Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ١١ - ١٢
١٤١
سُورَةُ الإِنْشَّاِ
وهذه الجملة جوّز أن تكون علَّة لإحسانهم وفِعْلِهِم المذكور، كأنَّه قيل: نَفْعَلُ
بكم ما نَفْعَلُ؛ لأنَّا نخاف يوماً صفته كيت وكيت، فنحن نرجو بذلك أن يَقِيَنا ربُّنا
جلَّ وعلا شرَّه. وأن تكون علَّة لعدم إرادة الجزاء والشكور، أي: إنَّا لا نريد منكم
المكافأة؛ لخوفٍ عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة.
وإلى الوجهين أشار في ((الكشاف)) (١)، وقال في ((الكشف)): الثاني أَوْجَهُ؛
ليبقى قولُه: ((لوجه الله)) خالصاً غيرَ مشوب بحظٌ النفس مِن جَلْب نفع أو دفع ضرِّ،
ولو جعل علَّة للإطعام المعلَّل على معنى: إنَّما خَصَصْنا الإحسان لوجهه تعالى؛
لأنَّا نخاف يوم جزائه، ومَن خافه لازَمَ الإخلاص، لكان وجهاً .
﴿فَوَقَّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الَِّْ﴾ بسبب خوفهم وتحفّظهم عنه. وقرأ أبو جعفر:
((فوقَّاهم)) بشدِّ القاف(٢)، وهو أوفق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (:
أی :
أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرةً في الوجوه وسروراً في القلوب.
﴿وَجَزَئُهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ بصبرهم على مشاقٌ الطاعات، ومهاجرةٍ هوى النفس في
اجتناب المحرَّمات وإيثارِ الأموال مأكلاً وملبساً ﴿جَّةً﴾ بستاناً عظيماً يأكلون منه
» يلبسونه ویتزیَّنون به.
ما شاؤوا ﴿وَحِیرًا
ومن رواية عطاء عن ابنِ عباس: أنَّ الحسن والحسين مرضا،
فعادَهما جدُّهما محمد نَّهِ ومعه أبو بكر وعمر ﴿هَا، وعادَهما مَن عادَهما مِن
الصحابة، فقالوا لعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: يا أبا الحسن لو نَذَرت على ولدَيْك،
فنذر عليٍّ وفاطمة وفضَّة - جارية لهما - إن بَرِأا مما بهما أن يصوموا ثلاثةَ أيام
شکراً، فألبس اللهُ تعالى الغلامین ثوب العافية ولیس عند آل محمد قليل ولا کثیر،
فانطلق عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه إلى شمعون اليهودي الخيبري فاستقرضَ منه ثلاثة
أَصْوُع من شعير، فجاء بها، فقامت فاطمة ◌ّا إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسةً
أقراص على عددهم، وصلَّى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه مع النبيِّ نَّهِ المغربَ، ثم
(١) ٤/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) البحر المحيط ٣٩٦/٨.

سُورَةُ الإِنْشِّناِ
١٤٢
الآية : ١٢
أتى المنزلَ فوضع الطعام بين يديه، فوقف بالباب سائلٌ، فقال: السلام عليكم
يا أهلَ بيت محمد وََّ، أنا مسكين مِن مساكين المسلمين أطعموني أَطْعَمَكم اللهُ
تعالى مِن موائد الجنة. فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئاً إلا الماء، وأصبحوا صياماً،
ثم قامت فاطمة ﴿ّا إلى صاع آخر فطحنته وخبزته، وصلَّى عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه مع النبيِّ وَّ المغرب، ثم أتى المنزلَ فوضع الطعام بين يديه، فوقف يتيم
بالباب، وقال: السلام عليكم يا أهلَ بيت محمد وَليل، يتيم مِن أولاد المهاجرين،
أَطعموني أَظْعَمكم الله تعالى من مِوائد الجنة. فآثروه ومكثوا يومين وليلتين لم
يذوقوا شيئاً إلا الماء القَراح، وأصبحوا صياماً، فلما كان يوم الثالث قامت
فاطمة ◌ّا إلى الصاع الثالث وطحنته وخبرته، وصلَّى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه مع
النبيِّ وَّ المغربَ فأتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فوقف أسير بالباب، فقال:
السلامُ عليكم يا أهلَ بيت محمدٍ وَِّ، أنا أسيرُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام
أَطْعِموني أَطْعَمَكم اللهُ. فَأَثَروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء القَراح، فلما أصبحوا أخذ
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله وَّل ورآهم
يرتعشون كالفراخِ من شدَّة الجوع، قال: ((يا أبا الحسن ما أشدَّ ما يَسُوءُني ما أرى
بكم)) وقام فانطلق معهم إلى فاطمة ﴿ّا فرآها في محرابها قد التصقَ بطنُها بظهرها
وغارت عيناها من شدَّة الجوع، فرقَّ لذلك وَلّهِ وساءَه ذلك، فهبط جبريل عليه
السلام، فقال: خذها يا محمد هنَّأك الله تعالى في أهل بيتك. قال: وما آخُذُ
يا جبريل؟ فأقرأه: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ السورة. وفي رواية ابن مهران: فوثب
النبيُّ وَّ حتى دخل على فاطمة فأكبَّ عليها يبكي، فهبط جبريل عليه السلام بهذه
الآية: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ إلى آخره. وفي رواية عن عطاء: أنَّ الشعيرَ كان عن
أجرة سَقْي نخل، وأنَّه جعل في كلِّ يوم ثلث منه عصيدة فآثروا بها(١).
(١) ينظر هذا الخبر ورواياته في: نوادر الأصول ص٦٤- ٦٥، وأسباب النزول للواحدي
ص٤٧٨، وتفسير البغوي ٤٢٨/٤، ومجمع البيان ١٣٨/٢٩-١٣٩، وتفسير القرطبي ٢١/
٤٦١-٤٦٦ مطولاً، وعزا بعضها القرطبي إلى النقاش والثعلبي والقشيري، وقال: لا يصح
ولا يثبت .. وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٥٠٣/٢-٥٠٥ عن الأصبغ بن نباتة،
وقال: هذا حديث لا يُشَكُّ في وضعه.

