Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٥٦ ٢٨١ سُورَّةُ الَمن بعد ولا ناظرةٍ لغير زوجها، ويجوز أنْ يكونَ معناه أنَّ طرف الناظر لا يتجاوزها كقول المتنبي : وَخَصْرٌ تثبُتُ(١) الأبصارُ فيه كأنَّ عليه مِن حَدَقٍ نِطاقا(٢) انتھی، فلا تغفل. والأكثرون على أول المعنَيين اللذَين ذكرناهما، بل في بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّه تفسير نبويٌّ؛ أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه عن النبيِّ وَّهِ أَنَّه قال في ذلك: ((لا ينظرن إلا إلى أزواجهنَّ)(٣)، ومتى صحَّ هذا ينبغي قصرُ الطرْفِ علیه . وفي بعضٍ الآثار: تقولُ الواحدةُ منهنَّ لزوجها: وعزَّة ربِّي ما أرى في الجنة أحسنَ منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجَك وجعلَك زوجي(٤). و((الطرف)) في الأصل مصدر فلذلك وُحِّد. ﴿لَّ يَطْمِنْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ﴾ قال ابن عباس: لم يفتَضَّهُنَّ قبل أزواجهنَّ إنسٌ ولا جانٌّ، وفيه إشارة إلى أنَّ ضمير ((قبلهم))(٥) للأزواج، ويدلُّ عليه(٦) ((قاصرات الطرف))، وفي ((البحر)): هو عائدٌ على مَن عادَ عليه الضميرُ في ((متکتین))(٧) . وأصل الطمث خروجُ الدَّم، ولذلك يقال للحيض: طمثٌ، ثم أطلق على جماع الأبكار لِمَا فيه من خروج الدم، وقيل: ثم عُمِّم لكلِّ جماعٍ، وهو المرويُّ هنا عن عكرمة، وإلى الأول ذهب الكثير. (١) في الأصل: تنبت. (٢) ديوان المتنبي ٤١/٣. (٣) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ . (٤) أخرجه الطبري ٢٤٦/٢٢ عن ابن زید. (٥) في الأصل و(م): قبلهن. (٦) في الأصل: عليهم. (٧) البحر ١٩٨/٨. سُوَدَّةُ الَمنّ ٢٨٢ الآية : ٥٦ وقيل: إنَّ التعبيرَ به للإشارة إلى أنهنَّ يُوجَدْن أبكارًا كلَّما جُومعْنَ. ونفيُ طمئهنَّ عن الإنس ظاهرٌ، وأما عن الجنِّ فقال مجاهد والحسن: قد تجامعُ الجنُّ نساءَ البشر مع أزواجهنَّ إذا لم يذكر الزوجُ اسمَ الله تعالى، فَنَفَى هنا جميعَ المجامعين. وقيل: لا حاجةً إلى ذلك، إذ يكفي في نَفْي الطمثِ عن الجنِّ إمكانُه منهم. ولا شكَّ في إمكان جماع الجنِّيِّ إنسيةً بدون أنْ يكون مع زوجها الغير الذاکرِ اسمَ الله تعالى، ويدلُّ على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بنُ داود الزبيدي قال: كتبَ قومٌ من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجنِّ وقالوا: إنَّ هاهنا رجلًا من الجنِّ يزعمُ أنَّه يريدُ الحلال، فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكنْ أكرَهُ إذا وُجدَت امرأةٌ حامل قيل: مَن زوجك؟ قالت: من الجنّ، فيكثر الفسادُ في الإسلام(١). ثم إنَّ دعوى أنَّ الجنَّ تجامعُ نساءَ البشر جماعًا حقيقيًّا مع أزواجهنَّ إذا لم يذكروا اسمَ الله تعالى غيرُ مسلَّمةٍ عند جميع العلماء، وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤] غير نصٍّ في المراد كما لا يخفَى. وقال ضمرةُ بن حبيب: الجنُّ في الجنة لهم قاصراتُ الطرف من الجنِّ نوعهم، فالمعنَى: لم يطمث الإنسياتِ أحدٌ من الإنس ولا الجنياتِ أحدٌ من الجنِّ قبل أزواجهنَّ. وقد أخرج نحو هذا عنه ابنُ أبي حاتم(٢)، وظاهرُه أنَّ ما للجِنِّ لَسْنَ من الحور، ونقل الطبرسي عنه: أنَّهنَّ من الحور وكذا الإنسيات(٣). ولا مانعَ من أنْ يخلقَ الله تعالى في الجنة حورًا للإِنس يُشاكلْنَهم، يقال لهنَّ لذلك إنسيَّات، وحورًا للجنِّ يُشاكلْنَهم، يقال لهنَّ لذلك جنِّيات، ويجوز أنْ تكونَ الحورُ كلُّهنَّ نوعًا واحدًا ويعطَى الجنِّيُّ منهنَّ، لكنَّه في تلك النشأة غيرُه في هذه النشأة، ويقال: ما يعطاه (١) سلف ٤١٦/١٩، وينظر كلام المصنف عليه ثمة. (٢) لم نقف عليه عند ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري ٢٤٨/٢٢ . (٣) مجمع البيان ٢٧/ ١٠٢. الآية : ٥٦ ٢٨٣ سُورَّةُ الّمن الإنسي منهنَّ لم يطمثها إنسي قبله، وما يعطاه الجنِّيُّ لم يطمثها جنِّيٌّ قبله، وبهذا فسَّر البلخيُّ الآية. وقال الشعبي والكلبي: تلك القاصراتُ الطرف من نساء الدنيا لم يمسَسْهنَّ منذ أُنشئنَ النشأةَ الآخرة خلقٌ قبل (١)، والذي يعطاه الإنسيُّ زوجتُه المؤمنة التي كانت له في الدنيا ويُعطَى غيرها من نسائها المؤمنات أيضًا. وكذا الجني يُعطى زوجتَه المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجنِّ، ويُعطى غيرَها من نساء الجنِّ المؤمنات أيضًا، ويَبعدُ أنْ يُعطى الجنيُّ من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة. والذي يغلب على الظنِّ أنَّ الإنسيَّ يعطى من الإنسيات والحور، والجنيُّ يُعطى من الجنيات والحور، ولا يُعطى إنسيٍّ جنيةً، ولا جنِّيٍّ إنسيةً، وما يُعطاه المؤمنُ إنسيًّا كان أو جنيًّا من الحور شيءٌ يليقُ به وتشتهيه نفسُه، وحقيقةُ تلك النشأة وراءَ ما يخطُرُ بالبال. واستُدلَّ بالآية على أنَّ الجنَّ يدخلونَ الجنة ويجامعون فيها كالإنس، فهم باقون فيها منثَّمين كبقاء المعذّبين منهم في النار، وهو مقتضَى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي وعليه الأكثر، كما ذكره العينيُّ في (شرح البخاري)): من أنَّهم يثابُون على الطاعة ويُعاقبون على المعصية ويدخلون الجنة(٢). فإنَّ ظاهرَه أنَّهم كالإنس يوم القيامة. وعن الإمام أبي حنيفة ثلاثُ روايات: الأولَى: أنَّهم لا ثوابَ لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا کسائر الحيوانات. الثانية: أنَّهم من أهل الجنَّةِ ولا ثوابَ لهم، أي: زائدًا على دخولها. الثالثة: التوقُّف؛ قال الكَرْدَري(٣): وهو في أكثر الروايات. (١) في الأصل: قيل. (٢) عمدة القاري ١٥/ ١٨٤ . (٣) هو محمد بن عبد الستار بن محمد، العمادي، الكَرْدَري، تفقه على عمر بن عبد الكريم الوَرْسَكي، والمرغيناني. توفي (٦٤٢هـ). الجواهر المضية ٢٣٠/٣. سُودَةُ الَمنّ ٢٨٤ الآية : ٥٧ - ٥٨ وفي ((فتاوى)) أبي إسحاق بن الصفار أنَّ الإمام يقول: لا يكونون في الجنة ولا في النار ولكنْ في معلوم الله تعالی. ونُقل عن مالك وطائفةٍ: أنَّهم يكونون في رَبَضِ الجنة. وقيل: هم أصحاب الأعراف. وعن الضحاك: أنَّهم يُلهَمُون التسبيحَ والذكر، فيصيبون من لذَّته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة. وعلى القول بدخولهم الجنة قيل: نراهم ولا يرونا، عكس ما كانوا عليه في الدنيا، وإليه ذهب الحارث المحاسبي، وفي ((اليواقيت)): الخواصُّ منهم يرونا كما أنَّ الخواصَّ منَّا يرونَهم في الدنيا . وعلى القول بأنَّهم يتنعَّمون في الجنة قيل: إنَّ تنُّمَهم بغير رؤيته عز وجل فإنَّهم لا يرونه، وكذا الملائكة عليهم السلام ما عدا جبريل عليه السلام، فإنَّه يراه سبحانه مرةً ولا يرى بعدها، على ما حكاه أبو إسحاق إبراهيم بن الصفار في ((فتاويه)) عن أبيه، والأصحُ ما عليه الأكثر مما قدمناه، وأنَّهم لا فرقَ بينهم وبين البشر في الرؤية، وتمامُه في محلِّه. وقرأ طلحة وعيسى وأصحاب عبد الله: ((يطمثهن)) بضم الميم هنا وفيما بعد، وقرأ أناس بضمه في الأول وكسره في الثاني، وناسٌ بالعكس، وناسٌ بالتخيير، والجحدري بفتح الميم فيهما(١). والجملة صفة لـ ((قاصرات الطرف)) لأنَّ إضافتها لفظيةٌ، أو حال منها لتخصيصها بالإضافة. ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ إما صفةٌ لـ ((قاصرات الطرف)»، أو ٥٨ (١) البحر المحيط ١٩٨/٨، وقراءة ضمه في الأول وكسره في الثاني وعكسه والتخيير هي قراءة الكسائي كما في التيسير ص٢٠٧، والنشر ٣٨١/٢، والبدور الزاهرة ص ٣١٠. الآية : ٥٨ ٢٨٥ سُوَدَّة الّمن حال منها كالتي قبل، أي: مشبَّهات بالياقوت والمرجان، وقولُ النحاس: إنَّ الكاف في موضع رَفْع على الابتداء(١). ليس بشيء كما لا يخفى. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنَّه قال في الآية: في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ(٢). وعن الحسن نحوه. وفي ((البحر)) عن قتادة: في صفاء الياقوت وحُمرة المرجان(٣). فحمل ((المرجان)) على ما هو المعروف. وقيل: مشبَّهات بالياقوت في حمرة الوجه، وبالمرجان - أي: صغار الدُّرِّ - في بياض البشرة وصفائها، وتخصيصُ الصغار على ما في ((الكشاف)) لأنَّه أنصعُ بياضًا من الكبار(٤). وقيل: يحسُنُ هنا إرادةُ الكبار كما قيل في معناه؛ لأنَّه أوفقُ بقوله تعالى: ﴿كَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] فلا تغفل. وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في ((البعث والنشور)) عن أبي سعيد عن النبي ◌َّه في قوله تعالى: (كَنَّهُنَّ) إلخ قال: ((ينظرُ إلى وَجْهها في خدرها أصفَى من المرآة، وإنَّ أدنَى لؤلؤة عليها تُضيءُ ما بين المشرق والمغربِ، وإِنَّه يكونُ عليها سبعونَ ثوبًا ينفذُها بصرُه حتى يوضح سوقها من وراء ذلك))(٥). وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي في ((البعث)) عن ابن مسعود قال: إنَّ المرأةَ من الحور العين يُرَى مخّ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعينَ حلةً، كما يُرى الشرابُ الأحمرُ في الزجاجة البيضاء(٦). (١) إعراب القرآن ٣١٥/٤. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٦٥/٢، وتفسير الطبري ٢٥١/٢٢، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٨/٦ . (٣) البحر المحيط ١٩٨/٨. (٤) الكشاف ٤/ ٤٩ . (٥) المسند (١١٧١٥)، وصحيح ابن حبان (٧٣٩٧)، والمستدرك ٢/ ٤٧٥، والبعث والنشور (٣٧٥). (٦) المعجم الكبير (٨٨٦٤)، والبعث والنشور (٣٢٩)، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٨/٦-١٤٩، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف ١٠٧/١٣، والترمذي = سُورَّةُ الَّمنّ ٢٨٦ الآية : ٥٩ - ٦١ ﴿فَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ما قبله، أي: ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسانُ في الثواب. وقيل: المرادُ: ما جزاء التوحيد إلا الجنةُ، وأُيِّدَ بظواهر كثيرٍ من الآثار، أخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)» والبغوي في ((تفسيره)) والديلمي في ((مسند الفروس)) وابن النجار في ((تاريخه)) عن أنس قال: قرأ رسول الله وَله: (هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَانُ) فقال: ((وهل تدرونَ ما قال ربُّكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((يقولُ: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه بالتوحيد إلا الجنة))(١). وأخرج ابن النجار في ((تاريخه)) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعًا بلفظ: ((قال الله عز وجل: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه))(٢) إلخ. ووراء ذلك أقوالٌ تقرُبُ من مئة قول، واختير العمومُ ويدخلُ التوحيدُ دخولًا أوَّليًّا . والصوفية أوردُوا الآية في باب الإحسان وفسَّروه بما في الحديث ((أنْ تعبدَ اللهَ كأنَّك تراه فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))(٣) قالوا: اسمٌ يجمعُ أبواب الحقائق. وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((إلا الحسان))(٤) يعني بالحسان قاصرات الطرف اللاتي تقدَّم ذکرهن. ﴿فَأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥٣٣)، والطبري ٢٤٩/٢٢ -٢٥٠. = وأخرجه مرفوعًا الترمذي (٢٥٣٢) و(٢٥٣٣) وصحح وقفه، والطبري ٢٤٩/٢٢، وابن حبان (٧٣٩٦). (١) نوادر الأصول ص٢١٥، وتفسير البغوي ٢٧٦/٤، ومسند الفردوس ٣٣٧/٤ (٦٩٧٥)، وعزاه لابن النجار في تاريخه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٩/٦. (٢) الدر المنثور ١٤٩/٦. (٣) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨) من حديث أبي هريرة (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والبحر المحيط ١٩٨/٨. الآية : ٦٢ - ٦٤ ٢٨٧ سُوَدَّة المنّ مبتدأ وخبرٌ، أي: ومن دون تَيْنِك وقوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ الجَنَّتين في المنزلة والقدر جئَّتان أُخرَيان، قال ابن زيد والأكثرون: الأوليان للسابقين وهاتان لأصحاب اليمين، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبيِّ وَّه في قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِ جَنَّكَانٍ) وقوله سبحانه: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّثَانِ) قال: ((جنتان من ذهبٍ للمقرَّبين، وجنتان من وَرِقٍ لأصحاب اليمين))(١). وقال الحسن: الأوليان للسابقين والأخريان للتابعين، وروي موقوفًا وصحَّحه الحاكم عن أبي موسى(٢). وزعم بعضهم أنَّ الأُوْلَيَيْن للخائفين والأُخرَيَيْن لذُرِّياتهم الذين أُلحقوا بهم، ولم أجد له مستندًا من الآثار. وحكى في ((البحر)) عن ابن عباس أنَّه قال: ((ومن دونهما)) في القربِ للمنعَّمين، والمؤخَّرَتا الذكرِ أفضلُ من الأُولَيَين، واذَّعى أنَّ الصفات الآتية أمدحُ من الصفات السابقة(٣)، ووافقَه مَن وافقه، وسيأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالی. ٦٣ ﴿فَأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ صفةٌ لـ ((جنتان)) وُسِّط بينها الاعتراض لِمَا تقدَّم ٦٤ وقوله تعالى: ﴿مُدْهَآَتَانِ من التنبيه على أنَّ تكذيبَ كلٍّ من الموصوف والصفةِ حقيقٌ بالإنكار والتوبيخ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هما مدهامَّتان، من الدُّهمة، وهي في الأصل - على ما قال الراغب - سوادُ الليل، ويُعبَّر بها عن سواد الفرس، وقد يعبّر بها عن الخضرة الكاملةِ اللونِ، كما يعبّر عنها بالخضرة إذا لم تكن كاملةً، وذلك لتقاربهما (١) تفسير الطبري ٢٣٨/٢٢، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦ /١٤٦. (٢) المستدرك ٨٤/١. (٣) البحر المحيط ١٩٨/٨. سُوَدَّةُ الَّحمّ ٢٨٨ الآية : ٦٥ - ٦٦ في اللون، ويقال: ادهامَّ ادْهِيمامًا، فهو مُدهاٌّ على وزن مُفعالٌ(١): إذا اسودَّ أو اشتدَّت خضرتُه. وفسَّرها هنا ابنُ عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وجماعة بـ: خضراوان، بل أخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب مظ لته قال: سألتُ النبيَّ وَّر عن قوله تعالى: (مُدْهَامَتَانِ) فقال عليه الصلاة والسلام: ((خضراوان)(٢)، والمراد أنَّهما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدَّت ضربَت إلى السواد، وذلك من الريِّ من الماء كما روي عن ابن عباس وابن الزبير وأبي صالح. قيل: إنَّ في وصف هاتَين الجنَّتَين بما ذكر إشعارًا بأنَّ الغالبَ عليهما النباتُ والرَّياحين المنبسطةُ على وجه الأرض، كما أنَّ في وصف السابقَتَين بـ ((ذواتا أفنان)) إشعارًا بأنَّ الغالب عليهما الأشجارُ، فإنَّ الأشجارَ تُوصَفُ بأنَّها ذواتُ أفنان، والنبات يُوصَف بالخضرة الشديدةِ، فالاقتصارُ في كلِّ منهما على أحدٍ الأمرَين مُشعرٌ بما ذكر، وبُنيَ على هذا كونُ هاتَين الجنَّتين دونَ الأُوليين في المنزلة والقَدْرِ، كيف لا والجنةُ الكثيرةُ الظلال والثمار أعلى وأغلَى من الجنة القليلةِ الظلال والثمار، ومَن ذهب إلى تفضيل هاتَين الجنَّتَين منع(٣) اختصاص الوصف بالخضرة بالنبات، وكذا كونه أغلبَ مِن وَصْف الأشجار به، فكثيرًا ما تسمعُ الناسَ يقولون إذا مدحوا بستانًا: أشجارُه خُضْرٌ يانعة، وهو أظهرُ في مدحه بأنَّه ذو ثمارٍ من ذي أفنان، وهو يُشعرُ أيضًا بكثرة مائه والاعتناء بشأنه وبعدِه عن التصوُّح والهلاك. فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ ﴾ فوَّارتان بالماء على ما هو ٦,٥ ﴿فَبِأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ الظاهر، وفي ((البحر)): النضخُ فورانُ الماء(٤)، وفي ((الكشاف)) وغيره: النضخُ أكثرُ (١) مفردات الراغب (دهم). (٢) المعجم الكبير (٤٠٧٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٩/٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨/٧: فيه واصل بن السائب وهو متروك. (٣) في (م): مع، وهو تصحيف. (٤) البحر المحيط ١٨٦/٨. الآية : ٦٧ - ٦٨ ٢٨٩ سُوَدَّةُ الْحَمنَّ من النضح بالحاء المهملة؛ لأنَّه مثلُ الرشِّ (١)، وهو عند مَن فضَّل الجنتين الأُوليين دون الجري، فالمدح به دون المدح به، وعليه قول البراء بن عازب فيما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم: العينانِ اللَّتان تجريان خيرٌ من النضَّاختَينَ(٢). ومَن ذهب إلى تفضيل هاتَين يقولُ: في الفوران جَرْيٌ مع زيادة حسن، فإنَّ الماء إذا فارَ وارتفَع وقع متناثرَ القطراتِ، كحبات اللؤلؤ المتناثرة، كما يُشاهَد في الفوَّارات المعروفة، أو يقول بما أخرجه ابنُ أبي شيبة وابنُ أبي حاتم عن أنس: (ضَّاختان)) بالمسك والعنبرِ تنضخان على دُور الجنة، كما ينضَخُ المطرُ على دور أهل الدنيا(٣). أو بما أخرجه ابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد: ((نضاختان)) بالخير، ولفظ ابنُ أبي شيبة: بكلِّ خير (٤). عطَفَ الأخيرَين على ﴿فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ﴾ فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرَُّانٌ (3َ﴾ (الفاكهة)) عطفَ جبريل وميكال عليهما السلام على الملائكة بيانًا لفضلهما. وقيل: إنَّهما في الدنيا لمَّا لم يخلُصا للتفُّه - فإنَّ النخل ثمرُه فاكهةٌ وطعام، والرمَّانُ فاكهةٌ ودواء ــ عُدَّا جنسًا آخر، فعُطفًا على الفاكهة وإنْ كان كلُّ ما في الجنة للتفكُّه لأنَّه تلذُّذ خالصٌ، ومنه قال الإمام أبو حنيفة ظُه: إذا حلفَ لا يأكلُ فاكهةً، فأكل رمانًا أو رطبًا لم يحنث، وخالفَه صاحباه. ثم إنَّ نخلَ الجنةِ ورُمَّانها وراء ما نعرفُه، أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والحاكم وصححه وآخرون عن ابن عباس: نخلُ الجنة جذوعُها زُمُّد أخضر، وكرانيفها ذهبٌ أحمر، وسَعَفُها كسوةُ أهل الجنة، منها مقطّعاتهم وحلَلهم، وثمرُها أمثالُ القلال أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وألينُ من الزُّبد، وليس له عَجَم(٥). وحُكْمُه حُكْمُ المرفوع. (١) الكشاف ٤/ ٥٠. (٢) عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٩/٦ -١٥٠. (٣) عزاه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٢/١٣، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠. (٥) الزهد لابن المبارك (١٤٨٨)، والزهد لهناد (٩٩)، والمستدرك ٤٧٥/٢، وعزاه لابن = سُوَدَّة الحمّ ٢٩٠ الآية : ٦٨ وفي حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((أصولُه فضة، وجُذوعُه فضة، وسَعَفُه خُلَلٌ، وحملُه الرطب)) إلخ(١). وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعًا قال عليه الصلاة والسلام: («نظَرتُ إلى الجنةِ فإذا الرُّمَّانُ من رمَّانها كمثل البعيرِ المُقْتَب)»(٢). وهذا المدحُ بحسب الظاهرِ دون المدحِ في قوله تعالى في الجنتَين السابقتين: (فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَمْ زَوْجَانٍ) ومَن ذهب إلى تفضيلهما يقول: إنَّ التنوينَ في ((فاكهةٌ)) للتعميم بقرينة المقام نظيرَ ما قيل في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] فيكونُ في قوة: فيها كلُّ فاكهة، ويزيدُ ما في النظم الجليل على ما ذكر بتضمُّنه الإشارة إلى مَذْحٍ بعضٍ أنواعها . وقال الإمام الرازي: إنَّ ما هنا كقوله تعالى: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَذِ زَّوْجَانِ ٥٢ وذلك لأنَّ الفاكهةَ أنواعٌ أرضيةٌ وشجريةٌ، كالبطيخ وغيره من الأرضيات المزروعات، والنخل وغيرها من الشجريات، فقال تعالى: (مُدْهَآَمَتَانِ) لأنواع الخضر التي فيها الفواكه الأرضية، وفيها أيضًا الفواكه الشجرية، وذكر سبحانه منها نوعَين الرطب والرمان؛ لأنَّهما متقابلان أحدُهما حلوٌ والآخَرُ فيه حامضٌ، وأحدهما حارٌّ والآخرُ باردٌ، وأحدهما فاكهةٌ وغذاء والآخرُ فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارَّة والآخر من فواكه البلاد الباردةِ، وأحدُهما أشجارُه تكونُ في غاية الطول، والآخرُ ليس كذلك، وأحدُهما ما يُؤكَلُ منه بارزٌ وما لا يؤكّلُ كامنٌ، والآخرُ بالعكس، فهما كالضِّدَّين، والإشارةُ إلى الطَّرفَين تتناول الإشارةَ إلى ما بينهما، = أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠. وجاء في الزهد لابن المبارك والزهد لهناد: كَرَبها، بدل: كَرَانيفها. والكَرَبُ والكرانيف: أصول سَعَفِ النخل. النهاية (كرب) و(كرنف). والعَجَم: النوى. والمقطّعات: شبه الجباب ونحوها من الخزِّ وغيره. اللسان (عجم) و(قطع). (١) عزاه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠ لابن مردويه. وفيه: وجذوعها