Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٤٧ - ٤٨ ٢٢١ سُورَةُ القَصْ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ من الأولين والآخِرِين ﴿فِي ضَلَلٍ﴾ في هلاك ﴿وَسُمُرٍ﴾ ونيران مسغَرةٍ، أو: في ضلال عن الحقِّ ونيرانٍ في الآخرة، وقال ابن عباس ظًّا: في خسران وجنون. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرُّون ﴿فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بقول مقدَّرٍ بعده، أي: يومَ يسحبون يقالُ لهم: ﴿ذُوقُواْ مَتَ سَقَّرَ﴾ وجوِّز أن يكونَ متعلِّقاً بمقدَّر يُفهَم مما قبل، أي: يعذّبون، أو: يُهانون، أو نحوه، وجملةُ القول عليه حالٌ من ضمير ((يسحبون)). وجوِّز كونه متعلِّقاً بـ ((ذوقوا)) على أنَّ الخطاب للمكذِّبين المخاطبين في قوله تعالى: (أَكُفَّارُكُنْ) إلخ، أي: ذوقوا أيها المكذِّبون محمداً فَلّهِ يومَ يُسحَب المجرمون المتقدِّمون، والمرادُ حشرُهم معهم والتسويةُ بينهم في الآخرة كما ساوَوْهم في الدنيا. وهو كما ترى. والمرادُ بـ ((مسَّ سقر)): أَلَمُها، على أنَّه مجازٌ مرسلٌ عنه بعلاقة السببية، فإنَّ مسَّها سببٌ للتألم بها، وتعلَّقُ الذوقِ بمثل ذلك شائعٌ في الاستعمال، وفي ((الكشاف)): ((مسَّ سقر)) كقولك: وجَدَ مسَّ الحمَّى، وذاق طعْمَ الضرب؛ لأنَّ النار إذا أصابتهم بحرِّها ولحقتهم بإيلامها فكأنَّها تمسُّهم مسّاً بذلك، كما يمسُّ الحيوان ويُباشرُ بما يؤذي ويؤلم(١). وهو مشعرٌ بأنَّ في الكلام استعارة مكنيةً نحو: ﴿يَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] ويحتمل غير ذلك. و((سقر)) عَلَمٌ لجهَّم - أعاذنا الله تعالى منها ببركة كلامه العظيم وحرمةٍ حبيبه عليه أفضلُ الصلاة وأكمل التسليم - من سَقَرتْه النارُ وصَقَرته بإبدال السين صاداً لأجل القاف: إذا لوَّحَته وغيّرت لونَه، قال ذو الرمة يصفُ ثورَ الوحش: إذا ذابَت الشمسُ اتَّقَى صَقَراتِها بأفنانِ مَرْبوعِ الصَّريمةِ مُعْبِلٍ (٢) (١) الكشاف ٤/ ٤١ . (٢) ديوان ذي الرمة ١٤٥٨/٣. وقوله: إذا ذابت الشمس، أي: كأنها سيلٌ من شدة الحر. والصقرة: شدة وقع الشمس. مربوع: أصابها الربيع فاخضرَّت. والصريمة: قطعة من الرمل تنقطع فتنفرد. وأعبَلَت الشجرة: إذا خرج ورقها. قاله شارح الديوان. سُورَةُ القَّرُ ٢٢٢ الآية : ٤٩ وعدمُ الصرف للعلمية والتأنيث، وقرأ عبد الله: ((إلى النار))(١)، وقرأ محبوب عن أبي عمرو: ((مس سّقر)) بإدغام السين في السين(٢)، وتعقّب ذلك ابنُ مجاهد بأنَّ إدغامه خطأ؛ لأنَّه مشدَّدٌ، والظنُّ بأبي عمرو أنَّه لم يُدغم حتى حذفَ إحدَى السينَين لاجتماع الأمثال ثم أدغم. ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء ﴿خَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: مقدَّراً مكتوباً في اللوح قبل وقوعه، فالقَدَر بالمعنى المشهور الذي يقابل القضاء، وحَمْلُ الآية على ذلك هو المأثورُ عن کثیر من السلف، وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسولَ اللهِوَّ في القَدَر، فنزلت: (٣) ٤٩ ﴿يَوْمَ يُبْحَبُنَ فِ النَّارِ عَلَى رُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ وأخرج البخاري في ((تاريخه)) والترمذيُّ وحسنه وابنُ ماجه وابن عدي وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّل: ((صنفان من أُمتي ليس لهما في الإسلام نصيبٌ: المرجئةُ والقَدَرية)» أُنزلَت فيهم آيَةٌ في كتاب الله: (إِنَّ اٌلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ) إلى آخر الآيات (٤). وكان ابن عباس يكره القَدَرية جدّاً، أخرج عبد بن حميد عن أبي يحيى الأعرج قال سمعتُ ابن عباس - وقد ذكر القَدَرية - يقول: لو أدركتُ بعضَهم لفعلتُ به كذا وكذا. ثم قال: الزنى بقَدَر، والسرقة بقَدَر، وشرب الخمر بقَدَر. وأخرجَ عن مجاهد أنَّه قال: قلتُ لابن عباس: ما تقول فيمَن يكذِّب بالقدر؟ قال: اجمَعْ بيني وبينه. قلتُ: ما تصنع به؟ قال: أخنقُهُ حتى أقتله(٥). (١) معاني القرآن للفراء ٣/ ١١٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٤، والمحرر الوجيز ٢٢١/٥، والبحر المحيط ١٨٣/٨. (٢) البحر المحيط ١٨٣/٨. (٣) مسند أحمد (٩٧٣٦)، وصحيح مسلم (٢٦٥٦)، وسنن الترمذي (٢١٥٧)، وسنن ابن ماجه (٨٣). (٤) التاريخ الكبير ١٣٣/٤، وسنن الترمذي (٢١٤٩) وقال: حسن غريب، وسنن ابن ماجه (٧٣)، والكامل ١٨٣٨/٥، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٣٨/٦. (٥) عزا الأثرَين لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٣٨/٦-١٣٩. الآية : ٤٩ ٢٢٣ سُوَّةُ القَّمرة وقد جاء ذمُّهم في أحاديثَ كثيرة، منها ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني عن ابن عمرَ أنَّ رسول اللهِ وَِّ قال: ((لكلِّ أُمةٍ مجوسٌ، ومجوسُ أُمَّتي الذين يقولون: لا قَدَرَ، إنْ مرضُوا فلا تَعودُوهم، وإنْ ماتوا فلا تَشهدُوهم))(١). وجوِّز كونُ المعنى: إنَّا كلَّ شيءٍ خلقناه مقدَّراً مُحْكَماً مستوفّى فيه مقتضَی الحكمةِ التي يدورُ عليها أمرُ التكوين، فالآية من باب: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ. تَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]. ونصب ((كلَّ) بفعلٍ يُفسِّره ما بعدَه، أي: إنَّا خلقنا كلَّ شيءٍ خلقناه، وقرأ أبو السمال - قال ابن عطية: وقومٌ من أهل السنة - برفع ((كل))(٢) وهو على الابتداء، وجملةُ ((خلقناه)) هو الخبر، و((بقَدَر)) متعلِّقٌ به كما في القراءة المتواترة، فتدل الآية أيضاً على أنَّ كلَّ شيءٍ مخلوقٌ بقدرٍ، ولا ينبغي أنْ تجعل جملة ((خلقناه)) صفةً ويُجعلَ الخبر ((بقدر))؛ لاختلاف القراءَتين معنّى حينئذ، والأصلُ توافقُ القراءات. وقال الرضي: لا يتفاوتُ المعنى؛ لأنَّ مرادَه تعالى بـ ((كل شيءٍ»: كلُّ مخلوقٍ، سواء نصبتَ ((كل)) أو رفعتَه، وسواء جعلت ((خلقناه)) صفة مع الرفع، أو خبراً عنه، وذلك أنَّ ((خلقنا كل شيء بقدر)) لا يريدُ سبحانه به: خلقنا كلَّ ما يقعُ عليه اسمُ شيء؛ لأنَّه تعالى لم يخلق جميعَ الممكنات غيرِ المتناهيةِ، واسم الشيء يقعُ على كلٍّ منها، وحينئذ نقول: إنَّ معنى ((كل شيء خلقناه بقدر)) على أنَّ (خلقناه)) هو الخبر: كلُّ مخلوقٍ مخلوقٌ بقَدَر. وعلى أنَّ («خلقناه)) صفةٌ: كلُّ شيءٍ مخلوقٍ كائنٌ بقدر. والمعنيان واحد، إذ لفظُ ((كل)) في الآية مختصٌّ بالمخلوقات سواء كان ((خلقناه)) صفةً له أو خبراً. وتعقّبه السيد السند قدس سره بأنَّه لقائل أن يقول: إذا جعلنا («خلقناه)» صفةً كان المعنى: كلُّ مخلوقٍ متَّصفٍ بأنَّه مخلوقُنا كائنٌ بقَدَر، وعلى هذا لا يمتنع - نظراً (١) مسند أحمد (٥٥٨٤)، وسنن أبي داود (٤٦٩١)، والمعجم الأوسط (٢٤٩٤)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل (٢٢٧) وقال: لا يصح. وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحتسب ٣٠٠/٢، والمحرر الوجيز ٢٢١/٥، والبحر المحيط ٨/ ١٨٣. سُورَةُ الْقَبْ ٢٢٤ الآية : ٥٠ - ٥٢ إلى هذا المعنى - أنْ يكونَ هناك مخلوقاتٌ غير متَّصفةٍ بتلك الصفة، فلا تندرجُ تحت الحكم، وأما إذا جعلناه خبراً أو نصبنا ((كلَّ شيء)) فلا مجال لهذا الاحتمال نظراً إلى نفس المعنى المفهوم من الكلام، فقد اختلف المعنيان قطعاً، ولا يُجديه نفعاً أنَّ كل مخلوقٍ متَّصفٌ بتلك الصفة في الواقع؛ لأنَّه إنما يفهم من خارج الكلام، ولا