Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٣٨ - ٤٠
٣٤١
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
﴿أَتْرَابًا﴾ مستویاتٍ في سنٌّ واحد كما قال أنس وابن عباس ومجاهد والحسن
وعكرمة وقتادة وغيرهم، كأنَّهنَّ شُبِّهنَ في التساوي بالترائب التي هي ضلوعُ
الصدر، أو كأنَّهنَّ وقَعْنَ معاً في التراب، أي: الأرض. وهنَّ بناتُ ثلاثٍ وثلاثين
سنة وكذا أزواجهنَّ.
وأخرج الترمذي عن معاذ مرفوعًا: ((يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جردًا مردًا مكخَّلين
أبناءَ ثلاثين، أو ثلاثٍ وثلاثين))(١). والمراد بذلك كمالُ الشباب.
وقوله تعالى: ﴿لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ (®﴾ متعلِّق بـ ((أنشأنا)) أو بـ ((جعلنا)). وقيل:
متعلِّق بـ ((أترابًا)) كقولك: فلانٌ تِربٌ لفلان، أي: مساوٍ له، فهو محتاجٌ إلى
التأويل. وتُعقِّب بأنَّه مع هذا ليس فيه كثيرُ فائدةٍ، وفيه نظر.
وقيل: بمحذوف هو صفة لـ ((أبكارًا))، أي: كائنات لأصحاب اليمين، وفيه
إقامةُ الظاهر مقامَ الضمير لطول العهد، أو للتأكيد والتحقيق.
خبرُ مبتدأ
وقوله تعالى: ﴿ثٌلَّةٌ مِنَ الْأَلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِينَ
محذوفٍ، أي: هم ثلَّةٌ، أو خبرٌ ثانٍ لـ ((هم)) المقدَّر مبتدأ مع ((في سدر))، أو
لـ ((أصحاب اليمين)) في قوله تعالى: (وَأَعَْبُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ أَلْيَمِينِ) أو مبتدأ خبرُه
محذوف، أي: منهم، أو مبتدأ خبرُه الجارُّ والمجرور قبله، احتمالاتٌ اعتُرض
الأخير منها بأنَّ المعنى عليه غيرُ ظاهرٍ ولا طلاوةَ فيه، وجَعْلُ اللام بمعنى ((مِن))
كما في قوله:
ونحنُ لكم يومَ القيامة أفضلٌ(٢)
لا یخفی حاله.
والأولون والآخرون: المتقدِّمون والمتأخّرون؛ إما من الأمم وهذه الأمة، أو
من هذه الأمة فقط على ما سمعتَ فيما تقدَّم.
(١) سنن الترمذي (٢٥٤٥)، وأخرجه أحمد (٢٢١٠٦).
(٢) عجز بيت لجرير وصدره: لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم، وهو في ديوانه ١٤٣/١.

سُودَةُ الوَاقِعَةِ
٣٤٢
الآية : ٤١ - ٤٣
هذا ولم يقل سبحانه في حقِّ أصحاب اليمين: ((جزاء بما كانوا يعملون))
كما قاله عز وجل في حقِّ السابقين رمزًا إلى أنَّ الفضل في حقِّهم متمخِّضٌ، كأنَّ
عملَهم لقصوره عن عمل السابقين لم يُعتَبر اعتبارَه.
ثم الظاهرُ أنَّ ما ذكر من حال أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه،
فلا ينافي أنْ يكونَ منهم مَن يُعذّب لمعاصٍ فعلَها ومات غيرَ تائبٍ عنها ثم يدخلُ
الجنة، ولا يمكنُ أنْ يقال: إنَّ المؤمنَ العاصي من أصحاب الشمال؛ لأنَّ صريحَ
أوصافهم الآتية يقتضي أنَّهم كانوا كافرين، ويلزم من جَعْل هذا قسمًا على حِدَةٍ كونُ
القسمة غيرَ مستوفاةٍ فليتأمل، والله تعالى أعلم.
جَ فِي سَمُورٍ﴾ على نمط
والكلام في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ
ما سلف في نظيره، والسَّمُوم قال الراغب: الريح الحارَّة التي تؤثِّر تأثيرَ السُّمِّ(١).
وفي ((الكشاف)): حرُّ نارٍ ينفذُ في المسامِ(٢). والتنوين للتعظيم وكذا في قوله تعالى:
﴿وَحَيٍ ﴾﴾ وهو الماءُ الشديدُ الحرارة.
﴿وَظِلٍ مِنِ يَجْهُمٍ ﴾﴾ أي: دخان أسود كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن زيد
والجمهور، وهي على وزن يَفْعُول، وله نظائر قليلة، من الحُمَمَةِ (٣): القطعةُ من
الفحم، وتسميتُه ظلًّا على التشبيه التهگّمي.
وعن ابن عباس أيضًا أنَّه سُرادقُ النار المحيطُ بأهلها يرتفعُ من كلِّ ناحيةٍ حتى
يُظلَّهم.
وقال ابن كيسان: هو من أسماء جهنّم؛ فإنَّها سوداء، وكذا كلُّ ما فيها أسودُ
بهيمٌ، نعوذ بالله تعالى منها .
وقال ابن بريدة وابن زيد أيضًا: هو جبلٌ في النار أسودُ يفزع أهلُ النار إلى
ذُرَاه فيجدونه أشدَّ شيء.
(١) مفردات الراغب (سم).
(٢) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٣) في هامش الأصل: بضم الحاء المهملة وبميمَين مفتوحتين تليها تاء التأنيث. اهـ منه.

الآية : ٤٤
٣٤٣
سُؤَدَّةُ الوَاقِعَةِّ
والجارُّ والمجرور في موضع الصفة لـ ((ظل))، وكذا قوله سبحانه: ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا
صفتان له، وتقديمُ الصفةِ الجارِّ والمجرور على الصفة المفردة جائزٌ
٤٤
کریم
كما صرَّح به الرضي وغيرُه، أي: لا باردٍ كسائر الظلال، ولا نافع لمن يأوي إليه
من أَذَى الحرِّ، وذلك كرمه، فهناك استعارةٌ. ونَفَى ذلك ليمحَقَ توهُّم ما في الظل
من الاسْتِرْواح إليه وإنْ وُصِف أولًا بقوله تعالى: (مِن يَحْثُمٍ) والمعنى: أنَّه ظلٌّ حارٌّ
ضارٌّ، إلا أنَّ للنفي شأنًا ليس للإثبات، ومن ذلك جاء التهكُم والتعريض بأنَّ الذي
يستأهل الظلَّ الذي فيه بردٌ وإكرام غيرُ هؤلاء، فيكون أشجَى لحلوقهم وأشدَّ
لتحسُّرهم.
وقيل: الكرمُ باعتبار أنَّه مرضيٍّ في بابه، فالظلُّ الكريم هو المرضي في بَرْده
ورَوْحه. وفيه أنَّه لا يلائم ما هنا؛ لقوله تعالى: (لَّا بَارِدٍ).
وجوز أنْ يكونَ ذلك نفيًا لكرامة مَن يسْتَروِحُ إليه، ونُسِب إلى الظلِّ مجازًا،
والمراد: أنَّهم يستظلُّون به وهم مهانُون، وقد يُحتَملُ المجلسُ الرديء لِنيل
الكرامة .
وفي ((البحر)): يجوز أنْ يكونا صفتَين لـ ((يَحْموم))، ويلزمُ منه وصفُ الظلِّ
بهما (١).
وتُعقّبَ بأنَّ وصْفَ اليحموم - وهو الدخان - بذلك ليس فيه كبيرُ فائدةٍ.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((لا باردٌ ولا كريمٌ)) برفعهما(٢)، أي: لا هو باردٌ ولا کریمٌ،
على حدٍّ قوله:
فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا محرُومُ(٣)
أي: لا أنا حرِجٌ ولا محرومٌ.
٣
(١) البحر المحيط ٢٠٩/٨.
(٢) البحر المحيط ٢٠٩/٨.
(٣) وصدره: ولقد أكون من الفتاة بمنزل، والبيت للأخطل وهو في ديوانه ص ٨٤.

سُورَةُ الوَاقِعَةِّ
٣٤٤
الآية : ٤٥
تعليلٌ لا بتلائهم بِما ذُكر من
٤٥
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
العذاب، وسلك هذا المسلكَ في تعليل الابتداء بالعذاب اهتمامًا بدفع توهُّم الظلم
في التعذيب، ولمَّا كان إيصالُ الثواب مما ليس فيه توقُمُ نقصٍ أصلًا لم يسلك فيه
نحو هذا.
والمترفُ هنا بقرينة المقام هو المتروك يصنعُ ما يشاء لا يُمنَع، والمعنى: إنَّهم
◌ُذِّبوا لأنّهم كانوا قبلَ ما ذكرَ من العذاب في الدنيا متَّبعين هوَى أنفسِهم، ولیس
لهم رادٌ منها يردعُهم عن مخالفة أوامره عز وجل، وارتكابٍ نواهيه سبحانه. وكذا
قیل.
وقيل: هو العاتي المستكبرُ عن قبول الحقِّ والإذعان له، والمعنى: إنَّهم عُذِّبوا
لأنَّهم كانوا في الدنيا مستكبرين عن قبول ما جاءتهم به رسُلُهم من الإيمان بالله عز
وجل، وما جاء منه سبحانه.
وقيل: هو الذي أترفَتْه النعمةُ، أي: أبطَرَتْه وأطفَتْه. وقريبٌ منه ما قيل: هو
المنَّم المنهمِكُ في الشهوات، وعليه قول أبي السعود: أي: إنَّهم كانوا قبل ما ذكر
من سوء العذاب في الدنيا منتَّمين بأنواع النعم من المآكل والمشاربِ والمساكن
الطيبة والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فلا جَرَم عُذِّبوا بنقائضها(١).
وتُعقّبَ بأنَّ كثيرًا من أهل الشمال ليسوا متْرَفين بالمعنى الذي اعتبره، فكيف
يصحُّ تعليلُ عذابِ الكلِّ بذلك؟ ولا يَرِدُ هذا على ما قدَّمناه من القولَين
كما لا يخفى.
ومن الناس مَن فسَّر المترف بما ذكر وتَفَصَّى عن الاعتراض بأنَّ تعليلَ عذاب
الكلِّ بما ذكر في حيِّز العلة لا يستدعي أنْ يكونَ كلٌّ من المذكورات موجودًا في كلِّ
من أصحاب الشمال، بل وجودُ المجموعِ في المجموع، وهذا لا يضرُّ فيه
اختصاصُ البعضِ بالبعض، فتأمَّلْه.
(١) تفسير أبي السعود ١٩٤/٨ - ١٩٥.

الآية : ٤٦ - ٤٧
٣٤٥
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
وقيل: المترفُ المجعول ذا تُرْفَة، أي: نعمةٍ واسعةٍ، والكلُّ مترفون بالنسبة إلى
الحالة التي يكونون عليها يوم القيامة. وهو - على ما فيه - لا يظهرُ أمرُ التعليل
عليه .
﴿وَكَانُواْ يُصِرُونَ﴾ يتشدَّدون ويمتنعون من الإقلاع ويُداومون ﴿عَلَى لَلِثِ﴾ أي:
الذنب ﴿اَلْعَظِيمِ﴾ وفسَّر بعضُهم ((الحنث)) بالذنب العظيم لا بمطلَق الذنب، وأيد بأنَّه
في الأصل العدل العظيم، فوصفه بـ ((العظيم)) للمبالغة في وَصْفه بالعِظَم، كما وُصِف
الطّوْرُ (١) - وهو الجبل العظيم - به أيضًا.
والمرادُ به كما روي عن قتادة والضحاك وابن زيد: الشركُ، وهو الظاهر،
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي: أنَّ المرادَ به الكبائر(٢). وكأنَّه جَعَل المعنى:
وكانوا يُصرُّون على كل حنثٍ عظيم. وفي روايةٍ أخرى عنه: أنَّه اليمينُ
الغموسُ(٣). وظاهرُه الإطلاق.
وقال التاج السبكي في ((طبقاته)): سألتُ الشيخَ - يعني والدَه تقي الدين -:
ما الحنثُ العظيم؟ فقال: القَسَمُ على إنكار البعثِ المشار إليه بقوله تعالى:
﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. وهو تفسيرٌ حسنٌ
لأنَّ الحنثَ وإنْ فُسِّر بالذنب مطلقًا أو العظيم، فالمشهورُ استعمالُه في عدم البِرِّ في
القَسَم(٤) .
وتعقِّبَ بأنَّه يأباه قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا﴾ إلى
آخره؛ للزوم التكرار.
وأُجيبَ بأنَّ المرادَ بالأول وصفُهم بالثبات على القَسَم الكاذب، وبالثاني
وصفُهم بالاستمرار على الإنكار، والرمزُ إلى استدلالٍ ظاهرٍ الفسادِ، مع أنَّه
لا محذورَ في تكرار ما يدلُّ على الإنكار، وهو توطئةٌ وتمهيدٌ لبيان فساده.
(١) في الأصل: الطور، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٤٤/٨.
(٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٠.
(٣) النكت والعيون ٥/ ٤٥٧ .
(٤) الطبقات الكبرى ٢٨٢/١٠.

