Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ١
٦١
سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
سُوَرَّةُ المُتَحِنَّةِ
قال ابن حجر: المشهور في هذه التسمية أنها بفتح الحاء، وقد تكسر؛ فعلى
الأول هي صفةُ المرأة التي أُنزلت بسببها، وعلى الثاني صفةُ السورة، كما قيل لبراءة:
الفاضحة(١). وفي ((جمال القراء)) (٢): تسمَّى أيضاً سورةَ الامتحان، وسورةَ الموذَّة.
: القول بمدنيَّتها، وذكر بعضُهم أنَّ أوَّلها نزلَ
وأطلق ابن عباس وابن الزبير .
يوم فتح مكة، فكونُها مدنيةً إما من باب التغليب، أو مبنيٌّ على أنَّ المدنيَّ ما نزل
بعد الهجرة. وهي ثلاث عشرة آية بالاتفاق.
ومناسبتها لما قبلها أنه ذُكِرَ فيها قبلُ موالاةُ الذين نافقوا للذين كفروا من أهل
الكتاب، وذُكِرَ في هذه نهيُ المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياءً؛ لئلا يُشابهوا
المنافقين، وبُسِطَ الكلامُ فيه أتمَّ بَسْط.
وقيل في ذلك أيضاً: إنَّ فيما قبل ذِكْرُ المعاهَدين من أهل الكتاب، وفي هذه
ذِكْرُ المعاهدين من المشركين؛ لأنَّ فيها ما نزل في صلح الحديبية. ولشدَّةِ اتصالها
بالسورة قبلها فُصل بها بينها وبين الصف، مع تواخيهما في الافتتاح بـ (سبّح)).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَّةَ﴾ نزلت في حاطب بن عمرو
أبي بلتعة، وهو مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى؛ أخرج
(١) فتح الباري ٨/ ٦٣٣.
(٢) ٨٦٧/٢.

سُورَةُ المُتَحْنَّةِ
٦١
الآية : ١
الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وجماعة
عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: بعثني رسول الله وَّل أنا والزُّبير والمِقْداد
فقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضةً خاخ(١)، فإنَّ بها ظَعينة(٢) معها كتاب، فخذوه
منها فَأُتوني به)) فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالتّعينة فقلنا: أَخرجي
الكتاب، قالت: ما معي من كتاب. قلنا: لَتُخرِجنَّ الكتابَ أو لَتُلقيَنَّ الثياب.
فأخرجته من عِقاصها(٣)، فأتينا به النبيَّ وَّر فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى
أناسٍ من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أَمْر النبيِّ وَّه، فقال النبيُّ عليه الصلاة
والسلام: ((ما هذا يا حاطب))؟! قال: لا تعجلْ عليَّ يا رسول الله، إني كنتُ امرأً
مُلْصَقاً في قريشٍ، ولم أكنْ من أَنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين لهم
قراباتٌ يَحمونَ بها أهلهم وأموالهم بمكة، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النَّسَب
فيهم، أن أَصطنعَ إليهم يداً يَحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كُفْراً ولا ارتداداً
عن ديني، فقال عمر رَظ ◌ُه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال عليه الصلاة
والسلام: ((إنه شَهِدَ بدراً، وما يُدريك لعلَّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا
ما شئتم فقد غفرتُ لكم)) فنزلت: ﴿بَأََّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ
أولياء﴾ إلخ(٤).
وفي رواية ابن مردويه عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام بعث عمرَ وعليًّا
في أَثر تلك المرأة، فلحقاها في الطريق، فلم يقدرا على شيءٍ معها،
فأقبلا راجعَين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كَذَّبنا ولا كَذَبنا، ارجع بنا إليها،
فرجعا فسلّا سيفيهما وقالا: والله لنُذيقَّكِ الموتَ أو لتدفعنَّ الكتابَ. فأنكرت ثم
قالت: أَدفعه إليكما على أن لا تردَّاني إلى رسول الله وَّر. فقبلا ذلك، فأخرجته
(١) جاء في هامش الأصل: بخاءين معجمتين مكان بين مكة والمدينة، يجوز صرفه وعدمه.
(٢) جاء في هامش الأصل: الظعينة بالظاء المعجمة المشالة والعين المهملة: المرأة ما دامت
في هودجها، وتطلق على المرأة مطلقاً.
(٣) جاء في هامش الأصل: من المعقوص وهو نحو من المضفور.
(٤) أحمد (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي
(٣٣٠٥)، والنسائي في الكبرى (١١٥٢١)، وابن حبان (٦٤٩٩).

الآية : ١
٦٣
سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
لهما من قرونِ رأسها، وفيه - على ما في ((الدر المنثور)) (١) - أنَّ المرأةَ تُدعى أمَّ
سارة، كانت مولاةً لقريش(٢).
وفي ((الكشاف))(٣): يقال لها: سارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم.
وفي صحة خبر أنس تردّدٌ، وما تضمَّنه من رجوع الإمامين رؤيتها بعيد.
وقيل: إنَّ المبعوثين في أثرها عمر وعليٍّ وطلحةُ والزبيرُ وعمارٌ والمقدادُ
وأبو مرئد، وكانوا فرساناً. والمعوَّل عليه ما قدَّمنا، والذين كانوا له في مكة بَنُوهُ وإخوته
على ما روي عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب المذكور، وفي روايةٍ
لأحمدَ(٤) عن جابر أنَّ حاطباً قال: كانت والدتي معهم. فيحتمل أنها مع بَنِيْه وإخوته.
وصورة الكتاب - على ما في بعض الروايات -: إنَّ رسولَ الله وَّرَ توجَّهَ إليكم
بجيشٍ كالليل يسيرُ كالسيل، وأَقسمَ بالله لو سارَ إليكم وَحْدَهُ لنصرهُ الله عليكم، فإنه
منجزٌ له ما وَعَدَهُ.
وفي الخبر السابق - على ما قيل - دليلٌ على جواز قتل الجاسوس لتعليله وَّل
المنعَ عن قتله بشهوده بدراً، وفيه بحثٌ.
وفي التعبير عن المشركين بالعدوِّ مع الإضافة إلى ضميره عزَّ وجلَّ تغليظٌ لأمرٍ
اتّخاذهم أولياء، وإشارةٌ إلى حلول عقاب الله تعالى بهم، وفيه رمزٌ إلى معنى قوله:
إذا صافى صديقُكَ مَنْ تعادي فقد عاداك وانقطعَ الكلامُ(٥)
والعدوُّ فَعُولٌ مِن عَدَا، كَعَفُؤٍّ من عَفَا، ولكونه على زِنَةِ المصدر أُوقِعَ على
الجمع إيقاعَه على الواحد، ونُصِبَ ((أولياء)) على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((تتخذوا)).
(١): ٢٠٤/٦، والخبر أخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٦٥٧٧)، والبيهقي في دلائل النبوة
٦٠/٥-٦١. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٧/٦-١٦٨: فيه الحكم به عبد الملك،
وهو ضعيف.
(٢) جاء في هامش الأصل: وقيل مولاة بني المطلب.
(٣) ٨٨/٤.
(٤) برقم (١٤٧٧٤).
(٥) البيت في غرر الخصائص الواضحة ص٤٣٢، وسلف ١٠٦/٤ و٧٤/٨.

سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
٦٤
الآية : ١
وقوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ﴾ تفسيرٌ للموالاة أو لاتخاذها، أو استئنافٌ،
فلا محلَّ لها من الإعراب، والباءُ زائدةٌ في المفعول كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَُّلْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وإلقاءُ المودَّةِ مجازٌ عن إظهارها، وتفسيرُه
بالإيصال، أي: تُوصلون إليهم المودةَ، لا يقطعُ التجوُّزَ.
وقيل: الباء للتعدية؛ لكون المعنى: تُفضون إليهم بالمودّة، و: أفضى،
يتعدَّى بالباء كما في ((الأساس))(١). وقيل: هي للسببية، والإلقاءُ مجازٌ عن
الإرسال، أي: ترسلون إليهم أخبارَ النبيِّ وَل بسبب المودّة التي بينكم. وعن
البصريين أنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بالمصدر الدالٌ عليه الفعل، وفيه حَذْفُ المصدر مع بقاء
معموله.
وجُوِّزَ كونُ الجملة حالاً من فاعل ((لا تتخذوا))، أو صفةً لـ ((أولياء))، ولم يقلْ:
تلقون إليهم أنتم، بناءً على أنه لا يجبُ مثلُ هذا الضمير مع الصفة الجارية على
غير مَنْ هي له، أو الحال، أو الخبر، أو الصلة، سواءٌ في ذلك الاسمُ والفعلُ
كما في ((شرح التسهيل)) لابن مالك إذا لم يحصلْ إلباسٌ نحو: زيدٌ هندٌ ضاربها أو
يضربها، بخلاف: زيد عمرو ضاربه أو يضربه، فإنه يجبُ معه ((هو) لمكان
الإلباس.
وزعم بعضُهم أنَّ الإبرازَ في الصفات الجارية على غير مَنْ هي له إنما يُشترط
في الاسم دون الفعل كما هنا، ومنع ذلك.
وتُعقِّبَ الوجهان بأنهما يُوهِمان أنه تجوزُ الموالاةُ عند عدم الإلقاء، فيحتاج إلى
القول بأنه لا اعتبار للمفهوم للنهي عن الموالاة مطلقاً في غير هذه الآية، أو يقال:
إنَّ الحالَ والصفةَ لازمةٌ، ولذا كانت الجملةُ مفسِّرة.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ حالٌ من فاعل ((لا تتخذوا)) وهي
حالٌ مترادفةٌ إن كانت جملةُ ((تلقون)) حاليةً أيضاً، أو من فاعل ((تلقون)) وهي
متداخلةٌ على تقدير حاليّتها، وجُوِّزَ كونهُ حالاً من المفعول وكونه مستأنفاً .
(١) مادة (فضو).

الآية : ١
٦٥
سُوَّةُ المُتَخْنَةِ
وقرأ الجَحْدريُّ والمعلَّى عن عاصم: ((لِمَا)) باللام(١)، أي: لأجل ما جاءكم،
بمعنى جعل ما هو سبب للإيمان سبب الكفر.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: من مكة ﴿أَن تُؤْمِنُواْ بَِلَِّ رَيَّكُمْ﴾ أي: لإيمانكم، أو
كراهةَ إِيمانكم، أو بسبب إيمانكم (٢) بالله عزَّ وجلَّ، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((يخرجون)).
والجملةُ قيل: حالٌ من فاعل ((كفروا))، أو استئنافٌ كالتفسير لكُفْرهم كأنه قيل:
كيف كفروا؟ وأُجيب بأنهم كفروا أشدَّ الكفر بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام
والمؤمنين؛ لإيمانهم خاصة، لا لغرض آخر، وهذا أرجحُ من الوجه الأول لطباقه
للمقام وكثرة فوائده. والمضارع لاستحضار الحال الماضية لما فيها من مزيد
الشناعة، والاستمرارُ غيرُ مناسبٍ للمعنى، وفي ((تؤمنوا)) قيل: تغليبٌ للمؤمنين.
والالتفاتُ عن ضمير المتكلِّم بأن يقال: بي، إلى ما في النظم الجليل؛
للإشعار بما يُوجب الإيمانَ من الألوهية والربوبية.
﴿إِن كُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِ وَآبِغَةَ مَرْضَائٍِ﴾ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ((لا تتخذوا)) إلخ،
كأنه قيل: لا تتولّوا أعدائي إن كنتم أوليائي، فجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه
ما تقدم. وجعله الزمخشريُّ حالاً من فاعل ((لا تتخذوا))(٣)، ولم يُقدِّرْ له جواباً،
أي: لا تتخذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياءً، والحالُ أنكم خرجتمْ لأجل الجهاد وطَلَبٍ
مرضاتي. واعتُرض بأنَّ الشرطَ لا يقعُ حالاً بدون جوابٍ في غير ((إنْ)) الوصلية،
ولا بدَّ فيها من الواو، وأنْ تَرِدَ حيث يكون ضدّ المذکور أولی کـ : أَحْسِنْ إلی زیدٍ
وإن أساءً إليك. وما هنا ليس كذلك.
وأجيب بأنَّ ابنَ جِنِّي جوَّزه، وارتضاه جارُ الله هنا؛ لأنَّ البلاغةَ وسَوْقَ الكلام
يقتضيانه، فيقال لمن تحقَّقتْ صداقته من غير قَصْدٍ للتعليق والشَّكِّ: لا تخذلني إن
كنتَ صديقي؛ تهييجاً للحَمِيَّة، وفيه من الحُسْنِ ما فيه، فلا يضرُّ إذا خالفَ
(١) الكشاف ٨٩/٤، والبحر ٢٥٣/٨.
(٢) قوله: أو بسبب إيمانكم. ليس في (م).
(٣) الكشاف ٨٩/٤.

سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
٦٦
الآية : ١
المشهور. ونَصْبُ المصدرين على ما أشرنا إليه على التعليل، وجُوِّز كونهما حالين،
أي: مجاهدین ومبتغین.
والمراد بالخروج إما الخروج للغزو، وإما الهجرة، فالخطابُ للمهاجرين
خاصة؛ لأنَّ القصةَ صدرتْ منهم كما سمعتَ في سبب النزول.
وقوله تعالى: ﴿شِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَرَّةِ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنهم لَمَّا استشعروا
العتابَ مما تقدَّم، سألوا: ما صَدَرَ عنَّا حتى عوتبنا؟ فقيل: ((تُسرُّون)) إلخ، وجُوِّزَ
أن يكونَ بدلاً من «تلقون)» بدلَ كلٍّ من كلٍّ إن أُريد بالإلقاء الإلقاء خفية، أو بدلَ
بعضٍ إن أُريد الأعمّ؛ لأنَّ منه السِّرُّ والجهر.
وقال أبو حيان: هو شبيهٌ ببدل الاشتمال(١). وجوَّزَ ابنُ عطيةً كونه خبر مبتدأ
محذوف، أي: أنتم تُسرُّون(٢)، والكلامُ استئنافٌ للإنكار عليهم، وأنت تعلمُ أنَّ
الاستئنافَ لذلك حَسَنٌ لكنه لا يحتاجُ إلى حَذْف.
والكلامُ في الباء هنا - على ما يقتضيه ظاهرُ كلامهم - كالباء فيما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئْتُمْ﴾ في موضع الحال، و((أعلم))
أَفعل تفضيل، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، أي: منكم. وأجاز ابنُ عطيةً(٣) كونه
مضارعاً، والعِلْمُ قد يتعدَّى بالباء، أو هي زائدة. و((ما)) موصولةٌ أو مصدريةٌ.
وذِكْرُ (ما أعلنتم)) مع الاستغناء عنه؛ للإشارة إلى تساوي العِلْمين في عِلْمه عزَّ
وجلَّ، ولذا قُدِّمَ ((ما أخفيتم))، وفي هذه الحال إشارةٌ إلى أنه لا طائلَ لهم في إسرار
المودّة إليهم، كأنه قيل: تُسرُّون إليهم بالمودة والحال أني أعلمُ ما أخفيتم
وما أعلنتم، ومُطْلِعٌ رسولي على ما تُسرُّون، فأيُّ فائدةٍ وجدوى لكم في الإسرار؟!
﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾ أي: الإسرار. وقال ابن عطية وجمعٌ: أي: الاتخاذ(٤). ﴿مِنَكُمْ
﴾﴾ أي: الطريق المستوي والصراط الحقَّ، فإضافة ((سواء))
فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ
(١) البحر المحيط ٢٥٣/٨.
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٤/٥.
(٣) في المحرر الوجيز ٢٩٤/٥ .
(٤) المصدر السابق.

