Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ٨ - ٩ ٢٤١ سُوَدَّةُ الَمنَّ أي: لئلا تَطْغَوا فيه، أي: حقّه وشأنه بأنْ تعتدوا ﴿أَلَّا نَطْغَوْا فِىِ اَلْمِيزَانِ وتتجاوزوا ما ينبغي فيه، على أنَّ ((أنْ)) ناصبةٌ، و((لا)) نافية ولام العلة مقدَّرة متعلِّقةٌ بقوله تعالى: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) وجوَّز ابنُ عطية والزمخشريُّ كونَ ((أنْ)) تفسيرية، (١) و((لا)) ناهية" واعترضه أبو حيان بأنَّه لم يتقدَّم جملة فيها معنى القول، وهو شرطٌ في صحة جعل ((أن)) مفسِّرة(٢)، وأُجيبَ بأنَّ ((وضع الميزان)) فيه ذلك؛ لأنَّه بالوحي وإعلام الرسل عليهم السلام. وزعم بعضُهم أنَّ التفسيرَ متعينٌ لأنَّه لا معنى لـ : وَضَع الميزانَ لئلّا تطغوا في الميزان، إذ المناسب الموزون ونحوه، وفيه ما لا يخفى. وفي ((البحر)): قرأ إبراهيم: ((ووَضْع الميزانِ)) بإسكان الضاد وخَفْض ((الميزان))(٣)، على أنَّ ((وَضْع)) مصدر مضاف إلى ما بعده، ولم يُبيِّن هل ((وضع) مرفوع أو منصوب، فإنْ كان مرفوعاً فالظاهرُ أنَّه مبتدأ و((ألا تطغوا)) بتقدير الجارِّ في موضع الخبر، وإنْ كان منصوباً فالظاهرُ أنَّ عاملَه مقدَّرٌ، أي: وفَعَل وَضْعَ الميزان، أو ووَضَع وضْعَ الميزان ألا تطغوا .. إلخ. وقرأ عبد الله: ((لا تطغوا)) بغير ((أن))(٤) على إرادة القول، أي: قائلاً، أو نحوه، لا ((قل)) كما قيل، و((لا)) ناهية بدليل الجزم. ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قوِّموا وَزْنكم بالعدل، وقال الراغب: هذا إشارةٌ إلى مراعاة المعدلة في جميع ما يتحرَّاه الإنسانُ من الأفعال والأقوال(٥). وعن مجاهد أنَّ المعنى: أقيموا لسانَ الميزان بالعدل إذا أردتُم الأخذ والإعطاء. وقال سفيان بن عيينة: الإقامةُ باليد، والقِسطُ بالقلب. (١) المحرر الوجيز ٢٢٥/٥، والكشاف ٤/ ٤٤. (٢) البحر المحيط ١٨٩/٨. (٣) البحر المحيط ١٨٩/٨، والقراءات الشاذة ص ١٤٨. (٤) معاني القرآن للفراء ١١٢/٣، والكشاف ٤/ ٤٤. (٥) مفردات الراغب (وزن). الآية : ٩ ٢٤٢ سُورَةُ الَمن والظاهرُ أنَّ الجملة عطفٌ على الجملة المنفية قبلها، ولا يضرُّ في ذلك كونُها إنشائيةً وتلك خبرية؛ لأنَّها لتأويلها بالمفرد تجرَّدت عن معنى الطلب، وجعل بعضهم ((لا)) في الأولى مطلقاً ناهية حرصاً على التوافق. ﴿وَلَا تُخِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أي: لا تنقصوه فإنَّ من حقِّه أنْ يُسوَّى؛ لأنَّه المقصودُ من وضعه. وكرر لفظ ((الميزان)) بدون إضماره كما هو مقتضَى الظاهر تشديداً للتوصية، وتأكيداً للأمر باستعماله والحثِّ عليه، بل في الجمل الثلاث تكرارٌ مّا معنّى لذلك. وقرئ: ((ولا تَخسُرُوا)) بفتح التاء وضمِّ السين(١)، وقرأ زيد بن علي وبلال بن أبي بردة بفتح التاء وكسر السين(٢)، وحكى ابنُ جنِّي وصاحبُ ((اللوامح)) عن بلال أنَّه قرأ بفتحهما(٣)، وخرّج ذلك الزمخشريُّ على أنَّ الأصلَ: ولا تَخسَروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل(٤)، بناءً على أنَّه لم يَجئ إلا لازماً. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ (خَسِر)) قد جاء متعدِّياً كقوله تعالى: ﴿خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] و﴿خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ [الحج: ١١] فلا حاجةَ إلى دعوى الحذفِ والإيصال(٥). وأجيب بأنَّه على تقدير أن يكونَ متعدِّياً هنا لا بدَّ من القول بالحذف والإيصال؛ لأنَّ المعنَى على حذف المفعول به، أي: لا تَخسَروا أنفسكم في الميزان، أي: لا تكونوا خاسريها يوم القيامة، بسبب الميزان بأنْ لا تُراعُوا ما ينبغي فيه . والراغبُ جوَّز حمل الآية على القراءة المشهورة على نحو هذا فقال: إنَّ قوله تعالى: (وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْصِرُواْ الْمِيزَانَ) يجوز أنْ يكونَ إشارةً إلى تحرِّي العدالة في الوزن، وتركِ الحيفِ فيما يُعاطاه فيه، ويجوزُ أنْ يكونَ إشارةً إلى تعاطي (١) البحر المحيط ١٨٩/٨. (٢) القرءات الشاذة ص ١٤٩، والمحتسب ٣٠٣/٢، والبحر المحيط ١٨٩/٨. (٣) المحتسب ٣٠٣/٢، والبحر المحيط ١٨٩/٨. (٤) الكشاف ٤ / ٤٤ . (٥) البحر المحيط ١٨٩/٨. الآية : ١٠ - ١١ ٢٤٣ سورة الرحمن ما لا يكونُ به في القيامة خاسراً، فيكون ممن قال سبحانه فيه: ﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] وكلا المعنيين متلازمان(١). وقيل: المعنى على التعدِّي بتقدير مضافٍ، أي: موزونَ الميزان، أو جعل ((الميزان)) مجازاً عن الموزون فيه، فتأمل ولا تغفل. ﴿وَأَلْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ خَلَقها موضوعةً مخفوضةً عن السماء حسبما يُشاهد، وقال الراغب: الوضعُ هنا الإيجادُ والخلقُ(٢). وكأنَّ مرادَه ما ذكر، وقيل: أي: خَفَضها مدحوَّة على الماء، والظاهرُ على تقدير اعتبار الدَّحو أنَّه لا حاجةَ إلى اعتبار أنَّه سبحانه خَلَقها كذلك، بل لا يصحُّ؛ لأنَّها لم تُخلَق مدحوَّة وإنما دُحَيَت بعدُ، على ما رُوي عن ابن عباس، ثم إنَّ كونَها على الماء مبنيٌّ على ما اشتهر أنَّه عز وجل خَلَق الماء قبلها وخَلَقها سبحانه من زَبَدِه. ﴿لِلْأَنَامِ﴾ قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والشعبي ومجاهد على ما في ((مجمع البحرين)): الحيوان كله، وقال الحسن: الإنس والجن. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: هم بنو آدم فقط. ولم أرَ هذا التخصيصَ لغيره رَُّه؛ ففي ((القاموس)): الأنام الخلقُ، أو الجنُّ والإنس، أو جميعُ ما على وجه الأرض (٣). ويحتمل أنَّه أراد أنَّ المراد به هنا ذلك، بناء على أنَّ اللام للانتفاع، وأنَّه محمولٌ على الانتفاع التامِّ، وهو للإنس أتمُّ منه لغيرهم، والأَولَى عندي ما حكي عنه أولاً . وقرأ أبو السمال ((والأرضُ)) بالرفع (٤). وقوله تعالى: ﴿فِيهَا فَكِهَةٌ﴾ إلخ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير ما أفادته الجملةُ السابقة من كون الأرض موضوعةً لنفع الأنام، وقيل: حالٌ مقدَّرة من ((الأرض))، أو من (١) مفردات الراغب (خسر). (٢) مفردات الراغب (وضع). (٣) القاموس المحيط (أنم). (٤) البحر المحيط ١٩٠/٨. سُوَدَّةُ الْ ٢٤٤ الآية : ١٢ ضميرها، فالأحسنُ حينئذٍ أن يكونَ الحال هو الجارَّ والمجرور، و((فاكهةٌ)) رفع على الفاعلية، والتنوين بمعونة المقام للتكثير، أي: فيها ضروبٌ كثيرةٌ مما يُتفكّه به. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ﴾ هي أوعيةُ التمر، أعني الطلع على ما روي عن ابن عباس، جمع ((كِمّ)) بكسر الكاف وقد تُضَم، وهذا في كمِّ الثمر، وأما كُمُّ القميص فهو بالضم لا غير. أو كلُّ ما يُكُمُّ ويُغطّى من ليف وسَعَف وطَلْع، فإنَّه مما ينتفع به كالمكموم من الثمر والجُمَّار مثلاً، واختاره مَن اختاره، ومما ذكر يُعلَم فائدة التوصيف . ﴿وَالْحَبُّ﴾ هو ما يُتغذَّى به كالحنطة والشعير ﴿ذُو اٌلْعَصْفِ﴾ قيل: هو ورق الزرع، وقيَّده بعضُهم باليابس، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه التِّبْن (١)، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك أنَّه القشر الذي يكون على الحبّ (٢)؛ وعن السدي والفراء أنَّ بَقْلُ الزرع(٣)، وهو أولُ ما ينبتُ، وأخرجه غير واحد عن الحبر أيضاً(٤)، واختار جمعٌ ما روي عنه أولاً . وفي توصيف ((الحبِّ)) بما ذكر تنبيهٌ على أنَّه سبحانه كما أنعم عليهم بما يَقُوتهم من الحبِّ أنعمَ عليهم بما يَقُوتُ بهائمهم من العصف. ﴿وَالرَّبْحَانُ﴾ هو كلُّ مشمومٍ طيب الريح من النبات على ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، وأخرج عن الحسن أنَّه قال: هو ريحانكم هذا، أي: الريحان المعروف، وأخرج عن مجاهد: أنَّه الرزق، بل قال ابن عباس كما أخرج هو أيضاً عنه: كلُّ ريحان في القرآن فهو رزق(٥). وزعم الطبرسيُّ أنَّه قولُ الأكثر(٦). وعليه (١) تفسير الطبري ١٨٣/٢٢، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٤١/٦. (٢) الدر المنثور ١٤١/٦، والذي في تفسير الطبري ١٨٤/٢٢ عن الضحاك: الحَبُّ: البُرُّ والشعير، والعصف: التبن. وفي رواية أخرى عنه: أما العصف: فهو البر والشعير. (٣) معاني القرآن للفراء ١١٣/٣. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم كما في فتح الباري ٦٢١/٨، ولفظه: ((العصف)): أول ما يخرج الزرع بقلاً . (٥) ينظر الآثار السابقة في الطبري ١٨٦/٢٢-١٨٧. (٦) مجمع البيان ٢٧ / ٨٧. الآية : ١٢ ٢٤٥ سُورَةُ الرَّحْنَ قولُ بعض الأعراب - وقد قيل له: إلى أين؟ -: أطلبُ من ريحان الله. فإنَّه أراد: مِن رزقه عز وجل. ووجْه إطلاقه عليه أنَّه يرتاح له، وظاهرُ كلام ((الكشاف))(١) أنَّه أطلق وأُريدَ منه اللبُّ؛ ليطابقَ العصفَ، ويوافقَ المراد منه في قراءة حمزة والكسائي والأصمعي عن أبي عمرو: ((والريحان)) بالجرِّ(٢) عطفاً على ((العصف))؛ إذ يبعدُ عليها حمله على المشموم، والقريبُ حمله على اللبِّ، فكأنَّه قيل: والحبُّ ذو العصف الذي هو رزق دوابُّكم، وذو اللبِّ الذي هو رزق لكم. وجوز أنْ يكونَ ((الريحان)» في هذه القراءة عطفاً على ((فاكهة)) كما في قراءة الرفع، والجرُّ للمجاورة، وهو کما تری. والزمخشريُّ بعد أنَّ فسر ((الأكمام)) بما ذكرناه ثانياً فيها، و((الريحان» باللبُّ قال: أرادَ سبحانه فيها ما يتلذَّذ به من الفواكه، والجامع بين التغذِّي والتلذّذ وهو ثمر النخل، وما يُتغذَّى به وهو ((الحبُّ))(٣). وهو على ما في ((الكشف)): بيانٌ لإظهار وجه الامتنان، وأنَّه مستوعِبٌ لأقسام ما يتناول في حال الرفاهية؛ لأنَّه إما للتلذُّذ الخالص وهو الفاكهةُ، أو له وللتغذّي أيضاً وهو ثمرُ النخل، أو للتغذّي وحده وهو الحبُّ، ولمَّا كان الأخيران أدخلَ في الامتنان شَفَع كلّ بعلاوة فيها منَّةٌ أيضاً. وأنت تعلم أنَّه إذا كان المقصودُ من ((النخل)) ثمرَه المعروفَ فالعطفُ على أسلوب: ملائكته وجبريل، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرُبَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإذا كان ما يعمُّه وسائرَ ما يُنتفع به منه كالجُمَّار والكُفَرَّى(٤)، فالعطف ليس على ذلك، وجعل صاحبُ ((الكشف)) قولَ الزمخشري بعد تفسير (١) ٤ / ٤٥ . (٢) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ٢٠٦، والنشر ٢/ ٣٨٠، وهي قراءة خلف من العشرة، ورواية الأصمعي عن أبي عمرو في البحر المحيط ٨/ ١٩٠ وهي خلاف المشهور عنه. (٣) الكشاف ٤/ ٤٥ . (٤) وعاء طلع النخل، من الكفر وهو الستر، حاشية الشهاب ٨/ ١٣٢. سُوَدَّةُ الَمن ٢٤٦ الآية : ١٣ ((الأكمام)) بالمعنى الأعمِّ: وكلُّه منتفَعٌ به كالمكموم (١) = إشارةً إلى هذا، ثم قال: ولا ينافي جَعْلَه منه في قوله تعالى: (فِيهَا فَلِكِهَةٌ) إلخ نظراً