الآية : ١٢
١٤٣
سُورَةُ الإِنِّناِ
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنَّه قال في قوله سبحانه: ((ويطعمون)) إلخ
نزلت في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وفاطمة بنت رسول الله صلَّى الله تعالى عليه
وعليهما وسلَّم(١)، ولم يذكر القصة، والخبر مشهور بين الناس، وذكره الواحدي
في كتاب ((البسيط))، وعليه قول بعض الشيعة:
إِلام أُلامُ وحتى متى
أُعائَب في حبِّ هذا الفتى
وفي غيره هل أتى هل أتى
وهل زوّجت غيره فاطِم
وتعقّب بأنَّه خبر موضوع مفتعل كما ذكره الترمذيُّ(٢) وابن الجوزي(٣)، وآثار
الوضع ظاهرة عليه لفظاً ومعنىّ، ثم إنَّه يقتضي أن تكون السورة مدنيّة؛ لأنَّ بناءً
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه على فاطمة ﴿ّا كان بالمدينة، وهي عند ابن
عباس - المروي هو عنه - على ما أخرج النَّخَّاس مكِّيَّة، وكذا عند الجمهور في
قول.
وأقول: أَمْرُ مكِّيَّتها ومدنيَّتها مختلف فيه جدًّا كما سمعت، فلا جزم فيه بشيء،
وابن الجوزي نقل الخبر في ((تبصرته))(٤) ولم يتعقَّبه، على أنَّه ممَّن يتساهل في أمر
الوضع، حتى قالوا: إنَّه لا يعوَّل عليه في هذا الباب، فاحتمال أصل النزول في
الأمير كرَّم الله تعالى وجهه وفاطمة ﴿ٌّا قائم، ولا جزمَ بنفي ولا إثبات، لتعارض
الأخبار، ولا يكاد يَسلَمُ المرجّح عن قيل وقال، نعم لعلَّه يترجَّح عدم وقوع الكيفية
التي تضمَّنتها الرواية الأولى.
ثم إنَّه على القول بنزولها فيهما لا يتخصَّص حكمها بهما، بل يشمل كلَّ مَن
فَعَلَ مثل ذلك، كما ذكره الطبرسي من الشيعة في ((مجمع البيان)»(٥) راوياً له عن
(١) الدر المنثور ٢٩٩/٦.
(٢) لعله يقصد الحكيم الترمذي في کتابه نوادر الأصول ص٦٥ حيث قال: هذا حديث مزوَّق،
وقد تطرَّف فيه صاحبه حتى يشبّه على المستمعين .... إلى آخر كلامه.
(٣) كما ذُكر قريباً في كتابه الموضوعات ٢/ ٥٠٥ .
(٤) التبصرة ٤٤٩/١ .
(٥) ١٣٩/٢٩.

:
سُورَةُ الإِنَّنِ
١٤٤
الآية : ١٣
عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله ظُبه، وعلى القول بعدم النزول فيهما لا يتطامن(١)
مقامهما ولا ينقص قَدْرهما، إذ دخولهما في الأبرار أمر جليٍّ، بل هو دخول أوَّليُّ،
فهما هما، وماذا عسى يقول امرؤٌ فيهما سوى أنَّ عليًّا مولى المؤمنين وَوَصيُّ
النبيِّ، وفاطمة البضعة الأحمديَّة والجزء المحمدي، وأما الحَسَنان فالروح
والريحان وسيدا شباب الجِنان، وليس هذا من الرفض بشيء، بل ما سواه عندي
هو الغَيُّ :
. أَنا عبدُ الحقِّ لا عبدُ الهوى
لعنَ اللهُ الهوى فيمَن لعن(٢)
ومن اللطائف على القول بنزولها فيهم أنَّه سبحانه لم يَذكُر فيها الحُورَ العِيْن
وإنَّما صرَّح عزَّ وجلَّ بولدان مخلدين؛ رعايةً لحرمة البَتُول وقرَّة عينِ الرسول؛ لئلا
تثورَ غيرتها الطبيعية إذا أحسَّت بضَرَّة، وهي في أفواه تخيُّلات الطباع البشرية - ولو
في الجنَّة - مرَّة. ولا يخفى عليك أنَّ هذه زهرة ربيع لا تتحمّل الفرك، ثم التذكير
على ذلك أيضاً من باب التغليب.
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((جازاهم) على وزن فاعَلَ(٣).
﴿ُنَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَّبِّ﴾ حال من هم في ((جزاهم)) والعامل جزى، وخصّ
الجزاء بهذه الحالة؛ لأنَّها أتُّ حالات المتنعّم، ولا يضرُّ في ذلك قوله تعالى: ﴿پِمَا
صَبَرُوا﴾ لأنَّ الصبر في الدنيا وما تسبَّب عليه في الآخرة. وقيل: صفة الجنة، ولم
يبرز الضمير مع أنَّ الصفة جارية على غير مَن هي عليه، فلم يقل: متكئين هم فيها؛
لعدم الإلباس، كما في قوله :
قومي ذُرًا المجدِ بانوها وقد عَلِمَتْ
بكُتْهِ ذلك عدنانٌ وقَحْطانُ (٤)
(١) أي: لا ينخفض. المعجم الوسيط (طمن).
(٢) البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه ٢٥٣٢/٦.
(٣) البحر المحيط ٣٩٦/٨.
(٤) البيت في شرح ابن عقيل ٢٠٨/١، وأوضح المسالك ص١٠٠، وشرح الأشموني مع حاشية
الصبان ١٩٣/١ دون نسبة. وجاء في هامش الأصل: وهو أن يكون (ذرا) مفعول بانون
محذوفاً، أي: قومي بانون ذرا المجد بانوها. تدبر. انتهى منه.

الآية : ١٣
١٤٥
سُورَةُ الإِنَِّ
وأنت تعلم أنَّ هذا رأي الكوفيَّة، ومذهب البصريّة وجوبُ إبراز الضمير في
ذلك مطلقاً، وفي البيت كلام.
وقيل: يجوز كونه حالاً مقدَّرة من ضمير ((صبروا)). وليس بذاك.
و((الأرائك)) جمع: أريكة، وهي السرير في الحَجَلةُ(١) مِن دونه ستر، ولا يُسمَّى
مفرداً: أريكة، وقيل: هو كلُّ ما اتُّكِئَ عليه من سرير أو فراش أو مِنَصَّة، وكأنَّ
تسميته بذلك لكونه مكاناً للإقامة أخذاً من قولهم: أَرِكَ بالمكان أروكاً: أقام،
وأصل الأروك: الإقامة على رعي الأَرَاك الشجر المعروف، ثم استعمل في غيره
من الإقامات.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا (٣٢)﴾ إما حالٌ ثانية مِن الضمير، أو
حالٌ من المستكنِّ في ((متَّكئين))، وجوّز فيه كونه صفة لـ ((جنة)) أيضاً، والمراد من
ذلك أنَّ هواءَها معتدلٌ لا حرُّ شمس يُخمي، ولا شدّة برد يؤذي، وفي الحديث:
((هواءُ الجِنَّ سَجْسَج لا حرِّ ولا قِّ))(٢) فقصد بنفي الشمس نفيها ونفي لازمها معاً؛
لقوله سبحانه: ((ولا زمهريراً))، فكأنَّه قيل: لا يرون فيها حرًّا ولا قرًّا، وقيل:
الزمهرير: القمر، وعن ثعلب أنَّه في لغة طيِّئ، وأنشد:
وليلةٍ ظلامُها قد اعتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ مَا زَهَرْ(٣)
وليس هذا لأنَّ طبيعته باردة - كما قيل - لأنَّه في حيِّز المنع، بل قيل: إنَّه بُرهن
على أنَّ الأنوار كلَّها حارَّةٌ، فيحتمل أنَّ ذلك لِلَمَعانه أخذاً له مِن ازمهرَّ الكوكب:
لمع، والمعنى على هذا القول: إنَّ هواءَها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس
(١) قال الشهاب في الحاشية ٣٣٨/٨: الحجلة بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على
السرير، يسمى بديارنا ناموسية.
(٢) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٢٥)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٠
عن عبد الله بن مسعود موقوفاً .
(٣) الرجز في النكت والعيون ١٦٩/٦، والكشاف ١٩٧/٤، ونهاية الأرب للنويري فصل في
أسماء القمر اللغوية، والبحر المحيط ٣٩٢/٨.

