Indexed OCR Text
Pages 181-200
الآية : ١٠ - ١١ ١٨١ سُوَدَّةُ المُسَلَاتِ جُعَلَت كالحَبِّ الذي يُنسَف بالمِنْسَف، ونحوه: ﴿وَبُنَّتِ ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ اُلْجِبَالُ بَسًا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿وَكَانَتِ الْجَالُ كَتِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، قال في ((البحر)): فرَّقتها الرياحُ، وذلك بعد التسيير، وقبل ذلك جعلها هباءً(١). وقيل: ((نُسِفَت)): أُخِذَت من مقارِّها بسرعة، مِن انتسفْتُ الشيءَ: إذا اختطفتَه. وقرأ عمرو بنُ ميمون: (طُمِّسَت))، و((فُرِّجَت)) بتشديد الميم والراء(٢)، وذكر في ((الكشاف))(٣) أنَّ الأفعال الثلاثة قُرِئَت بالتشديد. ﴾ أي: بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة، ﴿وَإِذَا الْرُسُلُ أَقِنَتْ هَـ وجوّز أن يكون المعنى: عُيِّن لها الوقتُ الذي تُحضَر فيه للشهادة على الأمم، وذلك عند مجيئه وحصوله، والوجه هو الأول كما قال جارُ الله (٤)، وتحقيقه كما في ((الكشف)): أنَّ توقيتَ الشيءِ تحديدُه وتعيينُ وقتِهِ، فإيقاعه على الذوات بإضمارٍ؛ لأنَّ المؤقَّت هو الأحداث لا الجثث، ويَجِيْء بمعنى جعل الشيء منتهياً إلى وقته المحدود، وعلى هذا يقع عليها دون إضمارٍ إذا كان بينها وبين ذلك الوقت ملابسةٌ، وإنَّما كان الوجهَ لأنَّ القيامة ليست وقتاً يتبيَّن فيه وقتُ الرسل الذي يحضرون فيه للشهادة، بل هي نفس ذلك الوقت، و((إذا الرسل أقٌّتت)) يقتضي ذلك، لأنَّك إذا قلت: إذا أَكرمتَني أكرمتُكَ. اقتضى أن يكون زمان إكرام المخاطب للمتكلِّم، وهو ما دلَّ عليه ((إذا)) سواءٌ جُعِلَ الظرفُ معمولَه أو معمولَ الجزاء، أي: فلا بُدَّ مِن التأويل، وقد أشير إليه في ضمن التفسير. وقرأ النخعي والحسن وعيسى وخالد: ((أُقِتَتْ)) بالهمزة وتخفيف القاف(٥). وقرأ أبو الأشهب وعمرو بنُ عبيد وأبو عمرو وعيسى أيضاً: ((وُقُّتَتْ)) بالواو (١) البحر المحيط ٤٠٥/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. (٣) ٢٠٣/٤. (٤) الكشاف ٤/ ٢٠٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٥، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. سُورَةُ المُرسِلَاتِ ١٨٢ الآية : ١٢ على الأصل(١)؛ لأنَّ الهمزة مُبدَلة من الواو المضمومة ضمَّة لازمة، وهو أمرٌ مطّرد كما بيِّن في محلِّه، وقال عيسى: ((وُقِّتَتْ)) لغةُ سُفلى مُضَر. وقرأ عبد الله والحسن(٢) وأبو جعفر: ((وُقِتَتْ)) بواو واحدة وتخفيف القاف(٣)، وقرأ الحسن أيضاً: ((وُوقِتَتْ)) بواوين (٤)، على وزن فُوعِلَتْ، و((إذا)) في جميع ما تقدَّم شرطيّة. قيل: مقولٌ لقولٍ مقدَّر هو جواب ((إذا))، وقوله تعالى: ﴿لِأَِّّ يَوْمٍ أُشَِتْ أي: يقال: ((لأيِّ يومٍ)) إلخ، وجعل التأجيل بمعنى التأخير مِن قولهم: دَيْنٌ مؤجَّل، في مقابل الحالِّ، والضمير لما يشعر به الكلام، والاستفهام للتعظيم والتعجيب مِن هَوْلِ ذلك اليوم، أي: إذا كان كذا وكذا، يقال: لأيِّ يوم أُخِّرت الأمور المتعلّقة بالرسل مِن تعذيب الكفرة وإهانتهم، وتنعيم المؤمنين ورعايتهم، وظهور ما كانت الرسل عليهم السلام تذكره مِن الآخرة وأحوالها، وفظاعة أمورها وأهوالها. وجوّز أن يكون الضمير للأمور المشار إليها فيما قَبْلُ مِن طَمْس النجوم وفَرْج السماء ونَسْف الجبال وتَأقيت الرسل، وأن يكون للرسل، إلا أنَّ المعنى على نحو ما تقدَّم. وقيل: أن يكون القول المقدَّر في موضع الحال مِن مرفوع: ((أُقِّتت)) أي: مقولاً فيها: لأيِّ يومٍ أُجِّلت، وأن تكون الجملة نفسها مِن غير تقدير قول في موضع المفعول الثاني (لأُقِّت)) على أنَّه بمعنى أُعلمت، كأنَّه قيل: وإذا الرسلُ أُعلمت وقتَ تأجيلها، أي: بمجيئه وحصولِه. وجواب ((إذا)) على الوجهين؛ قيل: قوله تعالى الآتي: ﴿وَيَّلُ بَّمَيِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، وجاء حذف الفاء في مثله. وقيل: محذوفٌ لدلالة الكلام عليه، أي: وقع الفصل، أو وقع ما تُوعَدون، واختار هذا أبو حيَّان(٥)، ويجوز - على احتمال كون الجواب: ((ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين)»، أو (١) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢ -٣٩٧ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٤٠٥/٨. (٢) في الأصل و(م): عبد الله بن الحَسَن. والمثبت من البحر المحيط ٤٠٥/٨ والكلام منه. (٣) قراءة أبي جعفر في النشر ٢/ ٣٩٧. (٤) المحتسب ٣٤٥/٢، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. (٥) البحر المحيط ٤٠٥/٨. الآية : ١٣ - ١٧ ١٨٣ سُورَةُ المُرسِلَاتِ تقدير المقدَّر مؤخّراً - كونُ جملة ((لأيِّ يومٍ أُجِّلت)) اعتراضاً؛ لتهويل شأنِ ذلك اليوم. 13﴾ بدل مِن ((لأيِّ يومٍ)) مبيّن له، وقيل: متعلِّق وقوله تعالى: ﴿لِّوْرِ اٌلْفَصْلِ بمقدَّر، تقديره: أُجِّلت ليومِ الفصل بين الخلائق. أي: أيُّ شيء جَعَلك دارياً ما هو؟ على أنَّ ((ما)) ﴿وَمَّ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ () الأولى مبتدأ، و((أدراك)) خبره، و((ما)) الثانية خبر مقدَّم، و((يوم)) مبتدأ مؤخّر، لا بالعكس كما اختاره سيبويه؛ لأنَّ محظّ الفائدة بيانُ كون يوم الفصل أمراً بديعاً لا يُقادَر قَدْره ولا يُكْتنه كُنْهه، كما يفيده خبريَّة «ما»، لا بيان كونِ أمر بدیع من الأمور يوم الفصل كما يفيده عكسه، ووضع الظاهر موضعَ الضمير لزيادة التفظيع والتهويل المقصودَيْن من الكلام. ، أي: في ذلك اليوم الهائل، و((ويل)) في الأصل ١٥ ﴿وَبِّ يَّمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ مصدر بمعنى هلاك، وكان حقُّه النصبَ بفعلٍ مِن لفظه أو معناه، إلا أنَّه رُفعَ على الابتداء للدلالة على ثبات الهلاك ودوامِه للمدعوِّ عليه، و((يومئذٍ)» ظرفُه أو صفته، فمسوِّغ الابتداء به ظاهر، والمشهور أنَّ مسوِّغَ ذلك كونه للدعاء، كما في ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ كقوم نوح وعاد وثمود، وقرأ قتادة: ((نَهْلِك)) بفتح النون(١) على أنَّه مِن هَلَكه بمعنى أَهْلَكه، ومنه: هالِك بمعنى مُهْلِك، كما هو الظاهر في قول العجَّاج: ومَهْمَهٍ هالكِ مَن تَعرَّجا هائلةٍ أهوالُهُ مَن أدْرَجا(٢) لئلا يلزمَ حذفُ الضميرِ مع حرف الجَرِّ، أعني ((به)) أو ((فيه))، وليناسب ما في الشطر الثاني. بالرفع على الاستئناف، وهو وعيدٌ لأهل مگّة وإخبارٌ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ (١) القراءات الشاذة ص١٦٧، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. (٢) ديوان العجاج ص٣٣٤-٣٣٥، وورد فيه: أَذْلجا، بدل: أدرجا. والرجز سلف ١٥/ ٤٠٠. سُورَةُ المُرسِلَاتِ ١٨٤ الآية : ١٨ - ٢٢ عمَّا يقع بعد الهجرة كبدرٍ، كأنَّه قيل: ثم نحن نَفعلُ بأمثالهم من الآخَرين مِثْلَ ما فَعَلنا بالأوَّلين، ونَسلُك بهم سبيلهم؛ لأنَّهم كذبوا مِثْلَ تكذيبهم، ويقوِّيه قراءة عبد الله: (ثُمَّ سَنُتْبِعُهُم)) بسين الاستقبال(١)، وجوّز العطف على قوله تعالى: ((أَلَم نُهْلِك)) إلى آخره. وقرأ الأعرج والعبَّاس عن أبي عمرو: ((تُتْبِعْهم)) بإسكان العين(٢)، فحمل على الجزم والعطف على ((نُهْلك))، فيكون المراد ((بالآخرين)) المتأخِّرين هلاكاً مِن المذكورين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم السلام دون كفَّار أهلٍ مَّة، لأنَّهم بَعْدُ ما كانوا قد أُهلكوا، والعطف على ((نُهْلك)) يقتضيه، وجوّز أن يكون قد سُكِّن تخفيفاً، كما في: ((وما يُشْعِرْكم))(٣) [الأنعام: ١٠٩] فهو مرفوع كما في قراءة الجمهور إلا أنَّ الضمَّة مقدَّرة. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الفعلِ الفظيع ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: بكلِّ مَن أجرم، $ والمراد أنَّ سُنَتَنَا جاريةٌ على ذلك. بآياتِ الله تعالى وأنبيائِه ١٩ ﴿وَيْلٌ بَيِدٍ﴾ أي: يوم إذ أهلكناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ عليهم السلام، وليس فيه تكريرٌ؛ لمَا أنَّ الويلَ الأوَّل لعذاب الآخِرة، وهذا لعذاب الدنيا. وقيل: لا تكرير؛ لاختلافِ متعلَّق المكذِّبين في الموضعين، بأن يكون متعلَّقه هنا ما سمعت، وفيما تقدَّم: ((يوم الفصل)) ونحوه، وكذا يقال فيما بَعْدُ، وجوّز اعتبار الاتحاد، والتأكيد أمرٌ حَسَن لا ضيرَ فيه. ﴾ من نطفة قَذِرَة مهينة، وليس فيه دليل على ﴿أَّ تَخْلُقُكُم مِّنِ مَآءِ تَهِينٍ ﴾ هو الرَّحِم ﴿إِلَ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾﴾ أي: ٢١ نجاسة المنيِّ ﴿فَجَعَلْهُ فِ قَرَارٍ مُكِيٍ مقدار معلوم عند الله تعالى من الوقت، قدَّره سبحانه للولادة، تسعة أشهر أو أقلّ منها أو أكثر. (١) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٦٧، والمحتسب ٣٤٦/٢، والبحر المحيط ٤٠٥/٨. (٣) بسكون الراء كما ذكر أبو حيان في البحر ٤٠٥/٨، وسلفت القراءة عند تفسير الآية المذكورة. الآية : ٢٣ - ٢٦ ١٨٥ سُورَةُ المُرسِلَاتِ ﴾ أي: فنِعْمَ المقدِّرون له ٢٣ فَقَدَرْنَا﴾ أي: فقدرنا ذلك تقديراً ﴿فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ نحن. وجوّز أن يكون المعنى: فقدرنا على ذلك فنِعْم القادرون عليه نحن. والأوَّل أَولى لقراءة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه ونافع والكسائي: ((فَقَدَّرْنا)) بالتشديد (١)، ولقوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ولقوله سبحانه: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] فزاده تفخيماً بأن جعلت الغاية مقصودة بنفسها، فقيل: فقدَّرنا ذلك تقديراً، أي: تقديراً دالًّا على كمال القدرة وكمال الرحمة، على أنَّ حديثَ القدرة قد تَّ في قوله تعالى: ((أَلم نخلقكم))، وقول الطيبيِّ في ترجيح الثاني: إثبات القدرة أَولى؛ لأنَّ الكلام مع المنكرين = لا وجهَ له، إذ لا أحد يُنكِر هذه القدرة، ولو سلِّم فقد قرِّروا بها بقوله تعالى: ((أَلَم نخلقكم))، فتأمَّل. أي: بقدرتنا على ذلك أو الإعادة. ٢٤ ﴿َيْلٌ يَدٍ لِلْكَذِّبِنَ الكِفَات: اسمُ جنس، أو اسمُ آلة لما يُكْفَت، أي: ﴿أَزْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ◌َ﴾ يُضَمُّ ويُجمَع، مِن كَفَتَ الشيءَ: إذا ضمَّه وجمعه، كالضمام والجماع لما يُضَمُّ ويُجمَع، وأنشدوا قولَ الصمصامة بنِ الطّرِفَّاح: فأنتَ اليومَ فوقَ الأرضِ حيًّا وأنتَ غداً تضمُّك في كِفَاتٍ (٢) وعن أبي عبيدة تفسيره بالوعاء(٣). وقوله تعالى: ﴿أَحْيَّءُ وَأَمْوَنًا (®﴾ مفعولٌ لفعل محذوف، لا ((لكِفَاتاً))؛ لأنَّ اسمَ الجنس وكذا اسم الآلة كما صرَّح به النحاةُ لا يَعملُ، أي: أَلَم نجعلها كِفاتاً تَكفتُ وتَجمعُ أحياءً كثيرة على ظهرها وأمواتاً غير محصورة في بطنها . وقيل: هو مصدر كالقتال نُعت به للمبالغة، فلا يحتاج إلى تقدير فعل. وقيل: جمع كانِت، كصِيام وصَائِم، فلا يحتاج إلى تقدير أيضاً. أو: جمع كِفْتٍ - بكسر الكاف وسكون الفاء - وهو الوعاء كقِدْح وأقدَاح، وأُجريَ على الأرض مع جمعه وإفرادها؛ باعتبار أَقْطارها. (١) التيسير ص ٢١٨، والنشر ٣٩٧/٢، والبحر المحيط ٤٠٦/٨ . (٢) النكت والعيون ١٧٩/٦، وتفسير القرطبي ٥٠٦/٢١. (٣) مجاز القرآن ٢٨١/٢. سُورَةُ المُرسِلَاتِ ١٨٦ الآية : ٢٧ وجوّز انتصابُ الجمعين على الحاليّة مِن مفعول ((كفاتاً)) المحذوف، والتقدير: كفاتاً إِيَّاهم وإِيَّاكم - أو: كفاتاً الإنس ـ أحياءً وأمواتاً أو من مفعولٍ حُذِفَ مع فعله، أي: كفاتاً تَكفتهم، أو: تَكفتكم، أو: تكفت الإنس أحياءً وأمواتاً، وأن يكون انتصابهما على المفعوليَّة لـ ((نجعل))، بتقدير مضاف، أي: ذات أحياء وأموات، أو على أنَّ المراد بـ ((أمواتاً)) الأرض المَوَات - على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد - وبـ ((أحياء)) ما يقابلها، وانتصاب ((كفاتاً)) على الحاليَّة من ((الأرض)). وأنتَ تَعلمُ أنَّ انتصابهما على المفعوليَّة أظهرُ، وبعده انتصابهما على الحاليّة مِن محذوف. وتنوينهما على ما سمعت أوَّلاً للتكثير، وجوّز أن يكون للتبعيض بإرادة أحياء الإنس وأمواتهم، وهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات، ولا ينافي ذلك التفخيم؛ نظراً إلى أنَّه بعضٌ غير محصور كثير في نفسه، فلا تغفل. واستدلَّ الكيا(١) بالآية على وجوبٍ مواراةِ الميت ودَفْنِهِ. وقال ابنُ عبد البَرِّ: احتجَّ ابن القاسم بها على قَطْع النَّبَّاش؛ لأنَّه تعالى جَعَلَ القبرَ للميت كالبيت للحيِّ، فيكون حِرْزاً (٢). ولا يَخفى ضَعْفُ الاستدلالين. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسَِ﴾ أي: جبالاً ثوابت ﴿شَِخَتٍ﴾ مرتفعات، ومنه: شَمَخَ بأنِفِهِ، ووَصْفُ جمع المذكَّر بجمع المؤنَّث في غير العقلاء مُطَرِد كـ ((أشهر معلومات)»، وتنكيرها للتفخيم أو للإشعار بأنَّ في الأرض جبالاً لم تُعرَف ولم يُوقف عليها، فأرضُ اللهِ تعالى واسعة، وفيها ما لم يَعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ، وقيل: للإشعار بأنَّ في الجبال ما لم يُعرَف وهو الجبال السماويَّة، وهو ممَّا يوافق أهلَ الفلسفة الجديدة، إذ قالوا بوجود جبالٍ كثيرة في القمر، وظنُّوا وجودها في غيره، وتعقّب بأنَّه تفسير بما لم يعرف. ﴿وَأَسْقَيْنَكُم مَّاءٍ فُرَاتًاً (®﴾ أي: عذباً، وذلك بأنْ خلقناه في أصولها، وأجريناه لكم منها في أنهار، وأنبعناه في منابعَ تستمدُّ ممَّا استودعناه فيها، وقد يفسَّر بما هو أعمّ من ذلك والماء المنزل من السماء. (١) في أحكام القرآن له ٤٢٨/٤. (٢) الاستذكار ٣٤٤/٨، والتمهيد ١٤١/١٣. الآية : ٢٨ - ٣١ ١٨٧ سِوَرَةُ المُرسِلَاتِ ﴿وَيْلٌ يَؤْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٢٨ بأمثال هذه النِّعَم العظيمة . ﴿أَنْطَلِقُواْ﴾ أي: يقال لهم يومئذٍ للتوبيخ والتقريع: انطلقوا ﴿إِلَّ مَا كُنْتُ بِهِ. في الدنيا من العذاب ﴿أَنَطَلِقُواْ﴾ أي: خصوصاً، فليس تكراراً للأوَّل، ٢٩ تُكَذِّبُونَ وقيل: هو تكرار له وإن قُيِّدَ بقوله تعالى: ﴿إِلَى ظِلٍ﴾ هو ظلُّ دخان جهنّم، كما قاله جمهور المفسِّرين، فهو كقوله تعالى: ﴿وَظِلٍ مِّن يَحْمُورٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] وفيه استعارة تهكميَّة . وقرأ رويس عن يعقوب: ((انْطَلَقُوا)) بصيغة الماضي(١)، وهو استئناف بيانيٌّ كأنَّه قيل: فما كان بعد الأمر؟ فقيل: انْطَلَقوا إلى ظلِّ. متشعِّب ـ لعِظَمه - ثلاثَ شعب، كما هو شأنُ الدخان ﴿ذِى ثَلَثِ شُعَبٍ العظيم تراه يتفرَّق تفرُّق الذوائب، وفي بعض الآثار: يخرج لسانٌ من النار فيحيط بالكفَّار كالسُّرادق، ويتشغَّب من دخانها ثلاثَ شعب فتظلُّهم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظلِّ العرش. وخصوصيَّة الثلاث؛ قيل: إمَّا لأنَّ حجابَ النفس عن أنوار القُدُس الحسُّ والخيال والوهم، أو لأنَّ المؤدِّي إلى هذا العذاب هو القوَّة الوهميَّة الشيطانيّة الحالَّة في الدماغ، والقوّة الغَضَبية السَّبُعيَّة التي عن يمين القلب، والقوّة الشهويّة البهيميَّة التي عن يساره ولذلك قيل: تقف شُعبةٌ فوق الكافر وشُعبةٌ عن يمينه وشُعبةٌ عن يساره. وقيل: لأنَّ تكذيبَهم بالعذاب يتضمَّن تكذيبَ الله تعالى وتكذيبَ رسولِهِ وَ﴾، فهناك ثلاثة تكذيبات، واعتبر بعضهم التكذيبَ بالعذاب أصلاً، والشُّعَب الثلاث التكذيبان المذكوران وتكذيبُ العقل الصريح، فتأمَّل. وعن ابنِ عباس: يقال ذلك لعَبَدة الصليب، فالمؤمنون في ظلِّ الله عزَّ وجلَّ، وهم في ظلَّ معبودهم وهو الصليب له ثلاث شعب. ﴿لَّا ظَكِيلٍ﴾ أي: لا مظلِّل، وهو صفة ثانية لظِلِّ، ونفي كونه مظلِّلاً عنه - والظُّلُّ لا يكون إلا مظلِّلاً - للدلالة على أنَّ جعله ظلَّا تهُّمٌ بهم، ولأنَّه ربَّما يتوهّم أنَّ فيه راحةً لهم، فنفى هذا الاحتمال بذلك، وفيه تعريض بأنَّ ظلَّهم غيرُ ظلِّ المؤمنين. (١) النشر ٢/ ٣٩٧، والبحر المحيط ٤٠٦/٨. سُوَةُ المُسَلاتِ ١٨٨ الآية : ٣٢ ٣ وغير مفيد في وقت من الأوقات من حرِّ اللهب شيئاً، ﴿وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ وعدِّي ((يغني)) بـ ((من)، لتضمُّنه معنى يبعد، واشتهر أنَّ هذه الآية تشير إلى قاعدة هندسيّة وهي أنَّ الشكل المثلّث لا ظلَّ له، فانظر هل تتعقَّل ذلك. إنَّهَا﴾ أي: النار، الدالُّ عليها الكلام، وقيل: الضمير للشُّعَب ﴿تَرْبِى بِشَرَرٍ﴾ هو ما تطايرَ من النار، سُمِّي بذلك لاعتقاد الشَّرِّ فيه، وهو اسم جنس جمعي، كالدار الكبيرة المشيَّدة، والمراد كلّ شَرَرة كذلك