Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٤ ١٦١ سُورَةُ المنَّافِقُونَ وتُعقّبَ بأنَّ الحاليةَ تفيدُ أنَّ السماعَ لقولهم لأنهم كالخُشُبِ المسنَّدة. وليس كذلك. و((خُشُب)) جمعُ خَشَبةٍ كَثَمرةٍ وَثُمُر، والمراد به ما هو المعروفُ، شُبِّهوا في جلوسهم [في](١) مجالس رسول الله وَ﴿ مستندين فيها، وما هم إلا أجرامٌ خاليةٌ عن الإيمان والخير، بخُشُبٍ منصوبةٍ مُسَّدةٍ إلى الحائط في كونهم أشباحاً خاليةً عن الفائدة؛ لأنَّ الخُشُبَ تكونُ مُستَّدةً إذا لم تكن في بناءٍ أو دعامة بشيءٍ آخر. وجُوِّزَ أن يُرادَ بالخُشُبِ المسئَّدةِ الأصنامُ المنحوتةُ من الخُشُبِ المسنَّدة إلى الحيطان، شُبِّهوا بها في حُسْنِ صُوَرهم وقِلَّة جَدْواهم، وفي مثلهم قال الشاعر: تسعةُ أعشارٍ مَن تَرَى بقرُ لا يَخْدَعَنْكَ اللِّحى ولا الصّورُ وليس فيها لطالبٍ مطرُ تراهمُ كالسَّحاب منتشراً له رَواءٌ وما له ثمرُ(٢) وفي شجر السّرو منهمُ شَبَهٌ وقرأ البراء بن عازب، والنحويان، وابن كثير: ((خُشْبٌ)) بإسكان الشين(٣)، تخفيف ((خُشُب)) المضموم، ونظيره: بَدَنة وبُدْن. وقيل: جمع خشباء، ◌ُهُمْرٍ وحَمْراء، وهي الخشبةُ التي نُخِرَ جوفُها، شُبِّهوا بها في فساد بواطنهم لنفاقهم. وعن اليزيديِّ حَمْلُ قراءة الجمهور بالضَّمِّ على ذلك، وتُعقِّبَ بأنَّ: فعلاء، لا يُجمَعُ على: فُعُلٍ، بضمَّتين، ومنه يُعلَمُ ضَعْفُ القيل؛ إذ الأصلُ تَوَافُقُ القراءات. وقرأ ابن عباس وابن المسيب وابن جبير: ((خَشَبٌ)) بفتحتين، كَمَدَرةٍ ومَدَر، وهو اسمُ جنسٍ على ما في ((البحر))(٤)، وَوَصْفُهُ بالمؤنَّثِ كما في قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ فْلٍ خَارِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَّهِمْ﴾ أي: واقعة عليهم ضارَّة لهم؛ لجُبْنهم وهَلَعهم، (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٥٢/٨، والكلام منه. (٢) الأبيات لابن لنكك محمد بن محمد البصري، وهي في يتيمة الدهر ٢/ ٤١٠، والبحر المحيط ٨/ ٢٧٢. (٣) التيسير ص٢١١، والنشر ٢١٦/٢، والبحر ٢٧٢/٨. (٤) ٨/ ٢٧٢، وينظر الكشاف ١٠٩/٤، والمحرر الوجيز ٣١٢/٥. سُورَةُ المُنَافِقُونَ ١٦٢ الآية : ٤ فكانوا كما قال مقاتل: متى سمعوا بنِشْدان ضالَّةٍ، أو صياحاً بأيِّ وجوٍ كان، طارت عقولهم، وظنُّوا ذلك إيقاعاً بهم، وقيل: كانوا على وَجَلٍ من أن يُنزلَ الله عزَّ وجلَّ فيهم ما يَهتِكُ أستارهم، ويُبيح دماءهم وأموالهم؛ ومنه أخذ جريرٌ قوله يُخاطِبُ الأخطل : ما زلتَ تحسبُ كلَّ شيءٍ بعدهم خيلاً تكرُّ عليهم ورجالا(١) وكذا المتنبي قوله : إذا رأى غيرَ شيءٍ ظَنَّهُ رَجُلا(٢) وضاقتِ الأرضُ حتى ظنَّ هاربهم والوقف على ((عليهم)) الواقع مفعولاً ثانياً لـ ((يحسبون))، وهو وقفٌ تامٌّ كما في الكواشي، وعليه كلام الواحديّ. وقوله تعالى: ﴿هُ الْعَدُوُ﴾ استئنافٌ، أي: هم الكاملون في العداوة، والراسخون فيها، فإنَّ أعدى الأعادي العدوُّ المداجي، الذي يكاشرك(٣) وتحت ضلوعه الداءُ الدويُّ، ككثيرٍ من أبناء الزمان ﴿فَأَحْذَرْهُمْ﴾ لكونهم أعدى الأعادي، ولا تغترَّنَّ بظاهرهم. وجوَّزَ الزمخشريُّ كونَ ((عليهم)) صلة ((صيحة))، و((هم العدو)» المفعول الثاني لـ ((يحسبون)) كما لو طرح الضمير، على معنى أنهم يحسبون الصيحةَ نفسَ العَدُوِّ(٤). وكان الظاهر عليه: هو أو هي العدوّ، لكنه أتى بضمير العقلاء المجموع لمراعاة معنى الخبر، أعني: العدوّ، بناءً على أنه يكون جمعاً ومفرداً، وهو هنا جمعٌ. وفيه أنه تخريجٌ متكلَّفٌ بعيدٌ جدًّا لا حاجة إليه، وإن كان المعنى عليه لا يخلو عن بلاغةٍ ولطف، ومع ذلك لا يساعد عليه ترتُّبُ (فاحذرهم))؛ لأنَّ التحذيرَ منهم يقتضي وَصْفَهم بالعداوة لا بالجبن. (١) دیوان جرير ٥٣/١. (٢) البيت في ديوانه ٢٨٧/٣. (٣) الكَشْر: في الأسنان يكون في الضحك وغيره. القاموس المحيط (كشر). (٤) الكشاف ٤ / ١٠٩. الآية : ٥ ١٦٣ سُورَةُ المُنَافِقُونَ ﴿قَتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لَعنَهم وطردهم، فإنَّ القتلَ قُصارى شدائد الدنيا وفظائعها، وكذلك الطردُ عن رحمة الله تعالى والبعدُ عن جنابه الأقدس منتهى عذابه عزَّ وجلَّ، وغاية نكاله جلَّ وعلا في الدنيا والآخرة. والكلامُ دعاءٌ وطَلَبٌ من ذاته سبحانه أن يلعنهم ويطردهم من رحمته تعالى، وهو من أسلوب التجريد، فلا يكون من إقامة الظاهر مقام الضمير؛ لأنه يفوتُ به نضارةُ الكلام، أو تعليمٌ للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك، فهو على معنى: قولوا: قاتلهم الله. وجُوِّز أن لا يكونوا من الطلب في شيءٍ، بأن يكونَ المرادُ أنَّ وقوعَ اللَّعْنِ بهم مقرَّرٌ لا بدَّ منه. وذكر بعضُهم أنَّ ((قاتله الله)) كلمةُ ذَمِّ وتوبيخ، وتستعملها العربُ في موضع التعجُّب من غير قَصْدٍ إلى لعن، والمشهورُ تعقيبها بالتعجّب نحو: قاتله الله ما أشعره، وكذا قوله سبحانه هنا: ((قاتلهم الله)). ﴿أَّى يُؤْفَكُونَ ﴾﴾ وهذا تعجيبٌ من حالهم، أي: كيف يُصرَفون عن الحقِّ إلى ما هم عليه من الكفر والضلال؟! فـ ((أنَّى)) ظرفٌ متضمّنٌ للاستفهام، معمولٌ لما بعده، وجوَّز ابنُ عطيةَ كونه ظرفاً لـ ((قاتلهم)) وليس هناك استفهام(١). وتعقّبه أبو حيان بأنَّ ((أَنَّى)) لا تكونُ لمجرَّدِ الظرفية أصلاً، فالقول بذلك باطلٌ(٢). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُؤُوسَهُمْ﴾ أي: عَطَفوها، وهو كنايةٌ عن التكبُّر والإعراض على ما قيل؛ وقيل: هو على حقيقته، أي: حرَّكوها استهزاءً، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج(٣). ﴿وَرَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يُعرضون عن القائل، أو عن الاستغفار ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن ذلك. روي أنه لما صدَّق الله تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبيّ، مَقَتَ الناسُ ابنَ أبيٍّ، ولامه المؤمنون من قومه، وقال بعضُهم له: امضٍ إلى رسول الله وَليه (١) المحرر الوجيز ٣١٣/٥. (٢) البحر المحيط ٨/ ٢٧٣. (٣) الدر المنثور ٢٢٤/٦. سُورَةُ المنَّافِقُونَ ١٦٤ الآية : ٥ واعترف بذنبك، يستغفر لك. فلوَّى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم عليَّ بالإيمان فآمنت، وأشرتم عليَّ بأن أعطي زكاةَ مالي ففعلت، ولم يبقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد وَلِ﴾(١). وفي حديثٍ أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن جبير أنَّ رسول الله وَله قال له: ((تب))، فجعل يلوي رأسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمْ﴾ إلخ(٢). وفي حديثٍ أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد، بعد نقل القصة إلى أن قال: حتى أنزل الله تعالى تصديقي في: ﴿إِذَا جَاءَكَ اٌلْمُتَفِقُونَ﴾ ما نصُّه: فدعاهم رسول الله وَّر ليستغفر لهم، فَلوَّوْا رؤوسهم(٣). فَجَمْعُ الضمائر: إما على ظاهره، وإما من باب: بنو تميم قتلوا فلاناً، و(إذا)) على ما مرَّ، و((يستغفر)) مجزومٌ في جواب الأمر، و((رسول الله)) فاعلٌ له، والكلام - على ما في ((البحر))(٤) - من باب الإعمال؛ لأنَّ ((رسول الله)) يطلبه عاملان: ((يستغفر)) و((تعالوا))، فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة، ولو أُعمل الأولُ لكان التركيبُ: تعالوا يستغفرْ لكم إلى رسول الله. وجملة ((يصدُّون)) في موضع الحال، وأتت بالمضارع ليدلَّ على الاستمرار التجدُّدي، ومثلها في الحالية جملةٌ: ((هم مستكبرون)). وقرأ مجاهدٌ ونافعٌ وأهلُ المدينة، وأبو حيوة وابن أبي عبلة والمفضل، وأبان عن عاصم، والحسن ويعقوب بخلافٍ عنهما: (لَوَوْا)) بتخفيف الواو(٥)، والتشديدُ في قراءة باقي السبعة للتكثير. (١) عزاه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٧٢ للثعلبي. (٢) الدر المنثور ٢٢٤/٦. (٣) أحمد (١٩٣٣٤)، والبخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (٢٧٧٢)، والترمذي (٣٣١٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٤). (٤) ٨/ ٢٧٣. (٥) التيسير ص٢١١، والنشر ٣٨٨/٢ عن نافع وروح (راوية يعقوب)، والكلام من البحر ٢٧٣/٨. الآية : ٦ ١٦٥ سُؤَدَّةُ المُنَافِقُونَ ولمَّا نعى سبحانه عليهم إباءهم عن الإتيان ليستغفر لهم رسول الله وَلا قه وإعراضَهم واستكبارَهم، أشارَ عزَّ وجلَّ إلى عدم فائدة الاستغفار لهم - لِمَا عَلِمَ سبحانه من سوء استعدادهم واختيارهم - بقوله تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ فهو للتسوية بين الأمرين؛ الاستغفار لهم وعدمه، والمراد الإخبارُ بعدم الفائدة كما يُفصِحُ عنه قوله جلَّ شأنه: ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَمَّ﴾ وتعليلُهُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ أي: الكاملين في الفسق، الخارجين عن دائرة الاستصلاح، المنهمكين لسوء استعدادهم بأنواع القبائح، فإنَّ المغفرةَ فرعُ الهداية. والمراد بهؤلاء القوم إما المحدَّثُ عنهم بأعيانهم، والإظهارُ في مقام الإضمار لبيان غُلُوِّهم في الفسق؛ والإشارة إلى عِلَّة الحكم، أو الجنس، وهم داخلون دخولاً أوَّلِيًّا . والآيةُ في ابن أُبيِّ كسوابقها كما سمعت، ولواحقها كما صحَّ وستسمعه قريباً إن شاء الله تعالى، والاستغفار لهم قيل: على تقدير مجيئهم تائبين معتذرين من جناياتهم، وكأن ذلك قد اعتُبر في جانب الأمر الذي جُزِمَ في جوابه الفعلُ، وإلا فمجرَّدُ الإتيان لا يَظْهَرُ كونُه سبباً للاستغفار، ويُومئُ إليه قوله ◌ِّ في خبر ابن جبير لابن أُبيِّ: ((تب)). وترك الاستغفار على تقدير الإصرار على القبائح والاستكبار وتَرْكِ الاعتذار، وحيث لم يكن منهم توبةٌ لم يكن منه عليه الصلاة والسلام استغفارٌ لهم. وحكى مكِّي أنه وَّ استغفرَ لهم لأنهم أظهروا له الإسلام، أي: بعد ما صَدَرَ منهم ما صَدَرَ بالتوبة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت آيةُ ((براءة)»: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ﴾ [التوبة: ٨٠] إلخ، قال النبيُّ وَِّ: ((أسمعُ ربِّي قد رخّصَ لي فيهم، فواللهِ لأستغفرنَّ لهم أكثرَ من سبعين مرة، لعلَّ الله أن يغفر لهم)) فنزلت هذه الآية: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ إلخ(١). (١) تفسير الطبري ١١/ ٦٠١. الآية : ٦ ١٦٦ سُورَةُ المُنَّافِقُونَ وأخرج أيضاً عن عروةً نحوه (١)، وإذا صحَّ هذا لم يتأتَّ القولُ بأنَّ ((براءةَ) بأسرها آخرُ ما نزل، ولا ضرورةَ تدعو لالتزامه إلا إن صحَّ نقلٌ غيرُ قابلٍ للتأويل. ولعلَّ هذه الآيةَ إشارةٌ منه تعالى لنبيِّهِ وَّهِ إلى أنَّ المراد بالعدد هناك التكثير دون التحديد؛ ليكونَ حكمُ الزائد مخالفاً لحكم المذكور، فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحداً، وهو عدمُ المغفرة لهم مطلقاً. والآيةُ الأولى - فيما أختار - نزلتْ في اللَّامِزِين كما سمعتَ هناك عن ابن عباس(٢)، وهو الأوفقُ بالسباق، وهذه نزلتْ في ابن أُبيِّ وأصحابه كما نطقت به الأخبار الصحيحة، ويجمعُ الطائفتين النفاق، ولذا قال ◌َّي ما قال مع اختلاف أعيان الذين نزلتا فيهم. ثم إني لم أقف في شيءٍ مما أعوِّلُ عليه على أنَّ ابنَ أُبيِّ كان مريضاً إذ ذاك، ورأيتُ في خبرٍ أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين ما يُشعر بأنه بعد قوله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأزلَّ، بأيام قلائلَ اشتكى واشتدَّ وَجَعُهُ، وفيه أنه قال للنبيِّ وَّه وقد ذَهَبَ إليه بشفاعةٍ ولده: حاجتي إذا أنا مِتُّ أن تشهد غسلي وتكفيني في ثلاثة أثوابٍ من أثوابك، وتمشي مع جنازتي، وتُصلِّي عليَّ. ففعل ◌ََّ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِيِّْ﴾(٣) [التوبة: ٨٤]. ولا يُشْكِلُ الاستغفارُ إن كان قد وقع لأحدٍ من المنافقين بعد نزول ما يفيد كونه تعالى لا يهدي القومَ الفاسقين؛ إذ لا يتعيَّنُ اندراجُ كلٌّ منهم إلا بتبيُّن أنه بخصوصه من أصحاب الجحيم، كأنْ يموتَ على ما هو عليه من الكفر والنفاق. وهذا الذي ذكرتُهُ هنا هو الذي ظهر لي بعد كتابة ما كتبتُ في آية ((براءة))، والمقامُ بعدُ محتاجٌ إلى تحقيقٍ، فراجعْ وتأملْ، والله تعالى وليُّ التوفيق. وقرأ أبو جعفر: ((آستغفرتَ)) بمدَّةٍ على الهمزةُ(٤)، فقيل: هي عِوَضٌ من همزة (١) تفسير الطبري ١١/ ٥٩٩. (٢) ينظر ما سلف ٤٤١/١٠. (٣) الدر المنثور ٢٢٦/٦. (٤) النشر ٣٨٨/٢. الآية : ٧ ١٦٧ سُؤَةُ المُنَافِقُونَ الوصل، وهي مثلُ المدَّة في قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] لكنَّ هذه المدَّةَ في الاسم لئلّا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يحتاجُ ذلك في الفعل؛ لأنَّ همزةَ الوصل فيه مكسورةٌ. وعنه أيضاً ضَمُّ ميم: ((عليهم)) - إذا أصلها الضَّمُّ - وَوَصْلُ الهمزة(١). وروى معاذُ بن معاذ العنبري عن أبي عمرو كسر الميم على أصل التقاء الساكنين، ووصل الهمزة (٢)، فتسقطُ في القراءتين، واللفظُ خبرٌ والمعنى على الاستفهام، وجاء حَذْفُ الهمزة ثقةً بدلالة ((أم)) عليها كما في قوله: بسبعٍ رَمينَ الجمرَ أم بثمان(٣) وقال الزمخشريُّ: قرأ أبو جعفر: ((آستغفرتَ)) إشباعاً لهمزة الاستفهام؛ للإظهار والبيان، لا قَلْباً لهمزة الوصل ألِفاً كما في ((السحر)) [يونس: ٨١] و((آلله)) [يونس: ٥٩](٤). وقال [ابن عطية: وقرأ](٥) أبو جعفر بن القعقاع بمدَّةٍ على الهمزة، وهي ألفُ التسويةِ، وقرأ أيضاً بوَصْل الألف دون همزةٍ على الخبر، وفي كلِّ ذلك ضَعْفٌ؛ لأنه في الأولى أثبتَ همزةَ الوصل وقد أغنتْ عنها همزةُ الاستفهام، وفي الثانية حَذَفَ همزةَ الاستفهام وهو يريدها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر. وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لبعض ما يدلُّ على فِسْقهم، وجُوِّزَ أن يكونَ جارياً مجرى التعليل لعدم مغفرته تعالى لهم. وليس بشيءٍ؛ لأنَّ ذاك مُعلَّلٌ بما قبل. (١) البحر المحيط ٢٧٣/٨ . (٢) المصدر السابق. (٣) عجز بيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٢٦٦، وصدره: فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ. وسلف ١٦٧/١٦ . (٤) الكشاف ٤/ ١١١ . (٥) ما بين حاصرتين من البحر ٣٧٣/٨، وعنه نقل المصنف، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٤/٥. سُوَّةُ المُنَافِقُونَ ١٦٨ الآية : ٧ والقائلُ رأسُ المنافقين ابنُ أبيٍّ، وسائرهم راضُون بذلك، أخرج الترمذيُّ (١) وصححه، وجماعةٌ عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله وَّر، وكان معنا ناسٌ من الأعراب، فكنا نبتدرُ الماءَ، وكان الأعرابُ يسبقونا إليه، فيسبقُ الأعرابيُّ أصحابه فيملأ الحوض، ويجعلُ حوله(٢) حجارة، ويجعلُ النِّطْعَ عليه حتى يجيءَ أصحابه، فأتى رجلٌ من الأنصار أعرابيًّا فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يَدَعَهُ، فانتزع حجراً ففاض(٣)، فرفع الأعرابيُّ خشبةً فضربَ رأسَ الأنصاريِّ فشجَّه، فأتى عبدَ الله بن أبيٍّ - رأسَ المنافقين - فأخبره، وكان من أصحابه، فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضُّوا من حوله، يعني الأعراب، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعزُّ منها الأذلَّ، قال زيد: وأنا رِدْفُ عمِّي (٤)، فسمعتُ عبدَ الله، فأخبرتُ عمِّي، فأخبرَ رسولَ اللهِ وَّ، فأرسل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام فَحَلَفَ وجَحَدَ، وصدَّقه وَّهِ وكذَّبني، فجاء عمِّي إليَّ فقال: ما أردتَ إلى أن مقتكَ وكذَّبك المسلمون، فَوَقَعَ عليَّ من الهمِّ ما لم يقع على أحدٍ قظّ، فبينا أنا أسير وقد خفضت رأسي(٥) من الهمِّ، إذ(٦) أتاني رسول الله وَ﴿ فَعَرَكَ أذني وضَحِكَ في وجهي، ثم إنَّ أبا بكرٍ ◌َُه لحقني فقال: ما قال لك رسول الله وَ﴾؟ قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عَرَكَ أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشرْ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله وَله: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَلَهُ﴾ حتى بلغ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. وقد تقدم عن البخاريِّ (١) برقم (٣٣١٣)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (٥٠٤١)، والحاكم ٤٨٨/٢-٤٨٩، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٥٤-٥٥ . (٢) في الأصل و(م): حوضه. والمثبت من المصادر. (٣) كذا في الأصل و(م) والمستدرك والدلائل، وجاء في مطبوع سنن الترمذي وعارضة الأحوذي ١٢/ ٢٠٢، وتحفة الأحوذي ٢١٥/٩، وجامع الأصول ٣٩٣/٢: فانتزع قباضَ الماء، وفي المعجم الكبير: فانتزع حجراً فغاض الماء. وكذا نقله ابن كثير عن الترمذي، ومثله في الدر المنثور ٦/ ٢٢٢. (٤) في سنن الترمذي: وأنا ردف رسول الله وال﴾. (٥) في المصادر: خفقت برأسي. (٦) في (م): إذا . الآية : ٧ ١٦٩ سُؤَدَّةُ المُنَافِقُونَ ما يدلُّ على أنه قائل ذلك أيضاً(١). وأخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي نحو ذلك(٢)، والأخبار فيه أكثرُ من أن تحصى. وتلك الغَزاةُ التي أشار إليها زيدٌ، قال سفيان: يرون أنها غزاة بني المصطلق، وفي ((الكشاف)»(٣) خبرٌ طويلٌ في القصة يُفهَمُ منه أنهم عَنوا بمَنْ عند رسول الله فقراء المهاجرين. والظاهرُ أنَّ التعبير بـ ((رسول الله)) - أي: بهذا اللفظ - وَقَعَ منهم، ولا يأباهُ كُفْرهم؛ لأنهم منافقون مقرُّون برسالته عليه الصلاة والسلام ظاهراً. وجُوِّزَ أن يكونوا قالوه تهكُّماً، أو لغلبته عليه وَّهِ حتى صار كالعَلَم، لم يُقْصَدْ منه إلا الذات، ويحتَملُ أنهم عبَّروا بغير هذه العبارة، فغيَّرها الله عزَّ وجلَّ إجلالاً النبيِّه عليه الصلاة والسلام وإكراماً . والانفضاضُ: التفرُّق، و((حتى)) للتعليل، أي: لا تنفقوا عليهم كي يتفرَّقوا عنه عليه الصلاة والسلام ولا يصحبوه. وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: ((يُنْفِضُوا))(٤) من أنْفَضَ القومُ: فَنِيَ طعامهم، فَنَفَضَ الرجلُ وعاءه، والفعل مما يتعدَّى بغير الهمزة وبالهمزةِ لا يتعدَّى، قال في (الكشاف))(٥): وحقيقته: حان لهم أن يَنْفُضُوا مزاوِدَهُم. وقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ خَزِّنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ رَدُّ وإبطالٌ لما زعموا من أنَّ عدم إنفاقهم على من عند رسول الله ◌َّ* يؤدِّي إلى انفضاضهم عنه عليه الصلاة والسلام، ببيان أنَّ خزائنَ الأرزاق بيد الله تعالى خاصةً، يُعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشؤونه عزَّ وجلَّ، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ولذلك يقولون من مقالات الكفرة ما يقولون. (١) ينظر ص١٦٨ من هذا الجزء. (٢) أحمد (١٩٣٣٣)، ومسلم (٢٧٧٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٤). (٣) ٤ /١١٠. (٤) الكشاف ١١١/٤، والمحرر ٣١٤/٥، والبحر ٢٧٤/٨. (٥) ٤ /١١١. سُورَةُ المَنَافِقُونَ ١٧٠ الآية : ٨ ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قائله كما سمعتَ ابنُ أُبَيِّ، وعنى بالأعزِّ نفسَهُ أو: مَنْ يلوذُ به، وبالأذلِّ مَنْ أعزَّه الله عزَّ وجلَّ، وهو الرسول وَل، أو: هو عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وإسنادُ القول المذكور إلى جمیعھم لرضائهم به کما في سابقه. وقرأ الحسن وابن أبي عبلةً والمسيبي(١) في اختياره: ((لنُخرِجَنَّ» بالنون، ونصب ((الأعزّ) و((الأذلّ)(٢) على أنَّ ((الأعزَّ) مفعولٌ به، و((الأذلَّ)) إما حالٌ بناءً على جواز تعريف الحال، أو زيادة ((أل)) فيه نحو: أرسلها العِراك(٣). و: ادْخُلوا الأوَّلَ فالأوَّل، وهو المشهورُ في تخريج ذلك، أو حالٌ بتقدير: مثل، وهو لا يتعرَّفُ بالإضافة، أي: مِثْلَ الأذل، أو مفعول به لحالٍ محذوفة، أي: مُشْبِهاً الأزلَّ، أو مفعول مطلق على أنَّ الأصلَ: إخراجَ الأذلِّ، فحُذف المصدر المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه. وحكى الكسائيُّ والفراءُ أنَّ قوماً قرؤوا: ((لَيَخرُجَنَّ» بالياء مفتوحة وضمّ الراء، ورَفْع ((الأعزُّ) على الفاعلية، ونَصْبِ ((الأذلَّ)) على ما تقدم(٤)، بيد أنك تُقدِّرُ على تقدير النصب على المصدرية: خروجَ. وقرئَ: ((لَيُخْرَجَنَّ)) بالياء مبنيًّا للمفعول، ورفع ((الأعزُّ) على النيابة عن الفاعل، ونصب ((الأذلّ)) على ما مرَّ(٥). وقرأ الحسن فيما ذكر أبو عمرو الداني: ((لَنَخْرُجَنَّ)) بنون الجماعة مفتوحةً وضمٌ (١) في الأصل و(م): والسبتي، والمثبت هو الصواب، ينظر الدر المصون ٣٤٣/١٠. والمسيبي هو إسحاق بن محمد المخزومي المدني، من جلة أصحاب نافع المحققين. معرفة القراء الكبار ٣١٢/١ (٢) القراءات الشاذة ص١٥٧، والكشاف ١١١/٤، والبحر ٢٧٤/٨. (٣) قطعة من بيت للبيد بن ربيعة العامري، وهو في ديوانه ص٨٦ برواية: فأوردها العِراكَ ولم يَذُدْهَا ولم يُشفق على نَغَص الدِّخال (٤) القراءات الشاذة ص١٥٧، والبحر ٢٧٤/٨. (٥) البحر المحيط ٢٧٤/٨. الآية : ٨ ١٧١ سُؤَدَّةُ المُنَافِقُونَ الراء، ونَصْب ((الأعزَّ) و((الأذلَّ)) وحكى هذه القراءةَ أبو حاتم(١)، وخُرِّجتْ على أنَّ نَصْبَ ((الأعزّ)) على الاختصاص كما في قولهم: نحن العربَ أقرى الناس للضيف، ونَصْبَ ((الأذلّ)) على أحد الأوجه المارَّة فيما حكاه الكسائي والفرَّاء، والمقصود إظهارُ التضجّر من المؤمنين، وأنهم لا يمكنهم أن يُساكنوهم في دار. كذا قيل، وهو كما ترى، ولعلَّ هذه القراءة غيرُ ثابتةٍ عن الحسن. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رَدٌّ لما زعموه ضِمْناً من عِزَّتهم وذلّ مَنْ نسبوا إليه الذِّلَّ، وحاشاه منه، أي: ولله تعالى الغَلَبةُ والقوَّةُ، ولمن أعزَّهُ الله تعالى من رسوله وَّر والمؤمنين لا للغير، ويُعلَم مما أشرنا إليه توجيه الحصر المستفاد من تقديم الخبر. وقيل: إنَّ العَظْفَ معتَبرٌ قبل نسبة الإسناد، فلا ينافي ذلك، ولا يضرُّ إعادةُ الجارِّ؛ لأنها ليست لإفادة الاستقلال في النسبة، بل لإفادة تفاوت ثبوت العزة، فإنَّ ثبوتها لله تعالى ذاتيٍّ، وللرسول وَّه بواسطة الرسالة، وللمؤمنين بواسطة الإيمان، وجاء من عِدَّة طُرقٍ أنَّ عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ - وكان مخلصاً - سلَّ سيفَهُ على أبيه عندما أشرفوا على المدينة، فقال: واللهِ عليَّ أن لا أغمده حتى تقولَ: محمدٌ الأعزّ وأنا الأذلُّ. فلم يبرحْ حتى قال ذلك(٢) . وفي رواية أنه رُه وَقَفَ والناسُ يدخلون حتى جاء أبوه، فقال: وراءك، قال: ما لك ويلك؟! قال: واللهِ لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول اللهِ وَّه، ولتعلمنَّ اليومَ الأعزّ من الأذلّ، فرجع حتى لقي رسولَ الله بَّر فشكا إليه ما صنع ابنه، فأرسل إليه النبيُّ وَِّ أن خَلِّ عنه يدخلْ. ففعل(٣). وصحَّ من رواية الشيخين والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله أنه لما بلغ رسولَ اللهِ وَّهِ ما قال ابنُ أبيٍّ قام عمر رَبُه، فقال: يا رسولَ الله دعني أضرب عنقَ (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه الترمذي (٣٣١٥) من حديث جابر بن عبد الله طلبه، وقال: هذا حديث حسن صحیح . (٣) أخرجه ابن شبَّة في تاريخ المدينة ٣٦٦/١ - ٣٦٧. عن محمد بن سيرين مرسلاً. سُورَةُ المنَّافِقُونَ ١٧٢ الآية : ٨ هذا المنافق؟ فقال النبيُّ وَلّ: ((دَعْهُ، لا يتحدَّثُ الناسُ أنَّ محمداً يقتل أصحابه))(١). وفي روايةٍ عن قتادة أنه قال له عليه الصلاة والسلام: يا نبيَّ الله، مُرْ معاذاً أن يضربَ عنقَ هذا المنافق، فقال ◌َِّ ذلك(٢). وفي الآية من الدلالة على شَرَفِ المؤمنين ما فيها، ومن هنا قالت بعض الصالحات وكانت في هيئةٍ رَثَّة: ألستُ على الإسلام، وهو العِزُّ الذي لا ذُلَّ معه، والغنى الذي لا فَقْرَ معه(٣). وعن الحسن بن عليٍّ على رسول الله وعليهما الصلاة والسلام أنَّ رجلاً قال له: إِنَّ الناسَ يزعمون أنَّ فيك تِيهاً؟ قال: ليس بتيهٍ، ولكنه عِزَّة. وتلا هذه الآية(٤). وأريد بالتِّيه الكِبْر، وأشارَ الخبر(٥) إلى أنَّ العِزَّةَ غيرُ الكِبْر، وقد نصَّ على ذلك أبو حفص السهروردي قُدِّسَ سِرُّه، فقال: العِزَّةُ غيرُ الكبر؛ لأنَّ العِزَّة معرفةُ الإنسان بحقيقة نفسه، وإكرامُها أن لا يضعها لأقسام عاجلة، كما أنَّ الكبر جهلٌ الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق منزلتها، فالعِزَّةُ ضد الذِّلة، كما أنَّ الكبر ضدّ التواضع. وفسَّر الراغبُ العِزَّةَ بحالةٍ مانعةٍ للإنسان من أن يُغْلَبَ، مِن قولهم: أرضٌ عَزازٌ، أي: صُلْبَةٌ، وتعزَّزَ اللحمُ: اشتدَّ، كأنه حَصَلَ في عَزازٍ يصعبُ الوصولُ إليه، وقد تُستعار للحَمِيَّةِ والأَنفة المذمومة (٦). وهي بهذا المعنى تَثْبُتُ للكَفَرة، وتفسيرها بالقوة والغلبة كما سمعتَ شائعٌ، ولك أن تُريدَ بها هنا الحالةَ المانعةً من المغلوبية، فإنها أيضاً ثابتةٌ لله تعالى ولرسوله ول لتر وللمؤمنين على الوجه اللائق بكلِّ. (١) البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣)، والترمذي (٣٣١٥)، وهو عند أحمد (١٥٢٢٣). (٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٣٦٥/١-٣٦٦. (٣) ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان ٢٨٦/٢ عن رابعة العدوية. (٤) الكشاف ٤/ ١١١. (٥) في (م): العز. (٦) المفردات (عزّ). الآية : ٩ ١٧٣ سُؤَدَّةُ المُنَافِقُونَ من فرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَفِفِينَ لَا يَعْلَمُونَ والفعلُ هنا مُنَزَّلٌ منزلةَ اللازم، فلذا لم يُقدَّرْ له مفعولٌ، ولا كذلك الفعلُ فيما تقدم، وهو ما اختاره غيرُ واحدٍ من الأجلَّة، وقيل في وجهه: إنَّ كَونَ العِزَّة لله عزَّ وجلَّ مستلزِمٌ لكون الأرزاق بيده دون العكس، فناسَبَ أن يعتبر الإطلاق(١) في الجملة المذيِّلة لِمَا يفيد كونَ العزَّة له سبحانه قَصْداً للمبالغة، والتقييد للجملة المذيِّة لِمَا يفيد كونَ الأرزاق بيده تعالی. ثم قيل: خصَّ الجملةَ الأولى بـ ((لا يفقهون)) والثانية بـ ((لا يعلمون))؛ لأنَّ إثباتَ الفقه للإنسان أبلغُ من إثبات العلم له، فيكون نفيُ العلم أبلغَ من نفي الفقه، فأُوثر ما هو أبلغُ لِمَا هو أَدْعَی له. وعن الراغب: معنى قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا) إلخ، أنهم يأمرون بالإضرار بالمؤمنين، وحبسٍ النفقات عنهم، ولا يفطنون أنهم إذا فعلوا ذلك أَضرُّوا بأنفسهم، فهم لا يفقهون ذلك ولا يفطنون له، ومعنى الثاني إبعادهم بإخراج الأعزّ للأذلِّ، وعندهم أنَّ الأعزَّ مَنْ له القوَّةُ والغلبةُ على ما كانوا عليه في الجاهلية، فهم لا يعلمون أنَّ هذه القدرةَ التي يَفضُلُ بها الإنسانُ غيرَهُ إنما هي من الله تعالى، فهي له سبحانه ولمن يخصُّهُ بها من عباده، ولا يعلمون أنَّ الذُّلَّ لمن يقدرون فيه العِزَّة، وأنَّ الله تعالى مُعِزُّ أوليائه بطاعتهم له، ومُذلُّ أعدائه بمخالفتهم أمره عزَّ وجلَّ، فقد اختصَّ كلّ آيةٍ بما اقتضاه معناها، فتدبّر. والإظهارُ في مقام الإضمار لزيادة الذَّمِّ مع الإشارة إلى عِلَّة الحكم في الموضعين . ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ﴾ أي: لا يشغلكم الاهتمامُ بتدبير أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها، عن الاشتغال بذِكْرِ الله عزَّ وجلَّ، من الصلاة وسائر العبادات المذكِّرة للمعبود الحقِّ جلَّ شأنه، فذِكْرُ الله تعالى مجازٌ عن مطلق العبادة كما يقتضيه كلامُ الحسن وجماعة، والعلاقةُ السببيةُ؛ (١) في (م): الأخلاق. سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ ١٧٤ الآية : ١٠ لأنَّ العبادةَ سببٌ لذِكْره سبحانه، وهو المقصودُ في الحقيقة منها . وفي روايةٍ عن الحسن أنَّ المرادَ به جميعُ الفرائض. وقال الضحاك وعطاء: الذِّكْرُ هنا الصلاةُ المكتوبة. وقال الكلبيُّ: الجهادُ مع الرسول وَّه. وقيل: القرآن. والعمومُ أولى. ويُفهِمُ كلامُ ((الكشاف))(١) أنَّ المرادَ بالأموال والأولاد الدنيا، وعبَّر بهما عنها لكونهما أرغبَ الأشياء منها، قال الله تعالى: ﴿اٌلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ﴾ [الكهف: ٤٦] فإذا أُريد بذِكْر الله العموم، يَؤُولُ المعنى إلى: لا تشغلّكم الدنيا عن الدين، والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهيُّ المخاطبين، وإنما وُجِّهَ إليها للمبالغة؛ لأنها لقوَّة تسبُّبها لِلَّهو، وشِدَّة مدخليَّتها فيه، جُعلتْ كأنها لاهيّةً وقد نُهيت عن اللهو، فالأصل: لا تلهوا بأموالكم .. إلخ، فالتجوُّزُ في الإسناد. وقيل: إنه تجوُّزٌ بالسبب عن المسبّب، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرَِ ﴾ [الأعراف: ٢] أي: لا تكونوا بحيث تُلهيكم أموالكم .. إلخ. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اللهو بها، وهو الشغل، وهذا أبلغُ مما لو قيل: ومن تُلْهِهِ تلك. ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ حيث باعوا العظيمَ الباقي بالحقير الفاني. وفي التعريف بالإشارة والحَضْر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل، ما لا يخفى من المبالغة، وكأنه لمَّا نُهي المنافقون عن الإنفاقِ على مَنْ عند رسول الله ﴿ وأُريد الحثُّ على الإنفاق، جعل قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ تمهيداً وتوطئةً للأمر بالإنفاق، لكن على وجه العموم في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنْ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ أي: بعضَ ما أعطيناكم وتفضَّلنا به عليكم من الأموال ادِّخاراً للآخرة. ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ﴾ أي: أماراته ومقدِّماته، فالكلامُ على تقدير مضاف، ولذا فُرِّعَ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلَا أَخْتَنِيَّ﴾ أي: أمهلتني (١) ٤ / ١١١. الآية : ١٠ ١٧٥ سُورَةُ المُنَافِقُونَ ﴿إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: أمدٍ قصيرٍ ﴿فَأَصَّذَّفَ﴾ أي: فأتصدقَ، وبذلك قرأ أبيُّ وعبد الله وابن جبير(١)، ونَصْبُ الفعل في جواب التمنِّي. والجزمُ في قوله سبحانه: ﴿وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ ®﴾ بالعَظْف على موضع ((فأصَّدَّق)) كأنه قيل: إن أَخَّرتني أَصَّدَّقْ وأكنْ، وإلى هذا ذهب أبو عليٍّ الفارسي والزجَّاج (٢)، وحكى سيبويه عن الخليل أنه على توهُّم الشرط الذي يدلُّ عليه التمنِّي؛ لأنَّ الشرطَ غيرُ ظاهرٍ ولا يُقدَّرُ حتى يُعتَبرَ العَظْفُ على الموضع كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَيَذَرْهم﴾ [الأعراف: ١٨٦] فيمن قرأ بالجزم(٣)، وهو حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ التعبيرَ بالتوهُّم هنا ينشأ منه توهُمٌ قبيحٌ، والفرقُ بين العطف على الموضع والعطف على التوهُم أنَّ العاملَ في العطف على الموضع موجودٌ وأثره مفقودٌ، والعاملَ في العطف على التوهُّم مفقودٌ وأثره موجود. واستُظْهِر أنَّ الخلافَ لفظيٍّ، فمراد أبي عليٍّ والزجَّاج العطفُ على الموضع المتوهَّم، أي: المقدَّر؛ إذ لا موضعَ هنا في التحقيق، لكنهما فرًّا من قُبْحِ التعبير. وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبي إسحاق ومالك بن دينار والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو: ((وأكونَ)) بالنصب(٤)، وهو ظاهرٌ. وقرأ عبيد بن عمير: ((وأكونُ)) بالرفع على الاستئناف(٥)، والنحويُّون وأهلُ المعاني قدَّروا المبتدأ في أمثال ذلك من الأفعال المستأنفة، فيقال هنا: أي: وأنا أكونُ. ولا تراهم يُهملون ذلك، ووُجِّهَ بأنَّ ذلك لأنَّ الفعلَ لا يصلحُ للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا، ولا بدونها، وتُعقِّبَ بأنه لم يذهبْ إلى عدم صلاحيته لذلك أحدٌ من النحاة، وكأنه لهذا صرَّحَ العلامةُ التفتازانيُّ بأنَّ التزامَ التقدير مما لم يظهر له وجهه. وقيل: وجههُ أنَّ الاستئنافَ بالاسميَّة أظهرُ. وهو كما ترى. (١) القراءات الشاذة ص١٥٧، والمحرر ٣١٥/٥، والبحر ٢٧٥/٨. (٢) الحجة للقراء السبعة ٦/ ٢٩٣، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٨/٥. (٣) وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي عمرو، ينظر التيسير ص١١٥، والنشر ٢٧٣/٢. (٤) التيسير ص٢١١، والنشر ٣٨٨/٢ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٢٧٥/٨. (٥) البحر المحيط ٨/ ٢٧٥. سُؤَةُ المُنَافِقُونَ ١٧٦ الآية : ١٠ وجُوِّزَ كونُ الفعل على هذه القراءة مرفوعاً بالعطف على ((أَصَّدَّق)) على نحو القولين السابقين في الجزم. هذا، وعن الضحاك أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْتَكُم﴾ يعني الزكاة والنفقة في الحجّ. وعليه قولُ ابن عباس فيما أخرج عنه ابن المنذر(١): (أصدق) أُزِّي ((وأكن من الصالحين)) أَهُُّ. وأخرج الترمذيُّ وابن جرير والطبرانيُّ وغيرهم عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله وَله: ((من كان له مالٌ يُبلِّغه حَجَّ بيت رَبِّه، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعلْ، سألَ الرجعةَ عند الموت)) فقال له رجل: يا ابن عباس، اتَّقِ اللهَ تعالى، فإنما يسألُ الرجعةَ الكفارُ؟ فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَقْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة، كذا في ((الدر المنثور))(٢). وفي ((أحكام القرآن)» رواية الترمذيِّ عنه ذلك موقوفاً عليه(٣). وحكى عنه في ((البحر))(٤) وغيره أنه قال: إنَّ الآيةَ نزلتْ في مانع الزكاة، ووالله لو رأى خيراً لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله تعالى، يسألُ المؤمنون الكرَّةَ؟! فأجاب بنحو ما ذكر. ولا يخفى أنَّ الاعتراضَ عليه، وكذا الجواب أوفقُ بكونه نفسه ادَّعى سؤالَ الرجعة، ولم یرفع الحدیث بذلك. (١) الدر المنثور ٢٢٦/٦. (٢) ٢٢٦/٦، وينظر التعليق الذي بعده. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٠١/٤، والإكليل للسيوطي (ويسميه المصنف: أحكام القرآن) ص٢٦٤. وقد أخرجه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً (٣٣١٦)، وهو في تفسير الطبري ٢٢/ ٦٧٢ موقوفاً، وفي المعجم الكبير (١٢٦٣٥) مرفوعاً. وكلاهما من طريق أبي جناب الكلبي عن الضحاك عن ابن عباس. والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وأبو جناب قال عنه الترمذي: ليس بالقوي في الحدیث. (٤) ٨/ ٢٧٤. الآية : ١١ ١٧٧ سُوَّةُ المُنَافِقُونَ وإذا كان قوله تعالى: (لَوْلَا أَخْتَنِى) إلخ، سؤالاً للرجعة بمعنى الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، لم يحتجْ قوله تعالى: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) إلى تقدير مضافٍ كما سمعتَ آنفاً . ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اَللَّهُ نَفْسًا﴾ أي: ولن يمهلها ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ أي: آخرُ عمرها، أو انتهى الزمانُ الممتدُّ لها من أول العمر إلى آخره على تفسير الأجل به. ﴿وَلَهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ فمُجازٍ عليه. وقرأ أبو بكر بالياء آخر الحروف(١)، ليوافقَ ما قبله في الغَيبة. و((نفساً)) لكونها نكرة في سياق النفي في معنى الجمع. واستدلَّ الكيا(٢) بقوله تعالى: ((وأنفقوا)) إلخ على وجوب إخراج الزكاة على الفور ومنع تأخيرها . ونُسَبَ للزمخشري أنه قال: ليس في الزجر عن التفريط في هذه الحقوق أعظم من ذلك، فلا أحدَ يُؤخّر ذلك إلا ويجوز أن يأتيه الموتُ عن قريبٍ، فيلزمه التحرُّزُ الشديدُ عن هذا التفريط في كلِّ وقت(٣). وقد أبطلَ الله تعالى قولَ المجبّرة من جهات: منها قوله تعالى: ((وأنفقوا))، ومنها أنه إن كان قبلَ حضور الموت لم يَقْدِرْ على الإنفاق، فكيف يتمنَّی تأخيرَ الأَجَل؟ ومنها قوله تعالى مُؤْيِّساً له في الجواب: ((ولن يؤخر الله)) ولولا أنه مختارٌ لأُجيب باستواء التأخير والموت حين التمنِّي، وأجيب بأنَّ أهلَ الحقِّ لا يقولون بالجبر، فالبحثُ ساقطُ عنهم، على أنه لا دلالةً في الأول كما في سائر الأوامر كما حُفِّقَ في موضعه، والتمنِّ - وهو متمسَّكُ الفريق - لا يصحُّ الاستدلالُ به، والقولُ المؤيِّسُ إبطالٌ لتمنِّيهم، لا جوابٌ عنه؛ إذ لا استحقاقَ لوضوح البطلان، والله تعالى أعلم. (١) التيسير ص٢١١، والنشر ٣٨٨/٢. (٢) في أحكام القرآن له ٤١٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإكليل ص٢٦٤. (٣) ينظر الكشاف ٤/ ١١٢. سُورَةُ النَخَابُ مدنيّةٌ في قول الأكثرين، وعن ابن عباس وعطاء بن يسار أنها مكيةٌ إلا آياتٍ من آخرها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَبِّكُمْ﴾ إلخ. وعددُ آيها تسعَ عشرةَ آيَةً بلا خلاف. ومناسَبَتُها لِمَا قبلها أنه سبحانه ذكر هناك حالَ المنافقين، وخاطَبَ بعدُ المؤمنين، وذكر جلَّ وعلا هنا تقسيمَ الناس إلى مؤمنٍ وكافرٍ. وأيضاً في آخِر تلك: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَوَّلُكُمْ وَلَاَ أَوَلَدُكُمْ﴾، وفي هذه: ﴿إِنَّمَآَ أَمَّوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وهذه الجملة على ما قيل كالتعليل لتلك. وأيضاً في ذكر التغابن نوعُ حَتٍّ على الإنفاق قبل الموت المأمور به فيما قبل. واستنبطَ بعضُهم عُمُرَ النبيِّ نَّهِ ثلاثاً وستين من قوله تعالى في تلك السورة: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ فإنها رأسُ ثلاثٍ وستين سورة، وعقَّبها سبحانه بالتغابن ليظهر التغابنُ في فَقْده عليه الصلاة والسلام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَيِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: يُنزِّهه سبحانه وتعالى جميعُ المخلوقات عمَّا لا يليق بجناب كبريائه سبحانه تسبيحاً مستمرًّا، وذلك بدلالتها على كماله عزَّ وجلَّ واستغنائه تعالى، والتجدُّد باعتبار تجدُّد النظر في وجوه الدلالة على ذلك. ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ﴾ لا لغيره تعالى؛ إذ هو جلَّ شأنه المبدئ لكلِّ شيءٍ، وهو القائم به والمهيمنُ عليه، وهو عزَّ وجلَّ المولي لأُصول النِّعم وفروعها، وأما مُلك الآية : ٢ ١٧٩ سُورَةُ النَّخَابُ غيره سبحانه فاسترعاءٌ منه تعالى وتسليط، وأما حَمْدُ غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده، فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة، ولغيره بحَسَبِ الصورة. وتقديمُ («له الملك)) لأنه كالدليل لما بعده. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ لأنَّ نسبةَ ذاته جلَّ شأنه - المقتضيةِ للقدرة - إلى الكلِّ سواء، فلا يُتُصوَّر كونُ بعضٍ مقدوراً دون بعض. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُمْ﴾ إلخ بيانٌ لبعض قدرته تعالى العامة، والمراد: هو الذي أوجدكم كما شاء. وقوله تعالى: ﴿فَنْكُرْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ - أي: فبعضكم كافرٌ به تعالى، وبعضُكم مؤمنٌ به عزَّ وجلَّ، أو: فبعضٌ منكم كافرٌ به سبحانه، وبعضٌ منكم مؤمنٌ به تعالى - تفصيلٌ لما في ((خلقكم)) من الإجمال؛ لأنَّ كونَ بعضهم أو بعضٍ منهم كافراً، وكونَ بعضهم أو بعضٍ منهم مؤمناً، مرادٌ منه، فالفاء مِثْلُها في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَةٍ مِن ◌َّاءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ إلخ [النور: ٤٥]، فيكون الكفر والإيمان في ضِمْنِ الخلق، وهو الذي تؤيِّده الأخبار الصحيحةُ كخبر البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن ابن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله وَّةٍ - وهو الصادق المصدوق -: ((إنَّ خَلْقَ أحدكم يُجمَعُ في بطنٍ أُمِّه أربعينَ يوماً نُطفةً، ثم يكون عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكونُ مُضْغة مثل ذلك، ثم يَبعثُ الله إليه ملكاً بأربع كلمات: يكتب رزقَهُ، وأجلَهُ، وعملَهُ، وشقيٍّ أو سعيدٌ، ثم يَنفُخُ فيه الروح ... )) الحديث(١). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذرِّ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا مكثَ المنيُّ في الرَّحِم أربعينَ ليلةً، أتاهُ ملكُ النفوس، فَعَرَجَ به إلى الرَّبِّ، فيقول: يا ربِّ أَذَكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاضٍ، فيقول: أشقيٌّ أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ)). وقرأ أبو ذَرِّ من فاتحة التغابن خمس آيات إلى (١) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، والترمذي (٢١٣٧)، وأبو داود (٤٧٠٨). وهو عند أحمد (٣٦٢٤). وسلف ٣٢٤/٣. سُورَةُ النَّخَابن ١٨٠ الآية : ٢ قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾(١). والجمعُ بين الخبرين مما لا يخفى على مَنْ أوتي نصيباً من العلم. وتقديمُ الكفر لأنه الأغلب. واختار بعضُهم كونَ المعنى: هو الذي خَلَقَكم خَلْقاً بديعاً حاوياً لجميع مبادي الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك فمنكم مختارٌ للكفر كاسبٌ له على خلاف ما تستدعيه خِلْقته، ومنكم مختارٌ للإيمان کاسبٌ له حسبما تقتضيه خِلْقته، وكان الواجبُ عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنعمة الخَلْق والإيجاد وما يتفرَُّ عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكّنكم منه، بل تشغّبتم شُعَباً وتفرَّقتم فِرَقاً. وهو الذي ذهب إليه الزمخشريُّ، بَيْدَ أنه فسَّرَ الكافرَ بالآتي بالكُفْرِ والفاعل له، والمؤمنَ بالآتي بالإيمان والفاعل له؛ لأنه الأوفقُ بمذهبه من أنَّ العبدَ خالقٌ لأفعاله، وأنَّ الآيةَ لبيان إخلالهم بما يقتضيه التَّفضُّل عليهم بأصل النِّعم، الذي هو الخَلْقُ والإيجادُ من العَدَمِ(٢)، وأنَّ الآيات بعدُ في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يُعصَى الخالقُ ولا تُشكَر نعمته. ثم قال: فما أجهلَ مَنْ يمزجُ الكفرَ بالخَلْقِ، ويجعلهُ من جملته، والخلقُ أعظمُ نعمةٍ من الله تعالى على عباده، والكفرُ أعظمُ كفرانٍ من العباد لربِّهم سبحانه. وجعل الطّبيُّ الفاءَ على هذا للترتيب والفرض على سبيل الاستعارة، كاللام في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالَ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهي كالفاء في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ مُهْتَّدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] ولم يجعلها للتفصيل كما قيل. واختار في الآية المعنى السابق مؤيِّداً له بالأحاديث الصحيحة، وبأنَّ السياقَ عليه، مُدَّعياً أنَّ الآيات كلَّها واردةٌ لبيانٍ عَظَمة الله تعالى في مُلْكه وملكوته، واستبداده فيهما، وفي شمول علمه تعالى كلّها، وفي إنشائه تعالى المكوّنات ذواتها (١) الدر المنثور ٢٢٧/٦، وأخرجه أيضاً الدارمي في الرد على الجهمية ص٢٥. وأخرجه الطبري ٢٣/ ٦ عن أبي ذرِّ موقوفاً. (٢) في الأصل و(م): النعم، والمثبت من الكشاف ١١٣/٤.