سُورَةُ الإِنسَنِ
١٤٦
الآية : ١٤
ولا قمر، وفي الحديث: ((إنَّ الجنَّة لا خَطَر لها، هي وربّ الكعبة نورٌ يتلألأ،
وريحانة تهتزُّ، وقَصْر مشيد)) الحديث(١). ثم إنَّها مع هذا قد يظهر فيها نور أقوى
مِن نورها، كما تشهد به الأخبار الصحيحة، وفي بعض الآثار عن ابنِ عباس: بينا
أهل الجنة في الجنة، إذ رَأَوْا ضوءاً كضوء الشمس وقد أَشرقت الجنانُ به، فيقول
أهل الجنّة: يا رضوان ما هذا، وقد قال ربُّنا: ((لا يَرَوْنَ فيها شمساً ولا زمهريراً))!
فيقول لهم رضوان: ليس هذا بشمس ولا قمر، ولكن عليٍّ وفاطمة ◌ِّ ضَحِكا،
فأشرقت الجنانُ مِن نور ثغريهما(٢).
﴿وَدَنَةٌ عَلَيهِمْ ظِلَلُهَا﴾ عطف على الجملة وحالها حالها، أو صفة لمحذوف
معطوف على ((جنَّة)) فيما سبق، أي: وجنَّة أخرى دانية عليهم ظلالها، على أنَّهم
وُعِدوا جنَّتين كما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّنَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].
وقرأ أبو حيوة: ((دانيةٌ)) بالرفع(٣)، وخرِّج على أنَّ ((دانية)) خبرٌ مقدَّم لـ ((ظلالها))،
والجملة في حيِّز الحال على أنَّ الواو عاطفة أو حاليَّة، أو في حيِّز الصفة على أنَّ
الواو عاطفة أيضاً، أو للإلصاق على ما يراه الزمخشري(٤)، وقال الأخفش:
((ظلالها)) مرفوع بـ ((دانية)) على الفاعليَّة، واستدلَّ بذلك على جواز عملِ اسم الفاعل
مِن غير اعتماد، نحو: قائمٌ الزيدون، وقد علمت أنَّه لا يَصلُح للاستدلال؛ لقيام
ذلك الاحتمال، على أنَّه يجوز أن يكون خبراً لمبتدأ مقدَّر فيعتمد، أي: وهي دانية
عليهم ظلالُها .
وقرأ أبيُّ: ((وَدَانٍ))(٥) كقاضٍ، ولا يتمُّ الاستدلال به للأخفش أيضاً وإن كان
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٢)، وابن حبان (٧٣٨١) من حديث أسامة بن زيد رضيًا. قال
البوصيري في الزوائد: هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات،
وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول، وسليمان بن موسى الأموي مختلف فيه، وباقي
رجال الإسناد ثقات. اهـ. وقوله مَّل: ((لا خَطَرَ لها)) أي: لا مِثْلَ لها.
(٢) تفسير الثعلبي ١٠٢/١٠، وهو خبر واضح البطلان.
(٣) الإملاء للكعبري ٤٣٨/٤، والكشاف ١٩٧/٤، وتفسير القرطبي ٤٧٢/٢١، والبحر ٣٩٦/٨.
(٤) الكشاف ٤/ ١٩٨ .
(٥) القراءات الشاذة ص١٦٦، والبحر ٣٩٦/٨.

الآية : ١٥ - ١٦
١٤٧
سُورَةُ الإنْسِّنا
بينه وبين ما تقدَّم فرق ما. وقرأ الأعمش: ((ودانياً عليهم))(١) نحو: ﴿خُشَّعًا
أَبْصَرُهُمْ﴾(٢) [القمر: ٧].
والمراد أنَّ ظلالَ أشجار الجنة قريبةٌ مِن الأبرار مُظِلَّةٌ عليهم؛ زيادة في
نعیمھم.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا (®﴾ أي: سخّرت ثمارها لمتناوِلِها وسَهُلَ أَخْذُها، مِن
الذُّلِّ وهو ضدُّ الصعوبة، قال قتادة ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائماً تناول
الثمر دون كلفة، وإن كان قاعداً أو مُضْطَجعاً فكذلك، فهذا تذليلها لا يَرُدُّ اليدَ عنها
بُعْدٌ ولا شَوٌ. والجملة حال من ضمير ((دانية))، أي: تدنو ظلالُها عليهم مذلّلةً لهم
قطوفها، أو معطوفة على ما قبلها، وهي فعلية معطوفة على اسميَّة في قراءة ((دانية))
بالرفع، ونكتة التخالف أنَّ استدامةَ الظُّلِّ مطلوبة هنالك، والتجدُّدُ في تذليل
القطوف على حسب الحاجة.
﴿وَيُطَافُ عَلِم ◌ِثَإِيَّةٍ﴾ جمع إناء، ككساء وأكسية، وهو ما يوضع فيه الشيء،
والأواني جمع الجمع. ﴿مِّنِ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ جمع: كوب: وهو قَدَحٌ لا عُرْوةً له،
كما قال الراغب (٣)، وفي ((القاموس)): كوزٌ لا عروةَ له، أو لا خرطومَ له(٤).
وقيل: الكوز العظيم الذي لا أُذُن له ولا عروةَ.
﴿كَانَتْ﴾ أي: تلك الأكواب ﴿قَرِيرَاً (3) جمع: قارورة، وهي إناء رقيق من
الزجاج يُوضَع فيه الأشربة، ونصبه على الحال، فإنَّ ((كان)) تامَّة، وهو كما تقول:
خُلِقَتْ قواريرَ.
وقوله تعالى: ﴿قَوَارِيْرًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ بدل، والكلام على التشبيه البليغ، فالمراد
(١) البحر ٣٩٦/٨، وهي معاني القرآن للفراء ٢١٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٠١/٥ عن
مسعود ځڅئه.
(٢) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف، في حين قرأ الباقون: ﴿خُثَّعًا﴾ بضمُ الخاء
وفتح الشين مشدَّدة. التيسير ص٢١٧، والنشر ٢/ ٣٨٠.
(٣) المفردات (كوب).
(٤) القاموس (كوب).

سُورَةُ الإِناء
١٤٨
الآية : ١٦
تكوَّنت جامعةً بين صفاء الزجاجة وشفيفها، ولِيْنِ الفضة وبياضها، وأخرج
عبد الرازق وسعيد بن منصور والبيهقيُّ عن ابنِ عباس قال: لو أخذْتَ فضةً من فضة
الدنيا فضربتَها حتى جعلتَها مثل جناح الذَّباب لم يُرَ الماءُ مِن ورائها، ولكن قوارير
الجنة بياض الفضة مع صفاء القوارير(١).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عنه أنه قال: ليس في الجنة شيء إلا قد أُعطيتم في
الدنيا شَبَهه إلا قوارير مِن فضة(٢).
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر: بتنوين ((قواريراً)) في الموضعين وصلاً وإبداله
ألفاً وقفاً، وابن كثير يمنع صَرْفَ الثاني ويَصْرفُ الأوَّل(٣) لوقوعه في الفاصلة،
وآخِر الآية وقف عليه بالألف مشاكلة لغيره مِن كلمات الفواصل، والتنوين عند
الزمخشري(٤) في الأوَّل بدلٌ مِن ألف الإطلاق، كما في قوله:
يا صاحِ ما هاجَ العيونَ الذُّرَّفَنْ (٥)
وفي الثاني للإْباع، فتذكَّر. والقراءة بمنع صَرْفِهما لحفص وابن عامر وحمزة
وأبي عمرو، وقرأ الأعمش الثاني ((قوارير)) بالرفع، أي: هي قوارير(٦).
أي: قدَّروا تلك القوارير في أنفسهم فجاءت حسب ما قدَّروا
﴿قَدَّرُوهَا نَقْدِرً فَـ
لا مزيدَ على ذلك، ولا يمكن أن يقع زيادة عليه، وفي معناه قول الطائيّ:
على ما فيكَ مِن كَرَمِ الطّباعِ(٧)
ولو صوَّرتَ نفسَكَ لم تَزِدْها
(١) الدر المنثور ٣٠٠/٦-٣٠١، وتفسير عبد الرزاق ٣٣٨/٢، والبعث والنشور (٣٤٨).
(٢) الدر المنثور ٣٠١/٦.
(٣) التيسير ص٢١٧، والنشر ٣٩٥/٢-٣٩٦، والبحر ٣٩٧/٨.
(٤) الكشاف ١٩٨/٤.
(٥) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص٤٢١، والكتاب ٢٠٧/٤، والبحر ٣٩٧/٨، ووقع في
الديوان: الذرَّفا وبعده:
من طلَلٍ أمسى تخال المصحفا
(٦) القراءات الشاذة ص١٦٦، والبحر المحيط ٣٩٧/٨.
(٧) سلف ١٣/١١.

الآية : ١٦
١٤٩
سُورَةُ الإِنْشِِّ
فإنَّه يُنبئ عن كون نفسه خُلقت على أتمِّ ما ينبغي مِن مكارم الصفات بحيث
لا مزيدَ على ذلك، فضمير ((قدَّروها)» لـ ((أبرار)» المطاف عليهم.
أو: قدّروا شرابها على قَدْر الرّيِّ وهو الذُّ للشارب، قال ابن عباس: أُتُوا بها
على الحاجة لا يُفضِّلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاً .
وعن مجاهد: تقديرها أنَّها ليست بالملأى التي تفيض ولا بالناقصة التي
تغيض. فالضمير - على ما هو الظاهر - للسقاة الطائفين بها، المدلولِ عليه بقوله
تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، وقد روى عبد بن حميد وابنُ المنذر عن ابن عباس أنَّه
قال: قدَّرتها السقاة(١).
وقيل: المعنى: قدَّروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها، والضمير على
هذا، قيل: للملائكة، وقيل: للسقاة.
وقرأ عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه وابن عباس والسُّلَمي والشعبي وقتادة وزيد بن
عليٍّ والجحدري والأصمعي عن أبي عمرو، وابن عبد الخالق عن يعقوب وغيرهم:
((قُدِّرُوها)) على البناء للمفعول(٢)، واختلف في تخريجها، فقال أبو عليٍّ: كأنَّ
اللفظ: قُدِّروا عليها، وفي المعنى قلب؛ لأنَّ حقيقته أن يقال: قُدِّرت عليهم، فهو
نحو قوله تعالى: ﴿مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ، لَنَنُواْ بِلْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] وقولِ
العرب: إذا طَلَعتِ الجَوْزاء ارتقى العودُ على الحرباء (٣) .
وقال الزمخشريُّ: وجه ذلك أن يكون من قَدَرْتُ الشيءَ - بالتخفيف - أي:
بَيَّنت مقدارَه، فنقل إلى التفعيل، فتعدَّى لاثنين: أحدهما: الضمير النائب عن
الفاعل، والثاني: ((ها)»، والمعنى: جُعلوا قادرين لها كما شاؤوا، وأُطلق لهم أن
يقدروا على حسب ما اشتهوا (٤).
(١) الدر المنثور ٣٠١/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٦، ومعاني القرآن للفراء ٢١٧/٣، والكشاف ١٩٨/٤، وتفسير
القرطبي ٤٧٦/٢١، والبحر المحيط ٣٩٧/٨-٣٩٨، والكلام وما بعده منه.
(٣) الحجة لأبي علي الفارسي ٣٥٣/٦-٣٥٤.
(٤) الكشاف ٤/ ١٩٨ .

سُورَةُ الإِنْتََّاءِ
١٥٠
الآية : ١٧ - ١٨
وقال أبو حاتم: قُدِّرت الأواني على قَدْر رِيِّهم. ففسَّر بعضهم هذا بأنَّ في
الكلام حذفاً، وهو أنَّه كان: قُدِّر على قَدْر رِيِّهم إِيَّها، فحذف ((على)) فصار ((قَدْر))
نائب الفاعل، ثم حذف فصار ((ريّهم)) نائب فاعل، ثم حذف وصار واو الجمع
نائبَ الفاعل، واتصل المفعول الثاني بـ ((قدِّر))، فصار: قُدِّروها.
وقال أبو حيان: الأقرب أن يكون الأصل: قُدِّر رِيُّهم منها تقديراً، فحذف
المضاف وهو الرِّيُّ وأُقيمَ الضمير مقامه، فصار: قُدِّروا منها، ثم اتُّسِع في الفعل
فحذفت ((من)) ووصل الفعل إلى الضمير بنفسه فصار: قُدِّروها، فلم يكن فيه
إلا حذفُ مضاف واتِّساعٌ في المجرور(١).
ولا يخفى أنَّ القلبَ زَيْفٌ، وما قرَّره البعض تكلُّف جدًّا، وفي كون ما اختاره
أبو حيَّان أقرب ممَّا اختاره جارُ الله، نَظَرٌ، ولعلَّه أكثرُ تكلُّفاً منه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُّهَا زَنْجِيلًا (﴿ عَيْنَا فِيهَا تُسَتَّى سَلْسَيْلًا
١٨
يجري فيه معظم ما جرى في قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾﴾ إلخ
من الأوجه.
والزنجبيل: قال الدينوري(٢): نبتٌ في أرض عُمَان، وهو عروق تسري في
الأرض وليس بشجرة، ومنه ما يُحمَل من بلاد الزنج والصين، وهو الأجود،
وكانت العرب تُحبُّه؛ لأنَّه يوجب لَذْعاً في اللسان إذا مُزجَ بالشراب فيلتذُّون به،
ولذا يذكرونه في وصف رُضاب النساءِ، قال الأعشى:
كأنَّ القُرُنْفل والزَّنْجَبي ـل باتا بِفِيها وأَرْياً مَشُورا(٣)
وقال عمرو المسيَّب بن عَلَس(٤):
(١) البحر المحيط ٣٩٨/٨.
(٢) في كتابه النبات ص٢١٤ .
(٣) الكشاف ١٩٨/٤، وسمط اللآلي للبكري ١٧٦/١، وهو في ديوان الأعشى ص١٤٣ برواية:
كأنَّ جَنيّاً من الزنجبيل خالط فاها وأَزْياً مشورا
والأَرْي: عسل النحل. وشار العسل واشتاره: جَمَعه.
(٤) كذا في الأصل و(م). ونُسبَ في طبقات فحول الشعراء ١٥٦/١ هكذا: المسيب بن عَلَس بن