في ٣٢ واحده: شَرَرة ﴿ كَالْقَصْرِ العِظَم، ويدلُّ على إرادة ذلك ما بعد، ويؤيِّده قراءةُ ابنِ عباس وابن مقسم: ((بشِرار)) بكسر الشين وألف بين الراءين(١)، فإنَّ الظاهر أنَّه جمع شَرَرة كرَقَبة ورِقاب، فيدلُّ على أنَّ المشبّه بالقَصْر الواحدة، وكذا قراءة عيسى: ((بِشَرَار)) بفتح الشين وألف بين الراءين أيضاً (٢)، فقد قيل: إنَّه جمعٌ لشَرَارة لا مفرد. وجوِّز على قراءة الكسر أن يكون جمعَ شَرِّ غيرِ أفعلِ التفضيل، كخيار جمع خَيْرِ، وهو حينئذٍ صفة أُقيمت مقامَ موصوفها، أي: تَرمي بقوم شِرار، وهو خلاف الظاهر. وقيل: القَصْر: الغليظ من الشجر، واحده: قَصْرة نحو جَمْرة وجَمْر، وقيل: قِطَعٌ من الخشب قَدْرَ الذراع وفوقه ودونه، يستعدُّ به للشتاء، واحده كذلك، فالتشبيهُ من تشبيه الجمع بالجمع مِن غير احتياجٍ للتأويل بما مرَّ، إلا أنَّ التهويل على القول الأخیر دونه علی غیرِه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير والحسن وابن مقسم: ((كالقَصَر)) بفتح القاف والصاد(٣)، وهي أصول النخل، وقيل: أعناقها، واحدها: قَصَرة كشَجَرة وشَجَر، وفي كتاب ((النبات)): الحبَّة لها قشرتان، التحتيّة تسمَّى قشرة (٤)، والفوقيَّة تسمَّى قَصَرة، ومنه قوله تعالى ((كالقَصر))، وهو غريب. (١) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٢) البحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٤) جاء في هامش الأصل: بالقاف، وفي نسخة: حشرة، بالحاء المهملة، وهو صحيح أيضاً كما لا يخفى على من رجع إلى القاموس [مادة (حشر)]. انتهى منه. الآية : ٣٣ ١٨٩ سُورَةُ الْمُرْسِلَاتِ وقرأ ابن مسعود: ((كالقُصُر)) بضمَّتين (١) جمع قَصْر كرَهْن ورُهُن، وفي ((البحر)): كأنَّه مقصور من القصور، كالنجم من النجوم(٢). وهو مخالف للظاهر؛ لأنَّ مثلَه ضرورةٌ أو شاذٌ نادر. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً ((كالقِصَر)) بكسر القاف وفتح الصاد(٣)، جمع قَصَرة بفتحتين، كحَلَقة من الحديد وحِلَق، وحَاجة وحِوَج. وبعض القرَّاء: (كالقَصِر)) بفتح القاف وكسر الصاد(٤)، وهو بمعنى القَصْر في قراءة الجمهور. ـُ﴾ أي: الشرر ﴿جِمَلَتٌ﴾ بكسر الجيم، كما قرأ به حمزة والكسائيُّ وحفص وأبو عمرو في رواية الأصمعي وهارون عنه(٥)، وهو جمع جَمَل، والتاء التأنيث الجمع كما في ((البحر)) (٦)، يقال: جَمَل وجِمَال وجِمَالة، أو اسم جمع له كما قيل في حجر وحجارة، والتنوين للتکثیر. فإنَّ الشَّرار لِمَا فيه من الناريَّة والهوائيَّة يكون أصفرَ، فالصفرة ﴿صُفّرٌ على معناها المعروف، وقيل: سود، والتعبير بـ ((صُفْر)) لأنَّ سوادَ الإبل يَضرِبُ إلى الصُّفْرة، شبَّه الشرر حين ينفصلُ من النار في عِظَمه بالقَصْر، وحين يأخذ في الارتفاع والانبساط لانشقاقه عن أعداد غيرِ محصورة بالجِمال، لتَصَوُّر الانشقاق والكثرة والصفرة والحركة المخصوصة، وقد روعي الترتيب في التشبيه رعايةً لترتيب الوجود، وأُفيدَ أنَّ القصورَ والجمال يشبَّه بعضها ببعض، ومنه قوله : فَوقفتُ فيها ناقتي وكأنّها فَدن (٧) لأقضي حاجةَ المتلوِّمِ(٨) (١) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٢) البحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والمحتسب ٤٤٦/٢، والبحر المحيط ٤٠٧/٨. (٤) البحر المحيط ٨/ ٤٠٧ . (٥) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٧/٢ عن حمزة والكسائي وحفص، والكلام من البحر ٨/ ٤٠٧. (٦) البحر المحيط ٤٠٧/٨ . (٧) في هامش الأصل و(م): فَدَن، كلبن: القصر، جمعه: أفدان. انتهى منه. (٨) القائل: عنترة بن شداد، والبيت هو الثالث من معلقته. سُورَةُ المُسَلَاتِ ١٩٠ الآية : ٣٣ فالتشبيه الثاني بيان للتشبيه الأوَّل، على معنى أنَّ التشبيهَ بالقَصْر كان المتبادرُ منه إلى الفهم العِظَمَ فحسب، فلمَّا قيل: ((كأنَّه جِمَالة صفر)) وهو قائمٌ مقامَ التخصيص في القَصْر تكثَّر وجهُ الشَّبَه، كأنَّه قيل: كأنَّه قصرٌ مِن شأنه كذا وكذا، والتشبيه بالجمال في الكثرة والتتابع وسرعة الحركة أيضاً. والأوَّل هو التحقيق على ما في ((الكشف))، وعلى الوجهين ليس التشبيه الثاني من البداء في شيء، ولا حاجةً في شيء منهما إلى اعتبار كون ضمير ((كأنَّه)) للقصر. وقد أَلَمَّ بشيءٍ مِن حُسْنٍ ما وقع في الآية من التشبيه أبو العلاء المعري في قوله في مرئيَّة واحدٍ من الأشراف: أسحارَ بالأهْضامِ والأشعافِ المُوقدي نارِ القِرَى الآصالَ والـ ترمي بكلِّ شرارةٍ كطِرَافِ(١) حمراءَ ساطعةَ الذوائب في الدُّجى وإن كان قد قَصَد بذلك المعارضةَ للآية يكون قد أعمى اللهُ تعالى بصيرتَه عمَّا فيها مِن المَزِيَّة كما أعمى سبحانه بَصَرَه. وقرأ الجمهور ومنهم عمر بن الخطاب رظُه: ((جِمَالات)) بكسر الجيم وبالألف والتاء(٢)، جمع: جِمال أو جِمالة بكسر الجيم فيهما، فيكون جمعَ الجمع، أو جمعَ اسم الجمع، والمعنى على ما سمعت. وقرأ ابن عباس وقتادة وابن جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم كذلك إلا أنَّهم ضمُّوا الجيم(٣)، على أنَّه جمع جِمالة على ما في «الكشاف))(٤)، وقال في ((البحر)): هي حبال(٥) السفن(٦)، الواحد منها جُمْلة؛ لكونه جملة من الطاقات، ثم جُمع على جمل وجِمال، ثم (١) شروح سقط الزند ص ١٣٠٥-١٣٠٧، والهِضْم: المطمئنُّ من الأرض، والشعف: رأس الجبل، والطّراف: قَبَّة من أَدَم. (٢) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٧/٢، والبحر المحيط ٤٠٧/٨ والكلام