الآية : ٢
٦٧
سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
من إضافة الصفة إلى الموصوف، ونَصْبُهُ على المفعول به لـ ((ضَلَّ)) وهو يتعدَّى
كأضل. وقيل: لا يتعدَّى؛ و((سواء)» ظرفٌ كقوله:
كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ(١)
﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ﴾ أي: إن يظفروا بكم، وأصلُ الثَّقْف: الحِذْقُ في إدراك الشيء
وفعله، ومنه: رجلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، وتُجوِّزَ به عن الَّفَر والإدراك مطلقاً. ﴿يَكُونُواْ لَكُمْ
أَعْدَاءُ﴾ أي: عداوةٌ يترتَّبُ عليها ضررٌ بالفعل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ
أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُمْ بِالسُّوَّةِ﴾ أي: بما يسوؤكم من القتل والأسر والشَّتْم، فكأنه عَظْفٌ
تفسيريٌّ، فوقوع ((يكونوا)) إلخ جواب الشرط بالاعتبار الذي أشرنا إليه، وإلا فكونهم
أعداء للمخاطبين أمرٌ متحقّقٌ قبل الشرطِ، بدليل ما في صَدْر السورة، ومثله قولُ
بعضهم: أي: يُظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويرتِّبوا عليها أحكامها.
وقيل: المراد بذلك لازمُ العداوة وثمرتها، وهو ظهورُ عدم نفع التودُّد، فكأنه
قيل: إن يثقفوكم يظهر لكم عدمُ نفع إلقاء المودَّة إليهم والتوُّدِ لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ (ج) عَظْفٌ على الجواب، وهو مستقبَلٌ معنّى
كما هو شأن الجواب، ويُؤوَّلُ كما أُوِّلَ سابقه بأن يقال - على ما في ((الكشف)) - المراد:
ودادة يترتَّبُ عليها القُدرة على الرَّدِّ إلى الكفر، أو يقال - على ما قال البعض - المرادُ:
إظهار الودادة وإجراء ما تقتضيه، والتعبير بالماضي وإن كان المعنى على الاستقبال؛
للإشعار بأنَّ ودادتهم كُفْرَهم قبل كلِّ شيء، وأنها حاصلةٌ وإن لم يثقفوهم.
وتحقيقُ ذلك أنَّ الودادةَ سابقةٌ بالنوع متأخرّةٌ باعتبار بعض الأفراد، فعُبِّرَ
بالماضي نظراً للأول، وجُعلت جواباً متأخِّراً نظراً للثاني.
وآثر الخطيب الدمشقي(٢) العطف على مجموع الجملة الشرطية كقوله تعالى:
(١) عجز بيت لساعدة بن جُويَّة الهذلي، وهو في الكامل ١/ ٤٧٤، والخزانة ٨٣/٣، وصدره:
لَذْنٌ بِهَزِّ الكف يعِلُ متنُهُ
(٢) يعني القزويني في كتابه الإيضاح ص٩٤-٩٥ (علم المعاني)، وقد عُرف بخطيب دمشق
كما في كشف الظنون ٢/ ١٧٦٤ .

سُورَةُ المُتَحْنَةِ
٦٨
الآية : ٢
﴿ِثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] في السورة قبل(١)، و: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ يَسْتَفْخِرُونَ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] عند جمع، قال: لأنَّ ودادتهم أن يرتدُّوا كفاراً
حاصلةٌ وإن لم يظفروا بهم، فلا يكونُ في التقييد بالشرط فائدة. وإلى ذلك ذهب
أبو حيان(٢)، وجوابه يُعلم مما ذكرنا.
وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ ودادةَ كُفْرهم بعد الظفر لمَّا كانت غيرَ ظاهرة؛ لأنهم
حينئذٍ سَبْيٌّ وخَدَمٌ لا يُعتدُّ بهم، فيجوز أن لا يتمنَّى كفرهم، فيحتاج إلى الإخبار
عنه، بخلاف الودادة قبل الظفر، فيكون للتقييد فائدة؛ لأنها ودادةٌ أخرى متأخّرةٌ.
وقال بعض الأفاضل: إنَّ المعطوفَ على الجزاء في كلام العرب على أنحاء:
الأولُ: أن يكونَ كلٌّ منهما جزاءً وعلةً نحو: إن تأتني آتك وأُعْطِكَ. الثاني: أن
يكون الجزاءُ أحدَهما، وإنما ذُكر الآخرُ لشدَّةِ ارتباطه به؛ لكونه مسبباً له مثلاً،
نحو: إذا جاء الأميرُ استأذنتُ وخرجتُ لاستقباله، ونحو: حبستُ غريمي لأستوفي
حَقِّي وأُخلِّيه. الثالث: أن يكونَ المقصودُ جَمْعَ أمرين، وحينئذٍ لا ينافي تقدُّمُ
أحدهما(٣)، كـ : خرجت مع الحجاج لأرافقهم في الذهاب، ولا أرافقهم في
الإياب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْعَا فُِّيْنَا (ج لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا
تَأْخَّرَ﴾ الآية [الفتح: ١-٢].
وما في النظم الجليل هنا قيل: محتملٌ للأول لاستقبال الودادة من بعض
الاعتبارات كما تقدم، وعبّر بالماضي اعتباراً للتقدُّم الرُّتَبيِّ من حيث إنَّ الرَّدَّ عند
الكَفَرة أشقُّ المضارِّ لعلمهم أنَّ الدينَ أعزُّ على المؤمنين من أرواحهم؛ لأنهم
باذلون لها دونه، وأهمّ شيءٍ عند العدو أن يقصد أهمَّ شيءٍ عند صاحبه؛ ومحتملٌ
للثالث بأن يكونَ المرادُ المجموع بتأويل: يريدون لكم مضارَّ الدنيا والآخرة، قيل:
وللثاني أيضاً؛ بأن يكونَ الجزاءُ هو ((يبسطوا)) وذُكرت عداوتهم وودادتهم الرََّّ لشِدَّةِ
الارتباط لما هناك من السببية والمسببية، وهو كما ترى. وجَعَل الطيبيُّ المجموعَ
(١) الذي في الإيضاح قوله تعالى: ﴿وَإِن يُقَدْتِلُوكُمْ يُوْلُوَكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١].
(٢) في البحر ٢٥٣/٨.
(٣) بعدها في (م): نحو.