ذهب، بدل: وجذوعه فضة. (٢) تاريخ دمشق ٣٧٢/١٩، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠، والحديث في إسناده أبو هارون العبدي، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. الآية : ٦٩ - ٧٠ ٢٩١ سُوَدَّة الّمن كما في قوله تعالى: (رَبُّ الْشْرِقِيْنِ وَرَبُّ الْغْرِينِ)(١) انتهى، ولعلَّ الأول أَولَى. ٦٩ ﴿فَأَِ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ وقوله تعالى: ﴿فِنَّ خَيْرَتُ﴾ صفةٌ أُخرى لـ ((جنتان))، أو خبرٌ بعد خبر للمبتدأ المحذوفٍ كالجملة التي قبلها، ويجوز أنْ تكونَ مستأنفةً، والكلامُ في ضمير الجمع كالكلام فيه في قوله تعالى: (فِهِنَّ قَصِرَتُ اٌلَّرْفِ). و((خيرات)) قال أبو حيان: جمع خَيْرة، وصفٌ بُني على فَعْلة من الخير، كما بنَوا من الشَّر فقالوا: شَرَّة(٢)، وقال الزمخشري: أصلُه ((خيِّرات)) بالتشديد فخفِّفَ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((هينون لينون))(٣) وليس جمع خَيْر بمعنى أَخيرَ، فإنَّه لا يقال فيه: خيرون ولا خيرات(٤). ولعله لأنَّ أصلَ اسم التفضيل أنْ لا يجمَع خصوصًا إذا نُكّر. وقرأ بكر بن حبيب وأبو عثمان النهدي وابن مقسم: ((خيِّرات)) بتشديد الياء(٥)، وهو يؤيد أنَّ أصله كذلك، وروي عن أبي عمرو: ((خَيَرات)) بفتح الياء(٦) كأنَّه جمع خائرة جمع على فعلة. (١) مفاتيح الغيب ١٣٤/٢٩. (٢) البحر ١٩٨/٨. (٣) أخرجه الشهاب القضاعي في مسنده (١٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨١٢٩) من حديث ابن عمر ◌ًا مرفوعًا. وفيه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رؤَّاد عن أبيه عبد العزيز، قال أبو حاتم وغيره: أحاديثه منكرة، وقال ابن الجنيد: لا يساوي فلسًا، وقال ابن عدي: روى أحاديث عن أبيه لا يتابع عليها. الميزان ٢/ ٤٥٥ . وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٧)، والشهاب القضاعي في مسنده (١٤٠)، والبيهقي في الشعب (٨١٢٨) من طريق مكحول عن النبي وغير مرسلًا، قال البيهقي: هو مع إرساله اصح. وأخرجه أحمد ابن حنبل في الزهد ص٤٦٣، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٨٠ عن مكحول من قوله. (٤) الكشاف ٤/ ٥٠. (٥) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحرر الوجيز ٢٣٥/٥، والبحر المحيط ١٩٨/٨. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٥/٥، والبحر المحيط ١٩٨/٨. سُورَةُ الَمن ٢٩٢ الآية : ٧١ - ٧٢ ﴿حِسَانٌ﴾ قيل: أي: حسان الخُلُق والخَلْق، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنَّه قال في الآية: خيرات الأخلاقِ حسان الوجوه (١). وأخرج ذلك ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أمِّ سلمة مرفوعًا(٢). ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ VI وقوله تعالى: ﴿حُرٌ﴾ بدلٌ من ((خيرات)) وهو جمع حوراء، وكذا جمع أحور، والمرادُ بيضٌ كما أخرجه ابن المنذر وغيرُه عن ابن عباس(٣)، وروته أمُّ سلمة أيضًا عن رسول الله وَليَ(٤). وقال ابن الأثير: الحوراء هي الشديدةُ بياض العين الشديدة سوادها (٥). وفي ((القاموس)): الحَوَر بالتحريك: أنْ يشتدَّ بياضُ بياض العين وسوادُ سوادِها، وتستديرَ حدقتُها، وترقَّ جفونُها، ويبيَضَّ ما حواليها، أو شدَّةُ بياضها وسوادِها في بياض الجسد، أو اسودادُ العين كلِّها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدَمَ بل يُستعارُ لها(٦) . وإذا صحَّ حديثُ أمِّ سلمة لم يُعدَل في القرآن عن تفسير رسولِ الله وَّه. ﴿مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ أي: مخذَّرات، يقال: امرأة قصيرةٌ ومقصورةٌ، أي: مخدَّرة ملازمة لبيتها لا تطوفُ في الطرق، قال كُثّر عزَّة: إليَّ ولم تشعر بذاكَ القصائرُ وأنتِ التي حَبَّبْتٍ كلَّ قصيرةٍ قِصارَ الخُطَا شِرُّ النساءِ البحاتِرُ(٧) عَنَيتُ قصيراتِ الحجالِ ولم أُرِد (١) تفسير عبد الرزاق ٢٦٦/٢، وتفسير الطبري ٢٦٢/٢٢، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٠. (٢) تفسير الطبري ٢٦٣/٢٢، والمعجم الكبير ٣٦٧/٢٣ (٨٧٠) مطولًا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٩/٧: فيه سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم وابن عدي. (٣) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥١، وأخرجه الطبري ٢٦٤/٢٢. (٤) قطعة من حديث أم سلمة الذي سلف تخريجه قريبًا . (٥) النهاية في غريب الحديث (حور). (٦) القاموس المحيط (حور). (٧) ديوان كثير ص١٤٩، والبحاتر: القصيرات المجتمعات الخَلْق. المعجم الوسيط (بحتر). الآية : ٧٢ ٢٩٣ سُورَّةُ الصَّحْمنّ والنساءُ يُمدَحْنَ بملازَمَتِهِنَّ البيوتَ لدلالتها على صيانتهنَّ كما قال قيسُ بن الأسلت: وتكسَلُ عن جاراتها فيزرْنَها وتغفَلُ عن أبياتهنَّ فتعذرُ(١) وهذا التفسيرُ مأثورٌ عن ابن عباس والحسن والضحاك، وهو روايةٌ عن مجاهد، وأخرج ابن أبي شيبة وهنَّاد بن السري وابن جرير عنه أنَّه قال: مقصورات قلوبُهنَّ وأبصارُهنَّ ونفوسُهنَّ على أزواجِهِنَّ (٢). والأولُ أظهرُ، و((في الخيام)) عليه متعلّقٌ بـ ((مقصورات))، وعلى الثاني يحتملُ ذلك، ويحتمل كونه صفةً ثانيةً لـ ((حور)) فلا تغفل. و ((الخيام)) جمع خيمة، وهي على ما في ((البحر)) بيتٌ من خَشَب وثُمامٍ وسائر الحشيش، وإذا كان من شعر فهو بيتٌ ولا يقال له خيمة(٣). وقال غير واحد: هي كلُّ بيت مستديرٍ، أو ثلاثةُ أعوادٍ أو أربعة يُلقَى عليها الثُّمام ويستظلُّ بها في الحرِّ، أو كلُّ بيتٍ يُبنَى من عيدان الشجر. وتجمع أيضًا على خيمات، وخَيْمٍ بفتح فسكون، وَخَيَم بالفتح، وكعِنَب. والخيام هنا بيوتٌ من لؤلؤ، أخرج ابن أبي شيبة وجماعة عن ابن عباس أنَّه قال: الخيمةُ من لؤلؤة واحدة مجوَّفة أربعة فراسخ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ من (٤) ذهب(٤). وأخرج جماعة عن أبي الدرداء أنَّه قال: الخيمة لؤلؤةٌ واحدةٌ لها سبعون بابًا ×(٥) من درِّ(٥). (١) البيت في العقد الفريد ٢٢٦/٤، والمحرر الوجيز ٢٣٥/٥، والبحر المحيط ١٩٩/٨، ومعاهد التنصيص ٢٧/٢، وخزانة الأدب ٤١٢/٣ . (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٠/١٣، والزهد لهناد (١٧)، وتفسير الطبري ٢٦٥/٢٢. (٣) البحر المحيط ١٨٦/٨. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٤/١٣-١٣٥، وأخرجه الطبري ٢٦٨/٢٢. (٥) عزاه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥١ لعبد الرزاق وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم. سُورَّة النِّ ٢٩٤ الآية : ٧٣ - ٧٥ وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي موسى الأشعري عن النبيِ وَّ أنَّه قال: ((الخيمةُ درَّةٌ مجرَّفة طولُها في السماء ستونَ ميلًا، في كلِّ زاويةٍ منها للمؤمن أهلٌ لا يراهُم الآخرونَ يطوفُ عليهم المؤمن»(١)، إلى غير (٢) ذلك من الأخبار. وقوله سبحانه: ((فيهنَّ)) إلخ دون ما تقدَّم في الجنَّتَين السابقتين - أعني: قوله عز وجل: (فِنَّ قَصِرَتُ اٌلَّرْفِ) إلى قوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ) - في المدح عند مَن فضَّلهما على الأخيرتَين، قيل: لِمَا في ((مقصورات)) على التفسير الثاني من الإشعار بالقسر في القصر، وأمَّا على تفسيره الأول فكونه دونه ظاهرٌ وإنْ لم يلاحظ كونها مخدَّرةً فيما تقدم، أو يجعل قوله تعالى: (كَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَأَلْمَرْجَانُ) كنايةً عنه لأنَّهما مما يُصَان، كما قيل: جوهرةٌ أحقاقُها الخدور(٣) ومَن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول: هذا أمدحُ، لعموم ((خيرات حسان)) الصفاتِ الحسنةَ خَلْقًا وخُلُقًا، ويدخُل في ذلك قَصْر الطَّرْف وغيرُه مما يدلُّ عليه التشبيه بالياقوت والمرجان، والمراد بالقاصر على التفسير الثاني لـ ((مقصورات)) القاصر الطبيعي بقرينة المقام، فيكونُ فيه إشارةٌ إلى تعذُّر تَرْك القصر منهنَّ، و ((قاصرات الطرف)) ربما يُوهم أنَّ القصر باختيارهنَّ فمتى شِئْنَ قَصَرْنَ، ومتى لم يشأُنَ لم يقصِرْنَ. ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ الكلامُ فیه کالكلام في وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَالٌ نظيره. ٧٥ ﴿فَأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِبَانِ (١) صحيح البخاري (٣٢٤٣) و(٤٨٧٩)، وصحيح مسلم (٢٨٣٨)، وسنن الترمذي (٢٥٢٨). (٢) قوله: غير، ليس في (م). (٣) حاشية الشهاب ١٣٩/٨. الآية : ٧٦ ٢٩٥ سُورَةُ الَّحمر وقوله سبحانه: ﴿مُتَّكِينَ﴾ قيل: بتقدير: يتنعَّمون متكئين، أو: أعني متكئين، والضميرُ لأهل الجنتَين المدلولِ عليهم بذكرهما . ﴿عَلَى رَفْرَفٍ﴾ اسمُ جنسٍ، أو اسمُ جمعٍ واحده رَفْرَفة، وعلى الوجهَين يصحُّ وصفُه بقوله تعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ وجعَلَه بعضُهم جمعًا لهذا الوصف، ولا يخفى أنَّ أمرَ الوصفيَّةِ لا یتوقّفُ علی ذلك الجعل. وفسره في الآیة علیّ کرم الله تعالی وجھه وابن عباس والضحاك بفضول المحابس، وهي ما يُطرَح على ظهر الفراشِ للنوم عليه، وقال الجوهري: الرَّفرف ثيابٌ خضرٌ تُتَّخِذُ منها المحابس، واشتقاقُه مِن رَفَّ إذا ارتفَعَ(١). وقال الحسن فيما أخرجه ابن المنذر وغيرُه عنه: هي البُسطُ (٢). وأخرج عن عاصم الجحدري أنَّها الوسائد(٣). ورُوي ذلك عن الحسن أيضاً وابن کیسان. وقال الجبائي: الفُرُش المرتفعة. وقيل: ما تدلَّى من الأسرَّةِ من غالي الثياب. وقال الراغب: ضربٌ من الثياب مُشبَّهة بالرِّياض (٤). وأخرج ابن جرير وجماعة عن سعيد بن جبير أنَّه قال: الرَّفرفُ رياضُ الجنة(٥). وأخرج عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس(٦)، وهو عليه - كما في ((البحر)) - من رفَّ النبتُ: نَعُم وحَسُن(٧). (١) الصحاح (رقّ) ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ١٨٦/٨. (٢) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٢/٦، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣٧/١٣، والطبري ٢٧٤/٢٢ . (٣) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٢. (٤) مفردات الراغب (رفّ). (٥) تفسير الطبري ٢٧٣/٢٢، وأخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٢٧٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦/١٣. (٦) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٢. (٧) البحر المحيط ١٩٩/٨. سُوَدَّةُ الّمن ٢٩٦ الآية : ٧٦ ويقال الرفرفُ لكلِّ ثوبٍ عريض، وللرقيق من ثياب الديباج، ولأطراف الفُسطاط والخباء الواقعة على الأرض دون الأطناب والأوتاد، وظاهرُ كلامٍ بعضهم أنَّه قيل بهذا المعنى هنا، وفيه شيءٌ. ﴿وَعَبْقَرِيٍ﴾ هو منسوب إلى عَبْقَر، تزعمُ العرب أنَّه اسمُ بلدِ الجنّ، فينسُبُون إليه كلَّ عجيبٍ غريب من الفرش وغيرها، فمعناه: الشيء العجيبُ النادر، ومنه ما جاء في عمر الفاروق رَُّه: ((فلم أرَ عبقريًّا يَفْرِي فَرِيَّه)) (١)، ولتناسي تلك النسبة قيل: إنَّه ليس بمنسوب بل هو مثل كرسيّ وبُخْتِيّ، كما نقل عن قطرب. والمرادُ الجنس، ولذلك وُصِفَ بالجمع وهو قوله تعالى: ﴿حِسَانٍ﴾ حملًا على المعنَى. وقيل: هو اسمُ جمع، أو جمعٌ واحدُه عَبْقريَّة، وفسَّره الأكثرون بعتاق الزَّرَابي(٢)، وعن أبي عبيدة: هو ما كلُّه وَشْيٌّ من البسط (٣). وروى غيرُ واحد عن مجاهد أنَّه الديباج الغليظ، وعن الحسن أنَّها بُسط فيها صُوَرٌ، وقد سمعت ما نُقِلَ عنه في الرفرف فلا تغفل عمَّا يقتضيه العطفُ. وقرأ عثمان بن عفان څته ونصر بن عاصم والجحدري(٤) ومالك بن دينار وابن محيصن وزهير الفُرْقُبي وغيرهم: ((رَفَارِفَ)) جمع لا ينصرف ((خُضْرٍ)) بسكون الضاد، و(عَبَاقِرِيَّ)) بكسر القاف وفتح الياء مشددة، وعنهم أيضًا ضمُّ الضاد، وعنهم أيضًا فتحُ القاف(٥). قاله صاحب ((اللوامح))، ثم قال: أمَّا منْعُ الصرفِ من ((عباقريَّ)» (١) أخرجه أحمد (٤٨١٤)، والبخاري (٣٦٣٤)، ومسلم (٢٣٩٣) من حديث عبد الله بن عمر رضيًا، وأخرجه أحمد (٨٢٣٩)، والبخاري (٣٦٣٤) من حديث أبي هريرة ظه. (٢) الزرابي: النمارق، والبُسُط، أو كل ما بُسِطَ واتُّكئ عليه، الواحد: زربي بالكسر، ويضم. القاموس (زرب). (٣) مجاز القرآن ٢٤٦/٢، وفيه: تقول العرب لكل شيء من البسط: عبقري، ويرون أنها أرض يوشَّى فيها، وينظر: الزاهر لابن الأنباري ٣٩٥/٢. (٤) في الأصل و(م): الجحدري، بدون واو، والمثبت من البحر ١٩٩/٨، وعنه نقل المصنف. (٥) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحتسب ٣٠٥/٢، والبحر المحيط ١٩٩/٨، والكلام منه، وجاء في هامش الأصل: زهير بن ميمون الفُرْقُبي بالفاء المضمومة بعدها راء ساكنة وقاف مضمومة بعدها باء موحدة، الهمداني القارئ النحوي، أو هو بقافين، كذا في القاموس. اهـ منه، وينظر القاموس (فُرْقُب). الآية : ٧٦ ٢٩٧ سُورَةُ الَّمن فلمجاورته لـ ((رفارفَ)) يعني للمشاكلة، وإلا فلا وجْهَ لمنع الصرف مع ياءَي النسب إلا في ضرورة الشعر. انتهى. وقال ابن خالويه: قرأ: ((على رفارفَ خضر وعباقريَّ)) النبيُّ ◌َّ والجحدريُّ وابن محيصن، وقد روي عمن ذكرنا: ((على رفارفٍ خُضر وعباقريٍّ)) بالصرف، وكذلك روي عن مالك بن دينار، وقرأ أبو محمد المروزي وكان نحويًّا: ((على رفارف خُضَّار)) بوزن فُعَّال(١). وقال صاحب ((الكامل)): قرأ ((رفارف)) بالجمع ابنُ مصرف وابن مقسم وابن محيصن، واختاره شبل وأبو حيوة والجحدري والزعفراني، وهو الاختيار؛ لقوله تعالى: (خُضْرٍ)، و((عباقِرِي)) بالجمع وبكسر القاف من غير تنوين ابنُ مقسم وابن محیصن، وروي عنهما التنوين(٢). وقال ابن عطية: قرأ زهير الفرقبي: ((رفارفَ)) بالجمع وترك الصرف، وأبو طعمة المدني وعاصم فيما روي عنه: ((رفارفٍ)) بالصرف، وعثمان ﴾ كذلك، و((عباقريٍّ)) بالجمع والصرف، وعنه: ((وعباقَرِيَّ)) بفتح القاف والياء على أنَّ اسم الموضع عباقَر بفتح القاف، والصحيح فيه عَبْقَر (٣). وقال الزمخشري: قرئ: ((عباقري)) كمدائني، وروى أبو حاتم: ((عباقَريَّ)) بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته(٤). وقال الزجاج: هذه القراءة لا مخرجَ لها؛ لأنَّ ما جاوز الثلاثة لا يُجمَعُ بياء النسب، فلو جمعتَ ((عبقري)) قلت: عباقرة، نحو: مُهَلَّبي ومَهَالبة، ولا تقول: مَھَالِيي(٥). (١) القراءات الشاذة ص ١٥٠، ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ١٩٩/٨. (٢) البحر المحيط ١٩٩/٨. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٦/٥. (٤) الكشاف ٤/ ٥٠ . (٥) معاني القرآن ١٠٥/٥ . سُودَةُ الّمن ٢٩٨ الآية : ٧٦ وقال ابن جني: أما تركُ صرفِ ((عباقري)) فشاذٍّ في القياس، ولا يُستنكَرُ شذوذُه مع استعماله(١). وقال ابن هشام: كونُه من النسبة إلى الجمع كمدائني باطلٌ، فإنَّ مَن قرأ بذلك قرأ: ((رفارف خضر)) بقصد المجانسة، ولو كان كما ذكر كان مفردًا، ولا يصحُّ منْعُ صَرْفه كمدائني، وقد صحَّت الروايةُ بمنعه الصرفَ عن النبيِّ وَّيَ(٢)، فهو من باب كرسي وكراسي، وهو مِن صيغة منتهَى الجموع، لكنَّها خالفَت القياس في زيادة ما بعدَ الألفِ على المعروف، كما ذكره السهيلي(٣). وقال صاحب ((الكشف)): فتحُ القاف لا وجْهَ له بوجه، والمذكور في ((المنتقى)) عن النبي ◌َّهِ الكسر، وأما منعُ الصرف فليس بمتعيِّن لِيُرَد، بل وجهُهُ أنَّه نصب على محلِّ ((رفرف)) على حدٍّ: يذهبن في نَجْدٍ وغَورًا(٤) ..... وإضافته