Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٢١
١٦١
سُورَةُ الإِنْشِّنْاِ
صفاءٌ ولا ماءٌ ولُظْفٌ ولا هوَى وَنُورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جِسْمُ(١)
ولعلَّ كلّ ما ذكره ابنُ الفارض في خمريَّته التي لم يُفْرَغْ مِثْلها في كأسٍ إشارةٌ
إلى هذا الشراب، وإِيَّاه عنى بقوله:
سَقَوْني وقالوا لا تُغَنِّ ولو سَقَوْا
جبالَ حنينٍ ما سَقَوني لَغَنَّتِ(٢)
ويُحكى أنَّه سئل أبو يزيد عن هذه الآية، فقال: سقاهم شراباً طهّرهم به عن
محبّة غيرِهِ، ثم قال: إنَّ تعالى شراباً اذَّخره لأفاضل عباده يتولَّى سقيهم إيَّه، فإذا
شربوا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا، وإذا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتَّصلوا، فهم
في ﴿مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
وحمل بعضهم جميع الأشربة على غير المتبادر منها، فقال: إنَّ الأنوار الفائضة
مِن جواهر أكابر الملائكة وعظمائهم عليهم السلام على هذه الأرواح، مشبّهة بالماء
العذب الذي يزيل العطش ويقوِّي البَدَن، وكما أنَّ العيونَ متفاوتة في الصفاء
والكثرة والقوّة، فكذا ينابيع الأنوار العلويَّة مختلفة، فبعضها كافوريَّة على طبع البَرْد
واليُيْس ويكون صاحب ذلك في الدنيا في مقام الحزن والبكاء والانقباض، وبعضها
يكون زَنْجَبِيليًّا على طبع الحَرِّ واليبس ويكون صاحبه قليل الالتفات إلى السوى،
قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات، ثم لا يزال الروح البشري منتقلاً مِن ينبوع
إلى ينبوع ومن نور إلى نور، ولا شَكَّ أنَّ الأسباب والمسبّبات متناهية في ارتقائها
إلى واجب الوجود الذي هو النور المُطلَق جلَّ جلاله، فإذا وصل إلى ذلك المقام
وشرب ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربةُ المتقدِّمة، بل فنيت؛ لأنَّ نورٌ
ما سوى الله تعالی یَضمحلُّ في مقابلة نورٍ جلال الله سبحانه وکبریائه، وذلك آخِر
سَيْرِ الصِّدِّيقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء والكمال، ولهذا ختم الله تعالى ذِكْرٌ
ثواب الأبرار بقوله جلَّ وعلا: ((وسقاهم ربُّهم شراباً طهوراً)).
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٤٢، وسلف ٣٢٧/١.
(٢) حاشية الشهاب ٢٩٢/٨، وفيه: لا تَغيين، بدل: لا تغنٌّ، و: لغابت، بدل: لغنَّت. وهو
برواية المصنف في الكشكول ٧٧/١، ونسبه للحلاج. ونُسب لشيخ سكِّير ضمن قصة
أخرجها ابن عساكر ١٨٩/٦٨ عن عمر بن عبد العزيز.

سُوَرَةُ الإِنْتَّنْاِ
١٦٢
الآية : ٢٢
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي ذكر مِن فنون الكرامات الجليلة الشأن ﴿ كَانَ لَكُمْ جَزَآءَ﴾ بمقابلة
أعمالكم الصالحة التي اقتضاها حُسْنُ استعدادكم واختياركم، والظاهر أنَّ المَجِيْءَ
بالفعل للتحقيق والدوام، وجوّز أن يكون المراد: كان في علمي وحكمي، وكذا في
﴾ أي: مرضيًّا مقبولاً، أو: مجازى عليه غير
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ سَعْبُّكُم مَشْكُورًا
مضيَّع.
والكلام على ما روي عن ابن عباس على إضمار القول، أي: ويقال لهم بعد
دخولهم الجنَّةَ ومشاهدتهم ما أعدَّ لهم: إنَّ هذا .. إلخ، والغَرَض أن يَزْداد
سرورُهم، فإنَّه يقال للمعاقب: هذا بعملك الرَّدِيء، فيزداد غمُّه، وللمثاب: هذا
بطاعتك وعَمَلك الحَسَن، فيزداد سروره، ويكون ذلك تهنئةً له.
وجوّز أن يكون خطاباً من الله تعالى في الدنيا، كأنَّه سبحانه بعد أن شرح ثواب
أهل الجنة، قال: إنَّ هذا كان في عِلْمي وحكمي جزاءً لكم يا معشر عبادي، وكان
سعيكم مشكوراً. قيل: وهو لا يُغني عن الإضمار ليرتبطً بما قبله.
وقد ذكر سبحانه مِن الجزاء ما تهشُّ له الألباب، وأعقبه جلَّ وعلا بما يدلُّ
على الرضا الذي هو أعلى وأغلى لدى الأحباب:
إذا كنتَ عنِّي يا مُنَى القلبِ راضياً أرى كلَّ مَن في الكون لي يَتَبَسَّمُ (١)
وروي مِن طرق أنَّ رسول الله وَّةِ قرأ هذه السورةَ وقد أُنزلت عليه وعنده رجلٌ
مِن الحبشة أسودُ، فلمَّا بلغ صفةَ الجنان زَفَرَ زفرةً خرجت نَفْسُه، فقال
رسول الله وَلي: ((أَخرِجَ نَفْسَ صاحبكم الشوقُ إلى الجنَّةُ))(٢).
ولمَّا ذكر سبحانه أوَّلاً حالَ الإنسان وقَسَمه إلى الطائع والعاصي، وأمعن جلَّ
شأنه فيما أعدَّه للطائع مشيراً إلى عِظَم سعة الرحمة، ذَكَّرَ ما شرف به نبيّهِوَّهِ إزالةً
(١) البيت سلف ٤٣٠/١٠.
(٢) أخرجه عبد الله بن وهب من طريق ابن زيد عن النبي وَطير، كما ذكر ابن كثير في أول
السورة، ثم قال عقبه: مرسل غريب. وجاء في هامش الأصل: يتخايل من هذا أن السورة
مدنيّة، فلا تغفل. انتھی منه.