إلى أنَّ الجنة دارٌ تَخلُصُ للتلذُّذ، فالنظر هنالك إلى المقصود وهو الثمر فقط، فتأمل. وقرأ ابن عامر وأبو حيوة وابن أبي عبلة: ((والحبَّ ذا العصفِ والريحانَ» بنصب الجميع(٢)، وخرِّج على أنَّه بتقدير: وخلق الحبّ .. إلخ، وقيل: يجوز تقدير: أَخُصُّ، وفيه دغدغةٌ، وجوَّزوا أنْ يكون ((الريحان)) بمعنى اللبِّ حالة الرفع وحالة النصب على حذف مضاف(٣)، والأصل: وذو - أو: وذا - الريحان، فحذف المضاف وأقيمَ المضاف إليه مقامَه. و((الريحان)) فَيْعَلان من الروح. فأصله رَيْوَحان قُلبت الواو ياءً لاجتماعها مع ياء ساكنة قبلها، وأدغمت في الياء فصار ريّحان بالتشديد، ثم حذفت الياء الثانية التي هي عينُ الكلمة فقيل: ريحان، كما قيل: ميْت وهيْن بسكون الياء. وعن أبي علي الفارسي أنَّه فعلان، وأصلُه رَوْحان بفتح الراء وسكون الواو قلبت واؤه ياءً للتخفيف(٤)، وللفرق بينه وبين الروحان بمعنی ما له روح. ﴾ الخطاب للثقَلين؛ لأنَّهما داخلان في ((الأنام)) ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ على ما اخترناه؛ أو لأنَّ ((الأنام)) عبارة عنهما على ما روي عن الحسن، وسينطق [الرحمن: ٣١] وفي بهما في قوله تعالى: ﴿سَنَّفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ الأخبار - كما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً - ما يؤيده. وقد أبعد مَن ذهب على أنَّه خطابٌ للذكر والأنثى من بني آدم، وأبعد أكثر منه من قال: إنَّه خطابٌ على حدٍّ ﴿أَلْقِيَا فِى جَهََّ﴾ [ق: ٢٤] و: يا شُرطيُّ اضربا عنقَه، (١) الكشاف ٤/ ٤٥. (٢) قراءة ابن عامر في التيسير ص ٢٠٦، والنشر ٢/ ٣٨٠، وقراءة أبي حيوة وابن أبي عبلة في البحر ٨/ ١٩٠. (٣) في هامش الأصل: ذكر صاحب الكشف كلاماً دقيقاً في بيان الأرجح من التقدير وعدمه فلیراجع. اهـ منه. (٤) الحجة ٢٤٦/٦. الآية : ١٣ ٢٤٧ سُورَة الَّن يعني أنَّه خطابٌ للواحد بصورة الاثنين، والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فضِّل من فنون النعماء وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتماً. والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضمیرهم، لتأكید النکیر وتشديد التوبيخ. ومعنَى تكذيبهم بشيءٍ من آلائه تعالى: كفرُهم به؛ إما بإنكار كونِهِ منه عز وجل مع عدم الاعترافِ بكونه نعمةً في نفسه، كتعليم القرآن وما يستند إليه من النِّعم الدينية، وإما بإنكار كونه منه تعالى مع الاعتراف بكونه نعمةً في نفسه، كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً، صريحاً أو دلالة، فإنَّ إشراكهم لآلهتهم به تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها. والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لِمَا أنَّ دلالةَ الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادةٌ منها بذلك، فكفرُهم بها تكذيبٌ لا محالة، أي: فإذا كان الأمر كما فصّل، فبأيِّ فردٍ من أفراد نِعَم مالكِكما ومربِّيكما بتلك النعم تكذِّبان، مع أنَّ كلّ منها ناطقٌ بالحقِّ شاهدٌ بالصدق. ويُنْدَبِ أنْ يقول سامعُ هذه الآية: لا بشيءٍ من نعمك ربَّنا نكذِّب فلك الحمد، فقد أخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في ((الأفراد)) وابن مردويه والخطيب في ((تاريخه)) بسند صحيح عن ابن عمر﴿ه أنَّ رسول اللهِ وَّهِ قرأ سورة ((الرحمن)) على أصحابه فسكتُوا فقال: ((ما لي أسمعُ الجنَّ أحسنَ جواباً لربِّها منكم، ما أتيت على قول الله تعالى: (فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ) إلا قالوا: لا بشيءٍ من نعَمك ربَّنا نكذِّب فلك الحمد))(١)، وأخرج الترمذي وجماعةٌ وصححه الحاكم عن جابر بن عبد الله(٢) نحوه. (١) كشف الأستار (٢٢٦٩)، والطبري ١٩٠/٢٢، وتاريخ بغداد ٣٠١/٤، وعزاه لابن المنذر والدارقطني في الأفراد وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٠. (٢) سنن الترمذي (٣٢٩١)، ومستدرك الحاكم ٤٧٤/٢. سُوَدَّةُ الْنّ ٢٤٨ الآية : ١٤ - ١٥ وقرئ: ((فبأيِّ)) بالتنوين(١) في جميع السورة، كأنَّه حذف منه المضاف إليه وأبدل منه ((آلاء ربكما)) بدل معرفة من نكرة. تمهيدٌ للتوبيخ على إخلالهم ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَلْفَخَّارِ ﴾ بمواجب شكر النعمة المتعلّقة بذاتي كلِّ واحدٍ من الثقلَين، والمراد بـ ((الإنسان)) آدم عند الجمهور. وقيل: الجنس، وساغ ذلك لأنَّ أباهم مخلوقٌ مما ذكر. والصلصال: الطينُ اليابس الذي له صلصلة، وأصلُه - كما قال الراغب - تردُّد الصوت من الشيء اليابس. ومنه قيل: صَلَّ المسمار. وقيل: هو المنتنُ من الطين، من قولهم: صلَّ اللحم، وكأنَّ أصله صَلَّالٌ، فقُلَبَت إحدى اللَّامين صاداً (٢). ويُبعدُ ذلك قوله سبحانه: (كَالْفَخَارِ) وهو الخزف(٣)، أعني ما أُحرِقَ من الطين حتى تحجَّر، وسُمِّي بذلك لصوته إذا نُقِرِ، كأنَّه تصوَّر بصورةٍ مَن يُكْثِرُ التفاخر. وقد خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب جعله طيناً ثم حماً مسنوناً ثم صلصالاً، فلا تنافي بين الآية الناطقة بأحدها وبين ما نطَقَ بأحد الآخَرَين. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَ﴾ هو أبو الجنّ وهو إبليس؛ قاله الحسن. وقال مجاهد: هو أبو الجن وليس بإبليس. وقيل: هو اسم جنس شاملٌ للجنِّ كلِّهم. ﴿مِن مَّارِج﴾ من لهب خالصٍ لا دخانَ فيه كما هو رواية عن ابن عباس. وقيل: هو اللهبُ المختلِطُ بسواد النار، أو بخضرة وصفرة وحمرة، كما روي عن مجاهد، من مَرَج الشيءُ: إذا اضطربَ واختلطَ، و((مِن)) لابتداء الغاية، وقوله تعالى: ﴿مِّن نَّارٍ﴾ بيانٌ لـ ((مارج)) والتنكير للمطابقة، ولأنَّ التعريف لُكْنٍ عليه(٤)، فكأنَّه قيل: خلق من نار خالصةٍ أو مختلطةٍ، على التفسيرَين. وجوِّز جعل ((مِن)) (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٩ إلى أبي الدينار الأعرابي، ودون نسبة في البحر المحيط ٨/ ١٩٠. (٢) مفردات الراغب (صلصل). (٣) في (م): الخذف. (٤) في حاشية الشهاب ١٣٣/٨: لكُنْهِ حقيقته، بدل: لكنه عليه. الآية : ١٦ - ١٧ ٢٤٩ سُؤَدَّةُ الرحمن فيه ابتدائية، فالتنكيرُ لأنَّه أُريدَ نارٌ مخصوصةٌ متميزة من بين النيران لا هذه المعروفة. وأيَّاما كان فالمارجُ بالنسبة إلى الجانِّ كالتراب بالنسبة إلى الإنسان، وفي الآية ردِّ على مَن يزعم أنَّ الجنَّ نفوسٌ مجرَّدة. ﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَيْكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ مما أفاضَ عليكما في تضاعيف خَلْقِكما من سوابغ النعم. خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو ربُّ .. إلخ، أو ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧ الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة ربُّ مشرقَي الشمس صيفاً وشتاءً ومغربَيها كذلك، على ما أخرجه جماعة عن ابن عباس. وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة: أنَّ ((المشرقين)) مشرقُ(١) الشتاء ومشرقُ الصيف، و((المغربين)) مغربُ الشتاء ومغربُ الصيف بدون ذكر الشمس. وقيل: المشرقان مشرقا الشمس والقمر، والمغربان مغرباهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن ((المشرقَين)) مشرقُ الفجر ومشرقُ الشفق، و((المغربَين)) مغربُ الشمس ومغرب الشفق(٢). وحكى أبو حيان في ((المغربَين)) نحو هذا، وفي ((المشرقَين)) أنَّهما مطلعُ الفجر ومطلع الشمس(٣). والمعوَّل ما عليه الأكثرون مِن مشرقَي الصيف والشتاء ومغربَيهما، ومن قضية ذلك أنْ يكون سبحانه ربَّ ما بينهما من الموجودات. وقيل: ((ربُّ)) مبتدأ، والخبر قوله تعالى: (مَرَجَ) إلخ، وليس بذاك. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ((ربِّ)) بالجرِّ(٤) على أنَّه بدل مِن ((ربكما)) ﴿فَأَّ (١) في (م): مشرقا. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٤٢/٦ وفيه: النجم، بدل: الفجر. (٣) البحر المحيط ١٩١/٨. (٤) المصدر السابق. سُوءَةُ الَمِنَّ ٢٥٠ الآية : ١٨ - ٢٢ ١٨ ﴾ مما في ذلك من فوائدَ لا تُحصَى كاعتدال الهواء واختلاف ءَاءِ رَیِكُمَا تُكَذِبَانِ الفصول وحدوث ما يُناسب كلَّ فصل في وقته. ﴿َمَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: أرسلَهما وأجراهما، من مَرَجْتُ الدابة في المرعَى: أرسلتها فيه، والمعنى: أرسل البحر الملح والبحر العذب ﴿يَلْنَقِيَانِ﴾ أي: يتجاوران وتتماسُّ سطوحهما لا فضْلَ بينهما في مرأى العين. وقيل: أرسل بحرَي فارس والروم يلتقيان في المحيط؛ لأنَّهما خليجان يتشعَّبان منه. وروي هذا عن قتادة، لكنه أُورد عليه أنَّه لا يوافقُ قولَه تعالى: ﴿مَرَجَ اٌلْبَحْرِيِّ هَذَا عَذْبٌ قُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] والقرآنُ يفسِّر بعضُه بعضًا، وعليه قيل: جملة ((يلتقيان)) حالٌ مقدَّرة إن كان المراد إرسالَهما إلى المحيط، أو المعنى اتحادٌ أصلَيهما إن كان المراد إرسالَهما منه(١). ﴿َهُمَا بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجزٌ من قدرة الله تعالى، أو مِن أجرام الأرض كما قال قتادة ﴿لَّا يَتَغِيَانِ﴾ أي: لا يبغي أحدُهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصِّية بالكلية بناءً على الوجه الأول فيما سبق، أو لا يتجاوزان حدَّيهما بإغراق ما بينهما بناءً على الوجه الثاني، وروي هذا عن قتادة أيضًا، وفي معناه ما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن: لا يبغيان عليكم فيغرقانكم(٢). وقيل: المعنى: لا يطلبان حالًا غيرَ الحال التي خُلِقًا عليها وسُخِّرا لها. ﴿فَأَِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ مما لكما في ذلك من المنافع. ﴿يَخْجُ مِنْهُمَا اُلُُّلُ﴾ صغارُ الدُرِّ ﴿وَالْمَرْمَاتُ﴾ کبارُه كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن جرير عن عليّ كرم الله تعالى وجهه ومجاهد(٣)، وأخرجه عبد عن الربيع (٤)، (١) في الأصل و(م): إليه، وهو خطأ، والمثبت من حاشية الشهاب ١٣٣/٨، والكلام منه. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٦٣/٢، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر ٦/ ١٤٢. (٣) تفسير الطبري ٢٠٦/٢٢-٢٠٧، وعزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٢/٦. (٤) كذا وقعت هذه العبارة في الأصل و(م)، وقد أخرجه عن الربيع ابن أبي حاتم - واسمه عبد الرحمن بن سهل - كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. الآية : ٢٢ ٢٥١ سُوَّةُ الرَّحمن وجماعةٌ منهم المذكوران وابنُ المنذر وابن أبي حاتم من طُرقٍ عن ابن عباس(١). وأخرج ابن جرير عنه أنَّه قال: ((اللؤلؤ)) ما عظم منه، ((والمرجان)) اللؤلؤ الصغار، وأخرج هو وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة نحوه، وكذا أخرج ابن الأنباري في ((الوقف والابتداء)) عن مجاهد (٢)، وأظنُّ أنَّه إن اعتُبرَ في ((اللؤلؤ)) معنى التلألؤ واللمَعَان، وفي ((المرجان)) معنى المَرَجِ والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانيًا فيهما . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود أنَّه قال: ((المرجان)) الخرز الأحمر(٣). أعني البُسَّذ (٤)، وهو المشهور المتعارف، و((اللؤلؤ)) عليه شامل للكبار والصغار. ثم إنَّ ((اللؤلؤ)) بناءٌ غريب قيل: لا يُحفَظ منه في كلام العرب أكثرُ من خمسة: هو، والجُؤْجُؤْ: الصدر وقرية بالبحرين. والدُّؤْدُؤْ: آخر الشهر أو ليلة خمسٍ وستِّ وسبعٍ وعشرين، أو ثمان وتسع وعشرين، أو ثلاثُ ليالٍ من آخره، والبُؤْبُؤْ بالباء الموحدة: الأصل، والسيد الظريف، ورأس المكحلة، وإنسان العين، ووسط الشيء. واليُؤْيُؤ بالياء آخر الحروف: طائرٌ كالباشق. ورأيت في كُتُب اللغة على هذا البناء غيرَها، وهو الضؤضؤ: الأَخْيَل للطائر(٥)، والتُّؤْنُؤْ بالنون: المكثرُ تقليبَ الحدقة، والعاجزُ الجبان. ومن ذلك شُؤْشُؤْ: دعاءُ الحمار إلى الماء، وزَجْرُ الغنم والحمار للمضي، أو هو دعاء للغنم لتأكل أو تشرب. (١) الدر المنثور ١٤٢/٦، وهو في الزهد لهناد (١٩)، وتفسير الطبري ٢٠٦/٢٢ -٢٠٧. (٢) تفسير الطبري ٢٠٥/٢٢-٢٠٦، وتفسير عبد الرزاق ٢٦٣/٢، والوقف والابتداء ٧٤/١، وأثر قتادة عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ . (٣) تفسير عبد الرزاق ٢٦٣/٢، والطبري ٢٠٧/٦، والمعجم الكبير (٩٠٥٨)، وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ . (٤) في هامش الأصل: كسُكَّر. اهـ منه. وفي القاموس: البسَّذ كسكّر: المرجان معرَّب. (٥) ويسمى الشِّقِرَّاق، وتقول العرب: أشأم من أخيل. المعجم الوسيط (خيل). ووقع في (م): الأصل، بدل: الأخيل. سُورَةُ الَمِنَّ ٢٥٢ الآية : ٢٢ وأما المرجان فقد ذكره صاحب ((القاموس)) في مادة ((مرج)) ولم يذكر ما يُفهَم منه أنَّه معرَّب، وقال أبو حيان في ((البحر)): هو اسمٌ أعجميٌّ معرَّب، وقال ابن دريد: لم أسمع فيه بفعل متصرف(١). وقرأ طلحة: ((اللؤلئ)) بكسر اللام الأخيرة، وقرئ: ((اللؤلي)) بقلب الهمزة المتطرفة ياءً ساكنة بعد كسر ما قبلها(٢)، وكلٌّ من ذلك لغة. وقرأ نافع وأبو عمرو: ((يُخرَج)) مبنيًّا للمفعول من الإخراج (٣). وقرئ: ((يُخرِجُ)) مبنيًّا للفاعل منه ونصب ((اللؤلؤَ والمرجان))(٤)، أي: يُخرِج الله تعالى. واستشكلت الآية على تفسير ((البحرين)) بالعذب والملح دون بحرَي فارس والروم، بأنَّ المشاهَد خروجُ اللؤلؤ والمرجان مِن أحدهما وهو الملح، فكيف قال سبحانه: (مِنْهُمَا)؟ وأُجيبَ بأنَّهما لمَّا التقيا وصارا كالشيءِ الواحدِ جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميعه ولكنْ من بعضه، وكما تقول: خرجتُ من البلد، وإنما خرجت من محلّة من محالِه، بل من دار واحدةٍ من دوره، وقد يُنسَب إلى الاثنين ما هو لأحدهما، كما يُسنَد إلى الجماعة ما صَدَر من واحدٍ منهم. ومثله على ما في الانتصاف ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾(٥) [الزخرف: ٣١] وعلى ما نقل عن الزجَّاجِ ﴿سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُرًا﴾ [نوح: ١٥-١٦](٦). وقيل: إنَّهما لا يخرجان إلا من ملتقى العذب والملح. ويردُّه المشاهَدةُ، وكأنَّ مَن ذَكَره مع ما تقدَّم لم يذكره لكونه قولًا آخر بل ذكره لتقوية الاتِّحاد، فحينئذٍ تكون علاقةُ التجوز أقوى. (١) البحر المحيط ١٩٢/٨، وقول ابن دريد في الجمهرة ٣٢٤/٣. (٢) القراءتان في البحر المحيط ١٩٢/٨، والدر المصون ١٦٦/١٠. (٣) التيسير ص٢٠٦، والنشر ٢/ ٣٨٠-٣٨١، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب من العشرة. (٤) نسبها أبو حيان في البحر ١٩١/٨ للجعفي عن أبي عمرو. (٥) الانتصاف ٤ / ٤٥ -٤٦. (٦) معاني القرآن للزجاج ١٠٠/٥. الآية : ٢٢ ٢٥٣ سُورَةُ الصَّحْ وقال أبو علي الفارسي: هذا من باب حذفِ المضافِ، والتقدير: يخرج من أحدهما، وجعل ﴿اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] من ذلك(١). وهو عندي تقدير معنّى لا تقديرُ إعراب. وقال الرمَّاني: العذبُ منهما كاللقاح للملح، فهو كما يقال: الولد يخرج من الذكر والأنثى، أي: بواسطتهما. وقال ابن عباس وعكرمة: تكوَّنُ هذه الأشياء في البحر بنزول المطر؛ لأنَّ الأصداف في شهر نيسان تتلقَّى ماءَ المطر بأفواهها، فتتكون منه، ولذا تقلُّ في الجدب، وجُعِلَ عليه ضمير ((منهما)) للبحرين باعتبار الجنس، ولا يُحتاجُ إليه بناءً على ما أخرجه ابن جرير عنه أنَّ المراد بـ ((البحرَين)) بحرُ السماء وبحرُ الأرض. وأخرج هو وابن المنذر عن ابن جبير نحوه(٢)، إلا أنَّ في تكوّن المرجان بناءً على تفسيره بالبسَّذ من ماء المطر كاللؤلؤ تردُّدًا، وإنْ قالوا: إنَّه يتكون في نيسان. وقال بعضُ الأئمة: ظاهرُ كلام الله تعالى أَولَى بالاعتبار من كلام الناس، ومَن عَلِمَ أنَّ اللؤلؤ لا يخرُج من الماء العذب؟ وهَبْ أنَّ الغوَّاصين ما أخرجوه إلا مِن الملح، ولكن لِمَ قلتُم أنَّ الصدَف لا يخرج بأمر الله تعالى من الماء العذب إلى الماء الملح؟ فإنَّ خروجه محتمل تلُّذًا بالملوحة كما تلتذُّ المتوحِّمةُ بها في أوائل حملها، حتى إذا خرج لم يمكنه العود. وكيف يمكن الجزم بما قلتُم وكثيرٌ من الأمور الأرضية الظاهرة خَفِيَت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد، فكيف لا يخفَى أمرٌ مّا في قعر البحر عليهم؟ والله تعالى أعلم. ومن غريب التفسير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: ((مرج البحرين يلتقيان)) عليٍّ وفاطمة ﴿هَا (بينهما برزخٌ لا يبغيان)) النبيُّ وَّر ((يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)) الحسنُ والحسين ﴿ًّا. وأخرج عن أنس(٣) بن مالك نحوه(٤). لكن لم (١) الحجة للقراء السبعة ٦/ ٢٤٧. (٢) الأثران في الطبري ٢٢/ ٢٠٠، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٢. (٣) في الأصل و(م): إياس، وهو تصحيف. (٤) الأثران في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ - ١٤٣. سِوَرَةُ الَْمنَّ ٢٥٤ الآية : ٢٣ - ٢٤ يذكر فيه البرزخ، وذكر الطبرسيُّ من الإمامية في تفسيره ((مجمع البيان)) الأول بعينه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري(١). والذي أراه أنَّ هذا - إنْ صحَّ - ليس من التفسير في شيء، بل هو تأويلٌ كتأويل المتصوِّفة لكثيرٍ من الآيات، وكلٌّ من عليٍّ وفاطمة ﴿هَا عندي أعظمُ من البحر المحيط علمًا وفضلًا، وكذا كلٌّ من الحسنَين ◌ِّها أبهى وأبهجُ من اللؤلؤ والمرجان بمراتب جاوزت حدَّ الحسبان. ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا ثُكَذِّبَانِ ﴾ مما في ذلك من الزينة والمنافع الجليلة، فقد ذكر ٢٣ الأطباء أن اللؤلؤ يمنع الخَفَقان، والبخرَ، وضعفَ الكبد والكلَى، والحصَى، وحرقة البول، والسدد، واليرقان، وأمراض القلب، والسموم والوَسوَاس والجنون والتوخُّش والربو، شربًا، والجذام والبرص والبهق والآثار مطلقًا بالطلي، إلى غير ذلك. وأنَّ المرجان أعني البسَّذِ يُفرح ويزيلُ فساد الشهوة ولو تعليقًا، ونفثَ الدم والطحال شُربًا، والدمعةَ والبياض والسلاق والجرب كحلًا، إلى غير ذلك مما هو مذکور في کتبهم. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ السفن، جمع جارية وخصّها سبحانه بأنَّها له وهو تعالى له ملك السماوات والأرض وما فيهنَّ، للإشارة إلى أنَّ كونَهم هم مُنشئيها لا يُخْرِجها من ملكه عز وجل، حيث كان تمامُ منفعتها إنَّما هو منه عز وجل، وقرأ عبد الله والحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو: ((الجوارُ)) بإظهار الرفع على الراء(٢)؛ لأنَّ المحذوف لمَّا تناسَوه أعطوا ما قبلَ الآخِرِ حُكمَه، كما في قوله: (١) مجمع البيان ٢٧/ ٩١، وما قبله من الدر المنثور ١٤٢/٦-١٤٣، والوضع على هذه الأخبار ظاهر، وقد جعل الزركشي في البرهان ٢/ ١٥٢ هذا من تأويل الروافض المخالف للآية والشرع، وذكر عبد الرحمن بن محمد الثعالبي في تفسيره ٢٤٣/٤ أن أمثال هذه التأويلات هي ألغاز وأقوال باطنة يجب أن لا يلتفت إلى شيء منها . (٢) القراءات الشاذة ص١٤٩، والبحر المحيط ١٩٢/٨، وهو خلاف المشهور عن أبي عمرو. الآية : ٢٥ - ٢٦ ٢٥٥ سِوَّة الشَّحْ لها ثنايا أربعٌ حِسانٌ وأربعٌ فكلُّها ثمانٌ(١) ﴿الُْشََّاتُ﴾ أي: المرفوعاتُ الشُّرُع كما قال مجاهد، مِن أنشَأَه بمعنى رَفَعه. وقيل: المرفوعات على الماء. وليس بذاك، وكذا ما قيل: المصنوعات. وقرأ الأعمش وحمزة وزيد بن علي وطلحة وأبو بكر بخلاف عنه: ((المنشآت)» بكسر الشين (٢)، أي: الرافعات الشرع، أو اللاتي يُنشئنَ الأمواجَ بِجَرْيهنَّ، أو اللاتي يُنشئنَ السير إقبالًا وإدبارًا، وفي الكل مجازٌ، وشدَّد الشينَ ابنُ أبي عبلة، وقرأ الحسن ((المنشأةُ)) (٣) وحَّد الصفة ودلَّ على الجمع الموصوف كقوله تعالى: ﴿أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وقلب الهمزة ألفًا على حدِّ قوله: إنَّ السباع لتهدا في مرابضها(٤) يريدُ: لتهدأ، والتاء التأنيث الصفة، كتبت تاء على لفظها في الأصل. ﴿فِي الْبَعْرِ كَالْأَيِ﴾ كالجبال الشاهقة جمع عَلَم وهو الجبل الطويل ﴿فَأَتِّ ◌َالَاءِ رَيَّكُمَا من خلق موادِّ السُّفن والإرشاد إلى أخذها، وكيفية تركيبها، وإجرائها في مُگذِّبَانِ البحر بأسبابٍ لا يقدرُ على خَلْقها وجمعها وترتيبها غیرُه سبحانه وتعالى. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض التي وُضِعَت للأنام من الحيوانات والمركبات و(مَن)) للتغليب، أو من الثقلَين(٥) ﴿فَانٍ﴾ هالك. (١) الكشاف ٤٦/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣٣/٨، واللسان (ثغر)، والدر المصون ١٦٦/١٠، وخزانة الأدب شاهد (٥٤١). قال الشهاب: أظهر الرفع على نون (ثمان)) وهو منقوصٌ أيضاً. (٢) قراءة حمزة وأبي بكر في التيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٨١/٢، وقراءة الأعمش وزيد بن علي وطلحة في البحر ٨/ ١٩٢ . (٣) البحر المحيط ٨/ ١٩٢. (٤) وعجزه: والناسُ ليس بهادٍ شرُّهم أبدا، والبيت لإبراهيم بن هَرْمة، وهو في ديوانه ص٩٧، والخصائص ١٥٢/٣، وضرائر الشعر ص٢٢٩، واللسان (هدأ)، ودون نسبة في البحر المحيط ١٩٢/٨ وعنه نقل المصنف، وجاء في المصادر عدا البحر: عن فرائسها، بدل: في مرابضها . (٥) في (م): للثقلين. سُورَةُ الَمِن ٢٥٦ الآية : ٢٧ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ أي: ذاته عز وجل، والمرادُ هو سبحانه وتعالى، فالإضافة بيانية، وحقيقةُ الوجه في الشاهد الجارحة، واستعمالُه في الذات مجازٌ مرسلٌ كاستعمال الأيدي في الأنفس، وهو مجازٌ شائع. وقيل: أصلُه الجهة، واستعمالُه في الذات من باب الكنايةِ. وتفسيره بالذات هنا مبنيٌّ على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وتعيينِ المراد في مثل ذلك، دون مذهب السلف، وقد قرَّرناه لك غيرَ مرةٍ فتذكره وعضَّ علیه بالنواجذ. والظاهر أنَّ الخطاب في ((ربِّك)) للرسول ◌َّ، وفيه تشريفٌ عظيمٌ له عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو للصالح له لعظم الأمرِ وفخامته. وفي الآية عند المؤوِّلين كلامٌ كثيرٌ منه ما سمعتَ، ومنه ما قيل: الوجهُ بمعنى القصدِ ويُراد به المقصود، أي: ويبقَى ما يُقصَدُ به ربُّك عز وجل من الأعمال، وحُمِل كلامُ مَن فسَّره بالعمل الصالح على ذلك، وفيه ما فيه. وأقرب منه ما قيل: وجهه تعالى الجهةُ التي أمَرَنا عز وجل بالتوجُّه إليها والتقرب بها إليه سبحانه، ومرجعُ ذلك العملُ الصالح أيضًا، والله جل شأنه يُبقيه للعبد إلى أنْ يجازيَهُ عليه، ولذا وُصِف بالبقاء، أو لأنَّه بالقبول صار غيرَ قابلٍ للفناء؛ لِمَا أنَّ الجزاء عليه قام مقامه وهو باقٍ. ولا يخفى أنَّ كلا القولَين غيرُ مناسبٍ للتعليم في ((كلُّ من عليها)). وقيل: وجهه سبحانه الجهةُ التي يليها الحقُّ، أي: يتولَّها بفضله ويُفيضُها على الشيء من عنده، أي: إنَّ ذلك باقٍ دون الشيء في حدٍّ ذاته، فإنَّه فانٍ في كلِّ وقتٍ. وقيل: المراد بوجهه سبحانه وجهُهُ الممكن، وهي جهةُ حيثيةِ ارتباطِه وانتسابه إليه تعالى، والإضافة لأدنَى ملابسة، فالممكن في حدِّ ذاته، أي: إذا اعتُبرَ مستقلًا غير مرتبطٍ بعلَّته - أعني الوجودَ الحقَّ - كان معدومًا؛ لأنَّ ظهورَه إنما نشأ من العلة ولولاها لم يكُ شيئًا مذكورًا. وقول العلامة البيضاوي: لو استقرَيتَ جهاتٍ الموجودات وتفخَّصتَ وجوهها وجدتَها بأسرها فانيةً في حدٍّ ذاتها إلا وجه الله الآية : ٢٧ ٢٥٧ سُوَدَّةُ الَمن تعالى، أي: الوجه الذي يلي جهتَه سبحانه(١). محمولٌ على ذلك عند بعض المحقّقين، وإنْ كان قد فَسَّر الوجهَ قبلُ بالذات. وللعلماء في تقرير كلامه اختلاف، فمنهم مَن يجعلُ قوله: لو استقريت .. إلخ تتمةً لتفسيره الأول، ومنهم مَن يجعلُه وجهًا آخر، وهو على الأول أخذٌ بالحاصل، وعلى الثاني قيل: يحتملُ التطبيق على كل من مذاهب في الممكنات الموجودة، وذلك أنَّها إما موجودةٌ حقيقةً، بمعنى أنَّها منَّصفة بالوجود اتِّصافًا حقيقيًّا، بأنْ يكونَ الوجودُ زائدًا عليها قائمًا بها، وهو مذهبُ جمهور الحكماء والمتكلِّمين، وإما موجودةٌ مجازًا وليس لها اتِّصافٌ حقيقيٌّ بالوجود، بأنْ يكونَ الوجودُ قائمًا بها، بل إطلاقُ الموجود عليها كإطلاق الشمس(٢) على الماء، وإليه ذهب المتألِّهون من الحكماء والمحقِّقون من الصوفية، إلا أنَّ ذوق المتألِّهين أنَّ علاقة المجاز أنَّ لها نسبةً مخصوصة إلى حضرة الوجود الواجبي على وجوه مختلفةٍ وأنحاء شتَّى، والطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاسِ الخلائق، فالوجودُ عندهم جزئيٌّ حقيقيٌّ قائم بذاته، لا يتصوَّرُ عروضُه لشيءٍ ولا قيامُه به، ومعنى كونِ الممكن موجودًا أنَّه مظهرٌ له ومجلى ينجلي فيه نوره، فالله نور السماوات والأرض، والممكنات بمنزلة المرايا المختلفة التي تنعكس إليها أشعةُ الشمس، وينصبغُ كلٌّ منها بصبغ يُناسبه. ومذاقُ المحقّقين من الصوفية أنَّ علاقة المجاز أنَّها بمنزلة صفاتٍ قائمةٍ بذات الواجب سبحانه، إذ ليس في الوجود على مذاقهم ذواتٌ متعدِّدة بعضُها واجبٌ وبعضُها ممكن، بل ذاتٌ واحدةٌ لها صفاتٌ متكثِّرة وشؤونات متعددةٌ وتجلِّياتٌ متجدِّدة ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] والمشهور أنَّه لا فرقَ بين المذاقَين. ووجهُ التطبيق على الأول: أنْ يقال: المرادُ من الوجه الذي يلي جهتَه تعالى هو الوجوبُ بالغير، إذ الممكنُ وإنْ كان موجودًا حقيقةً عند الجمهور، لكنْ وجودُه مستفادٌ من الواجب بالذات، وجهة الاستفادة ليسَت هي الذات ولا شيئًا آخر من (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣٤/٨. (٢) في الأصل: المشمس. : سُوَدَّةُ الَّمّ ٢٥٨ الآية : ٢٧ الجهات والوجوه كالإمكان والمعلوليَّة، والجوهرية والعَرَضية، والبساطة والتركيب، وسائرٍ الأمور العامة؛ لأنَّ كلَّا منها جهة(١) الخِسّة، ومقتضى الفطرة الإمكانية البعيدة بمراحل عن الوجوب الذاتي المنافية له، وإنما جهة الشرف القريبة المناسبة للوجوب الذاتي جهةُ الوجوب بالغير، فهو وجهٌ يلي جهة الواجب ويناسبه في كونه وجوبًا وإن كان بالغير، ولذا يَعقبُه فيضانُ الوجود، ولذا تسمعهم يقولون: الممکن ما لم یجب لم يوجد. ووجهُ التطبيق على الثاني أنْ يقال: الوجهُ الذي يلي جهتَه تعالى هو تلك النسبةُ المخصوصة المصحِّحة لإطلاق لفظِ الموجود عليها ولو مجازًا، فالمعنى: كلُّ مَن عليها فانٍ معدومٌ لا يصحُّ أنْ يطلَق لفظُ الموجود عليه ولو مجازًا، إلا باعتبار الوجه الذي يلي جهتَه تعالى، أي: بالنسبة المخصوصة إلى حضرته تعالى، وهي كونه مظهرًا له سبحانه. ووجه التطبيق على الثالث أن يقال: المرادُ بالوجه الذي يلي جهتَه تعالى كونُها شؤوناتٍ واعتباراتٍ له تعالى، فالمعنى: كلُّ مَن عليها معدومٌ من جميع الوجوه والاعتبارات إلا مِن الوجه الذي يلي جهَه سبحانه والاعتبارِ الذي يحصل مقيسًا إليه عز وجل، وهو كونُه شأنًا من شؤونه واعتبارًا من اعتباراته جل شأنه. فتأمَّل مستعينًا بالله عز وجل. ﴿ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أي: يُجلُّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه، ويُثبتون له ما يليقُ بشأنه تعالى شأنُه، فهذا راجعٌ إلى ما له سبحانه من التعظيم في قلوب مَن عرفَه عز وجل، أو الذي يقال في شأنه: ما أجلَّك وما أكرمك! أي: هو سبحانه مَن يستحقُّ أنْ يقال في شأنه ذلك قيل أو لم يُقَل، فهو راجعٌ إلى ما له تعالى من الكمال في نفسه باعتبار قصورِ الإدراك عن شأوه، أو مَن عنده الجلال والإكرام للموحِّدين، فهو راجعٌ إلى الفعل، أي: يُجلُّ الموحّدين ویُكرِمُهم. وفسَّر بعضُ المحقّقين ((الجلال)) بالاستغناء المطلَق، ((والإكرام)) بالفضل التامِّ، (١) في (م): جهته. الآية : ٢٧ ٢٥٩ سُورَةُ الَّمن وهذا ظاهرٌ، ووجهُ الأول بأنَّ ((الجلال)) العظمةُ، وهي تقتضي ترفُّعَه تعالى عن الموجودات، ويستلزمُ أنَّه سبحانه غنيٌّ عنها، ثم أُلحِقَ بالحقيقة، ولذا قال الجوهري: عَظَمةُ الشيء الاستغناءُ عن غيره، وكلُّ محتاجٍ حقيرٌ (١). وقال الكرماني: إنَّه تعالى له صفاتٌ عدمية مثل ﴿لَا شَرِيكَ لٌَّ﴾ [الأنعام: ١٦٣] وتسمَّى صفات الجلال؛ لِمَا أنَّها تؤدَّى بـ: جَلَّ عن كذا، جلَّ عن كذا، وصفاتٌ وجوديَّةٌ كالحياة والعلم، وتسمَّى صفات الإكرام(٢). وفيه تأمُّل. والظاهرُ أنَّ ((ذو)) صفةٌ للوجه، ويتضمَّن الوصفُ بما ذكر - على ما ذكره البعضُ - الإشارةَ إلى أنَّ فناءَ مَن عليها لا يُخِلُّ بشأنه عز وجل؛ لأنَّه الغنيُّ المطلَق، والإشارةَ إلى أنَّه تعالى بعد فنائهم يُفيضُ على الثقلَين من آثار كرمه ما يفيضُ وذلك يوم القيامة، ووَصْفُ الوجه بما وُصِف يُبعِدُ كونَه عبارةً عن العمل الصالح أو الجهة على ما سمعتَ آنفًا، وكأنَّ مَن يقول بذلك يقول: ((ذو)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ هو ضميرٌ راجعٌ إلى الربِّ، وهو في الأصل صفةٌ له، ثم قُطعَت عن التبعية، ويؤيِّدُه قراءةُ أبيّ وعبد الله: ((ذي الجلال))(٣) بالياء على أنَّه صفةٌ تابعةٌ للربِّ. وذكر الراغبُ أنَّ هذا الوصفَ قد خُصَّ به عزَّ وجل ولم يُستعمل في غيره(٤)، فهو من أجلِّ أوصافه سبحانه، ويشهدُ له ما رواه الترمذيُّ عن أنس، والإمام أحمد عن ربيعة بن عامر مرفوعًا: (أَلِظُوا بـ: ياذا الجلالِ والإكرام)»(٥) أي: الْزَموه واثبُتُوا عليه، وأَكْثِرُوا من قوله والتلفُّظ به في دعائكم. وروى الترمذيُّ وأبو داود والنسائي عن أنس أنَّه كان مع رسول الله وَّر ورجل يُصلِّي ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمدَ لا إله إلا أنت، المنَّانُ بديعُ (١) حاشية الشهاب ٨/ ١٣٤. (٢) ينظر شرح الكرماني لصحيح البخاري ٩٥/٢٥-٩٦، وحاشية الشهاب ١٣٤/٨. (٣) معاني القرآن للفراء ١١٦/٣، وتفسير الطبري ٢١٢/٢٢، والمحرر الوجيز ٢٢٩/٥، والبحر المحيط ٨/ ١٩٢. (٤) مفردات الراغب (جلّ). (٥) سنن الترمذي (٣٥٢٤) و(٣٥٢٥)، ومسند أحمد (١٧٥٩٦). سُورَةُ الَمن ٢٦٠ الآية : ٢٨ - ٢٩ السماواتِ والأرضِ، ذو الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيوم، فقال ◌َّ لأصحابه: (أَتَدْرُونَ بما دعا؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: ((والذي نفسي بيده لقد دعا اللهَ باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطَى))(١). ؛ مما يتضمَّنه ما ذكر، فإنَّ الفناء بابٌ للبقاء والحياةِ ٣٨ ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ الأبدية والإثابةِ بالنعمة السرمدية، وقال الطيبي: المرادُ من الآية السابقة ملزومُ معناها؛ لأنَّها كنايةٌ عن مجيء وقتِ الجزاء، وهو من أجلِّ النِّعم، ولذلك خصَّ ((الجلال والإكرام)) بالذكر؛ لأنَّهما يدلَّان على الإثابة والعقاب المراد منها تخويفُ العباد وتحذيرُهم من ارتكاب ما يترتَّبُ عليه العقابُ، والتحذيرُ من مثل ذلك نعمةٌ، فلذا رتَّب عليها بالفاء قوله تعالى: (فَأَيِّ ءَالَاءِ) إلخ. وليس بذاك. ﴿يَثَلُ, مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قاطبةً ما يحتاجون إليه في ذواتهم حدوثًا وبقاءً، وفي سائر أحوالهم سؤالًا مستمرًّا بلسان المقال أو بلسان الحال، فإنَّهم كافةً من حيث حقائقهم الممكنةُ بمعزلٍ من استحقاق الوجود وما يتفرَّعُ عليه من الكمالات بالمرَّة، بحيث لو انقطعَ ما بينهم وبين العناية الإلهية من العلاقة لم يشمُّوا رائحةً الوجود أصلًا، فهم في كل آنٍ سائلون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح: يسأله مَن في السماوات الرحمةَ، ومَن في الأرضِ المغفرةَ والرزقَ. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج: يسأله الملائكةُ عليهم السلام الرزقَ لأهل الأرضِ والمغفرةَ، وأهلُ الأرض يسألونهما جميعًا(٢). وما تقدَّم أَولَى ولا دليلَ على التخصيص. والظاهرُ أنَّ الجملةَ استئنافٌ. وقيل: هي حالٌ من الوجه، والعاملُ فيها ((يبقَى)) أي: هو سبحانه دائمٌ في هذه الحال، ولا يخفَى حاله على ذي تمييز. ﴿كُلَّ يَّوْمٍ﴾ كلَّ وقتٍ من الأوقات ولحظةٍ من اللحظات ﴿هُوَ فيِ شَأْنٍ﴾ من الشؤونات التي من جملتها إعطاءُ ما سألوا، فإنَّه تعالى لا يزالُ ينشئ أشخاصًا (١) سنن الترمذي (٣٥٤٤)، وسنن أبي داود (١٤٩٥)، وسنن النسائي ٥٢/٣، وأخرجه أحمد (١٢٢٠٥) و(١٢٦١١). (٢) الأثران في الدر المنثور ١٤٣/٦، ولفظ الثاني نقله المصنف من البحر ١٩٣/٨.