Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٤ ٢٠١ سُودَةُ النَّبَا والكلُّ كما ترى وإن تفاوتت مراتبُ الضعف، والمعوَّلُ عليه الأول. وقال مفتي الديار الرومية (١): الذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الدقيق أن يحملَ اختلافُهم في البعث على مخالفتهم للنبيِّ وَِّ؛ بأن يعتبرَ في الاختلاف محضُ صدور الفعل عن المتعدّد، حسبما قيل في التساؤل، فإنَّ الافتعال والتفاعل صيغتان متآخيتان - كالاستباق والتسابق والانتضال والتناضل - يجري في كلِّ منهما ما يجري في الأخرى، لا على مخالفة بعضِهم لبعض على أن يكون كلٌّ من الجانبين مخالفاً - اسم فاعل - ومخالَفاً - اسم مفعول - لأنَّ الكلَّ وإن استحقَّ ما يذكر بعدُ من الردع والوعيد، لكنَّ استحقاق كلِّ جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر - إذ لا حقيَّةً في شيءٍ منهما حتى يستحقَّ مَنْ يخالفه المؤاخذةَ - بل لمخالفته عليه الصلاة والسلام، فكأنه قيل: الذي هم فيه مخالفون للنبيٍّ ◌َّر. انتهى. وفيه أنه خلافُ الظاهر، وما ذكره من التعليل لا يخلو عن شيء. وقرأ عبد الله وابن جبير: ((تسَّاءلون)) بغير ياءٍ وشدِّ السين(٢)، على أنَّ أصله تتساءلون بتاء الخطاب فأدغمت التاء الثانية في السين. ردعٌ عن التساؤل على الوجهَيْن المتقدِّمَيْن فيه. وقيل: عنه وعن الاختلاف بمعنى مخالفة الرسول وَ ل﴿ في أمر البعث، وتعقِّب بأنَّ الجملة التي تضمَّنته لم تُقصد لذاتها، فيبعدُ اعتبار الرَّدع إلى ما فيها. وعيدٌ لأولئك المتسائلين المستهزئين بطريق وقوله سبحانه: ﴿سَيَعْلَمُونَ الاستئناف، وتعليلٌ للردع. والسين للتقريب والتأكيد. ومفعولُ ((يعلمون)) محذوفٌ، وهو ما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات. والتعبيرُ عن لقائه بالعلم؛ لوقوعه في معرض التساؤل، والمعنى: ليرتدعوا عمَّا هم عليه فإِنَّهم سيعلمون عمَّا قليلٍ حقيقةَ الحال إذا حلَّ بهم العذابُ والنكال، ومثلُ (١) هو أبو السعود، والكلام في تفسيره ٩/ ٨٥. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر ٤١١/٨. الآية : ٥ ٢٠٢ سُورَةُ النَّبُ هذا تقديرُ المفعول جزاءَ التساؤل. وقيل: هو ما ينبئُ عنه الظاهر وهو وقوعُ ما يتساءلون عنه، على معنى: سيعلمون ذلك فيخجلون من تساؤلهم واستهزائهم بين يدي ربِّهم عزَّ وجل. وإلّا لم يظهر كون ما ذكر وعيداً. ومَنْ جعل ضمير ((يتساءلون)) للناس عامةً جعل ما هنا من باب التغليب؛ لأنَّه لغير المؤمنين بالبعث الجازمین به. وجوَّزَ بعضُهم كونَ ((كلا سيعلمون)) ردعاً ووعداً على الارتداع، والمرادُ: ليرتدعوا فإِنَّهم سيعلمون مثوبات الارتداع. وأنت تعلم أنَّ ذلك شائعٌ في الوعيد، وهو المتبادَر منه في أمثال هذه المقامات. قيل: تكريرٌ لما قبله من الردع والوعيد؛ وقوله تعالى: ﴿ثُرَّكَلَا سَيَعْلَمُونَ للمبالغة، و((ثم)) للتفاوت في الرتبة، فكأنه قيل: لهم يوم القيامة ردعٌ وعذابٌ شديدان، بل لهم يومئذٍ أشدُّ وأشدُّ (١). وبهذا الاعتبار صار كأنه مغايرٌ لما قبله فَعُطف عليه، وابنُ مالك(٢) يقول في مثله: إنَّه من التوكيد اللَّفظي وإنْ توسَّطَ حرفُ العطف، فلا تغفل. وقيل: الأول إشارةٌ إلى ما يكون عند النَّزْعِ وخروج الروح من زجرٍ ملائكةٍ الموت عليهم السلام، وملاقاةٍ كُربات الموت وشدائده، وانكشافِ الغطاء. والثاني: إشارةٌ إلى ما يكون في القيامة من زجرِ ملائكة العذاب عليهم السلام، وملاقاةٍ شديد العقاب، فـ (ثم)) في محلّها لما بينهما من البعد الزمانيّ ولا تكرارَ فيه. والظاهر أنَّ العطفَ - على هذا وما قبلَه - على مجموع ((كلا سيعلمون)). وتوهّم بعضُهم من كلام بعض الأجلَّة أنَّ العطف على ((سيعلمون))، وأورد عليه أنَّ ((ثم)) إذا كانت للتراخي الزماني يلزمُ الفصلُ بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبيٍّ، بخلاف ما إذا كانت للتراخي الرتبي، ووجّه لدفع التخصيص بلا مخصِّص أنَّه على الثاني يُفهم تفاوتُ الرتبة بين الرذْعَيْن كتفاوتها بين الوعيدين لتبعيَّة الردع (١) جاء في هامش الأصل: وتعقّب بأن الردع بمنزلة النهي وهو في الدنيا، فتأمل. انتهى منه. (٢) ينظر شرح التسهيل ٣٠٥/٣. الآية : ٦ ٢٠٣ سُورَةُ النَّبّ للوعيد، فلا تكون ((كلا)) الثانية أجنبيةً، بخلاف الأول(١) فإن التراخي عليه إنَّما يتحقَّقُ فيما يتحقَّقُ فيه الزمانُ، وليس هو إلا ((سيعلمون)) دون ((كلا)» فتكون هي أجنبيةً، ثم قال ذلك المتوهِّمُ: ولا يبعدُ أن يقال: الردع الأول عن التساؤل والثاني عن الإنكار، أي: الصريح، وتفاوتُ ما بينهما يقتضي العطفَ بـ (ثم))، والكلُّ كما ترى. وقيل: متعلَّقُ العلم في الأول البعثُ، وفي الثاني الجزاءُ على إنكاره، و((ثم)) في محلّها، أي: كلَّا سيعلمون حقيَّةً البعث إذا بُعثوا، ثمَّ كلَّا سيعلمون الجزاءَ على إنكاره إذا دخلوا النارَ وعوقبوا . وجوّز أن يكون المتعلَّقُ مختلفاً، و((ثم)) للتراخي الرتبي بأن يكونَ المعنى: سيعلم الكفار أحوالَهم ثمَّ سيعلمون أحوالَ المؤمنين، والأول إشارةٌ إلى العذاب الجسماني، والثاني إلى العذاب الروحانيّ الذي هو أشدُّ وأخزى، وأن يكون فاعلُ (سيعلم))، في الموضعين مختلفاً بناءً على أنَّ ضمير ((يتساءلون)) للناس عامةً و((ثم)) لذلك أيضاً، بأن يكون المعنى: سيعلمُ المؤمنون عاقبةَ تصديقهم ثمَّ سيعلم الكفَّارُ عاقبةً تكذيبهم، فيكون الأول وعداً للمؤمنين والآخر وعيداً للكافرين وهما متفاوتان رتبةً، ولا يخفى عليك ما في ذلك. وقرأ مالك بن دينار وابن مِقْسم والحسن وابن عامر: ((ستعلمون)) في الموضعين(٢) بالتاء الفوقيَّة على نهج الالتفاتِ إلى الخطاب الموافق لِمَا بعده من الخطابات تشديداً للردع والوعيد، لا على تقدير: قل لهم: كلَّا ستعلمون .. إلخ، فإنه ليس بذاك وإن كان فيه نوعُ حُسْنٍ على تقدير كون المراد: يسألون النبيَّ وَّؤ. وعن الضحاك أنَّه قرأ الأول بتاء الخطاب والثاني بياء الغيبة (٣) . وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ﴾﴾ إلخ استئنافٌ مَسوقٌ لتحقيق النبأ المتساءَلِ عنه بتعداد بعضٍ الشواهد الناطقة بحقيَّته إثر ما نبَّه عليها بما ذكر من (١) في الأصل: الثاني. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٢٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٢٥/٥، والمحرر الوجيز ٤٢٤/٥، وتفسير القرطبي ٧/٢٢، ولم يذكر أحدٌ - فيما بين أيدينا من مصادر - قراءةَ ابن مِقْسم. (٣) البحر ٤١١/٨. سُورَةُ النَّبّ ٢٠٤ الآية : ٧ الرَّدع، وجُوِّز أن يكون بتقدير: قل، كأنَّه قيل: قل كيف تنكرون أو تشكُّون في البعث وقد عاينتم ما يدلُّ عليه من القدرة التامَّة والعلم المحيط والحكمة الباهرة المقتضية أن لا يكونَ ما خلق عبئاً؟! وفيه أنَّ مَنْ كانَ عظيمَ الشأن باهرَ القدرة ينبغي أن يُخافَ ويُخشى ويُتأثَّرَ مِنْ زجره ووعيده. والهمزةُ للتقرير بما بعد النفي. والمهادُ: الفراش الموظّأ، وفي ((القاموس))(١): المهد: الموضع الذي يهيّأ للصبي كالمهاد، وعليه فالمَهْد والمِهاد بمعنّى، ويؤيده قراءةُ مجاهد وعيسى الهمداني: (مَهْداً))(٢)، وفي الآية حينئذٍ تشبيهٌ بليغٌ، وكلٌّ منهما مصدرٌ سُمِّي به ما يُمهد. وجوّز أن يكون باقياً على المصدرية، والوصفُ بالمصدر كثيرٌ، أو التقدير: ذات مِهادٍ أو مَهْدٍ. وقيل: كما يمكن أن يكون المهاد مصدراً سُمِّي به المفعول يحتمل أن يكون فعالاً، أي: اسماً على زنته يُؤخذ للمفعول كالإله والإمام. وجَعْلُ الأرض مِهاداً إمَّا في أصل الخِلْقة أو بعدَها. وأيًّا ما كان فلا دلالةَ في الآية على ما ينافي كُرِيَّتها، كما هو المشهور من عدَّة مذاهبَ، ومذهبُ أهل الهيئة المحدثين أنَّها مسطّحةٌ عند القطبين؛ لأنَّها كانت ليِّنةً جداً في مبدأ الأمر؛ لظهور غاية الحرارة الكامنة فيها اليوم، فيها إذ ذاك، وقد تحرَّكت على محورها، فاقتضى مجموعُ ذلك صيرورتها مسطّحةً عندهما عندهم، وأهلُ الشرع لا يقولون بذلك، ولا يتمُّ للقائل به دليلٌ حتى يرثَ اللهُ تعالى الأرض ومَنْ عليها. ﴿وَلِبَالَ أَوْتَادًا ﴾﴾ أي: كالأوتاد، ففيه تشبيهٌ بليغٌ أيضاً، والمراد: أرسينا الأرضَ بالجبال كما يُرسى البيتُ بالأوتاد. قال الأفْوَه: والبيتُ لا يُبْتنى إلَّا له عَمَدٌ ولا عمادَ إذا لم تُرْسَ أوتادُ(٣) وفي الحديث(٤): ((خلقَ اللهُ تعالى الأرضَ فجعلت تميدُ، فوضعَ عليها الجبال فاستقرَّت، فقالت الملائكةُ: ربَّنا هل خلقت خلقاً أشدَّ من الجبال؟ قال: نعم، (١) مادة (مهد). (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر ٤١١/٨. (٣) ديوان الأفوه الأودي ص ١٠ (الطرائف الأدبية). (٤) تقدم تخريجه في سورة الرعد، الآية (٣). ٠ الآية : ٧ ٢٠٥ سُورَةُ النَّبِ الحديد. فقالت: ربَّنا هل خلقت خلقاً أشدَّ من الحديد؟ قال: نعم، النار. فقالوا: ربَّنا هل خلقت خلقاً أشدَّ من النار؟ قال: نعم، الماء. فقالوا: ربَّنا هل خلقت خلقاً أشدَّ من الماء؟ قال: نعم، الهواء. فقالوا: ربَّنا هل خلقت خلقاً أشدَّ من الهواء؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدَّقُ بيمينه فيخفي ذلك عن شماله)». وظاهرُه كغيره أنَّ خلقَ الجبال بعد خلقِ الأرض، وإليه ذهب الفلاسفةُ المتقدّمون والمُحْدَثون، وهي متفاوتةٌ عندهم في الحدوث تقدُّماً وتأّراً. وجاء في حديثٍ رواه الحاكمُ وصحَّحه(١) عن ابن عباس أنَّ أولَ جبلٍ أبو قبيس. وفي كيفية حدوثها منذُ حدثت خلافٌ عندهم، وقد يتلاشى ما حدث منها بطول الزمان : إنَّ الجديدَيْن إذا ما استَوْلَيا على جديدٍ أسْلَماء للبِلى(٢) وربما يشاهدُ حدوثُ بعض تلاعِ حجرية من انجماد بعض المياه. واستُشكل احتياجُها للإرساء بالجبال مع طلبها للمركز بثقلها المطلق، وأجيب بأنَّه قد علم الله تعالى أنَّها سَتَكِنُّ، ويكونُ عليها من الأثقال ما يكون، ومن المعلوم أنَّها حينئذٍ يكون لها مركزان، مركزُ حجم ومركزُ ثقل، والذي ينطبق منهما على مركز العالم إنَّما هو مركزُ الثقل، فيلزم من تحرك ثقيلٍ إلى جهة المشرق أو المغرب - مثلاً - عليها تحرُّكُها؛ لاختلاف مركز ثقلها ولزوم انطباقِه على مركز العالم، فيحصل المَيْد، ولم تكن إذ ذاك بحيثُ لا يكون لما يكونُ (٣) عليها من أثقالٍ سكنَتْها قَدْرٌ يُحسُّ به، فوُضعت عليها الجبالُ وانطبق مركز ثقلها (١) المستدرك ٢/ ٥١٢، وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: طلحة بن عمرو (أحد رواة الحديث) ضعّفوه. (٢) البيت لابن دريد، وهو أحد أبيات مقصورته المشهورة، ينظر ((شرح المقصورة)) للتبريزي ص٤٥، وفيه: أَدْنياه للبلى، وأورده الزبيدي في ((تاج