Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ٤٢
٣٦١
سُوَّةُ القَآَمْ
عَبْد بنُ حُميد، وابنُ المنذر عنه أنه سُئل عن الآية، فغضب غضباً شديداً، وقال:
إن أقواماً يزعمون أنَّ الله سبحانه يَكشِفُ عن ساقه! وإنما يُكشف عن الأمر
الشديد(١). وعليه يُحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضاً. وإضافتُه إليه عزَّ
وجل لتهويل أمره، وأنه أمرٌ لا يقدِرُ عليه سواه عزَّ وجل.
وأربابُ الباطن من الصوفية يقولون بالظاهر، ويدَّعون أنَّ ذلك عند التجلِّي
الصوريِّ، وعليه حملوا أيضاً ما أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده))،
والطبرانيُّ، والدارقطنيُّ في ((الرؤية))، والحاكم وصحَّحه، وابنُ مردويه، وغيرُهم
عن ابن مسعود، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((يجمعُ الله الناسَ يوم القيامة، ويَنزلُ الله في
ظلَلٍ من الغَمام، فينادي منادٍ: يا أيُّها الناس، أَلَمْ ترضَوا من ربّكم الذي خلقَكم
وصوَّركم ورزقَكم أن يُولِّ كلَّ إنسانٍ منكم ما كان يعبُدُ في الدنيا ويتولَّى؟ أليس
ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى. قال: فلينطلق كلُّ إنسانٍ منكم إلى ما كان يتولَّى
في الدنيا. ويتمثَّلُ لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى عليه
السلام شيطانُ عيسى، وكذا يُمثَّل لمن كان يعبد عُزِيراً، حتى تُمثَّل لهم الشجرةُ،
والعود، والحجر، ويبقى أهلُ الإسلام جُثُوماً، فيتمثّل لهم الربُّ عزَّ وجل، فيقال
لهم: مالكم لم تنطلقوا كما انطلَقَ الناس؟ فيقولون: إن لنا ربّاً ما رأيناه بعد،
فيقول: فبِمَ تعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامةٌ، إن رأيناه عرفناه.
قال: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساقٍ، فيكشِفُ عند ذلك)). الحديث(٢). وهو
ونظائرُه من المتشابه عند السلف.
وقرأ ابنُ مسعودٍ وابنُ أبي عَبْلة: ((يَكشِفُ)) بفتح الياء مبنيّاً للفاعل، وهي روايةٌ
عن ابن عباس، وقرأ ابنُ هُرْمز: ((نَكشِفُ)) بالنون، وقُرئ: ((يُكشِفُ)) بالياء التحتيّة
مضمومةً، وكسر الشين، من أكشَفَ: إذا دخَلَ في الكشف، ومنه: أكشف الرجلُ
فهو مكشف: انقلبت شفتُه العليا. وقُرئ: ((تَكشِفُ)) بالتاء الفوقيَّة والبناء للفاعل،
(١) الدر المنثور ٢٥٥/٦.
(٢) الدر المنثور ٢٥٥/٦، والمعجم الكبير للطبراني (٩٧٦٣)، والرؤية للدارقطني (١٦٠)،
والمستدرك للحاكم ٤٠٨/٢ وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد في السنة (١١٣٣).

سُورَةُ القَلْ
٣٦٢
الآية : ٤٢
وهو ضميرُ الساعة المعلومة من ذِكْر يوم القيامة، أو الحال المعلومة من دلالة
الحال، وبها والبناء للمفعول(١)، وجُعل الضمير للساعة، أو الحال أيضاً.
وتُعقِّب بأنه يكونُ الأصل حينئذٍ: یکشف الله الساعةً عن ساقها مثلاً، ولو قيل
ذلك لم يستقم؛ لاستدعائه إبداء الساقٍ وإذهاب الساعة، كما تقول: كشفَتْ عن
وجهها القناعَ، والساعةُ ليست ستراً على الساق حتى تُكشف.
وأُجيب أنها جُعلت ستراً مبالغةً؛ لأن المخدَّرة تُبالغ في الستر جَهْدها، فكأنها
نفسُ الستر، فقيل: تكشف الساعةُ، وهذا كما تقول: كشفتُ زيداً عن جهله: إذا
بالغتَ في إظهار جهله؛ لأنه كان ستراً على جهله يسترُ معايبَه، فَأَبَنْتَه وأظهرتَه
إظهاراً لم يَخْفَ على أحد. وقيل عليه: إنَّ الإذهاب حينئذٍ ادِّعائيٌّ، ولا يخفى ما فيه
من التكلُّف، ولا عبرةَ بما ذُكر من المثال المصنوع، وأقلّ تكلُّفاً منه جَعْلُ ((عن
ساق)) بدلَ اشتمالٍ من الضمير المستتر في الفعل بعد نزعِ الخافض منه، والأصلُ:
يكشف عنها، أي: عن الساعة، أو الحال، فنُزِعَ الخافضُ، واستتر الضميرُ.
وتُعقِّب بأن إبدالَ الجارِّ والمجرور من الضمير المرفوع لا يصحُّ بحسب قواعد
العربية، فهو ضغ على إيَّالة، وتكلُّف على تكلُّف.
وقيل: إن ((عن ساق)) نائبُ الفاعل. وتُعقّب بأن حقَّ الفعل التذكيرُ، كـ :
صُرِفَ عن هند، ومَرَّ بدَعْد.
﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُورِ﴾ توبيخاً وتعنيفاً على تركهم إِيَّاه في الدنيا، وتحسيراً لهم
لزوالِ القدرة عليه. وفيه دلالةٌ على أنهم
٤٣
على تفريطهم في ذلك ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
يقصدونَه فلا يتأتّى منهم، وعن ابن مسعود: تعقم أصلابُهم، أي: تردُّ عظاماً
(١) قوله: وبها، أي: وبالتاء، والقراءات مفرقة في القراءات الشاذة ص ١٦٠، والكشاف
١٧٤/٤، وتفسير القرطبي ١٧٥/٢١-١٧٦، والبحر المحيط ١١٦/٨.
وقراءة: ((نَكشِف)) نسبها ابن خالويه إلى ابن عباس، وزاد أبو حيان نسبتها إلى ابن مسعود
وابن عباس، وقراءة: (يُكشِف)) نسبها ابن خالويه إلى الحسن، وقراءة: ((تَكشِف)) نسبها
القرطبي ١٧٥/٢١ إلى ابن عباس، وقراءة: ((تُكشَف)) نسبها القرطبي ١٧٦/٢١ إلى ابن
عباس والحسن وأبي العالية.