شكَّ أنَّ المقصودَ ذلك المعنى الذي لا احتمالَ فيه. وذكر نحوه الشهاب الخفاجي(١)، ولكون النصب نصّاً في المقصود اتَّفقَت القراءات المتواترة عليه مع احتياجه إلى التقدير، وبذلك يترجَّح على الرفع الموهم لخلافه وإنْ لم يحتج إليه. ﴿وَمَآ أَمْرُنَّ إِلَّا وَحِدَةٌ﴾ أي: ما شأننا إلا فعلةٌ واحدةٌ على نهج لا يختلفُ ووتيرةٍ لا تتعدَّد، وهي الإيجادُ بلا معالجة ومشقة. أو: ما أمرنا إلا كلمةٌ واحدةٌ، وهي قوله تعالى: (كُنْ)، فالأمر مقابل النهي وواحد الأوامر(٢)، فإذا أراد عز وجل شيئاً قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ﴿كَيْجِ بِلْبَصَرِ @) أي: في السير والسرعة، وقيل: هذا في قيام الساعة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْجِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاءَكُمْ﴾ أي: أشباهكم في الكفر من الأمم السالفة، وأصلُه جمع شيعة، وهم مَن يَتقوَّى بهم المرءُ من الأتباع، ولمَّا كانوا في الغالب من جنسٍ واحدٍ أُريدَ به ما ذكر: إما باستعماله في لازمه، أو بطريق الاستعارة، والحالُ قرينةٌ على ذلك. وقيل: هو باقٍ على حقيقته، أي: أتباعكم. ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَكِرٍ﴾ متَّعِظِ بذلك. ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ﴾ من الكفر والمعاصي، والضميرُ المرفوع للأشياع كما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد، وجملةُ ((فعلوه)) صفةُ ((شيء))، والرابط (١) حاشية الشهاب ١٢٨/٨. (٢) في الأصل و(م): الأمور، والمثبت من حاشية الشهاب ١٢٩/٨، وهو واحد الأمور على الوجه الأول الذي ذكره المصنف، وهو: أي: ما شأننا إلا فعلة واحدة ... ، كما ذكر الشهاب. الآية : ٥٣ ٢٢٥ سُوْدَّةُ الْقَعُ ضميرُ النصب، وقوله تعالى: ﴿فِ الزُّبُرِ﴾ متعلِّقٌ بكونٍ خاصٍّ خبر المبتدأ، أي: كلُّ شيءٍ فعلوه في الدنيا مكتوبٌ في كتب الحفظة غير مغفولٍ عنه، وتفسير ((الزبر)) باللوح المحفوظ كما حكاه الطبرسي(١) ليس بشيء. ولم يختلف القرَّاء في رفع ((كلُّ)، وليست الآيةُ من باب الاشتغال، فلا يجوزُ النصبُ لعدم بقاء المعنى الحاصل بالرفع لو عمل المشتغل بالضمير في الاسم السابقِ كما هو اللازمُ في ذلك الباب، إذ يصيرُ هاهنا حينئذٍ: فعلوا في الزبر كلَّ شيءٍ. إنْ علَّقنا الجارَّ بـ ((فعلوا))، وهم لم يفعلوا شيئاً من أفعالهم في الكتب، بل فعلوها في أماكنهم، والملائكةُ عليهم السلام كتبوها عليهم في الكتب، أو: فعلوا كلَّ شيءٍ مكتوبٍ في الزبر، إنْ جعلنا الجارَّ نعتاً لـ ((كلُّ شيء)»، وهذا وإن كان معنّی مستقيماً إلا أنَّه خلافُ المعنى المقصود حالة الرفع، وهو ما تقدَّم آنفاً . ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الأعمال كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وقيل: منها ومن كلِّ ما هو كائن إلى يوم القيامة ﴿مُسْتَطَرُ﴾ مسطورٌ مكتَتَبٌ في اللوح بتفاصيله، وهو من السَّطر بمعنى الكتب، ويقال: سطرتُ واستطرتُ بمعنّى. وقرأ الأعمش وعمران وعصمة عن أبي بكر عن عاصم: ((مستطرّ) بتشديد الراء (٢)، قال صاحب ((اللوامح)»: يجوزُ أن يكون من طرَّ النباتُ والشاربُ إذا ظهر، والمعنى: كلُّ صغيرٍ وكبير ظاهرٌ في اللوح مثبتٌ فيه، ويجوزُ أن يكون من الاستطار لكن شُدِّد الراء للوقف على لغة مَن يقول: جعفرٌ ويفعلّ، بالتشديد وقفاً، أي: ثم أجري الوصل مجرى الوقف، ووزنه على التوجيه الأول مستفعل، وعلى الثاني مفتعل. ولمًّا كان بيان سوء حال(٣) الكفرة بقوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) إلخ مما يستدعي بيانَ حُسنِ حالِ المؤمنين ليتكافأ الترهيبُ والترغيبُ، بَيَّن سبحانه ما لهم من حُسْن (١) في مجمع البيان ٢٧/ ٨٠. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٢/٥، والبحر المحيط ١٨٤/٨، وهو خلاف المشهور عن عاصم. (٣) في الأصل و(م): بيان حال سوء، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧٥/٨، والكلام منه. سُورَةُ القَصْ ٢٢٦ الآية : ٥٤ - ٥٥ الحال بطريق الإجمال، فقال عزَّ قائلاً: ﴿إِنَّ الْتَّقِينَ﴾ أي: من الكفر والمعاصي، وقيل: من الكفر ﴿فِي جَنَّتٍ﴾ عظيمة الشأن ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاةً للفواصل، وعن ابن عباس تفسيره بالسَّعة، وأنشد عليه قولَ لبيد بن ربيعة كما في ((الدر المنثور)) أو قيس بن الخطيم كما في ((البحر)) يصف طعنة : مَلَكْتُ بها كفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءها (١) أي: أوسعتُ فَتْقَهَا، والمرادُ بالسّعة سعةُ المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمُّهما. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول)) عن محمد بن کعب قال: ((ونهر)) أي: في نور وضياء(٢). وهو على الاستعارة بتشبيه الضياء المنتشر بالماء المتدفّق من منبعه، وجوِّز أن يكون بمعنى النهار على الحقيقة، والمرادُ أنَّهم لا ◌ُلْمةً ولا ليلَ عندهم في الجنات. وقرأ الأعرج ومجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان: ((ونهْر)) بسكون الهاء، وهو بمعنى (نَهَر)) مفتوحها. وقرأ الأعمش وأبو نهيك وأبو مجلز واليماني: (ونُهُر)) بضم النون والهاء(٣)، وهو جمع ((نهر)) المفتوح أو الساكن، كأَسد وأُسُد، ورهن ورُهُن وقيل: جمع نهار، والمراد أنَّهم لا ظلمةً ولا ليلَ عندهم كما حُكي فيما مرَّ، وقيل: قرئ بضم النون وسكون الهاء(٤). ﴿فِي مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مَرْضيٍّ، على أنَّ الصدق مجازٌ مرسل في لازمه أو (١) الدر المنثور ١٣٩/٦، وعزاه للطستي، والبحر ١٨٤/٨، والبيت في ديوان قيس بن الخطيم ص ٤٦، وشرح الحماسة ١٨٤/١، وتفسير القرطبي ١/ ٣٦٠، ولم نقف عليه في ديوان لبيد، وسلف ٢٨٠/١. (٢) عزاه الحكيم الترمذي السيوطيُّ في الدر المنثور ١٣٩/٦. (٣) القراءاتان في القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحرر الوجيز ٢٢٢/٥، والبحر المحيط ١٨٤/٨، وذكر الثانية ابن جني في المحتسب ٢/ ٣٠٠. (٤) الكشاف ٤٢/٤، ومفاتيح الغيب ٧٩/٢٩. الآية : ٥٥ ٢٢٧ سُورَةُ الْقَبْ استعارة، وقيل: المراد صدقُ المبشِّر به وهو الله تعالى ورسوله وَله، أو المراد أنَّه ناله مَن ناله بصدقه وتصديقه للرسل عليهم السلام، فالإضافةُ لأدنى ملابسة. وقال جعفر الصادق رُه: مَدَح المكان بالصدق فلا يقعُدُ فيه إلا أهل الصدق، وهو المقعد الذي يصدق الله تعالى فيه مواعيدَ أوليائه بأنه يبيحُ عز وجل لهم النظر إلى وجهه الكريم. وإفراد المقعد على إرادة الجنس. وقرأ عثمان البَِّّي: ((في مقاعد)) على الجمع(١)، وهي توضّح أنَّ المراد بالمقعد المقاعد . ﴿عِنْدَ مَلِكٍ﴾ أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغةُ مبالغةٍ، وليست الياء من الإشباع (مُقْنَدِرٍ) قادرٍ عظيم القدرة. والظرفُ في موضع الحال من الضمير المستقر في الجارِّ والمجرور، أو خبرٌ بعد خبر، أو صفةٌ لـ ((مقعد صدق))، أو بدلٌ منه، والعندية للقرب الرُّتبي. وذكر بعضُهم أنَّه سبحانه أبهم العنديةَ والقرب ونكر ((مليكاً)) و((مقتدراً)) للإشارة إلى أنَّ ملكه تعالى وقدرته عز وجل لا تدري الأفهامُ كُنھَهُما، وأنَّ قربهم منه سبحانه بمنزلةٍ من السعادة والكرامةِ بحيث لا عينٌ رَأَت ولا أُذنُ سمعَت، مما يَجِلُّ عن البيان وتكِلُّ دونه