الآية : ١٨
١٥١
سُورَةُ الإِنِّْناِ
وكأنَّ طَعْمَ الزَّنْجبيلِ به
إذا ذُقْتَه وسُلافةَ الخمرِ (١)
وعدَّه بعضهم في المعرَّبات. وكون الزنجبيل اسماً لعين في الجثّة مرويٌّ عن
قتادة، قال: يَشربُ منها المقرَّبون صِرْفاً، وتُمزَج لسائر أهل الجنة.
والظاهر أنَّهم تارةً يشربون مِن كأس مزاجها كافور، وتارة يسقون من كأس
مزاجها زنجبيل، ولعلَّ ذكر ((يُسقَوْن)) هنا دون: يشربون؛ لأنَّه الأنسب بما تقدَّمه مِن
قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ﴾ إلخ، ويمكن أن يكون فيه رمزٌ إلى أنَّ هذه الكأس أعلى
شأناً مِن الكأس الأولى، وعن الكلبي: يُسقَى بجامين؛ الأول مزاجه الكافور،
والثاني مزاجه الزنجبيل.
والسلسبيل: كالسَّلْسَل والسَّلْسَال، قال الزجَّاج(٢): ما كان مِن الشراب غايةً في
السلاسة وسهولة الانحدار في الحَلْق. وقال ابن الأعرابيّ: لم أسمع السلسبيل
إلا في القرآن. وكأنَّ العين إنَّما سُمِّيت بذلك لسلاستها وسهولة مساغها. قال
عكرمة: عينٌ سَلْسَلٌ ماؤها. وقال مجاهد: حديدة الجَرْي(٣)، سَلِسَة، سهلة
المساغ. وقال مقاتل: عين يَتسَلْسل عليهم ماؤها في مجالسهم كيف شاؤوا .
وهي على ما روي عن قتادة عينٌ تنبع من تحت العرش من جنَّة عَدن، تتسَلْسَل
إلى الچنان.
وفي ((البحر)): الظاهر أنَّ هذه العين تُسمَّى ((سلسبيلاً)) بمعنى تُوصَف بأنَّها سلسة
في الانسياغ، سهلة في المذاق، ولا يُحمَل سلسبيل على أنَّه اسمٌ حقيقة؛ لأنَّه إذ
عمرو بن قمامة، وفي خزانة الأدب ٣/ ٢٤٠: المسيب بن عَلَس بن مالك بن عمرو بن
=
قمامة. وقال ابن دريد في الاشتقاق ص ٣١٦: المسيب بن عَلَس، واسمه: زهير.
(١) الكشاف ١٩٨/٤، والشعر والشعراء لابن قتيبة ١٧٥/١، وسلافة الخمر: أول ما يخرج من
عصرها، والشاعر يصف رُضاب محبوبته.
(٢) معاني القرآن ٢٦١/٥.
(٣) ذكره البخاري عن مجاهد بلفظ، حديدة الجرية، وقال الحافظ في الفتح ٣٢١/٦: وحديدة
بفتح المهملة وبدالين مهملتين أيضاً، أي: قوية الجرية، وذكر عياض [مشارق الأنوار
(حدو)] أن القابسي رواها: حريدة، براء بدل الدال الأولى وفسّرها بـ: ليِّنة، قال (يعني
عياض): والذي قاله لا يُعرف، وإنما فسروا السلسبيل بالسهولة اللينة الجرية.

سُورَةُ الإِنسَّنِ
١٥٢
الآية : ١٩
ذاك كان ممنوعَ الصرف؛ للتأنيث والعلميَّة، وقد روي عن طلحة أنَّه قرأه بغير
ألف (١)، جعله عَلَماً لها، فإن كان عَلَماً فوجه قراءةِ الجمهور بالتنوين المناسبة
للفواصل، كما قيل في ((سلاسلا)) و((قواريرا))، وزعم الزمخشريُّ(٢) أنَّ الباءَ زيدت
فيه حتى صارت الكلمة خماسيَّة، فإن عنى أنَّها زِيدَتْ حقيقةً فليس بجيِّد؛ لأنَّ الباء
ليست من حروف الزيادة المعهودة، وإن عنى أنَّها حرف جاء في سِنْخ(٣) الكلمة
وليس في سَلْسَل ولا في سِلْسَال، صحَّ، ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفاً في
المادة. انتهى. وفي ((الكشف)): لا يريد الزيادة المصطلحة، ألا ترى إلى قوله:
حتى صارت خماسيّة، وهو أيضاً من الاشتقاق الأكبر، فلا تغفل.
وقال بعض المُعْرِبين: ((سلسبيلاً)): أَمْرٌ للنبيِّ وَّر ولأمَّته بسؤال السبيل إليها،
وعَزَوه إلى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وهو غيرُ مستقيم بظاهره إلا أن يُراد أنَّ جملة
قول القائل: ((سَلْ سبيلاً)) جعلت اسماً للعين، كما قيل: تأبَّط شرًّا، وذَرَّى حبًّا،
وسُمِّيت بذلك لأنَّه لا يشرب منها إلا مَن سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح، وهو مع
استقامته في العربية تكلُّفٌ وابتداع، وعَزْوُه إلى مثل الأمير كرَّم الله تعالى وجهه
أَبْدَع، ونصَّ بعضهم على أنَّه افتراءٌ عليه كرَّم الله تعالى وجهه، وفي شعر ابنِ مطران
الشاشي :
سل سلسبيلاً فيها إلى راحةِ النَّفسِ براح كأنَّها سَلْسَبيلٌ(٤)
وفيه الجناس الملفَّق، واستعمله غير واحد من المُحْدَثين.
﴿وَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: للخدمة ﴿وِلْدَنٌّ تُخَلَُّونَ﴾ أي: دائمون على ما هم فيه من
الطراوة والبهاء، وقيل: مُقرَّطون بخَلَدَة، وهي ضَرْب من القِرَطَة.
(١) القراءات الشاذة ص١٦٦، والكشاف ١٩٨/٤، والبحر ٣٩٨/٨.
(٢) الكشاف ٤/ ١٩٨ .
(٣) في الأصل و(م) ومطبوع البحر المحيط ١٦١/٨ والكلام منه: سنح، والمثبت من الدر
المصون ٦١٢/١٠، والسُّنْخُ: الأصل. القاموس (سنخ).
(٤) الكشاف ١٩٩/٤، والكلام منه، وذكره أيضاً الثعالبي في يتيمة الدهر ١٣٤/٤، وفي
الإعجاز والإيجاز ص٢٤٤. والراح: الخمر.

الآية : ٢٠
١٥٣
سُورَةُ الإِنْتَِّ
وجاء في حديث أخرجه ابن مردويه عن أنس مرفوعاً أنَّهم ألف خادم (١). وفي
بعض الآثار أضعاف ذلك(٢):
٢ م
والجود أعظم والمواهب أوسع(٣)
ويختلف ذلك قلَّة وكثرة باختلاف أعمال المخدومين.
﴿إِذَا رَهُمْ حَيْنَهُمْ لُؤْلُؤَا تَنْتُورًا ﴾﴾ لحُسْنهم وصفاء ألوانهم وإشراق وجوههم،
وانبثائهم في مجالسهم ومنازلهم، وانعكاس أشعة بعضهم إلى بعض، وقيل: شُبِّهوا
باللؤلؤ الرَّطْب إذا نُثِرَ من صَدَفِه؛ لأنَّه أحسن وأكثر ماء، وعليه هو مِن تشبيه المفرد؛
لأنَّ الانبثاث غيرُ ملحوظ، والخطاب في ((رأيتهم)) للنبيِّ ◌َِّ أو لكلِّ واقف عليه،
وكذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَتَ ثَمَ ﴾ أي: هناك، يعني في الجنة، وهو في موضع
النصب على الظَّرْف، و((رأيت)) منزَّل منزلةً اللازم فيفيد العموم في المقام الخطابي،
عظيمَ القدر لا تُحيط
فالمعنى: إنَّ بَصَرك أينما وقع في الجنة ﴿رَأَيْتَ نِيماً وَمُلْكًا كَبِيرًا
به عبارةٌ، وهو يشمل المحسوس والمعقول، وقال عبد الله بنُ عمرو والكلبي: عريضاً
واسعاً، يُصِر أدناهم منزلةً في الجنة في مُلكه(٤) مسيرة ألف عام يَرى أقصاه كما يرى
أدناه، وذلك لما يُعطى من حدَّة النظر، أو هو مِن خصائص الجنة.
وقال مجاهد: هو استئذان الملائكة عليهم السلام، فلا يدخلونَ عليهم
إلا بإذن.
وقال الترمذي - وأظنُّه كما ظنَّ أبو حيان(٥): الحكيم لا أبا عيسى المحدِّث
صاحب الجامع -: هو مُلْكُ التكوينِ والمشيئة إذا أرادوا شيئاً كان.
(١) الدر المنثور ٦/ ٣٠١، وأخرجه أيضاً ابن عبد البر في الاستذكار ٤٤٥/٢٧ .
(٢) منها حديث أنس عن النبي ◌َّر أنه قال: ((إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على
رأسه عشرة آلاف خادم .. )) الحديث، وسلف ٢٥/ ٩٨.
(٣) حاشية الشهاب ٢٩١/٨.
(٤) في الأصل و(م): ملك، والمثبت من الكشاف ١٩٩/٤، وتفسير البيضاوي ٢٩١/٨،
وتفسير أبي السعود ٩/ ٧٤، وغيرها من التفاسير، وينظر البحر ٣٩٩/٨.
(٥) البحر المحيط ٣٩٩/٨، والكلام منه.