الآية : ٢٣ - ٢٤
١٦٣
سُورَةُ الإِنَِّْ
لوحشته وتقويةً لقلبه، فقال عزَّ قائلاً: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا (®﴾ أي:
أنزلناه مفرَّقاً منجَّماً في نحو ثلاث وعشرين سنة لِحكم بالغة مقتضية له، لا غَيْرُنا
كما يُعرِب عنه تكرير الضمير مع ((إنَّ))، سواء كان المنفصل تأكيداً أو فصلاً أو
مبتدأ .
﴿فَأَصْبِرْ لِمُكِّرِ رَبِّكَ﴾ بتأخير نَصْرك على الكفار، فإنَّ له عاقبة حميدة ﴿وَلَا تُطِعْ﴾
قيل :
قلَّةَ صبرٍ منك على أذاهم وضَجَراً من تأخّر نصرك ﴿مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (وَيَـ
إنَّ ((أو)) لأحد الشيئين في جميع مواقعها، ويَعرِض لها معانٍ أُخَر كالشَّكِّ والإباحة
وغيرهما، فيكون أصل المعنى هنا: ولا تُطِع منهم أحدَ النوعين، ولمَّا كان: أحد،
الأغلبُ عليه في غير الإثبات العمومُ، واحتمالُ غيره احتمالٌ مرجوح، صار المعنى
على النهي عن إطاعة هذا وهذا، ولم يُؤْتَ بالواو؛ لاحتمال الكلام عليه النهيَ عن
المجموعٌ، ويحصل امتثاله بالانتهاء عن واحدٍ دون الآخَر، فلا يَرِدُ أن لا تطع (١)
أحدَ النوعين، يحصل الامتثال به بتَرْك إطاعة واحدٍ مع إطاعة الآخَر، إذ يقال لمن
فَعَلَ ذلك: إنَّه لم يُطِعْ أحدهما، ومن هنا قيل: إنَّ((أو)) في الإثبات تفيد أحدَ
الأمرين، وفي النفي تفيد نفيَ كلا الأمرين جميعاً، ولعلَّ ما ذكر في معنى كلام ابنٍ
الحاجب حيث قال: إن وضع ((أو)) لإثبات الحكم لأحد الأمرين إلا أنَّه إن حصلت
قرينة يُفْهَم معها أنَّ أحدَ الأمرين غيرُ حاجر عن الآخَر، مثل قولك: جَالِسِ الحسنَ
أو ابنَ سيرين، سُمِّي إباحة، وإن حُجِرَ فهو لأحد الأمرين.
واستشكل بعضهم وقوعَها في النهي كـ: ((لا تطع منهم آثماً أو كفوراً))، إذ لو
انتهى عن أحدِهما لم يمتثل، ومن ثمَّ حَمَلها بعضهم - يعني أبا عبيدة - على أنَّها
بمعنى الواو(٢)، والأولى أن تبقى على بابها، وإنَّما جاء التعميم فيها مِن وراء
ذلك، وهو النهي الذي فيه معنى النفي؛ لأنَّ المعنى قبل وجود النهي: تطيع آثماً أو
كفوراً، أي: واحداً منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتاً في المعنى،
فيصير المعنى: ولا تطع واحداً منهما، فيجيء التعميمُ فيهما من جهة النهي، وهي
(١) في (م): تطلع.
(٢) مجاز القرآن ٢/ ٢٨٠.

سُورَةُ الإِنْسِّناِ
١٦٤
الآية : ٢٤
على بابها فيما ذكر؛ لأنَّه لا يَحصُل الانتهاء عن أحدِهما حتى ينتهي عنهما،
بخلاف الإثبات فإنَّه قد يفعلُ أحدهما دون الآخر. انتهى. وعليه ما قيل: إنَّ إفادة
العموم في النفي والنهي الذي في معناه لِمَا أنَّ نقيضَ الإيجاب الجزئي السَّلبُ
الكليُّ، وقريب مِن ذلك قول الزجَّاج (١): إنَّ ((أو)) هاهنا أوكد من الواو؛ لأنَّك إذا
قلتَ: لا تطع زيداً وعَمْراً، فأطاع أحدَهما، كان غيرَ عاصٍ، فإذا أبدلتها بـ ((أو)
فقد دَلَلت على أنَّ كلَّ واحد منهما أهلٌ لأَن يُعصى، ويعلم منه النهي عن
إطاعتهما معاً كما لا يخفى، وأفاد جار الله(٢) أنَّ ((أو) باقية على حقيقتها، وأنَّ
النهي عن إطاعتهما جميعاً إنَّما جاء من دلالة النَّصِّ، وهي المسمَّى مفهوم الموافقة
بقسمَيْه الأولى والمساوي، فتأمَّل.
والمراد بالآثم والكفور جنسهما، وتعليقُ النهي بذلك مُشعِر بعليَّة الوصفَيْن
له، فلا بُدَّ أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر لا فيما ليس بإثم
ولا كفر، والمراد: ولا تُطِع مُرتكبَ الإثم الداعي لك إليه، أو مرتكبَ الكفر
الداعي إليه، أي: لا تتبع أحداً مِن الآثم إذا دعاك إلى الإثم، ومن الكفور إذا
دعاك إلى الكفر، فإنَّه إذا قيل: لا تُطِع الظالم، فُهمَ منه: لا تتبعه في الظلم إذا
دعاكَ إليه، ومَنْعُ هذا الفهم مكابَرةٌ، فلا يتُّ الاستدلال بالآية على عدم جواز
الاقتداء بالفاسق إذا صلَّى إماماً، ثم إنَّ التقسيمَ باعتبار ما يَدْعُوانِ إليه مِن الكفر
والإثم المقابل له، لا باعتبار الذوات حتى يكون بعضهم آثماً وبعضهم كفوراً،
فيقال: كيف ذلك وكلُّهم كَفَرة؟!
والمبالغة في كفور قيل: لموافقة الواقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأ
أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] واعتبار رجوعها إلى النهي كاعتبار رجوعها إلى
النفي على ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] كما ترى.
وقيل: الآثِم: المنافق، والكفور: المُشرِك المجاهر. وقيل: الآثم: عتبة بنُ
ربيعة، والكفور: الوليد بن المغيرة؛ لأنَّ عتبة كان ركاباً للمآثم متعاطياً لأنواع
(١) معاني القرآن وإعرابه ٢٦٣/٥.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٠.

الآية : ٢٥ - ٢٦
١٦٥
سُورَةُ الإِنْشِّنَاءِ
الفسوق، وكان الوليد غالياً في الكفر شديدَ الشكيمة في العُتُوِّ. وعن مقاتل:
أنَّهما قالا له وَّ: ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيكَ بالمال والتزويج، فنزلت.
وقيل: الكفور: أبو جهل، والآية نزلت فيه. والأَولى ما تقدَّم، وفي النهي مع
العصمة إرشاد لغير المعصوم إلى التضرُّع إلى الله تعالى والرغبة إليه سبحانه في
الحفظ عن الوقوع فيما لا ينبغي.
ودَاوِمْ على ذِكْرِه سبحانه في جميع
٢٥]
﴿وَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا (
الأوقات، أو دُمْ على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإنَّ الأصيل قد يُطلَق على
ما بعدَ الزوال إلى المغرب فينتظمهما .
﴿وَمِنَ الَِّلِ﴾ أي: بعضه ﴿فَأَسْجُدْ﴾ فَصَلِّ ﴿لَهُ﴾ عزَّ وجلَّ، على أن السجودَ
مجازٌ عن الصلاة بِذِكْر الجزءِ وإرادةِ الكُلِّ، وحُمِلَ ذلك على صلاة المغرب
والعشاء، وتقديمُ الظَّرْف للاعتناء والاهتمام؛ لما في صلاة الليلِ مِن مزيد كُلْفة
وخلوص.
٣٦
وتهجَّد له تعالى قطعاً من الليل طويلاً، فهو أمر
﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
بالتهجّد على ما اختاره بعضهم، وتنوين ((ليلاً)) للتبعيض، وأصلُ التسبيحِ التنزيهُ،
ويُطلَق على مُطلَق العبادة القوليَّة والفعليَّة، وعن ابن زيد وغيره أنَّ ذلك كان فَرْضاً
ونُسخَ، فلا فرض اليوم إلا الخَمْس. وقال قوم: هو مُحكَم في شأنه عليه الصلاة
والسلام. وقال آخرون: هو كذلك مطلقاً على وجه الندب. وفي تأخير الظرف
قيل: دلالةٌ على أنَّه ليس بفَرْض كالذي قبله، وكذا في التعبير عنه بالتسبيح، وفيه
نظر ! .
وقال الطيبيُّ: الأقرب مِن حيث النظم أنَّه تعالى لمَّا نهى حبيبَه ◌َّر عن إطاعة
الآئِم والكفورٍ وحثَّه على الصبر على أذاهم وإفراطهم في العداوة، وأراد سبحانه
أن يُرشِدَه إلى متاركتهم، عقَّب ذلك بالأمر باستغراقٍ أوقاته بالعبادة ليلاً ونهاراً
بالصلوات كلِّها مِن غير اختصاص، وبالتسبيح بما يُطيق على منوال قولِه تعالى:
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَّكَ وَّكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ﴾
﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
[الحجر: ٩٧-٩٨] انتهى. وهو حَسَن.

