Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ٤
١٠١
سُورَةُ الصَّفْ
جلَّ شأنه، وظاهره يُرجِّحُ أنَّ ما قالوه عبارة عن الوعد بالقتال، دون ما يقتضيه ما روي
عن الضحاك أو عن ابن زيد في سبب النزول، ويقتضي أنَّ مناط التوبيخ هو
إخلافهم، لا وعدُهم، و((صَفّ)) مصدرٌ وَقَعَ موقِعَ اسم الفاعل، أو اسم المفعول،
ونَصْبه على الحال من ضمير ((يقاتلون))، أي: صافِّين أنفسَهم أو مصفوفين.
و (كأنهم)) إلخ حالٌ من المستكنِّ في الحال الأولى، أي: مُشَبَّهين في تلاصقهم
بينيان .. إلخ، وهذا ما عناه الزمخشريُّ بقوله: هما - أي: ((صفًّا))
و((كأنهم)) إلخ - حالان متداخلان(١). وقول ابن المنيِّر(٢): إنَّ معنى التداخل أنَّ الحالَ
الأولى مشتملةٌ على الحال الثانية، فإنَّ هيئةَ الاتصاف هي هيئةُ الارتصاص خلاف
المعروف من التداخل في اصطلاح النحاة. وجُوِّزَ أن يكون حالاً ثانيةً من الضمير.
وقال الحوفيُّ: هو في موضع النعت لـ ((صفًّا)). وهو كما ترى.
والمرصوص - على ما قال الفراء(٣) ومنذر بن سعيد - هو المعقود بالرصاص.
ويراد به المُحْكَم، وقال المبرِّد: رصصتُ البناء، لَا أَمْت بين أجزائه وقاربته حتى
يصيرَ كقطعةٍ واحدةٍ، ومنه الرصيص: وهو انضمام الأسنان.
والظاهر أنَّ المرادَ تشبيههم في الْتِحَامِ بعضهم ببعضٍ بالبنيان المرصوص من
حيث إنهم لا فُرْجةَ بينهم ولا خَلَل، وقيل: المراد استواءُ نيَّاتهم في الثبات حتى
يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. والأكثرون على الأول.
وفي ((أحكام القرآن)): فيه استحبابُ قيام المجاهدين في القتال صفوفاً كصفوف
الصلاة، وأنه يُستحبُّ سَدُّ الفُرَج والخَلَل في الصفوف، وإتمام الصَّفِّ الأول
فالأول، وتسويةُ الصفوف: عدمُ تقدُّم بعضٍ على بعضٍ فيها.
وقال ابن الفرس: استدلَّ به بعضُهم على أنَّ قتالَ الرَّجَّالة أفضلُ من قتال
الفرسان؛ لأنَّ التراصَّ إنما يمكن منهم، ثم قال: وهو ممنوع(٤). انتهى.
(١) الكشاف ٤ / ٩٧.
(٢) الانتصاف بهامش الكشاف ٤/ ٩٧.
(٣) في معاني القرآن له ١٥٣/٣.
(٤) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (ويسميه المصنف: أحكام القرآن) ص٢٦٢.

سُورَةُالضَّفْ
١٠٢
الآية : ٥
ثم إنَّ القتال على هذه الهيئة اليوم من أصول العساكر المحمدية النظامية،
لا زالت منصورةً مؤيَّدةً بالتأييدات الربانية، وأنت تعلمُ أنَّ للوسائل حُكم المقاصد،
فما يُتوصَّلُ به إلى تحصيل الاتصاف بذلك، مما لا ينبغي أن يُتكاسل في تحصيله.
وقرأ زيد بن عليٍّ: (يُقاتَلون)) بفتح التاء، وقرئ: ((يُقْتَّلون))(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقرِّرٌ
لما قبله من شناعة ترك القتال، و((إذ)) منصوبٌ على المفعولية بمُضْمَرٍ خُوطب به سَيِّدُ
المخاطبين * بطريق التلوين، أي: اذكرْ لهؤلاء المُعْرِضين عن القتال وقتَ قول
موسى عليه السلام لبني إسرائيل حين نَدَبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ
اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْئَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَنَنقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]
فلم يمتثلوا لأمره عليه السلام، وعَصَوْه أشدَّ عصيان حيث قالوا: ﴿يَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا
قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن ◌َّدْخُلَهَا حَقَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٢ -٢٤] وأَصرُّوا
على ذلك كلَّ الإصرار، وآذوه عليه السلام كلَّ الأذية، فوبّخهم على ذلك بقوله:
(يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ) بالمخالفة والعصيان فيما أمرتكم به ﴿وَقَّد تَّعْلَمُونَ أَنِ رَسُولُ اللَّهِ
إِلَّكُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ مؤكِّدةٌ لإنكار الإيذاء ونفي سببه.
و((قد)) لتحقيق العلم، لا للتقليل ولا للتقريب؛ لعدم مناسبة ذلك للمقام، وصيغةُ
المضارع للدلالة على الاستمرار، أي: والحالُ أنكم تعلمون علماً قطعيًّا مستمرًّا
بمشاهدة ما ظهر على يدي من المعجزات الباهرة التي معظمها إهلاكُ عدوّكم
وإنجاؤكم من مَلَكَتِهِ أني رسول الله إليكم لأُرشدكم إلى خيرَي الدنيا والآخرة، ومن
قضية علمكم بذلك أن تبالغوا في تعظيمي وتسارعوا إلى طاعتي.
﴿فَلَمَّا زَاغُواْ﴾ أي: أَصرُّوا على الزّيغ والانحراف عن الحقِّ الذي جاء به عليه
السلام، واستمرُّوا عليه ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: صَرَفها عن قبول الحقِّ والميل إلى
الصواب؛ لصَرْفِ اختيارهم نحو العمى(٢) والضلال.
(١) الكشاف ٩٧/٤، والبحر ٢٦١/٨.
(٢) في إرشاد العقل السليم ٢٤٣/٨ والكلام منه: الغي.