سُورَةُ الوَاقِعَةِ،
٣٤٦
الآية : ٤٨
والمرادُ بقولهم: ((كنا ترابًا وعظامًا)): كان بعضُ أجزائنا من اللحم والجلد
ونحوهما ترابًا وبعضُها عظامًا نخرة. وتقديمُ التراب لأنَّه أبعدُ عن الحياة التي
يقتضيها ما هم بصَدَد إنکارِه من البعث.
و ((إذا)) متمخِّضة للظرفية، والعاملُ فيها ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَمِنَّا
لَمَبْعُولُونَ﴾ - لا ((مبعوثون)) نفسه، لتعدُّد ما يمنعُ من عمل ما بعده فيما قبله(١) - وهو:
نُبْعَث، وهو المرجع للإنكار، وتقییده بالوقت المذكور لیس لتخصيص إنكاره به،
فإنَّهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدنُ على حاله، [بل] (٢) لتقوية الإنكار
للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافيةٍ له بالكلية، وهذا كالاستدلال على ما يزعمونَه.
وتكريرُ الهمزة لتأكيد النكير، وتحليةُ الجملة بـ ((إنَّ) لتأكيد الإنكار لا لإنكار
التأکید.
عطفٌ على محل ((إنَّ) واسمها، أو
٤٨
وقوله سبحانه: ﴿أَوَ ءَبَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ
على الضمير المستتر في ((مبعوثون)) وحَسُنَ للفصل بالهمزة وإن كانت حرفًا واحدًا
كما قال الزمخشري(٣)، ولا يضرُّ عملُ ما قبل هذه الهمزة في المعطوف بعدها؛
لأنَّها مكررةٌ للتأكيد، وقد زُحلقَت عن مكانها، وقولهم: الحرفُ إذا كرِّر للتأكيد
فلا بدَّ أنْ يُعاد معه ما اتَّصل به أولًا أو ضميره (٤) لا يُسلَّم اطَّرادُه؛ لورود:
ولا لِلِمَا بهم أبدًا دواءٌ(٥)
وأمثالِهِ. وجوز أن يكون ((آباؤنا)) مبتدأ وخبرُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبل، أي:
مبعوثون، والجملةُ عطفٌ على الجملة السابقة، وهو تكلُّف يُغني عنه العطفُ
(١) وهو الفصل بـ ((إنَّ) وبالهمزة، وكلٌّ منهما يستحق الصدارة المانعة عن عمل ما بعده فيما
قبله. حاشية الشهاب ٨/ ١٤٥ .
(٢) مابين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٩٥/٨، والكلام منه.
(٣) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٤) في الأصل و(م): ضمير، والمثبت من حاشية الشهاب ١٤٥/٨.
(٥) عجز بيت، وصدره: فلا والله لا يُلْفَى لما بي، وهو لمسلم بن معبد الوالبي كما في خزانة
الأدب ٣٠٨/٢، وسلف ١٨١/١.

الآية : ٤٩ - ٥٢
٣٤٧
سُوَّةُ الوَاقِعَةِ
المذكور، والمعنى: أيُبعَثُ أيضًا آباؤنا، على زيادة الاستبعاد، يعنونَ أنَّهم أقدمُ
فبعثُهم أبعدُ وأبطلُ.
وقرأ قالون وابن عامر: ((أَوْ آباؤنا)) بإسكان الواو(١)، وعلى هذه القراءة
لا يُعطَفُ على الضمير إذ لا فاصلَ.
﴿قُلْ﴾ ردًّا لإنكارهم وتحقيقًا للحقِّ: ﴿إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينَ﴾ من الأمم الذين من
جملتهم أنتم وآباؤكم، وتقديمُ ((الأولين)) للمبالغة في الردِّ حيث كان إنكارُهم لبعث
آبائهم أشدَّ من إنكارهم لبعثهم، مع مراعاة الترتيب الوجودي ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بعد
البعث، وقرئ: (لَمُجْمَعُون))(٢) .
﴿إِلَى مِقَتِ يَّمْ تَعْلُوم﴾ وهو يوم القيامة، ومعنى كونِهِ معلومًا كونُه معيَّنًا عند الله
عز وجل، والميقاتُ ما وقّت به الشيء، أي: حُدَّ، ومنه مواقيت الإحرام، وهي
الحدود التي لا يتجاوزُها مَن يريد دخول مكة إلا مُحْرِمًا، وإضافته إلى ((يوم)) بيانية
كما في: خاتم فضة، وكون يوم القيامة ميقاتًا؛ لأنَّه وُقِّتَت به الدنيا، و((إلى)) للغاية
والانتهاء، قيل(٣): والمعنى: لمجموعون منتهين إلى ذلك اليوم، وقيل: ضُمِّن
معنى السّوق فلذا تعدَّى بها .
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَّا الشََّلُونَ﴾ عطف على ((إنَّ الأولين)) داخلٌ في حيِّز القول، و(ثم))
للتراخي الزماني أو الرُّتْبِي ﴿الْمُكَذِبُونَ﴾ بالبعث، أو بما يعمُّه وغيرَه، ويدخل هو
دخولًا أوليًّا للسياق على ما قيل، والخطابُ لأهل مكة وأضرابهم.
﴿لَكُونَ﴾ بعد البعث والجَمْعِ ودخولِ جهنم ﴿مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ﴾ ((مِن)) الأُولَى
لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر، وتفسيرُه، أي: مبتدؤون للأكل من شجر هو
زقُّوم، وجوِّز كونُ الأولى تبعيضية و((مِن)) الثانية على حالها، وجوِّز كونُ ((مِن زقوم))
بدلًا من قوله تعالى: ((مِن شجر)) فـ ((مِن)) تحتمل الوجهَين، وقيل: الأُولى زائدة.
(١) التيسير ص١٨٦، والنشر ٣٥٧/٢، وقرأ بها أبو جعفر.
(٢) القراءات الشاذة ص١٥٢ .
(٣) في (م): وقيل.

سُورَةُ الوَاقِعَةِ
٣٤٨
الآية : ٥٣ - ٥٥
وقرأ عبد الله: ((مِن شجرة))(١) فوجه التأنيث ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿فَلُونَ مِنْهَا
اَلْبُطُونَ
﴾ أي: بطونَكم من شدَّة الجوع، فإنَّه الذي اضطرهم وقَسَرهم على أكل
٥٢
مثلها مما لا يُؤْكَل، وأما على قراءة الجمهور فوجهُه الحملُ على المعنى؛ لأنَّه
بمعنى الشجرة، أو الأشجار إذا نُظِرَ لصدقه(٢) على المتعدِّد. وأما التذكير على هذه
القراءة في قوله سبحانه: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: عقيب ذلك بلا ريث ﴿مِنَ الْحَسِيمِ﴾ أي:
الماء الحارِّ في الغاية لغلبة العطش = فظاهرٌ لا يحتاج إلى تأويل.
وقال بعضهم: التأنيث أولًا باعتبار المعنى، والتذكيرُ ثانيًا باعتبار اللفظ. فقيل
عليه: إنَّ فيه اعتبارَ اللفظ بعد اعتبار المعنى على خلاف المتعارفِ، فلو أُعيدَ
الضميرُ المذكَّر على الشجر باعتبار كونه مأكولًا ليكونَ التذكيرُ والتأنيثُ باعتبار
المعنى كان أَولَى. وفيه بحثٌ.
ووجهُهُ على القراءة الثانية أنَّ الضميرَ عائدٌ على الزقوم، أو على الشجر (٣)
باعتبار أنَّها زقومٌ أو باعتبار أنَّها مأكول.
وقيل: هو مطلقًا عائدٌ على الأكل، وتعقّب بأنَّه بعيدٌ لأنَّ الشربَ عليه لا على
تناوله، مع ما فيه من تفكيك الضمائر، وكونُه مجازًا شائعًا وغيرَ مُلْبِسٍ لا يدفعُ
البعد، فتأمل.
﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلْهِمِ
؛ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك جمع
۵۵
أَهْيَم، وهو الجملُ الذي أصابه الهُيام بضم الهاء، وهو داءٌ يشبه الاستسقاء يُصيبُ
الإبل فتشرب حتى تموتَ، أو تسقم سُقْمًا شديدًا، ويقال: إبلٌ هَيْماء وناقةٌ هيماء،
كما يقال: جملٌ أهْيَم؛ قال الشاعر:
فأصبحتُ کالھیماءِ لا الماءُ مُبرِدٌ
صداها، ولا يَقْضي عليها هُيامُها (٤)
(١) معاني القرآن للفراء ١٢٧/٣، والبحر المحيط ٢١٠/٨.
(٢) في حاشية الشهاب ٨/ ١٤٥ (والكلام منه): لصدقها.
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: الشجرة. ينظر الكشاف ٤/ ٥٥-٥٦.
(٤) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ١٠٠٠، وتفسير البيضاوي ١٤٦/٨، وفي الديوان:
مبرئ، بدل: مبرد.