العروس)) (جدد) وفيه: أدَّياه للبلى. والجديدان: الليل والنهار، واستوليا على جديد: ملكاه. (٣) قوله: لما يكون، ليس في الأصل. سُورَةُ النَّبِّ ٢٠٦ الآية : ٨ على مركز العالم وصار مجموع الأرض والجبال بحيثُ لا يظهر للمتحرِّك بعدُ قَدْرٌ يُحسُّ به. وقيل: إنَّها كانت لخفَّتها بحيثُ تحركها أمواجُ البحر المحيط بها فيحصل المَيْدُ، فثقِّلت بالجبال، مع ما في الجبال من المنافع الجمَّة التي لم تخلق الأرض لأجلها بحيثُ لا تحركها الأمواج. وتمامُ الكلام في ذلك حسبما كنّا واقفين عليه قد مرَّ فتذكّر(١). وحُكي عن بعضٍ أنَّ جَعْلَها كذلك بمعنى جَعْلِها سبباً لانتظام أهل الأرض بما أودع فيها من المنافع، ولولاها لَمادَتْ بهم، أي: لِمَا تهيَّأت للانتفاع بها ولاختلَّ أمرُ سكناهم إيَّاها. وهو تأويلٌ منافٍ للظواهر لا يُحتاج إليه ما لم يقم الدليل القطعيُّ على مُحَالِيَّة إرادة الظاهر. نعم قيل: إنَّ هذا أقربُ للتقرير، فإنَّ جعلها أوتاداً بهذا المعنى أظهرُ من جعلها كذلك بذلك المعنى وأقربُ إلى العلم به، وربّما يقال: إنَّه أوفقُ لترك إعادة العامل، ومَنْ لا يراه يجعل النكتةَ فيه قوَّةً ما بين الأرض والجبال من الاشتراك والارتباط، فافهم. ﴿وَخَقْتَكُمْ﴾ عطفٌ على المضارع المنفيِّ بـ ((لم) داخلٌ في حكمه، فإنَّه في قوَّة: أَمَا جَعَلْنا .. إلخ، أو على ما يقتضيه الإنكار التقريريُّ، فإنَّه في قوة أن يقال: قد جعلنا .. إلخ. والالتفاتُ إلى الخطاب هنا بناءً على القراءة المشهورة في (سيعلمون)) للمبالغة في الإلزام والتبكيت. قال الزجَّاجُ وغيره: مزدوجين ذكراً وأنثى؛ ليتسنَّى التناسلُ ﴿أَزْوَبًا ﴾﴾ وينتظمَ أمُرُ المعاش. وقيل: أصنافاً في اللَّون والصورة واللِّسان. وقيل: يجوز أن يكون المراد من الخلق أزواجاً الخلقَ من منّيَّين، منيٌّ الرجل ومنيِّ المرأة، والمعنى: خلقنا كلَّ واحد منكم أزواجاً باعتبار مادَّته التي هي عبارةٌ عن منَّين، فيكون ((خلقناكم أزواجاً)) من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، وتوزيع الأفراد على الأفراد، وهو خلافُ الظاهر جدًّا ولا داعي إليه. (١) في سورة الرعد، الآية (٣). الآية : ٩ ٢٠٧ سُورَةُ النَّبَا ٩ أي: كالسُّبات، ففي الكلام تشبيهٌ بليغ كما تقدَّم. ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَانً والمراد بالسبات: الموت، وقد ورد في اللُّغة (١) بهذا المعنى، ووجهُ تشبيه النوم به ظاهرٌ، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّكُمْ بِلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وهو على بناء الأدواء مشتقٌّ من السَّبْت بمعنى القطع؛ لما فيه من قطع العمل والحركة، ويقال: سَبَتَ شعره: إذا حلقه، وأنفَه إذا اصْطَلمَه(٢). وزعم ابنُ الأنباريِّ كما في ((الدرر)) أنَّه لم يسمع السبت بمعنى القطع(٣)، وكأنَّه كان أصمَّ. وقيل: أصلُ السبت التمدُّد كالبَسْط، يقال: سَبَتَ الشعر، إذا حلَّ عِقاصَه، وعليه تفسيرُ السبات بالنوم الطويل الممتدِّ، والامتنانُ به لما فيه من عدم الانزعاج، وجوَّز بعضُهم حملَه على النوم الخفيف بناءً على ما في ((القاموس)» (٤) من إطلاقه عليه، على أنَّ المعنى: جعلنا نومكم نوماً خفيفاً غيرَ ممتدٍّ فيختلَّ به أمرُ معاشكم ومعادكم. وفي ((البحر))(٥): ((سُباتاً)) أي: سكوناً وراحةٌ، يقال: سَبَتَ الرجلُ، إذا استراح. وزعم ابنُ الأنباريِّ أيضاً عدمَ سماع سَبَت بهذا المعنى(٦)، وردَّ عليه المرتضى(٧) بأنَّه أُريد الراحة اللازمة للنوم وقطع الإحساس، فإنَّ في ذلك راحةً القوى الحيوانية مِمَّا عراها في اليقظة من الكَلَال، ومنه سُمِّي اليومُ المعروف سبتاً؛ الفراغٍ وراحةٍ لهم فيه. وقيل: سُمّي بذلك لأنَّ الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض يومَ الأحد، فخلقها في ستَّةِ أيامٍ كما ذكر عزَّ وجلَّ، فقطعَ عملَه سبحانه يومَ السبت، فسُمّ بذلك. (١) القاموس المحيط (سبت). (٢) الصَّلْم: قطع الأذن أو الأنف من أصلهما. القاموس المحيط (صلم). (٣) كذا نقل المصنف رحمه الله عن الخفاجي في ((حاشيته)) على البيضاوي ٣٠٢/٨، في حين نقل المرتضى في ((الدرر)) (الأمالي) ٣٣٩/١ أن ابن الأنباري اعتمد أن السبت بمعنى القطع، وهو ما ذكره ابن الأنباري نفسه في كتابه ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) ١٣٧/٢. (٤) مادة (سبت). (٥) ٨/ ٤١١. (٦) ينظر ((الزاهر)) ١٣٨/٢، وأمالي المرتضى (الدرر والغرر) ٣٣٩/١-٣٤٠. (٧) في الدرر ٣٣٩/١ -٣٤٠. سُوَّةُ النَّبّ ٢٠٨ الآية : ١٠ واختار المحقّقون كونَ السبات هنا بمعنى الموت؛ لأنه أنسبُ بالمقام كما لا يخفى. يستركم بظلامه كما يستركم ﴿وَجَعَلْنَا أَِّلَ﴾ الذي يقع فيه النومُ غالباً ﴿لَاسًا اللِّباس، ولعلَّ المراد بهذا اللِّباسِ المشبَّهِ به ما يُستتر به عند النوم من اللِّحاف ونحوه، فإنَّ شَبَه اللَّيل به أكملُ، واعتبارَه في تحقيق المقصد أدخل. واختار غيرُ واحدٍ إرادةَ الأعمِّ، وأنَّ المعنى: جعلناه ساتراً لكم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوٍّ أو بياتاً له، أو إخفاءَ ما لا تحبُّون الاطّلاعَ عليه من كثيرٍ من الأمور. وقد عدَّ المتنبي من نِعَم اللَّيل البياتَ على الأعداء والفوزَ بزيارة المحبوب واللِّقاء، مكذِّباً