Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ٩ ١٤١ سُوَّةُ الجَّةِ ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: امشوا إليه بدون إفراط في السرعة، وجاء في الحديث مقابلةُ السعي بالمشي، وجُعل ذلك من خصائص الجمعة، فقد أخرج السِّةُ في كتبهم عن أبي سلمةً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأَتمُّوا))(١). والمراد بذِكْر الله: الخطبةُ والصلاةُ، واستُظهرَ أنَّ المرادَ به الصلاة، وجُوِّزَ كونُ المراد به الخطبة، وهو - على ما قيل - مجازٌ من إطلاق البعض على الكلِّ، كإطلاقه على الصلاة، أو لأنها كالمحلِّ له، وقيل: الذِّكرُ عامّ يشملُ الخطبةَ المعروفةَ، ونحوَ التسبيحة. واستدلُّوا بالآية لأبي حنيفةَ رَبه على أنه يكفي في خطبة الجمعة التي هي شرط لصحَّتها الذكرُ مطلقاً، ولا يُشترطُ الطويل، وأقلُّه قَدْر التشهد كما اشترطه صاحباه، وبيَّنوا ذلك بأنه تعالى ذَكَرَ الذِّكرَ من غير فَضْلٍ بين كونه ذِكْراً طويلاً يُسمَّى خُطبة، أو ذِكْراً لا يُسمَّى خُطبة، فكان الشرطُ هو الذكر الأعمّ بالقاطع، غيرَ أنَّ المأثورَ عنه ﴿﴿ اختيارُ أحد الفردين، وهو الذكرُ المسمَّى بالخطبة والمواظبة عليه، فكان ذلك واجباً أو سُنَّة، لا أنه الشرطُ الذي لا يُجزئ غيره؛ إذ لا يكون بياناً لعدم الإجمال في لفظ الذكر، والشافعيةُ يشترطونَ خطبتين، ولهما أركانٌ عندهم، واستدلوا على ذلك بالآثار. وأيَّاما كان فالأمرُ بالسَّعي للوجوب. واستُدلَّ بذلك على فرضية الجمعة حيثُ رتّبَ فيها الأمر بالسَّعي لذكر الله تعالى على النداء للصلاة، فإنْ أُريد به الصلاة، أو هي والخطبةُ، فظاهرٌ، وكذلك إن أُريد به الخطبة؛ لأنَّ افتراضَ السَّعي إلى الشرط - وهو المقصودُ لغيره ـ فَرْعُ افتراض ذلك الغير، ألا ترى أنَّ مَنْ لم تجبْ عليه الصلاةُ لا يجبُ عليه السعي إلى الجمعة بالإجماع، وكذا ثبتت فرضيَّتها بالسنة والإجماع، وقد صرَّح بعضُ الحنفية بأنها آكدُ فرضيةً من الظهر، وبإكفار جاحدها . (١) البخاري (٩٠٨)، ومسلم (٦٠٢)، وأبو داود (٥٧٢)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي في المجتبى ١١٤/٢-١١٥، وابن ماجه (٧٧٥). سُورَةُ الجُنَّةِ ١٤٢ الآية : ٩ وهي فرضُ عين، وقيل: كفاية. وهو شاذِّ. وفي حديثٍ رواه أبو داود - وقال النوويُّ: على شرط الشيخين -: ((الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلم في جماعةٍ إلا أربعة: مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٍّ، أو مريضٌ))(١). وأجمعوا على اشتراط العدد فيها لهذا الخبر وغيره، وقول القاشاني(٢): تصحُ بواحدٍ. لا يُعتدُّبه، كما في ((شرح المهذَّب))(٣)، لكنهم اختلفوا في مقداره على أقوال: أحدها: أنه اثنان أحدهما الإمام. وهو قول النخعي والحسن بن صالح وداود. الثاني: ثلاثة أحدهم الإمام. وحكي عن الأوزاعي وأبي ثور، وعن أبي يوسف ومحمد، وحكاه الرافعيُّ وغيره عن قول الشافعي القديم. الثالث: أربعةٌ أحدهم الإمام. وبه قال أبو حنيفة والثوري والليث، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيِّ وأبي ثور واختاره، وحكاه في ((شرح المهذب)» (٤) عن محمد، وحكاه صاحب ((التلخيص))(٥) قولاً للشافعي في القديم. الرابع: سبعة. حُكي عن عكرمة. الخامس: تسعة. حُكي عن ربيعة. السادس: اثنا عشر (٦) في روايةٍ عن ربيعة، وحكاه الماورديُّ عن محمد والزهري والأوزاعي. (١) أبو داود (١٠٦٧) من حديث طارق بن شهاب. قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي ◌ُّل﴿ ولم يسمع منه شيئاً. وقال النووي في المجموع ٣٥١/٤: وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث لأنه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حجة عند أصحابنا . وأما قوله: على شرط الشيخين. فقد نقله عنه المناوي في فيض القدير ٣٥٨/٣. (٢) في الأصل: القاساني، وفي المجموع ٣٧٣/٤: الفاساني. والمثبت من (م)، والحاوي للسيوطي ٩٩/١ والكلام منه. وجاء في هامش الأصل: حكاه الدارمي. (٣) المجموع ٤/ ٣٧٣. (٤) المجموع ٣٧٣/٤. (٥) وهو ابن القاص كما في المجموع. (٦) في (م): اثني عشر، والمثبت من الأصل والحاوي ١٠٠/١. الآية : ٩ ١٤٣ سُورَةُ الجُرَّةِ السابع: ثلاثةَ عشرَ أحدهم الإمام. حُكي عن إسحاق بن راهويه. الثامن: عشرون. رواه ابن حبيب عن مالك. التاسع: ثلاثون، في روايةٍ عن مالك. العاشر: أربعون أحدهم الإمام. وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والإمام الشافعي في الجديد، وهو المشهور عن الإمام أحمد، وأحد القولين المروبين عن عمر بن عبد العزيز. الحادي عشر: خمسون، في الرواية الأخرى عنه. الثاني عشر: ثمانون. حكاه المازري. الثالث عشر: جَمْعٌ كثيرٌ بغير قيد. وهو مذهب مالك، فقد اشتهر أنه قال: لا يشترط عددٌ معينٌ، بل تُشتَرطُ جماعةٌ تسكنُ بهم قرية، ويقعُ بينهم البيع، ولا تنعقدُ بالثلاثة والأربعة ونحوهم. قال الحافظ ابن حجر في ((شرح البخاري)): ولعلَّ هذا المذهبَ أرجحُ المذاهب من حيث الدليل(١). وأنا أقول: أرجحُها مذهبُ الإمام أبي حنيفة، وقد رجَّحه المزنيُّ - وهو من كبار الآخذين عن الشافعي - وهو اختيار الجلال السيوطي، ووجه اختياره مع ذِكْر أدلة أكثر الأقوال بما لها وعليها مذكورٌ في رسالةٍ له سماها: ضوءَ الشمعةِ في عدد الجمعة(٢). ولولا مزيد التطويل لذكرنا خلاصتها. ومن أراد ذلك فليرجع إليها ليظهر له بنورها حقيقة الحال. وقرأ كثيرٌ من الصحابة والتابعين: (فامضوا))(٣)، وحُملت على التفسير بناءً على أنه لا يُرادُ بالسعي الإسراعُ في المشي، ولم تُجعل قرآناً لمخالفتها سوادَ المصحف المجمعِ عليه. ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ أي: واتركوا المعاملةَ، على أنَّ البيعَ مجازٌ عن ذلك، فيعمُّ البيعَ (١) فتح الباري ٢/ ٤٢٣، والكلام من الحاوي. (٢) وهي ضمن الحاوي للفتاوي ١/ ١٠٠ . (٣) القراءات الشاذة ص١٥٦، والمحتسب ٣٢١/٢-٣٢٢. سُورَةُ الجُرَّةِ ١٤٤ الآية : ٩ والشراءَ والإجارةَ وغيرها من المعاملات، أو هو دالٌّ على ما عداه بدلالة النص. ولعلَّه الأَولى. والأمرُ للوجوب، فيحرُمُ كلُّ ذلك، بل رُوي عن عطاء حرمةُ اللهو المباح، وأن يأتي الرجلُ أهله، وأن يكتب كتاباً أيضاً. وعبَّر بعضُهم بالكراهة، وحُملت على كراهة التحريم، وقولُ الأكمل في ((شرح المنار))(١): إنَّ الكراهةَ تْزيهيةٌ. مردودٌ، وكأنه مأخوذٌ من زَعْم القاضي الإسبيجابي(٢) أنَّ الأمرَ في الآية للندب، وهو زَعْمٌ باطلٌ عند أكثر الأئمة. وعامةُ العلماء على صحَّة البيع وإن حَرُمَ، نظيرُ ما قالوا في الصلاة بالثوب المغصوب أو في الأرض المغصوبة. وقال ابن العربي(٣): هو فاسدٌ، وعبَّر مجاهدٌ بقوله: مردودٌ. ويستمرُّ زمنُ الحرمة إلى فراغ الإمام من الصلاة، وأولُه إما وقت أذان الخطبة - وروي عن الزهري، وقال به جمعٌ - وإما أول وقت الزوال، وروي ذلك عن عطاء والضحاك والحسن. والظاهر أنَّ المأمورين بتَرْك البيع هم المأمورونَ بالسعي إلى الصلاة. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أنَّ القاسم دخلَ على أهله يومَ الجمعة وعندهم عطَّارٌ يبايعونه، فاشتروا منه، وخرج القاسم إلى الجمعة، فوَجَدَ الإمام قد خرج، فلما رجع أَمَرَهم أن يُناقضوه البيع(٤). وظاهره حرمةُ البيع إذا نُودي للصلاة على غير مَنْ تجبُ عليه أيضاً. والظاهرُ حرمة البيع والشراء حالةَ السعي، وصرَّح في ((السراج الوهاج)) بعَدَمها إذا لم يشغله ذلك. (١) وهو: الأنوار في شرح المنار لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي المتوفى سنة (٧٨٦هـ). ينظر كشف الظنون ١٨٢٤/٢. (٢) علي بن محمد السمرقندي الحنفي، له: الفتاوى، وشرح مختصر الطحاوي، ت(٥٣٥هـ). الأعلام ٣٢٩/٤. (٣) ينظر أحكام القرآن له ٤/ ١٧٩٤ . (٤) الدر المنثور ٢٢٠/٦. الآية : ١٠ ١٤٥ سُؤَدَةُ الجَةِ ﴿َلِكُمْ﴾ أي: المذكورُ من السعي إلى ذكر الله تعالى وترك البيع ﴿خَيْرٌ لَكَـ أنفعُ من مباشرة البيع، فإنَّ نَفْعَ الآخرة أجلُّ وأبقى، وقيل: أنفعُ من ذلك ومن تَرْكِ السعي، وثبوتُ أصل النفع للمفضَّل عليه باعتبار أنه نفعٌ دنيويٌّ لا يدلُّ على كون الأمر للندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب كما لا يخفى ﴿إِن كُمْ الخيرَ والشَّرَّ الحقيقيين، أو: إن كنتم من أهل العلم، على تنزيل تَعْلَمُونَ الفعل منزلةَ اللازم. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ أي: أُدِّيتْ وفُرِغَ منها ﴿فَأَنْتَشِرُوا فِىِ الْأَرْضِ﴾ لإقامة مصالحكم ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ أي: الربح على ما قيل. وقال مكحول والحسن وابن المسيب: المأمورُ بابتغائه هو العلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: لم يُؤمروا بشيءٍ من طلب الدنيا، إنما هو عيادةُ مريضٍ، وحضورُ جنازةٍ، وزيارةُ أخٍ في الله تعالى(١). وأخرج نحوه ابن جرير عن أنس مرفوعاً (٢). والأمرُ للإباحة على الأصحِّ، فيباح بعد قضاء الصلاة الجلوسُ في المسجد، ولا يجبُ الخروج، وروي ذلك عن الضحاك ومجاهد. وحكى الكرمانيُّ في ((شرح البخاري))(٣) الاتفاقَ على ذلك. وفيه نظر، فقد حكى السرخسيُّ(٤) القولَ بأنه للوجوب. وقيل: هو للندب. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن بُسْر الحُبْراني قال: رأيتُ عبد الله بن بسر المازني صاحبَ النبيِّ وَّه إذا صلَّى الجمعةَ خرجَ فدارَ في السوق ساعةً ثم رجع إلى المسجد فصلَّى ما شاء الله تعالى أن يُصلِّي، فقيل له: لأي شيءٍ تصنعُ هذا؟ قال: إني رأيتُ سيِّدَ المرسلين و # هكذا (١) الدر المنثور ٢٢٠/٦. (٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٦٤٤ . (٣) ٦/ ٤٧. (٤) المبسوط ٢٥٠/٣٠. سُورَةُ الجَّةِ ١٤٦ الآية : ١٠ يصنعُ، وتلا هذه الآية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ﴾ إلخ(١). وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفتَ يومَ الجمعة فاخرج إلى باب المسجد، فساوِمْ بالشيءٍ وإن لم تشتره(٢). ونُقل عنه القولُ بالنَّذْبية، وهو الأقربُ والأوفق بقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: ذِكْراً كثيراً، ولا تخصُّوا ذِكْره عزَّ وجلَّ بالصلاة. ، كي تفوزوا بخير الدارين. ومما ذكرنا يُعلَمُ ضَعْفُ الاستدلال ﴿لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ ( بما هنا على أنَّ الأمرَ الواردَ بعد الحظر للإباحة. واستدلَّ بالآية على تقديم الخُطبة على الصلاة، وكذا على عدم ندب صلاةٍ سُنَّتها البعدية في المسجد، ولا دلالةً فيها على نفي سنةٍ بعدية لها. وظاهرُ كلام بعض الأَجلَّة أنَّ من الناس مَنْ نفى أنَّ للجمعة سنَّةً مطلقاً، فيحتمل على بُعْدٍ أن يكونَ استشعرَ نفي السنة البعدية من الأمر بالانتشار وابتغاء الفضل، وأما نفيُ القبلية فقد استند فيه إلى ما روي في الصحيح - وقد تقدَّم - من أنَّ النداءَ كان على عهده عليه الصلاة والسلام إذا جلسَ على المنبر (٣)؛ إذ من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام إذا كمل الأذان أخذَ في الخطبة، وإذا أتمَّها أخذ في الصلاة، فمتى كانوا يُصلُّون السنة؟ وأُجيب عن هذا بأنَّ خروجَهُ عليه الصلاة والسلام كان بعد الزوال بالضرورة، فيجوزُ كونه بعد ما كان يُصلِّي الأربع، ويجبُ الحُكم بوقوع الحكم بهذا المجوِّز؛ لعموم ما صحَّ من أنه وَله كان يُصلِّي إذا زالت الشمسُ أربعاً (٤)، وكذا يجبُ في حَقِّهم لأنهم أيضاً يعلمون الزوالَ كالمؤذِّن، بل ربما يُعلِمونه بدخول الوقت لیؤذِّن. (١) الدر المنثور ٢٢٠/٦. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٩٤/٢: رواه الطبراني في الكبير، وعبد الله الحبراني ضعفه يحيى القطان وجماعة، ووثقه ابن حبان. (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٢٠. (٣) ينظر ص١٣٢ من هذا الجزء. (٤) أخرجه أحمد (٦٥٠)، وابن ماجه (١١٦١) من حديث علي كرّم الله وجهه. الآية : ١١ ١٤٧ سُورَةُ الجُحَةِ واستدلَّ بقوله تعالى: ((إذا نودي)) إلخ، مَنْ قال: إنما بجبُ إتيان الجمعة من مكانٍ يسمعُ فيه النداء، والمسألةُ خلافيةٌ، فقال ابن عمر وأبو هريرة ويونس والزهري: يجبُ إتيانها من ستةِ أميال، وقيل: من خمسة، وقال ربيعة: من أربعة، وروي ذلك عن الزهري وابن المنكدر. وقال مالك والليث: من ثلاثة. وفي ((بحر)) (١) أبي حيان: وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب الإتيانُ على مَنْ في المِصْر سَمِعَ النداءَ أو لم يسمعْ، لا على مَنْ هو خارج المِصْر وإن سَمِعَ النداء. وعن ابن عمر وابن المسيب والزهري وأحمد وإسحاق: على مَنْ سَمِعَ النداء. وعن ربيعةً: على مَنْ إذا سَمِعَ وخرجَ من بيته ماشياً أدرك الصلاة. وكذا استَدلَّ بذلك مَنْ قال بوجوب الإتيان إليها، سواءٌ كان إذنٌ عامٌّ أم لا ، وسواءٌ أقامها سلطان أو نائبه أو غيرهما، أم لا؛ لأنه تعالى إنما رَتَّبَ وجوبَ السَّعي على النداء مطلقاً. كذا قيل، وتحقيقُ الكلام على ذلك كلِّه في كتب الفروع المطولة. ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وجماعة عن جابر بن عبد الله(٢)، قال: بينما النبيُّ وَّهُ يخطبُ يوم الجمعة قائماً؛ إذ قَدِمَتْ عِيْرٌ المدينةَ، فابتدرها أصحابُ رسول الله وٌَّ حتى لم يبقَ منهم إلا اثنا عشر رجلاً، أنا فيهم، وأبو بكر وعمر. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأ تِجَرَةَ﴾ إلى آخر السورة. وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أنه بقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله وَله: ((لو خرجوا كلُّهم لاضطرمَ المسجدُ عليهم ناراً))(٣). وفي روايةٍ عن قتادة: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو اتَّبع آخرُكم أوَّلَكم لالتهبَ الوادي عليكم ناراً» (٤). (١) البحر المحيط ٢٦٨/٨ وما قبله منه أيضاً. (٢) أحمد (١٤٩٧٨)، والبخاري (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣)، والترمذي (٣٣١١). (٣) الدر المنثور ٦/ ٢٢٠. (٤) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٦/ ٢٢١. سُوَرَّةُ الصَُّةِ ١٤٨ الآية : ١١ وقيل: لم يبقَ إلا أحدَ عشر رجلاً، وهم على ما قال أبو بكر غالبُ بن عطيّة: العشرةُ المبشَّرة، وعمارٌ في رواية، وابنُ مسعودٍ في أخرى. وعلى الرواية السابقة عَدُّوا العشرةَ أيضاً منهم، وعَدُّوا بلالاً وجابراً؛ لكلامه السابق. ومنهم مَنْ لم يذكر جابراً، وذَكرَ بلالاً وابنَ مسعود، ومنهم مَنْ ذَكَرَ عمَّاراً بدلَ ابن مسعود، وقيل: لم يبقَ إلا ثمانية. وقيل: بقي أربعون. وكانت العِيرُ لعبد الرحمن بن عوف ◌َُّه تحملُ طعاماً، وكان قد أصاب أهلَ المدينة جوعٌ وغلاءُ سِعْر. وأخرج أبو داود في ((مراسيله))(١) عن مقاتل بن حَيَّان قال: كان رسول الله وَّل يُصلِّي الجمعةَ قبل الخطبة مثل العِيدين حتى كان يومُ جمعةٍ والنبيُّ ◌َّه يخطب، وقد صلَّى الجمعة، فدخل رجلٌ فقال: إنَّ دِحْيةَ بن خليفة قَدِمَ بتجارة، وكان إذا قَدِمَ تلقَّاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس ولم يظُّوا إلا أنه ليس في ترك حضور الخطبة شيءٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ﴾ إلخ، فقدَّم النبيُّ وَّهِ الخطبةَ يومَ الجمعة وأخَّر الصلاة . ولا أظنُّ صِحَّةَ هذا الخبر، والظاهرُ أنه وَّه لم يزلْ مقدِّماً خطبتها عليها، وقد ذكروا أنها شرطُ صحَّتها، وشَرْطُ الشيء سابقٌ عليه، ولم أرَ أحداً من الفقهاء ذَكَرَ أنَّ الأمرَ كان كما تضمَّنه، ولم أظفرْ بشيءٍ من الأحاديث مستوفٍ لشروط القبول متضمِّنٌّ ذلك، نعم ذكر العلامة ابن حجر الهيتميّ(٢) أنَّ بعضَهم شَذَّ عن الإجماع على كون الخطبة قبلها. والله تعالى أعلم. والآيةُ لَمَّا كانت في أولئك المنفضِّين وقد نزلت بعد وقوع ذلك منهم، قالوا: إِنَّ ((إذا)) فيها قد خرجتْ عن الاستقبال، واستعملت للماضي كما في قوله: سقيتُ إذا تغوَّرتِ النجوم(٣) وندمانٍ تزيد الكاسَ طيباً (١) برقم (٦٢)، قال عنه ابن حجر في الفتح ٤٢٥/٢: شاذ معضل. (٢) في تحفة المحتاج ٢/ ٤٤٤ . (٣) البيت لبُرج بن مُسْهر، وهو في شرح ديوان الحماسة ١٢٧٢/٣. وفيه: تعرضت، بدل: تغوَّرت، وسلف ٨٣/٥. الآية : ١١ ١٤٩ سُورَةُ الجَةِ ووحّد الضمير لأنَّ العطف بـ ((أو))، واختير ضميرُ التجارة دون اللهو؛ لأنها الأهمُّ المقصود، فإنَّ المراد باللهو ما استقبلوا به العِيرَ من الدُّفِّ ونحوه، أو لأنَّ الانفضاضَ للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها، إذا كان مذموماً، فما ظنُّكَ بالانفضاض إلى اللهو وهو مذمومٌ في نفسه؟! وقيل: الضمير للرؤية المفهومة من ((رأوا)). وهو خلافُ الظاهر المتبادر. وقيل: في الكلام تقديرٌ، والأصل: إذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه. فحُذِفَ الثاني لدلالة الأول عليه. وتُعقِّبَ بأنه بعد العطف بـ ((أو)) لا يحتاج إلى الضمير لكلِّ منهما، بل يكفي الرجوعُ لأحدهما، فالتقديرُ من غير حاجة . وقال الطيبيُّ: يمكن أن يقال: إنَّ ((أو)) في ((أو لهواً)) مثلها في قوله: بَدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رونق الضُّحى وصورتها أو أنتِ في العين أملحُ(١) فقال الجوهريُّ: يُريد: بل أنتِ(٢). فالضمير في ((إليها)) راجعٌ إلى اللهو باعتبار المعنى، والسِّرُّ فيه أنَّ التجارةَ إذا شغلتِ المكلَّفَ عن ذِكْرِ الله تعالى عُدَّتْ لهواً، وتُعَدُّ فضلاً إن لم تشغله كما في قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُوا فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ). انتهى، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وقرأ ابن أبي عبلة: ((إليه)) بضمير اللهو (٣)، وقرئ: ((إليهما)) بضمير الاثنين(٤)، كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا﴾ [النساء: ١٣٥] وهو متأوَّلٌ؛ لأنه بعد العطف بـ ((أو)) - لكونها لأحد الشيئين - لا يُثنى الضمير، وكذا الخبر والحال والوصف، فهي على هذه القراءة بمعنى الواو كما قيل به في الآية التي ذكرناها . (١) البيت في خزانة الأدب ٦٥/١١. وسلف ٣٣٩/٢. (٢) الصحاح (أو). (٣) البحر المحيط ٢٦٨/٨. (٤) البحر المحيط ٢٦٩/٨. سُورَةُ الجُغَةِ ١٥٠ الآية : ١١ ﴿وَتَرَّكُوكَ قَائِمًا﴾ أي: على المنبر. واستُدلَّ به على مشروعية القيام في الخطبة، وهو عند الحنفية أحدُ سننها، وعند الشافعية هو شرط في الخطبتين إن قدر عليه. وأخرج ابن ماجه(١) وغيره عن ابن مسعود أنه سئل: أكان النبيُّ وَله يخطب قائماً أو قاعداً؟ فقال: أما تقرأ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؟! وكذا سئل ابن سيرين وأبو عبيدة، وأجابا بذلك. وأولُ مَنْ خطب جالساً معاوية(٢)، ولعلَّ ذلك لعجزه عن القيام، وإلا فقد خالفَ ما كان عليه رسول الله بَّهِ، فقد أخرج البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه(٣) عن ابن عمر أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يخطبُ خُطبتين یجلس بينهما . وذكر أبو حيان أنَّ أولَ من استراح في الخطبة عثمان رَضُه(٤). وكأنه أراد بالاستراحة غير الجلوس بين الخطبتين؛ إذ ذاك ما كان عليه وَلجه وأبو بكر وعمر ها. ﴿قُلّ مَا ◌ِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَمِنَ الِّجَزَّؤْ﴾ فإنَّ ذلك نفعٌ محقَّقٌ مخلَّدٌ بخلاف ما فيهما من النفع، فإنَّ نَفْعَ اللهو ليس بمحقَّقٍ، بل هو متوهّم، ونَفْع التجارة ليس بمخلَّد، وتقديمُ اللَّهو ليس من تقديم العَدَم على المَلَكة كما تُوهم، بل لأنه أقوى مَذَمَّة، فناسَبَ تقديمه في مقام الذَّمِّ. وقال ابن عطية: قُدِّمتِ التجارةُ على اللهو في الرؤية لأنها أهمُّ، وأُخِّرت مع التفضيل لتقعَ النفسُ أولاً على الأَبْيَن(٥). وهو قريبٌ مما ذكرنا. (١) في سننه (١١٠٨). (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٥٩) عن سليمان بن موسى، وابن أبي شيبة ٢/ ١١٢ عن طاوس. (٣) البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، والترمذي (٥٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٧٣٣)، وفي المجتبى ١٠٩/٣، وابن ماجه (١١٠٣)، وهو عند أحمد (٤٩١٩). (٤) البحر المحيط ٢٦٩/٨. (٥) المحرر الوجيز ٣١٠/٥. الآية : ١١ ١٥١ سُورَةُ الجُمَّةِ وقال الطيبيُّ: قدَّم ما كان مؤخّراً وكرَّرَ الجارَّ لإرادة الإطلاق في كلِّ واحد واستقلاله فيما قصد منه ليخالف السابق في اتحاد المعنى؛ لأنَّ ذلك في قصةٍ مخصوصة . واستدلَّ الشيخ عبد الغني النابلسي عفا الله تعالى عنه على حِلِّ الملاهي بهذه الآية؛ لمكان أفعل التفضيل المقتضي لإثبات أصلِ الخيرية لِلَّهو كالتجارة، وأنت تعلمُ أنَّ ذلك مبنيٌّ على الزعم والتوهُّم، وأعجبُ منه استدلاله على ذلك بعطف التجارة المباحة على اللهو في صدر الآية، والأعجبُ الأعجبُ أنه ألَّف رسائلَ في إباحة ذلك مما يستعمله الطائفةُ المنسوبةُ إلى مولانا جلال الدين الرومي دائرة على أدلةٍ أضعف من خَصْر شادنٍ يدورُ على محور الغَنَج في مقابلتهم، ومنها أكاذيبُ لا أصلَ لها، لن يرتضيها عاقلٌ ولن يقبلها، ولا أظنُّ ما يفعلونه إلا شبكةً لاصطياد طائرِ الرزق، والجهلةُ يظنونه مَخْلَصاً من ربقة الرِّقِّ، فإياك أن تميل إلى ذلك، وتوكّل على الله المالك. ﴿1﴾ فإليه سبحانه اسعوا، ومنه عزَّ وجلَّ اطلبوا الرزق. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ واستدلَّ بما وقع في القصة على أقلِّ العدد المعتبرِ في جماعة الجمعة بأنه اثنا عشر بناءً على ما في أكثر الروايات من أنَّ الباقين بعد الانفضاض كانوا كذلك، ووجهُ الدلالة منه أنَّ العددَ المعتبَرَ في الابتداء يُعتَبرُ في الدوام، فلما لم تبطلٍ الجمعةُ بانفضاض الزائد على اثني عشر، دَلَّ على أنَّ هذا العددَ كافٍ، وفيه أنَّ ذلك وإن كان دالاً على صِحَّتها باثني عشرَ رجلاً بلا شبهة، لكن ليس فيه دلالةٌ على اشتراط اثني عشر وأنها لا تصحُّ بأقلَّ من هذا العدد، فإنَّ هذه واقعةُ عينٍ أكثرُ ما فيها أنهم انفضُّوا وبقي اثنا عشر رجلاً، وتمَّت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقلُّ من هذا العدد لم تتمَّ بهم. وفي ما يصنعُ الإمام إن اتفقَ تفرُّقُ الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف، فعند أبي حنيفة: إن بقي وحده أو مع أقلّ من ثلاثة رجالٍ، يستأنفُ الظهرَ إذا نفروا قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبّر وهم معه مضى فيها، وعند زفر: إذا نفروا قبل القَعدة بطلت؛ لأنَّ العدد شرطُ ابتداءٍ، فلا بدَّ من دوامه كالوقت، ولهما أنه شرطُ سُؤَّةُ الجَُّةِ ١٥٢ الآية : ١١ الانعقاد، فلا يُشتَرطُ دوامه كالخطبة، وللإمام أنَّ الانعقادَ بالشروع في الصلاة، ولا يتمُّ ذلك إلا بتمام الركعة؛ لأنَّ ما دونها ليس بصلاةٍ فلا بدَّ من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة؛ لأنها تنافي الصلاة، فلا يُشترطُ دوامها . وقال جمهور الشافعية: إن انفضَّ الأربعون، أو بعضُهم في الصلاة، ولم يُحرِمْ عَقِبَ انفضاضهم في الركعة الأولى عددٌ نحوهم سَمِعَ الخطبة، بطلتٍ الجمعةُ، فيُتمُّونها ظهراً لنحو ما قال زفر، وفي قولٍ: لا يضرُّ إن بقي اثنان مع الإمام؛ لوجود مسمَّى الجماعة؛ إذ يُغتَفرُ في الدوام ما لا يُغتَفرُ في الابتداء. وتمام ذلك في محلهٌ. وطعن الشيعة لهذه الآية الصحابةَ ﴿ه بأنهم آثروا دنياهم على آخرتهم، حيث انفضُّوا إلى اللهو والتجارة، ورَغِبوا عن الصلاة التي هي عمادُ الدين وأفضلُ كثيرٍ من العبادات، لاسيما مع رسول الله وَّر، وروي أنَّ ذلك قد وقع مراراً منهم. وفيه: أنَّ كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وسائر العشرة المبشَرة لم ينفضُّوا، والقصةُ كانت في أوائل زمن الهجرة، ولم يكن أكثرُ القوم تامًّ التحلِّي بحلية آداب الشريعة بَعْدُ، وكان قد أصابَ أهلَ المدينة جوٌ وغلاءُ سِعْرٍ، فخافَ أولئك المنفضُّون اشتدادَ الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يقتاتُ به لو لم ينفضُّوا، ولذا لم يتوقَّدهم الله تعالى على ذلك بالنار أو نحوها، بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم وَوَعظهم ونصحهم. وروايةُ أنَّ ذلك وقع منهم مراراً، إن أُريد بها روايةُ البيهقيّ في ((شعب الإيمان))(١) عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغني - والله تعالى أعلم - أنهم فعلوا ذلك ثلاثَ مرات. فمثل ذلك لا يُلتفتُ إليه، ولا يُعوَُّ عند المحدِّثين عليه، وإن أُريد بها غيرها، فليُبِيَّن ولتثبتْ صِحَّته، وأَنَّى بذلك. وبالجملة الطّعنُ بجميع الصحابة لهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم، وقد عقبها منهم عباداتٌ لا تُحصى = سَفٌّ ظاهرٌ وجهلٌ وافرٌ. (١) برقم (٦٤٩٥). التفسير الإشاري ١٥٣ سُورَةُ الجَّة هذا ومن باب الإشارة - على ما قيل - في الآيات: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِعْنَ رَسُولُا ◌ِنْهُمْ يَتْلُواْ عَيْهِمْ ءَئِهِ، وَيُزَكِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إشارةٌ إلى عظيم قدرته عزَّ وجلَّ، وأنَّ إفاضةَ العلوم لا تتوقّفُ على الأسباب العادية، ومنه قالوا: إنَّ الوليَّ یجوزُ أن یکون أُمّيًّا کالشیخ معروف الكرخي - علی ما قال ابنُ الجوزي - وعنده من العلوم اللَّهُنِّيّة ما تقصُرُ عنها العقول. وقال العز بن عبد السلام: قد يكون الإنسانُ عالماً بالله تعالى، ذا يقينٍ، وليس عنده علمٌ من فروض الكفايات، وقد كان الصحابةُ أعلمَ من علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة، مع أنَّ في علماء التابعين من هو أَقْوَمُ بعلم الفقه من بعض الصحابة، ومَن انقطعَ إلى الله عزَّ وجلَّ وخَلُصَتْ روحُهُ، أُفيض على قلبه أنوارٌ إلهيةٌ تهيَّأْت بها لإدراك العلوم الربانية والمعارف اللدنّة، فالولايةُ لا تتوقَّفُ قَطْعاً على معرفة العلوم الرسمية كالنحو والمعاني والبيان وغير ذلك، ولا على معرفة الفقه مثلاً على الوجه المعروف، بل على تعلَّم ما يلزمُ الشخصَ من فروض العين على أيِّ وجهٍ كان من قراءةٍ أو سماعٍ من عالم أو نحو ذلك، ولا يُتصوَّرُ ولایةُ شخصٍ لا يعرفُ ما يلزمه من الأمور الشرعية كأكثر من تُقَبَّلُ يدهُ في زماننا، وقد رأيتُ منهم من يقول - وقد بلغ من العمر نحو سبعين سنة - إذا تشهَّد: لا إله إنَّ الله، بـ ((إنَّ) بدل ((إلا)) فقلت له: منذ كم تقول هكذا؟ فقال: من صغري إلى اليوم، فكرَّرتُ عليه الكلمةَ الطيبةَ، فما قالها على الوجه الصحيح إلا بجهد، ولا أظنُّ ثباتَهُ على ذلك، وخبر: لا يتخذُّ الله وليًّا جاهلاً، ولو اتَّخذه لعلَّمه(١). ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لا يفيد في دعوى ولاية من ذكرنا . وذكر بعضُهم أنَّ قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِمْ﴾ بعد قوله سبحانه: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ﴾ إشارةٌ إلى الإفاضة القلبية بعد الإشارة إلى الإفادة القالية اللسانية، وقال بحصولها للأولياء المرشدين، فيزُّون مُريديهم بإفاضة الأنوار على قلوبهم، حتى تخلُّصَ قلوبهم وتزكوَ نفوسهم، وهو سِرُّ ما يقال له: التوجُّهُ، عند السادة (١) قال العجلوني في كشف الخفاء ٢٣٥/٢: قال في المقاصد: لم أقف عليه مرفوعاً. وقال الحافظ ابن حجر: ليس بثابت، ولكن معناه صحيح. سُورَةُ الجَُّةِ ١٥٤ التفسير الإشاري النقشبندية، وقالوا بالرابطة؛ ليتهيَّأَ ببركتها القلبُ لما يُفاضُ عليه، ولا أعلمُ لثبوتٍ ذلك دليلاً يُعوَّلُ عليه عن الشارع الأعظم وَّةٍ، ولا عن خلفائه ﴿ه، وكلُّ ما يذكرونه في هذه المسألة ويَعُدُّونه دليلاً لا يخلو عن قادح، بل أكثرُ تمسُّكاتهم فيها تشبهُ التمسُّكَ بحبال القمر، ولولا خوفُ الإطناب لذكرتها مع ما فيها، ومع هذا لا أُنكر بركةَ كلٍّ من الأمرين: التوجُّه، والرابطة، وقد شاهدتُ ذلك من فضل الله عزَّ وجلَّ، وأيضاً لا أدَّعي الجزمَ بعدم دليلٍ في نفس الأمر، وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم، ولعلَّ أولَ من أرشد إليهما من السادة، وَجَدَ فيهما ما يُعوَّلُ عليه، أو يقال: يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسّك به بعضُ أجلَّة متأخِّريهم، وإن كان للبحث فيه مجالٌ، ولأرباب القال في أمره مقال. وفي قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ﴾ إلخ بناءً على عطفه على الضمير المنصوب قيل: إشارةٌ إلى عدم انقطاع فَيْضِه وَلّر عن أمته إلى يوم القيامة؛ وقد قالوا بعدم انقطاع فيض الوليّ أيضاً بعد انتقاله من دار الكثافة والفناء إلى دار التجرُّد والبقاء. وفي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ﴾ إلخ، إشارةٌ إلى سوء حال المنكِرين مع علمهم. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوّ﴾ الآية، إشارةٌ إلى جواز امتحان مُدَّعي الولاية ليظهرَ حاله بالامتحان، فعند ذلك يُكرمُ أو يُهان، وفي عتاب الله تعالى المنفضِّين إشارةٌ إلى نوعٍ من كيفيات تربية المريد إذا صَدَرَ منه نوعُ خلافٍ، ليَسْلُكَ الصراطَ السَّويّ، ولا يرتكبَ الاعتساف، وفي الآيات بعدُ إشاراتٌ يضيقُ عنها نطاقُ العبارات، و: ((من عَمِلَ بما عَلِمَ أورثه الله عزَّ وجلَّ عِلْمَ ما لم يعلم))(١). (١) سلف ١٠٦/١، وينظر الكلام عليه ثمة. سُوْدَةُ المَنَّافِقُونَ مدنيّةٌ، وعدد آياتها إحدى عشرةَ آيَةً بلا خلاف. ووجهُ اتصالها أنَّ سورةَ الجمعة ذُكِرَ فيها المؤمنون، وهذه ذُكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون، ولهذا أخرج سعيد بن منصور والطبرانيُّ في ((الأوسط)) بسندٍ حَسَنٍ عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَليل يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، فُيُحرِّضُ بها المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين، فيُقرِّعُ بها المنافقين(١). وقال أبو حيان في ذلك: إنه لَمَّا كان سببُ الانفضاض عن سماع الخطبة ربَّما كان حاصلاً عن المنافقين، واتَّبعهم ناسٌ كثيرٌ من المؤمنين في ذلك؛ لسرورهم بالعِير التي قَدِمَتْ بالمِيْرة؛ إذ كان الوقتُ وقتَ مجاعةٍ، جاء ذِكْرُ المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإيمان، وأتبع بقبائح أفعالهم وأقوالهم (٢). والأولُ أولى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ أي: حضروا مجلسكَ، والمرادُ بهم عبد الله بن أُبَيِّ وأصحابه ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ التأكيدُ بـ ((إنَّ) واللام لِلَازِم فائدة الخبر، وهو عِلْمُهم بهذا الخبر المشهود به، فيفيد تأكيدَ الشهادة، ويدلُّ على ادِّعائهم فيها المواطأةَ، وإن كانت في نفسها تقعُ على الحقِّ والزور. (١) الدر المنثور ٢٢٢/٦، والطبراني في الأوسط (٩٢٧٥). وجاء في مطبوع الطبراني، وكذا في مجمع الزوائد ١٩١/٢: فيُفْزِعُ. بدل: فُيُقْرِّع. (٢) البحر المحيط ٢٧١/٨. الآية : ١ ١٥٦ سُورَةُ المَنَافِقُونَ والتأكيد في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ لمزيد الاعتناء حقيقةً بشأن الخبر، أو: ليس إلا ليوافقَ صنيعَهم، وجِيءَ بالجملة اعتراضاً لإماطة ما عسى أن يُتوهّمَ من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ من رجوع التكذيب إلى نفس الخبر المشهود به من أول الأمر، وذكر الطَّبيُّ أنَّ هذا نوعٌ من التتميم لطيفُ المسلك، ونظيره قول أبي الطيب: وتحتقرُ الدنيا احتقارَ مُجرِّبٍ ترى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فانياً(١) فالتكذيبُ راجعٌ إلى ((نشهد)) باعتبار الخبر الضِّمني الذي دلَّ عليه التأكيدُ، وهو دعوى المواطأة في الشهادة، أي: والله يشهدُ إنهم لكاذبون فيما ضمَّنوه قولهم: (نشهد)) من دعوى المواطأة وتَوَافُقِ اللسان والقلب في هذه الشهادة. وقد يقال: الشهادةُ خبرٌ خاصٌّ، وهو ما وافقَ فيه اللسانُ القلبَ، وأما شهادةٌ الزور فتجوز كإطلاق البيع على غير الصحيح، فهم كاذبون في قولهم: ((نشهد)» المتفرِّعِ على تسمية قولهم ذلك شهادة، وهو مرادُ من قال: أي: لكاذبون في تسميتهم ذلك شهادةً، فلا تغفل. وعلى هذا لا يحتاجُ في تحقَّق كَذِبهم إلى ادِّعائهم المواطأةَ ضِمْناً؛ لأنَّ اللفظَ موضوعٌ للمواطِئ، وجُوِّز أن يكونَ التكذيبُ راجعاً إلى قولهم: ((إنك لرسول الله)) باعتبار لازم فائدة الخبر، وهو بمعنى رجوعه إلى الخبر الضمني، وأن يكون راجعاً إليه باعتبار ما عندهم، أي: لكاذبون في قولهم: ((إنك لرسول الله)) عند أنفسهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنه كَذِبٌ وخبرٌ على خلاف ما عليه حالُ المخبَر عنه، قيل: وعلى هذا، الكذبُ هو الشرعيُّ اللاحقُ به اللَّمُّ، ألا ترى أنَّ المجتهدين لا يُنسَبونَ إلى الكذب، وإن نُسِبوا إلى الخطأ . وجوَّزَ العلامة الثاني أن يكون التكذيبُ راجعاً إلى حلف المنافقين، وزَعْمِهم(٢) أنهم لم يقولوا: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، و: لئن (١) ديوان المتنبي ٤/ ٤٢٧ . (٢) في (م): وزعموا. الآية : ٢ ١٥٧ سُوَرَّةُ المُنَافِقُونَ رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل؛ لما ذُكِرَ في ((صحيح البخاري))(١) عن زيد بن أرقم أنه قال: كنت في غزاةٍ مع رسول الله وَ﴿ فسمعتُ عبدَ الله بن أبيٍّ بن سلول يقول: لا تُنفقوا على مَنْ عند رسول الله حتى ينفضُّوا من حوله، ولو رَجَعنا من عنده ليُخرجنَّ الأعزّ منها الأذلَّ. فذكرتُ ذلك لعمِّي، فذكره لنبيِّ الله ◌ِ ◌ّر، فدعاني فحدَّثته، فأرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه، فحلفوا أنهم ما قالوا. فكذَّبني رسولُ الله ◌ِوَّهِ وصَدَّقه، فأصابني هَمٌّ لم يُصبني مثلُهُ قَطّ، فجلستُ في البيت، فقال لي عمِّي: ما أردتَ إلى أنْ كذَّبك رسول الله رَُّ ومَقَتك. فأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ فبعث إليَّ النبيُّ وَّهِ، فقرأ فقال: ((إنَّ الله صَدَّقك يا زيد)). وجوَّزَ بعضُ الأفاضل أن يكونَ المعنى: إنَّ المنافقينَ شأنُهم الكذب، وإن صَدَقوا في هذا الخبر. وأيًّا ما كان فلا يتمُّ للنَّظَّام الاستدلالُ بالآية على أنَّ صِدْقَ الخبر مطابقتُهُ لاعتقاد المخبِر، ولو كان ذلك الاعتقادُ خطأً، وكَذِيَهُ عدمُها . وإظهارُ المنافقين في موقع الإضمار لِذَمِّهم، والإشعار بعلَّة الحكم، والكلامُ في ((إذا)) على نحو ما مرَّ آنفاً. ﴿اَّخَذُوَ أَيْمَهُمْ﴾ أي: الكاذبة على ما يشير إليه الإضافة ﴿جُنَّةُ﴾ أي: وقايةً عمَّا يتوجّه إليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبي أو غير ذلك. قال قتادة: كلَّما ظهرَ على شيءٍ منهم يُوجب مؤاخذتهم، حَلَفوا كاذبينَ عِصْمةً لأموالهم ودمائهم، وهذا كلامٌ مستقلٌّ تعداداً لقبائحهم، وأنهم من عادتهم الاستجنان بالأيمان الكاذبة، كما استَجَنُّوا بالشهادة الكاذبة. ويجوزُ أن يُرادَ بأيمانهم شهادتهم السابقة؛ والشهادةُ وأفعالُ العلم واليقين أَجْرَتْها العربُ مجرى القَسَم؛ وتلقَّتها بما يُتَلقَّى القَسَمُ، ويؤَّدُ بها الكلامُ كما يُؤْكَّدُ به، فلهذا يُطلَقُ عليها اليمين، وبهذا استشهد أبو حنيفة على أنَّ: أشهد، يمين. واعترضه ابن المنير(٢) بأنَّ غايةَ ما في الآية أنه سُمِّي يميناً، والكلامُ في وجوب الكفارة بذلك، لا في إطلاق الاسم، وليس كلُّ ما يُسمَّى يميناً (١) برقم (٤٩٠٠) و(٤٩٠١) و(٤٩٠٤)، وهو عند أحمد (١٩٣٣٣). (٢) الإنصاف ١٠٨/٤. الآية : ٢ ١٥٨ سُورَةُ المُنَافِقُونَ تجبُ فيه الكفارة، فلو قال: أحلفُ على كذا. لا تجبُ عليه الكفارة، وإن كان حلفاً. والجمعُ باعتبار تعدُّد القائلين، والكلامُ على هذا استئنافٌ يدلُّ على فائدة قولهم ذلك عندهم، مع الذَّمِّ البالغ بما عقبه. وقيل: إنَّ ((اتخذوا)) جواب ((إذا))، وجملة ((قالوا)) السابقة في موضع الحال بتقدير ((قد)) أو بدونه. وهو خلافُ الظاهر، وأبعدُ منه جَعْلُ الجملة حالاً، وتقديرُ جوابٍ لـ ((إذا)). وقال الضحاك: أي: اتَّخذوا حَلِفَهم بالله إنهم لمنكم جُنَّةً عن القتل أو السبي، أو نحوهما مما يُعامَلُ به الكفار. ومن هنا أخذ الشاعر قوله: وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لِصَوْنٍ دمائهم أن لا تُسالا (١) وعن السُّدِّي أنهم اتخذوا ذلك جُنَّةً من تَرْكِ الصلاة عليهم إذا ماتوا، وهو کما تری و کذا ما قبله. ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: مَنْ أراد الدخولَ في دين الإسلام؛ أو مَنْ أراد فِعْلَ طاعةٍ مطلقاً، على أنَّ الفعلَ متعدٍّ والمفعولَ محذوفٌ، أو: أعرضوا عن الإسلام حقيقةً، على أنَّ الفعلَ لازمٌ، وأيًّا ما كان فالمراد - على ما قيل - استمرارُهم على ذلك. وحَمَلَ بعضُ الأَجلَّة الأَيمانَ على ما يعمُّ ما حكي عنهم من الشهادة، ثم قال: واتخاذها جُنَّةً عبارةٌ عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها، ويتخلَّصوا عن المؤاخذة، لا عن استعمالها بالفعل، فإنَّ ذلك متأخِّرٌ عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية، واتخاذُ الجُنَّةِ لا بدَّ أن يكونَ قبل المؤاخذة، وعن سببها (٢) أيضاً كما يُفصِحُ عنه الغاء في ((فصدُّوا)) أي: مَنْ أرادَ الإسلامَ، أو الإنفاقَ كما سيُحكى عنهم، ولا ريب في أنَّ هذا الصَّدَّ متقدِّمُ على حَلِفهم. وقرئ - أي: قرأ الحسن -: ((إيمانهم)) بكسر الهمزة (٣)، أي: الذي أظهروه على ألسنتهم، (١) البيت في البحر المحيط ٢٧١/٨ دون نسبة. (٢) أي: ومتأخر عن سببها . (٣) القراءات الشاذة ص١٥٧، والمحتسب ٣٢٢/٢، والكلام من تفسير أبي السعود ٢٥٢/٨. الآية : ٣ ١٥٩ سُؤَدَّةُ المَنَافِقُونَ فاتخاذهُ جُنَّةً عبارةٌ عن استعماله بالفعل، فإنه وقايةٌ دون دمائهم وأموالهم، فمعنى قوله تعالى: ((فصدوا)): فاستمرُّوا على ما كانوا عليه من الصُّدود والإعراض عن سبيله تعالى. انتهى، وفيه ما يُعرَفُ بالتأمُّلِ، فتأمل. ٢ ، من النفاق وما يتبعه، وقد مرَّ الكلام في ((ساء)) ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ غيرَ مرَّةٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من القول الناعي عليهم أنهم أسوأُ الناس أعمالاً، أو إلى ما ذُكِرَ من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان الفاجرة، أو الإيمان الصُّوري، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه؛ لما مرَّ مراراً من الإشعار في مثل هذا المقام ببعد منزلته في الشَّرِّ، وجوَّزَ ابن عطية كونه إشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى: ساء عملهم(١) ﴿بِأَهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿ءَامَنُواْ﴾. أي: نطقوا بكلمة الشهادة كسائر مَنْ يدخل في الإسلام ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ ظهر كُفْرهم وتبيَّنَ بما اطّلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمدٌ حقًّا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أَيطمعُ هذا الرجل أن تُفتَحَ له قصورُ كسرى وقيصر، هيهات. وغير ذلك. و(ثم)) على ظاهرها، أو لاستبعاد ما بين الحالين. أو: ثم أَسرُّوا الكفرَ، فـ (ثم) للاستبعاد لا غير. أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاءً بالإسلام. وقيل: الآيةُ في أهل الردة منهم. حقيقة ﴿فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ حتى يموتوا على الكفر ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (ج)﴾ الإيمان أصلاً. وقرأ زيد بن علي ((فَطَبع)) بالبناء للفاعل(٢)، وهو ضميره تعالى، وجُوِّزَ أن يكون ضميراً يعودُ على المصدر المفهوم مما قبل، أي: فَطَبع هو، أي: تلعابُهم بالدين. وفي روايةٍ أنه قرأ: ((فَطَبع الله)) مصرِّحاً بالاسم الجليل، وكذا قرأ الأعمش(٣). (١) المحرر الوجيز ٣١٢/٥. (٢) الكشاف ١٠٩/٤، والبحر ٢٧١/٨ . (٣) القراءات الشاذة ص١٥٦، والمحرر ٣١٢/٥، والبحر ٢٧٢/٨. سُورَةُ المُنَافِقُونَ ١٦٠ الآية : ٤ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ لصَبَاحَتها وتَنَاسُبِ أعضائها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبيٍّ جسيماً فصيحاً يحضُر مجلس رسول اللهِوَ ﴿ه في نفرٍ من أمثاله كالجَدِّ بن قيس، ومُعنِّب بن قُشير، فكان عليه الصلاة والسلام ومن معه يعجبون من هياكلهم، ويسمعون لكلامهم. والخطابُ قيل: لكلِّ مَنْ يصلحُ له، وأُيِّدَ بقراءة عكرمة وعطية العوفي: ((يُسْمَعْ)) بالياء التحتية والبناء للمفعول(١). وقيل: لسيِّد المخاطَبين عليه الصلاة والسلام، وهذا أبلغُ على ما في ((الكشف)) لأنَّ أجسامهم إذا أعجبته ◌ََّ فَأَولى أن تُعجِبَ غيره؛ وكذا السماعُ لقولهم، وليوافق قوله تعالى: ((إذا جاءك)). والسماعُ مُضمَّنٌ معنى الإصغاء، فليستِ اللامُ زائدةً. وقوله تعالى: ﴿كَنَّهُمْ خُشُبٌ ◌ُسَنَدَةٌ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لذمِّهم، لا محلَّ له من الإعراب، وجُوِّزَ أن يكون في حَيِّز الرفع، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم كأنهم .. إلخ؛ والكلامُ مستأنفٌ أيضاً. وأنت تعلم أنَّ الكلامَ صالحٌ للاستئناف من غير تقدير، فلا حاجةً إليه. وقيل: هو في حَيِّزْ النَّصْبِ على الحال من الضمير المجرور في ((لقولهم))، أي: تسمع لما يقولونَ مُشبَّهين بخُشُبٍ مُستَّدةٍ كما في قوله: فقلت عسى أن تُبصريني كأنما بَنِيَّ حوالَيَّ الأُسُودُ الحَوارِهُ(٢) (١) المحرر الوجيز ٣١٢/٥، والبحر ٢٧٢/٨. وجاء في مطبوع القراءات الشاذة ص١٥٧: ((تسمع)) من غير تقييد. (٢) في الأصل: الخوادر، وفي (م): الحوادر. وكلاهما غلط. والمثبت من دلائل الإعجاز ص٢١١، ومعاهد التنصيص ٣٠٤/١. والبيت للفرزدق وهو في ديوانه ص١٤٦ وفيه: اللوابد، بدل: الحوارد. قال الشيخ محمود محمد شاكر في تعليقه على الدلائل: وهي - أي: رواية الديوان - أصح الروايتين وأولاها بهذا الشعر، ورواية أكثر كتب البلاغة كما هنا (يعني الدلائل)، والحوارد: الغضاب، واللوابد: جمع لابد، وهو الأسد.