الأذهان. وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة عن رسول الله وَّر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اٌلْتَّقِينَ﴾ إلخ قال: ((إنَّ أهل الجنةِ يدخلون على الجبار كلَّ يوم مرَّتَين، فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كلُّ امرئ منهم مجلسَه الذي هو مجلسُه على منابر الدرِّ والياقوت والزمرد والذهب والفضة بالأعمال، فلا تقرُّ أعينُهم قظُ كما تقرُّ بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظمَ منه ولا أحسنَ منه، ثم ينصرفون إلى رحالهم قريرةً أعينُهم ناعمين إلى مثلها من الغد))(٢). وإذا صحَّ هذا فهو من المتشابه كالآية فلا تغفل. (١) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحرر الوجيز ٢٢٢/٥، والبحر المحيط ١٨٤/٨. (٢) نوادر الأصول ص ١٥٦، دون ذكر بريدة، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الدر المنثور ١٣٩/٦، وأخرجه الثعلبي في تفسيره ١٧٤/٩ عن عبد الله بن بريدة قوله، وكذا أخرجه أبو الشيخ كما ذكر ابن القيم في حادي الأرواح ص ١٧٧ . سُورَةُ الْقَبْ ٢٢٨ الآية : ٥٥ ولهذَين الاسمَين الجليلين شأنٌ في استجابة الدعاء على ما في بعض الآثار؛ أخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: دخلتُ المسجدَ وأنا أرى أنِّي أصبحتُ، فإذا عليَّ ليلٌ طويل، وليس فيه أحدٌ غيري، فنمتُ فسمعتُ حركةً خلفي ففزعتُ فقال: أيُّها الممتلئُ قلبُه فَرَقاً، لا تفرق - أو لا تفزع - وقل: اللهم إنَّك مليكٌ مقتدِرٌ ما تشاء من أمرٍ يكون، ثم سل ما بدا لك. قال: فما سألتُ الله تعالى شيئاً إلا استجابَ لي(١). وأنا أقول: اللهم إنَّك مليكٌ مقتدر ما تشاء من أمرٍ يكون، فَأَسْعدني في الدارَين، وكن لي ولا تكن عليَّ، وانصرني على مَن بغَى عليَّ، وأعذني من همِّ الدَّين وقهر الرجال وشماتة الأعداء، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله ربِّ العالمين. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٥٤/١٠. سُوْدَّةُ الرَّحْمنَّ وسمِّيت في حديث أخرجه البيهقيُّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً ((عروس القرآن))(١)، ورواه موسى بن جعفر ◌ًّا عن آبائه الأطهار كذلك(٢). وهي مكية في قول الجمهور، وأخرج ذلك ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وعائشة#(٣)، وابن النحاس عن ابن عباس ﴾(٤). وأخرج ابن الضُّرَيس وابن مردويه والبيهقي في ((الدلائل)) عنه أنَّها نزلت بالمدينة(٥)، وحكي ذلك عن مقاتل، وحكاه في ((البحر)) عن ابن مسعود أيضاً، وحَكَى أيضاً قولاً آخر عن ابن عباس، وهو أنَّها مدنية سوى قوله تعالى: ﴿يَتْثَلُهُ، مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ﴾ الآية [الرحمن: ٢٩](٦)، وحكى الاستثناء المذكور في ((جمال القراء)» عن بعضهم ولم يُعيِّنه(٧) . (١) شعب الإيمان (٢٤٩٤) وينظر التعليق الآتي. (٢) وهذا هو إسناده عند البيهقي في الشعب، فقد أخرجه من طريق موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، عن النبي ◌ِّر. وفيه أحمد بن الحسن دبيس، قال الخطيب: كان منكر الحديث، ونقل عن الدارقطني أنه قال: ليس بثقة. تاريخ بغداد ٨٨/٤. (٣) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٣٩/٦. (٤) الناسخ والمنسوخ ٢٠/٣. (٥) فضائل القرآن ص ٣٣-٣٤، ودلائل النبوة ٧/ ١٤٤، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٣٩/٦. (٦) البحر المحيط ١٨٧/٨. (٧) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٨/ ١٣٠، وهو مذكور في جمال القراء ١٤٢/١ عن ابن عباس وقتادة. ٢٣٠ سُوَّةُ الَّحمن وعددُ آيها(١) ثمان وسبعون آيةً في الكوفي