ما اشتهر من مذهب المانويَّة (١) من أنَّ الخير منسوب إلى النور والشرَّ إلى الظلمة بالمعنى المعروف(٢)، فقال: تخبِّرُ أنَّ المانويَّةَ تكذبُ وكم لظلامِ اللَّيلِ عندي(٣) مِنْ يدٍ وزارَكَ فيه ذو الدَّلالِ المحجَّبُ (٤) وقاكَ ردى الأعداءِ تسري إليهمُ وقال بعضهم: يمكن أن يحمل كونُ الليل كاللِّباس على كونه كاللِّباس لليوم في سهولة إخراجه منه. ولا يخفى بعدُه. ومِمَّا يقضى منه العجب: استدلالُ بعضهم بهذه الآية على أنَّ من صلَّى عُرياناً في ليل أو ظلمة فصلاتُه صحيحةٌ. ولَعمري لقد أتى بعُريٍّ عن لباس التحقيق، كما لا يخفى على من أشرق عليه ضياءُ الحقِّ الحقيق. (١) أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، يقولون: إن العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين: أحدهما نور، والآخر ظلمة. الملل والنحل للشهر ستاني ٢٤٤/١ . (٢) جاء في هامش الأصل: وهو مما لا يكاد يذهب إليه عاقل، فلعلهم أرادوا بالنور صفة الجمال وبالظلمة صفة الجلال. اهـ. منه. (٣) في الديوان: عندك. (٤) ديوان المتنبي ٣٠٢/١. الآية : ١١ - ١٢ ٢٠٩ سُوَّةُ النَّبَا ﴾﴾ مصدرٌ ميميٌّ بمعنى العيش، وهو الحياة المختصّةُ ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا بالحيوان على ما قال الراغب(١)، دون العامَّة لحياة المَلَك مثلاً. ووقع هنا ظرفاً كما قيل في نحو: أتيتُكَ خفوقَ النجم وطلوعَ الفجر. وجوِّز أن يكون اسمَ زمان، وتُعقّب بأنه لم يثبت مجيتُه كذلك في اللُّغة، والمعنى: وجعلنا النهارَ وقتَ معاشٍ - أي: حياة - تُبعثون فيه من نومكم الذي هو أخو الموت، وكأنَّه لَمَّا جعل سبحانه النومَ موتاً مجازاً، جعل جلَّ شأنُه اليقظةَ معاشاً كذلك، لکن أُوثر النهارُ ليناسبَ المتوسِّط. وقيل: المعنى: وجعلنا النهارَ وقتَ معاشٍ تتقلَّبون فيه لتحصيل ما تعيشون به، وهو أنسبُ بجعل السبات - فيما تقدَّم - بمعنى القطع عن الحركة على ما قيل. ولا يخفى حسنُ ذكرٍ جعل الليل لباساً بعد جعل النوم سباتاً، وهو مشيرٌ إلى حكمة جعل النوم ليلاً أيضاً؛ لأنَّ النائمَ معظَّلُ الحواسِ، فكان محتاجاً لساترٍ عمَّا يضرُّه، فهو أحوج ما يكون للدِّثار وضرب خيام الاستتار. وفي ((الكشف)) أنَّ المطابقةَ بين قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ لَِاسًا) وقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا النَّارَ مَعَاثًا) مصرّحةٌ، وفيه مطابقةٌ معنويةٌ أيضاً مع قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا تَوْمَكُ)(٢) من حيثُ إنَّ النهار وقت اليقظة والمعاش في مقابلة السبات؛ لأنَّه حركةُ الحيِّ، ومنه عُلم أنَّ قوله تعالى: (وَجَعَنَا أَيْلَ لِيَاسًا) غيرُ مستطرِدٍ، ووجهُ النظم أنَّه لما ذكرَ خلقَهم أزواجاً استوفى أحوالهم مقترنين ومفترقین. اهـ. وفيه تعريضٌ بالطيبيِّ حيثُ زعم الاستطراد إذا أُريد بالمعاش اليقظةُ وبالسبات الموتُ. ﴿وَبَيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾﴾ أي: سبعَ سماواتٍ قويةَ الخَلْقِ محكمةً، لا يسقط منها ما يمنعكم المعاش، والتعبيرُ عن خلقها بالبناء للإشارة إلى تشبيهها (١) في المفردات (عيش). (٢) في الأصل و(م): وجعلنا النوم. ولم ترد آية بهذا اللفظ لا في سورة النبأ ولا غيرها، والمثبت هو الموافق لما في سورة النبأ . سُورَةُ النَّبِ ٢١٠ الآية : ١٢ بالقِباب المبنية على سَكَنتها. وقيل: للإشارة إلى أنَّ خلْقَها على سبيل التدريج، وليس بذاك. وفيه أنَّ السماء خيميَّةٌ لا سطحٌ مستوٍ، وفي الآثار ما يشهدُ له، ولا يأباه جَعْلُها سقفاً في آية أخرى (١)، وقد صحَّ في العرش ما يشهد بخيميَّته أيضاً. والفلاسفة السالفون على استدارتها، ويطلقون عليها اسم: الفَلَك، واستدلُّوا على ذلك حسبَ أصولهم بعدَ الاستدلال على استدارة السطح الظاهر من الأرض، ولا يكاد يتمُّ لهم دليلٌ عليه، قالوا: الذي يدلُّ على استدارة السماء هو أنَّه متى قصدنا عدَّة مساكنَ على خطّ واحدٍ من عرض الأرض، وحصَّلنا الكواكبَ المارَّةَ على سَمْت الرأس في كلِّ واحدة منها، ثم اعتبرنا أبعادَ ممراتٍ تلك الكواكب في دائرة نصف النهار بعضِها من بعضٍ، وجدناها على نِسَبِ المسافات الأرضية بين تلك المساكن، وكذلك وجدنا ارتفاع القطب فيها متفاضلاً بمثل تلك النسب، فتحذُّبُ السماء في العرض مشابهٌ لتحدُّب الأرض فيه، لكنَّ هذا التشابه موجودٌ في كلِّ خطٌّ من خطوط العرض، وكذا في كلِّ خطٍّ من خطوط الطول، فسطحُ السماء بأسره موازٍ لسطح الظاهر من الأرض بأسره، وهذا السطحُ مستديرٌ حسًّا فكذا سطح السماء الموازي له. وأيضاً أصحابُ الأرصاد دوَّنوا مقاديرَ أجرام الكواكب وأبعادَ ما بينها في الأماكن المختلفة في وقتٍ واحد كما في أنصاف نهار تلك الأماكن مثلاً متساويةً، وهذا يدلُّ على تساوي أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار المستلزم لتساوي أبعادها عن مركز العالم؛ لاستدارة الأرض المستلزم لكون السماء كَرِيَّةٌ . وزعموا أنَّ هذين أقربُ ما يُتمسَّك بهما في الاستدارة من حيثُ النظرُ التعليميُّ. وفي كلٍّ مناقشةٌ(٢): (١) كما في سورة الأنبياء: الآية (٣٢). (٢) جاء في هامش الأصل: قال الخضري: لا خفاء في جريان كل من المناقشتين في كل من