منه. (٣) المحتسب ٣٤٧/٢، والبحر ٨/ ٤٠٧ وهي قراءة رويس عن يعقوب من العشرة، كما في النشر ٣٩٧/٢. (٤) ٤ / ٢٠٤. (٥) في مطبوع البحر المحيط ٤٠٧/٨: جمال. (٦) جاء في هامش الأصل: أي: البحرية. الآية : ٣٤ - ٣٥ ١٩١ سُورَةُ الْمُرْسِلَتِ جمع جِمال ثانياً جمع صحَّة، فقالوا: جِمالات، وقيل: هي قُلوس الجسور، أي: حِبَالها التي تُشَدُّ بها، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جبير قالا: إنَّها إذا اجتمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عِظَام. وعن ابن عباس أيضاً: هي قِطَعُ النحاس الكبار. والظاهر أنَّ التشبيهَ على هذا باعتبار اللون، وعلى ما سبق باعتبار الامتداد والالتفاف. وقرأ ابن عباس أيضاً والسلميُّ والأعمش وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ورويس: ((جُمَالة)) كقراءة حفص ومَن معه إلا أنَّهم ضمُّوا الجيم (١)، وهي عند الزمخشريٌّ(٢) اسم مفرد بمعنى القَلْس، وجُمعَ ((صُفْر)) لإرادة الجنس. وقرأ الحسن: ((صُفُر)) بضمِّ الفاء(٣). هَذَا يَوَمُ لَا يَنِقُونَ ٣٤ ﴿وَلٌ يَؤْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الإشارة إلى وقت دخولهم ٣٥ النار، أي: هذا يوم لا ينطقون فيه بشيءٍ لعِظَم الدهشة وفَرْط الحيرة، ولا ينافي هذا ما ورد في موضع آخَر مِن النطق؛ لأنَّ يوم القيامة طويلٌ له مواطن ومواقيت، ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون. وجوّز أن يكون المراد: هذا يوم لا ينطقونَ بشيءٍ ينفعهم، وجُعلَ نطقُهم لعدم النفع كَلا نطق. وقرأ الأعمش والأعرج وزيد بن عليٍّ وعيسى وأبو حيوة وعاصم في رواية: ((هذا يومَ)) بالفتح (٤)، فقيل: هو فتح إعراب، على أنَّ ((هذا)) إشارة إلى ما ذكر، و(يوم)) منصوب على الظرفيَّة متعلِّق بمحذوف وقع خبراً لـ ((هذا))، أي: هذا الذي ذكر من الوعيد واقعٌ في يوم لا ينطقون، وقيل: هو فَتْحُ بناءٍ، و«يوم)) في محلِّ رفع على الخبريَّة، وبُنيَ لإضافته للجملة ولِمَا حقُّه البناء، وعن صاحب ((اللوامح)): قال عيسى: بناء ((يوم)) على الفتح مع ((لا)) لغةُ سُفْلى مُضَر؛ لأنَّهم جعلوه معها كالاسم (١) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٤٠٧/٨. (٢) الكشاف ٤/ ٢٠٤. (٣) البحر المحيط ٨/ ٤٠٧. (٤) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٧. سُورَةُ المُرسِلَاتِ ١٩٢ الآية : ٣٦ - ٣٩ الواحد، وأنتَ تعلم أنَّ الجملة المصدَّرة بمضارع مثبت أو منفي لا يجيز البصريون في الظرف المضاف إليها البناء بوجهٍ، وأنَّ ما ذكر مذهبٌ كوفيٍّ. ﴿وَلَا يُؤْذَثُ لَمْ﴾ قيل: في النطق مطلقاً، أو في الاعتذار، وقرأ زيد بن عليّ كما حكى عنه أبو عليّ الأهوازيُّ بالبناء للفاعل(١)، أي: ولا يَأْذِنُ اللهُ تعالى لهم. عطف على ((يؤذن)) منتظم معه في سلك النفي، والفاء للتعقيب ﴿فَيَعْنَذِرُونَ بين النفيين في الإخبار في قول، ولترتُّب النفي الثاني نفسه على الأوَّل في آخَر، ونظر فيه. ولم يقل: فيعتذروا، بالنصب في جواب النفي، قيل: ليفيد الكلام نفيَ الاعتذار مطلقاً، إذ لا عذرَ لهم ولا يعتذرون، بخلاف ما لو نصب وجعل جواباً فإنَّه يدلُّ على أنَّ عدم اعتذارهم لعدم الإذن، فيُوهم ذلك أنَّ لهم عذراً لكن لم يُؤذَن لهم فيه، وقال ابنُ عطيّة: إنَّما لم يُنصَب في جواب النفي، للمحافظة على رؤوس الآي، والوجهان جائزان(٢). وظاهره استواء المعنى عليهما، وهو مخالفٌ لكلامهم لقولهم بالسبيَّة في النَّصْب دون الرفع، نعم ذهب أبو الحجّاج الأعلم (٣) إلى أنَّه قد يُرفَع الفعل ويكون معناه على قلَّةٍ معنى المنصوب بعد الفاء، وأنَّ النحويين إنَّما جعلوا معنى الرفع غير معنى النصب رعياً للأكثر في كلام العرب، وجَعَلَ دليله على ذلك هذه الآية، وردّ عليه ذلك ابنُ عصفور وغيره، فتدبّر. والظاهر أنَّ نفي الاعتذار باعتبار بعضٍ المواطن والمواقيت كنفي النطق، وجوّز أن يكون المنفي حقيقةً الاعتذار النافع، فلا منافاةً بين ما هنا وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ﴾ بين المحقِّ والمُبطِلِ ﴿بَعْنَكُمْ وَاْأَوَّلِينَ ﴿وَيْلٌ يَمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٣٨ ٧ أي: من تقدَّمكم من الأمم، والكلام تقرير وبيان للفصل؛ لأنَّه لا يُفصَل بين المحقِّ والمُبطِل إلا إذا جمع بينهم ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِدُونِ ﴾﴾ فإنَّ جميعَ من كنتم (١) البحر المحيط ٨/ ٤٠٧ . (٢) المحرر الوجيز ٤٢٠/٥ . (٣) أي: الأعلم الشنتمري، وينظر كلامه في المسألة في كتابه تحصيل عين الذهب ص٣٩٣. الآية : ٤٠ - ٤٦ ١٩٣ سُورَةُ المُسَلَاتِ تقلِّدونهم وتقتدونَ بهم حاضرون، وهذا تقريعٌ لهم علی کیدِهم للمؤمنين في حيث ظهر أنْ لا حول لهم ولا حيلةَ في التخلُّص ممَّا هم فيه. الدنيا وإظهار لعَجْزهم ﴿وَلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿إِنَّ الْمُتَّفِينَ﴾ مِن الكفر والتكذيب لوقوعه في مقابلة المكذُّبين بيوم الدين فيشمل عصاةَ المؤمنين ﴿فِي ظِلَلٍ﴾ جمع: ظِلِّ، ضدُّ الضُّحِّ، وهو أعمُّ مِن الفَيْءِ، فإنَّه يقال: ظِلُّ الليل، وظِلُّ الجنة، ويقال لكلِّ موضع لم تَصِل إليه الشمس: ظِلٌّ، ولا يقال: الفيء، إلا لما زال عنه الشمس، ويعبَّر به أيضاً عن الرفاهة وعن العزّة والمناعة، وعلى هذا المعنى حمل الراغبُ ما في الآية(١)، والمتبادر منه ما هو المعروف، ويؤيِّده ما تقدَّم في المقابل: ((انطلقوا إلى ظلِّ ذي ثلاث شعب)) إلخ، وقراءة الأعمش: ((في ◌ُلَلٍ))(٢) جمع ظُلَّة، وأيّاً ما كان فالمراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّفِينَ ﴾ أنَّهم مستقرُّون في فنون التََّقُّه وأنواع التنقُّم. ٤٢ فِي ظِلَالٍ وَعُونٍ (* وَفَوَّكِهَ مِنَّا يَشْتَهُونَ مقدَّر بقولٍ هو حالٌ مِن ضمير المثَّقين ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأُ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٣): في الخبر، كأنَّه قيل: مستقرُّون في ذلك، مقولاً لهم: كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون في الدنيا مِن العمل الصالح كالإيمان وغير ذلك ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الجزاء العظيم ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ لا جزاءً أدنى منه، والمراد بالمحسنين: المتَّقون السابق ذِكْرهم إلا أنَّه وضع الظاهر موضعَ الضمير مَدْحاً لهم بصفة الإحسان أيضاً مع الإشعار بعلَّة الحكم، وجوّز أن يُراد بالمثَّقين والمحسنين الصالحون من المؤمنين، ولا دليلَ فيه للمعتزلة على خلود العصاةِ أهلِ الكبائر في النار، وغايةٌ الأمر عدم التعرُّض لحالهم. ﴿وَيِلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِيِنَ العذاب الأليم. حيث نال أعداؤهم هذا الثوابَ العظيم وهم بَقوا في ٤٥ ﴿كُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجُمُونَ ﴾﴾ حال من المكذِّبين على ما ذهب إليه غير واحد من الأجلَّة، أي: الويل ثابتٌ لهم في حالِ ما يقال لهم ذلك، تذكيراً لِمَا كان (١) المفردات (ظل). (٢) تفسير القرطبي ٥١٦/٢١ ونسبها للأعرج والزهري وطلحة، والبحر المحيط ٤٠٨/٨. ٠ سُورَةُ المُرسِلَاتِ ١٩٤ الآية : ٤٧ - ٤٨ يقال لهم في الدنيا ولِمَا كانوا أحقّاء بأن يُخاطَبوا به حيث تركوا الحظّ الكثير إلى النَّزر الحقير، فيفيد التحسيرَ والتخسير، وعلى طريقته قولُه: إخوتي لا تَبْعَدوا أبداً وَبَلَى واللهِ قد بَعِدُوا(١) فهو دعاء لإخوته بعدم الهلكة بعد هلاكهم تقريراً بأنّهم كانوا أحقّاء بذلك الدعاء في حياتهم، وأنَّ هلاكهم لحينونة الأجل المسمَّى لا لأنَّهم كانوا أحقّاء بالدعاء عليهم. وذهب أبو حيَّان(٢) إلى أنَّه كلام مستأنف خوطب به المكذِّبون في الدنيا، والأمر فيه أمرُ تحسير وتهديد وتخسير، ولم يعتبر التهديد على الأوَّل؛ لأنَّه غيرُ مقصود في الآخِرة. ورجِّح بأنَّه أبعدُ من التعسُّف وأوفق لتأليف النظم، وفيه نظر. والظاهر أنَّ قوله سبحانه: ((إنَّكم)) إلخ في موضع التعليل، وفيه دلالة على أنَّ كلَّ مجرم نهايته تمتُّع أيام قليلة ثم يبقى في عذاب وهلاك أبداً. ﴿وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَزَكَعُوا﴾ أي: أطيعوا الله تعالى واخشعوا وتواضعوا له عزَّ وجلَّ بقَبول وَحْيه تعالى واتِّباع دينه سبحانه، وارْفُضُوا هذا الاستكبار والنخوة ﴿لَا يَرَّكَعُونَ (®﴾ لا يَخشعون ولا يقبلون ذلك ويُصرُّون على ما هم عليه مِن الاستكبار. وقيل: أي: إذا أُمروا بالصلاة أو بالركوع فيها لا يَفعلون، إذ روي عن مقاتل أنَّ الآيةَ نزلت في ثقيف، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: حُظّ عنَّا الصلاةَ فإنَّا لا نُجبِّي(٣)، فإنَّها مسبَّةٌ علينا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا خيرَ في دِيْن ليس فيه ركوع ولا سجود))، ورواه أيضاً أبو داود والطبرانيُّ وغيرهما (٤). (١) البيت ذكره التبريزي في شرح ديوان الحماسة ١٩٠/٢ ونسبه لفاطمة بنت الأحجم الخزاعية، وكذلك المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ٩١٢/٢ ولم ينسبه. (٢) البحر المحيط ٤٠٨/٨. (٣) من التجبية، وهي الانحناء على هيئة الراكع أو الساجد. حاشية الشهاب ٣٠٠/٨. (٤) المحرر الوجيز ٤٢١/٥، وزاد المسير ٤٥٢/٨، والخبر عند أحمد (١٧٩١٣)، وأبي داود (٣٠٢٦) من حديث عثمان بن أبي العاص ده. ٢ '۔۔ الآية : ٤٩ - ٥٠ ١٩٥ سُوَّةُ المُرسَلاتِ وأخرج ابنُ جرير عن ابنِ عباس أنَّه قال: هذا يوم القيامة يُدعَون إلى السجود فلا يستطيعون السجودَ مِن أجل أنَّهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا (١). واتصال الآية - على ما نقل عن الزمخشريِّ - بقوله تعالى: ((للمكذبين)) كأنَّه قيل: ويلٌ يومئذٍ للذين كذَّبوا والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. وجوّز أن يكون أيضاً بقوله سبحانه: ((إنكم مجرمون)) على طريقة الالتفات، كأنَّه قيل: هم أحقّاء بأن يقال لهم: كُلُوا وتمثَعوا، ثم علّل ذلك بكونهم مجرمين، ويكونهم إذا قيل لهم: صلُّوا، لا يُصلُّون(٢). واستدلَّ به على أنَّ الأمرَ للوجوب، وأنَّ الكفّار مخاطبونَ بالفروع. ساطعةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴿ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين وأخبار النشأتين على نمط بديع مُعجِز مؤسِّسٍ على حجج قاطعةٍ وبراهينَ ﴾ إذا لم يؤمنوا به، والتعبير بـ «بَعْدَه)) دون غيره للتنبيه على أنَّه ٥٠ لا حديثَ يساويه في الفَضْل أو يدانيه، فضلاً أن يفوته ويعاليه، فلا حديثَ أحقُّ بالإيمان منه، فالبعدية للتفاوت في الرُّتبة كما قالوا في: ﴿عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَئِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] وكأنَّ الفاء لِمَا أنَّ المعنى: إذا كان الأمر كذلك، وقد اشتمل القرآن على البيان الشافي والحقِّ الواضح، فما بالهم لا يُبادرون الإيمان به قبل الفوت، وحلول الويل، وعدم الانتفاع