Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ١٣
١٠١
سِوَرَةُ القِيَامَيَّ
لا مَلْجأ ولا مَنْجى لهم غيره عزَّ وجلَّ، أو: إلى حكمه تعالى استقرارُ أمرهم
لا يَحكُم فيه غيره سبحانه، أو: إلى مشيئته تعالى موضعُ قرارهم مِن جنَّة أو نار،
فمَن شاء سبحانه أدخله الجنَّة، ومَن شاء أَدخله النار، فتقديمُ الخبر لإفادة
الاختصاص، وإن اختلف وجهه حسب اختلاف المراد بمستقر.
و(كلا لا وَزَر)) يحتمل أن يكون مِن كلامه تعالى، يقال للقائل: أين المفرُّ؟ يومَ
يقوله، أو: هو مقولُ اليومَ على معنى: ليرتدع عن طَلَب الفرارِ وتمنِّيه ذلك اليوم،
ويحتمل أن يكون مِن تمام قولِ الإنسان، كأنَّه بعد أن يقول: أين المفرُّ؟ يعود على
نفسِه فيستدرك، ويقول: ((كلا لا وَزَر)). وأيًّا ما كان، فالظاهر أنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَ
١٣
رَبِّكَ يَوْمِذٍ الْسُنَقَّرُ (
استئنافٌ كالتعليل للجملة قَبْله، أو تحقيقٌ وكشفٌ لحقيقة الحالِ،
والخطاب فيه لسيِّد المخاطَبين وَّهِ، ولا يَحسُن أن يكون مِن جملة ما يُخاطَب به
القائل ذلك اليوم، ولا ممَّا يقوله لنفسه فيه، لمكان ((يومئذٍ))، وفي ((البحر)): الظاهر
أنَّ قوله تعالى: ﴿كَّ لَ وَزَرَ ﴿ إِلَى رَيْكَ يَوَْدٍ الْنَفَرُ﴾ مِن تمام قول الإنسان، وقيل:
هو مِن کلام الله تعالی لا حكاية عن الإنسان(١). انتهى. وفيه بحث.
وجوّز أن تكون ((كلَّا)) بمعنى ((أَلَا)) الاستفتاحيَّة، أو بمعنى: حقًّا، فتأمَّل
ولا تغفل.
﴿يَّوََّ اْإِنَنُ﴾ أي: يُخبر ﴿يَوْمَدٍ﴾ وذلك - على ما عليه الأكثر - عند وَزْنِ
الأعمال ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ أي: بما عمل مِن عملٍ، خيراً كان أو شرًّا، فيثاب بالأوَّل
ويُعاقب على الثاني ﴿وَّمَ (®﴾ أي: تَرَك ولم يَعمل، خيراً كان أو شرًّا، فيعاقبُ
بالأوَّل ويُثاب بالثاني. أو: بما قدَّم مِن حسنة أو سيئة(٢)، وبما أخّر: ما سَنَّه مِن
حسنة أو سيئة يُعمل بها بَعْدَه، أخرج ذلك ابنُ المنذر وعبد بنُ حميد وغيرُهما عن
ابنِ مسعود، وهو رواية عن ابنِ عباس(٣).
(١) البحر المحيط ٣٨٦/٨.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي الكشاف ١٩١/٤، وتفسير البيضاوي ٢٨٢/٨، وتفسير
أبي السعود ٦٦/٩: وبما أخّر من سنَّةٍ حسنة أو سيئة ...
(٣) الدر المنثور ٢٨٨/٦، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٣٤/٢، والطبري ٤٨٩/٢٣.

سُوَّةُ القِيَامَيَّ
١٠٢
الآية : ١٤
وقال زيد بن أسلم: بما قدَّم مِن ماله لنفسه فتصدَّق به في حياته، وبما أَخَّر منه
للوارثِ وَزَيْدٍ، أو وَقَفه، أو أوصى به. وقال مجاهد والنخعيُّ: بأوَّل عمله وآخِرِه.
وأخرج ابنُ جرير عنِ ابنِ عباس: بما قدَّم من المعصية وأخَّر من الطاعة.
وأخرج نحوه عن قتادة (١)، وعبد بن حميد نحوَه أيضاً عن عكرمة (٢)، وعليه فالظاهر
أنَّه عنى بالإنسان الفاجرَ.
وفَصل هذه الجملة عمَّا قبلها؛ لاستقلال كلٍّ منها ومن قولِه تعالى: ((يقول)» إلخ
في الكشف عن شدَّة الأمر أو عن سوء حال الإنسان.
﴿َلِ آلْإِنَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيَةٌ ﴾ أي: حجّة بيِّنة واضحة على نفسه شاهدة
بما صَدَرَ عنه مِن الأعمال السيِّئة كما يُؤذِن به كلمةُ ((على)) والجملة الحاليَّة بَعْدُ،
فـ ((الإنسان)) مبتدأ، و((على نفسه)) متعلّق بـ ((بصيرة)) بتقدير الأعمال، أو المعنى
عليه من غير تقدير، و((بصيرة)) خبر، وهي مجاز عن الحجّة البيِّنة الواضحة، أو
بمعنى بيِّنة، وهي صفة لحجَّة مقدَّرة هي الخبر، وجعل الحجَّة بصيرة؛ لأنَّ
صاحبها بصيرٌ بها، فالإسناد مجازيٌّ، أو هي بمعنى دالَّة مجازاً، وجوّز أن يكون
هناك استعارة مكنيَّة وتخييليَّة. والتأنيث للمبالغة أو التأنيث الموصوف، أعني:
حجَّة. وقيل: ذلك لإرادة الجوارح، أي: جوارحه على نفسه بصيرة، أي:
شاهدة، ونُسِبَ إلى القُتَبِيِّ(٣). وجوّز أن يكون التقدير: عينٌ بصيرةٌ، وإليه ذهب
الفرَّاء وأنشد:
بمَجْلِسه أو مَنْظَرٍ هو ناظِرُهْ
كأنَّ على ذي العقل عيناً بَصيرةً
من الخوف لا يَخْفَى عليهم سرائِرُ:(٤)
یُحاذِرُ حتی یحسبَ الناسَ كلَّهُمُ
وعليه، قيل: ((الإنسان)) مبتدأ أوَّل، و((بصيرة)) بتقدير: عينٌ بصيرةٌ مبتدأ ثانٍ،
(١) تفسير الطبري ٤٩٠/٢٣.
(٢) الدر المنثور ٢٨٨/٦.
(٣) غريب القرآن ص ٥٠٠.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢١١/٣، والبيتان للفرزدق وهما في ديوانه ٢٠٩/١، وورد في الديوان:
الطُّنْء، بدل: العقل. وفي معاني القرآن: الَّن. والطُّنْء: الريبة. القاموس (الطُّنْءُ).

الآية : ١٥
١٠٣
سُورَةُ القِيَامَيَّ
و ((على نفسه)) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، واختار أبو حيَّان(١)
أن تكون ((بصيرة)) فاعلاً بالجارِّ والمجرور وهو الخبر عن ((الإنسان))، وعَمِلَ
بالفاعل لاعتماده على ذلك، وأمر التأنيث ظاهر. و((بل)) للترقِّي على الوجهين:
إرادة حجَّة بصيرة، وإرادة عين بصيرة، والمعنى عليهما: يُنبّأ الإنسان بأعماله، بل
فيه ما يجزي عن الإنباء؛ لأنَّه عالم بتفاصيل أحواله، شاهدٌ على نفسه بما عملت،
لأنَّ جوارحه تَنطقُ بذلك: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[النور: ٢٤] وفي كلا الوجهين - كما قيل - شائبة التجريد، وهي في الثاني أظهر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾﴾ - أي: ولو جاء بكلِّ معذرة يُمكن أن يعتذر
بها عن نفسه - حالٌ مِن المستكنِّ في ((بصيرة))، أو مِن مرفوع ((ينبُّ)) أي: هو على
نفسه حجَّة، وهو شاهد عليها ولو أتى بكلِّ عذر في الذَّبِّ عنها، ففيه تنبيه على أنَّ
الذَّبَّ لا رواجَ له. أو: ينبَّأ بأعماله ويُجازَى ويُعاقَب لا محالةَ، ولو أتى بكلِّ
عذر، فهو تأكيد لما يُفهَم مِن مجموع قوله تعالى: ﴿يُّ الْإِنَنُ﴾ إلخ.
والمعاذير: جمع معذرة بمعنى العُذْر، على خلاف القياس، والقياس: مَعَاذِر،
بغير ياء، وأطلق عليه الزمخشريُّ(٢): اسمَ الجمع، كعادته في إطلاق ذلك على
الجموع المخالفة للقياس، وإلا فهو ليس مِن أبنية اسم الجمع. وقال صاحب
((الفرائد)»: يمكن أن يُقال: الأصل فيه معاذر، فحصلت الياء مِن إشباع الكسرة.
وهو كما ترى.
أو: جمع مِعْذار على القياس، وهو بمعنى العذر. وتعقّب بأنَّه بهذا المعنى لم
يُسمع مِن الثقات، نعم قال السُّدِّيُّ والضَّحَّاك: المعاذير: الستور بلغة اليَمَن،
واحدها: معذار. وحكي ذلك عن الزجَّاج (٣)، أي: ولو أرخى ستورَه، والمعنى أنَّ
احتجابه في الدنيا واستتاره لا يُغني عنه شيئاً؛ لأنَّ عليه مِن نفسه بصيرة، وفيه تلويح
إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [فصلت: ))]، وقيل:
(١) البحر المحيط ٣٨٦/٨.
(٢) الكشاف ٤/ ١٩١ .
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٢٥٣/٥.