الوجهين. انتهى منه. الآية : ١٢ ٢١١ سُوَّةُ النَبَّ أمَّا الثاني: فالمناقشة فيه أنه إنَّما يصحُّ لو كان الفَلَكُ عندهم ساكناً والكوكب متحركاً، إذ لو كان السماء متحركاً جاز أن يكون مربعاً، ويكون مساواةُ أبعادِ مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار وتَسَاوي مقادير الأجرام للكواكب حاصلاً . وأمَّا الأول: فالمناقشة فيه أنَّه إنَّما يصحُّ لو كان الاعتدال المذكور موجوداً في كلِّ خطّ من خطوط الطول والعرض، وهو غير معلومٌ. وأمَّا غيرُ ما ذُكر من أدلَّتهم فمذكورٌ مع ما فيه في ((نهاية الإدراك في دراية الأفلاك)) (١) فارجع إليه إنْ أردته. بقي هاهنا بحثٌ وهو أنَّ العطف إذا كان على الفعل المنفيّ بـ ((لم)) داخلاً في حكمه، يلزمُ أن يكون بناءُ سبع سماواتٍ شدادٍ فوق معلوماً للمخاطبين، وهم مشركو مكة المنكرون للبعث كما سمعت، ليتأَتَّى تقريرُهم به كسائر الأمور السابقة واللَّاحقة، فيقال: إنَّ كونَ السماوات سبعاً مِمَّا لا يُدرك بالمشاهدة، وهم المكذِّبون بالنبيِّ نَّهِ فلا يصدّقونه بمثل ذلك مِمَّا معرفتُه - بحسب الظاهر - إنَّما هي من طريق الوحي. وأُجيب بأنَّهم علموا ذلك بواسطة مشاهدتهم اختلافَ حركات السيارات السبع مع اختلاف أبعادها بعضِها عن بعضٍ، وذلك أنَّهم علموا السيارات واختلافَ حركاتها، وعلموا أنَّ بعضها فوق بعض لخَسْفِ بعضها بعضاً، فقالوا في بادئ النظر بسبع سماوات، کلُّ سماءٍ لکوکب من هاتك الكواكب. ولا يلزمنا البحثُ عمَّا قالوا في الثوابت وفي المحرِّك لها وللسبع بالحركة اليومية، إذ هو وراء ما نحن فيه . واعترض بأنَّ هذا لا يتمُّ إلَّا إذا كانوا قائلين بأنَّ السماء عبارة عن الفَلَك وإنَّما تتحرَّكُ على الاستدارة، ويكون أوجُهَا حضيضاً وحضيضُها أوجاً، ولعلَّهم لا يقولون بذلك وإنَّما يقولون كبعض السلف من الصحابة ظهر أنَّ السماءَ ساكنةٌ والكوكبَ متحرٌ، والفَلَك إنَّما هو مجراه، وحينئذٍ فيجوز أن تكون السبع - على (١) كتاب في الهيئة للعلامة قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي (ت ٧١٠هـ)، رتَّبه على أربع مقالات: المقدمة، هيئة الأجرام، هيئة الأرض، مقادير الأجرام. كشف الظنون ٢ /١٩٨٥. سُورَةُ النَّجل ٢١٢ الآية : ١٣ اختلاف حركاتها وأبعادها - في ثخن سماءٍ واحدةٍ تجري في أفلاكٍ ومجارٍ لها على الوجه المحسوس، ويجوز أيضاً غيرُ ذلك كما لا يخفى. وأيضاً لو كان علمهم بذلك مِمَّا ذُكر لقالوا بالتداوير ونحوها أيضاً كما قال بذلك أهلُ الهيئة السالفون؛ لأنَّ اختلافَ الحركات يقتضيه بزعمهم، لاسيَّما في المتحيّرة، ولو كان العربُ قائلين به لوقع في أشعارهم، بل لا يبعد أنَّه لو ذَكر لهم ذاكرٌ التداويرَ والمتمِّمات الحاوية والمحويَّة مثلاً لنسبوه إلى ما يكره. وقيل: إنَّهم ورثوا علم ذلك عن أسلافهم السامعين له مِمَّن يعتقدون صدقَه كإسماعيل عليه السلام، ويجوز أن يكونوا سمعوه من أهل الكتاب، ولَمَّا لم يرَوْه منافياً لما هم عليه اعتقدوه، ويكفي في صحة التقرير هذا المقدارُ من العلم. وتعقِّب بأنَّه على هذا لا تنتظم المتعاطفات المقرَّرُ بها في سلكٍ واحد من العلم، والأمرُ فیه سهلٌ. وقيل: نزِّلوا منزلةَ العالمين به؛ لظهور دليله، وهو إخبارُ مَنْ دَلَّت المعجزةُ على صدقه به. وفيه بعدٌ. وقيل: الخطاب للناس مؤمنيهم ومشركيهم، وغلِّبَ المؤمنون على غيرهم في التقرير المقتضي لسابقيّة العلم، وهو كما ترى. واختار بعضٌ أنَّ العطف على ما يقتضيه الإنكارُ التقريريُّ، فيكون الكلام في قوَّة: قد جعلنا الأرض .. - إلى آخره ــ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً، وهو حينئذٍ ابتداءُ إخبارٍ منه عز وجل بالبناء المذكور، فلا يقتضي سابقيَّةً علم. وتعقّب بأنَّ العطفَ على الفعل المنفيِّ بـ ((لم)) أوفقُ بالاستدلال بالمذكورات على صحَّة البعث، كما لا يخفى، فتأمّل. وتقديمُ الظرف على المفعول للتشويق إليه مع مراعاة الفواصل. ﴿وَجَعَلْنَا﴾ أي: أنشأنا وأبدعنا ﴿سِرَاجًا وَقَاجًا (®﴾ مشرقاً متلألئاً، من وهَجَتِ النارُ: إذا أضاءت. أو بالغاً في الحرارة، من الوَهَج. والمراد به الشمسُ، والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خَلْق السماوات بالبناء. الآية : ١٣ ٢١٣ سُورَةُ النَّبِّ ونصب ((سراجا)» على المفعولية، و((وهَّاجاً)) على الوصفية له. وجوَّزَ بعضُهم أن يكونا مفعولين للجعل على أنَّه هنا مِمَّا يَتعدى إليهما. وتُعقّب بأنَّه مخالفٌ للظاهر؛ للتنكير فيهما، وإن قيل: السراجُ الشمسُ، وهي - لانحصارها في فردٍ - کالمعرفة . واختلف في موضع الجَعْل، والمشهورُ أنَّه في السماء الرابعة، ولم نرَ فيه أثراً سوى ما في ((البحر)) (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الشمسُ في السماء الرابعة إلينا ظهرُها، ولهبُها يضطرم علوًّا. والمذكور في كتب القوم أنَّهم جعلوا سبعةَ أفلاكِ للسيارات السبع على ترتيبٍ خَشْفِ بعضِها بعضاً، أقصاها لزحل، والذي تحته للمشتري، ثم للمريخ، والأدنى للقمر، والذي فوقه لعطارد، ثم الزهرة. إذ وجدوا القمر يكسفُ الستَّ من السيارات وكثيراً من الثوابت المحاذية لطريقته في ممرِّ البروج، وعلى هذا الترتيب وجدوا الأدنى يكسفُ الأعلى، والثوابتُ تنكسف بالكلِّ، ويُعلم