الآية : ٣
٦٩
سُورَة المُتَحِنَّةِ
مجازاً من إطلاق السبب وإرادة المسبّب، وهو مضارُّ الدارين، وذكر أنَّ الجوابَ
في الحقيقة مقدَّرٌ، أي: يريدوا لكم مضارَّ الدنيا والدين، وما ذُكر دليلُه أُقيم مقامه.
وقيل: عبّر في الودادة بالماضي لتحقُّقها عند المؤمنين أتمّ من تحقّقِ ما قبلها،
وحُمل عليه كلامٌ لصاحب ((المفتاح))(١).
وعن بعضهم أنَّ الواوَ واوُ الحال، لا واوُ العطف، والجملةُ في موضع الحال
بتقدير ((قد)) أو بدونه. ولا يخفى أنَّ العطفَ هو المتبادر، وكونه على الجزاء أبعدُ
مغزّى، وإخراجُ الشرط والجزاء على نحو ذلك أكثرُ من أن يُحصى.
﴿لَنْ تَنْفَعَّكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ دَفْعٌ لما عسى أن يتخيَّلوا كونه عُذْراً نافعاً، من أنَّ الداعي
للاتخاذ وإلقاء المودّة صيانةُ الأرحام والأولاد من أذى أولئك.
والرَّحِمُ في الأصل: رَحِمُ المرأة، واشتَهر في القرابة حتى صارَ كالحقيقة فيها،
فإما أن يُرادَ به ذلك، أو يُجعل مجازاً عن القريب، أو يُعتبرَ معه مضاف، أي: ذوو
أرحامكم، ويؤيِّد التأويلَ عَظْفُ قوله تعالى: ﴿وَلَا أَوَُّكُمْ﴾ أي: لن ينفعكم قراباتكم
أو أقاربكم، ولا أولادكم الذين تُوالون المشركينَ لأجلهم، وتتقرَّبون إليهم محاماةً
عليهم ﴿يَوْمَ الْقِيَةِ﴾ بدفع ضُرٍّ أو جَلْبٍ نَفْعِ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان عدم نفع
الأرحام والأولاد يومئذٍ، أي: يُفرِّقُ الله تعالى بينكم بما يكونُ من الهول الموجب
الفرار كلِّ منكم من الآخر حسبما نَطَقَ به قوله تعالى: ﴿يَوَمَ يَغُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ﴾ الآية
[عبس: ٣٤] فلا ينبغي أن يُرفَضَ حَقُّ الله تعالى وتُوالَى أعداؤه سبحانه لمن هذا
شأنه. وما أشرنا إليه من تعلَّقِ ((يوم القيامة)) بالفعل قبله هو الظاهر، وجُوِّزَ تعلُّقهُ
بـ ((يفصل)) بعده.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ وثاب: ((يُفضِّلُ)) بضم الياء وتشديد الصاد مبنيًّا
للفاعل(٢)، وقرأ أبو حيوة وابنُ أبي عبلة كذلك، إلا أنهما خفَّفا(٣)، وطلحةُ
(١) ينظر مفتاح العلوم للسكاكي ص ٢٤٠ وحاشية الشهاب ١٨٦/٨.
(٢) التيسير ص ٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والبحر المحيط ٢٥٤/٨.
(٣) الكشاف ٤/ ٩٠، والمحرر الوجيز ٢٩٥/٥.

الآية : ٤
٧٠
سُورَةُ الْمُتَخْنَّةِ
والنخعيُّ: ((نُفَصِّلُ)) بالنون مضمومة والتشديد والبناء للفاعل(١)، وهما أيضاً وزيد بن
علي بالنون مفتوحةً مخفَّفاً مبنيًّا للفاعل(٢)، وأبو حيوةً أيضاً بالنون مضمومة(٣).
وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر: (يُفَصَّلُ)) بالياء والتشديد والبناء للمفعول(٤)،
وجمهور القراء كذلك إلا أنهم خفَّفوا(٥)، ونائبُ الفاعل إما ((بينكم)) وهو مبنيٌّ على
الفتح لإضافته إلى متوغِّلٍ في البناء كما قيل، وإما ضمير المصدر المفهوم من
الفاعل، أي: يفصل هو، أي: الفصل.
فيجازيكم به .
﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُنْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىّ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ تأكيدٌ لأمر الإنكار عليهم
والتخطئة في موالاة الكفار بقصة إبراهيم عليه السلام ومن معه؛ ليُعلَمَ أنَّ الحبَّ
في الله والبغضَ فيه سبحانه من أوثق عُرَى الإيمان، فلا ينبغي أن يُغْفَلَ عنهما.
و («الأُسوةُ)) بضمِّ الهمزة وكسرها، وهما لغتان، وبالكسر قرأ جميعُ القراء
إلا عاصماً (٦)، وهي بمعنى الائتساء والاقتداء، وتطلقُ على الخصلة التي من حَقٌّها
أن يؤتَسَى ويُقتدى بها، وعلى نفس الشخص المؤتسى به، فـ : في زيد أُسوةٌ، من
باب التجرید نحو:
وللضعفاء في الرحمن كاف(٧)
و: في البيضة عشرونَ مَنَّا حديد(٨)، وكلٌّ من ذلك قيل محتملٌ في الآية،
ورُجِّحَ إرادةُ الخصلة لأنَّ الاستثناءَ الآتي عليها أظهر، و((لكم)) للبيان متعلِّقٌ
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحرر الوجيز ٢٩٥/٥.
(٢) الكشاف ٩٠/٤، والمحرر الوجيز ٢٩٥/٥، والبحر ٢٥٤/٨.
(٣) أي: نُفْصِلُ. الكشاف ٩٠/٤، والبحر ٢٥٤/٨.
(٤) التيسير ص ٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والبحر ٢٥٤/٨.
(٥) أي: ((يُفْصَل)) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر.
(٦) التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٨/٢.
(٧) سلف ٤٠١/٤ برواية: وفي الرحمن للضعفاء كافٍ.
(٨) البيضة: الخوذة. والمنُّ: معيار قديم قدره رطلان. المعجم الوسيط (بيض) و(منن).

الآية : ٤
٧١
سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
بمحذوفٍ كما في: سُقياً لك، أو هو متعلِّقٌ بـ ((كان)) على رأي مَنْ يُجوِّزُ تعلُّقَ
الظرف بها، و((أسوة)) اسمها و((حَسَنة)) صفته، و((في إبراهيم)) خبرها، أو (لكم)) هو
الخبر، و((في إبراهيم)) صفةٌ بعد صفةٍ لـ ((أسوة))، أو خبرٌ بعد خبر لـ ((كان))، أو حالٌ
من المستكنِّ في ((لكم)) على ما قيل، أو في ((حسنة)) ولم يُجوَّزْ كونه صلةَ ((أسوة)) بناءً
على أنها مصدرٌ، أو اسمه، وهو إذا وُصِفَ لا يعملُ مطلقاً لضَعْفٍ شبهه بالفعل،
قيل: وإذا قلنا: إنها ليست مصدراً ولا اسمه، أو قلنا: إنه يغتفر عمله - وإن وُصِفَ
قبل العمل - في الظرف للاتساع فيه، جاز ذلك.
والظاهر أنَّ المراد بـ ((الذين معه)) عليه السلام أتباعه المؤمنون، لكن قال
الطبريُّ(١) وجماعة: المراد بهم الأنبياء الذين كانوا قريباً من عصره عليه وعليهم
الصلاة والسلام؛ لأنه عليه السلام لم يكن معه وقتَ مكافحته قومه وبراءته منهم
أتباعٌ مؤمنون كافحوهم معه وتبرَّؤوا منهم، فقد روي أنه قال لسارة حين رحل إلى
الشام مهاجراً من بلد نمروذ: ((ما على الأرض مَنْ يعبدُ الله تعالى غيري
وغيرك(٢). وأنت تعلمُ أنه لا يلزمُ وجودُ الأتباع المؤمنين في أول وقت المكافحة،
بل اللازمُ وجودُهم ولو بَعْدُ، ولا شكَّ في أنهم وجدوا بعدُ، فليُحمل ((مَنْ معه))
عليهم، ويكون التبرِّي المحكيُّ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوِِّهِمْ إِنَّا بُرَؤْ مِنْكُمْ﴾ إلخ
وقتَ وجودهم، و((إذا قيل: ظرفٌ لخبر ((كان)) والعاملُ الجارُّ والمجرورُ، أو
المتعلَّق، أو لـ ((كان)) نفسها على ما مرَّ، أو بدلٌ من ((أسوة)).
و ((برآء)) جمعُ بَريء كظَرِيف وظُرَفاء. وقرأ الجَحْدريُّ: ((بِرَاء)) كِظِراف جَمْعُ
ظَرِيف أيضاً، وقرأ أبو جعفر: ((بُراء)) بضمِّ الباء(٣)، كتُؤَام وظُؤَار، وهو اسمُ
جمعٍ؛ الواحدُ: بَريء وتَوْأم وظِتْر، وقال الزمخشريُّ: إنَّ ذلك على إبدال الضمِّ
من الكَسْر كرُخال بضمِّ الراء جَمْعُ رِخْلٍ (٤). وتُعقّبَ بأنه ضَمِّ أصليٍّ، والصيغةُ من
(١) ينظر تفسير الطبري ٥٧٠/٢٢.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١).
(٣) القراءتان في القراءات الشاذة ص١٥٥، والبحر ٢٥٤/٨.
(٤) الكشاف ٩١/٤. والرخل: الأنثى من أولاد الضأن. لسان العرب (رخل).

سُوَدَّة المُتَحِنَّةِ
٧٢
الآية : ٤
أوزان أسماء الجموع، وليس ذلك جمعَ تكسير فتكونَ الضمةُ بدلاً من الكسرة؛
ورُويت هذه القراءةُ عن عيسى، قال أبو حاتم: زعموا أنه عيسى الهمداني. وعنه:
(بَرَاء))(١) على فَعال، كالذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ في الزخرف
[الآية: ٢٦]، وهو مصدرٌ على فَعَال يُوصفُ به المفرد وغيره.
وتأكيدُ الجملة لمزيد الاعتناء بشأنها، أو لأنَّ قومهم المشركين مستبعِدُون ذلك
شاُون فيه، حيث يحسبون أنفسَهم على شيءٍ، وكأنهم استشعروا ذلك منهم فقالوا
لهم: ((إنا برآء منكم)).
﴿وَمِنَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الأصنام والكواكب وغيرها ﴿كَفَنَا بِكُ﴾ بيانٌ
لقوله سبحانه: (إِنَّا بُرَءَوْا) إلى آخره، فهو على معنى: كفرنا بكم وبما تعبدون من
دون الله، ويكون المراد بـ (كُم)) القوم ومعبوديهم بتغليب المخاطبين، والكفر بذلك
مجازٌ أو كنايةٌ عن عدم الاعتداد، فكأنه قيل: إنَّا لا نعتدُّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم،
وما أنتم عندنا على شيء.
وفي ((الكشف)) أنَّ الأصلَ: كفرنا بما تعبدون، ثم: كفرنا بكم وبما تعبدون؛
لأنَّ مَنْ كَفَرَ بما أتى به الشخص فقد كفر به، ثم اكتفى بـ ((كفرنا بكم)) لتضمُّنه
الكفرَ بجميع ما أَتوا به وما تلبّسوا به، لاسيما وقد تقدَّمه ((إنَّا برآء)» وفُسِّرَ بـ: إنَّا
لا نعتدُّ .. إلخ تنبيهاً على أنه تهُّمٌّ بهم، فإنَّ ذلك لا يُسمَّى كُفْراً لغةً وعرفاً
وإنما هو اسمٌ يقع على أَدْخَلِ الأشياء في الاستهجان والذَّمِّ. وما ذكرناه أقرب،
وهو معنى ما في ((الكشاف)) دونه، وأما ما قيل: إنَّ في الكلام معطوفاً على الجارٌ
والمجرور محذوفاً، أي: بكم وبما تعبدون، وحُذِفَ اكتفاءً بدلالة السياق، فليس
بشيء.
﴿وَا ◌َيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَاءُ أَبْدًا﴾ أي: هذا دأبنا معكم لا نتركه ﴿حَّ تُؤْمِنُواْ
بِاللَّهِ وَعْدَهُ﴾ وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلبَ العداوةُ ولايةً والبغضاءُ
محبةً، وفسَّر الفيروزآبادي ((البغضاء)) بشِدَّةِ البُغْض ضدّ الحبّ، وأفاد أنَّ العداوةَ
(١) معاني القرآن للفراء ١٥٠/٣، والبحر ٢٥٤/٨.
٠٠٠

الآية : ٤
٧٣
سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
ضدّ الصداقة، وفسَّرَ الصداقةَ بالمحبة (١)، فالعداوةُ والبغضاءُ على هذا متقاربان.
وأفاد الراغبُ أنَّ العداوةَ منافاةُ الالتئام قلباً، وقال: البُغْضُ نِفارُ النفس عن
الشيءِ الذي ترغبُ عنه، وهو ضدّ الحبِّ، ثم قال: يقال: بَغُضَ الشيء بُغْضاً
وبغضة وبغضاء(٢). وهو نحو كلام الفيروزآبادي، والذي يُفهَمُ من كلام غير واحدٍ
أنه كثيراً ما يُعتبرُ في العداوة التخاذل دون البغضاء، فليراجع هذا المطلب.
﴿إِلَّا قَوْلَ إِنَّهِيَمَ لِأَيْهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ استثناء من قوله تعالى: ((أسوة حسنة)) كما قاله
قتادة وجماعة، وهو على تقدير التجريد أو تفسيرِ الأسوة بالاقتداء منقطعٌ بلا ريبٍ،
وأما على تقدير أن يُرادَ بها ما يُؤْتَسى به، فقيل: هو متصلٌ؛ وقيل: منقطعٌ، وإليه
ذهب الأكثر، وتوجيهُ الاستثناء إلى العِدَة بالاستغفار، لا إلى نفس الاستغفار
المحكيِّ عنه عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَأَغْفِر ◌ِأَبِ﴾ الآية [الشعراء: ٨٦] مع أنه
المراد، قيل: لأنها كانت هي الحاملة له عليه السلام عليه، ويُعلم من ذلك استثناءُ
نفس الاستغفار بطريق الأَولى، وجَعَلَها بعضُهم كنايةً عن الاستغفار؛ لأنَّ عِدَةً
الكريم خصوصاً مثل إبراهيم عليه السلام، لاسيَّما إذا أُكِّدتْ بالقَسَم، يلازمها
الإنجازُ، وليس بلازم كما لا يخفى، وكأنَّ هذه العِدَة غيرُ العِدَة السابقة في سورة
مريم في قوله تعالى حكايةً عنه عليه السلام: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾ الآية [مريم: ٤٧]
ولعلها وقعتْ منه عليه السلام بعد تلك تأكيداً لها، وحُكيتْ هاهنا على سبيل
الاستثناء.
وفي ((الإرشاد)»: تخصيصها بالذكر دون ما وقع في سورة مريم؛ لورودها على
طريق التوكيد القَسَمي(٣).
واستثناءُ ذلك من الأسوة الحسنة، قيل: لأنَّ استغفارَهُ عليه السلام لأبيه
الكافر - بمعنى أن يُوفِّقه الله تعالى للتوبة، ويهديه سبحانه للإيمان - وإن كان جائزاً
عقلاً وشرعاً لوقوعه قبل تبيَّنِ أنه من أصحاب الجحيم، وأنه يموتُ على الكفر،
(١) القاموس المحيط (بغض) و(عدا) و(صدق).
(٢) المفردات (عدا) و(بغض). وجاء في مطبوعه: وبَغَضْتُه بغضاء. بدل: وبغضة وبغضاء.
(٣) إرشاد العقل السليم ٢٣٧/٨.

سُوَةُ الْمُتَحِنَّةِ
٧٤
الآية : ٤
كما دلَّ عليه ما في سورة التوبة(١)، لكنه ليس مما ينبغي أن يُؤتَسى به أصلاً؛ إذ
المرادُ به ما يجب الائتساءُ به حَتْماً لورود الوعيد على الإعراض عنه بقوله تعالى
بعد: ﴿وَمَنْ يَوَّلَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ﴾ [الممتحنة: ٦] فاستثناؤه عمَّا سبق إنما يفيدُ
عدمَ وجوب استدعاء الإيمان والمغفرة للكافر المرجوِّ إيمانهُ؛ وذلك مما لا يرتاب
فيه عاقلٌ، وأما عدمُ جوازه فلا دلالة للاستثناء عليه قطعاً، وزعم الإمامُ(٢) - على
ما نُقِلَ عنه - دلالة الآية على ذلك؛ ولا يلزمُ أن يكونَ الاستغفارُ منه عليه السلام
معصية؛ لأنَّ كثيراً من خواصِ الأنبياء عليهم السلام لا يجوزُ التَأسِّي به؛ لأنه أُبِيحَ
لهم خاصة. وهو كما ترى؛ إذ هو ظاهرٌ في أنَّ ذلك الاستغفار الذي وقع منه عليه
السلام لو فُرِضَ واقعاً من غيره، لكان معصية، وليس كذلك، بل هو مباحٌ مِمَّنْ
وقع.
وعن الطيبيِّ ما حاصله: إنَّ إبراهيمَ عليه السلام لَمَّا أجاب قولَ أبيه:
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] بقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾ [مريم: ٤٧] رحمةً
ورأفةً به، ولم يكن عارفاً بإصراره على الكفرِ، وَفَّى بوَعْده، وقال: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِ﴾
[الشعراء: ٨٦] فلمَّا تبيَّنَ إصرارُهُ تركَ الدعاءَ وتبرَّأ منه، فظهر أنَّ استغفارَهُ لم يكن
مُنكَراً وهو في حياته، بخلافٍ ما نحن فيه، فإنه فَصَّل عداوتهم وحِرْصهم على قَطْعِ
أرحامهم بقوله تعالى: (لَن تَنفَعَكُمْ) إلخ، وسلَّاهم عن القطيعة بقصة إبراهيم عليه
السلام، ثم استثنى منها ما ذكر، كأنه قيل: لا تجاملوهم ولا تُبدوا لهم الرأفةً
كما فعل إبراهيم؛ لأنه لم یتبیّن له كما تبيّن لكم. انتهى.
وفيه رمزٌ إلى احتمال أن يكونَ المستثنى نفسَ العِدَة من حيثُ دلالتها على
الرأفة والرحمة، ومآل ذلك استثناءُ الرأفة والرحمة.
وعلَّلَ بعضُ الأَجِلَّة عدمَ كون استغفاره عليه السلام لأبيه الكافر مما لا ينبغي
أن يُؤْتَسى به، بأنه كان قبل النهي أو لموعدةٍ وَعَدها إياه.
(١) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِنْزَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَا نَبِيَّنَ لَهُ
أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾. [الآية ١١٤].
(٢) ينظر تفسير الرازي ٣٠١/٢٩.

الآية : ٤
٧٥
سُورَةُ المُستَحِنَّة
وتُعقِّبَ الثاني بأنَّ الوَعْدَ بالمحظور لا يرفعُ حَظْره، والأولُ بأنه مبنيٌّ على
تناول النهي لاستغفاره عليه السلام له، مع أنَّ النهيَ إنما وَرَدَ في شأن الاستغفار
بعد تبيَّنِ الأمر، وقد كان استغفاره عليه السلام قبله، ومنبئٌ عن كون الاستغفار
مؤتسَّى به لو لم ينهَ عنه، مع أنَّ ما يُؤْتسى به ما يجبُ الائتساء به، لا ما يجوز فعله
في الجملة. وأُجيب بما لا يرفعُ القالَ والقيل؛ فالأَولى التعليل بما سبق.
واستظهر أبو حيان أنَّ الاستثناءً من مضافٍ لإبراهيم مقدَّرٍ في نظم الآية
الكريمة، أي: لقد كان لكم أسوةٌ حَسَنةٌ في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه،
إلا قولَ إبراهيم .. إلخ، وجزمَ باتصال الاستثناء عليه(١). وكذا جزم الطيبيُّ باتصاله
على قول البغويِّ، أي: لكم أسوةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيم وأموره، إلا في استغفاره لأبيه
المشرك(٢).
ولا يخفى أنَّ التقديرَ خلافُ الظاهر، ومتى ارتكب فالأَولى تقديرُ: أمور.
بقي أنه قيل: إنَّ الآيةَ تدلُّ على منع التأسِّي بإبراهيم عليه السلام في الاستغفار
للكافر الحيِّ، مع أنه بالمعنى السابق - أعني طلب الإيمان له - لا مَنْعَ عنه.
وأجيب بأنه إنما مُنِعَ من التأسِّي بظاهره، وظَنِّ أنه جائزٌ مطلقاً كما وقع لبعض
الصحابة ﴿ه، وفيه أنه قد تقدَّمَ أنَّ دلالةَ الآية على أنَّ الاستغفارَ ليس مما يجبُ
الائتساءُ به حَتْماً، لا على منعه وحرمته، ثم إنه ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ تبيُّنَ كون أبيه من
أصحاب الجحيم الذي كان الاستغفارُ قبله، كان في الدنيا، وكذا التبرِّي منه بعده،
وقد تقدَّم في سورة التوبة(٣) قولٌ بكون ذلك في الآخرة؛ لدلالة ظواهر بعض
الأخبار الصحيحة عليه، فإنها دالةٌ على أنه عليه السلام يشفعُ لأبيه يوم القيامة،
وهي استغفارٌ أيُّ استغفار فيه، ولو كان تبيَّنَ أنه يموتُ كافراً في الدنيا لم يكنْ
ليشفع ويطلب على أتمٍّ وجهِ المغفرةَ له، ضرورةً أنه عليه السلام عالمٌ أنَّ الله تعالى
لا يغفرُ أن يُشْرَكَ به، وإنكارُ ذلك مما لا يكادُ يُقدِمُ عليه عاقل، والذاهبون إلى أنَّ
(١) البحر المحيط ٨/ ٢٥٤.
(٢) تفسير البغوي ٣٣٠/٤.
(٣) عند تفسير الآية (١١٤).

الآية : ٤
٧٦
تَخَّةْ
التبيُّنَ كان في الدنيا كما عليه سلفُ الأمة - وهو الصحيح الذي أجزمُ به
اليوم - أشكلتْ عليهم تلك الظواهر من حيثُ دلالتها على الشفاعة التي هي في ذلك
اليوم استغفار، وأَتهموا وأَنجدوا في الجواب عنها، وقد تقدَّم جميعُ ما وجدته
لهم، فارجع إليه واختر لنفسك ما يحلو.
ثم إني أقول: الذي يغلبُ على ظنِّ أنَّ الاستغفارَ الذي كان منه عليه السلام
قبل التبيّنِ بالمعنى المشهور، لا بمعنى التوفيق للإيمان، والآياتُ التي في سورة
التوبة وما وَرَدَ في سبب نزولها تُؤْيِّدُ ظواهرُها ذلك.
والتزم أنَّ امتناع جواز الاستغفار إنما عُلم بالوحي لا بالعقل؛ لأنه يجوزُ أن
يغفرَ الله تعالى للكافر وهو سبحانه الغفور الرحيم، وأنه عليه السلام لم يكن إذ
استغفرَ عالماً بالوحي امتناعَه، ومعنى الآية - والله تعالى أعلم -: إنَّ لكم الاقتداء
بإبراهيم عليه السلام والذين معه في البراءة من الكفرة، لكنَّ استغفارَهُ للكافر ليس
لكم الاقتداء به فيه، ومآله: يجبُ عليكم البراءة، ويحرم عليكم الاستغفار وإبداءُ
الرأفة، فليس لكم الذي اعتبرناه في الاستثناء من باب قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ
وَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلخ [التوبة: ١١٣]، ودلالةُ ذلك على المنع
ظاهرةٌ. فتأمل جميع ما قدمناه، ووراءه كلامٌ مبنيٌّ على قول مَنْ قال: ليس لله عزَّ
وجلَّ قضاءٌ مبرَمٌ، ونُقل ذلك عن القطب الشيخ عبد القادر الكيلاني قُدِّسَ سِرُّهُ،
وشَيَّدَ بعضُ الأَجِلَّة أركانه في رسالةٍ مستقلةٍ بَسَطَ فيها الأدلةَ على ذلك، لكنها
لا تخلو عن بحثٍ، والله تعالى أعلم.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَّ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٌ﴾ من تمام القول المستثنى، محلّه
النصب على أنه حالٌ من فاعل («لأستغفرنَّ) وموردُ الاستثناء نفسُ الاستغفار،
لا قيده، فإنه في نفسه من خصال الخير لكونه إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر إلى الله
تعالى، فالكلامُ من قبيل ما رجع فيه النفيُّ للمقيّد دون القید.
وفي ((الكشف)): إنه وإن كان في نفسه كلاماً مطابقاً للواقع، حَسَناً أن يُجعل
أُسوة، إلا أنه شفع بقوله: ((لأستغفرن لك)) تحقيقاً للوعد، كأنه قيل: لأستغفرنَّ لك

الآية : ٥
٧٧
سُورَةُ المُنتِنَّةِ
وما في طاقتي إلا هذا، فهو مبذولٌ لا محالة، وفيه أنه لو مَلَكَ أكثرَ من ذلك لفعل،
وعلى هذا فهو حقيقٌ بالاستثناء.
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿رَبَّا عَلَيََّكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ ﴾﴾ إلى آخره، جملةٌ
مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، متصلةٌ معنّى بقصة إبراهيم عليه السلام ومَنْ
معه، على أنها بيانٌ لحالهم في المجاهدة لأعداء الله عزَّ وجلَّ وقَشْر العصا، ثم
اللجأ إلى الله تعالى في كفاية شَرِّهم، وأنَّ تلك منهم له عزَّ وجلَّ لا لِحَظّ نفسي.
وقيل: اتصالها بما تقدَّم لفظيٍّ على أنها بتقدير قولٍ معطوفٍ على: ((قالوا إنا
برآء»، أي: وقالوا: ((ربنا)) إلخ.
وجُوِّزَ أن يكونَ المعنى: قولوا: ((ربنا))، أَمْراً منه تعالى للمؤمنين بأن يقولوه،
وتعليماً منه عزَّ وجلَّ لهم، وتتميماً لما وصَّاهم سبحانه به من قَطْع العلائق بينهم
وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم عليه السلام وقومه في البراءة منهم، وتنبيهاً على
الإنابة إلى الله تعالى، والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فَرَطَ
منهم، وهو كما قيل: وجهٌ حَسَنٌ لا يأباهُ النَّظْمُ الكريم، وفيه شَمَّةٌ من أسلوب:
﴿أَنْتَهُواْ خَيْرَاً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] لأنه سبحانه لَمَّا حَثَّهم على الائتساء بِمَنْ
سمعتَ في الانتهاء عن الكفر وموالاة أهله، ثم قال سبحانه ما يدلُّ على اللجأ إليه
تعالى، يكون في المعنى نهياً عن الأول وأمراً بالثاني. وجَعَلَ بعضُهم القولَ على
هذا الوجه معطوفاً على ((لا تتخذوا)) أي: وقولوا: ((ربنا)) إلخ.
وأيَّما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرور في المواضع الثلاثة للقَصْر، كأنه قيل: ربنا
عليك توّلنا لا على غيرك، وإليك أَنبنا لا إلى غيرك، وإليك المصير لا إلى غيرك.
﴿َّا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تُسلِّطهم علينا فيسبُّوننا ويعذِّبوننا. قاله
ابن عباس، فالفتنةُ مصدرٌ بمعنى المفتون، أي: المعذَّب، من فَتَنَ الفضةَ: إذا
أذابها، فكأنه قيل: ربنا لا تجعلنا معذَّبين للذين كفروا. وقال مجاهد: أي:
لا تُعذِّبنا بأيديهم، أو بعذابٍ من عندك، فيظنُّوا أنهم مُحقُّون وأنَّا مُبطلون فيُفتَنوا
لذلك. وقال قريباً منه قتادة وأبو مجلز، والأول أرجح.

سُورَةُ المُتَحِنَّةِ
٧٨
الآية : ٦
ولم تُعطَفْ هذه الجملةُ الدُّعائيةُ على التي قبلها سلوكاً بهما مسلكَ الجملِ
المعدودة، وكذا الجملةُ الآتيةُ، وقيل: إنَّ هذه الجملة بدلٌ مما قبلها، وَرُدَّ بعدم
اتحاد المعنيين كلَّا وجزءاً، ولا مناسبةَ بينهما سوى الدعاء.
﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ ما فرط منَّا ﴿رََّاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ الذي لا يذلُّ من التجأ إليه؛
، الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغةٌ.
ولا يَخيبُ رجاءُ مَنْ توَّل عليه ﴿اَلَكِيمُ(
﴿لَقَدْ كَنَ لَكُوْ فِهِمْ﴾ أي: في إبراهيم عليه السلام ومن معه ﴿أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ الكلام
فيه نحو ما تقدم. وقوله تعالى: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَآلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ - أي: ثوابه تعالى،
أو لقاءه سبحانه ونعيم الآخرة، أو أيام الله تعالى، واليوم الآخر خصوصاً، والرجاءُ
يحتمل الأملَ والخوفَ - صلةٌ لـ ((حَسَنة)) أو صفةٌ، وجُوِّزَ كونه بدلاً من ((لكم)) بناءً
على ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يُبدلَ الظاهر من ضمير المخاطب - وكذا
من ضمير المتكلِّم - بدلَ الكلِّ، كما يجوز أن يُبدَلَ من ضمير الغائب، وأن يُبدلَ من
الكلِّ بدل البعض، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط.
ونُقل جوازُ ذلك الإبدال عن سيبويه أيضاً، والجمهورُ على منعه وتخصيص
الجواز ببدل البعض والاشتمال والغلط.
وذكر بعضُ الأَجلَّة أنه لا خلافَ في جواز أن يُبدَلَ من ضمير المخاطب بدل
الكلِّ فيما يفيد إحاطةً كما في قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ [المائدة:
١١٤] وجعل ما هنا من ذلك، وفيه خفاء.
وجملةُ ((لقد كان)) إلخ قيل: تكريرٌ لما تقدم من المبالغة في الحثِّ على الائتساء
بإبراهيم عليه السلام ومن معه، ولذلك صُدِّرتْ بالقَسَم، وهو على ما قال
الخفاجيُّ: إن لم يُنظر لقوله تعالى: (إِذْ قَالُواْ) فإنه قيدٌ مخصِّصٌ، فإن نُظِرَ له كان
ذلك تعميماً بعد تخصيص(١). وهو مأخوذٌ من كلام الطيبيِّ في تحقيق أمر هذا
التكرير. والظاهر أنَّ هذا مقيَّدٌ بنحو ما تقدَّم، كأنه قيل: لقد كان لكم فيهم أسوةٌ
حَسَنةٌ إذ قالوا .. إلخ.
(١) حاشية الشهاب ١٨٨/٨.

الآية : ٧
٧٩
سُورَةُ المُتَحْنَةِ
وفي قوله سبحانه: ((لمن كان)) إلخ، إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ كان يرجو الله تعالى
واليومَ الآخر لا يتركُ الاقتداءَ بهم، وأنَّ تَرْكَهُ من مخايل عدم رجاءِ الله سبحانه
واليوم الآخر الذي هو من شأن الكَفَرة، بل مما يُؤْذِنُ بالكفر كما يُنبئُ عن ذلك قوله
فإنه مما يُوعَدُ بأمثاله الكَفَرة.
تعالى: ﴿وَمَنْ يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ ﴾﴾
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَبْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم﴾ أي: من أقاربكم المشركين
﴿قَوَدَّةٌ﴾ بأن يُوافقوكم في الدِّين، وَعَدهم الله تعالى بذلك لمَّا رأى منهم التصلُّبَ
في الدين والتشدُّدَ في معاداة آبائهم وأبنائهم وسائر أقربائهم ومقاطعتهم إياهم
بالكلية؛ تطبيباً لقلوبهم، ولقد أنجز الله سبحانه وَعْدَهُ الكريم حين أتاحَ لهم الفتحَ،
فأسلم قومهم، فتمَّ بينهم من التحابِّ والتصافي ما تمَّ، ويدخلُ في ذلك أبو سفيان
وأضرابه من مُسلِمةِ الفتح من أقاربهم المشركين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقيُّ في
((الدلائل)) وابن عساكر من طريق الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس عظًّا أنه قال:
كانت المودَّةُ التي جَعَلَ الله تعالى بينهم تزوَّجَ النبيِّ وَّهِ أَمَّ حبيبة بنت أبي سفيان،
فصارت أمَّ المؤمنين، وصارَ معاويةُ خالَ المؤمنين(١).
وأنت تعلم أنَّ تزوّجها كان وقتَ هجرة الحبشة، ونزولُ هذه الآيات سنةَ سِتِّ
من الهجرة، فما ذُكِرَ لا يكادُ يصحُّ بظاهره، وفي ثبوته عن ابن عباس مقال.
﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ مبالغٌ في القدرة، فيقدرُ سبحانه على تقليب القلوب وتغيير
الأحوال وتسهيل أسباب المودة.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ مبالغٌ في المغفرة، فيغفرُ جلَّ شأنه لما فرط منكم في موالاتهم
﴿رَحِيمٌ ﴾﴾ مبالغٌ في الرحمة، فيرحمكم عزَّ وجلَّ بضَمِّ الشَّمْلِ واستحالة الخيانة
ثقةً، وانقلاب المَقْتِ مِقَةً(٢). وقيل: يغفر سبحانه لمن أسلم من المشركين
ويرحمهم. والأول أَفيدُ وأنسبُ بالمقام.
(١) الدر المنثور ٢٠٥/٦، وابن عدي في الكامل ٢١٢٩/٦، والبيهقي في الدلائل ٤٥٩/٣،
وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠٧/٣ و١٠٣/٥٩ وهذا إسناد تالف.
(٢) مَقَّته مَقْتاً ومقاتة: أبغضه. وَوَمِقَه وَمْقاً ومِقَةً: أحبَّه. القاموس (مقت) و(ومق).

سُورَةُ الْمُتَحْنَّةِ
٨٠
الآية : ٨
يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الّذِينِ وَلَمْ يُخِجُوكُمْ مِنْ دِيَِّكُمْ أَنْ نَبُوهُمْ﴾ أي:
لا ينهاكم سبحانه وتعالى عن البِرِّ بهؤلاء، كما يقتضيه كون ((أن تبرُّوهم)) بدل اشتمال
من الموصول ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَهِمْ﴾ أي: تُفضوا إليهم بالقسط، أي: العدل، فالفعلُ
أي: العادلين.
مُضمَّنٌ معنى الإفضاء، ولذا عُدِّي بـ ((إلى)) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أخرج البخاريُّ وغيره عن أسماء بنت أبي بكر ﴿ه قالت: أتتني أمي راغبةً
وهي مشركةٌ في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﴿ ﴿، فسألتُ رسولَ اللهِصَلّه:
أَأَصِلُها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنَهَنْكُرُ اللَّهُ﴾ إلخ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((نعم
صِلي أمَّك))(١).
وفي رواية الإمام أحمد(٢) وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال: قدمتْ
قُتِيلةٌ(٣) بنت عبد العزَّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: صِناب(٤) وأَقِط
وسمن، وهي مشركةٌ، فأبتْ أسماء أن تقبلَ هديَّتها أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت
إلى عائشة ﴿ّ أن تسألَ رسولَ الله والله عن هذا، فسألته، فأنزل الله تعالى:
يَتَهَنَّكُ اَللَّهُ﴾ الآية، فأمرها أن تقبلَ هديَّتها وتُدخلَها بيتها .
وُتيلة هذه - على ما في ((التحرير)) - كانت امرأةً أبي بكرٍ ◌َُه، فطلَّقها في
الجاهلية، وهي أمُّ أسماء حقيقةً، وعن ابن عطيةَ أنها خالتها، وسَمَّتها أمَّا
مجازاً(٥). والأولُ هو المعوَّلُ عليه.
وقال الحسن وأبو صالح: نزلتِ الآيةُ في خُزاعة وبني الحارث بن كعب وكنانة
ومُزينة وقبائل من العرب كانوا صالحوا رسولَ الله ◌َّهر على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا
(١) صحيح البخاري (٢٦٢٠)، وهو عند مسلم (١٠٠٣).
(٢) برقم (١٦١١١)، وهي عند أبي داود الطيالسي (١٦٣٩)، وابن سعد في الطبقات ٨/ ٢٥٢،
والطبري في التفسير ٢٢/ ٥٧٢.
(٣) في هامش الأصل: بالقاف والتاء بزنة المصغّر.
(٤) جاء في هامش الأصل: الصناب: الخردل المعمول بالزبيب وهو صبغ يؤتدم به. اهـ. وكذا
وردت عند ابن كثير عند تفسير الآية، في حين وردت عند أحمد وأكثر مصادر التخريج:
ضباب.
(٥) المحرر الوجيز ٢٩٧/٥.