سُورَةُ الإِنْسِنِ
١٦٦
الآية : ٢٧ - ٢٨
﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ﴾ الكفرة ﴿يُحُبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ وينهمكونَ في لذَّاتها الفانية ﴿وَيَذَرُونَ
وَرَآءَهُمْ﴾ أي: أمامهم ﴿يَوْمًا ثَّقِيلًا ﴾﴾ هو يوم القيامة، وكونه أمامهم ظاهرٌ، أو:
يذرون وراءَ ظهورِهم يوماً ثقيلاً لا يَعْبَؤون به، فالظرف قيل: على الأول حالٌ من
(يوماً))، وعلى هذا ظرف ((يذرون))، ولو جُعلَ على وتيرة واحدة في التعلُّق صحَّ أيضاً .
ووصفُ اليوم بالثقيل؛ لتشبيه شدَّته وهَوْله بثِقَل شيء فادح(١) باهظ لحاملِه
بطريق الاستعارة. والجملة كالتعليل لما أمرَ به ونهى عنه، كأنَّه قيل: لا تُطِعْهم
واشتغل بالأهمِّ من العبادة؛ لأنَّ هؤلاء تركوا الآخرةَ للدنيا، فاتْرُك أنتَ
الدنيا وأهلها للآخرة، وقيل: إنَّ هذا يفيد ترهيبَ محبِّ العاجل وترغيبَ محبٍّ
الآجل، والأوَّل علَّة للنهي عن إطاعة الآثم والكفور، والثاني علَّة للأمر بالعبادة.
﴿أَعْنُ خَلَقْتَهُمْ﴾ لا غيرنا ﴿وَشَدَدْنَّا أَسْرَهُمّ﴾ أي: أَحْكَمْنا رَبْطَ مفاصلهم
بالأعصاب والعُرُوق. والأسر في الأصل: الشَّدُّ والرَّبْط، وأطلق على ما يُشَدُّ به
ويُربَط كما هنا، وإرادة الأعصاب والعُرُوق لشَبَهها بالحبال المربوط بها، ووجه
الشَّبَه ظاهر، ومِن هنا قد يقول العارف: مَن كان أَسْرُه مِن ذاته وسجنه دنياه في
حياته، فَلْيَبَكِ(٢) مدَّة عُمُره وليتأسَّف على وجوده بأسره. والمراد شدَّة الخَلْق وكونه
مُوثقاً حَسَناً، ومنه: فرس مأسور الخَلْق: إذا كان موثَّقَه حَسَنه.
وعن مجاهد: الأسْرُ: الشَّرْج. وفسّر بمجرى الفضلة، وشدُّ ذلك جَعْلُه بحيث
إذا خرج الأذى انقبضَ، ولا يخفى أنَّ هذا داخل في شدَّة الخَلْقِ، وكونه موثقاً
حَسَناً .
﴿وَإِذَا بِشِئْنَا بَدَّلْنَاً أَمَلَهُمْ﴾ أي: أهلكناهم وبدَّلنا أمثالهم في شدَّة الخَلْق
بديعاً لا ريب فيه، يعني البعثَ والنشأة الأخرى، فالتبديل في
٢٨
﴿َبْدِيلًا ﴿
الصفات؛ لأنَّ المعادَ هو المبتدأ، ولكون الأمر محقَّقاً كائناً جِيْءَ بـ ((إذا))، وذِكْر
المشيئة لإبهام وقته، ومثلُه شائع، كما يقول العظيمُ لمن يسأله الإنعام: إذا شئت
أُحسنُ إليكَ.
(١) في (م): قادح.
(٢) في الأصل و(م): فليشك. والمثبت من حاشية الشهاب ٢٩٤/٨، والكلام منه.

الآية : ٢٩ - ٣٠
١٦٧
سُورَةُ الإِنسَّتْلِ
ويجوز أن يكون المعنى: وإذا شئنا أهلكناهم وبدَّلنا غيرهم ممَّن يُطیع،
فالتبديل في الذوات، و((إذا)) لتحقُّق قدرتُه تعالى عليه وتحقُّق ما يقتضيه مِن كفرهم
المقتضي لاستئصالهم، فجعل ذلك المقدور المهدّد به كالمحقّق، وعبّر عنه بما يُعبَّر
به عنه. ولعلَّه الذي أراده الزمخشريُّ(١) بما نُقُلَ عنه مِن قوله: إنَّما جاز ذلك؛ لأنَّه
وعيدٌ جِيْءَ به على سبيل المبالغة، كأنَّ له وقتاً معيّناً، ولا يعترض عليه بقوله
تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] لأنَّ النكات لا يلزم اطِّرادها،
فافهم، والوجه الأوَّل أوفقُ بسياق النظم الجليل.
﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ﴾ إشارة إلى السورة أو الآيات القرآنية ﴿فَمَن شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ،
أي: فمَن شاء أن يتّخذ إليه تعالى سبيلاً - أي: وسيلةً تُوصِله إلى
٢٩
سَبِيلًا
ثوابِهِ - اتّخَذَه، أي: تقرَّب إليه بالطاعة، فهي تُوْصِلُ إيصالَ (٢) السبيلِ للمقاصد.
﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ أي: شيئاً، أو اتّخاذ السبيل ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا وقت
مشيئة الله تعالى لمشيئتكم. وقال الزمخشريُّ: أي: وما تشاؤون الطاعةً إلا أن
يشاء الله تعالى قَسْركم عليها(٣). وهو تحريفٌ للآية بلا دليل، ويلزمه على ما في
((الانتصاف))(٤) أنَّ مشيئةَ العبدِ لا توجد إلا إذا انتفت، وهو عن مذهب الاعتزال
بمعزلٍ، وأبعد مَنْزِل. والظاهر ما قرَّرنا؛ لأنَّ المفعول المحذوف هو المذكور أوَّلاً
كما تقول: لو شئت لقتلتُ زيداً، أي: لو شئتَ القتلَ لا لو شئت زيداً، ولا يمكن
للمعتزلة أن ينازعوا أهلَّ الحقِّ في ذلك؛ لأنَّ المشيئةَ ليست من الأفعال
الاختياريَّة، وإلا لتَسَلْسلَت، بل الفعل المقرون بها منها، فدعوى استقلالٍ
العبد مكابرة، وكذلك دعوى الجَبْر المُطلَق مهاترة، والأمر بين الأمرين لإثبات
المشيئتين، وحاصله على ما حقَّقه الكورانيُّ: أنَّ العبدَ مختارٌ في أفعاله، وغيرُ
مختار في اختياره، والثواب والعقاب لحُسْنِ استعداد النفس الأمري وسوئه، فكلٌّ
يعمل على شاكلته، وسبحان مَن أعطى كلَّ شيء خَلْقه ثم هدى.
(١) الكشاف ٢٠١/٤، والكلام من حاشية الشهاب ٨/ ٢٩٤.
(٢) في (م): أيضاً.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٠١.
(٤) ٢٠١/٤.