الآية : ٥٦
٣٤٩
سُوَّةُ الوَاقِعَةِ
وجَعَل بعضُهم ((الهيم)) هنا جمع الهيماء، وقيل: هو جمع هائم أو هائمة،
وجمع فاعل على فعل كبازل وبزل شاٌّ. وعن ابن عباس أيضًا وسفيان: ((الهيم))
الرِّمال التي لا تَرْوَى من الماء لتَخَلْخُلها، ومفردُه هَيَام بفتح الهاء على المشهور
كسَحَاب وسُحُب، ثم ◌ُفِّف وفُعِلَ به ما فُعِلَ بجَمْع ((أبيض)) من قلب الضمة كسرةً
لتسلَمَ الياءُ ويخفَّ اللفظ، فكُسِرت الهاء لأجل الياء، وهو قياسٌ مّردٌ في بابه.
وقال ثعلب: هو بالضمِّ كقُراد وقُرُد، ثم خُفِّف وفُعِل به ما فُعل مما سمعتَ.
والعطف بالفاء قيل: لأنَّ الإفراط بعد الأصلي، وقيل: لأنَّ كلَّا من المتعاطفَين
أخصُّ من الآخر، فإنَّ شارب الحميم قد لا يكونُ به داء الهُيام، ومَن به داء الهُيام
قد يشربُ غيرَ الحميم، والشربُ الذي لا يُحصِّلُ الريَّ ناشئٌ عن شرب الحميم؛
لأنَّه لا يبلُّ الغلیل.
والذي أختاره ما قالَه مفتي الديار الرومية: إنَّ ذلك كالتفسير لِمَا قبلَه، أي:
لا يكونُ شربُكم شربًا معتادًا بل يكونُ مثلَ شُربٍ الهيم(١).
والشُّرب بالضم مصدر، وقيل: اسمٌ لِمَا يُشرَب، وقرأ رسول الله ێ، كما روى
جماعة منهم الحاكم وصححه، عن ابن عمر ﴿ثًا: ((شَرْبَ)) بفتح الشين(٢)، وهو
مصدر شَرِب المقيس، وبذلك قرأ جمعٌ من السبعة والأعرج وابن المسيب وشعيب
ومالك بن دينار وابن جريج(٣).
وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي بكسر الشين(٤)، وهو اسمٌ بمعنى المشروب،
لا مصدر كالطِّحْن والرِّعي.
﴿هَذَا﴾ الذي ذُكِرَ من ألوان العذاب ﴿نُلُمْ يَوْمَ الِيِنِ﴾ يوم الجزاء، فإذا كان ذلك
(١) تفسير أبي السعود ١٩٦/٨.
(٢) المستدرك ٢/ ٢٥٠، وفيه سلام بن سليمان المدايني، قال الذهبي في التلخيص: سلام
ضعيف.
(٣) التيسير ص٢٠٧، والنشر ٢٨٣/٢، عن ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو والكسائي من
السبعة، وهي قراءة يعقوب وخلف من العشرة، والكلام من البحر المحيط ٢١٠/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٧/٥، والبحر المحيط ٢١٠/٨.

سُوَدَّةُ الْوَاقِعَةِ
٣٥٠
الآية : ٥٧ - ٥٨
نُزُلهم - وهو ما يُقدَّم للنازل مما حضر - فما ظنُّك بما لهم بعد ما استقرَّ لهم القرار،
واطمأنت لهم الدار في النار؟
وفي جعله نُزُلًا - مع أنَّه مما يُكرَم به النازل - من التهكُّم ما لا يخفَى، ونظير
ذلك قوله :
وكنّا إذا الجبَّارُ بالجيش ضافَئًا
جعلنا القَنَا والمرهفاتِ له نُزْلا(١)
وقرأ ابن محيصن وخارجة عن نافع ونعيم ومحبوب وأبو زيد وهارون وعصمة
وعباس كلهم عن أبي عمرو: ((نُزْلهم)) بتسكين الزاء المضمومة(٢) للتخفيف كما في
البيت.
والجملةُ مسوقة من جهته سبحانه وتعالى بطريق الفَذْلكةِ مقرِّرة لمضمون الكلام
الملقن، غير داخلةٍ تحت القول.
وقوله تعالى: ﴿فَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
تلوینٌ للخطاب، وتوجيه له إلى
٥٧
الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت، والفاءُ لترتيب التحضيض على ما قبلها، أي: فهلًّا
تصدِّقون بالخلق، بقرينة ((نحن خَلقْناكم)) ولمَّا لم يُحقِّق تصديقَهم المشعِرَ به قولُه
تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] عَمَلُهم،
حيث لم يقترن بالطاعة والأعمال الصالحة، بل اقترَنَ بما يُنبئُ عن خلافه من الشرك
والعصيان، نُزِّلَ منزلَة العدم والإنكار، فحُضُّوا على التصديق بذلك.
وقيل: المرادُ: فهلا تصدِّقون بالبعث، لتقدُّمه، وتقدَّم إنكارُه في قولهم: ((أئنا
لمبعوثون)) فيكون الكلامُ إشارةً إلى الاستدلال بالإبداء على الإعادة، فإنَّ مَن قَدَرَ
عليه قَدَرَ عليها حتمًا .
والأوَّل هو الوجهُ، كما يظهرُ مما بعد إن شاء الله تعالى.
، أي: ما تقذِفونه في الأرحام من النُّطف، وقرأ ابن عباس
﴿أَفَرَّهَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ
٥٨
(١) البيت لأبي الشعر الضبي كما في الكشاف ٥٦/٤، وسلف ٢٣٥/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص١٥١، والقرطبي ٢٠٦/٢٠، والبحر المحيط ٢١٠/٨.

الآية : ٥٩ - ٦٠
٣٥١
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
وأبو السَّمَّال: ((تَمنون)) بفتح التاء (١)، من مَنَى النطفةَ بمعنى أمناها، أي: أزالها
بدفع الطبيعة.
﴿وَتُ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تقدِّرونه وتصوِّرونه بشرًا سويًّا تامًّ الخِلْقة، فالمرادُ خَلْق
ما يحصل منه، على أنَّ في الكلام تقديرًا أو تجوُّزًا، وجوِّز إبقاء ذلك على ظاهره،
أي: أأنتم تخلقونَه وتُنشئون نفسَ ذات ما تُمنونه ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾ له من غیر دَخْل
شيء فيه.
و((أرأيتم)) قد مرَّ الكلامُ غير مرَّةٍ فيه، ويقال هنا: إنَّ اسم الموصولِ مفعولُه
الأولُ، والجملة الاستفهامية مفعوله الثاني، وكذا يقال فيما بعدُ مِن نظائره، وما يُعتَبر
فيه الرؤيةُ بصريةً تكونُ الجملة الاستفهامية فيه مستأنفةً لا محلَّ لها من الإعراب.
وجوز في ((أنتم)) أن يكون مبتدأ، والجملةُ بعده خبرُه، وأنْ يكون فاعلًا لفعل
محذوف، والأصل: أتخلقونه(٢)، فلمَّا حذف الفعل انفصَل الضميرُ، واختاره
أبو حيان (٣).
و((أم)) قيل: منقطعة لأنَّ ما بعدَها جملةٌ، فالمعنى: بل أنحنُ الخالقون، على
أنَّ الاستفهامَ للتقرير، وقال قوم من النحاة: متَّصلةٌ معادلة للهمزة، كأنَّه قيل: أأنتم
تخلقُونه أم نحنُ، ثم جيء بـ ((الخالقون)) بعدُ بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية
أصالةً.
﴿فَحْنُ قَذَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ قسَمناه عليكم ووقَّتنا موتَ كلِّ أحدٍ بوقت معيَّن حسبما
تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة.
وقرأ ابن كثير: ((قَدَرْنا)» بالتخفيف(٤).
(١) القراءات الشاذة ص١٥١، والكشاف ٥٦/٤، والمحرر الوجيز ٢٤٨/٥، والبحر المحيط
٢١١/٨.
(٢) في الأصل و(م): أتخلقون، والمثبت من البحر ٢١١/٨، والدر المصون ٢١٤/١٠.
(٣) في البحر المحيط ٢١١/٨.
(٤) التيسير ص٢٠٧، والنشر ٢٨٣/٢.

سُؤَةُ الْوَاقِعَةِ
٣٥٢
الآية : ٦١ - ٦٢
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: لا يغلبنا أحدٌ ﴿عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْتَلَكُمْ﴾ أي: على أنْ
نُذهِبَكم ونأتيَ مكانَكم أشباهَكم من الخلق، فالسبقُ مجازٌ عن الغلبة، استعارةٌ
تصريحية أو مجاز مرسل عن لازمه، وظاهرُ كلام بعض الأجلة: أنَّه حقيقةٌ في ذلك
إذا تعدَّى بـ ((على)). والجملةُ في موضع الحال من ضمير ((قَدَّرنا))، وكأنَّ المراد:
قدَّرنا ذلك ونحن قادرون على أنْ نُميتكم دفعةً واحدةً ونخلُقَ أشباهَكم.
﴿وَتُنشِئَكُمْ فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الخلق والأطوار التي لا تعهدونها، وقال
الحسنُ: من كونكم قردةً وخنازيرَ، ولعل اختيارَ ذلك لأنَّ الآيةَ تنحو إلى الوعيد،
والمرادُ: ونحن قادرون على هذا أيضًا.
وجوِّز أن يكون ((أمثالكم)) جمعَ مَثَل بفتحتين بمعنى الصفة، لا جمع مِثْل
بالسكون بمعنى الشبه كما في الوجه الأول، أي: ونحن نقدرُ على أن نغيِّر صفاتكم
التي أنتم عليها خَلْقًا وخُلُقًا، ونُنشئَكم في صفات لا تعلمونَها.
وقيل: المعنى: ونُنشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا.
وقيل: المعنى: وما يسبقنا أحدٌ فيهرب من الموت أو يغيِّر وقتَه الذي وقَّتناه،
على أنَّ المراد تمثيلُ حال مَن سَلِمَ من الموت أو تأخّر أجلُه عن الوقت المعيَّن له
بحالٍ مَن طلبه طالبٌ فلم يلحقه وسبَقَه، وقوله تعالى: (عَلَى أَن نُّدِّلَ) إلخ في موضع
الحال من الضمير المستتر في ((مسبوقين)) أي: حال كوننا قادرين أو عازمين على
تبديل أمثالكم، والجملةُ السابقةُ على حالها .
وقال الطبري: ((على أن نبدِّل)) متعلّقٌ بـ ((قدَّرنا)) وعلة له، وجملة ((وما نحن
بمسبوقين)) اعتراضٌ، والمعنى: نحن قدَّرنا بينكم الموتَ لأنْ نبدِّل أمثالكم، أي:
نميتُ طائفة ونبدِّلها بطائفة، هكذا قَرْنًا بعد قَرْن(١).
﴿وَلَغَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ مِن خَلْقكم من نُطفة، ثم مِن علقَة، ثم من مضغة.
وقال قتادة: هي فطرةُ آدَمَ عليه السلام من التراب، ولا ينكرها أحدٌ من ولده.
(١) ينظر تفسير الطبري ٢٤٦/٢٢، والبحر المحيط ٢١١/٨.

الآية : ٦٣ - ٦٤
٣٥٣
سُورَةُ الوَاقِعَّةِ
﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فهلَّا تتذكرون أنَّ مَن قدر عليها فهو على النشأة الأخرى أقدَرُ
وأقدَرُ، فإنَّها أقلُّ صنعًا لحصول الموادِ (١) وتخصيصٍ الأجزاء وسبقِ المثال،
وهذا - على ما قالوا - دليلٌ على صحة القياس، لكن قيل(٢): لا يدلُّ إلا على قياس
الأُوْلَى، لأنَّه الذي في الآية، وفي الخبر: عَجَبًا كلَّ العجب للمكذِّب بالنشأة
الآخرة وهو يَرَى النشأةَ الأُولَى، وعَجَبًا للمصدِّق بالنشأة الآخرة وهو يسعَى لدار
الغرور(٣).
وقرأ طلحة: ((تَذْكُرون)) بالتخفيف وضم الكاف(٤).
﴿أَفََّ يْتُمُ مَّا تَخْرُونَ ﴾﴾ ما تبذُرُون حَبَّه وتعملون في أرضه ﴿وَأَنْتُمْ نَزْرَعُونَهُ﴾﴾
تُنبتُونه وتردُّونه نباتًا يَرفُّ وينمي إلى أنْ يبلغَ الغاية ﴿أَمْ نَحْنُ الَِّعُونَ﴾ أي: المنبتون
لا أنتم، والكلامُ في ((أنتم)) و((أم)) كما مرَّ آنفًا .
وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في ((شعب الإيمان))
وضعَّفه، وابن حبان كما قال الخفاجي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّت:
(لا يقولَنَّ أحدُكم: زَرَعْتُ، ولكن ليقل: حَرَثْتُ)) ثم قال أبو هريرة ◌َُّته: ألم
تسمَعُوا الله تعالى يقول: (أَفََّيْتُمُ مَّا تَخُونَ * ءَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَنْ تَحْنُ الزَّرِعُونَ)»(٥)،
يشيرُ رَّه إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام أخذَ النهيَ من هذه الآية، فإنَّه أسند الحرثَ
إلى المخاطبين دون الزرع.
وقال القرطبيُّ: إنَّه يستحبُّ للزارع أن يقولَ بعد الاستعاذة وتلاوة هذه الآية: الله
تعالى الزارعُ والمنبِتُ والمبلغُ، اللهم صلِّ على محمد، وارزقنا ثمَرَه وجنِّنا ضرَرَه،
(١) في الأصل: المراد، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٩٧/٨، والكلام منه.
(٢) قوله: قيل، ليس في الأصل.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم ٣٢٨/٦ عن علي بن الحسين بنحوه.
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٨/٥، والبحر المحيط ٢١١/٨.
(٥) كشف الأستار (١٢٨٩)، وتفسير الطبري ٣٤٨/٢٢، وحلية الأولياء ٢٦٧/٨، وشعب
الإيمان (٥٢١٧-٥٢١٨)، وصحيح ابن حبان (٥٧٢٣)، وحاشية الشهاب ١٤٧/٨، وعزاه
لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٠-١٦١.

سُوَرَةُ الْوَاقِعَةِ
٣٥٤
الآية : ٦٥
واجعلنا لأَنْعُمِكَ من الشاكرين. قيل: وقد جرِّب هذا الدعاءُ لدفع آفاتِ الزرع كلِّها
وإنتاجه(١).
﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا﴾ هشيمًا متكسِّرًا متفتّتًا لشدَّة يَبْسه بعدما أنبتناه، وصار
بحيث طمعتُم في حيازة غِلاله. ﴿فَظَلْتُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿تَفَكُّهُونَ﴾ تتعجبون من سوء
حاله إثرَ ما شاهدتُموه على أحْسَن ما يكونُ من الحال، على ما روي عن ابن عباس
ومجاهد وقتادة.
وقال الحسن: تندَمُون، أي: على ما تعبتُم فيه وأنفقتُم عليه من غير حصول
نَفْع، أو على ما اقترفتُم لأجله من المعاصي.
وقال عكرمة: تلاوَمُون على ما فعلتُم.
وأصل التفّه التنقُّل بصنوف الفاكهة، واستُعير للتنقل بالحديث، وهو هنا
ما يكونُ بعد هلاكِ الزرع، وقد كنى به في الآية عن التعجّب أو الندم أو التلاوم
على اختلاف التفاسير.
وفي ((البحر)): كلُّ ذلك تفسيرٌ باللازم، ومعنى ((تفكهون)» تطرحون الفُكاهةَ عن
أنفسكم، وهي المسرَّة، ورجلٌ فَكِهٌ: منبَسِطُ النفس غيرُ مكترثٍ بشيء، وتفگّه من
أخوات تحرَّج وتحوَّب(٢)، أي أنَّ التفعُّل فيه للسلب.
وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية العتكي عنه: ((فِظِلْتُم)) بكسر الظاء
كما قالوا: مِسْتُ بالكسر ومَسْتُ بالفتح، وحكاها الثوري عن ابن مسعود،
وجاءت عن الأعمش، وقرأ عبد الله والجحدري: ((فظَلِلتم)) بلامَين أولاهما
مكسورة، وقرأ الجحدري أيضًا كذلك مع فتح اللام، والمشهور ظَلِلْتُ
بالكسر(٣).
(١) تفسير القرطبي ٢٠/ ٢١٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في حاشيته ٨/ ١٤٧.
(٢) البحر المحيط ٢١١/٨.
(٣) تنظر هذه القراءات في المحرر الوجيز ٢٤٩/٥، والبحر المحيط ٢١١/٨-٢١٢.

الآية : ٦٦ - ٦٩
٣٥٥
سُورَةُ الوَاقِعَّةِّ
وقرأ أبو حزام: ((تفّنُون)) بالنون بدل الهاء، قال ابن خالويه: تفكّه بالهاء
تعجَّب، وتفكَّن بالنون تندَّم(١).
أي: معذَّبون مهلكون، من الغرام وهو الهلاك، قال الشاعر:
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ◌َ
طِ جزيلاً فإنَّه لا يُبالي(٢)
إنْ يُعذِّب يكن غرامًا وإن يُعـ
والمرادُ: مهلكون بهلاك رزقنا، وقيل: بالمعاصي، أو ملزمون غرامةً بنقص
رزقنا، وقرأ الأعمش والجحدري وأبو بكر: ((أثنا)) بالاستفهام والتحقيق(٣)،
والجملةُ على القراءتَين بتقدير قول، هو في حيِّز النصب على الحالية من فاعل
(تفگّهون»، أي: قائلین - أو تقولون - ذلك.
﴾ محدودون لا مجدودون(٤)، أو محرومون الرزقَ، كأنَّهم
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
لمَّا قالوا: إنَّا مُهلَكون لهلاك رزقنا، أَضربُوا عنه وقالوا: بل هذا أمرٌ قُدِّر علينا
لنحوسة طالعنا وعدم بَخْتِنا، أو لمَّا قالوا: إنَّا ملزمون غرامةً بنقص أرزاقنا، أضربوا
فقالوا: بل نحن محرمون الرزقَ بالكلية.
﴿أَفََّ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ (
عذبًا فراتًا، وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع
٦
كثرة منافعِهِ؛ لأنَّ الشربَ أهمُّ المقاصد المنوطة به.
﴿وَأَنْتُمْ أَنزَلْتُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي: السحاب، واحدتُهُ مُزْنة، قال الشاعر:
فلا مُزْنة ودَقَت وَدْقَها ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها (٥)
وقيل: هو السحابُ الأبيضُ وماؤه أعذبُ.
(١) القراءات الشاذة ص١٥١، والبحر المحيط ٢١٢/٨.
(٢) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٥٩، وسلف ١٠٣/١٩.
(٣) قراءة أبي بكر في التيسير ص٢٠٧، والنشر ٣٧٢/١، وقراءة الأعمش والجحدري في
المحرر الوجيز ٢٤٩/٥، والبحر المحيط ٢١٢/٨.
(٤) الأولى بالمهملة من الحد بمعنى المنع، والثانية بالجيم من الجدّ، وهو البخت. حاشية
الشهاب ١٤٧/٨ .
(٥) البيت لعامر بن جوين الطائي كما في الكتاب ٤٦/٢، ومجاز القرآن ٦٧/٢، وخزانة الأدب
٤٥/١، الودق: المطر، وأبقل: أي: نبت بقله.

سُورَةُ الوَاقِعَةِّ
٣٥٦
الآية : ٧٠
ثَّ تَخْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ له بِقُدْرَتنا.
﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا﴾ ملحًا ذُعاقًا لا يمكن شُربه، من الأجيج: وهو تلُّبُ
النار، وقيل: الأُجاج كلُّ ما يلذعُ الفم ولا يمكن شُربُه، فيشملُ الملح والمرَّ
والحارَّ، فإما أنْ يُرادَ ذلك، أو الملحُ بقرينة المقام. وحُذفَت اللام من جواب ((لو))
هاهنا للقرينة اللفظية والحالية، ومتى جازَ حذفُ ((لَمْ أَرَ)) في قول أوس:
حتى إذا الكلَّابُ قال لها كاليومِ مَظْلوبًا ولا طَلَبا (١)
والقرينةُ حالية، فَأَوْلَى أنْ يجوزَ حذفُها وحدها لذلك على ما قرَّره الزمخشري،
وقرَّر وجهًا آخر حاصلُه: أنَّ اللام لمجرَّد التأكيد فتناسبُ مقامَ التأكيد، فأُدخِلَت في
آية المطعوم دونَ المشروب للدلالة على أنَّ أمرَه مقدَّم على أمره، وأنَّ الوعيد بفَقْده
أشدُّ وأصعبُ من قِبَل أنَّ المشروب تَبَعٌ له، ألا يُرى أنَّ الضيفَ يُسقَى بعد أن
يُطعم(٢). وقد ذكر الأطباء أنَّ الماء مُبذْرِقٍ، ويُؤيِّد ذلك تقديمُه على المشروب في
النظم الجليل.
وللإِمام في هذا المقام كلامٌ طويلٌ اعتَرَض به على الزمخشري وبيَّن فيه وجْهَ
الذكر أولًا والحذف ثانيًا (٣)، ولم أَرَه أتَى بما يشرحُ الصدر.
وخيرٌ منه عندي قولُ ابن الأثير في ((المثل السائر)): إنَّ اللام أُدخِلَت في
المطعوم دون المشروب؛ لأنَّ جَعْل الماء العذبِ ملحًا أسهلُ إمكانًا في العرف
والعادة، والموجودُ من الماء الملح أكثرُ من الماء العذب، وكثيرًا ما إذا جَرَت
المياهُ العذبةُ على الأراضي المتغيرةِ التربةِ أحالَتْها إلى الملوحة، فلم يُحْتَجْ في جعل
الماء العذبِ ملحًا إلى زيادة تأكيد، فلذا لم تدخُل لامُ التأكيد المفيدةُ لزيادة
التحقيق، وأما المطعوم فإنَّ جعله حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا
وقَعَ يكون عن سَخَط شديدٍ، فلذا قُرِن باللام لتقرير إيجادِه وتحقيقِ أمره (٤). انتهى.
(١) ديوان أوس بن حجر ص٣، وسلف ٤١٠/١٠.
(٢) الكشاف ٤/ ٥٧ بنحوه.
(٣) ينظر مفاتيح الغيب ١٨١/٢٩-١٨٢.
(٤) المثل السائر ٢/ ٥٦.

مے
الآية : ٧١ - ٧٣
٣٥٧
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ تحضيضٌ على شكر الكلِّ؛ لأنَّه أفيدُ، دون عذوبة الماء فقط
کما ذهب إليه البعض.
نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر ﴿له أنَّ النبيِ وَّ كان إذا شَرِبَ الماء
قال: ((الحمدُ لله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أُجاجًا بذنوبنا))(١).
﴿أَفَرََّيْتُمُ النَّارَ اُلَّتِى تُورُونَ (٣)﴾ أي: تقدَحُونها وتستخرجونها من الزِّناد(٢) ﴿َأَنْتُرْ
أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ التي منها الزناد، وهي المَرْغُ والعَفَار.
وقيل: المرادُ بالشجرة نفسُ النار، كأنَّه قيل: نوعها أو جنسها، فاستُعير
الشجرةُ لذلك، وهو قولٌ متكلَّف بلا حاجة.
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ لها بقدرتنا. والتعبير عن خَلْقها بالإنشاء المنبئ عن بديع
الصنع، المعرِبِ عن كمال القدرة والحكمة، لِمَا فيه من الغرابة الفارقة بينها وبين
سائر الأشجار التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كلِّ شجرٍ نارٌ واستَمْجَدَ المَرْغُ
والعَفَار(٣). كما أنَّ التعبيرَ عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا
[المؤمنون: ١٤] لذلك.
ءَخَرَ﴾
﴿فَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةَ﴾ استئنافٌ معيِّن(٤) لمنافعها، أي: جعلناها تذكيرًا لنار
جهنم، حيث علَّقنا بها أسبابَ المعاش، لينظروا إليها ويذكروا بها ما أُوعِدُوا به.
أو جعلناها تذكرةً وأُنموذجًا من جهنّم؛ لما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة
عنه وَّهِ: ((نارُكم هذه التي تُوقدون جزءٌ من سبعينَ جزءًا من نارٍ جهنّم)»(٥). وعلى
الوجهَين التذكرةُ من الذُّكر المقابلِ للنسيان، ولم ينظر في الأول إلى أنَّها من جنس
نار جهنم أو لا، وفي الثاني نظر إلى ذلك.
(١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦١/٦، وأخرجه الطبراني في الدعاء
(٨٩٩)، وأبو نعيم في الحلية ١٣٧/٨، وهو مرسل.
(٢) في هامش الأصل: جمع (زند) و(زندة)، لا مفرد كما يتوهم. اهـ منه.
(٣) المستقصى في أمثال العرب ١٨٣/٢، وسلف ٢٨/١٢.
(٤) في تفسير أبي السعود ١٩٩/٨: مبين، والكلام منه.
(٥) صحيح البخاري (٣٢٦٥)، وصحيح مسلم (٢٨٤٣)، وهو عند أحمد (٨١٢٦).

سُورَةُ الوَاقِعَةِ
٣٥٨
الآية : ٧٣
وقيل: تبصرةً في أمر البعث لأنَّ مَن أخرجَ النار من الشجر الأخضر المضادِّ
لها قادرٌ على إعادة ما تفرَّقَت موادُّه.
وقيل: تبصرةً في الظلام يُبْصَرُ بضوئها. وفيه أنَّ التذكرةَ لا تكونُ بمعنى التبصرة
المأخوذة من البصر.
وكون المراد تذكرةً لنار جهنّم هو المأثور عن الكثيرين، ومنهم ابن عباس
ومجاهد وقتادة.
﴿وَمَّتَهًا﴾ ومنفعةً ﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ للذين ينزلون القَواء وهي القَفْر، من أَقْوَى دَخَل
القَواء، كأصْحَر دَخَل الصحراء، وتخصيص ((المقوين)) بذلك لأنَّهم أحوجُ إليها،
فإنَّ المقیمین أو النازلین بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد.
وقيل: ((للمقوين)) أي: المسافرين، ورواه جمعٌ عن ابن عباس(١)، وعبدُ بن
حميد عن الحسن(٢)، وهو وابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة(٣) بزيادة: كم مِن قومٍ
قد سافَرُوا ثم أرملوا، فَأَجَّجُوا نارًا فاستَدْفَؤُوا وانتفعوا بها. وكأنَّ إطلاقَ المُقوين
على المسافرين؛ لأنَّهم كثيرًا ما يسلكون القَفْراء والمفاوِزَ.
وقيل: ((للمقوين)) للفقراء يَستضيئُون بها في الظلمة، ويَضْطَّلون من البرد، كأنَّه
تصوَّر من حال الحاصل في القَفْر الفقر، فقيل: أَقْوى فلانٌ، أي: افتَقَر، كقولهم:
أَثْرَب وأَرْمَل.
وقال ابن زيد: للجائعين لأنَّهم أَقْوتُ، أي: خَلَت بطونُهم ومزاوِدُهم من
الطعام، فهم يحتاجون إليها لطبخ ما يأكلون، وخُصُّوا - على ما قيل - لأنَّ غيرَهم
يتنَّم بها لا يجعلها متاعًا. وتُعقّب بأنَّه بعيدٌ لعدم انحصار ما يهمُّهم ويسدُّ خَلَّتَهم
فيما لا يؤكل إلا بالطبخ.
(١) أخرجه الطبري ٣٥٦/٢٢.
(٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦١.
(٣) تفسير الطبري ٣٥٧/٢٢، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٧٣، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في
الدر المنثور ٦/ ١٦١ .

الآية : ٧٣
٣٥٩
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
وقال عكرمة ومجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين
والحاضرين، يستضيُون بها، ويَصْطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخَبْز.
قال العلامة الطيبي والطبرسي: وعلى هذا القول المقوي من الأضداد، يقال
للفقير: مُقوٍ لخلوِّه من المال، وللغني مُقوٍ لقوَّته على ما يريد، يقال: أقوَى الرجلُ
إذا صار إلى حال القوة، والمعنى: متاعًا للأغنياء والفقراء؛ لأنَّه لا غِنَى لأحدٍ
عنها(١). انتهى. وفيه بحثٌ لا يخفى، ولعلَّ الأقرب عليه أنَّه أُريدَ بالإقواء
الاحتياجُ، والمستمتع بها محتاجٌ إليها فتدبر.
وتأخيرُ هذه المنفعة للتنبيه على أنَّ الأهمَّ هو النفعُ الأُخروي، وتقديمُ أمرِ الماء
على أمر النار؛ لأنَّ الاحتياجَ إليه أشدُّ وأكثرُ، والانتفاع به أعُّ وأوفرُ.
وقال بعضُهم: قدَّم أمرَ خَلْق الإنسان من نطفة؛ لأنَّ النعمة في ذلك قبل النعمة
في الثلاثة بعدُ، ثم ذكر بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث، وهو الطعام
الذي لا يستغني عنه(٢) الجسدُ الحيُّ، وذلك الحَبُّ الذي يُختبزُ، فيُحتَاجُ بعد
حصوله إلى حصول الماء ليُعْجَن به، فلذا ذُكِرَ بعده، ثم إلى النار لتصيِّرَه خبزًا،
فلذا ذُكِرت بعدَ الماء. وهو كما ترى.
واستحسن بعضُهم من القارئ أنْ يقولَ بعد كلِّ جملة استفهامية من الجمل
السابقة: بل أنت يا رب. فقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي
في سننه عن حُجر المَدَرِيّ (٣) قال: بتُّ عند عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فسمعتُه
وهو يصلِّي بالليل يقرأُ، فمرَّ بهذه الآية: (أَقْرَيْتُم ◌َا تُمْنُونَ * ◌َأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ، أَمْ نَحْنُ
اَْلِقُونَ) فقال: بل أنتَ يا ربّ، ثلاثًا، ثم قرأ: (َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ)
فقال: بل أنت يا ربّ، ثلاثًا، ثم قرأ: (ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُوُهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)
(١) مجمع البيان ١٢٨/٢٧.
(٢) في (م): عند.
(٣) في الأصل و(م): المروي، وهو حُجر بن قيس المدري الحَجُوري، يروي عن علي بن
أبي طالب وعبد الله بن عباس ﴿ه، وعنه طاوس بن كيسان وشداد بن جابان. تهذيب
الكمال ٤٧٥/٥.

سُورَةُ الوَاقِعَةِّ
٣٦٠
الآية : ٧٤
فقال: بل أنت يا ربّ، ثلاثًا، ثم قرأ: (ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) فقال:
بل أنت يا ربّ، ثلاثًا(١). وأنت تعلم أنَّ في استحسان قول مثل ذلك في الصلاة
اختلافًا بين العلماء.
﴿فَسَبِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
مرتَب على ما عُدِّد من بدائع صُنعه عز وجل
٧٤
وودائع نِعَمه سبحانه وتعالى، والمرادُ على ما قيل: أَحدِث التسبيح، تنزيلًا للفعل
المتعدِّي منزلَة اللازم، وأُريد من إحداثه استمرارُه لا إيجاده؛ لأنَّه عليه الصلاة
والسلام غيرُ معرضٍ عنه، وتعقّبه الطيبي بأنَّ هذا عكس ما يقتضيه لفظُ الإحداث،
فالمرادُ تجديد التسبيح، وفي الكلام إضمارٌ، أي: سبِّح بذكر اسم ربك، أو الاسم
مجازٌ عن الذكر، فإنَّ إطلاقَ الاسم للشيء ذكره. والباء للاستعانة أو الملابسة،
وكونُها للتعدية - كما هو ظاهرُ كلام أبي حيان(٢) - ليس بشيءٍ، و((العظيم)) صفةٌ
للاسم، أو للربِّ.
وتعقيبُ الأمر بالتسبيح لِمَا عُدِّد إما لتنزيههِ تعالى عما يقوله الجاحدون
لوحدانيته عز وجل، الكافرون بنعَمه سبحانه مع عِظَمها وكثرتها؛ أو للشكر على
تلك النِّعم السابقة؛ لأنَّ تنزيهَهُ تعالى وتعظيمَه جل وعلا بعد ذكر نِعَمه سبحانه مدحٌ
عليها، فهو شكرٌ للمنعم في الحقيقة؛ أو للتعجب من أمر الكفرة في غَمْط تلك
النعم الباهرة مع جلالة قدرِها وظهورِ أمرها، و((سبحان)) تَرِدُ للتعجّب مجازًا
مشهورًا، ((فسبِّحْ)) بمعنى ((تَعَجَّبْ))، وأصله فقل: سبحان الله، للتعجُّب، وفيه
بُعدٌ(٣)، وما تقدَّم أظهر.
هذا وجوز أنْ لا يكون في ((باسم ربك)) إضمارٌ ولا مجازٌّ، بل يبقَى على
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٧٧/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١١/٢ من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، عن شداد بن جابان، عن حجر المدري قال: بتُّ عند علي ... إلخ،
وهو في مصنف عبد الرزاق (٤٠٥٣) عن معمر عن شداد بن جابان قال: بتُّ عند حجر
المدري فسمعته ... إلخ، ولم يذكر عليًّا، ومثله في فضائل القرآن لأبي عبيد ص٧٢، حيث
قال: ويروى عن معمر بن راشد أن حجراً المدري قام ليلة يصلي ... ، فذكره.
(٢) البحر المحيط ٢١٦/٨.
(٣) قوله: وفيه بعد، ليس في الأصل.