الآية : ٤٣ - ٤٤
٣٦٣
سُوَّةُ القَآني
بلا مفاصل، لا تنثني عند الرفع والخفض. وتقدَّم في حديث البخاريِّ ومَنْ معه
ما سمعتَ، وفي حديث: ((تصيرُ أصلابُ المنافقين والكفار كصَياصي البقر؛ عظماً
واحداً))(١).
والظاهر أن الداعيَّ الله تعالى، أو الملك، وقيل: هو ما يرونه من سجود
المؤمنین.
واستدلَّ أبو مسلم بهذه الآية على أنَّ يوم الكشف في الدنيا، قال: لأنه تعالى
قال: ((ويدعون إلى السجود)»، ويومُ القيامة ليس فيه تعبُّد ولا تكليف، فيُراد منه
إما آخرُ أيام الشخص في دنياه حين يرى الملائكة، وإما وقتُ المرض والهَرَم
والمَعْجزة(٢). ويُدفع بما أشرنا إليه.
﴿خَشِعَةً أَزُ﴾ حالٌ من مرفوع ((يدعون)) على أنَّ ((أبصارهم)) مرتفع به على
الفاعلية. ونسبةُ الخشوع إلى الأبصار لظهور أَثَره فيها .
وتَرْهَتُهُمْ﴾ تلحقُهم وتغشاهم ﴿إِلَّةٌ﴾ شديدةٌ. ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ في
الدنيا. والإظهار في موضع الإضمار لزيادةِ التقرير، أو لأنَّ المراد به الصلواتُ
المكتوبة، كما قال النَّخَعيُّ والشَّعبي، أو جميعُ الطاعات كما قيل، والدعوةُ دعوة
التكليف، وقال ابنُ عباس وابن جُبَير: كانوا يسمعون الأذان والنداءَ للصلاة
فلا يُجيبون.
، متمكِّنون منه أقوى تمكُّن، أي: فلا يُجيبون إليه ويأبونه،
هُمْ سَلِمُونَ(
وتُرِكَ ذِكْر هذا ثقةً بظهوره.
﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ﴾ أي: إذا كان حالُهم ما سمعتَ فَكِلْ مَنْ يُكذِّب
بالقرآن إليَّ، واستكفنيه، فإنَّ فيَّ ما يفرغ بالَكَ، ويُخلِّ همَّكَ. وهو من بليغ
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه (١٠)، والطبري في تفسيره ١٩٤/٢٣-١٩٥ من حديث
أبي هريرة ظه. وأورده ابن حجر في المطالب العالية ٣٦٥/٤-٣٦٦ من حديث ابن مسعود
مطولاً، وعزاه لإسحاق، وقال عقبه: هذا إسناد صحيح متصل رجاله ثقات.
(٢) المَعْجزة بفتح الجيم وكسرها، من العجز: عدم القدرة. النهاية: (عجز).

سُورَةُ القَآتى
٣٦٤
الآية : ٤٥ - ٤٦
الكلام، يفيد أنَّ المتكلِّم واثقٌ بأنه يتمكَّن من الوفاء بأقصى ما يدور حولَ أمنية
المخاطَب وبما يزيد عليه، وقد حقَّقه جارُ الله (١) بما حاصلُه أنَّ من استكفى أحداً
تركَ الأمر إليه، وإلا كان استعانةً لا استكفاءً، فأُقيم الرادِفُ - أعني التخليةَ، وأن
يَذَره وإياه - مقامَ الاستكفاء؛ مبالغةً، وإنباءً عن الكفاية البالغة، كيف وهذا
الكافي طَلَبَ الاستكفاء بقوله: ((ذرني))، وأبرز تركَ الاستكفاء في صورةِ المنع
مبالغةً على مبالغة، فلو لم يكن شديدَ الوثوق بتمكُّنه من الوفاء أقصى التمكُّن،
وفوقَ ما يحوم حولَ خاطر المستكفي لَمَا كان للطلبِ على هذا الوجه الأبلغ
وجهٌ.
و(مَن)) في موضع نصبٍ إما عطفاً على المنصوب في ((ذرني))، أو على أنه
مفعولٌ معه.
وقوله تعالى: ﴿سَنَتَدْرِجُهُمْ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان كيفية التعذيب المستفاد من
الكلام السابق إجمالاً، والضميرُ لـ ((مَن)) والجمعُ باعتبار معناها، كما أن الإفراد في
(يكذِّب)) باعتبار لفظها، أي: سنستنزلُهم إلى العذاب درجةً فدرجة بالإمهال، وإدامةٍ
الصحةِ، وازدياد النعمة ﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنه استدراجٌ، بل يزعمون أن ذلك
إيثارٌ لهم وتَفْضِيلٌ على المؤمنين، مع أنه سببٌ لهلاكهم.
﴿وَأَعْلِ لَهَّ﴾ وأُمهِلُهم ليزدادوا إثماً، وهم يزعمون أن ذلك لإرادة الخير بهم.
، لا يُدفَع بشيء. وتسميةُ ذلك كيداً - وهو ضربٌ من
٤٥
﴿إِنَّ كَبْدِى مَتِينُ
الاحتيال - لكونه في صورته؛ حيث إنه سبحانه يفعل معهم ما هو نفعٌ لهم ظاهراً،
ومرادُه عزَّ وجل به الضررُ؛ لِمَا علم من خُبْث جِبِلَّتهم، وتماديهم في الكفر
والكفران.
◌َمَّ تَسْئَلُهُمْ﴾ على الإبلاغ والإرشاد ﴿لَجْرًا﴾ دنيويّاً ﴿فَهُم﴾ لأجل ذلك ﴿مِّن
مكلَّفون حملاً ثقيلاً فيُعرضون عنك؟ وهذه
◌َّغْرَبٍ﴾ أي: غرامةٍ مالية ﴿مُثْقَلُونَ
الجملة - على ما قاله ابنُ الشيخ - معطوفةٌ على قوله تعالى: ((أم لهم شركاء)).
(١) ينظر الكشاف ١٤٧/٤.

الآية : ٤٧ - ٤٨
٣٦٥
سُورَةُ القَلْ
أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: المغيَّبات، أو: اللوح، وأُطلق الغيبُ عليه مجازاً؛ لأنه
محلٌّ لكتابة المغيَّيات، أو لظهورٍ صورها بناءً على الخلاف المعروف فيه، والقرينة
﴾ ما يَحكمون به، ويَستغنون بذلك عن علمك.
٤٧
﴿فَهُمْ يَكْتُبُنَ
﴿فَاصِرْ ◌ِّكْرِ رَيْكَ﴾ وهو إمهالُهم، وتأخيرُ نصرتِك عليهم، رُوي أنه ◌َلِّ أراد أن
يدعوَ على ثقيف لمَّا آذَوْه حين عرض عليه الصلاةُ والسلام نفسَه على القبائل بمكة،
فنزلت. وقيل: أراد عليه الصلاةُ والسلام أن يدعوَ على الذين انهزموا بأُحُد حين
اشتدَّ بالمسلمين الأمرُ، فنزلت، وعليه تكونُ الآية مدنيةً.
﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ﴾ هو يونس عليه السلام، كما أنه المراد من ذي
النون، إلا أنه فرِّق بين ذي وصاحب بأن ذي أبلغُ من صاحب، قال ابنُ
حَجَر: لاقتضائها تعظيمَ المضافِ إليها والموصوفِ بها، بخلافه، ومن ثَمَّ قال
سبحانه في معرض مَدْح يونس عليه السلام: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، والنهي
عن اتِّباعه: (وَلَ تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ)، إذ النونُ لكونه جُعِلَ فاتحةَ سورةٍ أفخمُ
وأشرفُ من لفظ الحوت، ونقل مثلَ ذلك السّرمينيُّ عن العلامة السُّهيلي، وفرَّق
بعضُهم بغير ذلك مما هو مذكورٌ في ((حواشينا على رسالة ابن عصام في علم
البيان)).
، أي: مملوءٌ غيظاً على قومه، إذ
﴿إِذْ نَادَى﴾ في بطن الحوت ﴿وَهُوَ مَكْفُومٌ (جَ
لم يؤمنوا لمَّا دعاهم إلى الإيمان، وهو من كظَمَ السِّقاء: إذا ملأه، ومن استعماله
بهذا المعنى قولُ ذي الرُّمة:
وأنتَ من حبِّ ميٍّ مُضْمِرٌ حُزناً عاني الفؤادِ قَرِيحُ القلب مَكْظومُ(١)
والجملةُ حالٌ من ضمير ((نادى)»، وعليها يدور النهيُ لا على النداء؛ فإنه أمرٌ
مستحسنٌ، ولذا لم يُذكَّر المنادی، و«إذه منصوبٌ بمضاف محذوف، أي: لا يكن
حالُكَ كحاله وقتَ ندائه، أي: لا يوجَدْ منك ما وُجد منه من الضَّجَر والمُغَاضَبة،
فتُبتلى بنحو بلائه عليه السلام.
(١) لم نقف على البيت في ديوان ذي الرمة، وهو في البحر ٣١٧/٨، والدر المصون ٤١٩/١٠.