إلى ((حسان)) مثل إضافة ((حور)) إلى ((عين)) في قراءة عكرمة (٥)، كأنَّه قيل: عباقري مفارش، أو نمارق حسان، فهو من باب: أخلاقُ ثياب؛ لأنَّ أحدَ الوصفَين قائم مقام الموصوف، ولعلَّ عبقر وعباقر مثل عرفة وعرفات. انتهى، فأحط بجوانب الكلام ولا تغفل. (١) المحتسب ٣٠٦/٢. (٢) أخرج أبو عمر الدوري في جزء قراءات النبي وَّر (١١٤)، والحاكم ٢٥٠/٢ من طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ◌َّلو قرأ: ((متكئين على رفاف خضر وعباقري حسان)) وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: منقطع، وعاصم لم يدرك أبا بكرة. اهـ. وينظر تفسير الطبري ٢٧٧/٢٢ . (٣) حاشية الشهاب ٨/ ١٤٠. (٤) جزء من بيتٍ، وتمامه: يذهبن في نجدٍ وغورًا غائرًا فَواسِقًا عن قصدهم جوائرا ونسبه سيبويه في الكتاب ٩٤/١ للعجاج، وابن الأنباري في الزاهر ١/ ١٢٠ لرؤبة بن العجاج، وتقدم عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الكهف. (٥) ستأتي عند تفسير الآية (٢٢) من سورة الواقعة. الآية : ٧٦ ٢٩٩ سُوَّةُ الْمنّ وقرأ ابن هرمز: ((خضُر)) بضم الضاد(١)، وهي لغةٌ قليلةٌ، ومن ذلك قولُ طَرَفة: جرِّدوا منها ورادًا وشُقُر(٢) أيُّها القَينات في مجلسنا وقول الآخر: وما انتميتُ إلى خُورٍ ولا كُشُفٍ ولا لنامٍ غداة الرَّوعِ أوزاعٍ (٣) فـ (شُقُر)) جمع أشقر، و(كُتُف)) جمع أكشف، وهو مَن ينهزمُ في الحرب. هذا والوصفُ بقوله تعالى: (مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ) إلخ دون الوصف بقوله سبحانه: (مُتَّكِينَ عَلَى فُرُتِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍ) عند القائل بتفضيل الجنتَين السابقتين، لِمَا في هذا الوصف من الإشارة إلى أنَّ الظهائر مما يعجزُ عنها الوصفُ. ومَن ذهب إلى تفضيل الأخيرتَين يقولُ: الرفرف ما يُطرَح على ظهر الفراشِ وليست الفُرُش التي يُطرَح عليها الرفرف مذكورة، فيجوز أنْ يكونَ تركُ ذكرها للإشارة إلى عدم إحاطةِ الوصفِ بها ظهارةً وبطانةً، وهو أبلغُ من الأول، ولا يسلِّم أن تلك الفرش هي العبقري، أو يقول: الرفرف الفُرُش المرتفعة، وتركُ التعرُّض لِسِوى لونها، وهو الخضرة التي ميل الطباع إليها أشدُّ، وهي جامعةٌ لأصول الألوان الثلاثة على ما بيَّنه الإمام(٤)، يُشيرُ إلى أنَّها مما لا تكادُ تُحيط بحقيقتها العباراتُ، وقد يقال غير ذلك فتأمل. وينبغي على القول بتفضيل الأخيرَتَين وكونهما لطائفةٍ غيرِ الطائفة المشارِ إليهم بـ ((من خاف)) أنْ لا يفسّر ((مَن خاف)) بمن له شدةُ الخوف، بحیث یختصُّ بأفضل (١) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحتسب ٣٠٥/٢، والبحر المحيط ١٩٩/٨. (٢) ديوان طرفة ص٥٧، والمحتسب ١٦٢/١، والخصائص ٣٣٥/٢، وضرائر الشعر ص١٩، والبحر المحيط ١٩٩/٨، وفي المصادر: الفتيان، بدل: القينات. (٣) البيت لضرار بن الخطاب كما في الدرر اللوامع ١٣٤/٦، ودون نسبة في البحر المحيط ١٩٩/٨. وجاء في هامش الأصل: الأوزاع الجماعات. اهـ، وخور جمع خوَّار وهو الضعف. ينظر الدرر اللوامع. (٤) مفاتيح الغيب ١٣٦/٢٩. سُوَدَّةُ الْنّ ٣٠٠ الآية : ٧٦ المؤمنين وأجلُّهم؛ أَو يقال: إنَّهما مع الأولَيين لمن خافَ مقام ربِّه، ويكون المعنى: ولمن خافَ مقام ربِّه أيضًا جنتان صفتُهما کیت کیت من دون تَینك الجنتين، وعليه قيل: ((جنتان)) عطفٌ على ((جنتان)» قبله، و ((من دونهما)) في موضع الحال. وذهب بعضُهم إلى أنَّ هاتَين الجنتين - سواءٌ كانتا أفضلَ من الأولَين أم لا - لمن خاف مقام ربِّه عز وجل، فله يوم القيامة أربعُ جنان. قال الطبرسي: والأخيرتان دون الأُولَيين، أي: أقربُ إلى قصره ومجالسه ليتضاعفَ له السرورُ بالتنقل من جنَّة إلى جنة، على ما هو معروفٌ من طبع البشر من شهوة مثل ذلك، وهو أبعدُ عن الملل الذي طبع عليه البشرُ(١). وأنت تعلم أنَّ الآية تحتملُ ذلك احتمالًا ظاهرًا، لكن ما تقدَّم(٢) من حديث أبي موسی رہ یأباه، فإذا صحّ ولو موقوفًا ۔ إذ حکمُ مثلہ حکمُ المرفوع - لم یکن لنا العدولُ عما يقتضيه، وقد روي عنه أيضًا حديثٌ مرفوع ذكره الجلال السيوطي في ((الدر المنثور)) يشعرُ بأنَّ الجنان الأربعَ هي جنان الفردوس(٣)، وأخرج عنه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم أنَّه قال: إنَّ رسول الله وَّ﴾ قال: ((جنانُ الفِردَوسِ أربعٌ، جنتان مِن ذَهبٍ حليتُهما وآنيتُهما وما فيهما، وجنتان من فضَّة حليتُهما وآنيتُهما وما فيهما، وما بينَ القومِ وبين أنْ ينظرُوا إلى ربِّهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهِهِ في جنة عدن)) (٤). والظاهرُ على هذا أنَّه يشترك الألوف في الجنة الواحدة من هذه الجنان، ومعنى قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ) إلخ عليه مما لا يخفَى، ثم إنَّ قاصرات الطرف إنْ كنَّ من (١) مجمع البيان ٢٧ /١٠٥. (٢) ص ٢٨٧ من هذا الجزء. (٣) ينظر الدر المنثور ١٤٦/٦، وانظر التعليق الآتي. (٤) مسند أحمد (١٩٦٨٢)، وصحيح البخاري (٤٨٧٨) و(٤٨٨٠) و(٧٤٤٤)، وصحيح مسلم (١٨٠)، وسنن الترمذي (٢٥٢٨)، وسنن النسائي الكبرى (٧٧١٧)، وسنن ابن ماجه (١٨٦).