سُورَةُ الإِنَّنا
١٦٨
الآية : ٣٠
وفي ((التفسير الكبير))(١): هذه الآية مِن الآيات التي تلاطمت فيها أمواج القَدَر
والجَبْر، فالقدريُّ يتمسَّك بالجملة الأولى، ويقول: إنَّ مفادها كون مشيئة العبدِ
مستلزمة للفعل، وهو مذهبي، والجبريُّ يتمسَّك بضمِّ الجملة الثانية، ويقول: إنَّ
مفادها أنَّ مشيئةَ الله تعالى مستلزمةٌ لمشيئة العبد، فيتحصّل من الجملتين أنَّ
مشيئةَ الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد، وأنَّ مشيئةَ العبد مستلزمةٌ لفعل العبد،
كما تُؤذِن به الشرطيَّة، فإذن مشيئةُ الله تعالى مستلزمةٌ لفعل العبد؛ لأنَّ مُستلزَمَ
المستلزمٍ مُستلزم، وذلك هو الجبر وهو صريح مذهبي.
وتعقّب بأنَّ هذا ليس بالجبر المحضِ المسلوب معه الاختيار بالكليَّة، بل يرجع
أيضاً إلى أمر بين أمرين.
وقدَّر بعضُ الأجلَّة مفعولَ ((يشاء)) الاتخاذ والتحصيل ردًّا للكلام على الصدر،
فقال: إنَّ قوله سبحانه: ((وما تشاؤون)) إلخ تحقيقٌ للحقِّ ببيانِ أنَّ مجرَّدَ مشيئتهم غيرُ
كافية في اتخاذ السبيل، كما هو المفهوم مِن ظاهر الشرطيّة، أي: وما تشاؤون
اتّخاذ السبيل ولا تقدرونَ على تحصيله في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى
اتّخاذَه وتحصيله لكم، إذ لا دخلَ لمشيئة العبد إلا في الكسب، وإنَّما التأثير
والخَلْقِ لمشيئة الله عزَّ وجلَّ.
وفيه نوعُ مخالفةٍ للظاهر كما لا يخفى، نعم قيل: إنَّ ظاهر الشرطيّة أنَّ مشيئةً
العبد مطلقاً مستلزمةٌ للفعل، فيلزم أنَّه متى شاء فعلاً فَعَلَه مع أنَّ الواقعَ خلافه فلا بُدَّ
مما قاله هذا البعض، وجعل الجملة الثانية تحقيقاً للحقّ؟ وأجيب بأنَّها للتحقيق
على وجه آخَر، وذلك أنَّ الأولى أَفهمت الاستلزام، والثانية بيّنت أنَّ هذه المشيئةً
المستلزمة لا تتحقَّق إلا وقت مشيئة الله تعالى إيَّها، فكأنَّه قيل: وما تشاؤون مشيئةً
تستلزم الفعل إلا وقت أن يشاء الله تعالى مشيئتكم تلك، فتأمَّل.
وأنتَ تَعلمُ أنَّ هذه المسألة من محار الأفهام، ومزالٌ أقدام أقوام بعد أقوام،
وأقوى شُبَه الجبريَّة أنَّه قد تقرَّر أنَّ الشيءَ ما لم يَجِبْ لم يوجد، فإن وجب صدور
(١) ٢٦٢/٣٠.

الآية : ٣٠
١٦٩
سُؤَدَّةُ الإِنْسِِّ
الفعل فلا اختيارَ، وإلا فلا صدورَ، وبعبارة أخرى أنَّ جميع ما يتوقّف عليه الفعلُ
إذا تحقَّق، فإما أن يلزم الفعل فيلزم الاضطرار، أو لا، فيلزم جواز تخلُّف المعلول
عن علَّته التامَّة، بل مع الصدور الترجّح بلا مرجِّح، فقد قيل: إنَّها نحو شبهة ابنٍ
كمونة في التوحيد يصعب التفصِّي عنها، وللفقير العاجز - جَبَرَ الله تعالى فَقْره ويسَّر
أَمْرَه - عزمٌ على تأليف رسالة إن شاء الله تعالى في ذلك سالكاً فيها بتوفيقه سبحانه
أحسنَ المسالك، وإن كان الكورانيُّ قدِّس سرُّه لم يَدَعْ فيها مقالاً، وأوشكَ أن يَدَعَ
كلَّ مَن جاء بعدُ فيها بشيءٍ عليه عيالاً، والله تعالى الموقّق.
وقرأ العربيَّان وابنُ كثير: ((وما يشاؤون)) بياء الغيبة (١)، وقرأ ابنُ مسعود:
((إلا ما يشاء الله))(٢)، و((ما)) فيه مصدريَّة كـ ((أنْ)) في قراءة الجماعة، وقد أشرنا إلى
أنَّ المصدرَ في محلٌّ نصب على الظرفيَّة بتقدير المضاف السادِّ هو مسدَّه، وهو
ما اختاره غيرُ واحد، وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّهم نصُّوا على أنَّه لا يقوم مقامَ الظَّرْف
إلا المصدر المصرّح، فلا يجوز: أَجِيْتُكَ أن يصيحَ الديكُ، أو: ما يصيح الديكُ،
وإنَّما يجوز: أجيئكَ صياحَ الديك(٣). وكأنَّه لهذا قيل: إنَّ ((أنْ يشاء)) بتقدير حرف
الجرِّ، والاستثناء من أعمِّ الأسباب، أي: وما تشاؤون بسببٍ من الأسباب إلا بأن
يشاءَ الله تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ مبالغاً في العِلْم، فيَعلم مشيئاتِ العباد المتعلّقة بالأفعال
مبالغاً في الحكمة، فيُقيض على كلِّ
التي سألوها بألسنة استعداداتهم ﴿حَكِيمًا ﴾﴾
ما هو الأوفق باستعدادِهِ، وما هو عليه في نفس الأمر من المشيئة، أو أنَّه تعالى
مبالغ في العِلْم والحكمة فيعلمُ ما يستأهله كلُّ أحدٍ من الطاعة وخلافها، فلا يشاء
لهم إلا ما يستدعيه عِلْمه سبحانه وتقتضيه حكمته عزَّ وجلَّ.
وقيل: ((عليماً)) أي: يعلم ما يتعلَّق به مشيئة العباد مِن الأعمال، ((حكيماً))
لا يشاء إلا على وفق حكمته، وهو أن يشاء العبد فيشاء الرَّبُّ سبحانه وتعالى،
(١) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢، والبحر المحيط ٤٠١/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٦، والبحر المحيط ٤٠١/٨.
(٣) البحر ٨/ ٤٠٢.

