Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ٧٥
٣٦١
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
ظاهره، فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]: كما يجب
تنزيهُ ذاته تعالى وصفاته سبحانه عن النقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن
سوء الأدب، وهو أبلغُ لأنَّه لا يلزمُه تقديسُ ذاته عز وجل بالطريق الأَوْلَى على
طريق الكناية الرمزية. وفيه أنَّه إنَّما يتأتَى لو لم تذكر الباء، وجعلُها زائدةً خلافُ
الظاهر، وحالُ كونها للتعدية قد سمعتَه، وجعَلَ بعضُهم على هذا الخطابَ لغير
معيَّن فقال: إنَّه تعالى لمَّا ذَكر ما ذكر من الأمور وكان الكلُّ معترفين بأنَّها من الله
تعالى، وكان الكفارُ إذا طُولبوا بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى، وإنما
نتَّخذُ أصنامًا آلهةً، وذلك إشراكٌ في الاسم، والذي خَلَقنا وخلق السماوات
والأرض هو الله تعالى، فنحن نُنزِّهُه في الحقيقة = قال سبحانه: (فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ)
على معنى: كما أنَّك أيُّها الغافلُ اعترفتَ بعدم اشتراكها في الحقيقة اعترِفْ بعدم
اشتراكها في الاسم، ولا تقل لغيره تعالى إلهًا، فإنَّ الاسم يَتْبع المعنى والحقيقة،
فالخطابُ كالخطاب في قول الواعظ: يا مسكين أفنيتَ عمرَك وما أصلحتَ أمرَك،
لا (١) يريدُ به أحدًا بعينه، وإنما يُريد: أيُّها المسكين السامع، وهو كما ترى.
نعم احتمالُ عموم الخطاب مما لا يُنكَر، لكن لا يتعيَّن عليه هذا التقرير.
ثم الظاهرُ أنَّ المراد بذكر الربِّ أو ذكرٍ اسمه سبحانه - على ما تقرَّر سابقًا - ما هو
المتبادر المعروف.
وفي ((الكشف)): إنَّ المراد بذلك تلاوتُه ◌َليهِ للقرآن أو لهذه السورة الكريمة
المتضمِّنة لإثبات البعث والجزاء ومراتب أهله، لينطبق عليه قوله تعالى بعد: ﴿فَلَآ
أُقْسِمُ﴾ وعلى الأول لا بدَّ من إضمارٍ، أي: فسبِّح باسم ربِّك وامتثل ما أُمرت به،
فأُقسِم إنَّه لقرآن، والغرضُ تأكيدُ الأمر بالتسبيح.
وأنا أقول: يتأتَّى الانطباقُ على الظاهر أيضًا، سوى أنَّه يُعتَبر في الكلام
إضمارٌ، ولا بأس بأنْ يقال: إنَّه تعالى لمَّا ذَكر ما ذَكر من النعم الجليلةِ الداعيةِ
لتوحيده سبحانه ووَصْفه بما يليقُ به عز وجل قال سبحانه: (فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ) أي:
(١) في الأصل: فلا.

سُورَةُ الوَاقِعَةِ
٣٦٢
الآية : ٧٥
فنزِّههُ تعالى عما يقولون في وصفه سبحانه، وأَقبِلْ على إنذارهم بالقرآن والاحتجاجٍ
عليهم به بعد الاحتجاج بما ذكرنا، فأُقسِم إنَّه لقرآن كيت وكيت؛ فـ ((لا)) في قوله عز
وجل: (فَلَآ أُقْسِمُ) مزيدةٌ للتأكيد مثلُها في قوله تعالى: ﴿لَثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾
[الحديد: ٢٩] أو هي لام القسم أُشبعَت فتحتُها فتولَّدَت منها ألفٌ نظير ما في قوله:
أعوذُ بالله من العَقْراب(١)
واختاره أبو حيان ثم قال: وهو وإنْ كان قليلًا فقد جاء نظيرُه في قوله تعالى:
﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة
هشام، ويؤيده قراءة الحسن وعيسى: ((فلأُقسِمُ))(٢)، وهو مبنيٌّ على ما ذهب إليه
تبعًا لبعض النحويِّين من أنَّ فِعْل الحال يجوزُ القَسَمُ عليه؛ فيقال: والله تعالى
لَيخرج زيدٌ، وعليه قولُ الشاعر:
لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتي واسعُ(٣)
وحينئذٍ لا يصحُّ أنْ يُقْرَن الفعلُ بالنون المؤكِّدةِ؛ لأنَّها تخلِّصُه للاستقبال وهو
خلافُ المراد، والذي اختارَه ابن عصفور والبصريون أنَّ فعل الحال - كما هنا - لا يجوزُ
أنْ يُقسَم عليه، ومتى أُريدَ من الفعل الاستقبال لَزِمَت فيه النون المؤكدة فقيل:
لأُقسمَنَّ، وحذفها ضعيفٌ جدًّا، ومِن هنا خرَّجوا قراءة الحسن وعيسى على أنَّ
اللام لام الابتداء، والمبتدأ محذوفٌ؛ لأنَّها لا تدخُل على الفعل، والتقدير: فلَأَنا
أقسمُ، وقيل نحوه في قراءة الجمهور على أنَّ الألف قد تولَّدَت من الإشباع.
وتُعقّب بأنَّ المبتدأ إذا دَخَل عليه لامُ الابتداء يمتنعُ أو يقبُحُ حذفُه؛ لأنَّ دخولَها
لتأكيده، وهو يقتضي الاعتناء به، وحذفُه يدلُّ على خلافه.
(١) سلف ٣٢٧/١٣.
(٢) البحر المحيط ٢١٣/٨، وقراءة هشام بخلف عنه: ((أفئيدة))، وقد سلفت في محلّها، وقراءة
الحسن وعيسى في القراءات الشاذة ص١٥١، والمحتسب ٣٠٩/٢، والمحرر الوجيز ٢٥٠/٥.
(٣) وصدره: لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم، وهو للكميت بن معروف الأسدي كما في خزانة
الأدب ٦٨/١٠، وهو غير الكميت بن زيد الأسدي صاحب الهاشميات، وسلف عند تفسير
الآية (١١٣) من سورة الأنعام.

