Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ٤٢ - ٤٣ ٤٤١ سُورَةُ المُعَذِهِ فإنَّ الاستهزاءَ بالساعة والطمعَ في دخول الجنة ممَّا يتنافيان. ووجهُ أقربِيَّته قوَّةُ الارتباط بما سبق عليه، وهو في الحقيقة أبعدُ مغزّى، ومنه يُعلم أنَّ ما قيل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ ﴿ عَلَى أَنْ تُبِّلَ﴾ إلخ، أنَّ معناه: إنَّا لقادرون على أنْ نعطيَ محمداً وَ لَّ مَنْ هو خيرٌ منهم، وهم الأنصارُ = ليس بذاك. وفي التعبير عن مادة خَلْقهم بما يعلمون مما يكسر سَوْرة المتكبِّرِين ما لا يخفى. والمراد بالمشارق والمغارب: مشارقُ الشمس المئة والثمانون، ومغاربها كذلك. أو مشارقُ ومغاربُ الشمس والقمر على ما رُوي عن عكرمة. أو مشارقُ الكواكب ومغاربها مطلقاً كما قيل. وذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد: ربُّ المخلوقات بأسرها . والكلامُ في ((فلا أقسم)) قد تقدم(١). وقرأ قومٌ: ((فلأقسم))(٢) بلام دون ألف. وعبدُ الله بن مسلم وابن محيصن والجحدريُّ: ((المشرق والمغرب)) مفردَيْن(٣). ﴿فَذَرْهُرُ﴾ فخلِّهم غيرَ مكترثٍ بهم ﴿يَخُوضُوا﴾ في باطلهم الذي من جملته ما حُكي هو يومُ البعث عند النفخة ٤٢ عنهم ﴿وَأْعَبُواْ﴾ في دنياهم ﴿حَ يُلَقُواْ يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ الثانية؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ﴾ أي: القبور، فإنَّه بدلٌ من ((يومهم))، وهو مفعول به لـ ((يلاقوا)). وتفسيرُه بيوم موتهم أو يوم بدر أو يوم النفخة الأولى، وجعلُ ((يوم)) مفعولاً به لمحذوف كـ: اذكر، أو متعلّقاً بـ ((ترهقهم ذلة)) = مما لا ينبغي أن يُذهب إليه. وما في الآية من معنى المهادنة منسوخٌ بآية السيف. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: ((يَلْقَوْا)»(٤) مضارع: لقي، وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ: ((يُخرَجون))(٥) على البناء للمفعول، من الإخراج. (١) ٢٧ /١٥٢. (٢) البحر ٣٣٦/٨، وهي قراءة الحسن وعيسى، ينظر ٢٧/ ١٥٢. (٣) البحر ٣٣٦/٨. (٤) البحر ٣٣٦/٨، وقراءة أبي جعفر - من العشرة - في النشر ٣٩١/٢. (٥) البحر ٣٣٦/٨، ونسبها ابن خالويه في الشواذ ص ١٦١ لعليٍّ ◌َُّه. سُورَةُ المُعَلِةِ ٤٤٢ الآية : ٤٣ ﴿سِرَاعً﴾ أي: مسرعين، وهو حالٌ من مرفوع ((يخرجون))، وهو جمعُ: سريع، کظریف وظراف. ﴿كَّهُمْ إِلَى تُصُدٍ﴾ وهو ما نُصِبَ فعُبدَ من دون الله عز وجل، وعدَّه غيرُ واحد مفرداً، وأنشد قولَ الأعشى: وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَنْسُكَثَّه لعاقبة واللهَ رَبَّك فاعْبُدا(١) وقال بعضهم: هو جمعُ: نِصاب، ككتاب وكُتب. وقال الأخفش: جمعُ: نَصْب، كَرَهْن ورُهُن، والأنصابُ جمعُ الجمع(٢). وقرأ الجمهور: (نَصْب)) بفتح النون وسكون الصاد(٣)، وهو اسمٌ مفرد، فقيل: الصنم المنصوب للعبادة، أو العَلَم المنصوب على الطريق ليهتدي به السالكُ. وقال أبو عمرو: هو شبكة يقع فيها الصيد، فيسارع إليها صاحبُها مخافةً أن يتفلَّت الصيدُ. وقيل: ما يُنصب علامةً لنزول الملك وسَيْره. وقرأ أبو عمران الجوني ومجاهد: ((نَصَب)) بفتح النون والصاد(٤)، فَعَل بمعنى مفعول . وقرأ الحسن وقتادة: ((نُصْب)) بضمِّ النون وسكون الصاد(٥)، على أنه تخفيف نُصُب بضمَّتين، أو جمع: نَصَب بفتحتين كوَلَد ووُلُد. ﴿يُوفِضُونَ ﴾﴾ أي: يسرعون، وأصلُ الإيفاض كما قال الراغب(٦): أن يعدو مَنْ عليه الوَفْضَة - وهي الكنانة - فَتَخَشْخَش عليه، ثم استُعمل في الإسراع. (١) ديوان الأعشى ص ١٨٧، والصحاح واللسان وتاج العروس (نصب). ورواية اللسان: لعافية. وعجزه في الديوان: ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا. قال في اللسان: وقوله: وذا النُّصُبَ، بمعنى: إياك وذا النُّصُبَ. وفاعبدا: أراد: فاعبدنْ، فوقف بالألف. (٢) وذكره أبو حيان في البحر ٣٣٦/٨. (٣) هي قراءة العشرة ما عدا ابن عامر، وعاصم في رواية حفص، التيسير ص٢١٤، والنشر ٣٩١/٢. (٤) البحر ٣٣٦/٨، وتحرف الجوني في الأصل و(م) إلى: الحوفي. (٥) البحر ٣٣٦/٨، ونسبها ابن خالويه في الشواذ ص١٦١ لأبي العالية. (٦) في المفردات (وفض). ٠ ٦ الآية : ٤٤ ٤٤٣ سُورَةُ المعدة وقيل: هو مطلق الانطلاق. ورُوي عن الضحاك. والأكثرون على الأول. والمراد أنَّهم يخرجون مسارعين إلى الداعي، يسبق بعضُهم بعضاً . والإسراع في السير إلى المعبودات الباطلة كان عادةً للمشركين، وقد رأينا كثيراً من إخوانهم الذين يعبدون توابيتَ الأئمّة ونحوهم ﴿ه كذلك، وكذا عادةُ من ضلَّ الطريق أن يسرع إلى أعلامها، وعادةُ الجند أن يسرعوا نحو منزل المَلِك. ﴿خَيْعَةً أَبْصَرُهُمْ﴾ لِعِظَم ما تحقَّقوه، ووُصفت أبصارُهم بالخشوع مع أنَّه وصف الكلِّ؛ لغاية ظهور آثاره فيها ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم ﴿ِلَّةٌ﴾ شديدةٌ. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة ﴿الْوِمُ الَّذِى كَانُواْ بُوعَدُونَ ٤٤ أي: في الدنيا. واسمُ الإشارة مبتدأ، و((اليوم)) خبرٌ، والموصولُ صفته، والجملةُ بعدَه صلته، والعائدُ محذوفٌ، أي: يوعدونه. وقرأ عبد الرحمن بن خلَّاد، عن داود بن سالم، عن يعقوب والحسن بن عبد الرحمن، عن التمَّار: ((ذَلَّةُ)) بغير تنوين مضافاً إلى ((ذلك اليوم)) بالجرِّ(١). هذا، واعلم أنَّ بعض المتصوِّفة في هذا الزمان ذكر في شأن هذا اليوم الذي أخبر الله تعالى أنَّ مقداره خمسون ألف سنة أنَّ المراتب أربعٌ: الملك، والملكوت، والجبروت، واللَّاهوت، وكلُّ مرتبة عليا محيطةٌ بالسفلى، وأعلى منها بعشر درجات؛ لأنَّها تمامُ المرتبة؛ لأنَّ الله تعالى خَلَق الأشياء من عشر قَبَضات، يعني من سرِّ عشر مراتب الأفلاك التسعة، والعناصرُ في كلِّ عالم بحسبه، ولذا ترتَّبت مراتب الأعداد على الأربع، والألفُ منتهى المراتب وأقصى الغايات، ولمَّا كانت النسبة إلى الربِّ - أي: إلى وِجْهَة الحقِّ - هي الغايةَ القصوى بالنسبة إلى ما عداها ﴿وَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَى﴾ [النجم: ٤٢] كان اليومُ الواحد المنسوب إليه ألفاً، ولذا كان اليوم الربوبيُّ ألفَ سنة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَةِ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فإذا ترقَّى الكون، واقتضت الحكمة ظهورَ النشأة الأخرى، وبرز آثارُ الاسم الأعظم في مقام الألوهية في رتبة الجامع، ظهر الكون (١) البحر ٣٣٦/٨. سُورَةُ المَعَلَّذِةْ ٤٤٤ الآية : ٤٤ والأكوان والمكنونات في محشرٍ واحدٍ على مراتبها في الأعيان، فظهر سرُّ النون وكُنْ﴾ لظهور ﴿فَيَكُونُ﴾ فظهر الخمسون في العَوْد كما نزل في البدء، وهو من كلمة قوله سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] فكان اليوم الواحد عند ظهور الاسم الأعظم في الجهة الجامعة خمسين ألف سنة، فالألف لترقِّي الواحد، ولمَّا كانت المراتب خمسين كان خمسين ألفاً، والخمسون: تفاصيلُ ظهور اسم الربِّ عند ظهور اسم الله في عالم الأمر الذي هو أول مراتب التفصيل في قوله تعالى: وكان أول ظهور التفصيل خمسين؛ لأنَّ التوحيد الظاهر في النقطة والألف والحروف والكلمة التامَّة والدلالة التي هي تمام الخمسة إنَّما كانت في عَشرةٍ عوالم المراتب التعيّنات، أو لأنَّ الطبائع الأربع مع حصول المزاج بظهور طبيعة خامسة وبها تمام الخمسة إنَّما كانت في عشرة عوالم بحسبها، فكان المجموع خمسين. والعوالمُ العشرة هي: عالم الإمكان، وعالم الفؤاد، وعالم القلب، وعالم العقل، وعالم الروح، وعالم النفس، وعالم الطبيعة، وعالم المادة، وعالم المثال، وعالم الأجسام. والخمسون في وجه الربِّ، ووجهة الحقِّ في العالم الأول الذي هو الآخر تكون خمسين ألف سنة. انتهى. فإن فهمتَ منه معنّى صحيحاً تقبلُه ذوو العقول، ولا يأباه المنقول، فذاك، وإلّا فاحمد الله تعالى على العافية، واسأله عزَّ وجلَّ التوفيق للوصول إلى معالم التحقيق. وللشيخ الأكبر قُدِّس سرّه أيضاً كلامٌ في هذا المقام، فمن أراده فليتبَّع کتبه، وليسأل الله تعالى الفتوحات، وهو سبحانه وليُّ الهبات. سُورَلا نوح عليه السلام مكيَّة بالاتفاق، وهي ثمان وعشرون آية في الكوفي، وتسع في البصري والشامي، وثلاثون فيما عدا ذلك. ووجه اتِّصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطيُّ (١) - وأشار إليه غيره - أنه عَلَ أَنْ تُبُّكِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ عقّبه تعالى سبحانه لمَّا قال في سورة المعارج: ﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ بقصة قوم نوح عليه السلام المشتملة على إغراقهم عن آخرهم بحيث لم يَبْقَ منهم في الأرض ديَّار، وبدَّل خيراً منهم، فوقعت موقعَ الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى، كما وقعت قصة أصحاب الجنَّة في سورة ((ن)) موقعَ الاستظهار لما ختم به تبارك هذا، مع تواخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرون. ووجه الاتصال على قول مَن زعم أنَّ السائل هو نوح عليه السلام ظاهر، وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَله يقرؤها على قوم نوح عليه السلام يوم القيامة، أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً قال: ((إنَّ الله تعالى يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أوَّلَ الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً؟ فيقولون: ما دعانا وما بلَّغنا ولا نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا. فيقول نوح عليه السلام: دعوتهم يا ربّ دعاء فاشياً في الأوَّلين والآخرين أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمدَ وَّهه فانْتَسَخَه وقرأه وآمنَ به وصدَّقه. فيقول الله عزَّ وجلَّ للملائكة عليهم السلام: ادعوا أحمد وأمَّته. فيَدْعونهم، فيأتي رسولُ اللهِ وٍَّ وأمَّتُه يسعى نورهم بين أیدیھم، (١) تناسق الدرر في تناسب السور ص٨٨. سُؤَدَلاً نورچ ٤٤٦ الآية : ١ فيقول نوح عليه السلام لمحمَّد بَّهِ وأمَّتِه: هل تعلمون أنِّي بلَّغتُ قومي الرسالة، واجتهدتُ لهم بالنصيحة، وجهدت أن أستنقذهم من النار سرّاً وجهاراً، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً. فيقول رسولُ اللهِ وَِّ وأمَّتُه: فإنَّا نشهد بما أَنشدتنا أنَّك في جميع ما قلت من الصادقين. فيقول قومُ نوح عليه السلام: وأنَّى علمتَ هذا أنت وأمّتُك ونحن أوَّل الأمم وأنتُم آخِرُ الأمم؟! فيقول رسول الله وَّل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾﴾ حتى يختم السورة، فإذا ختمها، قالت أمَّتُه: نشهد أنَّ هذا لهو القصصُ الحقُّ، وما مِن إله إلا الله، وأنَّ الله لهو العزيز الحكيم. فيقول الله عزَّ وجلَّ عند ذلك: امتازوا اليومَ أيُّها المجرمون»(١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَزْسَلْنَا نُوحًا﴾ هو اسم أعجميٌّ، زاد الجواليقيُّ: معرَّب(٢). والكرمانيُّ: معناه بالسريانية: الساكن(٣)، وصُرفَ؛ لعدم زيادته على الثلاثة مع سكون وسطه، وليس بعربيٍّ أصلاً، وقول الحاكم في ((المستدرك))(٤): إنما سُمِّيَ نوحاً؛ لكثرة نَوْحِه وبكائه على نفسه، واسمه: عبد الغفَّار. لا أظُّه يصحُّ، وكذا ما ينقل في سبب بكائه من أنه عليه السلام رأى كلباً أجرب قذراً، فبصق عليه فأنطقه الله تعالى، فقال: أتعيبني أم تعيب خالقي؟! فندم وناح لذلك. والمشهور أنه عليه السلام: ابن لَمْك(٥) - بفتح اللام وسكون الميم بعدها (١) الدر المنثور ٢٦٧/٦، والمستدرك ٥٤٧/٢-٥٤٨. (٢) المعرَّب ص٣٧٨. (٣) حاشية الشهاب ٢٤٨/٨. (٤) لم نقف عليه في مطبوعه، والقول ذكره العيني في عمدة القاري ٢١٧/١٥ دون عزوه للحاكم. (٥) جاء في هامش الأصل: ويقال: لامك، بفتح الميم وكسرها، وكان تقياً صالحاً، وفي زمانه كثرت الجبابرة من ولد قابيل، عاش ثمان مئة سنة. منه. وورد أيضاً: يقال: استخلفه إدريس بأمر الله تعالى قبل رَفْعِه، وهو فيما قيل: أول من ركب الخيل وجاهد، عاش تسع مئة واثنتين وثمانين سنة، وتوفي في أيلول. منه. الآية : ١ ٤٤٧ كاف ـ ابن مَتُّوشَلَخ - بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام والخاء المعجمة - ابن خَنُوخ - بفتح الخاء المعجمة(١) وضمِ النون الخفيفة وبعدها واو ساكنة ثم خاء معجمة، وشاع: أخنوخ بهمزةٍ أوَّلَه، وهو إدريس(٢) عليه السلام - بن يَرْد - بمثناة من تحت مفتوحة ثم راء ساكنة مهملة - ابن مهلائيل(٣) بن قينان(٤) بن أنوش(٥) - بالنون والشين المعجمة - ابن شِيت(٦) - بالتاء المثناة آخِرَه(٧) - بن آدم عليه السلام، وهذا يدلُّ على أنه عليه السلام بعد إدريس عليه السلام. وفي ((المستدرك)) أنَّ أكثر الصحابة ظُه على أنَّه قبل إدريس(٨)، وفيه عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون(٩). وفيه أيضاً مرفوعاً: ((بعث الله تعالى نوحاً لأربعين سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستِين سنة حتى كثر الناس وفشوا))(١٠). وذكر ابنُ جرير (١١) أنَّ مولده كان بعد وفاة آدم عليه السلام بمئة وستّة وعشرين عاماً، وفي ((التهذيب)) للنووي(١٢) رحمه الله تعالى أنه أطول الأنبياء عليهم السلام عُمُراً. وقيل: إنَّه أطول الناس مطلقاً عمراً، فقد عاش - على ما قال شدَّاد - ألفاً (١) جاء في هامش الأصل: وقيل: بالحاء المهملة. (٢) جاء في هامش الأصل: رفعه الله تعالى إليه وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة. منه. (٣) جاء في هامش الأصل: عاش تسع مئة وخمسة وستين. منه. (٤) جاء في هامش الأصل: عاش سبع مئة وسبعين سنة. (٥) جاء في هامش الأصل: عاش تسع مئة وستاً وستين سنة. (٦) جاء في هامش الأصل: عاش تسع مئة وستاً وستين سنة. اهـ. ووقع في (م): شيث. بالثاء، وكذا في أكثر مصادر ترجمته. (٧) قوله: بالتاء المثناة آخره. ليس في (م). (٨) المستدرك ٢/ ٥٤٦. (٩) المستدرك ٥٤٦/٢، وأخرجه أيضاً الطبري في التاريخ ١٧٨/١. (١٠) المستدرك ٥٤٦/٢-٥٤٧ . (١١) في تاريخه ١/ ١٧٤. (١٢) تهذيب الأسماء واللغات ١٣٤/١. سُورَلاَ نُورچ ٤٤٨ الآية : ١ وأربع مئة وثمانين سنة. ولم يُسمع عن أحد أنه عاش كذلك. يعني بالاتفاق؛ لئلا يَرد الخَضِرُ عليه السلام، وقد يجاب بغير ذلك. وهو على ما قيل: أوَّل مَن شُرعت له الشرائع وسُنَّت له السنن، وأوَّل رسول أنذر على الشرك وأُهلكت أمَّته. والحقُّ أنَّ آدم عليه السلام كان رسولاً قبله أُرسل إلى زوجته حوَّاء ثم إلى بَنِيْه، وكان في شريعته ما نسخ بشريعة نوح في قولٍ، وفي آخر: لم يكن في شريعته إلا الدعوة إلى الإيمان. ويقال لنوح عليه السلام: شيخ المرسَلِين، وآدم الثاني. وكان دقيقَ الوجه في رأسه طولٌ، عظيم العينين، غليظ العَضُدين، كثير لحم الفخذين، ضخم السُّرَّة، طويل اللِّحية والقامة، جسيماً. واختلف في مكان قبره؛ فقيل: بمسجد الكوفة. وقيل: بالجبل الأحمر، وقيل: بذيلِ جبلٍ لبنان بمدينة الكرك. وفي إسناد الفعل إلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة ما لا يَخفى من الاعتناء بأمر إرساله عليه السلام. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾﴾ قيل: هم سكان جزيرة العرب ومَن قَرُبَ منهم، لا أهل الأرض كافَّة؛ لاختصاص نبيِّنا وَّه بعموم البعثة مِن بين المرسَلين عليهم السلام، وما كان لنوح بعد قصَّة الغَرَق على القول بعمومه أَمْرٌ اتفاقي، واشتهر أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يسكن أرضَ الكوفة وهناك أُرسل. ﴿أَنَّ أَنَذِرْ قَوْمَكَ﴾ أي: أي أنذر قومك، على أنَّ ((أنْ)) تفسيريَّة؛ لِمَا في الإرسال من معنى القول دون حروفه، فلا محلَّ للجملة من الإعراب، أو: بأنْ أنذرهم، أي: بإنذارهم، أو: الإنذارهم، على أنَّ (أنْ)) مصدريَّة وقبلها حرف جرِّ مقدَّرٌ وهو الباء أو اللام، وفي المحلِّ بعد الحذف من الجرِّ والنصب قولان مشهوران، ونصَّ أبو حيَّان على جواز هذا الوجه في بحره هنا، ومنعه في موضع آخر(١). وحَكَى المنعَ عنه ابنُ هشام في ((المغني)) (٢)، وقال: زعم أبو حيَّان أنَّها لا توصل (١) البحر المحيط ٣٣٨/٨ و٣٨١/١ على الترتيب. (٢) مغني اللبيب ص٤٤-٤٥ . الآية : ١ ٤٤٩ لأنوج بالأمر، وأنَّ كلَّ شيء سمع من ذلك فـ((أنْ)) فيه تفسيريَّة، واستدلَّ بدليلين: أحدهما: أنَّهما إذا قُدِّرا بالمصدر فات معنى الأمر. الثاني: أنهما لم يقعا فاعلاً ولا مفعولاً، لا يصحُّ: أعجبني أنْ قُمْ، ولا : كرهت أنْ تُمْ، كما يصحُّ ذلك مع الماضي والمضارع. والجواب عن الأوَّل: أنَّ فوات معنى الأمريَّة عند التقدير بالمصدر كفوات معنى المُضِيِّ والاستقبال في الموصولة بالمضارع والماضي عند التقدير المذكور، ثم إنه يُسلِّم مصدريَّة المخفَّفة مع لزوم نحو ذلك فيها في نحو قوله تعالى: ﴿ وَاَلْخَمِسَةَ أنْ غَضِبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾(١) [النور: ٩] إذ لا يفهم الدعاء من المصدر إلا إذا كان مفعولاً مطلقاً نحو: سقياً ورعياً. وعن الثاني: أنه إنَّما منع ما ذكره لأنَّه لا معنى لتعليق الإعجاب والكراهية بالإنشاء، لا لِمَا ذكره، ثم ينبغي له أنْ لا يُسلِّم مصدريَّة ((كي))؛ لأنها لا تقع فاعلاً ولا مفعولاً، وإنَّما تقع مخفوضة بلام التعليل، ثم ممَّا يُقْطَعُ به على قوله بالبطلان حكاية سيبويه: كتبت إليه بأن قم. واحتمال زيادة الباء - كما يقول - وهمٌّ فاحشٌ؛ لأنَّ حروف الجرِّ مطلقاً لا تدخل إلا على الاسم أو ما في تأويله. انتهى. وأجاب بعضهم عن الأول أيضاً بأنَّه عند التقدير يقدَّر الأمر، فيقال فيما نحن فيه مثلاً: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه بالأمر بإنذارهم. وتعقِّب بأنَّه ليس هناك فِعْلٌ يكون الأمرُ مصدرَه كـ : أَمَرْنا أو نأمُر، ثم إنه يكون المعنى في نحو: أمرته بأن قم: أمرته بالأمر بالقيام، وأشار الزمخشريُّ إلى جواب ذلك وهو أنَّه إذا لم يَسبق لفظ الأمر أو ما في معناه من نحو: رسمت، فلا بدَّ من تقدير القول، لئلا يبطل الطلب، فيقال هنا: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: بالأمر بالإنذار(٢)، وإذا سبقه ذلك لا يحتاج إلى(٣) تقديره؛ لأن مآل العبارات - أعني: أمرته بالقيام، و: أمرته بأن قم، و: أن قم، بدون الباء، على أنَّها مفسِّرة - إلى واحد. (١) وهي قراءة نافع كما سلف عند تفسير الآية، وينظر شرح الدماميني للمغني ١/ ٦٢. (٢) الكشاف ٤/ ١٦١ . (٣) في (م): إلا . سؤالا توچ ٤٥٠ الآية : ١ وفي ((الكشف)): لو قيل: إنَّ التقدير: وأرسلناه بالأمر بالإنذار، من دون إضمار القول؛ لأنَّ الأمريَّة ليست مدلولَ جوهر الكلمة بل من متعلَّق الأداة، فيقدَّر بالمصدر تبعاً، وفي أمر المخاطب اكتفي بالصيغة تحقيقاً، لكان حسناً، وهذا كما أنَّ التقدير في: أن لا يزنيَ خيرٌ له: عدم الزنى، فيقدَّر النفي بالمصدر على سبيل التبعيَّة، وأمَّا إذا صرّح بالأمر، فلا يحتاج إلى تقدير مصدر للطلب أيضاً، هذا ولو قدر: أمرته، بالأمر بالقيام، أي: بأنْ يأمر نفسَه به مبالغة في الطلب، لم يبعد عن الصواب، ولمَّا فُهم منه ما فُهم من الأوَّل وأبلغ، استُعمل استعماله من غير ملاحظة الأصل، وادَّعى بعضهم أنَّ تقديرَ القول هنا ليس لئلا يفوتَ معنى الطلب، بل لأنَّ الباء المحذوفة للملابسة، وإرسالُ نوح عليه السلام لم يكن ملتبساً بإنذاره لتأّره عنه، وإنما هو ملتبس بقول الله تعالى له عليه السلام: ((أَنذر))، ولمّا كان هذا القول منه تعالى لطلب الإنذار، قيل: المعنى: أرسلناه بالأمر بالإنذار، وكأنَّ هذا القائل لا يبالي بفوات معنى الطلب كما يقتضيه كلام ابنِ هشام المتقدِّم آنفاً . وبحث الخفاجيُّ(١) فيما ذكروه من الفوات، فقال: كيف يفوت معنى الطلب وهو مذكور صريحاً في ((أنذر)) ونحوه؟ وتأويله بالمصدر المسبوك تأويل لا ينافيه؛ لأنَّه مفهوم(٢) أخذوه من موارد استعماله، فكيف يبطل صريح منطوقه، فما ذكروه ممَّا لا وجه له وإن اتفقوا عليه، فاعرفه. انتهى. وأقول: لعلَّهم أرادوا بفواتٍ معنى الطلب فواتَه عند ذِكْر المصدر الحاصل من التأويل بالفعل، على معنى أنَّه إذا ذكر بالفعل لا يتحقَّق معنى الطلب، ولا يتَّحد الكلامان، ولم يريدوا أنَّه يفوت مطلقاً، كيف وتحقُّقه في المنطوق الصريح كنارٍ على عَلَم، ويؤيِّد هذا منعُهم بطلانَ اللازم المشار إليه بقول ابنِ هشام: إنَّ فوات معنى الأمريَّة عند التقدير بالمصدر كفوات المضيِّ والاستقبال .. إلخ، فكأنَّه قيل: لا نُسلِّم أنَّ هذا الفوات باطل، لم لا يجوز أن يكون كفوات معنى المضيِّ والاستقبال، وفوات معنى الدعاء في نحو: ((أنْ غَضِبَ))، وقد أجمعوا أنَّ ذلك ليس (١) حاشية الشهاب ٢٤٨/٨. (٢) في الحاشية: لأنه مفهوم منه. الآية : ٢ - ٤ ٤٥١ سُؤَلا توزج بباطل؛ لأنَّه فواتٌ عند الذكر بالفعل وليس بلازم، وليس بفواتٍ مطلقاً؛ لظهور أنَّ المنطوق الصريح متكفِّل به، فتدبّر. وقرأ ابن مسعود: ((أنذر)) بغير ((أن))(١) على إرادة القول، أي: قائلين: أنذر. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ عاجل، وهو ما حلَّ بهم من الطوفان، كما قال الكلبيُّ، أو: آجل، وهو عذاب النار، كما قال ابن عباس، والمراد: أَنذرهم مِن قَبْل ذلك؛ لئلا يبقى لهم عذرٌ ما أصلاً. ﴿قَالَ﴾ استئناف بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فما فَعَلَ عليه الصلاة والسلام بعد هذا منذِرِ موضح لحقيقة الإرسال؟ فقيل: قال لهم: ﴿يَقَوْرِ إِ لَكُنْ نَذِيرٌ مُِّينُ ( الأمر، واللام في ((لكم)) للتقوية أو للتعليل، أي: لأجل نفعكم من غير أن أسألكم أجراً . متعلّق بـ ((نذير)) على مصدريَّة وقوله تعالى ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِعُونِ ((أنْ)) وتفسيريتها، ومرَّ نظيره في ((الشعراء))(٢). وقوله سبحانه: ﴿يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ مجزوم في جواب الأمر، واختُلف في ((من)) فقيل: ابتدائيَّة، وإن لم تصلح هنا لمقارنة ((إلى))، وابتداءُ الفعل من جانبه تعالى على معنى أنَّه سبحانه يبتدئهم بعد إيمانهم بمغفرة ذنوبهم إحساناً منه عزَّ وجلَّ وتفضُّلاً، وجوِّز أن يكون مِن جانبهم على معنى: أوَّل ما يحصل لهم بسبب إيمانهم مغفرةُ ذنوبهم، وليس بذاك. وقيل: بيانيَّة، ورجوعها إلى معنى الابتدائيّة استبعده الرضيُّ، ويقدَّر قبلها مبهم يفسَّر بمدخولها، أي: يغفر لكم أفعالكم التي هي الذنوب. وقيل: زائدة على رأي الأخفش المجوِّز لزيادتها مطلقاً، وجزم بذلك هنا. وقيل: تبعيضيّة، أي: يغفر لكم بعضَ ذنوبكم. واختاره بعض. (١) معاني القرآن للفراء ١٨٧/٣، وتفسير الطبري ٢٨٨/٢٣، والكشاف ١٦١/٤ . (٢) عند قوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [الآية: ١٠٨]. . سُؤُدا توزع ٤٥٢ الآية : ٤ واختلف في البعض المغفور؛ فذهب قوم إلى أنَّه حقوق الله تعالى فقط السابقة على الإيمان، وآخرون إلى أنَّه ما اقترفوه قَبْلَ الإيمان مطلقاً؛ لظاهر ما ورد مِن أنَّ الإيمان يَجُبُّ ما قَبْلَه، واستشكل ذلك العزُّ بنُ عبد السلام في ((الفوائد المنتشرة)) وأجاب عنه. فقال: كيف يصُّ هذا على رأي سيبويه الذي لا يرى كالأخفش زيادتها في الموجب، بل يقول: إنَّها للتبعيض، مع أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قَبْلَه بحيث لا يبقى منه شيء؟ والجواب: إنَّ إضافة الذنوب إليهم إنَّما تصدق حقيقةً فيما وقع، إذ ما لم يقع لا يكون ذنباً لهم، وإضافة ما لم يقع على طريق التجوُّز كما في: ﴿وَأَحْفَظُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] إذ المراد بها الأَيمان المستقبَلَة، وإذا كانت الإضافة، تارة تكون حقيقة، وتارة تكون مجازاً، فسيبويه يجمع بين الحقيقة والمجاز فيها، وهو جائز، يعني عند أصحابه الشافعيَّة، ويكون المراد مِن بعض ذنوبکم البعض الذي وقع. انتھی. ولا يَحتاج إلى حديث الجمع مَن خَصَّ الذنوبَ المغفورة بحقوق الله عزَّ وجلَّ، وهاهنا بحث وهو أن الحمل على التبعيض يأباه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] و﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقد نصَّ البعليُّ(١) في ((شرح الجمل)) على أنَّ ذلك هو الذي دعا الأخفش للجزم بالزيادة هنا، وجعله ابنُ الحاجب حجّة له، وردَّه بعض الأجلَّة بأنَّ الموجبة الجزئيَّة من لوازم الموجبة الكليّة، ولا تناقضَ بين اللازم والملزوم، ومبناه الغفلةُ عن كون مدلول ((مِن)) التبعيضيَّة هي البعضيَّة المجرّدة عن الكليّة المنافية لها لا الشاملة لِمَا في ضمنها المجتمعة معها، وإلَّا لَمَا تحقَّق الفرق بينها وبين ((مِن)) البيانيّة من جهة الحكم، ولَمَا تيسَّر تمشية الخلاف بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا قال: طلِّقي نفسَك مِن ثلاثٍ ما شئتِ. بناءً على أنَّ ((من)) للتبعيض عنده، وللبيان عندهما، قال في ((الهداية)): وإن قال لها: طلِّقي نفسَك مِن ثلاثٍ ما شئتِ. فلها أن تطلِّق نفسَها واحدة أو ثنتين، ولا تَطلُق ثلاثاً (١) شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح الحنبلي، شارح كتاب ((الجمل في النحو)) لعبد القاهر الجرجاني، وصاحب ((المطلع على أبواب المقنع))، توفي سنة (٧٠٩هـ). كشف الظنون ٥٩٩/١، والأعلام ٣٢٦. الآية : ٤ ٤٥٣ سُؤَلَا تواج عند أبي حنيفة، وقالا: تَطلُق ثلاثاً إن شاءت؛ لأنَّ كلمة ((ما)) محكمةٌ في التعميم، وكلمة ((من)) قد تستعمل للتمييز، فتحمل على تمييز الجنس، ولأبي حنيفة أنَّ كلمة (من)) حقيقة في التبعيض و((ما)) للتعميم، فيُعمل بهما (١). انتهى. ولا خفاءَ في أنَّ بناء الجواب المذكور على كون ((من)) للتبعيض إنَّما يصحُّ إذا كان مدلولها حينئذٍ البعضيَّةَ المجردة المنافية للكليَّة، ومن هنا تعجب مِن صاحب ((التوضيح)) في تقرير الخلاف المذكور حيث استدلَّ على أولويَّة التبعيض بتیقُّنه، ولم يَدْرِ أنَّ البعض المراد قطعاً على تقدير البيان البعضُ العامُّ الشاملُ لِمَا في ضمن الكُلِّ، لا البعضُ المجرَّد المراد هاهنا، فبالتعليل على الوجه المذكور لا يتمُّ التقريب، بل لا انطباقَ بين التعليل والمعلّل على ما قيل، وصوّب العلّامة التفتازانيّ حيث قال فيما علَّقه على ((التلويح)) مستدلا على أن البعضيَّة التي تدلُّ عليها ((من)) التبعيضيّة هي البعضيّة المجرّدة المنافية للكليّة لا البعضيَّة التي هي أعمُّ من أن تكون في ضمن الكُلِّ أو بدونه: لاتِّفاق النحاة على ذلك حيث احتاجوا إلى التوفيق بين قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُ مِّنِ ذُنُوبِكُْ) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فقالوا: لا يبعد أن يغفر سبحانه الذنوبَ لقوم وبعضَها لآخرين، أو خطاب البعض لقوم نوح عليه السلام، وخطاب الكُلِّ لهذه الأمَّة، ولم يذهب أحد إلى أنَّ التبعيضَ لا ينافي الكليَّة. ولم يصوّب الشريف في ردِّه عليه قائلاً: وفيه بحثٌ؛ إذ الرضيُّ صرَّح بعدم المنافاة بينهما حيث قال: ولو كان أيضاً خطاباً لأمَّة واحدة، فغفرانُ بعضِ الذنوب لا يناقض غفرانَ كلِّها بل عدم غفران بعضها يناقض غفرانَ كلِّها = لأنَّ قول الرضيِّ غيرُ مرتضى؛ لِمَا عرفْتَ مِن أنَّ مدلول التبعيضيَّة البعضيَّةُ المجرّدة. واعترض قول النحاة: أو خطاب البعض لقوم نوح عليه السلام وخطاب الكُلِّ لهذه الأمَّة = بأنَّ الإخبار عن مغفرة البعض ورد في مواضع، منها قوله تعالى في سورة ((إبراهيم)): ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الآية: ١٠] ومنها في سورة ((الأحقاف)): ﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الآية: ٣١] ومنها ما هنا وهو الذي ورد في قوم نوح عليه السلام، وأما ما ذكر في ((الأحقاف)) (١) الهداية (مع فتح القدير) ١٢٤/٣-١٢٥. سُؤالاً نواج ٤٥٤ الآية : ٤ فقد ورد في الجِنِّ، وما ورد في ((إبراهيم)) فقد ورد في قوم نوح وعاد وثمود على ما أفصح به السياق، فكيف يصحُّ ما ذكروه؟ وقيل: جيء بـ (من)) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن؛ تفرقةً بين الخطابين. ووجّه بأنَّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفّار مرتَّبةٌ على الإيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعةٌ بالطاعة والتجنُّب عن المعاصي ونحو ذلك، فتتناول الخروج عن المظالم. واعترض بأنَّ التفرقةَ المذكورة إنَّما تتمُّ لو لم يجئ الخطاب للكفرة على العموم، وقد جاءت كذلك كما في سورة الأنفال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: ٣٨]. وقد أسلفنا ما يتعلَّق بهذا المقام أيضاً، فتذكَّر وتأمَّل. ﴿وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَبَلٍ تُسَتَّىَّ﴾ هو الأمد الأقصى الذي قدَّره الله تعالى بشرط الإيمان والطاعة، وراءَ ما قدَّره عزَّ وجلَّ لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، فإنَّ وصف الأجل بالمسمَّى وتعليق تأخيرهم إليه بالإيمان والطاعة صريح في أنَّ لهم أجلاً آخر لا يجاوزونه إن لم يؤمنوا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ أي: ما قدَّره عزَّ وجلَّ لكم على تقدير بقائكم على ما أنتم عليه ﴿إِذَا ◌َءَ﴾ وأنتم على ما أنتم ﴿لَا يُؤَخِرٌ﴾ فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقَّق شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر والعصيان، فلا يجيء ويتحقَّق شرط التأخير إلى الأجل المسمَّى فتؤخَّروا إليه. وجوِّز أن يُراد به وقتُ إتيان العذاب المذكور في قوله سبحانه: (مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ) فإنَّه أجل مؤقَّت له حتماً. وأيَّما كان لا تناقضَ بين ((يؤخركم)) و((إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)) كما يتوهّم. وقال الزمخشري(١) في ذلك ما حاصله: إنَّ الأجل أجلان، و((أجل الله)) حُكْمُه حكمُ المعهود، والمراد منه الأجل المسمَّى الذي هو آخِر الآجال، والجملة عنده (١) ينظر الكشاف ١٦١/٤، وحاشية الشهاب ٢٤٩/٨. الآية : ٥ - ٦ ٤٥٥ سُوللا لوج تعليلٌ لِمَا فُهم من تعليقه سبحانه التأخير بالأجل المسمَّى وهو عدم تجاوز التأخير عنه. والأول هو المعوَّل عليه، فإنَّ الظاهر أنَّ الجملة تعليلٌ للأمر بالعبادة المستتبعة للمغفرة والتأخيرِ إلى الأجل المسمَّى، فلا بُدَّ أن يكون المنفي عند مجيء الأجل هو التأخير الموعود، فكيف يتصوَّر أن يكون ما فرِض مجيئه هو الأجل المسمَّى الذي هو آخِرِ الآجال؟ ﴿لَوْ كُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به، لكنَّكم لستم مِن أهله في شيء، فلذا لم تُسارعوا، فجواب ((لو)) مما يتعلَّق بأوَّل الكلام، ويجوز أن يكون مما يتعلَّق بآخِره، أي: لو كنتم مِن أهل العلم لعلمتم ذلك، أي: عدم تأخير الأجل إذا جاء وقتُه المقدَّر له، والفعل في الوجهين منزَّل منزلةَ اللازم، ويجوز أن يكون محذوفاً؛ لقصد التعميم، أي: لو كنتم تعلمون شيئاً، ورجّح الأوَّل بعدم احتياجه للتقدير. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمضارع؛ للدلالة على استمرار النفي المفهوم مِن (لو))، وجعل العِلْم المنفي هو العلم النظري لا الضروري ولا ما يعمّه فإنَّه مما لا ينفى، اللَّهمَّ إلا على سبيل المبالغةِ . ﴾ أي: نوح عليه السلام مناجياً ربَّه عزَّ وجلَّ وحاكياً له سبحانه بقصد الشكوى - وهو سبحانه أعلم بحاله - ما جرى بينه وبين قومه مِن القيل والقال في تلك المدد الطوال بعد ما بذل في الدعوة غايةَ المجهود، وجاز في الإنذار كلَّ حدٍّ معهود، وضاقت عليه الحيل وعيَّت به العلل: ﴿رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى﴾ إلى الإيمان والطاعة ﴿لَيْلاً وَنهارًا ﴾﴾ أي: دائماً من غير فتور ولا توانٍ ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِّىٌ إِلَّا فِرَارًا ﴾ مما دعوتهم إليه، وإسناد الزيادة إلى الدعاء مِن باب الإسناد إلى السبب على حدِّ الإسناد في: سرَّتني رؤيتُك. و ((فراراً))، قيل: تمييز، وقيل: مفعول ثانٍ، بناءً على تعدِّي الزيادة والنقص إلى مفعولين، وقد قيل: إنَّه لم يثبت وإن ذكره بعضهم. وفي الآية مبالغات بليغة، وكان الأصل: فلم يجيبوني، ونحوه، فعبَّر عن ذلك بزيادة الفرار المستندة للدعاء، وأوقعت عليهم مع الإتيان بالنفي والإثبات. سُولَلا توزع ٤٥٦ الآية : ٧ ﴿وَإِى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾ أي: إلى الإيمان، فمتعلَّق الفعل محذوف، وجوّز جعله منزَّلاً منزلة اللازم، والجملة عطف على ما قبلها، وليس ذلك من عطف المفصَّل على المجمل كما توهّم حتى يقال: إنَّ الواو من الحكاية لا من المحكي. ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: بسبب الإيمان ﴿جَعَلُواْ أَصَِّعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِمْ﴾ أي: سَدُّوا مسامعهم عن استماع الدعوة، فهو كناية عمَّا ذكر، ولا منعَ من الحمل على الحقيقة، وفي نسبة الجعل إلى الأصابع وهو منسوبٌ إلى بعضها وإيثارِ الجعل على الإدخال ما لا يخفى ﴿وَأَسْتَغْشَوْ ◌ِيَابَهُمْ﴾ أي: بالغوا في التغطّ بها كأنَّهم طلبوا من ثيابهم أن تغشاهم؛ لئلا يَرَوْه، كراهةَ النظر إليه مِن فَرط كراهة الدعوة، ففي التعبير بصيغة الاستفعال ما لا يخفى مِن المبالغة، وكذا في تعميم آلة الإبصار وغيرها مِن البدن بالستر مبالغة في إظهار الكراهة، ففي الآية مبالغة بحسب الكيف والكمِّ. وقيل: بالَغُوا في ذلك؛ لئلا يعرفَهم عليه السلام فيدعوهم. وفيه ضعف؛ فإِنَّه قيل عليه: إنَّه يأباه ترتُّبه على قوله: ((كلما دعوتهم))، اللهم إلا أن يجعل مجازاً عن إرادة الدعوة، وهو تعكيس للأمر وتخريب للنظم. ﴿وَأَسَرُّوا﴾ أي: أكبُّوا على الكفر والمعاصي وانهمكوا وجَدُّوا فيها، مستعار من: أصرَّ الحمارُ على العانة(١): إذا صرَّ أذنيه - أي: رفعهما ونصبهما مستويين - وأقبل عليها يكدمها(٢) ويطردها، وفي ذلك غاية الذمِّ لهم، وعن جارِ الله: لو لم يكن في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة، كيف والتشبيه في أسوأ أحواله وهو حال الگذم والسِّفاد. وما ذكر من الاستعارة قيل: في أصل اللغة، وقد صار الإصرار حقيقة عرفيَّة في الملازمة والانهماك في الأمر. وقال الراغب: الإصرار: التعقُّد في الذَّنْب والتشدُّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله مِن: الصَّرِّ، أي: الشَّدِّ(٣). ولعلَّه لا يأبى ما تقدَّم بناء على أنَّ الأصل الأوَّل الشَّدُّ، والأصل الثاني ما سمعت أوَّلاً. (١) العانة: جماعة الحمير الوحشية. فقه اللغة للثعالبي ص٢٠٤. (٢) الكَذْم: العضُّ بأدنى الفم. ((مختار الصحاح)) (كدم). (٣) المفردات (صر). الآية : ٩ - ١٠ ٤٥٧ سُوَلاً توزع عظيماً، وقيل: نوعاً من ﴿وَأَسْتَكْبَرُوا﴾ من اتِّباعي وطاعتي ﴿أَسْتِكْبَارًا الاستكبار غير معهود، والاستكبار: طلب الکبر من غیر استحقاق له. ﴿ثُمَّ إِنِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨ ثُمَّ إِّ أَعَْنَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا ﴾ أي: دعوتهم مرَّة بعد مرَّة، وكرَّة غبَّ كرَّة، على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، وهو تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم الأوقات، وقوله: ((ثم إني دعوتهم جهاراً)) يشعر بمسبوقيَّة الجهر بالسِّرِّ وهو الأليق بمَن همُّه الإجابة؛ لأنَّه أقرب إليها؛ لما فيه من اللطف بالمدعوِّ، فـ (ثم)) لتفاوت الوجوه، وإن الجهار أشدُّ من الإسرار، والجمع بينهما أغلظ من الإفراد. وقال بعض الأجلَّة: ليس في النظم الجليل ما يقتضي أنَّ الدعوة الأولى كانت سرًّا فقط، فكأنه أُخِذَ ذلك من المقابلة ومِن تقديم قوله: ((ليلاً))، وذكرِهم بعنوان قومه، وقولِه: ((فراراً)) فإنَّ القرب ملائم له. وجوّز كون ((ثم)) على معناها الحقيقي، وهو التراخي الزماني، لكنه باعتبار مبدأ كلٍّ من الإسرار والجِهار ومنتهاه، وباعتبار منتهى الجمع بينهما؛ لئلا ينافي عموم الأوقات السابق، ويحسن اعتبار ذلك، وإن اعتبر عمومها عرفيًّا كما في: لا يضع العصا عن عاتقه. و((جهاراً) منصوب بـ ((دَعَوْتُهم)) على المصدريَّة؛ لأنَّه أحد نوعي الدعاء، كما نصب القرفصاء في: قعدتُ القرفصاءَ عليها؛ لأنَّها أحدُ أنواع القعود، أو أريد بـ ((دعوتهم)): جاهرتهم. أو: صفة لمصدر محذوف، أي: دعوتهم دعاءً جِهاراً، أي: مجاهَراً - بفتح الهاء - به، أو: مصدر في موقع الحال، أي: مجاهِراً، بزنة اسم الفاعل. ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ بالتوبة عن الكفر والمعاصي، فإنَّه سبحانه لا يغفر أن يشرك به، وقال: ((ربّكم))، تحريكاً لداعي الاستغفار ﴿إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا ®]﴾ دائم المغفرة، كثيرها للتائبين، كأنهم تعلَّلوا وقالوا: إنْ كنَّا على الحقِّ فكيف نتركه، وإن كنّا على الباطل فكيف يَقْبلنا ويلطف بنا جلَّ وعلا بعد ما عكفنا عليه دهراً طويلاً؟! فأمرهم بما يَمحقُ ما سلف منهم مِن المعاصي ويجلب إليهم المنافع، ولذلك سُؤَرَلاَ نوج ٤٥٨ الآية : ١١ - ١٢ وعدهم على الاستغفار بأمور هي أحبُّ إليهم وأوقع في قلوبهم من الأمور الأخروية، أعني ما تضمَّنه: ((يرسل السماء)) إلخ، وأَحبِّيتُهم لذلك؛ لِمَا جبلوا عليه من محبَّ الأمور الدنيويَّة : والنفسُ مولعةٌ بحبِّ العاجلِ(١) قال قتادة: كانوا أهلَ حبِّ للدنيا، فاستدعاهم إلى الآخرة مِن الطريق التي يحبُّونها. وقيل: لمَّا كذَّبوه عليه الصلاة والسلام بعد تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم القَطْر، وأعقمَ أرحام نسائهم أربعين سنة، وقيل: سبعين سنة، فوعدهم أنهم إن آمنوا يرزقهم الله تعالى الخِصْبَ، ويدفع عنهم ما هم فيه، وهو قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾﴾ أي: كثير الدُّرُور، أي: السيلان، و((السماء)»: السحاب أو المطر، ومن إطلاقها على المطر وكذا على النبات أيضاً قولُه: إذا نزل السماءُ بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضاباً (٢) وجوِّز أن يراد بها المُظِلَّة على ما سمعت غيرَ مرَّة، وهي تذكَّر وتؤنَّث، ولا يأبى تأنيثها وصفها بـ ((مدراراً)، وأنَّ صيغ المبالغة كلَّها - كما صرَّح به سيبويه - يشترك فيها المذكَّر والمؤنَّث. وفي ((البحر))(٣): إنَّ مفعالاً لا تلحقه التاء إلا نادراً. ﴿وَيُعْدِدَكُرُ بِأَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ﴾ أي: بساتين ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ﴾ فيها أو مطلقاً ﴾ جارية، وأعاد فِعْلَ الجعل دون أن يقول: يجعل لكم جنات وأنهاراً؛ ﴿أَنْهَرًا لَـ لتغايرهما، فإنَّ الأوَّل ممَّا لفعلهم مدخل فيه بخلاف الثاني، ولذا قال: ((يمددكم بأموال وبنين» ولم يُعِدِ العامل، كذا قيل، وهو كما ترى. ولعلَّ الأولى أن يقال: إنَّ الإعادة للاعتناء بأمر الأنهار، لِمَا أنَّ لها مدخلاً عاديّاً أكثريّاً في وجود الجنَّات وفي بقائها مع منافعَ أُخَرَ لا تخفى، ورعاية لمدخليتها في بقائها الذي هو أهمُّ مِن أصل وجودها مع قوَّة هذه المدخليَّة أخِّرت (١) عجز بيت لجرير، وهو في ديوانه ٢/ ٧٣٧، وصدره: إني لآمل منك خيراً عاجلاً (٢) سلف ١١/ ٥٠٨. (٣) ٣٣٩/٨. الآية : ١٣ ٤٥٩ سُوللا توزج عنها، وأن ترك إعادة العامل مع البنين؛ لأنَّه الأصل، أو لأنه لمَّا كان الإمداد أكثرَ ما جاء في المحبوب، ولا تكمل محبوبيَّة كلٍّ من الأموال والبنين بدون الآخر، ترك إعادة العامل بينهما؛ للإشارة إلى أنَّ التفضُّل بكلِّ غير منغِّص بفقد الآخر، وتأخير البنين، قيل: لأنَّ بقاء الأموال غالباً بهم لا سيما عند أهل البادية، مع رمز إلى أنَّ الأموال تصل إليهم آخِرَ الأمر، وهو مما يسرُّ المتموِّل كما لا يخفى، فتأمَّل. وقال البقاعيُّ: المراد بالجنَّات والأنهار ما في الآخرة(١). والجمهور على الأوَّل. وروي عن الربيع بنٍ صبيح أنَّ رجلاً أتى الحسن وشكا إليه الجَدْبَ، فقال له: استغفر الله تعالى. وأتاه آخر فشكا إليه الفقرَ، فقال له: استغفر الله تعالى. وأتاه آخر، فقال: ادع الله سبحانه أن يرزقني ابناً. فقال له: استغفر الله تعالى. وأتاه آخر فشكا إليه جفافَ بساتينه، فقال له: استغفر الله تعالى. فقلنا: أتاك رجال يشكونَ ألواناً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلَّهم بالاستغفار؟ فقال: ما قلتُ مِن نفسي شيئاً إنَّما اعتبرتُ قولَ الله عزَّ وجلَّ حكايةً عن نبيِّه نوح عليه الصلاة والسلام أنَّه قال لقومه: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ الآية. ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرَّجُونَ لِلَّهِ وَقَا ﴾ إنكار لأن يكون لهم سببٌ مّا في عدم رجائهم الله تعالى وقاراً، على أنَّ الرجاء بمعنى الخوف، كما أخرجه الطستي عن ابنِ عباس مجيباً به سؤالَ نافع بنِ الأزرق منشداً قولَ أبي ذؤيب: وحالفها في بيتٍ نُوْب عواسِلٍ(٢) إذا لسَعْه النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها أو على أنَّه بمعنى الاعتقاد، كما أخرجه عنه ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ وجماعة (٣)، وعبَّر به بالرجاء التابع لأدنى الّنِّ مبالغةً، و((لا ترجون)) حال من ضمير المخاطبين، والعامل فيها معنى الاستقرار في ((لكم)) على أنَّ الإنكار متوجِّه (١) حاشية الشهاب ٢٥١/٨، وفي نظم الدرر للبقاعي ٤٣٨/٢٠. ((ويجعل لكم)) أي: في الدارين . (٢) الدر المنثور ٢٦٨/٦، والبيت سلف ٣٨/١١. (٣) الدر المنثور ٢٦٨/٦، والعظمة لأبي الشيخ (٧٥)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٩٥/٢٣. ۔ ٦ سُؤَالاً تواج ٤٦٠ الآية : ١٤ إلى السبب فقط مع تحقّق مضمون الجملة الحاليّة، لا إليهما معاً، و(لله)) متعلِّق بمضمر وقع حالاً من ((وقاراً)، ولو تأخّر لكان صفة له. والوقار كما رواه جماعة عن الحبر بمعنى العظمة؛ لأنَّه على ما نقل الخفاجيُّ عن ((الانتصاف))(١) وَرَدَ في صفاته تعالى بهذا المعنى ابتداءً، أو لأنَّه بمعنى التؤدة، لكنها غيرُ مناسبة له سبحانه فأطلقت باعتبار غايتها وما يتسبَّب عنها من العظمة في نفس الأمر، أو في نفوس الناس، أي: أيّ سبب حصل لكم حالَ كونكم غير خائفين أو غير معتقدين لله تعالى عظمةً موجبة لتعظيمه سبحانه بالإيمان به جلَّ شأنه ، أي: والحال أنَّكم على حال منافية لما أنتم والطاعة له تعالى ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا () عليه بالكليّة وهو أنَّكم تعلمون أنَّه عزَّ وجلَّ خلقكم مدرجاً لكم في حالات: عناصر ثم أغذية ثم أخلاطاً ثم نُطَفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ولحوماً ثم خَلْقاً آخَر، فإنَّ التقصير في توقير مَن هذا شأنه في القدرة القاهرة والإحسان التامٌّ مع العلم بذلك مما لا يكاد يصدر عن العاقل، فالجملة حال من فاعل ((لا ترجون)) مقرِّرة للإنكار، والأطوار: الأحوال المختلفة، وأنشدوا قوله: فإن أفاقَ فقد طارت عَمايَتُه والمرء يُخْلَقُ طوراً بعد أطوار(٢) وحَمْلُها على ما سمعت من الأحوال مما ذهب إليه جمع، وعن ابنِ عباس ومجاهد ما يقتضيه، وإن اقتصرا على ذكر النطفة والعَلَقة والمضغة، وقيل: المراد بها الأحوال المختلفة بعد الولادة إلى الموت من الصِّبا والشباب والكهولة والشيوخة والقوّة والضعف. وقيل: من الألوان والهيئات والأخلاق والمِلل المختلفة. وقيل: من الصِّحَّة والسقم، وكمال الأعضاء ونقصانها، والغنى والفقر، ونحوها . هذا، وقيل: الرجاء بمعنى الأمل كما هو الأصل المعروف فيه، والوقار بمعنى التوقير كالسلام بمعنى التسليم، وأريد به التعظيم، و(الله)) بيان للموقَّر المعظّم، فهو خبر مبتدأ محذوف، أي: إرادتي لله، أو متعلِّق بمحذوف يفسِّره المذكور، أي: (١) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥١، والانتصاف ١٦٣/٤. (٢) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٤٩، والعَماية: الضلالة.