سُورَةُ القَلْىِ
٣٦٦
الآية : ٤٩ - ٥٠
﴿أَوْلَآ أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْنَةٌ مِّنْ زَبِهِ﴾ وهو توفيقُه للتوبة وقَبولُها منه. وقُرئ:
(رحمةٌ)(١)، وتذكيرُ الفعل على القراءتين؛ لأن الفاعل مؤنَّثُ مجازيٌّ مع الفصل
بالضمير. وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس: ((تداركَتْه)) بتاء التأنيث، وقرأ ابنُ هُرْمُز،
والحسن، والأعمش: ((تدّاركه)) بتشديد الدال، وأصلُه تتداركه، فأبدل التاءَ دالاً،
وأُدغمت الدالُ في الدال(٢). والمرادُ حكايةُ الحال الماضية، على معنى: لولا أن
كان يُقال فيه: تتداركه ﴿لَنُذَ بِلْعَرَّهِ﴾ بالأرض الخالية من الأشجار، أي: في الدنيا.
وقيل: بعراء القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( لَلَبِثَ فِ
بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]. ولا يخفى بُعْدُه.
في موضع الحال من مرفوع («نُبذ)»، وعليها يعتمد جوابُ
﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ
(ولا))؛ لأن المقصودَ امتناعُ نَبْذه مذموماً، وإلا فقد حصل النبذُ، فدلَّ على أن حالَه
كانت على خلاف الذمِّ، والغرضُ أن حالةَ النبذ والانتهاء كانت مخالفةً لحالةٍ
الإلامة والابتداء؛ لقوله سبحانه: ﴿فَلْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] وفي
(الإرشاد))(٣) أن الجملة الشرطية استئنافٌ واردٌ لبيان كون المنهيِّ عنه أمراً محذوراً
مستبعاً للغائلة.
وقولُه سبحانه: ﴿فَاجْنَبَّهُ رَبُّهُ﴾ عطفٌ على مقدَّر، أي: فتداركته نعمةٌ من ربِّه،
فاجتباه، أي: اصطفاه بأن ردَّ عزَّ وجل إليه الوحيَ وأرسلَه إلى مئة ألفٍ أو يزيدون،
وقيل: استنبأه، إن صحَّ أنه لم يكن نبيّاً قبل هذه الواقعة وإنما كان رسولاً لبعض
المرسلين في أرض الشام.
﴾ من الكاملين في الصلاح بأن عصَمَه سبحانه من أن
﴿فَجَعَلَّهُ مِنَ الصَِّينَ
يفعل فعلاً يكونُ تركُه أَولى. وظاهرُ كلام بعضهم أنَّ الجَعْل من الصالحين تفسيرٌ
للاجتباء. قيل: وفُصِّر ((الصالحين)) بالأنبياء، وهو مبنيٌّ على أنه لم يكن قبلَ الواقعة
نبيّاً.
(١) القراءات الشاذة ص ١٦٠، والكشاف ١٤٨/٤.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٦٠، والكشاف ١٤٨/٤، والبحر المحيط ٣١٧/٨.
(٣) تفسير أبي السعود ١٩/٩.

الآية : ٥١
٣٦٧
سُورَةُ القَلْ
واستُدلَّ بالآية على خلق الأفعال؛ لأن جَعْلَه صالحاً بجَعْل صلاحه وخلقه فيه،
وهو من جملة الأفعال، ولا قائلَ بالفرق، والمعتزلةُ يؤوِّلون ذلك تارةً بالإخبار
بصلاحه، وأُخرى بالُّطف به حتى صَلُح، على أنه يحتمل أن يُراد بـ ((الصالحين))
الأنبياء كما قيل، فلا تفيدُ الآيةُ أكثر من كون النبوَّةِ مجعولةً، وهو مما اتفق عليه
الفريقان، فتدبّر.
﴿وَإِنِ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِ﴾ ((إنْ)) هي المخفَّفةُ، واللامُ دليلُها؛ لأنها
لا تدخل بعد النافية، ولذا تُسمَّى الفارقة على عُرفٍ عند النحاة، والمعنى: أنهم
لشدَّة عداوتهم ينظرون إليك شَزَراً، بحيث يكادون يُزِلُّون قدمَكَ فيرمونك، من
قولهم: نظر إليَّ نظراً يكادُ يصرعُني، أو: يكاد يأكُلني، أي: لو أمكّنَه بنظره الصَّرِعُ
أو الأكلُ لفعله، وجعل مبالغةً في عداوتهم، حتى كأنَّها سَرَتْ من القلب والجوارح
إلى النظر، فعاد يعمَلُ عمَلَ الجوارح، وأنشدوا قولَ الشاعر:
يتقارضون إذا التَّقَوا في موطنٍ
نظراً يُزِلُّ مَوَاطِئَ الأقدامِ(١)
أو أنهم يكادون يُصيبونَكَ بالعين؛ إذ رُوي أنه كان في بني أسد عيَّانون، فأراد
بعضُهم أن يَعين رسولَ الله وََّ، فنزلت.
وقال الكلبيُّ: كان رجلٌ من العرب يمكُثُ يومين أو ثلاثة لا يأكُلُ، ثم يرفع
جانبَ خبائه، فيقول: لم أَرَ كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه، فتسقُطُ طائفة
منها وتهلك، فاقترح الكفار منه أن يُصيب رسولَ الله وَّل، فأجابهم وأنشد:
قد كان قومك يحسبونك سيِّدا وإخالُ أنك سيِّد مَعْيونٌ (٢)
فَعَصَم الله تعالى نبيَّه ◌َّر، وأنزل عليه هذه الآية.
وقد قيل: إن قراءَتَّها تدفعُ ضرَرَ العين، ورُوي ذلك عن الحسن، وفي كتاب
((الأحكام)) (٣) أنها أصلٌ في أنَّ العين حقٌّ. والأولى الاستدلالُ على ذلك بما ورد وصحَّ
(١) البيت في الكشاف ١٤٨/٤، وتفسير القرطبي ١٨٧/٢١ من غير نسبة.
(٢) البيت لعباس بن مرداس، وهو في الحماسة البصرية ١/ ١٠، والحيوان للجاحظ ١٤٢/٢.
(٣) وهو كتاب الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ٢٧٢.