سُورَةُ الإِنْسَّنَلِ
١٧٠
الآية : ٣١
لا العكس؛ ليتأتَى التكليفُ مِن غير انفرادٍ لأحد المشيئتين عن الأخرى. وفيه
بحث.
وقوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ،﴾ إلخ، بيانٌ لما تضمَّنته الجملة قَبْلُ،
أي: يُدخِل سبحانه في رحمته مَن يشاء أن يُدخِله فيها، وهو الذي عَلِمَ فيه الخيرَ
حيث يوفِّقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة.
﴿وَلَّلِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم، وهم الذين عَلِمَ فيهم الشَّرَّ ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيًّا
٣١
متناهياً في الإيلام، ونصب ((الظالمين)) بإضمار فِعْلٍ يفسِّره ((أعدَّ)) إلخ، وقُدِّر:
يُعذّب، وقد يُقدّر: أَوْعَدَ، أو: كافَأَ، أو شبه ذلك، ولم يُقدّر ((أعدّ)) لأنَّه لا يتعدَّى
[بنفسه بل](١) باللام.
وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة: ((والظالمون))(٢) على الابتداء،
وقراءة الجمهور أحسن - وإن أوجبت تقديراً - للطباق فيها، وذهابِه في هذه؛ إذ
الجملة عليها اسميَّة، والأولى فعليَّة، ولا يقال: زيادة التأكيد في طرف الوعيد
مطلوبةٌ؛ لأنَّا نقول: الأمر بالعكس لو حقِّق، لسبق الرحمة الغضب.
وقرأ عبد الله: ((وللظالمين)) بلام الجَرِّ(٣)، فقيل: متعلّق بما بعدُ على سبيل
التوكيد، وقيل: هو بتقدير: أعدَّ للظالمينَ أعدَّ لهم، والجمهور على الأوَّل.
ثمّ إنَّ هذه السورة وإن تضمَّنت مِن سَعَة رحمة الله عزَّ وجلَّ ما تضمَّنت إلا أنَّها
أشارت مِن عظيم جلاله سبحانه وتعالى إلى ما أشارت، أخرج أحمد
والترمذي - وحسّنه - وابن ماجه والضياء في ((المختارة))، والحاكم وصححه،
وغيرهم: عن أبي ذَرِّ قال: قرأ رسولُ اللهِ وَّ: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ حتى ختمها،
ثم قال: ((إني أرى ما لا تَرونَ وأسمع ما لا تسمعونَ، أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن
تَبِطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابع إلا وملك واضحٌ جبهته ساجداً تعالى، واللهِ لو
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٩٤/٨، والكلام منه.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٦، والبحر المحيط ٤٠٢/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٦ (وتحرف في مطبوعه إلى: والظالمين)، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٢.

الآية : ٣١
١٧١
سُورَةُ الإِنسِِّ
تعلمونَ ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذَّذتم بالنساء على الفُرُش،
ولخرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَرون إلى الله عزَّ وجلَّ))(١). وهذا كالظاهر فيما قلنا،
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الأبرار والمقرَّبين الأخيار فيرزقنا جنَّة وحريراً،
ويجعل سعينا لديه مشكوراً بحرمة النبيِّ وَّهُ وأهل بيته المُطَهَّرين مِن الرجس
تطهيراً .
(١) أحمد (٢١٥١٦)، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠).

سُورَةُ المُرسِلَاتِ
وتُسمَّى: سورة العُرْف، وهي مكِّيَّة فقد أخرج البخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن
مردويه عن ابن مسعود، قال: بينما نحن مع النبيِّ وَّر في غارٍ بمنىّ إذ نزلت عليه
سورة: ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفً ﴾ فإنَّه ليتلوها وإِّي لأتلقَّاها مِن فِيْهِ، وإنَّ فاه لرَظْبٌ بها،
إذ خرجت علينا حيَّةٌ، فقال النبيُّ ◌َّر: ((اقتلوها)) فابتدرناها فسبقتنا، فدخلت
جُخْرها، فقال رسول الله وَّهِ: ((وُقِيَتْ شرَّكم كما وُقْيِتُم شرَّها))(١).
وعن ابنِ عباس وقتادة ومقاتل أنَّ فيها آيَةً مدنيّةً، وهي: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَزْكَعُواْ لَا
﴾، وظاهرُ حديث ابنِ مسعود هذا عدمُ استثناء ذلك، وأظهر منه
٤٨
يَّكَعُونَ
ما أخرجه الحاكم - وصحَّحه - وابنُ مردويه عنه أيضاً قال: كنَّا مع النبيِّ وَّ في
غارٍ، فنزلت عليه: ((والمرسلات)) فأخَذْتُها مِن فِيْهِ، وإنَّ فاهُ لرَظْبٌ بها، فلا أدري
بأيِّها ختم: ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾(٢).
وآيُها خمسون آيةً بلا خلاف. ومناسَبَتُها لِمَا قبلها أنَّه سبحانه لمَّا قال فيما قَبْلُ:
﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾ إلخ، افتتح هذه بالإقسام على ما يدلُّ على تحقيقه وذِكْر
وقته وأَشراطه.
وقيل: إنَّه سبحانه أَقْسَم على تحقيق جميع ما تضمَّنته السورةُ قَبْلُ مِن وعيد
الكافرين الفجَّار، ووَعْد المؤمنين الأبرار، فقال عزَّ مِن قائل:
(١) البخاري (١٨٣٠)، ومسلم (٢٢٣٤)، والنسائي في المجتبى ٢٠٨/٥ وفي الكبرى (٣٨٥٢)
و(٣٨٥٣)، والدر المنثور ٣٠٢/٦ والكلام منه.
(٢) المستدرك ٢٥١/٢، والدر المنثور ٣٠٢/٦ والكلام منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٥٧٤)،
وابن حبان (٧٠٧).

الآية : ١ - ٥
١٧٣
سُورَةُ المُرسِلَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَالْمُلْقِيَتِ
٤
فَالْعَصِفَتِ عَصْفَا ﴿ وَالتَّشِرَتِ نَشْرَ ﴿﴿ فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا
﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا
﴾﴾ قيل: أَقسم سبحانه بمَن اختاره مِن الملائكة عليهم السلام على ما أخرجه
ذِكْرًا
عبد بن حميد عن مجاهد، فقيل: المرسلات والعاصفات طوائفُ، والناشرات
والفارقات والمُلقِيات طوائف أخرى، فالأُولى طوائفُ أُرْسِلْنَ بأمرِه تعالى وأُمِرنَ
بإنفاذه، فعصفن في المضيِّ وأَسرعن كما تَعصف الرِّيْحُ تخفُّفاً في امتثال الأمر
وإيقاع العذاب بالكفرة؛ إنقاذاً للأنبياء عليهم السلام، ونصرةً لهم، والثانية طوائفُ
نَشَرْنَ أجنحتهنَّ في الجوِّ عند انحطاطهنَّ بالوحي، فَفَرقنَ بين الحقِّ والباطل، فَأَلْقَين
ذِكْراً إلى الأنبياء عليهم السلام، ولعلَّ مَن يُلقي الذِّكْرَ لهم غيرُ مختصّ بجبريل عليه
السلام، بل هو رئيسهم، ويُرشِد إلى هذا حديثُ الرَّصَد(١)، وفي بعض الآثار: نزل
إليَّ مَلَكٌ بألوكة (٢) مِن ربِّي، فوضع رِجْلاً في السماء، وثنى الأخرى بين يديَّ.
فـ ((المرسلات)) صفة لمحذوف، والمراد: وكلّ طائفةٍ مُرسَلة، وكذا
((الناشرات))، ونُصبَ ((عرفاً)) على الحال، والمراد: متتابعةً، وكأن الأصل:
والمرسلات متتابعة كالعُرْف، وهو عُرْف الدابَّة كالفرس والضَّبُع، أعني: الشَّعَرَ
المعروف على قَفاها، فحذف متتابعة؛ لدلالة التشبيه عليه، ثم حذف أداةَ التشبيه
مبالغةً، ومن هذا قولهم: جاؤوا عُرْفاً واحداً، إذا جاؤوا يَتْبع بعضهم بعضاً، و:
هم عليه كعُرْف الضَّبُع، إذا تألَّبوا عليه. ويؤخذ مِن كلام بعض أنَّ العُرْف في
الأصل ما ذُكر، ثم كثر استعماله في معنى التتابع، فصار فيه حقيقةً عرفيَّة .
(١) وهو ما رواه مسلم (٢٥٦٧) عن أبي هريرة، عن النبي وَلاير: ((أن رجلاً زار أخاً له في قرية
أخرى، فأرصد الله له على مَدْرَجَتِه ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي
في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تَربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز
وجل. قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه)). والمَذْرجة: الطريق.
وتربُّها : تقوم بإصلاحها .
(٢) الألوكة والمأَلُّكَة: الرسالة. القاموس (ألك) وهذا الخبر لم نقف عليه عند غير المصنف.