بـ ((عسى)) و((لعلَّ)) و((ليت)). وقرأ يعقوب وابنُ عامر في رواية: ((تؤمنون)) على الخطاب(٣). هذا، ولمَّا أوجز في سورة ((الإنسان)) في ذكر أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصفِ أحوال المؤمنين فيها، عَكَس الأمر في هذه السورة فوقع الاعتدالُ بذلك بين السورتين، والله تعالى أعلم. (١) تفسير الطبري ٦١٣/٢٣. (٢) لم نقف عليه في الكشاف، وذكره الشهاب في الحاشية ٢٩٩/٨ -٣٠٠، ثم قال: كذا في الكشف نقلاً عن الحواشي. (٣) القراءات الشاذة ص١٦٧، والبحر المحيط ٤٠٨/٨. سُورَةُ النَّبا وتسمّى سورة: عمَّ، وعمَّ يتساءلون، والتساؤل، والمعصرات. وهي مكية بالاتفاق، وآيُها إحدى وأربعون في المكِّي والبصري، وأربعون في غيرهما . ووَجْهُ مناسَبَتِّها لِمَا قبلَها اشتمالُها على إثبات القدرة على البعث الذي دلَّ ما قبلُ على تكذيب الكفرة به، وفي ((تناسق الدرر))(١): وجه اتصالها بما قبلُ تناسُبها معها في الجمل، فإنَّ في تلك: (أَمْ نُهْلِكِ الْأَوَِّينَ) (أَلَ تَخْلُفُكُ مِن ◌َّآءِ مَّهِينٍ) (أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاءً) إلخ، وفي هذه (أَلَرَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا) إلخ، مع اشتراكها والأربعِ قبلَها في الاشتمال على وصف الجنة والنار، وما وعد ((المدَّثِّر))(٢)، وأيضاً في سورة ((المرسلات)): (لِأَنِّ يَوْرٍ أُثَِّتْ ﴿ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿﴿ وَمَآ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ) وفي هذه: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتًا) إلخ، ففيها شرحُ يوم الفصل المجملِ ذكرُه فيما قبلها. اهـ. وقيل: إنه تعالى لما ختمَ تلك بقوله سبحانه (فَأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) وكان المرادُ بالحديث فيه القرآنَ، افتتح هذه بتهويل التساؤل عنه والاستهزاءِ به. وهو مبنيٍّ على ما رُوي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنَّ المرادَ بالنبأ العظيم القرآنُ. والجمهور على أنه البعثُ(٣). وهو الأنسب بالآيات بعدُ كما ستعرفه إن شاء الله تعالی. (١) ص٩١. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في تناسق الدرر: وما عدا المدثر في الاشتمال على يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق وإقامة الدليل على البعث. (٣) وهو أيضاً مروي عن قتادة. ينظر تفسير الطبري ٦/٢٤، والدر المنثور ٣٠٥/٦. الآية : ١ ١٩٧ سُورَةُ النَّبَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أصله: عمَّا، على أنَّه حرف جرِّ دخل على ((ما)) الاستفهامية فحذفت الألف، وعُلِّل بالتفرقة بينها وبين الخبرية، والإيذانِ بشدّة الاتصال، وكثرةٍ الدوران. وحالُ العلل النحوية معلومٌ. وقد قرأ عبد الله وأبيّ وعكرمة وعيسى بالألف على الأصل(١)، وهو قليل الاستعمال، وقال ابن جنِّي(٢): إثباتُ الألف أضعفُ اللُّغتين، وعليه قوله: على ما قامَ يشتمني لئيمٌ كخِنْزِيرٍ تمرَّغَ فِي رَمادٍ(٣) والاستفهامُ للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهولِه وخروجه عن حدود ه الضميرُ لأهل الأجناس المعهودة، أي: عن أيِّ شيءٍ عظيمِ الشأن ﴿يَتَسَّةَ لُونَ مكة، وإن لم يسبق ذكرهم؛ للاستغناء عنه بحضورهم حسًّا، مع ما في التَّركِ - على ما قيل - من التحقير والإهانة؛ لإشعاره بأنَّ ذكرَهم مِمَّا يُصان عنه ساحة الذكر الحكيم. ولا يتوهّم العكس؛ لمنع المقام عنه. وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، ويخوضون فيه إنكاراً واستهزاءً، لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسمَّاه، بل عن وقوعه الذي هو حالٌ من أحواله ووصفٌ من أوصافه. و((ما)) كما مرَّ غير مرَّةٍ وإن اشتهرت في طلب حقائق الأشياء ومسمَّيات أسمائها، لكنَّها قد يُطلب بها الصفةُ والحالُ، فيقال: ما زيد، ويجاب بـ : عالم، أو: طبيب. (١) المحتسب ٣٤٧/٢، والبحر ٤١٠/٨. (٢) في المحتسب ٢/ ٣٤٧ . (٣) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص١٩٩. ورواية ابن جني في المحتسب ٣٤٧/٢، وابن هشام في المغني ص٣٩٤: تمرّغ في دَمَان. والدَّمَان: الرماد وزناً ومعنّى. وينظر الخزانة ٦ / ١٠٢. سُوَّةُ النَّبُل ١٩٨ الآية : ١ وقيل: كانوا يسألون الرسولَ وَ﴿ والمؤمنين استهزاءً، فالتساؤل متعدٍّ ومفعولُه مقدَّرٌ هنا، وحذف لظهوره، أو لأنَّ المستعظَمَ السؤالُ بقطع النظر عمَّن سأل، أو لصون المسؤول عن ذكره مع هذا السائل. وتحقيقُ ذلك ـ على ما في ((الإرشاد)) - أنَّ صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية [موضوعة] لإفادة صدور الفعل عن المتعدّد ووقوعِه عليه، بحيث يصيرُ كلُّ واحد من ذلك فاعلاً ومفعولاً معاً، لكنه يرفع المتعدِّدَ على الفاعلية ترجيحاً لجانب فاعليته، وتُحال مفعوليتُه على دلالة الفعل، كما في قولك: تراءى القومُ، أي: رأى كلُّ واحدٍ منهم الآخرَ. وقد تجرَّد عن المعنى الثاني، فيراد بها مجرَّدُ صدور الفعل عن المتعدِّد عارياً عن اعتبار وقوعه عليه، فيذكر للفعل حينئذٍ مفعول، كما في قولك: تراءَوُا الهلالَ. وقد يحذف [ظهوره] كما فيما نحن فيه، فالمعنى: عن أيِّ شيءٍ يسأل هؤلاء القومُ الرسولَ وَّر والمؤمنين. وربَّما تجرَّد عن صدور الفعل عن المتعدِّد أيضاً فيراد بها تعدُّده باعتبار تعدُّد متعلَّقِه مع وحدة الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥](١). وذكر بعض المحقّقين