سُورَةُ الإِنسَّلِ
١٥٤
الآية : ٢١
وقيل: هو النظر إلى الله عزَّ وجلَّ. وقيل: غير ذلك، وقيل: المُلْكُ الدائم
الذي لا زوالَ له.
وزعم الغرَّاء(١) أنَّ المعنى: وإذا رأيت ما ثَمَّ رأيت .. إلخ، وخرّج على أنَّه
أراد أنَّ ((ثمَّ)) ظرف لمحذوف وقع صلةً لموصول محذوف هو مفعول ((رأيت)»،
والتقدير: وإذا رأيتَ ما ثَمَّ رأيت نعيماً .. إلخ، فحذف (ما)) كما حذف في قوله
تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أي: ما بينكم.
وتعقَّبه الزَّجَّاج(٢) ثمَّ الزمخشري(٣) بأنه خطأ؛ لأنَّه لا يجوز إسقاط الموصول
وترك الصلة. وأنتَ تعلم أنَّ الكوفيين يُجيزون ذلك، ومنه قوله:
ويَمْدَحه ويَنْصُره سواء(٤)
فَمَنْ يهجو رسولَ الله منکم
أراد: ومَن یمدحه، فحذف الموصول وأبقی صلته.
وقد يقال: إنَّ ذلك إنَّما يَرِدُ لو أراد أنَّ الموصول مقدَّر، أمَّا لو أراد المعنى
وأنَّ الظرف يغني غناء المفعول به، فهو كلام صحيح؛ لأنَّ الظرف والمرئيَّ
كليهما الجنَّة.
وقرأ حميد الأعرج: (ثُمَّ)) بضمِّ الثاء(٥) حرف عطف، وجواب ((إذا)) على هذا
محذوف يقدَّر بنحو: تحيَّ فِكْرك، أو بنحو: رأيتَ عاملاً في ((نعيماً)).
﴿عَلَهُمْ يَبُ سُنُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌّ﴾ قيل: ((عاليهم)) ظرفٌ بمعنى فوقهم، على أنَّه
خبر مقدَّم، و((ثياب)) مبتدأ مؤخّر، والجملة حال من الضمير المجرور في
((عليهم)) (٦)، فهي شرحٌ لحال الأبرار المطوفِ عليهم. وقال أبو حيان (٧): إنَّ عالي
(١) معاني القرآن ٢١٨/٣.
(٢) معاني القرآن ٢٦١/٥.
(٣) الكشاف ٤/ ١٩٩ .
(٤) البيت لحسان بن ثابت، وسلف ١٣/ ٦٣.
(٥) البحر المحيط ٣٩٩/٨.
(٦) تحرفت في (م) إلى: عاليهم.
(٧) البحر المحيط ٨/ ٣٩٩ بنحوه.

الآية : ٢١
١٥٥
سُورَةُ الإِنْشَّاِ
نفسه حالٌ من ذلك الضمير وهو اسم فاعل، و((ثياب)) مرفوع على الفاعليَّة به،
ويحتاج في إثبات كونه ظرفاً إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب: عالِيَك ثوب،
مثلاً، ومثله فيما ذكر: عالية.
وقيل: حال مِن ضمير ((لقَّاهم))، أو من ضمير ((جزاهم)). وقيل: من الضمير
المستتر في ((متكئين)). والكُلُّ بعيد.
وجوّز كون الحال مِن مضاف مقدَّر قبل ((نعيماً))، أو قبل ((ملكاً))، أي: رأيتَ
أهلَ نعيم أو أهل ملك عاليهم .. إلخ، وهو تكلّف غيرُ محتاج إليه.
وقيل: صاحب الحال الضمير المنصوب في ((حسبتهم)) فهي شرح لحال
الطائفين، ولا يخفى بُعْدُه؛ لما فيه من لزومِ التفكيك، ضرورةً أنَّ ضمير ((سقاهم))
فيما بَعْدُ كالمتعيِّن عوده على الأبرار، وكونه من التفكيك مع القرينة المعيَّنة وهو
مما لا بأسَ به ممنوع. واعترض أيضاً بأنَّ مضمون الجملة يصير داخلاً تحت
الحسبان، وكيف يكون ذلك وهم لا بسونَ الثيابَ حقيقةً، بخلاف كونهم لؤلؤاً فإنَّه
على طريق التشبيه المقتضي لقُرْب شَبَهِهم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤاً. وأجيب بأنَّ
الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان.
ورفع ((خضر)) على أنَّه صفةٌ ((ثياب))، و((إستبرق)) على أنَّه عطف على ((ثياب))،
والمراد: وثيابُ استبرقٍ.
والسندس، قال ثعلب: ما رَقَّ من الدِّيْباج، وقيل: ما رَقَّ مِن ثياب الحرير،
والفرق أنَّ الديباجَ ضَرْبٌ من الحرير المنسوج يتلوَّن ألواناً. وقال الليث: هو ضَرْبٌ
مِن الْبُزْيُون(١) يُتَّخَذُ من المِرْعِز(٢)، وهو معرَّب بلا خلاف بين أهل اللغة على ما في
((القاموس))(٣) وغيره. وزعم بعض أنَّه - مع كونه معرَّباً - أصله: سِنْدِي، بياء النسبة؛
لأنَّه يُجلَب من السِّنْد، فأبدلت الياء سيناً كما قال في سادي: سادس، وهو
كما ترى.
(١) أي: السندس. القاموس (البزيون).
(٢) المِرْعز والمِرْعِزَّى: الزَّغب الذي تحت شعر العنز، ويقال: ثوب مُمَرْعز. القاموس (رعز).
(٣) مادة (السندس).