سُورَةُ القِيَامَةَّ
١٠٤
الآية : ١٦
البصيرة عليه الكاتبان يَكتبان ما يكون مِن خير أو شرٍّ، فالمعنى: بل الإنسان عليه
كاتبان يكتبان أعماله ولو تَسَّر بالستور، ولا يكون في الكلام على هذا شائبة تجريد
كما تقدَّم.
والإلقاء على إرادة الستور ظاهر، وأمَّا على إرادة الأعذار، فقيل: شبَّه المجيءَ
بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستقاء به، فيكون فيه تشبيهُ ما يراد بذلك بالماء
المُرْوي للعَطَش، ويشير إلى هذا قول السُّدِّيِّ في ذلك: ولو أَدلى بحجَّة وعُذر.
وقيل: المعنى: ولو رمى بأعذاره وطَرَحها واستسلم. وقيل: ولو أحال بعضُهم على
بعضٍ، كما يقول بعضهم لبعض: ﴿لَوْلاً أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١].
و((لو)) على جميع هذه الأقوال إمّا أن يكون معنى الشرطيَّةِ منسلخاً
عنها - كما قيل - فلا جوابَ لها، وإمَّا أن يكون باقياً فيها، فالجواب محذوف يدلُّ
عليه ما قَبْلُ، واستظهر الخفاجيُّ الأوَّل(١).
وفي الآية على بعض وجوهها دليلٌ - كما قال ابنُ العربي(٢) - على قَبول إقرار
المرء على نفسه، وعدم قبول الرجوع عنه، والله تعالى أعلم.
أخرج الإمام أحمد والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وعبد بن حميد
والطبرانيُّ وأبو نُعيم والبهيقيُّ معاً في ((الدلائل)) وجماعةٌ عن ابنِ عباس قال: كان
رسولُ اللهِ وَل﴿ يُعالج مِن التنزيل شدَّة، فكان يُحرِّك به لسانه وشفتَيْه مخافةَ أن
ينفلت منه يريد أن يَحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ إلخ، فكان
رسولُ اللهِ وَ ﴿ بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليه السلام أَظْرَقَ - وفي لفظ: استَمَع - فإذا
ذهب قَرأَه كما وعد الله عزَّ وجلّ (٣). فالخطاب في قوله تعالى: ﴿لَا تُرِّكَ بِهِ،
◌ِسَانَكَ﴾ للنبيِّ وَّه والضمير للقرآن؛ لدلالة سياق الآية نحو: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِ لَيْلَةِ
(١) حاشية الشهاب ٢٨٣/٨.
(٢) في أحكام القرآن ١٨٧٨/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإكليل ص٢٧٨ .
(٣) أحمد (٣١٩١)، والبخاري (٥)، ومسلم (٤٤٨)، والترمذي (٣٣٢٩)، والنسائي في
المجتبى ١٤٩/٢، والطبراني في الكبير (١٢٢٩٧)، والبهيقي في الدلائل ٧/ ٥٦، ولم نقف
عليه في الدلائل لأبي نعيم.

الآية : ١٧ - ١٨
١٠٥
سُورَةُ القِيَامَةَّ
اُلْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أي: لا تُحرِّك بالقرآن لسانَك عند إلقاء الوحي مِن قبل أن
أي: لتأخذه على عجلة مخافةً أن ينفلتَ منكَ
يُقْضَى إليك وحيه ﴿لِتَعْجَلَ بِ:(1)
على ما يقتضيه كلام الحبر، وقيل: لمزيد حبِّك له وحرصك على أداء الرسالة،
وروي عن الشعبي، ولا ينافي ما ذكر، والباء عليهما للتعدية.
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء مِن معانيه ﴿وَقُرْءَانَهُ.
١٧
أي: إثبات قراءته في لسانك، بحيث تقرأه متى شئت، فالقرآن هنا وكذا فيما بعدُ
مصدرٌ - كالرُّجْحان - بمعنى القراءة، كما في قوله:
ضَخَّوْا بأشمَطَ عُنوانُ السجودِ به يُقطّع الليلَ تسبيحاً وقُرآنًا(١)
مضاف إلى المفعول، وثَمَّ مضاف مقدَّر.
وقيل: ((قرآنه)) أي: تأليفه، والمعنى: إنَّ علينا جمعه - أي: حِفْظَه في
حياتك - وتأليفه على لسانِك. وقيل: ((قرآنه)): تأليفه وجمعه على أنَّه مصدر قَرَأْت،
أي: جمعت، ومنه قولهم للمرأة التي لم تلد: ما قَرَأْت سَلَّى قظُ، وقول عمرو بنِ
كلثوم :
ذِرَاعَيْ بَكْرةٍ أدماءَ بِكْرٍ هجانِ اللونِ لم تَقْرَأْ جَنينا (٢)
ويُراد مِن جمعه الأوَّل جمعه في نفسه ووجوده الخارجي، ومِن ((قرآنه)) بهذا المعنى
جمعُه في ذهنه وَّهِ، وكلا القولين لا يَخفى حالُهما وإن نسب الأوَّل إلى مجاهد.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ﴾ أي: أتممنا قِرَاءته عليك بلسان جبريل عليه السلام المبلِّغ عنّا،
فالإسناد مجازيٌّ، وفي ذلك مع اختيار نون العظمة مبالغةٌ في إيجاب التأتِّي.
(١) البيت لحسان بن ثابت يصف عثمان حظوته، وهو في ديوانه ص٤٦٩. وقوله: الأشمط، يعني
المختلط سواد شعره ببياض.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٧٨/٢، والبحر ٣٨٧/٨ والكلام منه، وهذه رواية أبي عبيدة
للبيت كما ذكر النحاس في شرح المعلقات ٢/ ٩٣، والتبريزي في شرح المعلقات ص٢٥٩،
وذكراه برواية :
ذراعي عَيْطلِ أدماء بكر تربَّعت الأجارع والمتونا
والأدماء: البيضاء من الإبل. والبكرة من الإبل: التي وضعت بطئاً واحداً.