أنَّه قد يكون لصيغة التفاعل على الوجه الأول مفعولٌ أيضاً، لكنَّه غيرُ الذي فعلَ به مثلَ فعلِه، كما في: تعاطيا الكأسَ، وتفاوضا الحديثَ. وعليه قول امرئ القيس : فلمَّا تنازَعْنا الحدیثَ وأُسمحَتْ هَصَرْتُ بغصنٍ ذي شَماريخَ ميَّالٍ(٢) فمن قال أنَّ تَفَاعلَ لا يكون إلَّا من اثنين ولا يكون إلَّا لازماً، فقد غلط كما قال البَطَلْيوسي في ((شرح أدب الكاتب))(٣) إن أراد ذلك على الإطلاق. وليت شعري كيف يصحُّ ذلك مع أنَّ مجيءَ تَفَاعلَ بمعنى فَعَل غيرَ متعدِّد الفاعل - کتوانى زيدٌ، وتَدَانى الأمر، وتَعالى الله عمَّا يشركون - كثيرٌ جدًّا، وكذا مجيئه متعدّياً إلى غير الذي فَعَلَ به مثلَ فعلِه، كما سمعت. (١) إرشاد العقل السليم وهو تفسير أبي السعود ٩/ ٨٤، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) ديوان امرئ القيس ص٣٢. قال شارح الديوان: تنازعنا الحديث: حدثتني وحدثتها، أسمحت: انقادت وسهُلت بعد امتناعها. هصرتُ: جذبت، وأراد بالغصن جسمها لنَعْمته، وشبّه شعرها بشماريخ النخل لتداخله وغزارته. اهـ. (٣) ٣٩٥/٣-٣٩٦. الآية : ٢ ١٩٩ سُورَةُ النَّبَا وجُوِّز أن يكون ضمير ((يتساءلون)) للناس عموماً؛ سواءٌ كانوا كفَّار مكة وغيرهم من المسلمين، وسؤالُ المسلمين ليزدادوا خشيةً وإيماناً، وسؤالُ غيرهم استهزاءٌ ليزدادوا كفراً وطغياناً. وهو خلاف ما يقتضيه ظاهرُ الآيات بعدُ. وقيل: كان التساؤلُ عن القرآن. وتعقب بأنَّ قوله تعالى: (أَلَرَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ) إلخ ظاهرٌ في أنه كان عن البعث، وهو مرويٌّ عن قتادة أيضاً؛ لأنه من أدلته. وأجيب بأنَّ تساؤلَهم عنه واستهزاءَهم به واختلافهم فيه بأنَّه سحرٌ أو شعرٌ كان لاشتماله على الأخبار بالبعث، فبعد أن ذكر ما يفيد استعظامَ التساؤل عنه تعرَّضَ لدليل ما هو منشأً لذلك التساؤل. وفيه بعدٌ. بيانٌ لشأن المسؤول عنه إثْرَ تفخيمه بإبهام وقوله تعالى: ﴿عَنِ النََّلِ الْعَظِيمِ (® أمره وتوجيه أذهان السامعين نحوه وتنزيلهم منزلةَ المستفهمين، فإنَّ إيراده على طريقة الاستفهام من علام الغيوب؛ للتنبيه على أنه - لانقطاع قرينِه وانعدام نظيره - خارجٌ عن دائرة علوم الخلق، خليقٌ بأن يُعتنى بمعرفته ويُسأل عنه، كأنَّه قيل: عن أيِّ شيءٍ يتساءلون، هل أخبركم به؟ ثم قيل بطريق الجواب: ((عن النبإ العظيم)). على منهاج: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌّ لِلَِّ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فـ (عن)) متعلِّقةٌ بما يدلُّ عليه المذكورُ من مضمَرٍ حقُّه - على ما قيل - أنْ يقدَّرَ بعدها؛ مسارعةً إلى البيان ومراعاةً لترتيب السؤال. وإلى تعلَّقه بما ذُكر ذهب الزجاج، وهو الذي تقتضيه جزالة التنزيل. وقال مكِّي(١): إنَّ ذلك بدلٌ من ((ما)) الاستفهامية بإعادة حرف الجرِّ. وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّه لا يصحُّ، فإنَّ معنى الأول: عن النبأ العظيم أم عن غيره؟ والبدلُ لا يطابقه أُعيدَ الاستفهامُ أو لا. وقال الخفاجيُّ(٢): البدليةُ جائزةٌ، ولا يلزم إعادة الاستفهام؛ لأنَّه غيرُ حقيقيٍّ، ولا أن يكون البدلُ عينَ الأول؛ لجواز كونِه بدلَ بعضٍ. وقيل: هو متعلّقٌ بـ ((يتساءلون)) المذكور، و((عمَّ)) متعلِّقٌ بمضمرٍ مفسَّرٍ به. وأيّد (١) في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٩٤. (٢) في حاشيته ٣٠١/٨. سُوَّةُ النَّبَإِ ٢٠٠ الآية : ٣ ذلك بقراءة الضحاك ويعقوب وابن كثير في رواية: ((عمَّه)) بهاء السكت(١)، ووجهُه أنَّه على الوقف. وهو يدلُّ على أنَّه غيرُ متعلِّق بالمذكور؛ لأنه لا يحسنُ الوقف بين الجارِّ والمجرور ومتعلَّقه؛ لعدم تمام الكلام. ولعلَّ مَنْ ذهب إلى الأول يقول: إنَّ إلحاقَ الهاء مبنيٌّ على إجراء الوصل مجرى الوقف. وقيل: ((عن)) الأولى للتعليل، وهي والثانية متعلِّقتان بـ ((يتساءلون)) المذكور، كأنَّه قيل: لم يتساءلون عن النبأ العظيم. ونقله ابنُ عطية (٢) عن أكثر النحاة. وقيل: ((عن النبأ)) متعلُّقٌ بمحذوف، وهناك استفهامٌ مضمر، كأنه قيل: عمَّ يتساءلون، أيتساءلون عن النبأ العظيم؟ ووصفُ النبأ - وهو الخبر الذي له شأنٌ - بالعظيم لتأكيد خطره، ووصفُه بقوله للمبالغة في ذلك، والإشعارِ بمدار التساؤل عنه. سبحانه: ﴿الَّذِى هُ فِيهِ مُخْلِفُونَ و((فيه)) متعلّقٌ بـ ((مختلفون))، قُدّم عليه اهتماماً به ورعايةً للفواصل. وجعل الصلة جملةً اسمية للدلالة على الثبات، أي: هم راسخون في الاختلاف فيه، فمن جازمٍ باستحالته يقول: ﴿إِنّ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ إلخ [المؤمنون: ٣٧]، وشاٌ يقول: ﴿مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن تَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقيل: منهم من ينكر المَعَادَيْن معاً كهؤلاء، ومنهم من ينكر المعاد الجسمانيَّ فقط، کجمهور النصارى. وقد حمل الاختلاف على الاختلاف في كيفية الإنكار، فمنهم مَنْ ينكره لإنكاره الصانعَ المختارَ تعالى شأنه، ومنهم مَنْ ينكره بناءً على استحالة إعادة المعدوم بعينه. وقيل: الاختلافُ بالإقرار والإنكار، أو بزيادة الخشية والاستهزاء، على أنَّ ضمير ((يتساءلون)) وضمير ((هم)) للناس عامةً. وقيل: يجوز أن يكون الاختلافُ بالإقرار والإنكار، على كون ضمير ((يتساءلون)) للكفار أيضاً، بأن يجعل ضمير ((هم)) للسائلين والمسؤولين. (١) النشر ١٣٤/٢، والبحر ٤١٠/٨. (٢) في المحرر الوجيز ٤٢٣/٥ .