الآية : ٦
١٠٣
سُوَّةُ الصَّفِ
وقيل: أي: فلما زاغوا في نفس الأمر وبمقتضى ما هم عليه فيها، أزاغ الله
تعالى في الخارج قلوبهم؛ إذ الإيجادُ على حسب الإرادة، والإرادةُ على حَسَب
العلم، والعلمُ على حَسَب ما عليه الشيءُ في نفس الأمر.
وعلى الوجهين لا إشكال في الترتيب.
﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
ما قبله من الإزاغة، ومُؤذِنٌ بعِلَّته، أي: لا يهدي القومَ الخارجين عن الطاعة
ومنهاجٍ الحقِّ، المُصِرِّينَ على الغواية، هدايةً موصِلةً إلى البُغية، وإلا فالهدايةُ إلى
ما يُوصِّلُ إليها شاملةٌ للكلِّ، والمراد بهم إما المذكورونَ خاصةً والإظهارُ في مقام
الإضمار لِذَمِّهم بالفسق وتعليلٍ عدم الهداية به، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون
في حكمهم دخولاً أوليًّا، قيل: وأيًّا ما كان فهو ناظرٌ إلى ما في قوله تعالى:
﴿فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى
اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
هذا، وقيل: ((إذ)) ظرفٌ متعلّقٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يدلُّ عليه ما بعده، كـ : زاغوا
ونحوه، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها عَطْفَ القصة على القصة.
وذهب بعضهم إلى أنَّ إيذاءهم إياه عليه السلام بما كان من انتقاصه وعَيبه في
نفسه، وجحودٍ آياته وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطَلَبهم
رؤيةَ الله سبحانه جَهْرةً، والتكذيب الذي هو حقُّ الله تعالی وحقُّه عليه السلام،
وما ذُكر أولاً هو الذي تقتضيه جزالةُ النّظم الكريم ويرتضيه الذوق السليم.
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إما معطوفٌ على ((إذ)) الأولى، معمولٌ لعاملها،
وإما معمولٌ لمضمرٍ معطوف على عاملها: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ ولعلَّه عليه السلام لم
يقل: (يا قومي)) كما قال موسى عليه السلام، بل قال: ((يا بني إسرائيل)) لأنه ليس
له النسبُ المعتاد، وهو ما كان من قِبَل الأب فيهم، أو إشارةٌ إلى أنه عاملٌ
بالتوراة، وأنه مثلهم في أنه من قوم موسى عليه السلام؛ هَضْماً لنفسه بأنه لا أتباعَ
له ولا قوم، وفيه من الاستعطاف ما فيه، وقيل: إنَّ الاستعطاف بما ذُكر؛ لما فيه
من التعظيم، وقد كانوا يفتخرون بنِسْبَتهم إلى إسرائيل عليه السلام.

سُوَّةُ الصَّفْ
١٠٤
الآية : ٦
﴿إِنِّ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَ مِنَ النَّوْرَنَّةِ﴾ أي: مُرسَلٌ منه تعالى إليكم حالَ
كوني مُصدِّقاً، فَنَصْبُ ((مصدِّقاً)) على الحال من الضمير المستتر في ((رسول)) وهو
العامل فيه، و((إليكم)) متعلِّقٌ به، وهو ظرفٌ لغو لا ضميرَ فيه ليكونَ صاحبَ حال،
وذكر هذا الحال لأنه من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ بَأْتِ مِنْ بَعْدِى﴾ معطوفٌ على ((مصدِّقاً))، وهو داعِ
أيضاً إلى تصديقه عليه السلام من حيث إن البشارة بهذا الرسول وَّر واقعةٌ فيّ
التوراة، كقوله تعالى في الفصل العشرين من السّفر الخامس منها: أقبل الله من
سيناء، وتجلَّى من ساعير، وظهر من جبال فاران، معه الربوات الأطهار عن
یمینه(١).
وقوله سبحانه في الفصل الحادي عشر من هذا السفر: يا موسى إني سأُقيم
لبني إسرائيلَ نبيًّا من إخوتهم مثلك، أَجعلُ كلامي في فيه(٢)، ويقول لهم ما آمره
فيه، والذي لا يقبلُ قولَ ذلك النبيِّ الذي يتكلَّمُ باسمي أنا، أَنتقمُ منه ومن
سِبْطه(٣).
إلى غير ذلك، ويتضمَّنُ كلامه عليه السلام أنَّ دينه التصديقُ بكتب الله تعالى
وأنبيائه عليهم السلام جميعاً، مَنْ تقدَّم ومَنْ تأخّر.
وجملة ((يأتي) إلخ في موضع الصفة لـ ((رسول))، وكذا جملةُ قوله تعالى: ﴿أَسْمُ
أَخَذِّ﴾ وهذا الاسم الجليل عَلَمُ لنبيِّنا محمد نَّه، وعليه قولُ حسان(٤):
والطيبونَ على المبارك أحمدٍ
صلَّى الإلهُ ومن يَحُفُّ بعرشه
وصحَّ من رواية مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن
(١) الكتاب المقدس، سفرتثنية الاشتراع (بركات موسى ص٤١١). وجاء في هامش الأصل:
سينا: الجبل الذي كلم الله تعالى عنده موسى عليه السلام، وساعير: جبل الخليل بالشام
كان يتعبد فيه المسيح عليه السلام، وفاران: جبل بني هاشم وكان يتعبد فيه نبينا ومَله.
(٢) في هامش الأصل: إشارة إلى أنه أُمِّيَّ.
(٣) الكتاب المقدس، سفرتثنية الاشتراع (الأنبياء ص٣٨٦).
(٤) البيت في ديوانه ص٥٨.

الآية : ٦
١٠٥
سُوَةُ الصَّفِ
جبير بن مطعم(١) قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد،
وأنا الحاشر الذي يُحشَرُ الناسُ على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر،
وأنا العاقب)) والعاقبُ: الذي ليس بعده نبيٌّ.
وهو منقولٌ من المضارع للمتكلِّم، أو من أفعل التفضيل، من الحامدية، وجُوِّزَ
أن يكونَ من المحمودية بناءً على أنه قد سُمع ((أحمد)) اسم تفضيل منها نحو: العَوْدُ
أحمد، وإلا فأَفعل من المبنيّ للمفعول ليس بقياسيٍّ.
وقرئ: ((من بعديَّ)) بفتح الياء(٢).
هذا، وبشارته عليه السلام بنبيِّنا وَ ﴿ مما نطق به القرآن المعجز، فإنكارُ
النصارى ذلك ضَرْبٌ من الهذيان، وقولهم: لو وقعتْ لَذُكرت في الإنجيل،
الملازَمةُ فيه ممنوعة، وإذا سُلِّمتْ قلنا بوقوعها في الإنجيل، إلا أنَّ جامعيه بعد رَفْعِ
عيسى عليه السلام أهملوها اكتفاءً بما في التوراة ومزامير داود عليه السلام وكتب
شَعْيا(٣) وحبقوق وإِرْمِياء، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام.
ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أنَّ علماءَ النصارى بعدُ - حُبًّا لدينهم أو لأمرٍ
مّا غير ذلك - أسقطوها. كذا قيل.
وأنا أقول: الأناجيلُ التي عند النصارى أربعة: إنجيلُ متَّى من الاثني عشر
الحواريين، جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رَفْع عيسى عليه السلام بثماني
سنين، وعِدَّةُ إصحاحاته ثمانيةٌ وستون إصحاحاً. وإنجيل مُرْقُص، وهو من
السبعين، جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة، وعِدَّةُ
إصحاحاته ثمانيةٌ وأربعون إصحاحاً. وإنجيل لوقا، وهو من السبعين أيضاً، جمعه
بالإسكندرية باللغة اليونانية، وعِدَّةُ إصحاحاته ثلاثةٌ وثمانون إصحاحاً. وإنجيل
(١) مالك في الموطأ ١٠٠٤/٢، والبخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤)، والدارمي ٣١٧/٢ -
٣١٨، والترمذي (٢٨٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٥٢٦)، وهو عند أحمد (١٦٧٣٤).
(٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وأبي بكر عن عاصم. ينظر التيسير ص ٢١٠، والنشر
٣٨٧/٢.
(٣) في الأصل: اشعيا. وفي (م): شعياء.

سُورَةُ الضَفِّ
١٠٦
الآية : ٦
يوحًا، وهو حبيبُ المسيح، جمعه بمدينة أُفسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين
سنة، وعِدَّةُ إصحاحاته في النُّسَخِ القِبطية ثلاثةٌ وثلاثون إصحاحاً .
وهي مختلفةٌ، وفيها ما يشهد الإنصاف بأنه ليس كلامَ الله عزَّ وجلَّ ولا كلامَ
عيسى عليه السلام، كقصة صَلْبه الذي يزعمونه، ودفنه ورفعه من قبره إلى
السماء، فما هي إلا كتواريخ وتراجم فيها شَرْحُ بعض أحوال عيسى عليه
السلام، ولادةٌ وَرَفْعاً ونحو ذلك، وبعضُ كلماتٍ له عليه السلام على نحو
بعض الكتب المؤلَّفة في بعض الأكابر والصالحين، فلا يضرُّ إهمالها بعضَ
الأحوال والكلماتِ التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد،
وبشارته بنبيِّنَا وَله.
على أنَّ في إنجيل يوحنا ما هو بشارةٌ بذلك عند مَنْ أنصف، وسَلَكَ الصراطَ
السَّويَّ وما تعسَّف، ففي الفصل الخامس عشر منه: قال يسوع المسيح: إنَّ
الفارقليط روحُ الحقِّ الذي يُرسله أبي، يُعلِّمكم كلَّ شيءٍ.
وقال يوحنّا أيضاً: قال المسيح: مَنْ يُحبّني يحفظُ كلمتي، وأبي يُحبُّه، وإليه
يأتي، وعنده يتَّخذُ المنزلةَ، كلَّمتكم بهذا لأني لستُ عندكم بمقيم، والفارقليط:
روح القدس الذي يُرسله أبي، هو يُعلِّمكم كلَّ شيءٍ، وهو يذكِّركم كلّ ما قلت
لكم، أستودعكم سلامي، لا تقلقْ قلوبكم ولا تجزعْ، فإني منطلقٌ وعائدٌ إليكم، لو
كنتم تحُّوني كنتم تفرحون بمُضِيِّي إلى الأب.
وقال أيضاً: إنَّ خيراً لكم أن أنطلقَ لأبي؛ لأني إن لم أذهبْ لم يأتكم
الفار قليط، فإذا انطلقتُ أرسلته إليكم، فإذا جاء فهو يُوبِّعُ العالم على الخطيئة، وإنَّ
لي كلاماً كثيراً أُريد قوله، ولكنكم لا تستطيعون حَمْله، لكن إذا جاءَ روحُ الحقِّ
ذاكَ الذي يُرشدكم إلى جميع الحقِّ؛ لأنه ليس ينطقُ من عنده، بل يتكلّمُ بما يسمعُ،
ويخبركم بكلِّ ما يأتي، ويُعرِّفكم جميعَ ما للأب.
وقال أيضاً: إن كنتم تحبُّوني فاحفظوا وصايايَ، وأنا أطلب من الأب أن
يُعطيَكم فارقليطاً آخرَ يَثبتُ معكم إلى الأبد، روحَ الحق الذي لم يطقِ العالم أن

الآية : ٦
١٠٧
سُوَرَةُ الصَّفّْ
يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه(١)، ولست أَدَعُكُمْ أيتاماً؛ لأني سآتيكم من قريب(٢).
والفارقليط: لفظٌ يُؤذن بالحَمد، وتَعيُّنُ إرادته وَلّر من كلامه عليه السلام
مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصُّب عن عينيه، وقد فسَّرهُ بعضُ
النصارى بالحمَّاد، وبعضُهم بالحامد، فيكون في مدلوله إشارة إلى اسمه عليه
الصلاة والسلام أحمد، وفسَّره بعضُهم بالمخلِّص لقول عيسى عليه السلام: فالله
يُرسل مخلِّصاً آخر، فلا يكون ما ذكر بشارة به له بعنوان الحمد، لكنه بشارة به اليه
بعنوان التخليص، فيستدلُّ به على ثبوت رسالته وَّ، وإن لم يستدلّ به على ما في
الآية هنا.
وزعم بعضُهم أنَّ الفارقليطَ إشارةٌ إلى أَلسُنٍ ناريةٍ نزلت من السماء على
التلاميذ، ففعلوا الآيات والعجائب. ولا يخفى أنَّ وَصْفه بـ ((آخَرَ)) يأبى ذلك؛ إذ لم
یتقدَّمْ لهم غیره.
﴿فَلَمَّا بَهُمْ﴾ أي: عيسى عليه السلام ﴿بَلْبَيْنَتِ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرة ﴿قَالُواْ
هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ
﴾ مشيرين إلى ما جاء به عليه السلام، فالتذكير بهذا الاعتبار،
وقيل: مشيرين إليه عليه السلام.
وتسميته سحراً للمبالغة، ويؤيده قراءة عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب:
((هذا ساحر))(٣). وكون فاعل ((جاءهم)) ضمير عيسى عليه السلام هو الظاهر؛ لأنه
المحدّث عنه، وقيل: هو ضمير ((أحمد)) عليه الصلاة والسلام، لمَّا فرغ من كلام
عيسى تطرَّقَ إلى الإخبار عن أحمد ◌ِّ، أي: فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار
بالبينات قالوا .. إلخ.
(١) في هامش الأصل: أي لِمَا يغلب عليهم من عبادة الأصنام ونحوها، وفي الحقيقة ما آمن به
عليه الصلاة والسلام إلا من أشهده الله تعالى من نبوته ما هدى قلبه إليه رصيد.
(٢) الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا ص٣٣٧-٣٣٩ بنحوه، واستخدمت فيه كلمة: المؤيد، بدل:
الفارقليط، ولكن أشير في حاشيته إلى أنها في الأصل اليوناني: الباراقليط.
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي أيضاً، ينظر التيسير ص١٠١، والنشر ٢٥٦/٢، والكشاف
٩٩/٤، والبحر ٢٦٢/٨.

سُورَةُ الصَّفْ
١٠٨
الآية : ٧ - ٨
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِ﴾ أي: أَيُّ الناس أشدُّ
ظلماً ممن يُدعى إلى الإسلام الذي يُوصله إلى سعادة الدارين، فيضعُ موضعَ
الإجابة الافتراءَ على الله عزَّ وجلَّ بتكذيب رسوله، وتسمية آياته سحراً، فإنَّ الافتراءَ
على الله تعالى يعمُّ نفيَ الثابت وإثباتَ المنفي، أي: لا أَظْلَمُ من ذلك، والمراد أنه
أظلمُ من كلِّ ظالم.
وقرأ طلحة: ((يَدَّعي))(١) مضارع: ادَّعى، مبنيًّا للفاعل، وهو ضميره تعالى،
و((يَدَّعي)) بمعنى يدعو، يقال: دعاه وادَّعاه نحو لمسه والتمسه. وقيل: الفاعلُ
ضمير المفتري، و: ادَّعى، يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكنه لَمَّا ضُمِّنَ معنى
الانتماء والانتساب عُدِّيَ بـ ((إلى))، أي: وهو ينتسب إلى الإسلام مُدَّعياً أنه مُسلمٌ.
وليس بذاك. وعنه: ((يُدَّعى))(٢)، مضارعُ ادَّعى أيضاً، لكنه مبنيٌّ للمفعول، ومعناه
كما سبق.
والآيةُ فيمن كذَّب من هذه الأمة على ما يقتضيه ما بعدُ، وهي إن كانت في بني
إسرائيل الذين جاءهم عيسى عليه السلام، ففيها تأييدٌ لمن ذهب إلى عدم اختصاص
الإسلام بالدين الحق الذي جاء به نبيُّنَا وَلِّ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلمِينَ ﴾﴾ أي: لا يُرشدهم إلى ما فيه فلاحهم؛ لسوء
استعدادهم وعدم توجُّههم إليه.
﴿يُرِدُونَ لِيُطْفُِوْ نُورَ الَهِ يَفْرَِهِمْ﴾ تمثيلٌ لحالهم في اجتهادهم في إبطال الحقِّ بحالة
مَنْ ينفخُ الشمسَ بِفِيْهِ ليُطفئها، تهكّماً وسخريةً بهم، كما تقول الناس: هو يُطفئُ
عينَ الشمس.
وذهب بعضُ الأَجلَّة إلى أنَّ المرادَ بنور الله: دينه تعالى الحقّ - كما روي عن
السدي - على سبيل الاستعارة التصريحية، وكذا في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُ نُورِهِ﴾
و (مُتِمّ)) تجريدٌ، وفي قوله تعالى: ((بأفواههم)) توریةٌ، وعن ابن عباس وابن زيد:
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحتسب ٣٢١/٢، والبحر ٢٦٢/٨.
(٢) المحتسب ٣٢١/٢، والمحرر الوجيز ٣٠٣/٥، والبحر ٢٦٢/٨.

الآية : ٨
١٠٩
سُوَّةُ الضَّفْ
يريدون إبطالَ القرآن وتكذيبه بالقول، وقال ابن بحر: يُريدون إبطالَ حُجَجِ الله
تعالى بتكذيبهم، وقال الضحاك: يريدون هلاك الرسول وله بالأراجيف.
وقيل: يريدونَ إبطالَ شأن النبيِّ وَّه وإخفاءَ ظهوره بكلامهم وأكاذيبهم، فقد
روي عن ابن عباس أنَّ الوحيّ أَبْطَأَ أربعينَ يوماً، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر
يهود: أبشروا، أطفأ الله تعالى نورَ محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتمَّ نوره.
فحزن الرسولُ وَّه، فنزلت: ((يريدون)) إلى آخره(١).
وفي ((يريدون ليطفؤوا)) مذاهب: أحدها: أنَّ اللامَ زائدةٌ، والفعلَ منصوبٌ
بـ ((أن)) مقدَّرة بعدها، وزِيدت لتأكيد معنى الإرادة، لما في لام العلَّة من الإشعار
بالإرادة والقصد، كما زيدت اللام في: لا أبا لك؛ لتأكيد معنى الإضافة.
ثانيها: أنها غيرُ زائدةٍ للتعليل، ومفعول ((يريدون)) محذوفٌ، أي: يريدون
الافتراءَ لأن يطفئوا.
ثالثها: أنَّ الفعل - أعني: ((يريدون)) - حالٌّ محلَّ المصدر، مبتدأ، واللام
للتعليل، والمجرور بها خبرٌ، أي: إرادتهم كائنةٌ للإطفاء، والكلامُ نظير: تسمعُ
بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه(٢)، من وجه.
رابعها: أنَّ اللام مصدرية، بمعنى ((أن)) من غير تقدير، والمصدرُ مفعولٌ به،
ويكثر ذلك بعد فعل الإرادة والأمر.
خامسها: أنَّ ((يريدون)) منزَّلٌ منزلةَ اللازم؛ لتأويله بـ: يوقعون الإرادة، قيل:
وفيه مبالغةٌ لجعل كلِّ إرادة لهم للإطفاء، وفيه كلامٌ في ((شرح المغني)) وغيره.
وقرأ العربيان ونافع وأبو بكر والحسن وطلحة والأعرج وابن محيصن: ((متمُّ))
بالتنوين ((نورَه)) بالنصب على المفعولية لـ ((مُتِمّ))(٣).
(١) ينظر البحر المحيط ٢٦٣/٨.
(٢) المستقصى في أمثال العرب ١/ ٣٧٠.
(٣) التيسير ص ٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والمحرر ٣٠٣/٥، والبحر ٢٦٣/٨. والعربيان هما:
أبو عمرو وابن عامر.

سُورَةُ الصَّفْ
١١٠
الآية : ٩ - ١١
﴾ حالٌ من المستكنِّ في ((مُتمّ))، وفيه إشارةٌ إلى أنه عزَّ
﴿وَلَوْ كَرِةَ الْكَفِرُونَ
وجلَّ مُتِمٌّ ذلك إرغاماً لهم.
﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمداً وٍَّ ﴿بِالْمُدَى﴾ بالقرآن، أو بالمعجزة بجَعْلٍ ذلك
نفس الهدى مبالغة ﴿وَدِينِ الَِْ﴾ والملة الحنيفيَّة ﴿يُظْهِرَهُ عَلَى الَّذِينِ كُلِّ﴾ ليُعليه على
جميع الأديان المخالفة له، ولقد أنجز الله عزَّ وجلَّ وعده، حيث جعله بحيث لم
يبقَ دينٌ من الأديان إلا وهو مغلوبٌ مقهورٌ بدين الإسلام.
وعن مجاهد: إذا نزل عيسى عليه السلام لم يكن في الأرض إلا دينُ الإسلام،
ولا يضرُّ في ذلك ما ورد من أنه يأتي على الناس زمانٌ لا يبقى فيه من الإسلام
إلا اسمه(١)؛ إذ لا دلالةً في الآية على الاستمرار.
وقيل: المراد بالإظهار الإعلاءُ من حيثُ وضوحُ الأدلة، وسطوعُ البراهين،
وذلك أمرٌ مستمرٌّ أبداً .
ذلك؛ لِمَا فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
وقرئ: ((هو الذي أرسل نبيّه))(٢).
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُ عَلَى تِجَزَوْ﴾ جليلة الشأن ﴿نُجِكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم ®﴾ يوم
القيامة، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق والأعرج وابن عامر: ((تُنَجِّيكم))
بالتشديد(٣).
وقوله تعالى: ﴿ثُؤْمِنُونَ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ استئنافٌ
بيانيّ، كأنه قيل: ما هذه التجارة؟ دُلَّنا عليها. فقيل: تؤمنون .. إلخ، والمضارعُ
في الموضعين كما قال المبرِّد وجماعة: خبرٌ بمعنى الأمر، أي: آمنوا وجاهدوا.
(١) يشير إلى ماروي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ◌َّ به مرفوعاً
وموقوفاً، أخرجه ابن عدي في الكامل ١٥٤٣/٤، والداني في السنن الواردة في الفتن ٣/
٥٤٥، والبيهقي في الشعب (١٩٠٨) و(١٩٠٩)، وفي إسناده انقطاع.
(٢) الكشاف ٤ / ٩٩.
(٣) التيسير ص ٢١٠، والنشر ٢٥٩/٢ عن ابن عامر، والكلام من البحر ٢٦٣/٨.

الآية : ١١
١١١
سُوَدَّةُ الصَّفْ
ويُؤْيِّده قراءةُ عبد الله كذلك(١)، والتعبيرُ به للإيذان بوجوب الامتثال، كأنَّ الإيمانَ
والجهاد قد وقعا، فأخبر بوقوعهما، والخطابُ إذا كان للمؤمنين الخُلَّص، فالمراد:
تَثبتون وتدومون على الإيمان، أو تجمعون بين الإيمان والجهاد، أي: بين تكميل
النفس وتكميل الغير، وإن كان للمؤمنين ظاهراً، فالمراد: تُخلصون الإيمان. وأيًّا
ما كان، فلا إشكال في الأمر.
وقال الأخفش: ((تؤمنون)) إلخ عَظْفُ بيانٍ على ((تجارة)). وتُعقِّبَ بأنه لا يُتُخيَّلُ
إلا على تقدير أن يكونَ الأصلُ: أن تؤمنوا، حتى يتقدَّر بمصدر، ثم حذف ((أن)»
فارتفع الفعل، كما في قوله:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى (٢)
يريد: أن أَحْضُرَ. فلما حذف ((أن)) ارتفع الفعل، وهو قليل.
وقال ابن عطية: (تؤمنون)) فعلٌ مرفوعٌ بتقدير: ذلك أنه تؤمنون(٣). وفيه
حَذْفُ المبتدأ و((أنَّ)) واسمها وإبقاء خبرها، وذلك على ما قال أبو حيان:
لا يجوز (٤).
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((تؤمنوا)) و((تجاهدوا))(٥) بحذف نون الرفع فيهما، على
إضمار لام الأمر، أي: لتؤمنوا وتجاهدوا، أو: لتجاهدوا، كما في قوله:
تأذَنْ لنا إنِّي منَ احمائها (٦)
قلتُ لبوَّابٍ على بابها
وكذا قوله :
(١) المحرر ٣٠٤/٥، والبحر ٢٦٣/٨.
(٢) صدر بيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٣٢، وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنتَ مُخلدي
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٤/٥.
(٤) البحر المحيط ٢٦٣/٨.
(٥) الكشاف ٤/ ١٠٠، والبحر المحيط ٢٦٣/٨.
(٦) البحر المحيط ٢٦٣/٨.

سُؤَةُ الضَّف
١١٢
الآية : ١٢
إذا ما خِفْتَ من أمرٍ تبالا(٢)
محمد تَفْدٍ(١) نفسَكَ كلُّ نفسٍ
وجُوِّزَ الاستئناف، والنونُ حذفت تخفيفاً كما في قراءة: ((ساحران تَظَّاهَرَا))(٣)
[القصص: ٤٨]، وقوله:
ونَقِّري ما شئتٍ أن تُنقِّري
قد رُفِعَ الفخُّ فماذا تحذري(٤)
وكذا قوله :
أَبيتُ أسري وتبيتي تَدلكي
وجهكِ بالعنبر والمِسْكِ الذَّكي(٥)
وأنت تعلم أنَّ هذا الحذفَ شاءٌ .
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿فَرٌّ لَّكُمْ﴾ على الإطلاق أو من
﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم؛ إذ الجهلة
أموالكم وأنفسكم ﴿إِن كُ نَتَكُونَ
لا يُعتَدُّ بأفعالهم حتى تُوصَفَ بالخيرية، وقيل: أي: إن كنتم تعلمون أنه خيرٌ لكم
كان خيراً لكم حينئذٍ؛ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتم(٦)، أحببتم الإيمانَ والجهاد
فوق ما تُحبُّون أموالكم وأنفسكم، فتخلصون وتفلحون.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُ﴾ جوابٌ للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، كما في قولهم:
اتقى الله تعالى امرؤٌ، فعلَ خيراً يُثَبْ عليه(٧)؛ أو جوابٌ لشرطٍ أو استفهامٍ دلَّ
(١) جاء في هامش الأصل: وجوَّز بعضهم كون: تفد، خبراً بمعنى الأمر وحذف الياء كما في
نحو: ﴿وَلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ [الفجر: ٤]. وأنت تعلم أن حذفها في غير الفواصل والقوافي غير ثبت.
(٢) اختلف في نسبته للأعشى وحسان وأبي طالب، وليس في ديوان أحد منهم، وهو في الكتاب
٨/٣، والمقتضب ١٣٢/٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٥٠، وشرح المفصل ٣٥/٧،
والخزانة ١١/٩. وقوله: تبالا: هو سوء العاقبة، وأصله وبال، فتاؤه مبدلة من الواو. قاله
الأعلم كما في الخزانة ٩/ ١٣ وسلف ١٣/ ١١٢.
والبيت سلف ١٣/ ٢٢١.
(٣) في الأصل و(م): يظاهرا. وينظر ما سلف ٢١٠/٢٠.
(٤) البيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٤٦.
(٥) البيت في الخصائص ٣٨٨/١، والخزانة ٣٣٩/٨ دون نسبة.
(٦) في إرشاد العقل السليم ٢٤٥/٨ والكلام منه: واعتقدتموه.
(٧) ينظر ما سلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦].

الآية : ١٣
١١٣
سُؤَةُ الصَّفْ
عليه الكلام، والتقدير: إن تؤمنوا وتجاهدوا يَغْفِرْ لكم، أو: هل تقبلون أن أَدَّكم؟
أو: هل تَتَّجرونَ بالإيمان والجهاد؟ يَغْفِرْ لكم.
وقال الفراء: جوابٌ للاستفهام المذكور، أي: ((هل أَدلّكم)). وتُعقّبَ بأنَّ مجردَ
الدلالة لا يُوجبُ المغفرة، وأُجيب بأنه كقوله تعالى: ﴿قُل لِمِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وقد قالوا فيه: إنَّ القولَ لَمَّا كان للمؤمن الراسخ الإيمان،
كان مظنةً لحصول الامتثال، فجُعل کالمُحَقَّقِ وقوعه، فيقال هاهنا: لما كانت
الدلالة مظنة لذلك، نُزّلتْ منزلةَ المحقّق، ويؤيِّده: ((إن كنتم تعلمون)) لأنَّ مَنْ له
عقلٌ إذا دَلَّهُ سَيِّدُهُ على ما هو خيرٌ له لا يتركه، وادِّعاءُ الفرق لِمَا ئمَّة (١) من الإضافة
التشريفية، وما هنا من المعاتبة، قيل: غير ظاهر. فتدبّر.
والإنصافُ أنَّ تخريج الفراء لا يخلو عن بُعدٍ، وأما ما قيل: من أنَّ الجملةَ
مستأنفةٌ لبيان أنَّ ذلك خيرٌ لهم، و((يغفر)) مرفوعٌ سُكِّنَ آخرُهُ كما سُكِّنَ آخر ((أشرب))
في قوله:
فاليومَ أشربْ غِيرَ مُسْتَحْقِبٍ إثماً من الله ولا واغِلٍ (٢)
فليس بشيءٍ؛ لما صرَّحوا به من أنَّ ذلك ضرورة.
﴿وَيُدْيِكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِئٍ مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلَكِنَ لِبَةً﴾ أي: طاهرةَ زَكيةً مستلذَّةً، وهذا
إشارةٌ إلى حُسْنها بذاتها، وقوله تعالى: ﴿فِ جَثَّتِ عَدْنٍ﴾ إشارة إلى حُسْنها باعتبار
محلِّها .
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من المغفرة وما عُطِفَ عليها ﴿الْفَوَّزُ الْعَظِيمُ
لا فوزَ وراءه.
الذي
﴿وَأُغْرَى﴾ أي: ولكم إلى ما ذُكِرَ من النِّعم نعمةٌ أخرى، فـ ((أخرى)) مبتدأٌ، وهي
في الحقيقة صفةٌ للمبتدأ المحذوف، أُقيمت مقامه بعد حذفه، والخبرُ محذوفٌ.
(١) ينظر حاشية الشهاب ٨/ ١٩٣.
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٢٢، وروايته: أُسقى، بدل: أشرب، مع العلم
بأن رواية النحويين وغيرهم كما ذكر المصنّف، ينظر ما سلف ٤٢١/١١.

سُؤَدَّةُ الصَّفْ
١١٤
الآية : ١٣
قاله الفراء، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهَا﴾ في موضع الصفة، وقوله سبحانه: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ
وَفَنَحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: عاجلٌ، بدلٌ أو عَطْفُ بيان، وجملةُ المبتدأ وخبره قيل: حاليةٌ؛
وفي ((الكشف)) إنها عَظْفٌ على جواب الأمر - أعني: ((يغفر)) - من حيث المعنى،
كما تقول: جاهدوا تؤجروا، ولكم الغنيمة.
وفي ((تُحبُّونَها)) تعييرٌ لهم، وكذلك في إيثار الاسمية على الفعلية، وعَظْفِها
عليها، كأنَّ هذه عندهم أثبتُ وأمكنُ، ونفوسهم إلى نَيلها والفوز أسكن.
وقيل: ((أخرى)) مبتدأُ خبره ((نَصْر)). وقال قومٌ: هي في موضع نَصْبٍ بإضمار
فِعْل، أي: ويُعطِكم أخرى، وجعل ذلك من باب:
عَلَفْتُها تبناً وماءً باردا(١)
ومنهم مَنْ قدَّرَ: تُحبُّون أخرى، على أنه من باب الاشتغال، و((نَصْرٌ) على
التقديرين خبرُ مبتدأ محذوف، أي: ذلك - أو: هو - نصر، أو: مبتدأُ خبرُهُ
محذوف، أي: نَصْرٌ وفَتْحٌ قريبٌ عنده.
وقال الأخفش: هي في موضع جَرِّ بالعطف على ((تجارة)). وهو كما ترى.
وقرأ ابن أبي عبلة: (نَصْراً وفتحاً قريباً))(٢) بالنصب بـ: أعني مقدَّراً، أو على
المصدر، أي: تُنصرون نَصْراً ويُفتَحُ لكم فتحاً، أو على البدلية من ((أخرى)) على
تقدير نَصْبها .
عَظْفٌ على ((قل)) مقدَّراً قبل قوله تعالى: (كَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا)،
﴿وَكَثِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
وقيل: على ((أَبشر)) مقدَّراً أيضاً، والتقدير: فأَبشرْ يا محمد وبَشِّر.
وقال الزمخشري: هو عَطْفٌ على ((تؤمنون)) لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل:
آمنوا وجاهدوا يُئبكم الله تعالى وينصركم، وبَشِّر يا رسول الله المؤمنين بذلك(٣).
(١) هو في معاني القرآن للفراء ١/ ١٤، والخصائص ٤٣١/١، والإنصاف ٦١٣/٢، والخزانة
١٤٠/٣، وعجزه: حتى شتت همَّالةً عيناها. وسلف ٣٢٥/٦.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٣٠٤، والبحر ٢٦٤/٨.
(٣) الكشاف ٤ / ١٠١ .

الآية : ١٤
١١٥
سُورَةُ الضَّفِ
وتعقّبه في ((الإيضاح)) بأنَّ فيه نظراً؛ لأنَّ المخاطبين في ((تؤمنون)) هم
المؤمنون، وفي ((بَشِّر)) هو النبيُّ ◌َ طِّ، ثم قوله تعالى: ((تؤمنون)» بيانٌ لما قبله علی
طريق الاستئناف، فكيف يصحُّ عَطْفُ ((بشِّر المؤمنين)) عليه(١)؟
وأجيب بما خلاصته: أنَّ قوله سبحانه: (َأََّا الَّذِينَ ءَامَنُوا) للنبيِّ ◌َّ وأمته،
كما تقرَّرَ في أصول الفقه، وإذا فُسِّرَ بـ ((آمنوا)) و((بَشِّر))، دَلَّ على تجارته عليه الصلاة
والسلام الرابحة وتجارتهم الصالحة، وقدّم ((آمنوا)) لأنه فاتحةُ الكُلِّ، ثم لو سلِّم،
فلا مانعَ من العَظْفِ على جواب السائل بما لا يكون جواباً إذا ناسبه، فيكون جواباً
للسؤال وزيادة، كيف وهو داخلٌ فيه، كأنهم قالوا: دُلَّنا يا ربنا، فقيل: آمنوا يكنْ
لكم كذا، وبَشِّرهم يا محمدُ بثبوته لهم، وفيه من إقامة الظاهر مقامَ المضمر وتنويعٍ
الخطاب ما لا يخفى نُبْلُ موقعه، واختاره صاحب ((الكشف))، فقال: إنَّ هذا الوجهَ
[أَوْلَى](٢) من وَجْهِ العطف على ((قل)) ووَجْهِ العطف على: فأبشر، لخلوِّهما عن
الفوائد المذكورة، يعني: ما تضمَّنه الجواب.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَلِّ﴾ أي: نَصَرَةَ دينه سبحانه وعَوَنةَ رسوله عليه
الصلاة والسلام، وقرأ الأعرج وعيسى وأبو عمرو والحرميان: ((أنصاراً لله))
بالتنوين(٣)، وهو للتبعيض، فالمعنى: كونوا بعضَ أنصاره عزَّ وجلَّ.
وقرأ ابن مسعود على ما في ((الكشاف))(٤): ((كونوا أنتم أنصار الله))، وفي
((موضح)) الأهوازي والكواشي: ((أنتم)) دون ((كونوا)).
﴿كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللّهِ﴾ أي: مَنْ جُندي، متوجّهاً إلى
نُصرةِ الله تعالى، ليطابق قوله سبحانه: ﴿قَالَ الْخَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الَّهِ﴾ وقيل: ((إلى))
بمعنى ((مع))، و((نحن أنصار الله)) بتقدير: نحن أنصارُ نبيِّ الله، فيحصل التطابق،
والأول أولى. والإضافةُ في ((أنصاري)) إضافةُ أحد المتشاركين إلى الآخر؛
(١) الإيضاح في علوم البلاغة للقرويني ص ١٦٠.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، وينظر حاشية الشهاب ١٩٤/٨.
(٣) التيسير ص٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والبحر ٢٦٤/٨.
(٤) ٤ / ١٠١.

سُورَةُ الصَّفْ
١١٦
الآية : ١٤
لأنهما لَمَّا اشتركا في نُصْرة الله عزَّ وجلَّ، كان بينهما ملابسةٌ تُصحِّحُ إضافةً
أحدهما للآخر، والإضافةُ في ((أنصار الله)) إضافةُ الفاعل إلى المفعول، والتشبيهُ
باعتبار المعنى؛ إذ المرادُ: قُلْ لهم ذلك كما قال عيسى، وقال أبو حيان: هو على
معنى: قلنا لكم كما قال عيسى(١).
وقال الزمخشريُّ: هو على معنى: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون
أنصار عيسى حين قال لهم: مَنْ أنصاري إلى الله(٢).
وخلاصته على ما قيل: إنَّ ((ما)) مصدرية، وهي مع صلتها ظرفٌ، أي: كونوا
أنصارَ الله وقتَ قولي لكم، ككون الحواريين أنصاره وقتَ قول عيسى، ثم قيل:
كونوا أنصاره كوقت قول عيسى هذه المقالة، وجيء بحديث سؤاله عن الناصر
وجوابهم، فهو نظير ((كاليوم)) في قولهم: كاليومَ رجلٌ، أي: كرجلٍ رأيته اليوم،
فحذف الموصوف مع صفته، واكتفى بالظرف عنهما؛ لدلالته على الفعل الدالِ على
موصوفه، وهذا من توسُّعاتهم في الظروف.
وقد جُعلت الآية من الاحتباك، والأصل: كونوا أنصارَ الله حين قال لكم
النبيُّ وَّهِ: مَنْ أنصاري إلى الله، كما كان الحواريون أنصارَ الله حين قال لهم عيسى
عليه السلام: مَنْ أنصاري إلى الله، فُحذِفَ من كلٌّ منهما ما دلَّ عليه المذكور في
الآخر، وهو لا یخلو عن حسن.
والحواريون: أصفياؤه عليه السلام، والعدول عن ضميرهم إلى الظاهر للاعتناء
بشأنهم، وهم أولُ مَنْ آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً فرَّقهم - على ما في
((البحر))(٣) - عيسى عليه السلام في البلاد، فمنهم من أرسله إلى رُومِيّة، ومنهم من
أرسله إلى بابل، ومنهم من أرسله إلى أفريقية، ومنهم من أرسله إلى أُفس، ومنهم
من أرسله إلى بيت المقدس، ومنهم من أرسله إلى الحجاز، ومنهم من أرسله إلى
(١) البحر المحيط ٢٦٤/٨.
(٢) الكشاف ٤ / ١٠١.
(٣) البحر المحيط ٢٦٤/٨.

الآية : ١٤
١١٧
سُوَدَّةُ الضَّفْ
أرض البربر وما حولها، وتعيينُ المرسَلِ إلى كلِّ فيه(١)، ولستُ على ثقةٍ من صحة
ذلك، ولا من ضبط أسمائهم، وقد ذكرها السيوطيُّ أيضاً في ((الإتقان))(٢) فليلتمس
ضبطُ ذلك من مظانِّه.
واشتقاق الحواريين من الحَوَر: وهو البياض، وسُمُّوا بذلك لأنهم كانوا
قصَّارين، وقيل: للبسهم البياض، وقيل: لنقاء ظاهرهم وباطنهم، وزعم بعضُهم أنَّ
ما قيل من أنهم كانوا قصَّارين إشارةٌ إلى أنهم كانوا يُطهِّرون نفوسَ الناس بإفادتهم
الدين والعلم، وما قيل: من أنهم كانوا صيَّادين إشارةٌ إلى أنهم كانوا يصطادون
نفوسَ الناس من الحيرة ويقودونهم إلى الحقِّ.
وقيل: الحواريون: المجاهدون، وفي الحديث: ((لكلِّ نبيِّ حَوَاريٌّ، وحَواريَّ
الزبير))(٣)، وفُسِّر بالخاصة من الأصحاب والناصر، وقال الأزهريُّ: الذي أُخْلِصَ
ونُقِيَ من كلِّ عيب(٤).
وعن قتادة إطلاقُ الحواريِّ على غيره ◌َظُبه أيضاً، فقد قال: إنَّ الحواريين كلُّهم
من قريش: أبو بكر، وعمر، وعليٍّ، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة بن الجراح،
وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن
عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين(٥).
﴿فَمَنَت ◌َظَائِفَةٌ مِنُ بَنِي إِسْرَِّيلَ﴾ أي: بعيسى عليه السلام ﴿وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ﴾ أخرى
﴿فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ﴾، وهم الذين كفروا ﴿فَأَضْبَحُواْ ظَكِنَ ﴾﴾ فصاروا غالبين؛
قال زيد بن علي وقتادة: بالحُجَّة والبرهان، وقيل: إنَّ عيسى عليه السلام حين رُفع
إلى السماء، قالت طائفةٌ من قومه: إنه الله سبحانه، وقالت أخرى: إنه
(١) أي في البحر المحيط ٢٦٤/٨.
(٢) ١١٠٤/٢.
(٣) أخرجه أحمد (١٤٢٩٧)، والبخاري (٧٢٦١)، ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر ظـ
وأخرجه أحمد (٦٨٠) من حديث علي به، و(١٦١١٣) من حديث عبد الله بن الزبير
(٤) تهذيب اللغة ٢٢٩/٥.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٩٠/٢، والطبري ٦٢١/٢٢.

الآية : ١٤
١١٨
سُورَةُ الضَّفْ
ابن الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً - رفعه الله عزَّ وجلَّ إليه، وقالت طائفة: إنه
عبدُ الله ورسوله، فاقتتلوا، فظهرتِ الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة، حتى
بُعث النبيُّ ټ فظهرت المؤمنةُ علی الکافرتين، وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل:
اقتتلَ المؤمنون والكفرةُ بعد رَفْعه عليه السلام، فظهر المؤمنون على الكفرة
بالسيف، والمشهورُ أنَّ القتالَ ليس من شريعته عليه السلام.
وقيل: المراد: فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيلَ بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام،
وكفرتْ أخرى به ◌َّله، فأيَّدنا المؤمنين على الكفرة فصاروا غالبين. وهو خلافُ
الظاهر، والله تعالى أعلم.

سُورَةُ الجُرَةِ
مدنيّةٌ كما روي عن ابن عباس وابن الزبير والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة،
وإليه ذهب الجمهور، وقال ابن يسار: هي مكِّيَّةٌ، وحكي ذلك عن ابن عباس
ومجاهد، والأول هو الصحيح؛ لما في ((صحيح البخاري)) (١) وغيره عن أبي هريرة
قال: كنَّا جلوساً عند النبيِّ وَّر حين أنزلت سورة الجمعة .. الحديث، وسيأتي قريباً
إن شاء الله تعالى، وإسلامه رَُّه بعد الهجرة بمدَّةٍ بالاتفاق، ولأنَّ أمرَ الانفضاض
الذي تضمَّنه آخرُ السورة، وكذا أمرُ اليهود المشار إليه بقوله سبحانه: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا
الَّذِينَ هَادُوَاْ إِن زَعَمْتُمْ﴾ إلخ لم يكن إلا بالمدينة.
وآيها إحدى عشرةَ آيَةً بلا خلاف، ووجهُ اتصالها بما قبلها، أنه تعالى لمّا ذكر
فيما قَبلُ حالَ موسى عليه السلام مع قومه وأذاهم له ناعياً عليهم ذلك، ذَكَرَ في هذه
السورة حالَ الرسول وَهُ وفَضْلَ أمته تشريفاً لهم؛ ليُنْظَرِ فَضْلُ ما بين الأمَّتين، ولذا
تعرَّضَ فيها لذكر اليهود. وأيضاً لما حكى هناك قول عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًّا
بِرَسُولٍ بِأَنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَعْدٌ﴾ [الصف: ٦] قال سبحانه هنا: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّتِئِنَ
رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أنه الذي بشَّر به عيسى. وأيضاً لما ختم تلك السورة بالأمر
بالجهاد وسمَّاه تجارة، ختم هذه بالأمر بالجمعة، وأخبر أنَّ ذلك خيرٌ من التجارة
الدنيوية. وأيضاً في كلتا السورتين إشارةٌ إلى اصطفافٍ في عبادة، أما الأولى
فظاهرٌ، وأما في هذه، فلأنَّ فيها الأمر بالجمعة، وهي يشترط فيها الجماعة التي
تستلزمُ الاصطفافَ، إلى غير ذلك.
وقد كان ◌َل ـ ـ كما أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن
(١) برقم (٤٨٩٧)، وهو عند أحمد (٩٤٠٦)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١).

سُوَّةُ الجَةِ
١٢٠
الآية : ١ - ٢
عباس - يقرأ في الجمعة بسورتها، و: ﴿إِذَا جَءَكَ الْمُتَفِقُونَ﴾(١).
وأخرج ابن حبان والبيهقيُّ في ((سننه))(٢) عن جابر بن سَمُرة أنه قال: كان
رسول الله وَّه يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ﴿قُلّ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وكان يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة ليلةَ الجمعة سورة الجمعة
والمنافقون. وفي ذلك دلالةٌ على مزيد شَرَفِ هذه السورة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ تسبيحاً متجدِّداً على سبيل الاستمرار
﴿اَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ صفاتٌ للاسم الجليل، وقد تقدَّم معناها، وقرأ
أبو وائل ومسلمة بن محارب ورؤية وأبو الدينار الأعرابي(٣) برفعها على المدح،
وحسَّن ذلك الفصلُ الذي فيه نوعُ طول بين الصفة والموصوف، وجاء كذلك عن
يعقوب، وقرأ أبو الدينار، وزيد بن عليٍّ: ((القَدُّوس)) بفتح القاف(٤).
﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِّئِنَ﴾ يعني سبحانه العربَ؛ لأنَّ أكثرهم لا يكتبون
ولا يقرؤون.
وقد أخرج البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيُّ عن ابن عمر(٥) عن
النبيِّ وَّهِ قال: ((إنَّا أُمَّةٌ أمِّيَّةٌ، لا نكتبُ ولا نحسب)» وأُريد بذلك أنهم على أصل
ولادة أُمِّهم لم يتعلَّموا الكتابةَ والحساب، فهم على جِلَّتهم الأولى، فالأُمِّيُّ نسبة
(١) مسلم (٨٧٩)، وأبو داود (١٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (١٧٤٨) من حديث ابن
عباس ﴿ًا. وأخرجه ابن ماجه (١١١٨) من حديث أبي هريرة څته.
(٢) ابن حبان (١٨٤١)، والبيهقي ٢٠١/٣.
(٣) في الأصل و(م): والأعرابي، والمثبت من القراءات الشاذة ص١٥٦، والبحر المحيط
٢٦٦/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٦/٥، والبحر المحيط ٢٦٦/٨.
(٥) البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي في المجتبى ١٤٠/٤،
والكبرى (٢٤٦١).