سُورَةُ القِيَامَةَ
١٠٦
الآية : ١٩ - ٢١
، فكن مقفياً له لا مبارياً. وقيل: أي: فإذا قرأناه فاتَّبع بذهنِك
﴿فَنَّعْ قُرْءَانَهُ,
١٨
وفِكْرك قرآنَه، أي: فاستمع وأَنصِت، وصحَّ هذا من رواية الشيخين وغيرهما عن
ابنِ عباس(١). وعنه أيضاً وعن قتادة والضَّخَّاك: أي: فاتَّبع في الأوامر والنواهي
قرآنَه. وقيل: اتَبَّع قرآنه بالدَّرْس، على معنى: كرِّره حتى يرسخَ في ذهنك.
مَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ أي: بيان ما أَشكل عليكَ مِن معانيه وأحكامه، على
ما قيل، واستدلَّ به القاضي أبو الطَّيِّب ومَن تابعه على جواز تأخير البيانِ عن وقت
الخطابٍ؛ لمكان ((ثم))، وتعقّب بأنَّه يجوز أن يُراد بالبيان الإظهار لا بيان المجمل،
وقد صحَّ من رواية الشيخين وجماعةٍ عن الحبر أنَّه قال في ذلك: ثم إنَّ علينا أن
نبيِّنه بلسانك(٢)، وفي لفظ: علينا أن تقرأه(٣)، ويؤيِّد ذلك أنَّ المرادَ بيانُ جميع
القرآن، والمجمَلُ بعضُه.
﴾ إرشادٌ لرسوله وَّل﴾ وأَخْذٌ به عن عادة العَجَلة وترغيبٌ له عليه الصلاة
والسلام في الأَناة، وبالغ سبحانه في ذلك - لمزيدٍ حبِّه إيَّه - باتباعه - بقوله تعالى:
على تعميم الخطاب للكلِّ، كأنَّه قيل: بل
وَذَرُونَ آلْآَخِرَةَ
٢٠
﴿بَلْ تُحِبُونَ الْعَائِلَةَ
أنتم يا بني آدمَ لمَّا خُلقتم مِن عَجَل وجُبلتم عليه، تَعجلون في كلِّ شيء، ولذا
تحبُّون العاجلة وتذرونَ الآخرةَ، ويتضمَّن استعجالَك؛ لأنَّ عادةَ بني آدمَ
الاستعجال ومحبَّة العاجلة، وفيه أيضاً أنَّ الإنسان وإن كان مجبولاً على ذلك
إلا أنَّ مَثَله عليه الصلاة والسلام ممَّن هو في أعلى منصب النبؤَّة لا ينبغي أن
يستفزَّه مقتضى الطباع البشريّة، وأنَّه إذا نُهِيَ وََّ عن العَجَلة في طلب العلم
والهدى، فهؤلاء - ودينهم حبُّ العاجلة وطَلَب الرَّدَى - كأنَّهم نُزِّلوا منزلةَ مَن
لا ينجعُ فيهم النهي، فإنَّما يعاتب الأديم ذو البشرة، ومنه يُعلَم أنَّ هذا مثَّصل بقوله
فإنَّه ملوِّح إلى معنى: ((بل تحبون)) إلخ،
سبحانه: ﴿بَلْ يُرِدُ آلْإِنَنُ لِيَفْجُرَ أَمَمُهُ ﴾
وقوله عزَّ وجلَّ: ((لا تُحرِّك)) إلخ متوسِّط بين حُبَّي العاجلة، حبّها الذي تضمَّنه ((بل
(١) صحيح البخاري (٥)، وصحيح مسلم (٤٤٨).
(٢) البخاري (٤٩٢٨)، ومسلم (٤٤٨): (١٤٧).
(٣) البخاري (٥)، ومسلم (٤٤٨): (١٤٨).

الآية : ٢١
١٠٧
سُورَةُ القِيَامَةَّ
يريد)» تلويحاً، وحبّها الذي أذن به ((بل تحبُّون)) تصريحاً، لحُسْن التخلُّص منه إلى
المفاجأة والتصريح، ففي ذلك تدرُّج ومبالغة في التقريع، والتدرُّج وإن كان يحصل
لو لم يُؤتَ بقوله سبحانه: ((لا تُحرِّك)) إلخ، في البين أيضاً، إلا أنَّه يلزم حينئذٍ
فوات المبالغة في التقريع، وأنَّه إذا لم تَجُزِ العَجَلة في القرآن وهو شفاء ورحمة،
فكيف فيما هو فجور وثُبُور؟! ويزول ما أشير إليه من الفوائد، فهو استطراد يؤدِّي
مؤذَّى الاعتراض وأبلغ، وأَظْلَق بعضُهم عليه الاعتراض.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد والحسن وقتادة والجحدريُّ: ((يحبُّون))
و(يذرون)) بياء الغيبة فيهما (١)، وأَمرُ الربط عليها كما تقدَّم، وهي أبلغ من حيث إنَّ
فيها التفاتاً وإخراجاً له عليه الصلاة والسلام مِن صريح الخطاب بحبِّ العاجلة
مضمَّناً طرفاً مِن التوبيخ على سبيل الرَّمْزِ لطفاً منه تعالى شأنُه في شأنِهِ وَِّ، وأمَّا
القراءةُ بالتاء ففيها تغليبُ المخاطَب والالتفات، وهو عكس الأوَّل.
هذا خلاصةُ ما رمز إليه جارُ الله(٢) على ما أفيد، وقد اندفعَ به قولُ بعضٍ
الزنادقة وشِرْذِمةٍ مِن قدماء الرافضة أنَّه لا وجهَ لوقوع: ((لا تُحرِّك به لسانك)) إلخ في
أثناء أمور الآخرة، ولا رَبْطَ في ذلك بوجهٍ من الوجوه، وجعلوا ذلك دليلاً
لما زعموه مِن أنَّ القرآن قد غيِّر وبُدِّل، وزِيْدَ فيه ونقص منه، وللعلماء حماةٍ
المسلمين وشُهُب سماء الدين في دَفْعِ كلامٍ ذلك كثيرٌ، منه ما تقدَّم، وللإمام(٣) أوجه
فيه، منها الحسن، ومنها ما ليس كذلك بالمرَّة. وقال الطيبيُّ: إنَّ قوله تعالى: ﴿مَّا
أي: يقال للإنسان
١٥
بَّ تُحِبُونَ الْعَاِلَةَ (٣)﴾ منَّصل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (
عند إلقاء معاذيره: كلا، إنَّ أعذاركَ غيرُ مسموعة، فإنَّك فجرتَ وفسقتَ وظننتَ
أنَّك تدوم على فجورك، وأن لا حشرَ ولا حسابَ ولا عقابَ، وذلك مِن حبِّك
العاجلةَ والإعراض عن الآخِرة، وكان من عادة الرسول وَّل أنَّه إذا لُقْنَ القرآنَ أن
(١) التيسير ص ٢١٧، والنشر ٣٩٣/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب، والكلام
من البحر ٣٨٨/٨.
(٢) الكشاف ٤/ ١٩٢.
(٣) التفسير الكبير ٢٢٢/٣٠ وما بعدها.

سُورَةُ القِيَامَةْ
١٠٨
الآية : ٢١
ينازع جبريل عليه السلام القراءةَ، وقد اتَّفق عند التلقين للآيات السابقة ما جرت به
عادتُه من العَجَلة، فلمَّا وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلَى مَعَاذِيَرَهُ ﴾﴾ أوحي إلى
جبريل عليه السلام بأن يُلقي إليه عليه الصلاة والسلام ما يُرشِده إلى أَخْذِ القرآن على
أكمل وجه، فألقى تلك الجملَ على سبيل الاستطراد، ثم عاد إلى تمام ما كان فيه
بقوله تعالى: ﴿كَّ بَّلْ تُونَ﴾ إلخ، مثاله الشيخ إذا كان يُلقِّن تلميذَه درساً، أو يُلقي
إليه فصلاً، ورآه في أثناء ذلك يَعجل ويَضْطَرب، يقول له: لا تَعجَل ولا تَضْطَرب،
فإِنِّي إذ فرغت إن كان لك إشكال أُزيله، أو كنت تَخاف فوتاً فأنا أحفّظكه، ثم يأخذ
الشيخ في كلامه ويتمِّمه. انتهى. فما في البينِ مناسبٌ لِمَا وقع في الخارج دون
المعنى الموحى به، وخصّه بعضهم لهذا بالاستطراد، وأطلق آخَر عليه الاعتراض
بالمعنى اللغويِّ. وهذا عندي بعيدٌ لم يتّفق مِثْله في النظم الجليل، ولا دَليلَ لمن يَراه
على وقوع العجلة في أثناء هذه الآيات سوى خفاءِ المناسبة.
وقال أبو حيَّان: يظهر أنَّ المناسبةَ بين هذه الآية وما قبلها أنَّه سبحانه لمَّا ذَكَر
مُنكِر القيامةِ والبعثِ مُعرِضاً عن آياتِ الله تعالى ومعجزاتِه، وأنَّه قاصرٌ شهواته على
الفجور غير مُكترِث بما يصدر منه، ذَكَر حالَ مَن يُثابر على تعلُّم آياتِ الله تعالى
وحِفْظِها وتلقُّفها(١) والنظرِ فيها وعَرْضها على مَن يُنكِرها رجاءَ قبوله إِيَّاها، ليظهرَ
بذلك تباين مَن يرغب في تحصيل آياتِ الله تعالى ومَن يرغب عنها :
وبِضدِّها تتبيَّن الأشياءُ(٢)
انتهى. وفيه أنَّ هذا إنَّما يَحسُن بعد تمام ما يتعلَّق بذلك المُنكر، والظاهر أنَّ
«لا تُحرِّك)) إلخ وقع في البین.
وقال القَّقَّال: قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِِّ﴾ إلخ خطاب للإنسان المذكور في قوله
تعالى: ﴿يُّ الْإِنَنُ﴾، وذلك حالَ إنبائه بقبائح أفعاله، يُعرَضُ علیه کتابُه، فيقال له:
(١) في (م): وتلقنها.
(٢) البحر المحيط ٣٨٨/٨، والبيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٤٩/١، وصدره:
ونذيمهم وبهم عرفنا فضله.
وذامه كذمَّه، والمعنى: ونحن نذُّ اللئام ولولاهم ما عرفنا فضله ... إلخ.