الآية : ٥
١٧٤
سُورَةُ المرسلات
أو على أنَّه مفعول له، على أنَّه بمعنى العُرْف الذي هو نقيضُ النُّكْر، أي:
والمرسلات للإحسان والمعروف، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّ الإرسال لعذاب الكفّار؛
لأنَّ ذلك إن لم يكن معروفاً لهم، فإنَّه معروف للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين
الذين انتقم الله تعالى لهم منهم.
وعَظْفُ ((الناشرات)) على ما قَبْلُ بالواو ظاهرٌ؛ للتغاير بالذات بينهما، وعَطْفُ
((العاصفات)) على ((المرسلات)) و((الفارِقات)) على ((الناشرات)) - وكذا ما بَعْدُ - بالفاء؛
لتنزيل تغاير الصفاتِ منزلةَ تغاير الذات، كما في قوله:
يالَهْفَ زيَّابَةَ لِلحَارِث الصـ صابحٍ فالغانمِ فالآيبِ(١)
وهي للدلالة على ترتيب معاني الصفات في الوجود، أي: الذي صبحَ فغنم
فَآبَ، وترتيبُ مُضيِّ الأمر على الإرسال به والأمر بإنفاذه ظاهر، وأما ترتيب إلقاء
الذِّكْر إلى الأنبياء عليهم السلام على الفرق بين الحقِّ والباطل، مع ظهور تأخُر
الفرقِ عن الإلقاء فقيل: لتأويل الفرق بإرادته، فحينئذٍ يتقدَّم على الإلقاء. وقيل:
لتقدُّم الفرق على الإلقاء مِن غير حاجة إلى أن يُؤوَّل بإرادته؛ لأنَّه بنفسٍ نزولهم
بالوحي الذي هو الحقُّ المخالف للباطل الذي هو الهوى ومقتضَى الرأي الفاسد،
وإنَّما العلم به متأخِّر، ومِن هذا يظهر ترتيبُ الفَرْقِ على نشر الأجنحة، إذ
الحاصل عليه: نَشَرْنَ أجنحتهنَّ للنزول، فنزلن، فألقين، وهو غير ظاهر على
ما قَبْله؛ لأنَّ إرادة الفرق تُجامِع النشرَ، وكذا إرادته إذا أُوِّلَ أيضاً بحسب
الظاهر، بل ربَّما يقال: إنَّ تلك الإرادة قبل. وقيل: إنَّ الفاء في ذلك للترتيب
الرُّتْبي؛ ضرورةَ أنَّ إرادة الفرق أعلى رتبةً من النشر. وقيل: إنَّها فيه وفيما بعده
لمجرَّد الإشعار بأنَّ كلَّا مِن الأوصاف المذكورة - أعني النشر والفرق - مستقلٌّ
بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهنَّ،
فإنَّه لو جِيْءَ بها على ترتيب الوقوع لربَّما فُهمَ أنَّ مجموعَ الثلاثة المترتّبة هو
الموجب لِمَا ذكر مِن الاستحقاق.
(١) البيت سلف ٤٠٩/١١.

الآية : ٦
١٧٥
سُورَةُ المُرسِلَاتِ
واستعمال العاصفات بمعنى المسرعات سرعةَ الريح مجازٌ على سبيل
الاستعارة، ولا يَبعُد أن يُرادَ بالعاصفات: المُذْهِبات المُهلِكات بالعذاب الذي
أُرسلنَ به مَن أُرسلنَ إليه، على سبيل الاستعارة أيضاً أو المجاز المرسل.
جوز أن يكونا مصدرین
و((عذراً)) و((نذراً)) في قوله تعالى: ﴿عُذْرًّا أَوْ نُذْرًا وَ
مِن عذر: إذا أزال الإساءة، ومِن أَنْذَر إذا خوّف، جاءا على فُعْلٍ كالشكر والكفر،
والأوَّل ظاهر؛ لأنَّ فُعْلاً من مصادر الثلاثي، وأما الثاني فعلى خلاف القياس؛ لأنَّ
قياس مصدر أَفْعَلَ الإفعال، وقيل: هو اسم المصدر كالطاقة، أو مصدر نَذَر بمعنى
أَنْذَرَ، وتُسومحَ فيما تقدَّم. وأن يكونا جمع عذير بمعنى المعذرة، ونذير بمعنى
الإنذار. وانتصابهما على العلِّيَّة، والعامل فيهما ((الملقيات))، أو ((ذكراً))، وهو
بمعنى التذكير والعظة بالترغيب والترهيب، أي: فالملقيات ذِكْراً لأجل العذر
للمحقِّين، أو لأجل النذر للمبطلين، أو على الحاليَّة مِن ((الملقيات)) أو الضميرِ
المستتر فيها على التأويل، أي: عاذرين أو منذرين، أو على البدليَّة مِن ((ذِكْراً)) على
أنَّ المراد به الوحي، فيكونان بدلَ بعضٍ، أو التذكيرُ والعظةُ فيكونان بدلَ كلٍّ، وأن
يكونا وصفين بمعنى عاذرين ومنذرين، فنصبهما على الحاليّة لا غير.
و((أو)) في جميع ذلك للتنويع لا للترديد، ومن ثم قال الدينوري في ((مشكل
القرآن)»: إنَّها بمعنى الواو(١).
وقيل: الثانية: طوائفُ نَشَرنَ الشرائع في الأرض، إلى آخِر ما تقدَّم، ووجّه
العطف بأنَّ المرادَ: أردنَ النشرَ فنزلنَ فَأَلقين، واحتيج للتأويل لمكان الإلقاء إلى
الأنبياء عليهم السلام، وإلا فهو لا يُحتاج إليه في النشر والفرق؛ لظهور ترتُّب
الفرق على النشر، كذا قيل، فلا تغفل.
وقيل: طوائفُ نشرنَ النفوسَ الموتى بالكفر والجهل بما أَوْحَيْنَ ففرقن .. إلخ.
والنشر على هذا بمعنى الإحياء، وفيما قبله بمعنى الإشاعة.
وقيل: لا مغايرةً بين الكُلِّ إلا بالصفات، وهم جميعاً من الملائكة على
(١) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٤١٤.
.

سُورَةُ المرسلات
1
١٧٦
الآية : ٦
الأقوال السابقة، بيدَ أنَّه لم يَعتبر هذا القائل تفسيرَ النشرِ بنشر الأجنحة، فقال:
أقسم سبحانه بطوائفَ من الملائكة أَرسلهنَّ عزَّ وجلَّ بأوامره متتابعةً، فعصفنَ
عصفَ الرياح في الامتثال، ونَشْرنَ الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوسَ الموتى
بالجهل بما أَوحينَ مِن العلم، ففرقنَ بين الحقِّ والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذِكْراً.
وظاهره أيضاً أنَّ الإرسال للأنبياء بالشرائع مِن الأمر والنهي بناءً على أنَّ الأوامر
جمع جمع(١) مخصوص بالأمر مقابل النهي، ففي كلامه الاكتفاء، وخصَّ الأمر
بالذِّكْر قيل: لأنَّه أهمُّ، مع أنَّه لا يؤدِّي ما يُراد من النهي بصيغته كـ : دع، مثلاً.
وقيل في عطف (الناشرات)) بالواو دون الفاء، وعطف ((الفارقات)) به: إنَّ النشرَ
عليه بمعنى الإشاعة للشرائع وهو يكون بعد الوحي والدعوة والقبول، ويقتضي
زماناً، فلذا جيءَ بالواو ولم يُقرَن بالفاء التعقيبيَّة، وإذا حصل النشر ترتّب عليه
الفرق من غير مُهلة، ولا يتوهّم أنَّه كان حقّ الناشرات حينئذٍ: ثم؛ لأنَّه لا يتعلَّق
القصد ها هنا بالتراخي. ويبقى الكلام في وجه تقديمٍ نشرِ الشرائع - أو نشرٍ
النفوس - والفرقِ على الإلقاء مع أنهما بعده في الواقع، فقيل: الإيذانُ بكونهما غايةً
للإلقاء حقيقة بالاعتناء، أو الإشعارُ بأنَّ كلَّا مِن الأوصاف مستقلٌّ بالدلالة على
استحقاق التعظيم كما سمعت، على أنَّ بابَ التأويل واسعٌ فتذكَّر.
وقيل: أقسمَ سبحانه بأفراد نوعين مِن الرياح، فيقدّر للمرسلات موصوف،
وللناشرات موصوف آخر، ويُراد بالمرسلات الرياحُ المرسَلة للعذاب، لأنَّ الإرسال
شاعَ فيه، وبالناشرات رياح رحمة، وحاصله أنَّه جلَّ وعلا أقسمَ برياح عذاب
أرسلهنَّ فعصفنَ، ورياحِ رحمة نَشَرْنَ السحاب في الجوِّ ففرقنه على البقاع فألقين
ذِكْراً إمّا عذراً للذين يَعتذرن إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارهم إذا شاهدوا آثارَ
رحمته تعالى في الغيث، وإما إنذاراً للذين يكفرون ذلك وينسبونه إلى الأنواء
ونحوها، وإسناد إلقاء الذِّكْر إليهنَّ؛ لكونهنَّ سبباً في حصوله إذا شُكرت النعمة
فيهنَّ أو كفرت، فالتجوُّز في الإسناد، والمراد بـ ((عُرْفاً)) متتابعة. أو الناشرات رياح
رحمة نَشَرْنَ النباتَ وأَبْرَزْنَه، أي: صِرْنَ سبباً لذلك بنَشْر السحاب وإدراره، ففرقن
(١) فوقها في الأصل: صح، ولم تكرر هذه الكلمة في حاشية الشهاب ٢٩٥/٨، والكلام منه.

الآية : ٦
١٧٧
سُورَةُ المُرسِلَاتِ
كلَّ صنف منه عن سائر الأصناف بالشَّكْلِ واللون وسائر الخواصِّ، فتسبَّبنَ ذِكْراً
إما عذراً للشاكرين وإما نذراً للكافرين.
وقيل: أَقسم سبحانه أوَّلاً بالرياح وثانياً بسحائب نَشَرْنَ الموات، ففرقن بين مَن
لِينَفْئِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ [الجن:
يشكر وبين مَن يكفر، كقوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّةٍ غَدَقًا
١٦-١٧] فتسببنَ ذِكْراً إمَّا وإمَّا .
وقيل: أقسم جلَّ وعلا بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله وَّ فضلاً وإحساناً
أو شيئاً بعد شيء؛ لأنَّها نزلت منجَّمة، فعصفن وأذهبنَ سائرَ الكتب بالنَّسْخ،
ونشرنَ آثارَ الهدى في مشارق الأرض ومغاربها، وفرقنَ بين الحقِّ والباطل، فألقينَ
ذِكْر الحقِّ في أكناف العالمين.
وقيل: أقسم جلَّ جلاله برُسُله من البَشَر أُرسِلوا إحساناً وفضلاً كما هو
المذهب الحقُّ، لا وجوباً كما زعم مَن زعم، فاشتدُّوا وعَظُمَ أمرهم ونَشروا دينَهم
وما جاؤوا به، ففرقوا بين الحقِّ والباطل، والحلال والحرام، فألقوا ذِكْراً بين
المكلَّفين، ويجوز أن يراد على هذا بـ ((عرفاً)) متتابعة.
وقيل: أَقسم تبارك وتعالى بالنفوس الكاملة، أي: المخلوقة على صفة
الكمال والاستعداد لقبول ما كلِّفت به وخُلِقت لأجله، المرسلة إحساناً إلى
الأبدان لاستكمالها، فعصفنَ(١) وأذهبنَ ما سوى الحقِّ بالنظر في الأدلَّة الحقَّة،
ففرقنَ بين الحقِّ المتحقِّق بذاته الذي لا مدخَل للغير فيه وهو واجب الوجود
سبحانه، وبين الباطل المعدوم في نفسه، فَرَأَيْن كلَّ شيء هالكاً إلا وجهه، فألقينَ
في القلوب والألسنة ومَكَّنَّ فيها ذِكْره تعالى، فليس في قلوبها وألسنتها إلا ذكره
عزَّ وجلَّ، أو طَرَحْنَ ذِكْرَ غيره سبحانه عن القلوب والألسنة، فلا ذِكْر فيها
لما عداه.
وقيل: الثلاثة الأُوَل: الرياح، والأخيرتان: الملائكة عليهم السلام. وقيل
بالعكس، والمناسبة باللطافة وسرعة الحركة. وقيل: الأوَّلتان الملائكة إلا أنَّ
(١) في (م): فعصفهن.

سُوَدَةُ المُسَلَات
١٧٨
الآية : ٦
المرسلاتِ ملائكة الرحمة، والعاصفاتِ ملائكةُ العذاب، والثلاثة الأخيرة آياتٌ
القرآن النازلةُ بها الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من وجهٍ عن أبي صالح أنَّه قال: ((المرسلات
عُرْفاً)): الرسلُ تُرسَل بالمعروف، ((فالعاصفات عصفاً)): الريح، ((والناشرات نشراً)):
المَطَر، ((فالفارقات فَرْقاً)»: الرسل(١).
ومن وجه آخر: ((المرسلات عرفاً)) الملائكة، ((فالعاصفات عصفاً)) الرياح
العواصف، ((والناشرات نشراً)) الملائكة ينشرون الكُتُبَ - أي: كُتُبَ الأعمال
كما جاء مصرَّحاً به في بعض الروايات - ((فالفارقات فَرْقاً» الملائكة يفرقونَ بين
الحقِّ والباطل، ((فالملقيات ذكراً)): الملائكة أيضاً يجيؤون بالقرآن والكتاب، ((عذراً
أو نذراً)) منه تعالى إلى الناس وهم الرسل يعذرون ويُنذرون(٢).
وعن أبي صالح روايات أُخَر في ذلك، وكذا عن أجلَّة الصحابة والتابعين، فعن
ابنِ مسعود وأبي هريرة ومقاتل: ((المرسلات)): الملائكة أُرسلَت بالعُرْف - ضدّ
النُّكْر - وهو الوحي. وفي أخرى عن ابن مسعود أنَّها الرياح، وفسّر ((العاصفات)):
بالشدیدات الهبوب. وروي تفسیر ((المرسلات)» بذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة،
وفي أخرى عن ابنِ عباس أنَّها جماعةُ الأنبياء أُرسلَت إفضالاً من الله تعالى على عباده.
وعن ابن مسعود(٣): ((الناشرات)) الرياح تَنشُر رحمةَ الله تعالى ومطرَه. وروي
عن مجاهد وقتادة، وقال الربيع: الملائكة تَنشُر الناس مِن قبورهم. وقال
الضحاك: الصُّحُف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. وعليه تكون ((الناشرات))
على معنى النسب.
وعن ابنٍ مسعود وابن عباس ومجاهد والضَّحَّاك: الفارقات: الملائكة تفرقُ
بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام. وقال قتادة والحسن وابنُ كيسان: آياتُ
(١) الدر المنثور ٣٠٣/٦ وزاد نسبته لأبي الشيخ في العظمة.
(٢) الدر المنثور ٣٠٣/٦، وأخرجه الطبري ٥٨٧/٢٣.
(٣) في الأصل و(م): أبي مسعود، والمثبت من المحرر الوجيز ٤١٧/٥، والبحر ٤٠٤/٨،
وعنه نقل المصنف.

الآية : ٦
١٧٩
سُورَةُ المُرسَلاَتِ
القرآن فَرَقت بين ما يحلُّ وما يَحرُم. وعن مجاهد أيضاً: الرياح تَفرق بين السحاب
فتُبدِّده.
وعن ابنِ عباس وقتادة والجمهور: الملقيات: الملائكة تُلقي ما حملت مِن
الوحي إلى الأنبياء. وعن الربيع: آيات القرآن.
ومن الناس من فسَّر العاصفات بالآيات المُهلِكة كالزلازل والصواعق وغيرها،
ومنهم من فسَّر الفارقات بالسحائب الماطرة على تشبيهها بالناقة الفاروق: وهي
الحامل التي تَجزعُ حين تَضَع. ومنهم من فسَّرها بالعقول تفرقُ بين الحقِّ والباطل،
والصحيح والفاسد.
إلى غير ذلك من الروايات والأقوال التي لا تكاد تنضبط، والذي أخاله أَظْهَرَ
كونُ المقسَم به شيئين: المرسلات العاصفات، والناشرات الفارقات الملقيات؛
لشدَّة ظهور العطف بالواو في ذلك، وكونُ الكُلِّ من جنس الريح؛ لأنَّه أوفقُ
بالمقام المتضمِّن لأمر الحَشْرِ والنَّشْر، لما أنَّ الآثارَ المشاهدة المترتّبة على الرياح
ترثُّباً قريباً وبعيداً تنادي بأعلى صوت - حتى يكاد يُشبِهِ صوتَ النفخ في
الصُّور - على إمكان ذلك وصحَّته ودخوله في حيطة مشيئة الله تعالى وعظيم
قدرته، ومع هذا الأقوالُ كثيرة لديك وأنتَ غيرُ محجور(١) عليكَ، فاختر لنفسك
ما يحلُو.
وقرأ عيسى: ((عُرُفاً)) بضمَّتين(٢)، نحو نُكُر في نُكْر.
وقرأ ابن عباس: ((فالمُلَفِّيَات)) بالتشديد(٣)، من التلقية، قيل: وهي كالإلقاء:
إيصال الكلام إلى المخاطب، يقال: لقَّيته الذِّكْرَ فتلقَّاه. وذكر المهدويُّ أنَّه
قرأ: ((فالمُلَّقَّبَات)) بفتح اللام وتشديد القاف اسم مفعول، أي: ملقية(٤) من الله عزَّ
وجلَّ.
(١) في (م): مجحود.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٤.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٧، والمحتسب ٣٥٤/٢، والبحر المحيط ٤٠٤/٨ .
(٤) كذا في الأصل و(م)، وفي البحر ٤٠٤/٨ (والكلام منه): تلقته.

سُوَّةُ المُرسِلَاتِ
١٨٠
الآية : ٧ - ٩
وقرأ زيد بن ثابت وابنُ خارجة وطلحة وأبو جعفر وأبو حَيْوَة وعيسى والحسن
بخلاف والأعشى(١) عن أبي بكر: ((عُذُراً أو نُذُراً)) بضمِّ الذالين(٢). وقرأ الحِرْمِيَّان
وأبو عامر وأبو بكر وزيد بن عليٍّ وشيبة وأبو جعفر أيضاً بسكون الذال في ((عُذْراً))
وضمِّها في ((نُذُرا))(٣). وقرأ إبراهيم التيمي: ((ونُذراً)) بالواو (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَيِعٌ ﴾﴾ جواب للقَسَم، و((ما)) موصولة، و((إنَّ) كتبت
موصولةً، والعائد محذوف، أي: إنَّ الذي توعدونه مِن مَجيْءِ القيامة كائنٌ لا محالةَ.
وجوّز أن يُراد بالموصول جميع ما تضمَّنته السورةُ السابقة، وهو خلاف الظاهر جدًّا.
﴿فَإِذَا النُّجُومُ ◌ُطِسَتْ ﴾﴾ أُزيل أَثَرُها بإزالة نورها، أو بإعدام ذاتها وإذهابها
بالكليَّة، وكلٌّ مِن الأمرين سيكون، وليس مِن المحال في شيء، وما زعمه الفلاسفة
المتقدِّمون في أمر تلك الأجرام واستحالةِ التحلُّل والعَدَم عليها أَوْهَنُ مِن بيت
العنكبوت، وما زعمه المعاصرون منهم فيها وإن كان غير ثابت عندنا إلا أنَّ إمكان
الطمس عليه فى غاية الظهور.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ جَ﴾ شُقَّت، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١]، ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، وقيل: فُتِحَت، كما قال
سبحانه: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَةُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]. وأنشد سيبويه:
الفارِجِي بابِ الأمير المُبْهَم (٥)
ولا مانعَ من ذلك أيضاً سواء كانت السماء جسماً صلباً أو جسماً لطيفاً، وأدلَّة
استحالة الخَرْق والالتئام فيها خروق لا تَلتئم.
(١) في الأصل و(م): والأعمش، والمثبت من جامع البيان للداني ٢/ ٤٧٢، والبحر ٤٠٥/٨
وهو الصواب؛ لأن الراوي عن أبي بكر شعبة بن عياش هو أبو يوسف يعقوب الأعشى،
لا الأعمش. ينظر: معرفة القراء الكبار ٢٨١/١، وغاية النهاية ٣٢٥/١.
(٢) النشر ٢١٧/٢، والبحر المحيط ٤٠٥/٨.
(٣) التيسير ص٢١٨، والنشر ٢١٧/٢، والبحر المحيط ٤٠٥/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٤١٧/٥، وتفسير القرطبي ٤٩٨/٢١، والبحر المحيط ٤٠٥/٨.
(٥) الكتاب ١٨٥/١، ونسبه لرجل من بني ضبَّة، والمعنى: ينعت أقواماً أشرافاً لا يحجبون عن
الأمراء، ولا تُغلَق دونهم أبوابهم. والفارج: الفاتح. والمبهم: المغلق.