الآية : ٧٥
٣٦٣
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة: ((لا)) نَفْيٌّ ورَدٌّ لِمَا يقوله الكفار في القرآن
من أنَّه سحرٌ وشعرٌ وكهانة، كأنَّه قيل: فلا صحةَ لِمَا يقولون فيه، ثم استؤنفَ فقيل:
أُقسم .. إلخ.
وتَعقَّبه أبو حيان بأنَّه لا يجوز؛ لِمَا فيه من حذف اسم ((لا)) وخبرِها في غير
جواب سؤالٍ، نحو: لا، في جواب: هل مِن رجلٍ في الدار(١)؟
وقيل: الأَولَى فيما إذا قُصِدَ بـ ((لا)) نفيٌّ لمحذوف، واستئنافٌ لِمَا بعدها في
اللفظ الإتيان بالواو، نحو: لا وأطال الله تعالى بقاءك.
وقال بعضُهم: إنَّ((لا)) كثيرًا ما يُؤْتَى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في
قوله :
لا وَأَبيكِ ابنةَ العامري لا يدَّعي القومُ أَنِّي أَفِرّ (٢)
وقال أبو مسلم وجمع: إنَّ الكلام على ظاهره المتبادر منه، والمعنى:
لا أُقسم، إذ الأمرُ أوضحُ مِن أنْ يحتاجَ إِلى قَسَم(٣)، أي: لا يحتاجُ إلى قَسَمِ
ما فضلًا عن هذا(٤) القسم العظيم، فقولُ مفتي الديار الرومية أنَّه يأباه تعيينُ المقسم
به وتفخيمه(٥)، ناشئٌ عن الغفلة على ما لا يخفَى على فَطِن.
﴿يَمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ أي: بمساقط كواكبِ السماء ومغاربها كما جاء في رواية عن
قتادة والحسن، على أنَّ الوقوع بمعنى السقوط والغروب، وتخصيصُها بالقسم لِمَا
في غروبها من زوال أثرها، والدلالةِ على وجود مؤثِّرٍ دائم لا يتغيَّر، ولذا استدلَّ
الخليلُ عليه السلام بالأُفُول على وجود الصانع جل وعلا، أو لأنَّ ذلك وقتُ قيام
المتهجّدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوانُ نزول الرحمة والرضوان عليهم؛ وقد
(١) البحر المحيط ٢١٣/٨.
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٥٤، وسلف ٦/ ١١٧ .
(٣) مجمع البيان ٢٧/ ١٣١.
(٤) في (م): عن أن هذا.
(٥) تفسير أبي السعود ١٩٩/٨، وفيه: يأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به.

سُورَةُ الوَاقِعَةِ
٣٦٤
الآية : ٧٥
أخرج البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((يَنزِلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا
حينَ يَبقَى ثلثُ الليل الآخِرِ، فيقولُ: مَن يَدْعُوني فأستجيب له، مَن يسألُني فأعطيه،
مَن يَستغفرُني فأغفر له))(١) .
وعن الحسن أيضًا: المرادُ مواقعُها عند الانكدارِ يوم القيامة. قيل: و((موقع))
عليه مصدرٌ ميميٍّ، أو اسم زمان، ولعلَّ وقوعَها ذلك اليوم ليس دفعةً واحدةً،
والتخصيصُ لِمَا في ذلك من ظهور عظمته عز وجل، وتحقّقِ ما يُنكرُه الكفار من
البعث.
وعن أبي جعفر وأبي عبد الله على آبائهما وعليهما السلام: المرادُ مواقعُها عند
الانقضاض إِثْر المستَرقِين السمعَ من الشياطين. وقد مرَّ لك تحقيقُ أمر هذا
الانقضاض(٢) فلا تغفل.
وقيل: مواقعُ النجوم هي الأنواء التي يزعُم الجاهلية أنَّهم يُمَطَرون بها، ولعلَّه
مأخوذٌ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول، وسنذكره إن شاء الله تعالى،
وليس نصًّا في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقًا .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة: أنَّها منازلُها ومجاريها(٣)، على أنَّ
الوقوعَ النزول، كما يقال: على الخبير سقطْتَ، وهو شائعٌ، والتخصيص لأنَّ له
تعالى في ذلك من الدليل على عظيم قدرتِهِ وكمالِ حكمتِهِ ما لا يحيطُ به نِطاقُ
البيان.
وقال جماعة منهم ابن عباس: النجومُ نجومُ القرآن، ومواقعُها أوقاتُ
نزولها. وأخرج النسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في ((الشعب)):
عنه أنَّه قال: أُنزِلَ القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملةً
واحدةً، ثم فُرِّقَ في السنين. وفي لفظ: ثم نَزَل من السماء الدنيا إلى الأرض
(١) صحيح البخاري (١١٤٥)، وصحيح مسلم (٧٥٨).
(٢) تقدم ص١٠٤- ١٠٥ من هذا الجزء.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٧٣/٢، وتفسير الطبري ٣٦١/٢٢.

الآية : ٧٦ - ٧٧
٣٦٥
وَرَةُ الوَاقِعَةِ
نجومًا، ثم قرأ: (فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ) (١). وأُيِّد هذا القول بأنَّ الضميرَ في
قوله تعالى بعد: (إِنَّهُ لَقُمَانٌ) يعودُ حينئذٍ على ما يُفهَم من مواقع النجوم حتى
يكاد يعدُّ كالمذكور صريحًا، ولا يحتاج إلى أن يقال: يفسِّرُه السياق، كما في
سائر الأقوال، ووجْهُ التخصيص أظهرُ من أن يخفَى، ولعل الكلام عليه من
باب:
وثنا ياكٍ إنَّها إغريضُ(٢)
وقرأ ابن عباس وأهل المدينة وحمزة والكسائي: ((بموقع)) مفردًا مرادًا به
(٣)
الجمع(٣).
﴿وَإِنَُّ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ
﴾ مشتملٌ على اعتراض في ضِمْنٍ آخَرَ،
٧٦
فقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ) (عَظِيمُ) معترضٌ بين القسم والمقَسم عليه وهو قوله
سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (®﴾ وهو تعظيمٌ للقَسَم مقرِّرٌ مؤكِّدٌ له، وقولُه عز وجل:
(لَّوْ تَعْلَمُونَ) معترِضٌ بين الصفة والموصوف، وهو تأكيدٌ لذلك التعظيم. وجوابُ
(لو)) إما متروٌ أُريدَ به نَفْيُ علمهم، أو محذوفٌ ثقةً بظهوره، أي: لعظّمتُموه، أو:
لعملتُم بموجبه.
ووجهُ كون ذلك القسم عظيمًا قد أُشيرَ إليه فيما مرَّ، أو ظاهرٌ بناءً على أنَّ
المراد بمواقع النجوم ما روي عن ابن عباس والجماعة.
ومعنى كون القرآن كريمًا أنَّه حَسَنٌ مرضيٍّ في جنسه من الكتب، أو نَفَّائعٌ
جمُّ المنافع، وكيف لا وقد اشتمل على أصول العلوم المهمة في إصلاح
المعاش والمعاد، والكَرَمُ على هذا مستعارٌ - كما قال الطيبي - من الكرم
المعروف.
(١) السنن الكبرى للنسائي (١١٦٢٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وتفسير الطبري ٣٥٩/٢٢، والمستدرك ٥٣٠/٢، وشعب الإيمان (٢٢٥٠).
(٢) سلف ٢٢/ ١٢.
(٣) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص٢٠٧، والنشر ٣٨٣/٢، وقرأ بها خلف من العشرة،
والكلام من البحر المحيط ٢١٣/٨-٢١٤.
،

سُوَرَةُ الوَاقِعَةِّ
٣٦٦
الآية : ٧٨
وقيل: الكرم أعمُّ من كثرة البذل والإحسان والاتِّصاف بما يُحمَد من الأوصاف
ككثرة النَّفْع، فإنَّه وصفٌ محمودٌ، فكونه كرمًا حقيقةٌ.
وجوز أنْ يُراد: كريمٌ على الله تعالى، قيل: وهو يرجعُ لِمَا تقدَّم، وفيه تقدیرٌ
من غير حاجة.
وأيًّا ما كان فمحظُ الفائدة الوصفُ المذكور، وقيل(١): إنَّ مرجعَ الضمير هو
القرآن لا مِن حيث عنوانُ كونه قرآناً، فبمجرد الإخبار عنه بأنَّه قرآنٌ تحصل الفائدة،
أي: إنَّه لمقروءٌ على النبيِّ وَِّ لا أنَّه أنشأه كما زعمه الكفار.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَبٍ تَكْنُونِ (﴾﴾ وصفٌ آخرُ للقرآن، أي: كائن في كتاب
مصونٍ عن غير المقرَّبين من الملائكة عليهم السلام لا يطّلع عليه من سواهم،
فالمرادُ به اللوح المحفوظ كما روي عن الربيع بن أنس وغيره.
وقيل: أي: في كتاب مصون عن التبديل(٢) والتغيير، وهو المصحف الذي
بأيدي المسلمين، ويتضمَّن ذلك الإخبارَ بالغيب لأنَّه لم يكن إذ ذاك مصاحف.
م
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة أنَّه قال: ((في كتاب)) أي: التوراة
والإنجيل(٣)، وحكى ذلك في ((البحر)) ثم قال: كأنَّه قال: ذُكِرَ في كتاب مكنون
كرمُّه وشرفُه، فالمعنى على هذا الاستشهادُ بالكُتُب المنزلة(٤). انتهى. والظاهرُ أنَّه
أُريدَ على هذا بالكتاب الجنس لتصحَّ إرادةُ التوراة والإنجيل، وفي وَصْف ذلك
بالمكنون خفاءٌ، ولعلَّه أُريدَ به جليلُ الشأن عظيمُ القدر، فإنَّ الستر كاللازم للشيء
الجليل، وجوِّز إرادةُ هذا المعنى المجازي على غير هذا القول من الأقوال.
وقيل: الکتابُ المکتون قلبُ المؤمن. وهو كما ترى.
وقيل: المرادُ من كونه في ((كتاب مكنون)) كونُه محفوظًا من التغيير والتبديل
(١) في (م): قيل.
(٢) في الأصل: من التبديل.
(٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٣٦٥، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٢.
(٤) البحر المحيط ٢١٤/٨، والكلام السالف منه.

الآية : ٧٩
٣٦٧
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
ليس إلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. والمعوَّل عليه ما تقدَّم.
وجوِّز تعلُّق الجار بـ ((كريم) كما يقال: زيدٌ كريم في نفسه، والمعنى: إنَّه کریمٌ
في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريمًا عند الكفار، والوصفيةُ أبلغُ كما لا يخفى.
3﴾ إما صفة بعد صفة للكتاب مرادًا به
وقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ◌َّ
اللوح(١)، فالمرادُ بـ ((المطهّرون)) الملائكة عليهم السلام، أي: المطهّرون المنزَّهون
عن كَدَرِ الطبيعةِ ودَنَس الحظوظِ النفسية، وقيل: عن كدر الأجسام ودَنَس الهيولى.
والطهارةُ عليهما طهارةٌ معنوية، ونَفْي مسِّه كنايةٌ عن لازمه، وهو نَفْي الاطلاع عليه
وعلى ما فيه.
وإما صفةٌ أخرى لـ ((قرآن))، والمراد بـ ((المطهّرون)): المطهّرون عن الحدث
الأصغر والحدث الأكبر، بحمل الطهارة على الشرعية، والمعنى: لا ينبغي أنْ
يمسَّ القرآنَ إلا مَن هو على طهارةٍ من الناس، فالنفيُّ هنا نظيرُ ما في قوله تعالى:
﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةٌ﴾ [النور: ٣] وقوله وَّه: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه))(٢)
الحديث، وهو بمعنى النهي بل أبلغُ من النهي الصريح، وهذا أحدُ أوجهٍ ذکروها
للعدول عن جَعْل ((لا)) ناهية.
وثانيها: أنَّ المتبادِر كونُ الجملة صفةً، والأصلُ فيها أنْ تكونَ خبريةً،
ولا داعي لاعتبار الإنشائية وارتكاب التأويل.
وثالثها: أنَّ المتبادر من الضمة أنَّها إعرابٌ، فالحمل على غيره فيه إلباسٌ.
ورابعها: أنَّ عبد الله قرأ: ((ما يمسه))(٣) وهي تُؤْيِّد أنَّ ((لا)) نافية.
وكون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام مرويٌّ من عدَّة طرقٍ عن ابن
عباس، وكذا أخرجه جماعة عن أنس وقتادة وابن جبير ومجاهد وأبي العالية
(١) جاء في هامش الأصل: وجوز في جملة ((لا يمسه)) كونها مستأنفة. اهـ. منه.
(٢) أخرجه أحمد (٥٦٤٦)، والبخاري (٢٤٤٢) و(٦٩٥١)، ومسلم (٢٥٨٠) من حديث
عبد الله بن عمر
(٣) تفسير الطبري ٣٦٦/٢٢-٣٦٧، والمحرر الوجيز ٢٥٢/٥، والبحر المحيط ٢١٤/٨.

سُورَةُ الوَاقِعَةِ
٣٦٨
الآية : ٧٩
وغيرهم، إلا أنَّ في بعض الآثار عن بعض هؤلاء ما هو ظاهرٌ في أنَّ الضمير
في ((لا يمسه)) مع كون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام راجعٌ إلى
القرآن.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنَّه قال في الآية: ذاك عند ربِّ
العالمين، لا يمسُّه إلا المطهرون من الملائكة، فأمَّا عندكم فيمسُّه المشركُ والنجس
والمنافق الرَّجِسُ(١).
وأخرجا هما وابن المنذر والبيهقي في ((المعرفة)) عن الحبر قال في الآية:
الكتاب المنزل في السماء لا يمسُّه إلا الملائكة(٢).
ويشير إليه ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال: قال مالك: أحسنُ ما سمعتُ
في هذه الآية (لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أنَّها بمنزلة الآية التي في ((عبس)): ﴿كَلَّ إِنَّ
نَذْكِرَةِ ﴿﴿ فَنْ شَآءَ ذَكَرُ ◌َ فِ سُحُفٍ مُكَرَّةٍ ٣ قَرْفُوعَةِ مُطَهَّرَةِ ﴿ ◌ِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴾ كِرَِ
وكون المراد بهم المطهّرين من الأحداث مرويٌّ عن محمد الباقر - على آبائه
وعليه السلام - وعطاء وطاوس وسالم.
وأخرج سعيد بنُ منصور وابن أبي شيبة في ((المصنف)) وابن المنذر والحاكم
وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان - يعني الفارسي ◌َ الله -
فانطلَقَ إلى حاجة فتوارَى عنَّا، فخرَج إلينا فقلنا: لو توضأتَ فسألناك عن أشياءَ من
القرآن؟ فقال: سلوني فإني لستُ أَمسُّه، إنما يمسُّه المطهرون. ثم تلا: (لَّا يَمَشُهُ
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)(٤).
(١) تفسير الطبري ٣٦٦/٢٢، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٢/٦.
(٢) تفسير الطبري ٣٦٢/٢٢-٣٦٣، ومعرفة السنن والآثار ٣٢٠/١ (٧٧٠)، وعزاه لعبد بن
حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ .
(٣) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٢/٦، وقول مالك في الموطأ ١٩٩/١.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ١٠٣/١، والمستدرك ٤٧٧/٢، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر
السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٢/٦، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

الآية : ٧٩
٣٦٩
سُوَّةُ الوَاقِعَةِ
وقيل: الجملة صفة لـ ((قرآن))، والمراد بـ ((المطهّرون)): المطهرون من الكفر،
والمسُّ مجازٌ عن الطلب كاللمس في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ﴾ [الجن: ٨]
أي: لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر. ولم أرَ هذا مرويًّا عن أحد من السلف،
والنفيُ عليه على ظاهره.
ورجّح جمعٌ جعلَ الجملة وصفًا للقرآن؛ لأنَّ الكلام مسوقٌ لحرمته وتعظيمه
لا لشأن الكتاب المكنون، وإن كان في تعظيمه تعظيمُه. وصحّح الإمامُ جعلها
وصفًا للكتاب(١)، وفيه نظر، وعلى الوصفية للقرآن ذهب مَن ذَهَب إلى اختيار
تفسيرِ المطهرين بالمطهرين عن الحدث الأكبر والأصغر.
وفي ((الأحكام)) للجلال السيوطي: استدلَّ الشافعيُّ بالآية على مَنْع المحدث
من مسِّ المصحَفِ(٢). وهو ظاهرٌ في اختيار ذلك.
ولا حتمالِ جَعْلِ الجملة صفةً للكتاب المكنون أو للقرآن، وكونِ المراد
بالمطهرين: الملائكةَ المقربين عليهم السلام على ما سمعتَ عن ابن عباس
وقتادة = عَدَل الأكثرون عن الاستدلال بها على ذلك إلى الاستدلال بالأخبار، فقد
أخرج الإمام مالك وعبد الرزاق وابن أبي داود وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر
عن أبيه قال: في كتاب النبيِّ وَّ لعمرو بنِ حزم: ((ولا تمسَّ القرآنَ إلا على
طهور))(٣).
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضيها قال: قال رسول الله إليه:
(لا يمسّ القرآنَ إلا طاهرٌ))(٤). إلى غير ذلك.
(١) مفاتيح الغيب ١٩٣/٢٩.
(٢) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ٢٥٤.
(٣) الموطأ ١٩٩/١، ومصنف عبد الرزاق ٣٤١/١-٣٤٢، والمصاحف لابن أبي داود
٦٣٧/٢-٦٣٨ (٧٣٩)، والأوسط لابن المنذر ١٠٣/٢، واللفظ له. وليس فيه عند مالك:
عن أبيه، وكذا أخرجه أبو داود في المراسيل (٩٣) من طريق مالك. قال ابن عبد البر في
الاستذكار ١٠/٨، وفي التمهيد ٣٩٧/١٧: وكتاب عمرو بن حزم هذا تلقَّاه العلماء بالقبول
والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهرُ من الإسناد الواحد المتصل.
(٤) المعجم الكبير (١٣٢١٧)، والصغير (١١٦٢)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثورِ

سُورَةُ الوَاقِعَّةِّ
٣٧٠
الآية : ٧٩
وقال بعضهم: يجوزُ أنْ يُؤخَذ منعُ مسِّ غيرِ الطاهر القرآنَ من الآية على
الاحتمالَين الآخرَين أيضًا، وذلك لأنَّها أفادت تعظيم شأن القرآن وکونِهِ کریمًا،
والمسُّ بغير طهرٍ مخلٌّ بتعظيمه فتأباه الآية. وهو كما ترى.
وأطال الإمام الكلامَ في هذا المقام بما لا يخفَى حاله على من راجعه (١).
نعم لا شكَّ في دلالة الآية على عِظَم شأن القرآن، ومقتَضَى ذلك الاعتناء
بشأنه، ولا ينحصر الاعتناءُ بمنع غيرِ الطاهرِ عن مسِّه بل يكون بأشياءَ كثيرةٍ
كالإكثار من تلاوته، والوضوءِ لها، وأنْ لا يقرأَه الشخصُ وهو متنجِّسُ الفم فإنَّه
مكروه، وقيل: حرام كالمسِّ باليد المتنجسة، وكونِ القراءة في مكان نظيفٍ،
والقارئ مستقبل القبلةِ متخشِّعًا بسكينة ووَقَارٍ مُطرِقًا رأسه، والاستياكِ لقراءته،
والترتيلِ، والتدبُّرِ، والبكاء، أو التباكي، وتحسينِ الصوت بالقراءة، وأن لا يتّخذَه
معِيشةً، وأنْ يحافظَ على أن لا ينسَى آيَةً أُوتِيَها منه، فقد أخرج أبو داود وغيرُه:
(عُرِضَتْ عليَّ ذنوبُ أمتي فلم أَرَ أعظمَ من سورة من القرآن أو آية أُوتِيَها رجلٌ ثم
نَسِيَها)»(٢)، وأنْ لا يجامعَ بحضرته، فإنْ أراد سَتَره، وأنْ لا يضعَ غيرَه من الكتب
السماوية وغيرِها فوقَه، وأنْ لا يقلبَ أوراقه بأصبع عليها بزاقٌ ينفصلُ منه شيءٌ؛
فقد قيل بكفر من يفعل ذلك، إلى أمورٍ أُخَر مذكورة في محالِّها.
وفي وجوب كون القارئ طاهرًا من الأحداث خلافٌ، فعن ابن عباس في رواية
أنَّه يجوزُ للجنب قراءةُ القرآن، وروي ذلك أيضًا عن الإمام أبي حنيفة، وعن ابن
= ١٦٢/٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٦/١: ورجاله موثقون. وقال الحافظ في
التلخيص الحبير ١٣١/١: وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به.
(١) مفاتيح الغيب ٢٩/ ١٩٤ .
(٢) سنن أبي داود (٤٦١)، وأخرجه الترمذي (٢٩١٦)، وهو من طريق المطّلب عن أنس عن
النبي *. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به
محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه، قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد الله بن
حنطب سماعًا من أحدٍ من أصحاب النبي وَ* إلا قوله: حدثني من شهد خطبة
النبي وَطره ... وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس. اهـ، وقال الحافظ
عنه في التقريب: صدوق كثير التدليس والإرسال.

الآية : ٨٠ - ٨١
٣٧١
سُؤَةُ الوَاقِعَةِّ
عمر: أحبُّ إليَّ أنْ لا يقرأَ إلا طاهرٌ. وكأنَّهم اعتبروه كسائر الأذكار، والفرقُ مثلُ
الشمس ظاهر.
وقرأ عيسى: ((المُظْهَرُوْنَ)) اسم مفعول مخفَّفًا من أَطهَرَ، ورُويَت عن نافع
وأبي عمرو (١)، وقرأ سلمان الفارسي ظُله: ((المطَهِّرون)) بتخفيف الطاء وتشديد
الهاء وكسرها اسم فاعل من طَهَّر(٢)، أي: المطهّرون أنفسَهم أو غيرَهم بالاستغفار
لهم والإلهام(٣)، وعنه أيضًا: ((المطَّهِّرون)) بتشديدهما، وأصله: المتطهِّرون فأدغم
التاء بعد إبدالها في الطاء؛ ورويت عن الحسن وعبد الله بن عون (٤)، وقرئ:
((المتطهِّرون))(٥) على الأصل.
صفةٌ أخرى للقرآن، أي: مُنزلٌ، أو وصف
﴿َتَزِيِلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
بالمصدر لأنَّه يُنزلُ نجومًا من بين سائر كُتُب الله تعالى، فكأنَّه في نفسه تنزيل،
ولذلك أُجري مجرى بعضٍ أسمائه فقيل: جاء في التنزيل كذا، و:نطق به
التنزيل.
وجوِّز كونُه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ، على الاستئناف.
وقرئ: ((تنزيلًا)) بالنصب(٦) على: نُزِّلَ تنزيلًا .
﴿أَفِهذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: أتعرِضُون، فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوتُه الجليلة
الموجبةُ لإعظامه وإجلاله والإيمانِ بما تضمَّنه وأَرْشَدَ إليه، وهو القرآن الكريم ﴿أَنْتُمُ
مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون به كمن يُدهن في الأمر، أي: يلين جانبُه ولا يتصلَّب فيه تهاونًا
به، وأصلُ الإذهان كما قيل: جعلُ الأديم ونحوه مدهونًا بشيءٍ من الدُّهن، ولمَّا
(١) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحرر الوجيز ٢٥٢/٥، والبحر المحيط ٢١٤/٨، وهو خلاف
المشهور عن نافع وأبي عمرو.
(٢) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحرر الوجيز ٢٥٢/٥، والبحر ٢١٤/٨.
(٣) قوله: الإلهام، ناظرٌ إلى تفسيرهم بالملائكة، حاشية الشهاب ١٥٠/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٥/ ٢٥٢، والبحر المحيط ٢١٤/٨.
(٥) الكشاف ٥٩/٤، والبحر المحيط ٢١٥/٨.
(٦) الكشاف ٥٩/٤، والبحر المحيط ٢١٥/٨.

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
٣٧٢
الآية : ٨٢
كان ذلك مُليِّنَا لِيْنَا محسوسًا يُراد به اللين المعنوي(١)، على أنَّه تُجوِّز به عن مطلق
اللين أو استعير له، ولذا سمِّيت المداراةُ مداهنةً، وهذا مجازٌ معروفٌ، ولشهرته
صار حقيقةً عرفيةً، ولذا تُجوِّز به هنا عن التهاون أيضًا؛ لأنَّ المتهاون بالأمر
لا یتصلَّب فيه.
وعن ابن عباس والزجَّاج: ((مُدهنون)) أي: مكذِّبون(٢)، وتفسيرُه بذلك لأنَّ
التکذیبَ من فروع التهاون.
وعن مجاهد، أي: منافقون في التصديق به، تقولون للمؤمنين: آمنًّا به، وإذا
خَلَوتُم إلى إخوانكم قلتُم: إنا معكم. والخطابُ عليه للمنافقين، وما قدَّمناه أَولَى،
والخطابُ عليه للكفار كما يقتضيه السياق.
وجوِّز أن يراد بـ ((هذا الحديث)) ما تحدَّثوا به من قبل في قوله سبحانه: (وَكَانُواْ
يَقُولُونَ أَبِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَّا أَنَا لَمَبْعُونُونَ * أَوَ ءَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) فالكلامُ عودٌ إلى
ذلك بعد ردِّه، كأنه قيل: أفبهذا الحديث الذي تتحدَّثون به في إنكار البعثِ أنتم
مُدهنون أصحابَكم، أي: تعلمون خلافَه وتقولونه مداهنةً، أم أنتم به جازمون،
وعلى الإصرار عليه عازمون. ولا يخفى بُعدُه، وفيه مخالفةٌ لسبب النزول، وستعلمه
قريبًا إن شاء الله تعالى.
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ﴾ شكركم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ تقولون: مُطرنا بنَوْء كذا وكذا،
وبنَجْم كذا وكذا، أخرج ذلك الإمام أحمد والترمذي وحسَّنه والضياء في
((المختارة)) وجماعة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عن النبي وَلَ(٣)، وهو إما إشارةٌ
منه عليه الصلاة والسلام إلى أنَّ في الكلام مضافًا مقدَّرًا، أي: شكر رزقكم، أو
إشارةٌ إلى أنَّ الرزقَ مجازٌ عن لازمه وهو الشكر، وحكى الهيثم بن عدي أنَّ من لغة
أَزْدِ شَنُوءة: ما رَزَقَ فلانٌ فلانًا، بمعنى: شكره.
(١) العبارة في حاشية الشهاب ٨/ ١٥٠ (والكلام منه): ولما كان ذلك مليِّناً له لِيناً محسوساً أُريد
به اللين المعنوي.
(٢) معاني القرآن للزجَّاج ١١٦/٥.
(٣) المسند (٨٤٩)، وسنن الترمذي (٣٢٩٥)، والأحاديث المختارة (٥٧١).

الآية : ٨٢
٣٧٣
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
ونقل عن الكِرماني أنَّه نقل في ((شرح البخاري)) أنَّ الرزق من أسماء الشكر(١)،
واستبعد ذلك، ولعله هو ما حكاه الهيثم.
وفي ((البحر)) وغيره: أنَّ عليًّا كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قرأا: ((شكركم))
بدل: ((رِزْقَكم))(٢)، وحمله بعضُ شراح البخاري على التفسير من غير قصدٍ
للتلاوة(٣)، وهو خلاف الظاهر، وقد أخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن
السلمي قال: قرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه ((الواقعة)) في الفجر فقال: ((وتجعلون
شكركم أنكم تكذبون)) فلمَّا انصرفَ قال: إني قد عرفتُ أنَّه سيقول قائلٌ: لِم قرأها
هكذا، إنِّي سمعتُ رسول الله وَله يقرأُ كذلك، كانوا إذا أُمطِروا قالوا: أُمطرنا بنَوِ
كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: ((وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون))(٤).
ومعنى جَعْلِ شكرهم التكذيبَ: جعلُ التكذيب مكانَ الشكر، فكأنَّه عينُه
عندهم، فھو من باب:
تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع(٥)
ومنه قول الراجز:
وكان شكرُ القومِ عند المِنَّن
كيَّ الصحيحات وفَوْءَ الأعيُن(٦)
وأكثرُ الروايات أنَّ قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ) إلخ نزل في القائلين: مُطِرنا بنوء
كذا، من غير تعرُّض لِمَا قبلُ.
(١) شرح الكرماني ٦/ ١٢٤.
(٢) البحر المحيط ٢١٥/٨، والقراءات الشاذة ص١٥١، والمحتسب ٣١٠/٢.
(٣) ينظر فتح الباري ٥٢٣/٢.
(٤) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٣/٦، وأخرج نحوه الطبري ٣٦٩/٢٢.
(٥) وصدره: وخيل قد دلَفْتُ لها بخيل، نسبه الشنتمري في شرح شواهد الكتاب ص٣٦٠
لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٤ / ٩٢ .
(٦) البيان والتبيين ٩٦/٣، والمحرر الوجيز ٢٥٣/٥، والبحر المحيط ٢١٥/٨، وخزانة الأدب
٢/ ٤٦٢.

سُورَةُ الْوَاقِعَةِّ
٣٧٤
الآية : ٨٢
وأخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: مُطِر الناسُ
على عهد رسول الله ﴿ فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((أصبَحَ مِن الناس
شاكرٌ ومنهم كافرٌ، قالوا: هذه رحمةٌ وضَعَها الله، وقال بعضُهم: لقد صَدَق نَوءُ
كذا)» فنزلت هذه الآية: (فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ) حتى بلغ: (وَّْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ
أَنَّكُمْ تَكَذُِّونَ)(١) .
وأخرج نحوه ابن عساكر في ((تاريخه)) عن عائشة رضيًا. وكان ذلك على
ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي عروة ربه في غزوة تبوك، نزلوا الحِجْر
فأمرهم وَطِّ أنْ لا يحملوا من مائه شيئًا، ثم ارتَحَلُوا ونزلوا منزلًا آخرَ وليس
معهم ماءٌ، فشَكَوا ذلك إلى رسول الله وَّهِ، فقام عليه الصلاة والسلام فصلَّى
ركعتين ثم دعا، فأُمطِرُوا وسُقُوا، فقال رجلٌ من الأنصار يُنَّهمُ بالنفاق: إنَّما
مُطِرِنا بنَوْء كذا، فَنَزَل ما نزل(٢).
ولعلَّ جمعًا من الكفار قالوا نحوَ ذلك أيضًا، بل هم لم يزالوا يقولون ذلك،
والأخبار متضافرة على أنَّ الآية في القائلين بالأنواء، بل قال ابن عطية: أجمع
المفسِّرون على أنَّها توبيخٌ لأولئك(٣).
وظاهرُ مقابلة الشكرِ بالكفر في الحديث السابق أنَّ المراد بالكفر كفرانُ النعمة
إذا أضيفَت لغير مُؤْجِدِها جل جلاله، وقد صحَّ ذكره مع الإيمان، أخرج البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني قال: صلَّى بنا
رسول الله وَّ الصبحَ بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلمَّا سلَّم أقبلَ علينا
فقال: ((هل تدرون ما قال ربُّكم في هذه الليلة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال:
((قال: ما أنعمْتُ على عبادي نعمةً إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها كافرين، فأما مَن آمن
بي وحَمَدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، وأما مَن قال: مُطِرنا
(١) صحيح مسلم (٧٣)، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ .
(٢) تاريخ دمشق ٢٤٧/٤٣، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٣/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٢/٥.

الآية : ٨٢
٣٧٥
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي))(١).
والآية على القول بنزولها في قائلي ذلك ظاهرةٌ في كفرهم المقابلِ للإيمان،
فكأنَّهم كانوا يقولونه عن اعتقادِ أنَّ الكواكبَ مؤثّرةٌ حقيقةً، مُؤْجِدةٌ للمطر، وهو كفرٌ
بلا ريب، بخلاف قوله مع اعتقادٍ أنَّه مِن فضل الله تعالى، والنوءُ ميقاتٌ وعلامة
له، فإنَّه ليس بكفر.
وقيل: تسميتُه كفرًا لأنَّه يُفضي إليه إذا اعتقَدَ أنَّه مؤثّرٌ حقيقةً.
هذا، وقيل: معنى الآية: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به،
ويُشيرُ إلى ذلك ما رواه قتادة عن الحسن: بئس ما أَخذَ القومُ لأنفسهم، لم يُرزَقُوا
من كتاب الله تعالى إلا التكذيبَ. وفي ((الإرشاد)): أنَّه الأوفقُ لسياق النظم الكريم
وسباقه(٢).
وأقول: ما قدَّمناه تفسيرٌ مأثورٌ نَطقَت به السنة المقبولة، وذهب إليه الجمهورُ،
وليس فيه ما يأبَى إرادةَ معنّى مطابقٍ لسبب النزول، وموافقٍ لسياق النظم الكريم
وسباقه، وذلك بأنْ يقال: إنَّه عز وجل بعد أنْ وَصَف القرآنَ بما دلَّ على جلالة
شأنه وعزَّةِ مكانه، وأشعَرَ باشتماله على ما فيه تزكيةُ النفوسِ وتحليتُها بما يوجب
كمالها من العقائد الحقَّة ونحوها، حيث قال سبحانه: (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ) فعبَّر
جل وعلا عن ذاته سبحانه بلفظ الربِّ الدالٌ على التربية، وهي تبليغ الشيء إلى
كماله شيئًا فشيئًا. وقد يُستفادُ ذلك من وَصْفه بـ ((كريم)) بناءً على أنَّ المراد به: نفَّاعٌ
جمُّ المنافع، فإنَّه لا منفعةَ أجلُّ مما ذكر، وكان قد ذَكرَ عز وجل غيرَ بعيدٍ ما يدلُّ
على أنَّه تعالى هو المُنزلُ لماء المطرِ لا غيرُه سبحانه استقلالًا ولا اشتراكًا = قال
عز قائلًا: أفبهذا القرآنِ الجليلِ الشأن، المشتمِلِ على العقائد الحقَّة، المرشدِ إلى
ما فيه نفعُكم، أنتم متهاونون فلا تشكرون الله تعالى عليه، وتجعلون بدل شكركم
(١) صحيح البخاري (٨٤٦)، وصحيح مسلم (٧١)، وسنن أبي داود (٣٩٠٦)، والسنن الكبرى
للنسائي (١٨٤٦)، وسلف هذا الحديث مع الكلام عن هذه المسألة ٢١٤/٥ و٨٢/١١
و ٣٤٥/٢٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٠٠/٨.

سُؤَدَّةُ الوَاقِعَةِ،
٣٧٦
الآية : ٨٢
أنَّكم تكذِّبون به، ومن ذلك أنَّكم تقولون إذا مطرتُم: مُطِرنا بنوء كذا وكذا،
فتُسنِدُون إنزالَ المطرِ إلى الكواكب، وقد أرشَدَكم غيرَ مرةٍ إلى ما يأبى ذلك من
العقائد، وهداكم إلى أنَّه تعالى هو المنزل للمطر لا الكواكبُ ولا غيرُها أصلًا.
فما جاء من تفسير ((تكذبون)) بـ : تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، ليس المرادُ منه
إلا بيانَ نوعِ اقتضاهُ الحالُ من التكذيب بالقرآن المنعوتِ بتلك النعوت الجليلة،
وكونُ ذلك على الوجه الذي يزعمُه الكفار تكذيبًا به مما لا ينتطحُ فيه كبشان، وهذا
لا تمڅُّل فيه.
وقد يقال على تقدير أنْ يُراد بالرزق المطرُ، وكونِ ((تكذِّبون)» على معنى:
تكذبون بكونه - أي: المطر - من الله تعالى، حيث تنسبونه إلى الأنواء، وإن لم
أقف على التصريح به في أَثَرِ يعوَّل عليه: المعنى: أفبهذا القرآنِ الجليلِ المرشدِ إلى
أنَّ كلَّ نعمةٍ منه تعالى لا غير، المصرِّحِ عن قريبٍ بأنَّه المنزلُ للمطر وحدَه «أنتم
مدهنون)) أي: مكذبون(١)، على ما سمعتَ عن ابن عباس والزجَّاج، ومن ذلك
أنَّكم تجعلون موضعَ شُكرِ ما يرزقُكم من المطر وينزله لكم أنَّكم تكذِّبون بكونه
من الله تعالى وتنسبونَه إلى الأنواء، والتبكيتُ الآتي مبنيٌّ على تكذيبهم بالقرآن
المفهوم من ((تكذِّبون))، أو من قوله سبحانه: (أَنْتُ مُدْهِنُونَ) لكن التكذيب به باعتبار
التكذيب ببعض ما نَطَقَ به مما(٢) سبق.
وتوقفُ المراد بالآية على الخبر غيرُ بِدْعِ في القرآن الكريم، وحالُ عطف
((تجعلونَ رزقكم أنَّكم تُكذِّبون)) على ما قبله لا يخفَى على نبيِّه، فتأمل والله تعالى
الموفق لفهم كتابه الكريم.
وقرأ المفضل عن عاصم: ((تَكْذِبون)) بالتخفيف(٣) من الكذب، وهو قولهم في
القرآن: إنَّه - وحاشاه - افتراءٌ، ويرجعُ إلى هذا قولُهم في المطر: إنَّه من الأنواء؛
لأنَّ القرآن ناطقٌ بخلافه.
(١) في (م): يكذبون.
(٢) في (م): بما.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٣/٥، والبحر المحيط ٢١٥/٨.

الآية : ٨٣ - ٨٤
٣٧٧
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْخُلْقُوَمَ ﴾﴾ إلخ تبكيتٌ كما سمعتَ وذلك
باعتبار تكذيبهم بما نطَقَ به قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْتَكُمْ) إلخ أعني الآياتِ الدالة على
كونهم تحت ملكوته تعالى، من حيث ذواتُهم ومن حيث طعامُهم وشرابُهم وسائرُ
أسباب معایشھم.
و(لولا)) للتحضيض لإظهار(١) عجزهم، و((إذا)) ظرفية، و((الحلقوم)) مجرى
الطعام، وضمير ((بلغت)) للنفس لانفهامها من الكلام، وإنْ لم يجرِ لها ذكرٌ قبلُ(٢).
والمرادُ بها الروح بمعنى البخارِ المنبعثِ عن القلب دون النفس الناطقةِ، فإنَّها
لا تُوصَف بما ذكر، وكأنَّه مبنيٌّ على القول بتجرُّد النفس الناطقةِ، وهي المسماة
بالروح الأمرية، وأنَّها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا تتَّصفُ بصفات الأجسام
كالصعودِ والنزول وغيرهما، على ما اختاره حجَّة الإسلام الغزالي(٣) وجماعة من
المحقّقين.
ومذهبُ السلف أنَّ النفس الناطقةَ - وهي الروحُ المشار إليها بقوله تعالى:
(وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُِّجْ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ) - جسمٌ لطيفٌ جدًّا سارٍ في البدنِ سريانَ
ماء الورد في الورد، وهو حيٌّ بنفسه يَتَّصف بالخروجِ والدخول وغيرهما من صفات
الأجسام.
وقد ردَّ العلامة ابنُ القيم قولَ الغزالي ومَن وافقَه بأدلة كثيرةٍ ذكرها في كتابه
(الروح))(٤)، ووَصْفُها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر.
وأما على القول بالتجرُّد وعدم التحيُّز فقيل: المرادُ به ضعفُ التعلُّق بالبدن
وقربُ انقطاعه عنه، فكأنَّه قيل: فلولا إذا حان انقطاعُ تعلُّق الروح بالبدن ﴿وَأَنْتُمْ﴾
أيُّها الحاضرون حول صاحبها ﴿حِنَّدٍ﴾ أي: حين إذ بلغت الحلقومَ ووصلت إليه،
أو حان انقطاعُ تعلُّقها ﴿نَنْظُرُونَ﴾ إلى ما يُقاسيه من الغمرات.
(١) في (م): بإظهار.
(٢) في الأصل: قيل.
(٣) ينظر إحياء علوم الدين ٣/٣.
(٤) ينظر الروح ص٤٩ المسألة الخامسة.

سُؤَدَةُ الْوَاقِعَةِ
٣٧٨
الآية : ٨٥ - ٨٦
وقيل: تنظرون حالَكم، ووجههُ أنَّهم يعلمون أنَّ ما جرَى عليه يجري عليهم،
فكأنَّهم شاهدوا حالَ أنفسهم. وليس بذاك.
وقرأ عيسى: ((حينئذٍ)) بكسر النون(١) إتباعاً لحركة الهمزة في ((إذ)).
﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي: المحتَضَر المفهوم من الكلام ﴿مِنكُمْ﴾ والمرادُ بالقرب
العلم، وهو من إطلاق السَبَبِ وإرادة المسبّب، فإنَّ القرب أقوى سببٍ للاطلاع
والعلم.
وقال غيرُ واحدٍ: المرادُ القربُ علمًا وقدرةً، أي: نحن أقربُ إليه في كل ذلك
منكم، حيث لا تعرفون مِن حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدَّة من غير أنْ تَقِفُوا
على كُنْهِها وأسبابها الحقيقية، ولا أنْ تَقْدِروا على مباشرة دَفْعها إلا بما لا ينجع
شيئًا، ونحن المُتَوَلُّون(٢) لتفاصيل أحواله بعلمنا وقُدرتنا، أو بملائكة الموت.
﴿وَلَكِن لَّ نُصِرُونَ﴾ لا تدركون كونَنا أقربَ إليه منكم، لجهلكم بشؤوننا، وقد
علمتَ أنَّ الخطاب للكفار. وقيل: لا تدركون كُنْهَ ما يجري عليه، على أنَّ
الاستدراكَ من ((تنظرون)). والإبصار من البصر بالعين تُجوِّز به عن الإدراك، أو هو
من البصيرة بالقلب.
وقيل: أُرِيدَ بأقربيته تعالى إليه منهم رسُلُه عز وجل، أي: ورسلُنا الذين يقبضون
روحَه ويعالجون إخراجَها أقربُ إليه منكم ولكن لا تبصرونهم.
أي: غير مربوبين، من دَانَ السلطانُ الرعيةَ: إذا
٨
﴿فَلَوْلَا إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ
ساسَهم وتعبَّدَهم، ومنه قيل للعبد: مَدِين، وللأَمَة: مدينة، قال الأخطل:
تراه على مسحاتِهِ يَتَرَقَّلُ(٣)
رَبَتْ وَرَبَا في حِجْرِها ابنُ مدینةٍ
(١) المحرر الوجيز ٢٥٣/٥، والبحر المحيط ٢١٥/٨.
(٢) في (م): المستولون.
(٣) ديوان الأخطل ص٥، وجاء في هامش الأصل: تَرَكَّل بمسحاته: إذا ضربها برجله لتدخل
في الأرض، كما في القاموس. اهـ منه، وهو في القاموس (ركل)، والمسحاة: ما يُسْحَى
به الطين، أي: يُقشر ويُجرف. ينظر القاموس (سحي). وجاء في الديوان: تظل، بدل:
تراه .