الآية : ٢١
١٠٩
سُورَةُ القِيَامَيْ
﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فإذا أخذ في القراءة تَلَجْلَج
لسانُه مِن شدَّة الخوف وسرعةِ القراءة، فقيل له: ((لا تُحرِّك به لسانَك لتعجلَ به)) فإنَّه
يجب علينا بحكم الوَعْد أو بحكم الحِكمة أن نجمعَ أعمالَك وأن نَقرأَها عليك،
فإذا قَرَأْناه عليك فاتَّبع قراءَته بالإقرار بأنَّك فعلتَ تلك الأفعال، أو التأمُّلِ فيه، ((ثم
إنَّ علينا بيانه)) أي: بيان أمرِهِ وشرح عقوبته. والحاصل على هذا أنَّه تعالى يُوقِفُ
الكافرَ على جميع أعماله على التفصيل، وفيه أشدُّ الوعيد في الدنيا والتهويل في
الآخرة. انتهى.
فضمير ((به)) وكذا الضمائر بَعْدَه للكتاب المشعِر به قوله تعالى: ﴿يُبَّوَّا الْإِنَنُ يَوْمَيِلْمٍ
بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٣)﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ﴾﴾ على قول مَن
يُفسِّرُ البصيرة بالكاتبين(١)، ولعلَّ الجملة على هذا الوجه في موضع الحال مِن
مرفوع ((ينبّأ)) بتقدير القول، كأنَّه قيل: ((ينبّأ الإنسان يومئذٍ)) عند أَخْذِ كتابه ((بما قدَّم
وأَخَّر)) مقولاً له: ((لا تُحرِّك به لسانَك)) إلخ، فالربط عليه ظاهر جدّاً، ومِن هنا
اختاره البلخيُّ ومَن تبعه، لكنَّه مخالف للصحيح المأثور الذي عليه الجمهور مِن أنَّ
ذلك خطابٌ له وَله ـ
والظاهر أنَّ التحريكَ قبل النهي إنَّما صدر منه عليه الصلاة والسلام بحُكم
الإباحة الأصليَّة فلا يتمُّ احتجاجُ مَن جوَّز الذنبَ على الأنبياء عليهم السلام بهذه
الآية.
وقال الإمام: لعلَّ ذلك الاستعجال إن كان مأذوناً فيه عليه الصلاة والسلام إلى
وقت النهي(٢). وكأنَّه أراد بالإذن الإذنَ الصريح المخصوص، وفيه بُعدٌ مّا.
وعن الضَّحَّاك أنَّ النبيَّ وَلَه كان يخاف أن ينسى القرآنَ فكان يَدرسه حتى غلبَ
ذلك وشقَّ عليه، فنزل: ((لا تُحرِّك به)) إلخ(٣). وليس بالثبت، ولعلَّ ظاهرَ الآية
لا يُساعده.
(١) تحرفت العبارة في (م) إلى: على قول من تفسير البصيرة بالكتابين.
(٢) في التفسير الكبير ٢٢٤/٣٠: لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي عنه.
(٣) المحرر الوجيز ٤٠٤/٥، والبحر المحيط ٣٨٧/٨.

سُؤَةُ القِيَامَةَّ
١١٠
الآية : ٢٢
ثم إنَّه ربَّما يُتخيَّل في الآية وجهٌ غيرُ ما ذكر عن القفَّال الربطُ عليه ظاهر أيضاً،
وهو أنَّه يكون الخطابُ في ((لا تُحرِّك)) إلخ لسيِّد المخاطَبِيْن حقيقةً، أو مِن باب:
إِيَّاكِ أعني واسْمَعي، أو لكلِّ مَن يَصلُح له، وضمير ((به)) ونظائره ليوم القيامة،
والجملة اعتراضٌ جِيْءَ به لتأكيد تهويله وتفظيعه مع تقاضي السباق له، فكأنَّه لمّا
ذَكَر سبحانه ممَّا يتعلَّق بذلك اليوم الذي افتتحت السورة بإعظامه ما يتعلَّق، قوَّى
داعي السؤال عن توقيته، وأنَّه متى يكون، وفي أيِّ وقت يبين، لا سيَّما وقد
استشعر أنَّ السؤالَ عن ذلك إذا لم يكن استهزاء ممَّا لا بأس به، فقيل: ((لا تُحرِّك
به)) أي: بطلب توقيته «لسانَك))، وهو نهي عن السؤال على أتمٍّ وجه، كما يقال:
لا تَفْتَح فمَك في أمر فلانٍ، ((لتعجل به)) لتحصِّل علمه على عجلة ((إنَّ علينا جمعه))
ما يكون فيه مِن الجمع ((وقرآنه)) ما يتضمَّن شرحَ أحواله وأهواله مِن القرآن، «فإذا
قرأناه)) قرأنا ما يتعلَّق به ((فاتَّبع قرآنه)) بالعمل بما يقتضيه مِن الاستعداد له، ثم ((إنّ
علينا بيانه)) إظهاره وقوعاً بالنَّفْخ في الصُّور وهو الطامَّةُ الكُبْرِى.
وحاصله: لا تسأل عن توقيت ذلك اليوم العظيم مستعجلاً معرفةً ذلك، فإنَّ
الواجبَ علينا حكمةً حَشْرُ الجمع فيه، وإنزالُ قرآنٍ يتضمَّن بیانَ أحواله ليُستعدَّ له،
وإظهاره بالوقوع الذي هو الداهية العظمى، وما عدا ذلك مِن تعيين وقته فلا يجبُ
علينا حكمةً، بل هو منافٍ للحكمة، فإذا سألت فقد سألت ما ينافيها، فلا تجاب.
انتهى. وفيه ما فيه، وما كنتُ أَذكُره لولا هذا التنبيه.
واللائق بجزالة التنزيل ولطيفٍ إشارته ما أَشار إليه ذو اليد الطولى
جارُ الله - تجاوز الله تعالى عن تقصيراته - فتأمَّل، فلا حَجْر على فَضْل اللهِ عزَّ
وجلَّ.
ولمَّا ردع سبحانه عن حبِّ العاجلة وتَرْك الآخِرة، عقَّب ذلك بما يتضمَّن تأكيدَ
هذا الردع ممَّا يشيرُ إلى حُسْن عاقبة حبِّ الآخِرة وسوء مغبّة العاجلة، فقال عزَّ مِن
قائل :
﴿وُجُوهٌ يَؤَذٍ نَاضِرَةُ (®﴾ أي: وجوه كثيرة - وهي وجوه المؤمنين المُخلصين يوم
إذ تقوم القيامة بهيَّةٌ متهلِّلٌ مِن عظيم المسرَّة يُشاهَدُ عليها نضرةُ النعيم، على أنَّ

الآية : ٢٣
١١١
سُورَةُ القِيَامَةَّ
((وجوه)) مبتدأ، و((ناضرة)) خبره، و((يومئذٍ)) منصوب بـ ((ناضرة))، و((ناظرة)) في قوله
خبرٌ ثانٍ للمبتدأ، أو نعت لـ ((ناضرة))، و((إلى ربِّها))
٢٣
تعالى: ﴿إَِ يَِهَا نَاظِرَةٌ
متعلّق بـ ((ناظرة)) .
وصحَّ وقوعُ النكرة مبتدأ؛ لأنَّ الموضعَ موضع تفصيل، كما في قوله:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويومٌ نُسَاء ويومٌ نُسَرّ (١)
لا على أنَّ النكرةَ تخصَّصت بـ ((يومئذ)) كما زعم ابنُ عطيّةً(٢)؛ لأنَّ ظرف الزمان
لا يكون صفةً للجثث، ولا على أنَّ (ناضرة)) صفة لها والخبر ((ناظرة)) كما قيل، لِمَا
أنَّ المشهورَ الغالب كونُ الصفة معلومةَ الانتساب إلى الموصوف عند السامع،
وثبوتُ النَّضْرة للوجوه ليس كذلك، فحقُّه أن يُخبر به، نعم ذَكَر هذا غير واحد
احتمالاً في الآية، وقال فيه أبو حيَّان: هو قولٌ سائغ(٣).
ومعنى كونها ناظرة إلى ربها أنَّها تَراه تعالى مستغرقةً في مطالعة جماله بحيث
تَغْفُل عمَّا سواه، وتشاهده تعالى على ما يليقُ بذاته سبحانه، ولا حَجْرَ على الله عزَّ
وجلَّ، وله جلَّ وعلا التنزُّه الذاتيُّ التامُّ في جميع تجلِّاته.
واعتُرضَ بأنَّ تقديمَ المعمول - يعني ((إلى ربِّها)) - يفيد الاختصاص، كما في
نظائره في هذه السورة وغيرها، وهو لا يتأتَّى لو حمل ذلك على النظر بالمعنى
المذكور؛ ضرورةً أنَّهم ينظرون إلى غيره تعالى، وحيث كان الاختصاص ثابتاً كان
الحمل على ذلك باطلاً. وفيه أنَّ التقديمَ لا يتمخَّض للاختصاص، كيف والموجب
مِن رعاية الفاصلة والاهتمام قائمٌ، ثم لو سُلِّم فهو باقٍ بمعنى أنَّ النظر إلى غيره
تعالى في جَنْب النظر إليه سبحانه لا يُعَدُّ نظراً، كما قيل في نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾
[البقرة: ٢] على أنَّ ذلك ليس في جميع الأحوال، بل في بعضها، وفي ذلك
لا التفاتَ إلى ما سواه جلَّ جلاله، فقد أخرج مسلم والترمذيُّ عن صهيبٍ عن
(١) وقع في الأصل و(م): فيوم لنا ويوم علينا، وهو خطأ رواية ووزناً، والبيت أورده سيبويه في
الكتاب ٨٦/١، والثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص٥٦ ونسباه للنمر بن تولب.
(٢) المحرر الوجيز ٤٠٥/٥ .
(٣) البحر المحيط ٣٨٩/٨.

سُورَةُ القِيَامَة
١١٢
الآية : ٢٣
النبيِّ وَّهِ أَنَّه قال: ((إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، يقول الله تعالى: تريدونَ شيئا
أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهَنا، ألم تُدخلنا الجنَّة وتنجِّنا من النار. قال:
فيكشف اللهُ تعالى الحجابَ، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم مِن النظر إلى ربِّهم))(١).
وفي حديث جابر - وقد رواه ابن ماجه -: ((فيَنظرُ إليهم وينظرون إليه،
فلا يلتفتونَ إلى شيءٍ مِن النعيم ما داموا ينظرونَ إليه حتى يحتجب عنهم))(٢)، ومن
هنا قيل:
فيَنْسَون النعيمَ إذا رَأَوْه فيا خُسْرَانَ أهلِ الاعتزال(٣)
وكثيراً ما يحصل نحو ذلك للعارفين في هذه النشأة، فيستغرقونَ في بحار الحبِّ
وتستولي على قلوبهم أنوارُ الكشف، فلا يلتفتونَ إلى شيءٍ مِن جميع الكون:
بإسفاره أنوارَ ضوءِ الكواكب (٤)
فلما استبانَ الصبحُ أدرج ضوءُه
وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: إلى مِلْك أو رحمةٍ أو ثواب ربِّها
ناظرة، والنظر على معناه المعروف، أو على حذف مضاف، والنظر بمعنى
الانتظار، فقد جاء لغة بهذا المعنى، أي: إلى إنعام ربِّها منتظرة، وتعقّب بأنَّ
الحذفَ خلافُ الظاهر، وما زعموا من الداعي مردودٌ في محلِّه، وبأنَّ النظر بمعنى
الانتظار لا يتعدَّى بـ ((إلى)) بل بنفسه، وبأنَّه لا يُسنَد إلى الوجه، فلا يقال: وجهُ زيدٍ
منتظر. والمتبادر مِن الإسناد إسنادُ النظر إلى الوجوه الحقيقيّة، وهو يأبى إرادة
الذات مِن الوجه. وتَفصَّى الشريف المرتضى في ((الدرر)) عن بعض هذا بأنَّ ((إلى))
اسم بمعنى النعمة، واحد الآلاء، وهو مفعول به لـ ((ناظرة)) بمعنى منتظرة، فيكون
الانتظار قد تعدَّی بنفسه، وفيه من البُعْد ما فيه.
(١) مسلم (١٨١)، والترمذي (٣١٠٥).
(٢) ابن ماجه (١٨٤)، وفي إسناده أبو عاصم عبد الله بن عبيد الله العباداني، وهو منكر
الحدیث.
(٣) البيت لسراج الدين علي بن عثمان الأوشي من منظومته المسماة: بدء الأمالي في أصول
الدين، وهو البيت الحادي والعشرون، ينظر ضوء المعالي شرح منظومة بدء الأمالي ص٧٢.
(٤) البيت أورده السلمي في طبقات الصوفية ص ٤٤٧، وابن الملقن في طبقات الأولياء
ص٣٦٧ في ترجمة أبي العباس القاسم بن القاسم السياري.

الآية : ٢٣
١١٣
سُوَةُ القِيَامَةَّ
والزمخشري(١) إذا تحقّقت كلامه رأيتَه لم يَدَّعِ أنَّ النظرَ بمعنى الانتظار ليتعقّب
عليه بما تعقّب، بل أراد أنَّ النظرَ بالمعنى المتعَارَف كنايةٌ عن التوقُّع والرجاء،
فالمعنى عنده أنَّهم لا يتوقَّعون النعمةَ والكرامة إلا مِن ربِّهم، كما كانوا في
الدنيا لا يَخْشون ولا يَرجُون إلا إِيَّه سبحانه وتعالى. ويَرِدُ عليه أنَّه يَرجع إلى إرادة
الانتظار لكن كناية، والانتظار لا يساعده المقام إذ لا نعمةَ فيه، وفي مثله قيل:
الانتظارُ موتٌ أحمر.
والذي يقطع الشَّغَب ويدقُّ في فروة مَن أخسَّ الطلب ما أخرجه الإمام أحمد
والترمذيُّ والدارقطنيُّ وابن جرير وابنُ المنذر والطبرانيُّ والبيهقيُّ وعبد بن حميد
وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابنِ عمر ﴿ّ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ أدنى أهلٍ
الجنَّة منزلةً لمَن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخَدَمه وسُرُرِه مسيرةَ ألف سنة،
وأَكرمهم على الله مَن يَنظُر إلى وجهه غُدْوةً وعشيّةً)) ثم قرأ رسولُ اللهِ وَّ: ﴿وُجُوهُ
فهو تفسير منه عليه الصلاة والسلام، ومِن
(٢)
بَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى يَّهَا نَاظِرَةٌ
المعلوم أنَّه أَعلمُ الأوَّلين والآخرين لا سيّما بما أُنزل عليه مِن کلام ربِّ
العالمين .
ومِثْلُ هذا فيما ذكر ما أخرجه الدارقطنيُّ والخطيب في ((تاريخه)) عن أنسٍ: أنَّ
﴾ فقال: ((والله ما نَسَخها منذ
٢٣
النبيَّ وَّهِ أَقرَأَهُ: ﴿رُجُوهُ يَوْمَّذٍ نَاضِرَةُ (﴿ إِلَى رَيْهَا نَاظِرَةٌ
أنزلها، يَزورونَ ربَّهم تبارك وتعالى فيُطعَمون ويُسقَون ويُطيَّبون ويُحَلَّون ويُرفَع
الحجابُ بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عزَّ وجلَّ))(٣). وهذا الحجاب على
ما قال السادة مِن قِبَلِهم لا مِن قِبَلِه عزَّ وجلَّ، وأنشدوا:
(١) الكشاف ٤/ ١٩٢.
(٢) الدر المنثور ٢٩٠/٦، وأحمد (٥٣١٧)، والترمذي (٢٥٥٣) و(٣٣٣٠)، والرؤية للدارقطني
(١٧١) و(١٧٢)، وتفسير الطبري ٥٠٩/٢٣، وعبد بن حميد (٨١٩)، والبعث والنشور
(٤٧٧)، وابن أبي شيبة ١١١/١٣. قال الترمذي: هذا حديث غريب.
(٣) الدر المنثور ٢٩٢/٦، والدارقطني في الرؤية (٥٥)، وتاريخ بغداد ٢٠٠/٣، وأخرجه
أيضاً ابن الجوزي في الموضوعات (١٧١٩) من طريق الدارقطني، وقال: هذا حديث
لا يصح.