سُوَدَّةُ الإِنْشِِّ
١٥٦
الآية : ٢١
والإستبرق: قيل: ما غَلُظَ من ثياب الحرير، وقال أبو إسحاق: الديباج الصَّفِيْق
الغَلِيظ الخَشِن(١). وقال ابن دريد: ثيابٌ حريرٌ نحو الديباج. وعن ابن عبادة: هو
بُرْدَة حمراء. وقيل: هو المنسوج من الذهب.
وهو اسم أعجميّ معرَّب عند جمع، أصله بالفارسية: إِسْتَبْرَه(٢)، وفي
((القاموس))(٣): معرَّب اسْتَرْوَه. وحكي ذلك عن ابنِ دريد، وأنَّه قال: إنَّه سريانيّ.
وقيل: معرَّب: اسْتَفْره، وما في صورة الفاء ليست فاءً خالصة وإنَّما هي بين الفاء
والباء. وقيل: عربيٍّ وافقت لغةُ العربِ فيه لغةً غيرهم، واستصوبه الأزهريُّ(٤).
وكما اختلفوا فيه هل هو معرَّب أو عربيٍّ، اختلفوا هل هو نكرةٌ أو عَلَمُ جنسٍ،
مبنيٌّ، أو مُعْرَب، أو ممنوعٌ من الصَّرْف، وهمزته همزة قَطْع أو وصل، والصحيح
على ما قال الخفاجيُّ: إنَّه نكرةٌ مُعْرَب مصروفٌ مقطوع الهمزة، كما يشهد به
القراءة المتواترة(٥). وسيُعلم إن شاء الله تعالى حالُ ما يخالفها.
وفي ((جامع التعريب))(٦): إنَّ جمعَه: أَبارق، وتصغيره: أُبَيْرِق، حذفت السين
والتاء في التكسير؛ لأنَّهما زيدتا معاً فأجريا مجرى الزيادة الواحدة. وفي المسألة
خلاف أيضاً مذكور في محلِّه.
ولم يذكر لون هذا الإستبرق، وأشار ناصر الدين(٧) إلى أنَّه الخضرة، فـ ((خضر))
وإن توسّط بين المعطوف والمعطوف عليه فهو لهما .
(١) معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج ٢٦٢/٥، وتحرف في مطبوعه ((الحسن)) إلى: الخشن.
والمثبت موافق لما نُقل عنه في تهذيب اللغة ٩/ ٤٢٢، واللسان (أسق).
(٢) الذي في معجم الألفاظ الفارسية لأدى شير ص١٠: معرَّب: إِسْتَبْر. والذي في المعجم
الذهبي ص٣٣٤: سِتَّبْرق، معرَّب: استبرق، وتلفظ: ستبرك وستبره.
(٣) مادة: (برق).
(٤) تهذيب اللغة ١٤/ ٢٧٠ مادة (تنر).
(٥) حاشية الشهاب ٢٩١/٨.
(٦) ذكر عبد اللطيف بن محمد رياضي زاده في كتابه أسماء الكتب ص١١٩ أنه لجمال الدين
عبد الوهاب.
(٧) أي: البيضاوي في تفسيره ٢٩١/٨ بهامش حاشية الشهاب.

الآية : ٢١
١٥٧
سُورَةُ الإِنسِاِ
وعلى كلِّ حال هذه الثياب لباسٌ لهم، وربَّما تُشعِر الآية بأنَّ تحتها ثياباً
أخرى، وقيل على وجه الحاليّة من ضمير ((متَّكئين)): إنَّ المراد: فوق حِجَالهم
المضروبة عليهم ثياب سندس .. إلخ، وحاصله: أنَّ حِجَالهم مكلَّلة بالسندس
والإستبرق.
وقرأ ابن عباس - بخلاف عنه - والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابنُ محيصن ونافع
وحمزة: ((عالِيْهِم)) بسكون الياء وكسر الهاء(١)، وهي رواية أبان عن عاصم، فهو
مرفوع بضمَّة مقدَّرة على الياء على أنَّه مبتدأ، و((ثياب)) خبره، وعند الأخفش فاعلٌ
سدَّ مسدّ الخبر. وقيل: على أنَّه خبرٌ مقدَّم، و((ثياب)) مبتدأ مؤشّر، وأخبر به عن
النكرة؛ لأنَّه نكرة، وإضافته لفظيّة وهو في معنى الجماعة، كما في ﴿سَِرًّا تَهْجُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٦٧] على ما صرَّح به مكيٍّ(٢)، ولا حاجةَ إلى التزامه على رأي
الأخفش. وقيل: هو باقٍ على النصب، والفتحة مقدَّرة على الياء، وأنتَ تعلم أنَّ
مثلَه شاذٌّ أو ضرورة، فلا ينبغي أن يُخرَّج عليه القراءةُ المتواترة.
وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة وزيد بنُ عليٍّ: ((عالِيَتُهُم)) بالياء والتاء
مضمومة(٣)، وعن الأعمش أيضاً وأبان عن عاصم: فتح التاء الفوقيَّة (٤)،
وتخريجهما كتخريج ((عاليهم)» بالسكون والنصب.
وقرأ ابن سيرين ومجاهد في روايةٍ وقتادة وأبو حيوة وابن أبي عبلة
والزعفراني وأبان أيضاً: ((عَلَيْهم)) جارًّا ومجروراً (٥)، فهو خبر مقدَّم و((ثياب)) مبتدأ
مؤخّر.
وقرأت عائشة: ((عَلَتْهُم)) بتاء التأنيث فعلاً ماضياً، فـ ((ثياب)) فاعل.
(١) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢ عن نافع وحمزة وأبي جعفر، والكلام من البحر ٣٩٩/٨.
(٢) مشكل إعراب القرآن ٧٨٦/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٥، ومعاني القرآن للفراء ٢١٩/٣، وتفسير القرطبي ٤٨٢/٢١،
والدر المصون ٦١٨/١٠، والبحر المحيط ٣٩٩/٨.
(٤) البحر المحيط ٣٩٩/٨.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٥، والبحر المحيط ٣٩٩/٨ والكلام منه، والقراءة ذكرت في
القراءات الشاذة ص١٦٦ عن مجاهد وابن سيرين بضمِّ الهاء هكذا: عليهُمْ.

سُوَرَّةُ الإِنْشِِّ
١٥٨
الآية : ٢١ .
وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة: ((ثيابٌ سندسٌ)) بتنوين (ثياب)) ورفع ((سندس))(١)
على أنَّه وصفٌ لها، وهذا كما تقول: ثوبٌ حريرٌ، تريد مِن هذا الجنس.
وقرأ العربيَّن ونافع في رواية: ((وإستبرقٍ)) بالجرِّ(٢) عطفاً على ((سندس)).
وقرأ ابن كثير وأبو بكر بجرِّ ((خضر))(٣) صفة لـ ((سندس))، وهو في معنى
الجمع، وقد صرَّحوا بأنَّ وصف اسم الجنس الذي يُفرَّق بينه وبين واحدِهِ بتاء
التأنيث بالجمع جائز فصيح، وعليه: ﴿وَيُنشِئُّ السَّحَابَ النِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]
و﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ﴾ [ق: ١٠] وقد جاء سندسة في الواحدة، كما قاله غير واحد،
وجوِّز كونه صفة لـ ((ثياب))، وجرُّه للجوار، وفيه توافق القراءتين معنّى إلا أنَّه قليل.
وقرأ الأعمش وطلحة والحسن وأبو عمرو - بخلاف عنهما - وحمزة والكسائي:
(خضرٍ وإستبرقٍ)) بجرِّهما (٤) .
وقرأ ابن محيصن: ((واسْتَبْرقَ)) بوصل الألف وفتح القاف(٥)، كما في عامَّة
كتب القرآآت، ويفهم من ((الكشاف))(٦) أنَّه قرأ بالقطع والفتح، وأنَّ غيرَه قرأ
بما تقدَّم، وهو خلاف المعروف، وخرَّج الفتح على المنع مِن الصَّرْف، للعلميَّة
والعجمة، وغلِّط بأنَّه نكرةٌ يدخله حرف التعريف، فيقال: الإستبرق. وقيل: إنَّ ذاك
كذا، والوصل مبنيٌّ على أنَّه عربيٍّ مسمَّى باستفعل من البريق، يقال: بَرِقَ
واسْتَبْرَق، كعَجِبَ واستَعْجَبَ، فهو في الأصل فعلٌ ماضٍ ثم جُعِلَ عَلَماً لهذا النوع
مِن الثياب، فمُنعَ من الصَّرْف للعلميّة ووزن الفعل دون العجمة، وتعقّب بأنَّ كونه
مُعَرَّباً مما لا ينبغي أن يُنكَر. وقيل: هو مبنيٌّ منقولٌ من جملةٍ فِعْلٍ وضميرٍ مستترٍ .
وحالُه لا يخفى.
(١) البحر المحيط ٣٩٩/٨.
(٢) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢، والبحر ٤٠٠/٨ والكلام منه.
(٣) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢.
(٤) التيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٦٦، والمحتسب ٣٤٤/٢، والبحر المحيط ٤٠٠/٨.
(٦) ٤ / ١٩٩.