الآية : ٨٧
٣٧٩
سُؤَدَّةُ الوَاقِعَةِ
والكلامُ ناظرٌ إلى قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ).
وقيل: هو من دَانَ بمعنى انقاد وخَضَع، وتُجوِّز به عن الجزاء كما في قولهم:
كما تدينُ تُدان، أي: فلولا إن كنتم غيرَ مَجْزِيِّين، وجُعِل ناظرًا لإنكارهم البعثَ.
وليس بشيء.
﴿َتَرْجِعُونَهَا﴾ أي: الروح إلى مقرِّها، والقائلون بالتجرُّد يقولون: أي: ترجعون
تعلُّقها كما كان أولًا .
﴿إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ﴾ في اعتقادكم عدم خَالقِيَّتِه تعالى، فإنَّ عدم تصديقهم بخالقِيَّته
سبحانه لهم عبارةٌ عن تصديقهم بعدمها على مذهبهم.
وفي ((البحر)) وغيره: إن كنتم صادقين في تَعطيلكم وكفرِكم بالمُحيي المُميت
المبدئ المعيد، ونسبتكم إنزالَ المطرِ إلى الأنواء دونَه عز وجل(١).
و((ترجعون)) المذكور هو العامل بـ ((إذا)) الظرفية في ((إذا بلغت الحلقوم)) وهو
المحضَّض عليه بـ ((لولا)) الأولى، و((لولا)) الثانية تكريرٌ للتأكيد، و((لولا)) الأُولَى مع
ما في حيِّزها دليلُ جوابٍ الشرطِ الأول، أعني: ((إن كنتم غير مدينين))، والشرط
الثاني مؤكِّدٌ للأول مبيِّنٌ له، وقُدِّم أحدُ الشرطين على ((ترجعونها)) للاهتمام،
والتقدير: فلولا تَرجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غيرَ مربوبين صادقين فيما
تزعمونه من الاعتقاد الباطلِ فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم. وحاصلُ المعنى:
أنَّكم إن كنتم غيرَ مربوبين، كما تقتضيه أقوالُكم وأفعالكم، فما لكم لا ترجعون
الروحَ إلى البدن إذا بلغت الحلقوم، وتردُّونها كما كانت بقدرتكم، أو بواسطة
علاج للطبيعة .
١
وقوله تعالى: ((وأنتم حينئذ تنظرون)) جملة حاليةٌ من فاعل ((بلغت)) والاسميةُ
المقترنةُ بالواو لا تحتاجُ في الربط للضمير؛ لكفاية الواو، فلا حاجةَ إلى القول بأنَّ
العائدَ ما تضمَّنه ((حينئذ))؛ لأنَّ التنوين عِوَضٌ عن جملة، أي: فلولا ترجعونها زمانَ
(١) البحر ٢١٥/٨.

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
٣٨٠
الآية : ٨٨ - ٨٩
بلوغها الحلقومَ حالَ نَظَركم إليه وما يُقاسيه من هَوْل النَّزْع مع تعظُّفِكم عليه وتوقُّركم
على إنجائه من المهالك.
وقوله سبحانه: (وَتْنُ أَقْرَبُ) إلخ اعتراضٌ يؤكد ما سيقَ له الكلام من توبيخهم على
صدور ما يدُلُّ على سوء اعتقادِهم بربِّهم سبحانه منهم، وفي جواز جَعْله حالًا مقالٌ.
وقال أبو البقاء: ((ترجعونها)) جوابُ (لولا)) الأولى، وأغنَى ذلك عن جواب
الثانية، وقيل عكسُ ذلك(١).
وقيل: ((إن كنتم)) شرطٌ دخل على شرط، فيكونُ الثاني مقدَّمًا في التقدير، أي:
إن كنتم صادقين إن كنتم غيرَ مربوبين فأرجعوا الأرواحَ إلى الأبدان، وما ذكرناه
سابقًا اختيارُ جارِ الله(٢).
﴾ إلى آخره شروعٌ في بيان
وأيَّاما كان فقوله تعالى: ﴿فَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
حال المتوفَّى بعد الممات إِثْرَ بيانِ حاله عند الوفاة، وضميرُ ((كان)» للمتوفَّى المفهوم
مما مرَّ، أي: فأما إنْ كان المتوفَّى الذي بُيِّن حالُه من السابقين من الأزواج
الثلاثة، عبَّر عنهم بأَجَلِّ أوصافهم ﴿فَرَوْجٌ﴾ أي: فله رَوحٌ، على أنَّه مبتدأُ خبرُه
محذوفٌ مقدَّمٌ عليه؛ لأنَّه نكرةٌ، وقيل: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: فجزاؤه رَوح،
أي: استراحة، والفاءُ واقعةٌ في جواب ((أما)).
قال بعضُ الأجلة: تقديرُ هذا الكلام: مهما يكن من شيءٍ فَرَوٌ .. إلخ إن كان
من المقرَّبين، فحُذِفَ ((مهما يكن من شيءٍ) وأُقيمَ ((أما)) مقامَه، ولم يَحْسُن أن يليَ
الفاءُ ((أما))، فأوقع الفصل بين ((أما)) والفاء بقوله سبحانه: (إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
لتحسين اللفظِ، كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول.
والفاء في ((فروح)) وأخوَيه جوابُ ((أما)) دون ((إن))، وقال أبو البقاء: جواب
(ما)) ((فروح))، وأما (إن)) فاستُغني بجواب ((أما)) عن جوابها؛ لأنَّه يُحذَف كثيرًا(٣).
(١) إملاء مامنَّ به الرحمن ٤/ ٣٨٠.
(٢) في الكشاف ٤/ ٥٩.
(٣) إملاء ما من به الرحمن ٣٨١/٤.