارَهم بالبعث وردَّهم إلى الحياة بعدَ الموت، فالاستفهامُ لاستغرابٍ ما شاهدوه
بعدَ الإنكار، والجملة مستأنفةٌ استئنافاً بيانيًّا لِمَا يقولون إذ ذاك.
والظاهرُ ما تقدَّم، وأنَّ القولَ في الدنيا، وأيًّا ما كان فهو من قولهم: رَجَعَ
فُلانٌ في حَافِرته، أي: طريقته التي جاء فيها فَحَفَرها، أي: أثَّر فيها بمشيه،
والقياس: المحفورةُ، فهي إما بمعنى: ذاتٍ حَفْرٍ، أو الإسنادُ مجازيٌّ، أو الكلامُ
على الاستعارة المكنية بتشبيه القابل بالفاعل وجَعْلِ الحافريةِ تخييلاً، وذلك نظيرُ
ما ذكروا في: ﴿عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧].
ويقال لكلِّ مَن كان في أمرٍ فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، وعليه
قوله :
أحافِرةً على صَلَعِ وَشَيْبٍ معاذَ الله من سَفَهٍ وعارٍ(١)
يريد: أَأَرْجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والتصابي بعدَ أن شبتُ؟!
معاذَ الله من ذاك سفهاً وعاراً. ومنه المثل: النقد عند الحافرة. فقد قيل: الحافرةُ
فيه بمعنى الحالة الأولى، وهي الصفقة، أي: النقدُ حالَ العقد، لكن نقل
الميداني(٢) عن ثعلب أنَّ معناه: النقدُ عند السَّبْق. وذلك أنَّ الفرس إذا سَبَقَ أخذَ
الرهنَ، والحافرةُ: الأرضُ التي حَفَرَها السابقُ بقوائمه على أحد التأويلات.
وقيل: ((الحافرةُ)): جمعُ: الحافر، بمعنى القَدَم، أي: يقولون أننا لمردودون
(١) البيت في أدب الكاتب ص٤١٥، وإصلاح المنطق ص٣٢٧، والصحاح (حفر)، والمحرر
الوجيز ٤٣٢/٥، والبحر ٤١٧/٨، وهو في تفسير الطبري برواية: طيش. بدل: عار.
وصَلِعَ: انحسر شعر مقدم رأسه. مختار الصحاح (صلع)، ونصب ((حافرة)) على أنه اسم في
معنى المصدر أقيم مقامه، والتقدير: أرُجُوعاً إلى أول أمري؟ يريد: أأرجع رجوعاً؟ فحذف
الفعلَ واكتفَى بمصدره. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص٤٦٧ .
(٢) في مجمع الأمثال ٣٣٧/٢.