سُورَةُ القِيَامَيَّ
١١٤
الآية : ٢٤ - ٢٥
وأنَّ حجاباً دُونها يَمنع اللَّثْما
وَكُنَّا حَسِبْنا أنَّ ليلى تَبَرْقَعَتْ
سوى أنَّ طَرْفي كان عن حُسْنها أَعمى (١)
فَلاحَتْ فلا واللهِ ما ئَمَّ حاجبٌ
ثُمَّ إنَّ أجهلَ الخَلْق عندهم المعتزلة وأشدّهم عمّى وأدناهم منزلةً، حيث أنكروا
صحَّة رؤيةِ مَن لا ظاهرَ سواه، بل لا موجودَ على الحقيقة إلا إيَّاه، وأدلَّة إنكارهم
صحَّةَ رؤيته تعالى مذكورةٌ مع ردودها في كتب الكلام، وكذا أدلَّة القوم على
الصِّحَّة. وكأنِّ بكَ بعد الإحاطة وتدقيقِ النظر تميلُ إلى أَّه سبحانه وتعالى يُرَى
لكن لا مِن حيث ذاته سبحانه البحت، ولا مِن حيث كلُّ تجلِّ حتى تجلِّيه بنوره
الشعشعاني الذي لا يُطاق.
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((وجوهٌ يومئذٍ نَضِرَة)) بغير ألف (٢).
﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾﴾ أي: شديدة العُبُوس، وباسل أبلغ مِن باسر فيما ذكر،
لكنَّه غلب في الشجاع إذا اشتدَّت كُلُوحَتُه، فعدل عنه لإيهامه غيرَ المراد، وعنى
بهذه الوجوه وجوه الكفرة.
﴾﴾ أي: داهيةٌ عظيمة تَقصِمُ فَقَار الظّهْر، مِن فَقَره:
﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَافِرَةٌ
أصابَ فَقَاره. وقال أبو عبيدة: ((فاقرة)) مِن فَقَرتُ البعيرَ إذا وسمتَ أنفَه بالنار(٣).
وفاعل ((تظن)) ضمير الوجوه بتقدير مضاف، أي: تظنُّ أربابُها، وجوّز أن يكون
الضمير راجعاً إليها على أنَّ الوجهَ بمعنى الذات استخداماً، وفيه بُعْدٌ.
والظَّنُّ قيل أُريدَ به اليقينُ، واختاره الطيبيُّ، و((أنْ)) المصدريَّة لا تَقعُ بعد فعل
التحقيقِ الصرف دون فعل الظَّنِّ أو ما يؤدِّي معنى العلم، فتقع بعده كالمشدَّدة
والمخفَّفة، على ما نصَّ عليه الرضي. وقيل: هو على معناه الحقيقي المشهور،
والمراد: تتوقَّع ذلك، واختاره مَن اختاره، ولا دلالةَ فيه بواسطة التقابل على أن
يكون النظرُ ثَمَّ بالمعنى المذكور، كما زعمه مَن زعمه، وتحقيق ذلك أنَّ ما يُفعَل
(١) أوردهما ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٨١/٢ ونسبهما لعفيف الدين التلمساني، والبيتان
سلفا ٥٨/١، لكن ورد فيهما: توهَّمت قِدْماً، بدل: وكنا حسبنا. وهما كما وردا في
مجموع الفتاوى.
(٢) البحر المحيط ٣٨٨/٨.
(٣) مجاز القرآن ٢/ ٢٧٨ بنحوه.

الآية : ٢٦ - ٢٧
١١٥
سُورَةُ القِيَامَةَّ
بهم في مقابلة النَّظَر إلى الربِّ سبحانه لكون ذلك غاية النعمة، وهذا غاية النقمة،
وجِيْءَ بفعل الّنِّ هاهنا دلالةً على أنَّ ما هم فيه وإن كان غاية الشَّرِّ يتوقَّع بعده أشدّ
منه، وهكذا أبداً، وذلك لأنَّ المرادَ بالفاقرة ما لا يُكْتَنَه مِن العذاب، فكلّما يُفعَل
به مِن أشدِّه، استدلَّ منه على آخَر وتوقَّع أشدَّ منه، وإذا كان ظانًّا كان أشدَّ عليه ممَّا
إذا كان عالماً موظّناً نفسَه على الأمر، على أنَّ العلم بالكائن واقعٌ لا بما يتجدَّد آناً
فآناً، فهذا وجه الإتيان بفعل الّنِّ، ولم يؤت في المقابل بفعل ظنَّ أو عَلِمَ؛ لأنَّهم
وصلوا إلى ما لا مطلوب وراءه وذاقوه، ثم بعد ذلك التفاوت في ذلك النظر قوَّةً
وضعفاً بالنسبة إلى الرائي على ما قرَّروه، فلعلَّ هذا حجَّة على الزاعم لا له،
أسبغ اللهُ تعالى علينا برؤيته فَضْلَه.
· ردعٌ عن إيثار العاجلة على الآخِرة، كأنَّه قيل: ارْتَدِعوا عن ذلك وتنّهوا
لِمَا بين أيديكم مِن الموت الذي تنقطعُ عنده ما بينكم وبين العاجلة مِن العلاقة.
﴿إِذَا بَكَفَتٍ﴾ أي: النفسُ أو الروح الدالُّ عليها سياق الكلام كما في قول حاتم:
إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدرُ(٢)
أَماوِيُّ(١) ما يُغني الثراءُ عن الفتى
ونحو قول العرب: أَرْسَلت، يريدون جاءَ المطر، ولا تكاد تسمعهم يقولون:
أَرسلت السماءُ، نعم قد يصرَّح فيما هنا بالفاعل، فيقال: بَلَغت النَّفْسُ.
﴿الَّاقِيَ ﴾﴾ أي: أعالي الصدر، وهي العظام المكتنفة ثغرةَ النَّحْر عن يمينٍ
وشمالٍ، جمع: تَرْقُوة، وأنشدوا لدريد بنِ الصُّمَّة:
وربَّ عظيمةٍ دافعْتَ(٣) عَنهُم وقد بَلَغت نُفُوسُهُمُ التراقي(٤)
﴿وَقِيلَ مَنَّ رَاقٍ (٣)﴾ أي: قال مَن حضر صاحبَها: مَن يَرقيه وينجيه ممَّا هو فيه،
(١) في هامش الأصل: لعمرك. نسخة.
(٢) ديوان حاتم ص٣٩، والحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردُّد النَّفَس. الصحاح (حشرج).
(٣) في (م): رافعت.
(٤) تفسير الرازي ٢٣٠/٣٠، وأورده أيضاً ابن هشام في السيرة النبوية ٤٥٤/٢، والحموي في
معجم البلدان ٢٥٨/٣، والصفدي في الوافي بالوفيات ١٢/١٤ ونسبوه لعمرة بنت دريد بن
الصمة قالته في قصيدة لها ترثي بها أباها .

سُورَةُ القِيَامَيَّ
١١٦
الآية : ٢٧
مِن الرُّقْيّة وهي ما يستشفي به الملسوع والمريض من الكلام المعدِّ لذلك، ومنه
آيات الشفاء، ولعلَّه أُريدَ به مُطلَقُ الطبيب أعمَّ من أن يطبّ بالقول أو بالفعل،
وروي عن ابنِ عباس والضَّخَّاك وأبو قلابة وقتادة ما هو ظاهر فيه. والاستفهام عند
بعضٍ حقيقيٍّ، وقيل: هو استفهامُ استبعادٍ وإنكار، أي: قد بلغ مبلغاً لا أحدَ يَرقيه،
كما يقال عند اليأس: مَن ذا الذي يقدر أن يرقي هذا المُشْرِف على الموت، وروي
ذلك عن عكرمة وابنٍ زید.
وقيل: هو مِن كلام ملائكة الموت، أي: أيُّكم يَرقَى بروحه، أملائكة الرحمة
أم ملائكة العذاب؟ من الرُّقي وهو العُرُوج، وروي هذا عن ابنِ عباس أيضاً
وسليمان التيمي، والاستفهام عليه حقيقيٌّ، وتعقّب بأنَّ اعتبارَ ملائكة الرحمة لا(١)
يناسب قولَه تعالى بَعْدُ: ((فلا صدَّق)» إلخ، ودُفعَ بأنَّ الضميرَ للإنسان، والمراد به
الجنس، والاقتصار بعد ذلك على أحوال بعضٍ الفريقين لا ينافي العموم فيما قَبْلُ.
ووقف حفص رواية عن عاصم على ((من)) وابتدأ ((راق))، وأدغم الجمهور(٢)،
قال أبو عليٍّ: لا أدري ما وجه قراءتهِ(٣). وكذلك قرأ: ((بل ران))(٤)، وقال
بعضهم: كأنَّه قَصَدَ أنْ لا يُتوهّم أنَّها كلمة واحدة، فسكت سكتةً لطيفة ليُشعِرَ
أنهما كلمتان، وإلا فكان ينبغي أن يُدغم في ((من راق)»، فقد قال سيبويه: إنَّ النونَ
تدغم في الراء وذلك نحو: من راشد، والإدغام بغنَّة وبغير غنَّة(٥). ولم يَذكر
الإظهار، ويُمكن أن يقال: لعلَّ الإظهار رأي كوفي، فعاصمٌ شيخُ حفص يذكر أنَّه
كان عالماً بالنحو، وأمَّا ((بل ران)) فقد ذكر سيبويه في ذلك أيضاً أنَّ إظهارَ اللام
وإدغامَها مع الراء حسنان(٦)، فلعلَّ حفصاً لمَّا أفَرطَ في إظهار الإظهار فيه صار
کالوقف القليل.
(١) قوله: لا، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٨٤/٨، والكلام منه.
(٢) السبعة ص٦٦١ و٦٧٥، والتيسير ص١٤٢.
(٣) الحجة للقراء السبعة ٣٤٦/٦.
(٤) السبعة ص ٦٧٥، والتيسير ص١٤٢ .
(٥) الكتاب ٤ /٤٥٢.
(٦) الكتاب ٤٥٢/٤، وعبارته فيه: والإدغام أحسن. والكلام من البحر ٣٩٠/٨.

الآية : ٢٨
١١٧
سُوَّةُ القِيَامَيّ
، على أنَّ النفسَ جسمٌ لا جوهرٌ مجرَّد،
٣٦
واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿إِذَا بَغَتِ التَّافِىَ
إذ لا يتَّصف بالحركة والتحيُّز، وأجاب بعضٌ بأنَّ هذه النفسَ المسندَ إليها بلوغُ التراقي
هي النفسُ الحيوانيَّة لا الروح الأمريَّة وهي الجوهر المجرَّد دون الحيوانيَّة، وآخَرُ بأنَّ
المرادَ ببلوغها التراقي قُرْبُ انقطاع التعلُّق، وهو ممَّا يَتَّصف به المجرَّد، إذ لا يستدعي
حركة ولا تحيُّزاً ولا نحوهما ممَّا يستحيل عليه، وزعم أنَّه لا يمكن إرادةُ الحقيقة ولو
كانت النفس جسماً ضرورةَ أنَّ بلوغها التراقي لا يتحقَّق إلا بعد مفارقتها القلب،
وحينئذٍ يَحصل الموت، ولا يقال: ((مَن رَاق)) كما هو ظاهر على الوجه الأوَّل فيه،
ولا يتأتَّى أيضاً ما يُذكَر بَعْدُ على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى فيه.
والذي عليه جمهور الأمَّة سلفاً وخَلَفاً أنَّ النَّفْسَ - وهي الروح الأمريَّة - جسمٌ
لطيف جدًّا ألطف مِن الضوء عند القائل بجسميَّته، والنفس الحيوانيَّة مَرْكَبٌ لها،
وهي سارية في البَدَن نحو سريان ماءِ الورد في الورد، والنار في الفحم، وسريانٍ
السيال الكهربائيّ، عند القائل به في الأجسام، والأدلَّة على جسميَّتها كثيرةٌ، وقد
استوفاها الشيخ ابنُ القيم في كتاب ((الروح)) (١) وأتى فيه بالعَجَب العجاب.
ثم الظاهر أنَّ المرادَ ببلوغ التراقي مشارفة الموت وقُرْب خروجٍ الروح من
البَدَن، سَلِمَت الضرورة التي في كلام ذلك الزاعم أم لم تَسْلَم؛ لقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ
مَنَّ رَاقِ
٢٧
، أي: وظنَّ الإنسانُ المُحتَضر أنَّ ما نزل به الفِراق مِن
٢٨
﴿وَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
حبيبته الدنيا ونعيمِها، وقيل: فراق الروحِ الجسدَ. والظُّّ هنا عند أبي حيَّان(٢) على
بابه، وأكثر المفسِّرين على تفسيره باليقين، قال الإمام: ولعلَّه إنَّما سمّي اليقين
هاهنا بالظَّنِّ؛ لأنَّ الإنسان ما دامت روحُه متعلِّقة ببدنه يطمع في الحياة لشدَّة حبِّه
لهذه الحياة العاجلة، ولا يَنقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقينُ الموت بل الظَّنُّ
الغالب مع رجاء الحياة، أو لعلَّه سمَّاه بالظّنِّ على سبيل التَّهُم(٣).
(١) تنظر المسألة الخامسة من كتابه المذكور أعلاه.
(٢) البحر المحيط ٣٩٠/٨.
(٣) التفسير الكبير ٢٣١/٣٠.

سُورَةُ القِيَامَيَّ
١١٨
الآية : ٢٩ - ٣٠
، أي: التَفَّتْ ساقُه بساقه والْتَوَتْ عليها عند هَلَع
﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
٢٩
الموت وقلقه(١)، كما روي عن الشعبيِّ وقتادة وأبي مالك. وقال الحسن وابنُ
المسيب: هما ساقا الميت عندما لُفَّا في الكفن. وقيل: المراد بالتفافهما انتهاءُ
أمرهما وما يُراد فيهما، يعني موتهما. وقيل: يَبَسُهما بالموت وعدم تَحرُّك
إحداهما عن الأخرى حتى كأنَّهما ملتفَّتان، فهما أوَّل ما يَخرج الروحُ منه فتبردان
قبل سائرِ الأعضاء وتَيبسان، فالساق بمعناهما الحقيقيّ، و((أل)) فيها عهديَّة أو
عِوَض عن المضاف إليه.
وقال ابنُ عباس والربيع بنُ أنس وإسماعيل بن أبي خالد وهو روايةٌ عن الحسن
أيضاً: التفّت شدّة فراقِ الدنيا بشدّة إقبال الآخِرة واختلطتا. ونحوُه قولُ عطاء:
اجتمع عليه شدَّةُ مفارقة المألوف مِن الوطن والأهل والولد والصديق وشدَّةُ القُدوم
على ربِّه جلَّ شأنه لا يدري بماذا يَقدمُ عليه، فالساق عبارة عن الشِّدَّة، وهو مَثَل في
ذلك، والتعريف للعهد، وأخرج عبد بن حميد وابنُ جرير عن الضَّحَّاك: التَّفَّت
أَسْوُقُ حاضريه مِن الإنس والملائكة، هؤلاء يجهِّزون بَدَنه إلى القبر، وهؤلاء
يجهِّزون روحه إلى السماء(٢). فكأنَّهم للاختلاف في الذهاب والإياب والتردُّد في
الأعمال قد التَّّت أسوقُهم، وهذا الالتفاف على حدِّ اشتباك الأَسِنَّة.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْسَاقُ ﴾﴾ أي: إلى الله تعالى وحُكمه سَوْقُّه لا إلى غيره،
على أنَّ ((المساقَ)) مصدرٌ ميمي كالمقال، وتقديمُ الخبر للحَصْر، والكلام على تقدير
مضاف هو: حكم، وقيل: هو موعد، والمراد به الجنة أو النار، وقيل: ليس هناك
مضاف مقدَّر على أنَّ الرَّبَّ جلَّ شأنه هو السائق، أي: سَوْقُ هؤلاء مفوَّض إلى
ربِّك لا إلى غيره، والظاهر ما تقدَّم. ثم إن كان هذا في شأن الفاجر أو فيما يعمُّه
والبَرَّ، يُراد بالسوق السوقُ المناسب للمسوق، وهذه الآية لعَمْري بشارةٌ لمن حسَّن
ظنَّه بربِّه، وعَلِمَ أنَّه الرَّبُّ الذي سبقت رحمتُه على غضبه:
ويَنزلُ الركبُ بمَغْنَاهُمُ
قالوا غداً نأتي ديارَ الحِمَى
(١) في (م): وقلبه.
(٢) تفسير الطبري ٥١٧/٢٣، وينظر الدر المنثور ٢٩٦/٦.

الآية : ٣١ - ٣٣
١١٩
سُورَةُ القِيَامَةْ
بأيِّ وَجْهٍ أتلقَّاهُمُ
فقلتُ لي ذَنْبٌ فما حيلتي
لا سيَّما عمَّن تَرجاهُمُ(١)
قالوا أليسَ العفوُ مِن شأنِهم
ثم إنَّ جواب ((إذا)) محذوف دلَّ عليه ما ذكر، أي: كان ما كان، أو: انكشفت
للمرء حقيقةُ الأمر، أو: وَجَدَ الإنسانُ ما عملَه مِن خير أو شَرِّ.
﴿فَلَا صَدَّقَ﴾ أي: ما يجب تصديقه مِن الله عزَّ وجلَّ والرسولِ وَّرِ والقرآنِ الذي
أُنزل عليه ﴿وَلَا صَلَّى ﴾﴾ ما فُرضَ عليه، أي: لم يُصدِّق ولم يُصلِّ، فـ((لا)) داخلة
على الماضي كما في قوله :
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جمَّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلمَّا(٢)
والضمير في الفعلين للإنسان المذكور في قوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ آلْإِسَنُ﴾،
» على ما ذهب إليه
والجملة عطف على قوله سبحانه: ﴿يَسْثَلُ أََّنَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ
الزمخشريُّ(٣)، فالمعنى بناءً على ما علمتَ مِن أنَّ السؤالَ سؤالُ استهزاء واستبعادٍ :
اسْتَبْعَدَ البعثَ وأَنكره، فلم يأتِ بأصل الدين وهو التصديق بما يَجبُ تصديقُه به،
ولا بأهمِّ فروعه وهو الصلاة، ثم أكَّد ذلك بذكر ما يُضادّه بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ
نفياً لتوهُّم السكوت أو الشَّكِّ، أي: ومع ذلك أظهرَ الجحودَ والتولِّي
رَقُوَ ﴾﴾
عن الطاعة.
﴾﴾ يتبختر افتخاراً بذلك، ومَن صَدَرَ عنه مِثْلُ ذلك
٣٣
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَعْظَّىَ
ينبغي أن يَخافَ مِن حلولِ غضبِ الله تعالى به، فيمشي خائفاً متطامناً لا فَرِحاً
متبختراً، فـ (ثمَّ) للاستبعاد، و((يتمّى)) مِن المَطِّ، فإنَّ المتبختر يمدُّ خطاه، فيكون
أصله: يَتَمَطَّط، قُلبت الطاء فيه حرفَ علَّة؛ كراهة اجتماع الأمثال، كما قالوا:
(١) الأبيات لعَلَم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المقرئ النحوي
الشافعي، قالها لما حضرته الوفاة، وهي في وفيات الأعيان لابن خلِّكان ٣٤١/٣، ومعرفة
القراء الكبار للذهبي ١٢٤٨/٣-١٢٤٩، وشذرات الذهب لابن العماد ٣٨٦/٧ عند
ترجمته.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٧) من سورة غافر.
(٣) الكشاف ٤/ ١٩٣ .

سُؤَةُ القِيَامَةَ
١٢٠
الآية : ٣٣
تَظَتَّى، مِن الّنِّ، وأصله: تَظَنَّن، أو مِن المَطَا وهو الّهْرُ، فإنَّ المتبخترَ يلوي مَطَاه
تبختراً فيكون معتلًا بحسب الأصل، وفي الحديث: ((إذا مشت أمَّتي المُطَيْطاء،
وخَدَمَتْهم فارس والروم، فقد جُعلَ بأسهم بينهم، وسُلِّط شرارُهم على خيارهم))(١).
وجعل الطيبيُّ عطفَ هذه الجملة للتعجُّب على معنى: يَسألُ أيَّان يومُ
القيامة وما استعدَّ له إلا ما يُوجب دمارَه وهلاكَه؟! وقال: إنَّ قولَه تعالى:
﴿وَإِذَا بِقَ الْبَرُ ﴾﴾ إلخ جوابٌ عن السؤال أُقحم بين المعطوف والمعطوف
عليه؛ لشدَّة الاهتمام، وإنَّ قولَه سبحانه: ﴿لَا تُرَّكِ﴾ إلخ استطرادٌ على
ما سمعتَ، وجَعْلُ ((صدَّق)) من التصديق هو المرويُّ عن قتادة.
وقال قوم: هو مِن التصدُّق أي: فلا صدَّق مالَه ولا زَّاه.
قال أبو حيَّان(٢): وهذا الذي يظهر؛ نَفَى عنه الزكاةَ والصلاةَ وأثبتَ له
التكذيبَ، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ ﴿ وَلَّمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
٤٤
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ ﴿ وَكُنَا تُكَذِّبُ بِّوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣-٤٦] وحَمْله على نفي
التصديق يقتضي أن يكون ((ولكنْ كذَّب)» تكراراً، ولزم أن يكون استدراكاً بَعْدَ
(ولا صلَّى)) لا بَعْدَ ((فلا صدَّق)) لأنَّهما متوافقان. وفيه نظر يُعلم ممَّا قَرَّرناه.
ثم إنَّه استبعدَ العطفَ على قوله تعالى: ((يسأل)) إلخ، وذكر أنَّ الآية نزلت في
أبي جهل وكادت تُصرِّح به في قوله تعالى: ((يتمَّى)) فإنَّها كانت مشيته ومشيةً
قومه بني مخزوم، وكان يُكثِرِ منها. ولم يبِيِّن حالَ العطف على هذا، وأنتَ تعلم أنَّ
العطف لا يَأبى حديثَ النزول في أبي جهل، وقد قيل: إنَّ قولَه تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ
الإِنسَنُ أَلَّنْ أَنْمَعَ عِظَهُ﴾ نازلٌ فيه أيضاً، والحكم على الجنس بأحكام لا يضرُّ فيه تعيُّن
بعضٍ أفراده في حُكمٍ منها، نعم لا شَكَّ في بُعْدِ هذا العطف لفظاً، لكن في بُعْدِهِ
معنّى مقالٌ، ولعلَّ فيمَا بَعْدُ ما يقوِّي جانبَ العطف على ذاك.
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٦١) من حديث ابن عمر ﴿ًا، وقال: حديث غريب. اهـ. وأخرجه
أيضاً ابن حبان (٦٧١٦) من حديث خولة بنت قيس يتا. وينظر ميزان الاعتدال ٥٣٨/٣،
وفيض القدير ١/ ٤٤٥، والمُطَيْطاء: مشية فيها تبختر ومدُّ يدين. النهاية (مطط).
(٢) في البحر ٣٩٠/٨.