سُورَةُ القَآَمْ
٣٦٨
الآية : ٥١
من عدة طرق أنَّ العين تُدخل الرجل القبر والجمَلَ القِدْر (١)، وبما أخرجه أحمد بسندٍ
رجالُه - كما قال الهيثميُّ - ثقاتٌ، عن أبي ذرِّ مرفوعاً: ((إنَّ العينَ لَتُولَعُ بالرجل بإذن الله
تعالى، حتى يصعد حالقاً، ثم يتردَّى منه))(٢). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
وذلك من خصائص بعضٍ النفوس، ولله تعالى أن يخصّ ما شاء منها بما شاء، وإضافتُه
إلى العين باعتبار أنَّ النفسَ تؤثِّر بواسطتها غالباً، وقد يكون التأثيرُ بلا واسطتها، بأن
يوصَفَ للعائن شيء فتتوجَّه إليه نفسُه فتُفسده. ومن قال: إنَّ الله تعالى أجرى العادةَ
بخَلْق ما شاء عند مقابلة عينِ العائن من غير تأثيرٍ أصلاً، فقد سدَّ على نفسه باب العلل
والتأثيرات، والأسبابِ والمسبَّبَات، وخالف جميعَ العقلاء. قاله ابنُ القيِّم (٣).
وقال بعضُ أصحاب الطبائع: إنه ينبعث من العين قوَّة سُمِّيَّة تؤثِّر فيما نظره،
كما فصّل في (شرح مسلم)) (٤). وهذا لا يتمُّ عندي فيما لم يَرَه، ولا في نحو
ما تضمَّنه حديثُ أبي ذرِّ المتقدِّم آنفاً، ولا في إصابة الإنسان عينَ نفسه كما حكاه
المناوي(٥)؛ فإنه لا يقتل الصِلَّ سُمُّه(٦).
ومن ذلك ما حكاه الغسَّانيُّ قال: نظر سليمان بنُ عبد الملك في المرآة فأعجبتْه
نفسُه، فقال: كان محمدٌ وَل﴾ نبيّاً، وكان أبو بكر صدِّيقاً، وكان عمر فاروقاً،
وعثمانُ حييّاً(٧)، ومعاوية حليماً، ويزيد صبوراً (٨)، وعبدُ الملك سائساً، والوليد
(١) سلف ١٢/ ٤٠٦.
(٢) مسند الإمام أحمد (٢١٣٠٢)، وقول الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٦/٥، وقوله: ((لتولع
بالرجل))، قال السندي في شرحه على المسند: يقال: أُولع بالشيء على بناء المفعول، أي:
علق به، والمراد: إن العين لتصيب الرجل. اهـ. والحالق: الجبل العالي. النهاية: (حلق).
(٣) زاد المعاد ١٦٦/٤ .
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي ١٤/ ١٧١، وما بعدها.
(٥) قال في فيض القدير ٣٩٦/٤: قال الحكماء: والعائن يبعث من عينه قوة سمية تتصل
بالمعان، فيهلك، أو يهلك نفسه.
(٦) الصِّل: الحية التي لا تنفع منها الرُّقى. الصحاح: (صلل).
(٧) جاء في هامش الأصل ما نصه: عدم التعرض لعلي كرم الله تعالى وجهه، بأن يقال: وعلي وصيّاً
مثلاً؛ لما أودع في قلوب أكثر بني أمية من ظلمة عداوته، لعن الله تعالى من يعاديه. اهـ منه.
(٨) جاء في هامش الأصل: أي: كالكلب، ثم إنه حريٌّ بأن يقال: كفوراً، بدله. اهـ. وفي هذا
الكلام نظر !.

الآية : ٥١
٣٦٩
سُورَّةُ القَلْ
جَبَّاراً، وأنا الملكُ الشاب، وأنا الملكُ الشاب. فما دار عليه الشهرُ حتى مات.
ومثل ذلك ما قيل: إنه من باب التأثير في القوة المعروفة اليوم بالقوّة الكهربائية
عند الطباعيين المحدّثين(١)، والكلامُ على ما فيها من العجائب مفصَّل في كتبهم،
فقد صحَّ أن بعضَ الناس يكرِّر النظرَ إلى بعض الأشخاص من فَرقه إلى قدمه،
فيصرعه كالمغشيِّ عليه، وربَّما يقفُ وراءه جاعلاً أصابعه حذاءً نقرةٍ رأسه، ويوجِّه
نفسَه إليه حتى يُضعفَ قُواه، فيغشاه نحوُ النوم، ويتكلَّم إذ ذاك بما لا يتكلّم به في
وقتٍ آخر.
وأنا لا أزيدُ على القول بأنه من تأثيرات النفوس، ولا أُكِيِّفُ ذلك؛ فالنفسُ
الإنسانيةُ من أعجب مخلوقات الله عزَّ وجل، وکم ◌ُوي فيها أسرارٌ وعجائب تتحيّر
فيها العقول، ولا ينكرُها إلا مجنون أو جَهول، ولا يسعُني أن أُنكرَ العين؛ لكثرة
الأحاديث الواردة فيها، ومشاهدة آثارها على اختلاف الأعصار، ولا أخصُّ ذلك
بالنفوس الخبيثة كما قيل، فقد يكون من النفوس الزَّكِيَّة، والمشهورُ أنَّ الإصابةَ
لا تكونُ مع كراهة الشيء وبُغْضه، وإنما تکون مع استحسانه، وإلی ذلك ذهب
القشيريُّ، وكأنه يُشير بذلك إلى الطعن في صحَّة الرواية ها هنا؛ لأن الكفّار كانوا
يُبغضونه عليه الصلاة والسلام، فلا تتأتَّى لهم إصابتُه بالعين، وفيه نظر.
وحكمُ العائن - على ما قال القاضي عياض(٢) - أن يُجتَنَب، وينبغي للإمام حبسُه
ومنعُه عن مخالطة الناس؛ كفَّا لضرره ما أمكن، ويرزقُه حينئذٍ من بيت المال.
هذا وقرأ نافع: ((لَيَزْلِقونك)) بفتح الياء(٣)، من زلقه بمعنى أزلقه. وقرأ عبدُ الله،
وابنُ عباس، والأعمش، وعيسى: ((ليزهقونك)) بالهاء بدل اللام(٤)، أي:
ليهلكونك.
(١) بعده في الأصل بياض بمقدار نصف سطر، وسقط من (م) من هنا إلى قوله: فقد
صح ... إلخ.
(٢) إكمال المعلم ٧/ ٨٥.
(٣) التيسير ص٢١٣، والنشر ٣٨٩/٢. وكذلك قرأ بها أبو جعفر من العشرة.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٦٠، والبحر المحيط ٣١٧/٨.

سُورَةُ القَلِْ
٣٧٠
الآية : ٥٢
﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ﴾ أي: وقتَ سماعهم القرآن، وذلك لاشتداد بُغْضهم وحَسَدهم
عند سماعه. و((لما)) - كما أشرنا إليه - ظرفيةٌ متعلِّقة بـ ((يزلقونك))، ومن قال: إنها
حرفُ وجوبٍ لوجوب ذهب إلى أن جوابَها محذوفٌ؛ لدلالة ما قبلُ عليه، أي: لمَّا
سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك.
﴿وَقُولُونَ﴾ لغاية خَيْرتهم في أمرِه عليه الصلاة والسلام، ونهايةٍ جَهْلهم بما في
تضاعيف القرآن من عجائب الحِكَم وبدائع العلوم، ولتنفير الناس عنه: ﴿إِنَّهُ
.
◌َجُْنٌ
وحيث كان مَدارُ حكمهم الباطل ما سمعوا منه وَّهِ ردَّ ذلك ببيان علوٍّ شأنه،
وسطوعٍ برهانِه، فقيل: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ على أنه حالٌ من فاعل
(يقولون))، والرابطُ الواو فقط، أو مع عموم ((العالمين)) كما قيل مفيدٌ لغاية بطلان
قولهم، وتعجيبٌ للسامعين من جَراءتهم على التفوُّه بتلك العظيمة، أي: يقولون
ذلك والحال أنه ذِكْرٌ للعالمين، أي: تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمور
دينهم، فأين من أنزل عليه ذلك، وهو مطلَّعٌ على أسراره طرّاً، ومحيطً بجميع
حقائقه خُبْراً مما قالوه. وقيل: معناه: شرف وفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] وعموم ((العالمين)) لما فيه من الاعتناءِ بما ينفعُهم.
وقيل: الضميرُ لرسول الله وَّهِ وكونه مذكِّراً وشرفاً للعالمين لا ريب فيه.
ورُجِّح بأن الجملة عليه تكون صريحةً في ردِّ دعواهم الباطلة، وأنتَ تعلمُ أنَّ الأول
أولى، والله تعالى أعلم.