الكاسفُ من المنكسِفِ باختلاف اللَّون، فأيُّهما ظهرَ لونُه عند الكسف فهو كاسفٌ، وأيُّهما خفي لونُه فهو منكسفٌ. وبقي الشُّ في أمر الشمس، إذ لم يُعرف انكسافُ شيءٍ من الكواكب بها؛ لاضمحلال نورها في ضيائها عند القرب منها، ولا انكسافُها بشيءٍ من الكواكب غير القمر، فذهب بعض القدماء إلى أنَّ فلكي الزهرة وعطارد فوق فلكها مستدلِين عليه بأنَّهما لا يكسفانها كما يكسِفها القمر، وهو باطل، إذ من شرط كسف السافل العاليَ أن يكونا معاً، والبصرُ على خطّ واحدٍ مستقيم، وإلّا لم يكسفه كما في أكثر اجتماعات القمر، وإذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون مدارهما بين الشمس والأبصار، ولأنَّ جرمَيْهما عندهم صغيران غيرُ مظلمين كجرم القمر حتى يكسفاها، ولأنَّه إذا كسفَ القمرُ من جِرْم الشمس ما مساحتُه مساويةٌ (١) ٨/ ٤١١ وذكره أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٤/٥. سِوَرَةُ النَّبَا ٢١٤ الآية : ١٣ لجرم أحد هذين الكوكبين أو أكثر، لا يظهر المنكسِفُ للأبصار على ما نصَّ عليه بطلميوس(١) في ((الاقتصاص)(٢). وذهب بعض مَنْ تقادم عهدُهم إلى أنهما تحت فلك الشمس وإن لم تُكسف بهما؛ استحساناً؛ لِمَا في ذلك من حسن الترتيب وجودة النظام على ما بُيِّن في موضعه، ومال إليه بطلميوس، قال في ((المجسطي)): ونحن نرى ترتيب من تقادم عهدُه أقربَ إلى الإقناع؛ لأنَّه أشبهُ بالأمر الطبيعيِّ، لتوسّط الشمس بين ما يبعد عنها كلَّ البعد وبين ما لا يبعد عنها إلَّا يسيراً. ثم قويَ عزمُه لَمَّا رأى بُعدَ الشمس المعلومَ من الأرض مناسباً لهذا الموضع؛ لأنَّه لَمَّا وجد بين أبعدِ بُعْدِ القمر وأقربٍ قُرْبِ الشمس بعداً يمكن أن يوجد فيه فَلَكا الزهرة وعطارد وأبعادَهما المختلفة، قال في ((الاقتصاص)): مثلُ هذا الفضاء لا يَحْسن أن يترك عُطْلاً، ولا يحسن أن يكون فیه المريخ فضلاً عن غيره، فلیکونا فيه. وتأكّد هذا عند بعض المتأخِّرين بأنَّه شوهدت الزهرةُ على قرص الشمس في وقتين بينهما نيِّفٌ وعشرون سنةً، وكانت أولَ الحالين في ذروة التدوير، وفي الثاني في أسفله، ويبطل به ما ظُنَّ من كون عطارد والزهرة مع الشمس في كرة ومركز تدويرهما؛ لاستحالة أن ترى الزهرةَ في الذروة على هذا الوجه. وهذه أمورٌ ضعيفة بعضُها خطابيٌّ إقناعيٌّ وبعضُها مبيَّنٌ ما فيه في محلٌّه. وقد زعم بعضُ الناس أنَّه كما وجد في وجه القمر محوٌّ فكذا في وجه الشمس فوقَ مركزها بقليل نقطةٌ سوداء. وأهلُ الأرصاد - اليوم على ما سمعنا من غير واحد - جازمون بأنَّ في قرصها سواداً وعلامات مختلفةً، ولهم في ذلك كلامٌ مذكور في كتبهم، وعليه ففي تشبيهها بالسراج من الحسن ما فيه. وعن بعضهم أنَّ النور كخيمة عليها، ورأيتُ في بعض كتبهم أنه ينبثق من حوالي جِرْمها. (١) في (م): بطليموس. وكُتب بكليهما في المصادر، وبغيره أيضاً كـ : بطلماوس وأبطلميوس وغيرها . (٢) جاء في هامش الأصل: ويسمى بالمشورات أيضاً. وكتابه هذا هو: اقتصاص أحوال الكواكب، كما ذكر ذلك القفطي في كتابه: إخبار العلماء بأخبار الحكماء ص ٦٩. الآية : ١٤ ٢١٥ سُوَدَّةُ النَّبَإِ والكلامُ في مقدار جِرْمها وبُعْدِها عن الأرض عند كلٍّ من المتقدمين والمعاصرين من الفلاسفة مما لا حاجةً لنا به في هذا المقام، مع ما في ذلك من الاختلاف المفضي بيانُه بما له وعليه إلى مزيدٍ تطويلٍ . ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ﴾ هي السحائبُ على ما رُوي عن ابن عباس وأبي العالية والربيع والضحاك، ولَمَّا كانت مُعصَرةً - اسمَ مفعول - لا مُعصِرةً - اسم فاعل - قيل: إنها جمعُ مُعصِرة من أَعْصَر، على أن الهمزةَ فيه للحينونة، أي: حانت وشارفت أن تعصرَها الرياحُ فتمطرَ، والإفعال يكون بهذا المعنى كثيراً، كأجْزَر إذا حان وقت جِزَاره، وأحْصَد إذا شارف وقتُ حصاده، ومنه: أعْصَرت الجاريةُ، إذا دَنَتْ أن تحيض، قال أبو النجم العجليُ(١): تمشي الهُوَينا مائلاً(٢) خمارُهَا قد أعْصَرتْ أو قد دَنا إعْصارُها وجُوِّز على تقدير كون الهمزة للحينونة أن يكونَ المعنى: حان لها أن تَعْصِر، أي: تُغيث، ومنه: العاصرُ: المغيثُ، ولذا قال ابن كَيْسان: سُمِّيت السحائبُ بذلك؛ لأنَّها تُغيث، فهي من العَصْرة، كأنَّه في الأصل بمعنى: حان أن تَعْصِر، بتخييل أنَّ الدم يحصل منها بالعصر. وقيل: إنَّها جمعٌ لذلك أيضاً إلّا أنَّ الهمزةَ الصيرورة الفاعل ذا المأخذ، كأيسر وأعسر وألحم، أي: صار ذا يسر، وصار ذا عسر، وصار ذا لحم. وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة: أنَّها الرياح؛ لأنَّها تَعْصِر السحابَ فيمطر، وفسَّرها بعضُهم بالرياح ذوات الأعاصير، على أنَّ صيغة اسم الفاعل للنسبة إلى الإعصار بالكسر، وهي ريحٌ تثير سحاباً ذا رعدٍ وبرق، ويعتبر التجريد عليه على ما قيل. والمازنيُّ اعتبر النسبة أيضاً إلَّا أنه قال: ((المعصرات)): السحائبُ ذوات الأعاصير؛ فإنَّها لا بدَّ أن تمطر معها، وأيّد تفسيرها بالرياح بقراءة ابن الزبير وابن (١) كما في البحر ٤٠٩/٨، ونسبه ابن دريد في الجمهرة ٣٥٤/٢، وابن منظور في اللسان (عصر) لمنظور بن مرثد الأسدي (ووقع في مطبوع: منصور)، وهو بلا نسبة في العقد الفريد ٤٦٠/٣، وتهذيب اللغة (عصر). (٢) ويروى: ساقطاً. سُوَّةُ النَّجُل ٢١٦ الآية : ١٤ عباس وأخيه الفضل وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة: ((بالمعصرات))(١) بباء السببية والآليَّة؛ فإنَّها ظاهرةٌ في الرياح، فإنَّ بها ينزل الماء من السحاب، ولهذه القراءة جعلَ بعضُهم (مِن)) في قراءة الجمهور - وتفسيرِ ((المعصرات)) بالرياح - للتعليل، وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّها للتعليل ابتدائية فإنَّ السحاب كالمبدأ الفاعل للإنزال، وتُعقّب بأنَّ ورود ((من)) كذلك قليلٌ. وعن أبيٍّ والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة أيضاً: أنَّها السماواتُ، وتُعقّب بأنَّ السماء لا ينزل منها الماءُ بالعصر، فقيل في تأويله: إنَّ الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأن السماوات يعصرن، أي: يَحْملنَ على عصر الرياحِ السحابَ ويُمكِّنَّ منه، وتُعقِّب بأنَّه مع بُعْدِه إنَّما يتمُّ لو جاء المعصر بمعنى العاصر، أي: الحامل على العصر، ولو قيل: المرادُ بالمعصِر: الذي حان له أن يعصر، كان تكلفاً على تكلُّفٍ، والذي في ((الكشف)) أنَّ الهمزة على التأويل المذكور للتعدية. فتدبَّر ولا تغفل. ﴿مَّءَ فَابًا ( ١٤ ﴾ أي: منصبًّا بكثرة، يقال: ثجَّ الماءُ، إذا سال بكثرة، وثجَّه: أي: أساله. فثجَّ ورد لازماً ومتعدِّياً، واختير جعلُ ما في النظم الكريم من اللَّازم؛ لأنَّه الأكثر في الاستعمال. وجعله الزجَّاجُ من المتعدي، كأنَّ الماء المنزَّلَ لكثرته يصبُّ نفسَه، ومن المتعدِّي ما في قوله ◌َّهَ: ((أفضلُ الحجِّ: العجُّ والثجُ))(٢)، أي: رفعُ الصوت بالتلبية وصبُّ دماء الهدي(٣)، والمرادُ: أفضلُ أعمال الحجِّ التلبيةُ والنحر. ولا يأبى الكثرةَ كونُ الماء من المعصرات، وظاهرُه أنَّه بالعصر، وهو لا يحصل منه إلَّا القليلُ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مسلَّم، ولو سلّم فالقلّة نسبية. وقرأ الأعرج: (ثَجَّاحاً)) بجيم ثم حاء مهملة(٤)، ومثاجِحُ الماء: مصابُه. (١) المحتسب ٣٤٧/٢، والبحر ٤١١/٨-٤١٢. (٢) أخرجه الترمذي (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٩٢٤)، من حديث أبي بكر الصديق ـ (٣) في (م): ماء الهدى. (٤) الكشاف ٢٠٨/٤، والبحر ٤١٢/٨، ونسبها في اللباب ٩٩/٢٠ للأعمش، وجاء في القراءات الشاذة ص١٦٧: تجّاخاً، ونسبها لعكرمة فقط، ولعلها: ثجاخاً. الآية : ١٥ - ١٦ ٢١٧ سُورَةُ النَّبُ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء، وهو على ظاهره عند السلف ومن اقتدى بهم، وقالت الأشاعرة: أي: عنده. ﴿حَبَّا وَبَاتًا ®﴾ ما يُقتات به كالحنطة والشعير، ويُعتلف كالحشيش والتبن. وتقديمُ الحبِّ مع تأخّره عن النبات في الإخراج؛ لأصالته وشرفه؛ لأنَّ غالبه غذاءُ الإنسان. ﴿وَجَتَّتٍ﴾ جمعُ: جنَّة، وهي كلُّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرضَ، من الجَنِّ وهو الستر. وقال الفراء: الجنَّةُ ما فيه النخيلُ، والفردوسُ ما فيه الكَرْمُ. وقد تسمَّى الأشجار الساترة جنَّة، وعليه حُمل قولُ زهير: من النَّواضِح تَسقي جَنَّةً سُحُقاً (١) وهو المراد هنا . وقوله تعالى: ﴿أَلْفَافًا ﴾﴾ أي: ملتفةً تداخلَ بعضُها ببعض. قيل: لا واحد له، كالأوزاع والأخياف للجماعات المتفرقة المختلفة، واختاره الزمخشريُّ(٢). وقال ابن قتيبة: جمعُ: لُفّ، بضمِّ اللَّم جمعُ: لَفَّاء، فهو جمعُ الجمعِ(٣). واستُبعد بأنَّه لم يجئ في نظائره ذلك، فقد جاء: خُضْر جمع: خضراء، وحُمْر جمع: حمراء، ولم يجئ أخضار جمعُ: خُضْر، ولا أحمار جمعُ: حُمْر، وجمعُ الجمع لا ينقاس، ووجودُ نظيره في المفردات لا يكفي، كذا قيل. وقال الكسائيُّ: جمع: لَفيف بمعنى ملفوف. وفعيل يُجمَع على أفعال كشريف وأشراف، وإنَّما اختلف النحاة في كونه جمعاً لفاعل. وفي ((الكشاف)»(٤): لو قيل: هو جمعُ: ملتقَّة، بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً (١) ديوان زهير ص٣٧، وسلف عند تفسير الآية (٣٤) من سورة (يس). وصدر البيت: كأنَّ عينَيَّ في غرْبَي مُقتَّلةٍ (٢) الكشاف ٢٠٨/٤. (٣) تفسير غريب القرآن ص٥٠٩. (٤) ٢٠٨/٤. سُوَدَّةُ النَّبَا ٢١٨ الآية : ١٦ وجيهاً. انتهى. وإنَّما يقدَّرُ حذفُ الزوائد وهو الذي يسمِّيه النحاةُ في مثل ذلك: ترخيماً؛ لأنَّ قياس جمع ملتفة: ملتقَّات، لا ألفاف. واعترضه في ((الكشف)) فقال فيه: إنَّه لا نظير له؛ لأنَّ تصغير الترخيم ثابتٌ(١)، أما جمعُه فلا، لكن قيل: إنَّ هذا غيرُ مسلَّم، فإنَّه وقع في كلامهم ولم يتعرَّضوا له لقلَّته. والحقُّ أنَّه وجهٌ متكلَّفٌ. وجمهور اللُّغويين على أنَّه جمع: لِفّ بالكسر، وهو صفةٌ مشبَّهةٌ بمعنى ملفوف، وفِعْل يُجمع على أفعال باطراد كجِذْع وأجذاع، وعن صاحب ((الإقليد)) أنَّه قال: أنشدني الحسن بن علي الطوسي: وندامى كلُّهم بِيضُ زُهُر (٢) جنَّةٌ لفٍّ وعيشٌ مُغدِقُ وجوّز في ((القاموس))(٣) أن يكون جمع: لَفّ بالفتح. هذا وفيما ذُكر من أفعاله تعالى شأنه دلالةٌ على صحة البعث وحقِّيَّته من أوجهٍ ثلاثةٍ على ما قيل : الأول: باعتبار قدرته عزَّ وجل، فإنَّ مَنْ قدر على إنشاء تلك الأمور البديعة من غير مثال يحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه كان على الإعادة أقدرَ وأقوى. الثاني: باعتبار علمه وحكمته، فإنَّ من أبدعَ هذه المصنوعات على نمطٍ رائع مستتبع لغايات جليلةٍ ومنافعَ جميلة عائدة إلى الخَلْق يستحيل حكمةً أن لا يجعل لها عاقبةً. الثالث: باعتبار نفس الفعل، فإنَّ اليقظةَ بعد النوم أنموذجٌ للبعث بعد الموت، يشاهدُه كلُّ واحدٍ، وكذا إخراجُ الحبِّ والنبات من الأرض يعايَنُ كلَّ حين، فكأنَّه قيل: فعلنا - أو ألم نفعل - هذه الأفعال الآفاقية الدالَّة بفنون الدلالات على حقِّيَّة البعث الموجبة للإيمان به، فما لكم تخوضون فيه إنكاراً وتسألون عنه استهزاءً. (١) جاء في هامش الأصل: واللواقح والطوائح ليس منه على ما قيل. اهـ منه. (٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٠٨/٤، والقرطبي ١٢/٢٢، وأبو حيان في البحر ٤١٢/٨. (٣) مادة (لفّ). الآية : ١٧ - ١٨ ٢١٩ سُوَرَّةُ النَّبَا شروعٌ في بيان سرٍّ تأخير ما يتساءلون ١٧ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا عنه ويستعجلون به، قائلين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ونوعُ تفصيلٍ لكيفية وقوعه، وما سيلقَوْنه عند ذلك من فنون العذاب حسبما جرى به الوعيد إجمالاً . وقال بعض الأجلَّة: إنَّه لما أثبتَ سبحانه صحَّةَ البعث كان مظنّة السؤال عن وقته، فقيل: ((إنَّ) إلخ، وأكّد لأنَّه مِمَّا ارتابوا فيه. وليس بذاك. أي: إنَّ يوم فَصْلِ الله تعالى شأنُه بين الخلائق كان في علمه عز وجل ميقاتاً وميعاداً لبعث الأوَّلين والآخرين، وما يترتَّب عليه من الجزاء ثواباً وعقاباً لا يكاد يتخطَّاه بالتقدُّم والتأّر. وقيل: حدًّا توقَّتُ به الدنيا وتنتهي إليه، أو حدًّا للخلائق ينتهون إليه؛ لتمييز أحوالهم. والأول أوفقُ بالمقام، على أنَّ الدنيا تنتهي - على ما قيل - عند النفخة الأولى. وأيًّاما كان فالمضيُّ في ((كان)) باعتبار العلم، وجُوِّز أن يكون بمعنى: يكون، وعبّر عن المستقبل بالماضى لتحقق وقوعه. ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِ اُلُورِ﴾ أي: النفخة الثانية. و((يوم)) بدل من ((يوم الفصل))، أو عطفُ بیان مفيدٌ لزيادة تفخیمه وتهویله. ولا ضَيْرَ في تأخُر الفصل عن النفخ، فإنَّه زمانٌ ممتدٌّ يقعُ في مبدئه النفخُ وفي بقيَّته الفصلُ ومباديه وآثارُه. وتقدَّم الكلامُ في الصُّور(١). وقرأ أبو عياض: ((في الصُّوَر)) بفتح الواو(٢)، جمع: صورة. وقد مرَّ الكلامُ في ذلك أيضاً(٣). والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأْتُونَ﴾ فصيحةٌ تُفصح عن جملةٍ قد حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سرعة الإتيان كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ (١) عند تفسير الآية (٨٧) من سورة النمل. (٢) البحر ٨/ ٤١٢. (٣) عند تفسير الآية (٨٧) من سورة النمل. سُورَةُ النَّبِ ٢٢٠ الآية : ١٨ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌ فَأَنْفَلَقَ﴾ (١) [الشعراء: ٦٣]، أي: فتحيون فتُبعثون من قبوركم فتأتون إلى الموقف عقيب ذلك من غير لُبثٍ أصلاً . أي: أمماً، كلُّ أمة بإمامها كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ ﴿أَفْوَاجًا لَ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِهِ﴾ [الإسراء: ٧١] أو زمراً وجماعاتٍ مختلفةَ الأحوال متباينةً الأوضاع حسبَ اختلاف الأعمال وتباينها، واستُدلَّ لهذا بما خرَّج ابنُ مردويه(٢) عن البراء بن عازب أنَّ معاذ بن جبل قال: يا رسول الله، ما قول الله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الْصُورِ فَأْتُونَ أَفْوَجًا﴾؟ فقال: ((يا معاذ، سألت عن عظيمٍ من الأمور)) ثُمَّ أرسل عينيه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((عشرةُ أصنافٍ قد ميَّزهم الله عز وجل من جماعة المسلمين، فبدَّل صورَهم، فبعضُهم على صورة القردة، وبعضُهم على صورة الخنازير، وبعضُهم منَّسين: أرجلُهم فوق ووجوهُهم أسفل يُسحبون عليها، وبعضُهم عُمْيٌ يتردّدون، وبعضُهم صمٌّ بكمٌ لا يعقلون، وبعضُهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلَّةٌ على صدورهم يسيلُ القيح من أفواههم لعاباً يتقذَّرُهم أهلُ الجمع، وبعضُهم مقطّعةٌ أيديهم وأرجلهم، وبعضُهم مصلّبون على جذوعٍ من نار، وبعضُهم أشدُّ نَتْناً من الجِيَف، وبعضُهم ملبّسون جياباً سابغةً من قَطِرَان لازقةً بجلودهم. فأمَّا الذين على صورة القردة: فالقتَّات من الناس، وأمَّا الذين على صورة الخنازير: فأكلةُ السُّحْت، وأمّا المنكّسون على وجوههم: فأكلةُ الربا، وأمَّا العُمْيُ: فالذين يجورون في الحكم، وأمَّا الصُّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأمَّا الذين يمضغون ألسنتهم: فالعلماء والقصَّاص الذين خالفَ أقوالهم أعمالُهم، وأمَّا الذين قُطعت أيديهم وأرجلهم: فهم الذين يؤذون الجيران، وأمَّا المصلّبون على جذوع من نار: فالساعون بالناس إلى السلطان، وأمَّا الذين هم أشدُّ نتناً من الجِيَف: فالذين يتمتَّعون بالشهوات واللَّذات ويمنعون حقَّ الله تعالى من أموالهم، وأمَّا الذين (١) في الأصل و(م): ((فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق))، وكذا وردت في تفسير أبي السعود ٨٩/٩ والكلام منه، والمثبت هو الصواب. (٢) كما في الدر المنثور ٣٠٧/٦، وأخرجه الثعلبي في تفسيره ١١٥/١٠.