والشامي، وسبعٌ وسبعون في الحجازي، وستٌّ وسبعون في البصري(٢). ووجه مناسبتها لما قبلها على ما قال الجلال السيوطي: أنَّه لمّا قال سبحانه في : [القمر: ٤٦] ثم وصف عز آخر ما قبلُ: ﴿َلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ ( وجل حال المجرمين في سقر، وحال المتقين في جنات ونهر، فصَّل هذا الإجمالَ في هذه السورة أتمَّ تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال، فبدأ بوصف مرارة الساعة والإشارة إلى شدتها، ثم وصف النار وأهلها، ولذا قال سبحانه: ﴿يُعْرَفُ اُلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] ولم يقل: الكافرون، أو نحوه، لاتصاله معنَى بقوله تعالى هناك: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ [القمر: ٤٧]، ثم وصف الجنةَ وأهلها، ولذا قال تعالى [الرحمن: ٤٦] وذلك هو عين التقوى، ولم ٤٦ فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِ جَنَّثَانِ يقل: ولمن آمن أو أطاع أو نحوه، لتَتَوافق الألفاظ في التفصيل والمفصّل، ويعرف بما ذكر أنَّ هذه السورةَ كالشرح لآخِر السورة قبلَها(٣). وقال أبو حيان في ذلك: إنَّه تعالى لمَّا ذكر هناك مقرَّ المجرمين في سُعُر، ومقرّ المتقين (فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ * فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ) ذكر سبحانه هنا شيئاً من آيات الملك وآثار القدرة، ثم ذكر جل وعلا مقرَّ الفريقَين على جهة الإسهاب، إذ كان ذِكرُه هناك على جهة الاختصار، ولما أبرز قوله سبحانه: (عِندَ مَلِيكِ تُقْنَدِرٍ) بصورة التنكير فكأنَّ سائلاً يسألُ ويقول: من المثَّصفُ بهاتين الصفتين الجليلتَين؟ فقيل: (الرَّحْمَنُ) (٤) إلخ. والأَوْلَى عندي أنْ يعتبر في وجه المناسبة أيضاً ما في ((الإرشاد)»: وهو أنَّه تعالى لمَّا عدَّد في السورة السابقة ما نزل بالأمم السالفة من ضُروب نِقَم الله عز (١) في (م): آياتها . (٢) في هامش الأصل: اختلافها خمس آيات: ﴿الرَّحْمَنُ ﴾﴾ كوفي شامي، ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ ﴾﴾ الأول غير المدني، ﴿وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾﴾ غير المكي، ﴿الْمُجْرِيُونَ غير البصري، ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ... ﴾﴾﴾ حجازي. اهـ منه. (٣) تناسق الدرر في تناسب السور ص ٨١. (٤) البحر المحيط ١٨٨/٨. ٢٣١ سُورَة الْحَمنَّ وجل، وبيَّن عقيبَ كلِّ ضربٍ منها أنَّ القرآن قد يُسِّر لتذكُّر الناس واتِّعاظهم، ونَعَى عليهم إعراضَهم عن ذلك، عدَّد في هذه السورة الكريمة ما أفاض على كافَّة الأنام من فنون نِعَمِه الدينية والأنفُسيَّة والآفاقية، وأنكر عليهم إثرَ كلِّ فنٍّ منها إخلالَهم بمواجب شكرها(١). وهذا التكرار أحلى من السكر إذا تكرر، وفي ((الدرر والغرر)) لعلم الهدى السيد المرتضَى: التكرارُ في سورة ((الرحمن)) إنما حَسُن للتقرير بالنِّعم المختلفة المعدَّدة، فكلَّما ذكر سبحانه نعمةً أنعم بها وبَّخَ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: ألم أُحسن إليك بأنْ خوَّلتُك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأنْ فعلتُ بك كذا وكذا؟ فيحسُنُ فيه التكريرُ لاختلاف ما يقرر به، وهو كثيرٌ في كلام العرب وأشعارهم، كقول مهلهل يرثي كليباً: إذا ما ضِيْمَ جيرانُ المُجيرِ على أنْ ليس عِدْلاً مِن كليبٍ إذا رَجَف العِضاءُ من الدَّبورِ على أن ليس عدلاً من كليب إذا خَرَجَت مُخَبَّأةُ الخُدُور على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما أُعلِنَت نجوَى الأمور على أن ليس عدلاً من كليب إذا خِيفَ المخوفُ من الثغور على أن ليس عدلاً من كليب غداة تأثل الأمرِ الكبير على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما خار جاش المستجيرِ على أن ليس عدلاً من كليب ثم أنشدَ قصائدَ أخرى على هذا النمطِ، ولولا خوفُ الملل لأوردتُها(٢)، ولا يردُ على ما ذكره أنَّ هذه الآيةَ قد ذُكرَت بعدَ ما ليس نعمةً؛ لِمَا ستعلمُه إن شاء الله تعالى في محلّه. (١) إرشاد العقل السليم ١٧٦/٨ . (٢) أمالي المرتضى ((الدرر والغرر)) ١٢٣/١-١٢٤، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ١٢٧/٨، وورد الشعر أيضاً في أمالي اليزيدي ص ١٢٠، وأمالي القالي ١٣٢/٢. وجاء في أمالي اليزيدي والمرتضى وحاشية الشهاب: تلاتل، بدل: تأثل، وفي أمالي القالي: بلابل. سُوَّةُ الْن ٢٣٢ الآية : ١ - ٢ وقسّم في ((الإتقان)) التكرارَ إلى أقسام، وذكر أنَّ منه ما هو لتعدُّد المتعلَّق، بأنّ يكون المكرَّر ثانياً متعلِّقاً بغير ما تعلق به الأول؛ ثم قال: وهذا القسم يُسمَّى بالترديد، وجُعل منه قوله تعالى: ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ فإنَّها وإنْ تكرَّرت إحدى وثلاثين مرة فكلُّ واحدة تتعلَّقُ بما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان الجميعُ عائداً على شيءٍ واحد لَمَا زاد على ثلاثة؛ لأنَّ التأكيدَ لا يزيدُ عليها كما قال ابن عبد السلام وغيره. وهو حَسَنٌ، إلا إنَّه نظر في إطلاق قوله: إنَّ التأكيد .. إلخ بأنَّ ذلك في التأكيد الذي [هو] تَابِع، أما ذِكْرُ الشيء في مقامات متعدِّدة أكثرَ من ثلاثة فلا يمتنعُ وإنْ لزم منه التأكيدُ(١). فافهم. وبدأ سبحانه من النعم بتعليم القرآن فقال عز قائلاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ ﴾َ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ ﴾﴾ لأنَّه أعظمُ النعم شأناً وأرفعها مكاناً، كيف لا وهو مدارٌ للسعادة الدينية والدنيوية، وعيار (٢) على الكتب السماوية، ما مِن مَرْصد ترنو إليه أحداقُ الأمم إلا وهو منشؤه ومناطُه، ولا مقصدٍ تمتدُّ نحوه أعناقُ الهمم إلا وهو منهجُه وصراطُه، ونصبُه على أنَّه مفعول ثان لـ ((علَّم))، ومفعولُه الأول محذوفٌ لدلالة المعنى عليه، أي: علم الإنسانَ القرآنَ، وهذا المفعول هو الذي كان فاعلاً قبل نَقْل فعل الثلاثي إلى فعل المضغَّف. وسها الإمامُ فحسِبَ أنَّ المحذوف المفعولُ الثاني حيث قال: ((علَّم)) لا بدَّ له من مفعولٍ ثانٍ، وتُرك للإشارة إلى أنَّ النعمة في التعليم لا في تعليم شخصٍ دون شخصٍ (٣). ويمكنُ أن يقال: أرادَ أنَّه لا بدَّ له من مفعول آخرَ مع هذا المفعول، فلا جَزْم بسهوه. (١) الإتقان ٢/ ٨٥٠-٨٥١ وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في الأصل: عياد. (٣) مفاتيح الغيب ٨٤/٢٩. الآية : ١ - ٢ ٢٣٣ سُوَدَّةُ الَمنَ وقيل: المقدَّر: جبريل عليه السلام، أو: الملائكةَ المقرَّبين عليهم السلام، وقيل: محمد بَّهِ، وعلى القولَين يتضمَّن ذلك الإشارةَ إلى أنَّ القرآن كلامُ الله عز وجل، والقولُ الأول أظهرُ وأنسبُ بالمقام. ولي في تعليم غير جبريل عليه السلام من الملائكةِ الكرام ترددٌ مّا بناءً على ما في ((الإتقان)) نقلاً عن ابن الصلاح من أنَّ قراءةَ القرآن كرامةٌ أكرم الله تعالى بها البشرَ، فقد وردَ أنَّ الملائكةَ لم يُعطَوا ذلك، وأنَّهم حريصون لذلك على استماعه من الإنس(١). وإنما لم أعتبر عمومَه للنصوص الدالَّةِ على أنَّ جبريل عليه السلام كان يقرأُ القرآن، وكأنّي بك لا تُسلِّم صحة ما ذُكِر وإن استثني منه جبريلُ عليه السلام. وقيل: ((علَّم) من العلامة ولا تقدير، أي: جعل القرآن علامةً وآيةً لمن اعتبر، أو علامةً للنبوة ومعجزةً، وهذا