سُورَةُ الدّولةِ
مكيةٌ، وآيُها إحدى وخمسون آيةً بلا خلافٍ فيهما، ويدلُّ للأول ما أخرجَ
الإمامُ أحمد عن عمر بنِ الخطاب رَُّّه قال: خرجتُ أتعرَّضُ لرسول الله وَ له قبل
أن أُسلم، فوجدتُه قد سبقني إلى المسجد، فوقفتُ خلفَه، فاستفتَحَ ((سورة الحاقة))،
فجعلتُ أعجبُ من تأليف القرآن: هذا والله شاعر، فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِلًا مَّا
تُؤْمِنُونَ﴾ [٤١] قلت: كاهن، فقال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَّكَّرُونَ﴾ [٤٢] إلى آخر
السورة، فوقع الإسلامُ في قلبي كلَّ موقع (١).
ولمَّا وقع في ((نون)) ذِكْرُ يوم القيامة مجملاً شرَحَ سبحانه في هذه السورة
الكريمة نبأ ذلك اليوم وشأنَه العظيم، وضمَّنه عزَّ وجل ذِكْر أحوال أمم كذَّبوا الرسلَ
عليهم السلام، وما جرى عليهم؛ ليزدجِرَ المكذِّبون المعاصرون له عليه الصلاة
والسلام، فقال عزَّ من قائل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْمَقَّةُ ﴾ أي: الساعة، أو الحالة التي يحقُّ ويجب وقوعُها، أو التي تحقَّق
وتثبتُ فيها الأمورُ الحقَّة من الحساب، والثواب، والعقاب، أو التي تحقُّ فيها
الأمور، أي: تُعرف على الحقيقة، من حقَّه يحقُّه: إذا عرف حقيقته، ورُوي هذا
عن ابن عباس وغيرِه.
وإسنادُ الفعل لها على الوجهين الأخيرين مجازٌ، وهو حقيقة لما فيها من
(١) مسند الإمام أحمد (١٠٧)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ إذ هو من طريق شريح بن عبيد عن
عمر څ، ولم يدركه.

سُورَةُ الَقلية
٣٧٢
الآية : ٢ - ٣
الأمور، أو لمن فيها من أولي العلم. وفي ((الكشف)): كونُ الإسناد مجازيّاً إنما هو
على الوجه الأخير، وأما على الوجه الثاني فيحتمل الإسناد المجازي أيضاً؛ لأن
الثبوت والوجوب لِمَا فيها، ويحتمل أن يُراد: ذو الحاقة، من باب تسمية الشيء
باسم ما يلابسُه، وهذا أرجح؛ لأن الساعة وما فيها سواءٌ في وجوب الثبوت،
فيضعف قرينة الإسناد المجازيِّ، والتجوُّز فيه تصويرٌ ومبالغة. انتهى. وبَحَثَ فيه
الجلبُّ بما فیه بحثٌ، فارجع إلیه وتدبّر.
وقال الأزهريُّ(١): ((الحاقة)): القيامة، من حاقَقْتُه فحقَقْتُه، أي: غالبتُه فغلبتُه،
فهي حاقَّة؛ لأنها تَحُقُّ كلّ مُحاقٌّ في دين الله تعالى بالباطل، أي: كلَّ مخاصم،
فتغلبه.
وظاهرُ كلامهم أنها على جميع ذلك وصفٌ حُذِف موصوفُه؛ للإيذان بكمال
ظهور اتِّصافه بهذه الصفة، وجریانه مجرى الاسم.
وقيل: إنها - على ما رُوي عن ابن عباس من كونها من أسماء يوم القيامة - اسمٌ
جامد لا يُعتَبر معه موصوفٌ محذوف. وقيل: هي مصدرٌ، كالعاقبة والعافية.
على أن ((ما)) مبتدأ، و((الحاقة)»
وأيَّما كان فهي مبتدأ خبرُها جملةٌ ﴿مَا الْمَّةُ (®
خبر، أو بالعكس، ورُجِّح معنى، والأولُ هو المشهور، والرابطُ إعادةُ المبتدأ بلفظه،
والأصل: ما هي؟ أي: أيّ شيءٍ هي في حالها وصفتها؟ فإن ((ما)) قد يُطلب بها
الصفةُ والحال، فوُضع الظاهر موضع المضمر تعظيماً لشأنها، وتهويلاً لأمرها.
، أي: أيّ شيءٍ أعلمَكَ ما هي؟ تأكيدٌ
وقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَذْرَكَ مَا الْحَاقَّةُ (يَا﴾
لهولها وفظاعتها ببيانِ خروجها عن دائرةِ علوم المخلوقات، على معنى أن عِظَمَ
شأنها ومدى هولها وشدَّتها بحيث لا يكادُ تبلُغُه درايةُ أحدٍ ولا وهمُه، وكيفما قدَّرتَ
حالَها فهي وراءَ ذلك وأعظم، فلا يتسنَّى الإعلام، ومنه يُعلم أن الاستفهامَ كُني به
عن لازِمِه من أنها لا تُعلم، ولا يصلُ إليها درايةُ دارٍ، ولا تبلُغها الأوهامُ
والأفكار.
(١) تهذيب اللغة ٣٧٧/٣.

الآية : ٤ - ٥
٣٧٣
سُورَةُ الدّقلية
و((ما)) في موضع الرفع على الابتداء، و((أدراك)) خبرُه، ولا مساعَ للعكس،
و((ما الحاقة)) جملةٌ محلُّها النصبُ على إسقاط الخافض؛ لأن أدرى يتعدَّى إلى
المفعول الثاني بالباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أَدْرَنَكُمْ بِ﴾ [يونس: ١٦] فلمَّا
وقعت جملةُ الاستفهام معلِّقةً له كانت في موضع المفعول الثاني، وتعليقُ هذا
الفعل - على ما قيل - لما فيه من معنى العلم، والجملةُ - أعني ((ما أدراك)) إلخ - معطوفةٌ
على ما قبلَها من الجملة الصغرى.
﴿كَذََّتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾﴾ بالقيامة التي تقرَعُ الناسَ بالإفزاع والأهوال،
والسماءَ بالانشقاقِ والانفطار، والأرضَ والجبالَ بالدٌّّ والنَّسْف، والنجومَ بالطَّمْس
والانكدار. ووضعُها موضعَ ضمير ((الحاقة))؛ للدّلالة على معنى القَرْع - وهو ضربُ
شيء بشيء - فيها؛ تشديداً لهولها. والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لبيان بعضٍ أحوال
((الحاقَّة)) له عليه الصلاة والسلام إثر تقريرٍ أنَّه ما أدراه ◌َّ بها أحدٌ، والمبيّن كونها
بحيث يحقُّ إهلاكُ من يُكذِّب بها، كأنه قيل: وما أدراك ما الحاقة، كذَّبت بها ثمودُ
وعادٌ فأُهلكوا.
﴿فَأَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ﴾ أي: أهلكهم الله تعالى. وقرأ زيد بنُ عليٍّ: ((فَهَلَكوا))
بالبناء للفاعل(١). ﴿بِلطَافِيَّةِ ﴾﴾ أي: الواقعة المجاوزةِ للحدِّ، وهي الصَّيحة؛
لقوله تعالى في ((هود)): ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [٦٧] وبها فُسِّرت ((الصاعقة))
في ((حم)) السجدة، أو الرَّجفة؛ لقوله سبحانه في ((الأعراف)»: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾
[٧٨] وهي الزلزلة المُسَبَّبة عن الصيحة، فلا تعارض بين الآيات؛ لأن الإسنادَ في
بعضٍ إلى السبب القريب، وفي بعضٍ آخر إلى البعيد، والأولُ مرويٌّ عن قتادة،
قال: أي: بالصيحة التي خرجَتْ عن حدٍّ كلِّ صيحة.
وقال ابن عباس وأبو عُبَيدة(٢) وابنُ زيد ما معناه: ((الطاغية)) مصدرٌ، فكأنه
قيل: بطغيانهم، وأُيِّد بقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا﴾ [الشمس: ١١].
(١) البحر المحيط ٣٢١/٨.
(٢) مجاز القرآن ٢٦٧/٢.

الآية : ٦
٣٧٤
سُوَّةُ الدُّقلة
والمعوَّل عليه الأول؛ لمكان قوله تعالى: ﴿وَأَنَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ﴾
وإيضاح ذلك أن الآيةَ فيها جمعٌ وتفريق، فلو قيل: أُهِلكَ هؤلاء بالطغيان، على أن
ذلك سببٌ جالب، وهؤلاء بالريح، على أنه سببٌ آليٌّ، لم يكن طِباق؛ إذ جاز أن
يكون هؤلاء أيضاً هلكوا بسبب الطُّغيان، وهذا معنى قولِ الزَّمخشري في تضعيف
الثاني لعدم الطّباق بينها وبين ((بريح))(١)، لا أنَّ ذلك لأن أحدَهما عينٌ والآخر
حَدَثٌ، وما ذُكر من التأييد لا يخفى حالُه.
وكذا يرجح الأولُ على قول مجاهدٍ وابن زيد أيضاً، أي: بسبب الفعلةِ الطاغية
التي فَعَلوها، وهي عَقْرُ الناقة. وعلى ما قيل: ((الطاغية)): عاقرُ الناقة، والهاءُ فيها
للمبالغة، كما في: رجل راوية، وأُهلِكوا كلُّهم بسببه؛ لرضاهم بفعله. وما قيل
أيضاً: بسبب الفئة الطاغية. ووجهُ الرُّجحان يُعلم مما ذُكر.
ومرَّ الكلامُ في الصَّرْصَر، فتذكَّر(٢)، وهو صفةُ ((ريح))، وكذا قولُه تعالى:
﴾ أي: شديدة العَصْف، أو عَتَتْ على عادٍ فما قدروا على ردِّها
﴿مَاِيَةٍ
والخلاص منها بحيلة، مِن استتارٍ ببناءٍ، أو لياذٍ بجبل، أو اختفاءٍ في حفرة؛ فإنها
كانت تنزعُهم من مكامِنِهم وتُهلكُهم .
والعتوُّ عليهما استعارةٌ، وأصلُه تجاوزُ الحدِّ، وهو قد يكون بالنسبة إلى الغير،
وقد لا يكون، ومنه يُعلم الفرقُ بين الوجهين، وأخرج ابنُ جرير(٣) عن عليٍّ بن
أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهَه أنه قال: لم تنزل قطرةٌ إلا بمكيالٍ على يدي مَلَك،
إلا يوم نوح؛ فإنه أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماءُ على الخزَّان، فخرج، فذلك
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١] ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيالٍ على
يدي مَلَك، إلا يوم عاد؛ فإنه أَذِنَ لها دون الخزَّان، فخرجت، فذلك قوله تعالى:
(بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ) عَتَت على الخزَّان.
(١) الكشاف ٤ / ١٤٩.
(٢) سلف ٢٤/ ١١٢.
(٣) تفسير الطبري ٢١٠/٢٣-٢١١.

الآية : ٧
٣٧٥
سُورَةُ الدِّڤلة
وفي ((صحيحي)) البخاري ومسلم وغيرهما ما يوافقُه(١)، فهو تفسيرٌ مأثورٌ، وقد
حكى ذلك في ((الكشّاف))، ثم قال: ولعلَّها عبارة عن الشدّة والإفراط فيها(٢).
وخرَّج ذلك في ((الكشف)) على الاستعارة التمثيلية، ثم قال: إن المَثَل إذا صار
بحيثُ يُفهم منه المقصودُ من دون نظرٍ إلى أصل القصّة جاز أن يقال: إنه كنايةٌ عنه،
كما فيما نحن فيه، وجوّز أن يكون هناك تشبيهٌ بليغٌ من العتوِّ: وهو الخروجُ عن
الطاعة .
وقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَّهِمْ﴾ إلخ، استئنافٌ جيءَ به بياناً لكيفية إهلاكهم
بالريح، وجُوِّز أن يكون صفةً أخرى، وأنه جيء به لنفي ما يُتُوهَّم من أنها كانت من
اقترانات بعض الكواكب ببعض، ونزولها في بعض المنازل؛ إذ لو وُجدت
الاقتراناتُ المقتضيةُ لبعض الحوادث كان ذلك بتقديره تعالى وتسبيبه عزَّ وجل،
لا من ذاتها استقلالاً .
والسببُ الذي يذكرُه الطبائعيُّون للريح: تكاثُفُ الهواء في الجهة التي يتوجَّه
إليها، وتراكمُ بعضه على بعض بانخفاضٍ درجةٍ حرارته، فيقلُّ تمدُّدُه، ويتكاثفُ،
ويتركُ أكثرَ المحلِّ الذي كان مشغولاً به خالياً، أو بتجمّعٍ فجائيٍّ يحصل في
الأبخرة المنتشرة في الهواء، فتخلو محالُّها، وعلى التقديرين يجري إلى ذلك
المحلِّ الهواءُ المجاورُ بقوَّةٍ ليشغَلَه، فيحدث، ويستمرُّ حتى يمتلئ ذلك الفضاءُ،
ويتعادَلَ فيه الهواء، فيسكن عند ذلك، ويتفاوتُ سيرُها سرعةً وبطئاً، فتقطعُ الريحُ
المعتدلةُ - على ما قيل - في الساعة الواحدة نحوَ فَرْسَخ، والمتوسِّط فيها نحوَ أربعة
فراسخ، والقويَّةُ نحوَ ثمانيةِ فراسخ، وما هي أقوى منها نحوَ ستَّة عشر فرسخاً،
وما هي أقوى - ويُسمَّى: العاصف - نحو سبعة عشر فرسخاً، وما هي
أقوى - وتُسمَّى: المُؤْتفكة - نحوَ تسعةً وعشرين فرسخاً، وقد تقطع في ساعةٍ نحو
(١) أورد نحوه البخاري معلقاً بصيغة التضعيف، فقال في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحاقة
بعد حديث (٤٩١٩): ويقال: ((بالطاغية)): بطغيانهم، ويقال: طغت على الخزان كما طغى
الماء على قوم نوح. ولم نقف على ما أشار إليه المصنف في صحيح مسلم.
(٢) الكشاف ٤ / ١٥٠.

الآية : ٧
٣٧٦
سُورَةُ الرَّقلة
ستَّةٍ وثلاثين فرسخاً، وهذا أكثرُ ما قيل في سرعة الريح. وقد عملوا آلةً يزعمون
أنها مقياسٌ يُستعلَمُ بها قوَّةُ هبوب الريح وضعفُه، وهذا غيرُ بعيدٍ من النوع
الإنساني. ويقال فيما ذكروه من السَّبب نحو ما سمعتَ آنفاً .
ومعنى ((سخرها عليهم)): سأَّطها عزَّ وجل بقدرته عليهم.
﴿وَسَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ خُومًا﴾ أي: متتابعات كما قال ابنُ عباس، وعكرمة،
ومجاهد، وقتادة، وأبو عُبَيدة(١)، جمع: حاسم، كشهود جمع شاهد، من حسمتُ
الدابةَ: إذا تابعتَ كيَّها على الداء كرَّةً بعد أخرى حتى ينحسم (٢)، فهي مجازٌ مرسلٌ
من استعمال المقيَّد - وهو الحسمُ الذي هو تتابعُ الكيِّ - في مطلق التتابع.
وفي ((الكشف)): هو مستعارٌ من الحسم بمعنى الكيِّ، شبَّه الأیامَ بالحاسم،
والريحَ - لملابستها بها، وهبوبها فيها، واستمرار وصفها بوصفها في قولهم: يوم
باردٌ وحارٌّ، إلى غير ذلك - بفعل الأيام، كلُّ هَّةٍ منها كيَّة، وتَتَابُعها بتتابع الكيَّات
حتى يحصل الانحسام، أي: استئصال الداء الذي هو المقصودُ.
والمعنى بعد التلخيص: متتابعةً هبوب الرياح حتى أتَتْ عليهم واستأصَلَتهم.
أو: نَحِسات مشؤومات، كما قال الخليل(٣). قيل: والمعنى: قاطعات
الخير بنُحُوسَتها وشُؤْمها، فمعمولُ ((حسوماً)) محذوفٌ. أو قاطعات قطعت دابرَهم،
وأهلكتهم عن آخرهم، کما قال ابنُ زید.
وقال الراغبُ(٤): الحسمُ: إزالةُ أَثرِ الشيء، يقال: قطَعَه فحسَمَه، أي: أزال
مادَّته، وبه سُمِّي السيف حُساماً، وحسمُ الداءِ: إزالةُ أثره بالكيّ. وقيل للشؤم
المُزيل لأثر ما نالَه: حسوم. و((حسوماً)) في الآية: قيل: حاسماً أثرَهم، وقيل:
(١) مجاز القرآن ٢٦٧/٢.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: في الكشاف [٤/ ١٥٠] رمز إلى أن الكي هو الفعل،
وإنما الحسم بالحقيقة الكي المعاد مرة بعد أخرى؛ إذ لا يطلق إلا عند الاستئصال،
ولا يحصل غالباً إلا بتتابع (تحرفت إلى: بتتاع) الفعل، فافهم. اهـ منه.
(٣) العين ١٤٤/٣ .
(٤) في مفردات ألفاظ القرآن (حسم).

الآية : ٧
٣٧٧
سُورَةُ الدّقلة
حاسماً خبرَهم (١)، وقيل: قاطعاً لعمرهم، وكلُّ ذلك داخلٌ في عمومه، فلا تغفل.
وجُوِّز أن يكون ((حسوماً)) مصدراً لا جمع حاسم، وانتصابُه إما بفعله المقدَّر
حالاً، أي: تحسمهم حسوماً بمعنى تستأصلُهم استئصالاً، أو على العِلَّة، أي:
سخّرَها عليهم لأجل الاستئصال، أو على أنه صفةٌ، أي: ذات حسوم. وأُيِّدت
المصدريةُ بقراءة السُّدي: ((حَسُوماً)) بفتح الحاء (٢) على أنه حالٌ من الريح، أي:
سخّرها مستأصلَةً، لتعيُّن كونه مفرداً على ذلك، وهي كانت أيامَ العجوز، من صبح
الأربعاء لثمانٍ بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سُمِّيت أيام العَجُوز
لأن عجوزاً من عادٍ توارت في سَرَبٍ، فانتزعتها الريحُ في اليوم الثامن وأهلكتها،
أو لأنها عَجُزُ الشتاء، فالعجوز بمعنى العَجُز، وأسماؤها: الصِّنُّ، والصِّنَّبْر،
والوَبْر، والآمِرُ، والمُؤْتَمِرُ، والمُعَلِّل، ومُطْفئُ الجَمْر، ومُكْفئُ الَّعْن، ولم يَذْكر
هذا الثامنَ مَنْ قال: إنها سبعةٌ لا ثمانية كما هو المختار(٣).
﴿فَتَرَ اٌلْقَوْمَ﴾ أي: إن كنتَ حاضراً حينئذٍ، فالخطابُ فيه فرضيٍّ ﴿فِهَا﴾ أي:
في الأيام والليالي، وقيل: في مهابِّ الريح، وقيل: في ديارهم، والأولُ أظهر
﴿مَرْعَى﴾ أي: هَلْکی، جمع صَرِيع.
﴿كَنَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ أي: أصول نخيل. وقرأ أبو نهيك: ((أَعجُزُ)) على وزن
أفعل كضَبُع وأَضْبُع، وحكى الأخفشُ أنه قُرئ: ((نخيل)) بالياء(٤).
· خلت أجوافُها بِلَى وفساداً، وقال ابنُ شَجَرة: كانت تدخُلُ من
خَاوِيَةٍ
أفواههم، فتُخرج ما في أجوافهم من الحَشْوِ من أدبارهم، فصاروا كأعجاز النخل
الخاوية. وقال يحيى بنُ سلام: خلَتْ أبدانُهم من أرواحهم، فكانوا كذلك.
وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جُرَيج قال: كانوا في سبعة أيام في عذاب، ثم في
(١) في الأصل: خيرهم، والمثبت من (م).
(٢) الكشاف ٤/ ١٥٠، وتفسير القرطبي ١٩٤/٢١ .
(٣) في هامش الأصل مانصه: وقيل: هي خمسة. اهـ منه.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٦١، والبحر المحيط ٣٢١/٨.

سُورَة الحقلية
٣٧٨
الآية : ٨ - ٩
الثامن ماتوا وألقتهم الريحُ في البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ
بَاقِيَةٍ ﴾﴾(١)، أي: بقيّة، على أنَّ الباقية اسم كالبقيّة لا وصف، والتاءُ للنقل إلى
الاسمية. أو: نفس باقية، على أنَّ الموصوف مقدَّر، والتاءُ للتأنيث.
وقال ابنُ الأنباري: أي: باقٍ، والهاءُ للمبالغة. وجُوِّز أن يكون مصدراً
كالطاغية والكاذبة، أي: بقاء، والتاءُ للوحدة.
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ﴾ ومَنْ تقدَّمَه من الأمم الكافرة، كقوم نوح عليه السلام،
وفيه تعميمٌ بعد التخصيص؛ فإن منهم عاداً وثموداً .
وقرأ أبو رجاء، وطلحةُ، والجَحْدريُّ، والحسن بخلاف عنه، وعاصمٌ في
رواية أبان، والنَّحويان، وأبان: ((ومَنْ قِبَلَه)) بكسر القاف وفتح الباء(٢)، أي: ومَنْ
في جهته وجانبه، والمرادُ: ومَنْ عنده من أتباعه وأهلِ طاعته، ويؤيِّدُه قراءةُ أُبيِّ
وابنِ مسعود: ((ومَنْ معه))(٣).
﴿وَالْمُؤْتَفِكَتُ﴾ أي: قرى قوم لوط عليه السلام، والمراد أهلها مجازاً بإطلاق
المحلِّ على الحال، أو بتقدير مضاف، أو على الإسناد المجازي، والقرينةُ العطف
على من يتَّصفُ بالمجيء.
وقرأ الحسنُ هنا: ((والمؤتفكة)) على الإفراد (٤).
أي: بالخطأ(٥)، على أنه مصدرٌ على زِنَةٍ فاعلة، أو بالفعلة(٦)
٩
باْخَاطِئَةِ
أو الأفعال ذات الخطأ العظيم، على أنَّ الإسناد مجازيٌّ وهو حقيقةً لأصحابها،
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٩/٦.
(٢) النحويان هما أبو عمرو بن العلاء والكسائي، وقراءتهما في التيسير ص٢١٣، وزاد في النشر
٣٨٩/٢ نسبتها ليعقوب من العشرة، والقراءات التي ذكرها المصنف - عدا قراءة أبان - أوردها
أبو حيان في البحر ٣٢١/٨.
(٣) تفسير القرطبي ١٩٥/٢١، والبحر المحيط ٣٢١/٨، وقرن في القراءات الشاذة ص١٦١
بأُبَيِّ أبا موسى، بدل: ابن مسعود.
(٤) البحر المحيط ٣٢١/٨، وزاد القرطبي ١٩٥/٢١ نسبتها إلى الجحدري.
(٥) في هامش الأصل: قاله مجاهد. اهـ منه.
(٦) في هامش الأصل: قاله الجرجاني. اهـ منه.

الآية : ١٠ - ١١
٣٧٩
سُورَةُ الم قلية
واعتبارُ العِظَم لأنه لا يُجعل الفعلُ خاطئاً إلا إذا كان صاحبُه بليغَ الخطأ، ويجوز
أن تكون الصيغةُ للنسبة.
﴿فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ﴾ أي: فعصى كلُّ أمةٍ رسولَها حين نهاها عمَّا كانت تتعاطاه
من القبائح، فإفرادُ الرسول على ظاهره، وجُوِّز أن يكون جمعاً، أو مما يستوي فيه
الواحدُ وغيرُه؛ لأنه مصدرٌ في الأصل، وأُريد منه التكثير؛ لاقتضاء السياق له، فهو
من مقابلة الجمعِ المقتضي لانقسام الآحاد، أو أُطلق الفردُ عليهم لاتِّحادهم معنى
فيما أُرسلوا به، والظاهرُ أنَّ هذا بيانٌ لمجيئهم بالخاطئة.
﴿فَأَذَهُمْ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ ﴿أَخْذَةُ نَِّيَّةٌ ﴾﴾ أي: زائدةً في الشدّة كما زادت
قبائحُهم في القُبْح، من ربا الشيءُ: إذا زاد.
﴿إِنَّا لَقَا طَفَا الْمَّهُ﴾ جاوز حدَّه المعتادَ، حتى إنه علا على أعلى جبلٍ خمس
عشرةَ ذراعاً، أو طغى على خزَّانه، على ما سمعتَ قُبَيل هذا، وذلك بسبب إصرارٍ
قوم نوح عليه السلام على قُّنُون الكفر والمعاصي، ومبالغتهم في تكذيبه عليه السلام
فيما أُوحي إليه من الأحكام التي من جملتها أحوالُ القيامة.
حَمْتَكُ﴾ أي: في أصلاب آبائكم، أو: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم،
على أنه بتقدير مضافٍ، وقيل: على التجوُّز في المخاطَبِين بإرادة آبائهم المحمولين
بعلاقة الحلول، وهو بعید.
﴿فِي الْجَرِيَةِ ﴾ في سفينة نوح عليه السلام، والمرادُ بحملهم فيها رفعُهم فوق
الماء إلى انقضاء أيام الطوفان، لا مجرَّدُ رفعهم إلى السفينة كما يُعرب عنه كلمة
(في))؛ فإنها ليست بصلةٍ للحمل، بل متعلِّقة بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعوله، أي:
رفعناكم فوقَ الماء، وحفظناكم حالَ كونكم في السفينة الجارية بأمرنا وحِفْظِنا،
وفيه تنبيهٌ على أن مدارَ نجاتهم محضُ عصمته عزَّ وجلَّ، وإنما السفينةُ سببٌ
صوريٌّ. وكثُر استعمالُ الجارية في السفينة، وعليه:
تِسعون جاريةً في بطن جارية(١)
(١) أورده في البحر ٣٢٢/٨ من غير نسبة.

سُورَةُ الم قلية
٣٨٠
الآية : ١٢
﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ أي: الفعلةَ التي هي عبارةٌ عن إنجاء المؤمنين وإغراقٍ الكافرين
﴿لَكُمْ نَذْكِرَةٌ﴾ عبرةً ودلالةً على كمال قدرةِ الصانع وحكمته، وقوةٍ قهره وسَعَة
رحمته. ﴿وَتَعِيَهَا﴾ أي: تحفظها، والوعيُ: أن تحفَظَ الشيءَ في نفسك، والإيعاءُ:
﴾ أي: من شأنها أن تحفَظَ
أن تحفَظَه في غيرِ نفسك من وعاء. ﴿أُذُنُ وَعِيَةٌ ®
ما يجب حِفْظُه، بتذكُّره وإشاعته والتفكُّر فيه، ولا تُضيِّعَه بتركِ العمل به. وعن
قتادة: الواعيةُ: هي التي عقَلَت عن الله تعالى، وانتفعَتْ بما سمعَتْ من كتاب الله
تعالی.
وفي الخبر: أنَّ النبيَّ وَّهِ قال لعليٍّ كرم الله تعالى وجهَه: ((إني دعوتُ الله
تعالى أن يجعلَها أذنَكَ يا عليّ)) قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: فما سمعتُ شيئاً
فنسيتُه، وما كان لي أن أنسى (١).
وفي جَعْلِ الأذنِ واعيةً - وكذا جَعْلِها حافظةً ومتذكِّرةً ونحوَ ذلك - تجوُّزٌ،
والفاعلُ لذلك إنما هو صاحبُها، ولا يُنسَبُ لها حقيقةً إلا السمعُ. والتنكيرُ للدَّلالة
على قلَّتها، وأنَّ مَنْ هذا شأنُه مع قلَّه يتسبَّب لنجاة الجمِّ الغفير، وإدامة نَسْلهم.
وقيل: ضميرُ ((نجعلها)) للجارية، وجعلها تذكرةً لما أنه - على ما قال
قتادة - أدرَكَها أوائلُ هذه الأمة، أي: أدركوا ألواحَها على الجُوديِّ، كما قال ابنُ
جُرَيج، بل قيل: إن بعضَ الناس وجَدَ شيئاً من أجزائها بعد الإسلام بكثير، والله
تعالى أعلم بصحّته. ولا يخفى أن المعوَّل عليه ما قدَّمناه.
وقرأ ابنُ مُصَرِّف، وأبو عَمرو في رواية هارون وخارجةَ عنه، وقُتْبُل
بخلافٍ عنه: ((وتَعْيها)) بإسكان العين على التشبيه بكَتْف وكبد كما قيل، وقرأ
حمزةُ بإخفاء الكسرة، ورُوي عن عاصم أنه قرأ بتشديد الياء(٢)، قال في
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢٢/٢٣-٢٢٣، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤١/ ٤٥٥،
من طريق مكحول عن النبي ول# مرسلاً وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ وعزاه
لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦١، والبحر المحيط ٣٢٢/٨، وما ذكره المصنف من الروايات عن
أبي عمرو وحمزة وعاصم إنما هو من الشواذٌ، والقراءة المشهورة عنهم كقراءة الجماعة.
=