الآية : ٢١
١٥٩
سُورَةُ الإِنَّنِ
واختار أبو حيَّان(١) أنَّ ((اسْتَبْرقَ)) على قراءة ابنِ محيصن فعلٌ ماضٍ من
البريق، كما سمعت، وأنَّه باقٍ على ذلك لم يُنقَل ولم يُجعَل عَلَماً للنوع
المعروف مِن الثياب، وفيه ضمير عائد على السندس أو على الأخضر الدالِّ
عليه ((خضر))، كأنَّه لمَّا وصف بالخضرة وهي مما يكون فيها لشدَّتها دَهْمة
وغَبَش، أخبر أنَّ في ذلك اللون بريقاً وحُسْناً يُزيل غَبَشَه، فقيل: واسْتَبرقَ،
أي: برق ولمع لمعاناً شديداً، ثم قال معرِّضاً بمَن غلَّطه كأبي حاتم
والزمخشري: وهذا التخريجُ أولى من تَلْحين قارئٍ جليلٍ مشهور بمعرفة العربية،
وتوهيمٍ ضابطٍ ثقة قد أَخَذَ عن أكابر العلماء. انتهى. وقيل: الجملة عليه
معترضة أو حال بتقدير ((قد)» أو بدونه.
﴿وَحُلُواْ أَسَاوِرَ﴾ جمع: سِوار، وهو معروف، وذكر الراغب أنَّه معرَّب:
دستواره(٢) ﴿مِن فِضَةِ﴾ هي فضة لائقة بتلك الدار. والظاهر أنَّ هذا عطف على
(يطوف عليهم))، واختلافهما بالمضي والمضارعة لأنَّ الحِلْية(٣) مقدّمة على الطواف
المتجدِّد. ولا ينافي ما هنا قوله تعالى: ﴿أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] لإمكان
الجمع بتعدُّد الأساور لكلِّ، والمعاقبةِ بلبس الذهب تارةً والفضة أخرى، والتبعيضٍ
بأن يكون أساور بعضٍ ذهباً وبعضٍ فضَّة؛ لاختلاف الأعمال.
وقيل: هو حال من ضمير ((عاليهم)) بإضمار ((قد)) أو بدونه، فإن كان الضمير
للطائفين على أن يكون ((عاليهم)) حالاً من ضمير ((حسبتهم)) جاز أن يقال: الفضة
للخَدَم والذهب للمخدومین .
وجوّز أن يكون المراد بالأساور الأنوار الفائضة على أهل الجنة،
المتفاوتةَ - لتفاوت الأعمال - تفاوت الذهب والفضة، والتعبير عنها بأساور الأيدي
لأنَّه جزاء ما عملته أيديهم، ولا يخفى أنَّ هذا ممَّا لا يليقُ بالتفسير، وحَرِي أن
يكون من باب الإشارة.
(١) البحر المحيط ٨/ ٤٠٠.
(٢) المفردات (سور).
(٣) في (م): الحالية، والمثبت موافق لما في حاشية الشهاب ٩١/٨، والكلام منه.

سُورَةُ الإِنَّنِ
١٦٠
الآية : ٢١
ثم إنَّ التحلية إن كانت للوٍلْدان فلا كلامَ، ويكونون على القول الثاني في
((مخلَّدون)) مسؤَّرين مُقرَّطين، وهو مِن الحُسْن بمكان، وإن كانت لأهل الجنة
المخدومين، فقد استشكل بأنَّها لا تَليق بالرجال، وإنَّما تَليقُ بالنساء والوِلْدان،
وأجيب بأنَّ ذلك ممَّا يختلف باختلاف العادات والطبائع، ونشأة الآخرة غير هذه
النشأة، ومن المشاهد في الدنيا أنَّ بعض ملوكها يتحلَّون بأعضادهم وعلى تِيْجانهم
وعلى صدورهم ببعضٍ أنواع الحَلْي ممَّا هو عند بعض الطباع أولى بالنساء
والصبيان، ولا يَرَوْن ذلك بدعاً ولا نَقْصاً، كلُّ ذلك لمكان الأُلْف والعادة، فلا يبعد
أن يكون مِن طباع أهل الجنة في الجنة الميلُ إلى الحَلْي مطلقاً لا سيَّما وهم جُرْد
مُرْد أبناء ثلاثين، وقيل: إنَّ الأساور إنَّما تكون لنساء أهل الجنة والصبيان فقط،
لكن غُلِّب في اللفظ جانبُ التذكير، وهو خلاف الظاهر، كما لا يخفى.
﴾ هو نوع آخر يَفوقُ النوعين السابقين،
﴿وَسَقَنْهُمْ رَبّهُمْ شَرَابًا ◌َهُورًا
وهما ما مُزجَ بالكافور وما مُزِجَ بالزنجبيل، كما يرشد إليه إسناد سقيه إلى ربِّ
العالمين، ووصفه بالطهورية، قال أبو قلابة: يُؤْتَون بالطعام والشراب، فإذا كان
آخر ذلك أُتُوا بالشراب الطهور، فيُطَهِّر بذلك قلوبَهم وبطونهم ويفيض عَرَقاً مِن
جلودهم مثل ريح المسك. وعن مقاتل: هو ماءُ عين على باب الجنة مِن ساق
شجرة، مَن شَرِبَ منه نَزَعَ اللهُ تعالى ما كان في قلبه مِن غِشِّ وغِلٌّ وحسد، وما كان
في جوفه مِن قَذَر وأذى. أي: إن كان. فالطهور عليهما بمعنى المطهّر، وقد تقدَّم
في ذلك کلامٌ، فتذكَّر.
وقال غير واحد: أُريدَ أنَّه في غاية الطهارة؛ لأنَّه ليس برجسٍ كخمر الدنيا التي
هي في الشرع رِجْسٌ؛ لأنَّ الدارَ ليست دارَ تكليف، أو لأنَّه لم يُعصَر فتمسّه الأيدي
الوَضِرة وتَدوسه الأقدام الدنسة، ولم يُجعَل في الدنان والأباريق التي لم يُعْنَ
بتنظيفها، أو لأنَّه لا يؤول إلى النجاسة؛ لأنَّه يَرشُح عَرَقاً مِن أبدانهم له ریح کریح
المسك.
وقيل: أُريدَ بذاك الشراب الروحانيُّ لا المحسوس، وهو عبارة عن التجلِّي
الرباني الذي يُسكِرُهم عمَّا سواه: