Indexed OCR Text
Pages 321-340
الآية : ١٤ ٣٢١ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ وأما نسخُ مدلول الخبر إذا كان مما لا يتغيَّر كوجود الصانع وحدوث العالم فلا يجوزُ اتِّفاقًا . فإنْ كان ما نحن فيه مما يتغيَّرُ فنسخُه جائزٌ عند البيضاوي، ويوافقُه ظاهرُ خبر أبي هريرة الثاني، ولا يجوزُ على المختار الذي عليه الشافعي وغيرُه، فقول صاحب ((الكشف)»: لا خلافَ في عدم جواز النسخ في مثل ما ذكر من الخبر إذ لا يتضمَّن حكمًا شرعيًّا، لا يخلو عن شيء. وأقول: قد يُتَعَقَّب ما ذكره الزمخشري بأنَّ الحديث قد صحَّ، وورود الآية الأولَى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين لا يردُّ مقتضاه، فإنَّه يجوز أن يقال: إنَّ الصحابة ظُ لمَّا سمعوا الآيةَ الأُولى حسبوا أنَّ الأمر في هذه الأمة يذهب على هذا النهج، فيكون أصحابُ اليمين ثلةً من الأولين وقليلًا منهم، فيَكْثُرهم الفائزون بالجنة من الأُمم السوالف، فحزنُوا لذلك، فنزل قوله تعالى في أصحاب اليمين: ﴿ثلّةٌ مِنَ الْأَوِّينَ ﴿ وَثٌلَّةٌ مِّنَ الْآَخِينَ ﴾﴾ وقال لهم النبيُّ وَّهِ ما قال مما أذهَبَ به حُزْنَهم، وليس في هذا نسخٌ للخبر كما لا يخفى. وقول أبي هريرة: فنسَخَت ((وقليل من الآخرين)) إنْ صحَّ عنه ينبغي تأويلُه بأنْ يقال: أراد به: فأزالَت حسبانَ أنْ يُذكرَ نحوه في الفائزين بالجنة من هذه الأمة غير السابقين فتدبر. وعن عائشة ﴿ٌّا: الفرقتان - أي: في قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِلٌ مِّنَ اَلْأَخِرِينَ) - في أمة كلِّ نبيٍّ؛ في صدرها ثلٌ وفي آخرها قليل. وقيل: هما من الأنبياء عليهم السلام؛ كانوا في صدر الدنيا كثيرين وفي آخرها قلیلین . وقال أبو حيان: جاء في الحديث: ((الفرقتان في أُمَّتي فسابق أول الأمة ثلةٌ، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل))(١). انتهى. (١) البحر المحيط ٨/ ٢٠٥، وذكره أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤١/٥، ولم نقف عليه مسنداً . سُورَةُ الوَاقِعَةِّ ٣٢٢ الآية : ١٥ وجاء في فرقتَي أصحاب اليمين نحو ذلك، أخرج مسدّد في مسنده وابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرةَ له عن النبيِ نَّ في قوله قال: ((هما جميعًا من هذه ٤٠ ﴿ذَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ سبحانه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ الأمة))(١)، وأخرج جماعة بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعًا ما لفظه: ((هما جميعًا من أمتي))(٢)، وعلى هذا يكون الخطابُ في قوله عز وجل: (وَكُمْ أَزْوَبًا ثَلَثَةً) لهذه الأمة فقط. حالٌ من ((المقربين))، أو من ضميرهم في قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ( ١٥ (فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ) بناءً على أنَّه في موضع الحال كما تقدَّم، وقيل: هو خبرٌ آخر للضمير المحذوف المخبر عنه أولاً بـ (ثلَّة))، وفيه وجهٌ آخَر أشرنا إليه فيما مرَّ. و ((موضونة)) من الوَضْن، وهو نَسْج الدِّرع؛ قال الأعشى: ومِن نَسْج داودَ موضونةً تسير مع الحيِّ عِيرًا فعيرا(٣) واستُعير لمطلق النسج، أو لنسجِ محكم مخصوص، ومن ذلك وَضِينُ الناقة: وهو حزامُها؛ لأنَّه موضون، أي: مفتول، والمرادُ هنا على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس: مَرْمُولة - أي: منسوجةٍ - بالذهب(٤)، وفي رواية عنه: بقضبان الفضة(٥) . وقال عكرمة: مُشَبَكة بالدرِّ والياقوت. وقيل: ((موضونة)) متَّصلٌ بعضُها ببعض كحلق الدرع، والمرادُ متقاربة. وقرأ زيد بن علي وأبو السمال: ((سُرَرٍ)) بفتح الراء (٦)، وهي لغةٌ لبعض تميم (١) الدر المنثور ١٥٩/٦، وأخرجه أيضاً أبو داود الطيالسي في مسنده (٨٨٦)، وفيه علي بن زید بن جدعان وهو ضعيف. (٢) أخرجه الطبري ٣٣٤/٢٢، وفيه أبان ابن أبي عياش قال الحافظ في التقريب: متروك. (٣) ديوان الأعشى ص١٤٩، وتفسير الطبري ٢٢/ ٢٩١ . (٤) تفسير الطبري ٢٩٢/٢٢. (٥) عزاه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٥/٦ للطستي. (٦) المحرر الوجيز ٢٤١/٥، والبحر المحيط ٢٠٥/٨. الآية : ١٦ - ١٧ ٣٢٣ سُوَّةُ الْوَاقِعَةِّ وكلب يفتحون عین فُعُل جمع فَعيل المضعّف(١) نحو سرير. ﴿مُتِّكِينَ عَلَهَا﴾ حالٌ من الضمير المستقرِّ في الجارِّ والمجرور، أعني: ((على سرر))، وقوله تعالى: ﴿مُتَّقَِينَ﴾ حالٌ منه أيضًا ولك أنْ تعتبرَ الحالَين متداخلَین. والمرادُ كما قال مجاهد: لا ينظرُ أحدُهم في قَفَا صاحبه، وهو وَصْفٌ لهم بحُسْن العشرة، وتهذيب الأخلاقِ، ورعاية الآداب، وصفاء البواطن. وقوله تعالى: ﴿يَطُوُفُ عَلَّهِمْ﴾ حالٌ أخرى أو استئنافٌ، أي: يدور حولَهم للخدمة ﴿وَلْدَنْ تُلَُّونَ﴾ أي: مُبْقَون أبدًا على شكل الولدان وحدٌ الوصافة لا يتحوَّلون عن ذلك، وإلا فكلُّ أهل الجنة مخلَّدٌ لا يموت، وقال الفراء وابن جبير: مقرَّطون بِخَلَدة(٢)، وهي ضربٌ من الأقراط. قيل: هم أولادُ أهل الدنيا، لم يكن لهم حسناتٌ فيثابوا عليها، ولا سيئاتٌ فيعاقَبوا عليها، وروي هذا عن(٣) أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه، وعن الحسن البصري، واشتُهر أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((أولادُ الكفار خَدَمُ أهل الجنة))(٤) وذكر الطيبي أنَّه لم يصحّ بل صحَّ ما يدفعُه، أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: تُوفِّي صبيٍّ فقلت: طوبَى له عصفورٌ من عصافير الجنة. فقال ◌َله: ((أَوَلا تَدْرِيْنَ أنَّ الله تعالى خَلَق الجنة وخَلَق النار، فخَلَقَ لهذه أهلًا ولهذه أهلًا)) وفي رواية: ((خلقهم لهما وهم في أصلاب آبائهم)(٥) . وأخرج أبو داود عنها أنَّها قالت: قلتُ: يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ فقال: (مِن آبائهم)) فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: ((الله أعلمُ بما كانوا عاملين)) (١) في الأصل: للضعف، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٢٠٥/٨. (٢) معاني القرآن للفراء ١٢٣/٣، وتفسير البغوي ٢٨١/٤. (٣) قوله: عن، ليس في (م). (٤) أخرجه أبو يعلى (٤٠٩٠)، والبزار (٢١٧٠ - كشف) من حديث أنس بن مالك י وأخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٩٣)، والبزار (٢١٧٢ - كشف) من حديث سمرة بن جندب ځپہ. (٥) سنن أبي داود (٤٧١٣)، والنسائي ٥٧/٤، ولم نقف عليه عند البخاري، وأخرجه مسلم (٢٦٦٢): (٣٠)، وسلف ١١٨/٩ و٣٦/١٥. سُوَدَةُ الْوَاقِعَةِ ٣٢٤ الآية : ١٨ قلتُ: يا رسول الله فذراري المشركين؟ قال: ((مِن آبائهم)) فقلتُ: بلا عمل؟ قال: (الله أعلمُ بما كانوا عاملين))(١). وقيل: إنَّهم يُمتَحنون يوم القيامة فتخرجُ لهم نارٌ ويؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلَها وجدَها بردًا وسلامًا وأُدخِلَ الجنة، ومَن أبَى أُدخِلَ النارَ مع سائر الكفار، ويرؤُون في ذلك أثرًا . ومن الغريب ما قيل: إنَّهم بعد الإعادة يكونون ترابًا كالبهائم. وفي ((الكشف)): الأحاديثُ متعارضةٌ في المسألة وكذلك المذاهب، والمسألةُ ظنيةٌ، والعلمُ عند الله تعالى وهو عز وجل أعلم. انتهى. والأكثرُ على دخولهم الجنةَ بفضل الله تعالى ومزيدٍ رحمته تبارك وتعالى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في ذلك(٢). ﴿يَأَكْوَابٍ﴾ بآنية لا عُرى لها ولا خراطيم(٣)، والظاهرُ أنَّها الأقداح، وبذلك فسَّرها عكرمة، وهي جمع كوب. ﴿وَبَارِيقَ﴾ جمعُ إبريق، وهو إناءٌ له خرطوم، قيل: وعروة، وفي ((البحر)): أنَّه من أواني الخمر، وأنشد قول عدي بن زيد : قَينةٌ في(٤) يمينها إبريقُ وَدَعوا بالصَّبوح يومًا فجاءت وفيه أيضًا أنَّه إِفْعيل من البَريق(٥). وذكر غيرُ واحد أنَّه معرَّب ((آب ريزاي)): صابّ الماء، وهو أنسبُ مما في (١) سنن أبي داود (٤٧١٢). (٢) عند تفسير الآية (٤٠) من سورة النبأ. (٣) جمع خرطوم، وهو ما يُصب منه، والعرى جمع العروة، وهي ما يمسك منه. حاشية الشهاب ١٤٣/٨ . (٤) في (م): في قينة. (٥) البحر المحيط ٢٠٠/٨-٢٠١، والبيت في تاريخ دمشق ١٥٢/١٥، والمحرر الوجيز ٢٤٢/٥، واللباب ٣٨٦/١٨، وخزانة الأدب ٤٤٨/٩. الآية : ١٩ ٣٢٥ سُورَةُ الوَاقِعَةِ بعض نسخ ((القاموس)) أنَّه معرَّب ((آب ري)) بلا زاي(١)، وأيّاما كان فهو ليس مأخوذًا من البريق، نعم الإبريقُ بمعنى المرأة الحسنة البرَّاقة، والسيفِ البرَّاق، والقوس فيها تلاميع، مأخوذٌ من ذلك، ولعلَّه يقول بأنَّه عربي لا معرَّب، وأنَّ البريق مما فيه من الخمر، والشعراءُ يصفونها بذلك كقوله: مُشَعشعةً كأنَّ الحُصَّ فيها إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِيْنًا (٢) أو لأنَّه غالباً يُتَّخذ مما له نوعُ بَرْق كالبلور والفضة. ﴿وَكَأْسِ مِّنْ مَمِيرٍ﴾ أي: خمر جارية من العيون كما قال ابن عباس وقتادة، أي: لم يُعصَر كخمر الدنيا. وقيل: خمر ظاهرة للعيون مرئية بها؛ لأنَّها كذلك أهنا. وأُفرِد الكأس على ما قيل؛ لأنَّها لا تُسمَّى كأسًا إلا إذا كانت مملوءةً. : يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، وحقيقتُه: لا يصدرُ صداعُهم عنها، والمراد: أنَّهم لا يلحقُ رؤوسَهم صداٌ لأجل خُمار يحصل منها كما في خمور الدنيا، وقيل: لا يفرَّقون عنها، بمعنى لا تقطع عنهم لذَّتَهم بسببٍ من الأسباب كما تُفرِّقُ أهلَ خمرِ الدنيا بأنواع من التَّفْريق. وقرأ مجاهد: ((لا يَصَّدَّعون)) بفتح الياء وشدِّ الصاد(٣) على أنَّ أصله يَتَصَدَّعون، فأدَغَم التاء في الصاد، أي: لا يتفرَّقون كقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. وقرئ: ((لا يَصدعون)) بفتح الياء والتخفيف(٤)، أي: لا يصدعُ بعضُهم بعضًا (١) القاموس المحيط (برق)، وفي المعجم الذهبي ص ٢٤ أن الإبريق بالفارسية هو آب ريز. (٢) البيت لعمرو بن كلثوم وهو في شرح المعلقات للنحاس ٩٠/٢، وللتبريزي ص ٢٥٥. المشعشعة: الرقيقة من العصر أو من المزج. والحص: الورس، ويقال: الزعفران شبه صفرتها بصفرته، وسخيناً يحتمل وجهين: إما يريد به الماء السُّخن. أو من قولك: سّخِي الرجلُ ویَسْخَی. (٣) البحر المحيط ٢٠٥/٨-٢٠٦. (٤) لم نقف عليها بفتح الياء، وذكرها السمين في الدر المصون ٢٠١/١٠ بضم الياء وتخفيف الصاد وكسر الدال مشددة، وينظر الكشاف ٤/ ٥٤. سُورَةُ الْوَاقِعَّةِّ ٣٢٦ الآية : ٢٠ - ٢١ ولا يفرقونهم، أي: لا يَجلسُ داخل منهم بين اثنين فيفرق بين المتقاربين، فإنَّه سوء الأدب وليس من حُسْن العشرة. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تذهب عقولُهم بسكرها، مِن نُزِفَ الشاربُ كعُنِيَ: إذا ذهَبَ عقلُه، ويقال للسكران: نَزِيفٌ ومَنزوفٌ، قيل: وهو من نَزَف الماءَ: نَزَحَه من البئر شيئًا فشيئًا، فكأنَّ الكلامَ على تقدير مضاف. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الله والسلمي والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى وعاصم كما أخرج عنه عبد بن حميد: ((ولا يُنزِفُون)) بضم الياء وكسر الزاي(١)، من أَنزَف الشاربُ: إذا ذهَبَ عقلُه أو شرابه، ومعناه: صار ذا نزف، ونظيرُه: أقشَعَ السرابُ وقشعَته الريحُ، وحقيقتُه: دخل في القَشْع. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضًا: ((ولا يَنزِفون)) بفتح الياء وكسر الزاي(٢)، قال في (المجمع)): وهو محمولٌ على أنَّه لا يفنَى خمرُهم(٣). والتناسب بين الجملتَين على ما سمعتَ فيهما أولًا على قراءة الجمهور أنَّ الأولى لبيان نَفْي الضرر عن الأجسام، والثانية لبيان نَفْي الضرر عن العقول، وتأمَّل لتعرفه إن شاء الله تعالى على ما عدا ذلك. أي: يأخذون خيرَه وأفضلَه، والمرادُ: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَا يَتَخَيِّوُنَ مما يرضونه. ﴿وَدِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ ﴾﴾ مما تميلُ نفوسُهم إليه وترغب فيه. والظاهرُ أنَّ ((فاكهة)) و((لحم)، معطوفان على ((أكواب))، فتُفيد الآيةُ أنَّ الولدان يطوفون بهما عليهم، واستُشكل بأنَّه قد جاء في الآثار أنَّ فاكهةَ الجنة وثِمارَها ينالُها القائم والقاعد والنائم، وعن مجاهد: أنَّها دانيةٌ من أربابها فيتناولونها (١) البحر المحيط ٢٠٦/٨، وقراءة عاصم عزاها لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٥، وهي في التيسير ص ٢٠٧، والنشر ٢/ ٣٥٧ عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف. (٢) المحتسب ٣٠٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٤٢/٥، والبحر المحيط ٢٠٦/٨. (٣) مجمع البيان ١١٦/٢٧. الآية : ٢١ ٣٢٧ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ متَّكتين، فإذا اضطجعوا نزلَت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضْطَجعين، وأنَّ الرجل مِن أهل الجنةِ يشتهي الطيرَ من طيور الجنةِ فيقعُ في يده مَقْليًّا نَضجًا، وقد أخرج هذا ابن أبي الدنيا عن أبي أمامة (١)، وأخرج عن ميمونة مرفوعًا: ((إنَّ الرجلَ لَيشتهي الطيرَ في الجنة، فيجيء مثل البُخْتي، حتى يقَعَ على خِوَانه لم يُصبْه دخان ولم تمسَّه نارٌ، فيأكل منه حتى يشبَعَ ثم يطيرُ)) (٢) إلى غير ذلك، وإذا كان الأمرُ كما ذكر استُغني عن طوافهم بالفاكهة واللحم. وأُجيبَ بأنَّ ذلك - والله تعالى أعلم - حالة الاجتماع والشرب، ويفعلون ذلك للإكرام ومزيدِ المحبة والتعظيم والاحترام، وهذا كما يناول أحدُ الجلساء على خِوَان الآخر بعضَ ما عليه من الفواكه ونحوها وإنْ كان ذلك قريبًا منه اعتناءً بشأنه وإظهارًا لمحبته والاحتفال به. وجوِّز أن يكونَ العطفُ على ((جنات النعيم))، وهو من باب: متقلداً سيفًا ورمحًا(٣) أو من بابه المعروف. وتقديمُ الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنَّهم ليسوا بحالة تقتضي تقديمَ اللحم كما في الجائع، فإنَّ حاجته إلى اللحم أشدُّ من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديمَ الفاكهة واختيارها كما في الشبعان، فإنَّه إلى الفاكهة أميلُ منه إلى اللحم، وجوز أنْ يكونَ ذلك لأنَّ عادةَ أهل الدنيا لا سيما أهلِ الشرب منهم تقدیمُ الفاكهة في الأكل. وهو طِبًّا مستحسَنَّ لأنَّها ألطفُ وأسرعُ انحدارًا، وأقلُّ احتياجًا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أنَّ أحدَ أسباب الهيضة إدخالُ اللطيف من الطعام على الكثيف منه، ولأنَّ الفاكهةَ تحرِّك الشهوةَ للأكل، واللحم يدفعُها غالبًا . (١) وأخرجه أيضاً الطبري ٦٤٦/٢٠. (٢) عزاه لابن أبي الدنيا في صفة الجنة السيوطيُّ في الدر المنثور ٢٢/٦. (٣) سلف ٦/ ٧٧. سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣٢٨ الآية : ٢٢ ويعلم من الوجه الأول وَجْهُ تخصيص التخيرِ بالفاكهة والاشتهاء باللحم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الفاكهةَ لم تَزَل حاضرةً عندهم وبمرأى منهم دون اللحم، ووجهُ ذلك أنَّها مما تلذُّه الأعين دونه. وقيل: وجْهُ التخصيص كثرةُ أنواع الفاكهة واختلافُ طعومها وألوانها وأشكالها، وعدم کون اللحم كذلك. وفي التعبير بـ ((يتخيَّرون)) دون ((يختارون) وإن تقاربا معنّى إشارةٌ - لمكان صيغةٍ التفعُّل - إلى أنَّهم يأخذون ما يكون منها في نهاية الكمال، وأنَّهم في غاية الغِنَى عنها، والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. ﴿وَحُورُ عِينٌ (٣)﴾ عطفٌ على ((ولدانٌ))، أو على الضمير المستكنِّ في (متكئين))، أو على مبتدأ حُذِفَ هو وخبرُه، أي: لهم هذا كلُّه(١) وحورٌ، أو مبتدأ ◌ُذِفَ خبره، أي: لھم - أو: فيها - حورٌ. وتُعقِّب الوجهُ الأولُ بأنَّ الطواف لا يناسبُ حالهنَّ. وأُجيبَ بأنَّه(٢) لا يبعدُ أن يكونَ من الحور ما ليس بمقصورات في الخيام ولا مخذَّراتٍ، هنَّ كالخدم لهنَّ لا يُبالَى بطوافهنَّ ولا يُنكرُ ذلك عليهنَّ، أو أنَّ(٣) الطواف في الخيام أنفسِها، وهو لا ينافي كونَهنَّ مقصوراتٍ فيها، أو أنَّ العطفَ علی معنی: لهم ولدان وحور. والثاني بأنَّه خلافُ الظاهر جدًّا. والثالثُ بكثرة الحذف. و((عِين)) جمع عيناء، وأصلُه عُيْنٌ على فُعْل، كما تقول حمراء وحُمر، فكُسِرَت العينُ لئلا تنقلبَ الياءُ واوًا، وليس في كلام العرب ياءٌ ساكنةٌ قبلها ضمة، كما أنَّه ليس فيه واوٌ ساكنةٌ قبلها كسرة. (١) في (م): كل، والمثبت من الأصل والبحر ٢٠٦/٨. (٢) في الأصل: بأن. (٣) في (م): وأن. ٠ الآية : ٢٢ ٣٢٩ سُوَدَّةُ الوَاقِعَةِ وقرأ السلمي والحسن وعمرو بن عبيد وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة والمفضل وأبان وعصمة عن عاصم وحمزة والكسائي: ((وحورٍ عينٍ)) بالجرِّ(١)، وقرأ النخعي كذلك إلا أنَّه قَلَبَ الواوَ ياءً والضمةَ قبلها كسرةً في ((حور)) فقال: ((وحِيرٍ))(٢) على الإتباع لـ ((عين)). وخرِّج على العطف على ((جنات النعيم)) وفيه مضاف محذوف، كأنَّه قيل: هم في جنات وفاكهةٍ ولحمٍ ومصاحبةٍ حورٍ، على تشبيه مصاحبةِ الحور بالظرف على نَهْج الاستعارة المكنية، وقرينتُها التخييلية إثباتُ معنى الظرفية بكلمة ((في))، فهي باقيةٌ على معناها الحقيقي، ولا جمع بين الحقيقة والمجاز، وذهب إلى العطف المذكور الزمخشريُّ(٣). وتعقّبه أبو حيان فقال: فيه بُعْدٌ وتفكيكُ كلام مرتبطٍ بعضُه ببعضٍ، وهو فهم أعجمي(٤). وليس كما قال كما لا يخفى. أو على ((أكواب)) ويجعل من باب: متقلداً سيفًا ورُمحًا ." كما سمعتَ آنفًا، فكأنَّه قيل: يُنَعَّمون بأكواب وبِحُور. وجوِّز أن يبقَى على ظاهره المعروف، وأنَّ الوِلْدان يطوفون عليهم بالحور أيضًا، لعَرضِ أنواعِ اللذات عليهم من المأكول والمشروبِ والمنكوح، كما تأتي الخُدَّام بالسراري للملوك ويعرضوهنَّ(٥) عليهم، وإلى هذا ذهب أبو عمرو (٦) وقطرب، وأبَى ذلك صاحب ((الكشف)) فقال: أما العطفُ على الولدان على الظاهر فلا؛ لأنَّ الولدان لا يطوفون بهنَّ طوافَهم بالأكواب. والقلب إلى هذا (١) قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي في التيسير ص٢٠٧، والنشر ٣٨٣/٢، والكلام من البحر ٢٠٦/٨. (٢) البحر المحيط ٢٠٦/٨. (٣) الكشاف ٤/ ٥٤ . (٤) البحر المحيط ٢٠٦/٨. (٥) كذا في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ١٤٣/٨ والكلام منه، والجادة: ويعرضونهن. (٦) في (م): عمر. سُورَةُ الْوَاقِعَّةِّ ٣٣٠ الآية : ٢٣ - ٢٤ أَميلُ إلا أنْ يكون هناك أثرٌ يدلُّ على خلافه. وكون الجرِّ للجوار یأباه الفصل أو يُضعِّفُه. وقرأ أبيّ وعبد الله: ((وحورًا عينًا)) بالنصب(١)، وخرج على العطف على محلٌ (بأكواب)) لأنَّ المعنى: يُعطون أكوابًا وحورًا، أو(٢) على أنه مفعول به لمحذوف، أي: ويُعطون حورًا، أو على العطف على محذوف وقَعَ مفعولًا به لمحذوف أيضًا، أي: يُعطّون هذا كلَّه وحورًا. وقرأ قتادة: ((وحورُ)) بالرفع مضافًا إلى ((عينٍ))، وابن مقسم: ((وحورَ)) بالنصب مضافًا، وعكرمة: ((وحوراءَ عيناءً)) على التوحيد اسم جنس وبفتح الهمزة فيهما(٣)، فاحتمل الجرَّ والنصب. ﴿كَأَمْثَلِ اَلُوِ الْمَكْتُنِ ﴾ أي: في الصفاء، وقيد بـ ((المكنون)) - أي: المستور ٢٣ بما يحفظه - لأنَّه أصفَى وأبعدُ من التغير، وفي الحديث: ((صفاؤُهنَّ كصفاء الدرِّ الذي لا تمسُّه الأيدي)»(٤)، ووَصفُ الحسنات بذلك شائعٌ في العرب، ومنه قوله: كالشمس يومَ طُلُوعها بالأسعُدِ قامَت تراءَى بين سَجْفَيْ كِلَّةٍ بَهِجْ متى يَرَهَا يُهِلّ ويَسجدِ(٥) أو دُرَّةٍ صدفيةٍ غوَّاصُها والجارُّ والمجرور في موضع الصفة لـ ((حور))، أو الحال، والإتيان بالكاف للمبالغة في التشبيه، ولعل الأمر عليه نحو: زيدٌ قمر. ٢٤ · مفعول له لفعل محذوفٍ، أي: يفعل بهم ذلك كلّه ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ جزاءً بأعمالهم، أو بالذي استمرُّوا على عمله، أو مصدرٌ مؤكِّد، أي: يُجزَون جزاءً. ١ (١) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحتسب ٣٠٩/٢، والبحر المحيط ٢٠٦/٨. (٢) قوله: أو، ليس في (م). (٣) القراءات الثلاث في البحر المحيط ٢٠٦/٨. (٤) أخرجه الطبري في التفسير ٣٠٤/٢٢، والطبراني في الأوسط (٣١٤١) من حديث أم سلمة ﴿يا، وفي سنده سليمان بن أبي كريمة، قال الهيثمي ٤١٧/١٠: وهو ضعيف. (٥) البيتان النابغة الذبياني، وهما في ديوانه ص٤٠. الآية : ٢٥ - ٢٦ ٣٣١ سُوَرَةُ الْوَاقِعَةِ ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغَوَ﴾ ما لا يعتدُّ به من الكلام، وهو الذي يُورَد لا عن رَويَّة وفكر فيجري مجرى اللَّغَا، وهو صوتُ العصافير ونحوها من الطير، وقد يسمَّى كلُّ كلامٍ قبيحٍ لغوًا . ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: ولا نسبةً إلى الإثم، أي: لا يقال لهم: أثمتُم، وعن ابن عباس - كما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم - تفسيرُه بالكذب(١)، وأخرجه هناد عن الضحاك(٢)، وهو من المجاز كما لا يخفى، والكلام من باب: ولا تَرَى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ(٣) ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ أي: قولًا، فهو مصدر مثله ﴿سَلَّمًا سَلَمًا﴾ بدلٌ من ((قيلًا)) كقوله تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاْ﴾ [مريم: ٦٢]. وقال الزجَّاجِ(٤): هو صفةٌ له بتأويله بالمشتق، أي: سالمًا من هذه العيوب، أو مفعوله والمراد لفظُه فلذا جاز وقوعُه مفعولًا للقول مع إفراده، والمعنى: إلا أنْ يقول بعضُهم لبعض سلامًا. وقيل: هو مصدرٌ لفعل مقدَّرٍ من لفظه، وهو مقولُ القول ومفعولُه حينئذٍ، أي: نسلِّم سلامًا، والتكريرُ للدلالة على فُشوِّ السلام وكثرته فيما بينهم؛ لأنَّ المراد: سلامًا بعد سلام. والاستثناءُ منقطعٌ، وهو من تأكيد المدح بما يُشبه الذَّ محتمل لأنْ يكونَ من الضرب الأول منه، وهو أنْ يُستثنَى من صفة ذٌّ منفيةٍ عن الشيء صفةٌ مدحٍ له بتقدير دخولها فيها(٥)، بأنْ يقدَّر السلام هنا داخلًا فيما قبل فيفيدُ التأكيد من وجهَين(٦). (١) عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٦/٦. (٢) الزهد لهناد ٥١/١ (٦). (٣) البيت لعمرو بن الأحمر الباهلي كما في خزانة الأدب ١٩٢/١٠، وسلف ٨٨/٤. (٤) في معاني القرآن ١١٢/٥. (٥) كقوله النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائب (٦) جاء في هامش الأصل: من جهة أنه كدعوى الشيء بنسبة، ومن جهة أن الأصل في الاستثناء الاتصال، فذِكرُ أداته قبل ذِكرِ ما بعدها يوهم إخراجَ شيءٍ مما قبلها، فإذا وليها = سُؤَدَةُ الْوَاقِعَةِ ٣٣٢ الآية : ٢٧ - ٢٨ وأنْ يكون من الضرب الثاني منه، وهو أنْ يثبتَ لشيء صفة مدحٍ ويُعقب بأداة استثناء يليها صفةٌ مدح أُخرَى (١)، بأنْ لا يقدَّر ذلك، ويجعل الاستثناء من أصله منقطعًا فيفيدُ التأكيدَ مِنْ وَجْه، ولولا ذكرُ التأثيم - على ما قاله السعد - جاز جعلُ الاستثناء متَّصلاً حقيقةً؛ لأنَّ معنى السلام الدعاءُ بالسلامة، وأهلُ الجنة أغنياءُ عن ذلك، فكان ظاهرُه من قبيل اللَّغو وفضول الكلام لولا ما فيه من فائدة الإكرام، وإنَّما منع التأثيم الذي هو النسبةُ إلى الإثم؛ لأنَّه لا يمكنُ جعلُ السلام من قبيله، وليس لك في الكلام أنْ تذكرَ متعدِّدَين ثم تأتي بالاستثناء المتصل من الأول مثل أنْ تقول: ما جاء من رجلٍ ولا امرأةٍ إلا زيدًا، ولو قصدتَ ذلك كان الواجبُ أن تؤخِّرَ ذِكرَ الرجل. وقرئ: ((سلامٌ سلامٌ)) بالرفع(٢) على الحكاية. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْخَبُ الْيَمِينِ﴾ إلخ شروعٌ في بيان تفاصيل شؤونهم بعدَ بيان تفاصيلٍ شؤون السابقين، ((وأصحاب)) مبتدأ وقوله: ﴿مَا أَصْحَبُ الْيَمِينِ﴾ جملةٌ استفهاميةٌ مشعرةٌ بتفخيمهم والتعجيب من حالهم، وهي على ما قالوا: إما خبرٌ خبرٌ ثانٍ له، أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، ٢٨ للمبتدأ، وقوله سبحانه: ﴿فی سِدْرٍ نَّخْضُودٍ أي: هم في سِدْر، والجملةُ استئنافٌ لبيان ما أُبهِمَ في قوله عز وجل: (مَا أَصَبُ الْيَمِينِ) من علوِّ الشأن، وإما معترضةٌ والخبرُ هو قوله تعالى شأنه: (فِى سِدْرٍ). وجوِّز أن تكونَ تلك الجملةُ في موضع الصفة والخبرُ هو هذا الجارّ والمجرور، والجملةُ عطفٌ على قوله تبارك وتعالى في شرح أحوال السابقين: (أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ * فِي جَنَّتِ النَِّيمِ) أي: وأصحابُ اليمين المقولُ فيهم ما أصحابُ اليمين كائنونَ في سِدر .. إلخ. = صفة مدح وتحول الاستثناء إلى الانقطاع جاء التأكيد لما فيه من المدح والإشعار بأنَّه لم يجد فيهاً صفة ذمِّ حتى يثبتها، فاضطر إلى استثناء صفةٍ مدح، مع ما فيه من نوع خلابةٍ وتأخیذٍ للقلوب. اهـ منه. (١) كقول النبي ◌َّر: ((أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش)). قال في اللآلئ: معناه صحيح، ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ ... كشف الخفاء ٢٣٢/١. (٢) الكشاف ٥٤/٤، وتفسير البيضاوي ١٤٣/٨ . الآية : ٢٨ ٣٣٣ سُورَةُ الوَاقِعَةِ والظاهرُ أنَّ التعبيرَ بـ ((الميمنة)) فيما مرَّ، وبـ ((اليمين)) هنا للتفتُّن، وكذا يقال في ((المشأمة)) و((الشمال)) فيما بعد. وقال الإمام: الحكمةُ في ذلك أنَّ في ((الميمنة)) وكذا ((المشأمة)) دلالةً على الموضع والمكان، والأزواجُ الثلاثة في أول الأمر يتميَّزُ بعضُهم عن بعض ويتفرَّقون بالمكان، فلذا جيء أولًا بلفظ يدلُّ على المكان، وفيما بعد يكون التميُّزُ والتفرُّق بأمرٍ فيهم، فلذا لم يُؤْتَ بذلك اللفظ ثانيًا(١). والسِّدُرُ شجرُ النَّبق، والمخضودُ الذي خُضِدَ، أي: قُطِعَ شوكُه، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة قال: كان أصحابُ رسول الله وَّه يقولون: إنَّ الله تعالى ينفعُنا بالأعراب ومسائلهم؛ أقبلَ أعرابيٌّ يومًا فقال: يا رسولَ الله، لقد ذَكَر الله تعالى في القرآن شجرةً مؤذيةً، وما كنتُ أَرَى أنَّ في الجنة شجرةً تؤذي صاحبها؟ قال: ((وما هي؟)) قال: السِّدْر، فإنَّ له شوكًا، فقال رسول الله وَلآتٍ: ((أليسَ اللهُ يقول: (فِ سِدْرٍ تَغْضُودٍ) خَضَد الله شوكَه فجعل مكانَ كلِّ شوكةٍ ثمرةً، وإنَّ الثمرةَ من ثَمَره تفتق عن اثنين وسبعينَ لونًا من الطعام، ما فيها لونٌ يشبه الآخرَ)(٢). وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك: أنَّه المُؤْقَر حَمْلًا(٣). على أنَّه من خَضَد الغصنَ: إذا ثَنَاه وهو رطب، فمخضود: مثنيُّ الأغصان، کنی به عن کثیر الحمل. وقد أخرج ابن المنذر عن يزيد الرقاشي: أنَّ النَّبقةَ أعظمُ من القِلال(٤). والظرفية مجازيةٌ للمبالغة في تمكّنهم من التنُّم والانتفاع بما ذكر. (١) مفاتيح الغيب ١٦٢/٢٩ بنحوه. (٢) المستدرك ٤٧٦/٢، والبعث والنشور (٣٠٢). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٣ - زوائد نعيم). (٣) عزا أثر ابن عباس لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٦/٦-١٥٧. (٤) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ . سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣٣٤ الآية : ٢٩ - ٣٠ قد نَضَد حملُه من أسفله إلى أعلاه ليسَت له ساقٌ بارزة، ٢٩ ﴿وَطَلْحِ مَّنْضُوبٍ وهو شجرُ الموز کما أخرج ذلك عبد الرزاق وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(١)، وأخرجَه جماعة من طُرق عن ابن عباس(٢)، ورواه ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري(٣)، وعبد بن حميد عن الحسن ومجاهد وقتادة(٤). وعن الحسن أنَّه قال: ليس بالموز، ولكنَّه شجرٌ ظلُّه باردٌ رَطبٌ. وقال السدي: شجرٌ يُشبه طلحَ الدنيا، ولكن له ثمرٌ أحلى من العسل. وقيل: هو شجر من عظام العضاه(٥). وقيل: شجر أمِّ غيلان، وله نُؤَّارٌ كثير طيِّب الرائحة. ﴿وَظَلِ تَمْدُورِ (٣)﴾ ممتدٍّ منبسطٍ لا يتقلَّص ولا يتفاوت، كظلٌ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وظاهرُ الآثار يقتضي أنَّه ظلُّ الأشجار؛ أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وغيرُهم عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إنَّ في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مئة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم: (وَظِلّ تَمْدُورٍ))(٦) . وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال (١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٧٠، والزهد لهناد (١١٢)، وتفسير الطبري ٣١١/٢٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ . (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٧٠، وهناد في الزهد (١١١)، والطبري ٣١١/٢٢. (٣) عزا أثر أبي سعيد الخدري لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٧/٦. والأثران في تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٣٠/١٠. (٤) الدر المنثور ١٥٧/٦، وأخرجه عن مجاهد وقتادة الطبري ٣١١/٢٢ و٣١٢. (٥) جمع العضاهة، وهي أعظم الشجر، أو كلُّ ذات شوك. القاموس (عضه). (٦) المسند (٧٤٩٨)، وصحيح البخاري (٣٢٥٢)، وصحيح مسلم (٢٨٢٦)، وسنن الترمذي (٢٥٢٢)، وسنن ابن ماجه (٤٣٣٥). الآية : ٣١ ٣٣٥ سُورَةُ الوَاقِعَةِ رسول الله وَّهُ: ((في الجنة شجرةٌ يسيرُ الراكب في ظلِّها مئةَ عام لا يقطعها، وذلك الظلُّ الممدود)»(١) . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ًا قال: الظلُّ الممدود شجرةٌ في الجنة على ساق، ظلُّها قدرُ ما يسيرُ الراكبُ في كلِّ نواحيها مئةَ عام، يخرجُ إليها أهلُ الجنة أهل الغرف وغيرُهم، فيتحدَّثون في ظلِّها، فيشتهي بعضُهم ويذكر لَهْوَ الدنيا، فيرسلُ الله تعالى ريحًا من الجنة فتحرِّكُ تلك الشجرة بكلِّ لَهْوٍ في الدنيا (٢). وعن مجاهد أنَّه قال: هذا الظلُّ من سدرها وطلحها . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن ميمون أنَّه قال: الظلُّ الممدودُ مسيرةُ سبعينَ ألف سنة(٣). ﴾ قال سفيان وغيره: جارٍ من غير أخاديد. وقيل: منسابٌ ﴿وَمَآءِ مَّسْكُوپٍ حیث شاؤوا لا يحتاجون فيه إلى سانية ولا رشاء. وذكر هذه الأشياء لِمَا أنَّ كثيرًا من المؤمنين لبداوتهم تمنَّوها، أخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد قال: كانوا يعجبون بوَجّ وظِلالِه من طَلْحِهِ وسِدْرِهِ، فأنزل الله تعالى: (وَأَعَْبُ الْبَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ * فِ سِدْرٍ تَخْضُورٍ) إلخ(٤). وفي رواية عن الضحاك: نظر المسلمون إلى وَجِّ فأعجبَهم سِدْرُه وقالوا: يا ليتَ لنا مثل هذا، فنزلت هذه الآية(٥). (١) المسند (١١٦٧٣)، وصحيح البخاري (٦٥٥٣)، وصحيح مسلم (٢٨٢٨)، وسنن الترمذي (٢٥٢٣)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٧. (٢) الدر المنثور ٦/ ١٥٧، قال ابن كثير: هذا أثر غريب وإسناده قويٌّ جید حسن. (٣) تفسير الطبري ٣١٣/٢٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٧/٦. (٤) تفسير الطبري ٣١١/٢٢، والبعث والنشور (٣٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٧/٦. وجاء في هامش الأصل: وهو واد مخصب بالطائف. اهـ منه. (٥) ذکره الواحدي في أسباب النزول ص٤٢٨ . سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣٣٦ الآية : ٣١ وقيل: كأنَّه لما شبَّه حالَ السابقين بأقصى ما يتصوَّر لأهل المدن من كونهم على سُرُر، تطوفُ عليهم خُدَّامهم بأنواع الملاذِّ، شبَّه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتصوَّر لأهل البوادي من نزولهم في أماكن مخصبةٍ فيها مياهٌ وأشجارٌ وظلالٌ؛ إيذانًا بأنَّ التفاوت بين الفريقَين كالتفاوت بين أهل المدن والبوادي. وذكر الإمام مدَّعيًا أنَّه مما وفِّق له أنَّ قوله تعالى: (فِى سِدْرٍ تَخْضُورٍ * وَطَلْحِ مَنْضُورٍ) من باب قوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] لأنَّ السدر أوراقه في غاية الصِّغَر، والطلح - يعني الموز - أوراقُه في غاية الكِبَر، فوقَعت الإشارةُ إلى الطرفين، فيراد جميع الأشجار؛ لأنَّها نظرًا إلى أوراقها محصورةٌ بينهما(١). وهو مما لا بأس به. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وجعفر بن محمد وعبد الله ﴿ه: ((وطَلْعٍ)) بالعين بدل: ((وطلح)) بالحاء(٢)، وأخرج ابن الأنباري في المصاحف وابن جرير عن قيس بن عباد قال: قرأتُ على عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ((وطلح منضود)) فقال: ما بالُ الطلح؟ أما تقرأ: ((وطلع)). ثم قرأ قوله تعالى: (لَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) فقيل له: يا أمير المؤمنين، أنحُكُها من المصحف؟ فقال: لا يُهاجُ القرآنُ اليومَ(٣). وهي روايةٌ غير صحيحة كما نَّه على ذلك الطيبي، وكيف يقرأ أميرُ المؤمنين كرم الله تعالى وجهه تحريفاً في كتاب الله تعالى المتداول بين الناس؟ أو كيفَ يُظَنُّ بأنَّ نقلةَ القرآن ورواته وكتّابَه من قَبْلُ تعمَّدوا ذلك أو غفِلوا عنه؟ هذا والله تعالى قد تكفَّل بحفظه، سبحانك هذا بهتان عظيم. ثم إنَّ الذي يقتضيه النظمُ الجليلُ - كما قال الطيبي - حَمْلُ (فِى سِدْرٍ تَّخْضُودٍ) إلخ على معنى التظليل وتكاثف الأشجار على سبيل الترقِّي؛ لأنَّ الفواكه مستغنّى عنها ﴿ فِي سَُّومٍ وَمِيمٍ بما بعدُ، وليقابل قولُه تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ ٤٢ (١) مفاتيح الغيب ٢٩/ ١٦٢ بنحوه. (٢) القراءات الشاذة ص١٥١، والبحر المحيط ٢٠٦/٨. (٣) تفسير الطبري ٣٠٩/٢٢-٣١٠، وعزاه لأبي بكر الأنباري القرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٩٥. الآية : ٣٢ - ٣٤ ٣٣٧ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ · قولَه سبحانه: (وَأَضَبُّ الْيَمِينِ) إلخ، فإذن لا مدخلَ لحديث الطلع ٤٣ وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومٍ ( في معنى الظلِّ وما يتصل به، لكن قال صاحب ((الكشف)): إنَّ وصْفَ الطلح بكونه منضودًا لا يظهرُ له كثيرُ ملاءمة (١)، لكون المقصود منفعةَ التظليل، وينبغي أنْ يحمل الطلح على أنَّه من عظام العضاه على ما ذكره في ((الصحاح)) (٢)، فشجر أمٌّ غيلان والموز لا ظلَّ لهما يعتدُّ به، ثم قال: ولو حمل الطلح على المشموم لكان وجهًا . انتهى. وقد قدَّمنا لك خبر سبب النزول فلا تَغْفُل. ﴿وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ ﴾﴾ أي: بحسب الأنواع والأجناس على ما يقتضيه المقام. لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في وقت من الأوقات كفواكه الدنيا ﴿وَلَا مَمنُوعَةٍ﴾ عمَّن يُريد تناولها بوجهٍ من الوجوه، ولا يُحظر عليها كما يُحظر على بساتين الدنيا . وقرئ: ((وفاكهةٌ كثيرةٌ لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ)) بالرفع في الجميع(٣)، على تقدير: وهناك فاكهة .. إلخ. ﴿وَفْشٍ﴾ جمع فراش كسراج وسُرُج، وقرأ أبو حيوة بسكون الراء (٤). ﴿َرْفُوعَةِ﴾ منضدةٍ مرتفعة، أو مرفوعة على الأسرَّة، فالرفع حسِّيٍّ كما هو الظاهر، وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وجماعة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّ أنَّه قال: ((ارتفاعُها كما بينَ السماءِ والأرضِ، ومسيرةٌ ما بينهما خمسُ مئة عام))(٥)، ولا تستبعد ذلك من حيث العروجُ والنزولُ ونحوهما، فالعالَمُ عالم آخرُ وراءَ طَور عقلك. وأخرج هناد عن الحسن: أنَّ ارتفاعها مسيرةُ ثمانين سنة(٦). وليس بمثابة الخبر السابق. (١) جاء في هامش الأصل: قيل المراد: نضد الورق لما هو المشهور في الموز. اهـ منه. (٢) مادة: (عضه). (٣) البحر المحيط ٢٠٧/٨. (٤) القراءات الشاذة ص١٥١، والبحر المحيط ٢٠٧/٨. (٥) المسند (١١٧١٩)، وسنن الترمذي (٢٥٤٠) و(٣٢٩٤)، وعزاه للنسائي ابنُ كثير في تفسيره. (٦) الزهد (٧٨)، وفيه جويبر، قال الحافظ في التقريب: ضعيف جدًّا. سُوَّةُ الْوَاقِعَةِّ ٣٣٨ الآية : ٣٥ وقال بعضُهم: أي: رفيعة القدر على أنَّ رفْعَها معنويٌّ بمعنى شرفها. وأيَّاما كان فالمراد بالفُرُش للجلوس عليه. وقال أبو عبيدة: المرادُ بها النساء، لأنَّ المرأةَ يكنَى عنها بالفراش كما يكنَى عنها باللباس، ورفْعُهن في الأقدار والمنازل(١)، وقيل: على الأرائك، وأيد إرادة النساء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنشَأْتُهُنَّ إِنشَاءُ لأنَّ الضمير في الأغلب يعودُ على مذكور متقدِّم، وليس إلا الفرش، ٣٥ ولا يناسبُ العود إليه إلا بهذا المعنى، والاستخدامُ بعيدٌ هنا(٢)، وعلى القول في الفرش الضميرُ للنساء وإنْ لم يَجْرِ لها ذكرٌ، لتقدُّم ما يدلُّ عليها، فهو تَتْميمٌ بيانًا لمقدَّر يدلُّ عليه السياق، كأنه قيل: وفُرُش مرفوعة ونساء أو وحور عين، ثم استُؤنِفَ وصفُهن بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَنْتَأْتَهُنَّ﴾ تتميمًا للبيان زيادةً للترغيب، لا لتعليل الرفع. وقيل: إنَّ المرجع مضمَرٌ، وتقديرُ المنزل: وفرش مرفوعة لأزواجهم أو لنسائهم، فـ ((إنا)) إلخ استئناف علَّة للرفع، أي: وفرش مرفوعة لأزواجهم لأنَّا أنشأناهنَّ. والأولُ أوفقُ لبلاغة القرآن العظيم. والمرادُ بـ ((أنشأناهنَّ)): أعَدْنا إنشاءهنَّ من غير ولادةٍ؛ لأنَّ المخبَر عنهنَّ بذلك نساؤكنَّ في الدنيا، فقد أخرج ابن جرير وعبد بن حميد والترمذي وآخرون عن أنس قال: قال رسول الله وَله في الآية: ((إنَّ المنشآت اللَّتي كنَّ في الدنيا عجائزَ عمشًا رُمصًا))(٣). وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وجماعة عن سلمة بن يزيد(٤) الجعفي قال: (١) البحر المحيط ٨/ ٢٠٧. (٢) الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً به أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. وأراد به المصنف هنا: إرجاعَ الضمير إلى الفرش بمعنى النساء بعد إرادة معناها المعروف. ينظر حاشية الشهاب ٨/ ١٤٤ . (٣) تفسير الطبري ٣٢٠/٢٢-٣٢١، وسنن الترمذي (٣٢٩٦)، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٨/٦، وهو من طريق موسى بن عُبيدة عن يزيد الرَّقَّاشي عن أنس، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث. (٤) في الأصل و(م): مرثد، والمثبت من مصادر التخريج. الآية : ٣٦ - ٣٧ ٣٣٩ سُورَةُ الوَاقِعَةِ «الثيبُ والأبکارُ : ٣٥ سمعتُ النبيَّ وَّه يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنشَأْتُهُنَّ إِنشَاءُ اللاتي كنَّ في الدنيا)»(١). وأخرج الترمذي في ((الشمائل)) وابن المنذر وغيرُهما عن الحسن قال: أتَتْ عجوزٌ فقالت: يا رسولَ الله ادعُ اللهَ أنْ يُدخلَني الجنة. فقال: ((يا أم فلان إنَّ الجنة لا تدخلُها عجوزٌ» فولَّت تبكي قال: «أخبِرُوها أنَّها لا تدخلُها وهي عجوزٌ، إنَّ الله تعالى يقول: (إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ) إلخ))(٢). وقال أبو حيان: الظاهرُ أنَّ الإنشاء هو الاختراعُ الذي لم يُسبَق بخَلْق، ويكون ذلك مخصوصًا بالحور العين(٣)، فالمعنى: إنَّا ابتدأناهنَّ ابتداءً جديدًا من غير ولادةٍ ولا خَلْق أول. تفسيرٌ لِمَا تقدَّم، والجعلُ إما بمعنى التصيير، و((أبكاراً)) ﴿فَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا مفعولٌ ثان، أو بمعنى الخلق، و((أبكارًا)) حالٌ أو مفعولٌ ثانٍ، والكلامُ من قبيل: ضيِّق فم الرَّكِيَّةِ(٤)، وفي الحديث: ((إنَّ أهل الجنة إذا جامعُوا نساءَهم عُدْنَ أبكارًا)) أخرجه الطبراني في ((الصغير)) والبزار عن أبي سعيد مرفوعًا (٥). ﴿عُرْبًا﴾ متحبِّباتٍ إلى أزواجهنَّ، جمع عَرُوب کصَبُور وصُبُر، وروي هذا عن جماعة من السلف، وفسّرها جماعةٌ أخرى بغَنِجَات، ولا يخفَى أن الغَنْج ألطفُ أسباب التحبُّب، وعن زيد بن أسلم: العَرُوب الحسنةُ الكلام. (١) المعجم الكبير (٦٣٢١)، وعزاه لابن أبي حاتم ابنُ كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٣٠٧)، والطبري ٣٢٠/٢٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٨١). وفيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف. (٢) الشمائل (٢٣٠)، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٨/٦. (٣) البحر المحيط ٢٠٧/٨. (٤) الرَّكِيَّة: البئر، وقولك للحقَّار: ضيّق فم الركية ووسِّع أسفلها، إنما تريد به الإنشاء على تلك الصفة، لا أن هناك نقل من سعة إلى ضيق ولا من ضيق إلى سعة. البحر ٤٥٣/٧ . (٥) المعجم الصغير (٢٤٩)، وكشف الأستار (٣٥٣٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه معلَّى بن عبد الرحمن الواسطي، وهو كذاب. سُوَرَّةُ الْوَاقِعَّةِ ٣٤٠ الآية : ٣٧ وفي رواية عن ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد: هنَّ العواشقُ لأزواجهنَّ. ومنه علی ما قیل قول لبید: وفي الخدور عَرُوب غيرُ فاحشةٍ ريًّا الروادفِ يَعْشَى دونَها البصرُ (١) وفي رواية أخرى عن مجاهد: أنَّهنَّ الغَلِمات اللاتي يشتهينَ أزواجهن. وأخرج ابن عدي بسند ضعيفٍ عن أنس مرفوعًا: ((خيرُ نسائكم العفيفةُ الغلمة»(٢). وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث النوفلي: العَرُوب: الخفرة المتبذِّلة لزوجها، وأنشد: وإذا هم خَرجُوا فهنَّ خفار(٣) يعربنَ عند بعولهنَّ إذا خَلَوا ويرجع هذا إلى التحُّب، وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله وَّه في قوله تعالى: (عُرْبًا): ((كلامُهنَّ عربيٌّ))(٤)، ولا أظنُّ لهذا صحة؛ والتفسيرُ بالمتحيِّيات هو الذي عليه الأكثر. وقرأ حمزة وجماعة منها عباس والأصمعيُّ عن أبي عمرو، وأخرى منها خارجة وكردم عن نافع، وأخرى منها حماد وأبو بكر وأبان عن عاصم: ((عُرْبًا)) بسكون الراء وهي لغة تميم(٥)، وقال غيرُ واحدٍ: هي للتخفيف كما في عُنُقُ وعُنْق. (١) شرح ديوان لبيد ص٦١، وفيه: الحُدُوج، بدل: الخدور. (٢) الكامل ١٠٦٠/٣ في ترجمة زيد بن جبيرة الأنصاري، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه عمّن روى عنهم لا يتابعه عليه أحد. وفي الميزان ٩٩/٢: قال البخاري وغيره: متروك، وقال أبو حاتم: لا یکتب حديثه. (٣) تاريخ ابن عساكر ٢٤٣/٨، وذكره المزي في تهذيب الكمال ٤٤٣/٢، وفي (م): يعرين، بدل: يعربن. والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ٣٧١، بلفظ: يأنسْنَ عند بعولهن إذا التقوا ... (٤) الدر المنثور ١٥٩/٦، وعزاه لابن أبي حاتم أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وابن حجر في الفتح ٦/ ٣٢٢، وفيهما :... عن أبيه عن جده. وقال الحافظ ابن حجر: وهو ضعيف منقطع. (٥) قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم في التيسير ص٢٠٧، والنشر ٢١٦/٢، والكلام من البحر المحيط ٢٠٧/٨.