على ما قيل: يناسبُ ما ذكر في مفتَتَح السورة السابقة من قوله تعالى: ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وتتناسب السورتان في المفتَتَح، حيث افتُتحت الأُولَى بمعجزةٍ من باب الهيبة، وهذه بمعجزةٍ من باب الرحمة. وقد أبعدَ القائلُ ولو أبدَى ألف مناسبة، فالذي ينبغي أنْ يُعلَم أنَّه من التعليم، والمرادُ بتعليم القرآن قيل: إفادةُ العلم به، لا بمعنى إفادةِ العلم بألفاظه فقط، بل بمعنى إفادة ذلك والعلم بمعانيه على وَجْهٍ يُعتدُّ به، وهو متفاوتٌ وقد يصل إلى العلم بالحوادث الكونيةِ من إشاراته ورموزِه إلى غير ذلك، فإنَّ الله تعالى لم يُغفل شيئاً فيه. أخرج أبو الشيخ في كتاب ((العظمة)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ الله لو أغفل شيئاً لأغْفَلَ الذَّرَّة والخردلة والبعوضةَ))(٢). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: أُنزلَ في هذا القرآن عِلْمُ كلِّ شيءٍ، وبيِّن لنا فيه كلُّ شيءٍ، ولكنَّ عِلْمَنا يَقصُرُ عمَّا بَيِّن لنا في القرآن (٣). (١) فتاوى ابن الصلاح ص ٨٧، والإتقان ٣٢٣/١. (٢) العظمة (١٨٩)، وسلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام. (٣) تفسير الطبري ١٤/ ٣٣٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧. سُورَةُ الَّمن ٢٣٤ الآية : ٣ - ٤ وقال ابن عباس: لو ضاعَ لي عقالُ بعيرٍ لوجدتُه في كتاب الله تعالى. وقال المرسي: جمع القرآنُ علومَ الأوَّلين والآخرين، بحيث لم يُحِط بها علماً حقيقةً إلا المتكلِّمُ به، ثم رسول اللهِوَّرِ خلا ما استأثَرَ به سبحانه، ثم وَرِثَ عنه معظمَ ذلك ساداتُ الصحابة وأعلامُهم كالخلفاء الأربعة، ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصَرَت الهممُ وفَتَرَت العزائمُ، وتضاءل أهل العلم وضعُفوا عن حَمْل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه. وفسر بعضُهم التعليمَ بتنبيه النفس لتصوُّر المعاني. وجوَّز الإمام أن يُراد به هنا جَعْلَ الشخص بحيث يعلم القرآن، فالآية كقوله تعالى: (وَلَقَدْ يَشَرْنَا اُلْقُؤْمَانَ لِذَّكْرِ) وهو بهذا المعنى مجازٌ كما لا يخفى (١). و(الرَّحْمَنُ) مبتدأ والجملةُ بعده خبرُه كما هو الظاهر، وإسناد تعليمه إلى اسم (الرحمن)) للإيذان بأنَّه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها، وتقديمُ المسند إليه إما للتأكيد أو للحصر، وفيه من تعظيم شأن القرآن ما فيه. وقيل: ((الرحمن)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأُ خبرُه محذوف، أي: الله الرحمن، أو الرحمن ربُّنا، وما بعدُ مستأنفٌ لتعديد نِعَمه عز وجل. وهو خلاف الظاهر. ثم أَتْبَع سبحانه نعمةً تعليم القرآن بخلق الإنسان فقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ لأنَّ أصل النِّعم عليه، وإنما قدم ما قدم منها لأنَّه أعظمُها، وقيل: لأنَّه مشيرٌ إلى الغاية من خَلْق الإنسان، وهو كمالُه في قوة العلم، والغايةُ متقدِّمةٌ على ذي الغاية ذهناً وإن كان الأمرُ بالعكس خارجاً، والمرادُ بـ ((الإنسان)) الجنس، وبخلقه إنشاؤه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة. لأنَّ ثم أَتْبع عز وجل ذلك بنعمة تعليم البيان فقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ أَلْبَيَانَ البيان هو الذي به يتمكّنُ عادةً من تعلَّم القرآن وتعليمه، والمرادُ به المنطقُ الفصيح المُعرِب عما في الضمير. والمراد بتعليمه نحوُ ما مر. (١) مفاتيح الغيب ٨٤/٢٩. الآية : ٣ - ٤ ٢٣٥ سُوَدَّةُ الَمن وفي ((الإرشاد)) أنَّ قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنسَانَ) تعيين للمتعلِّم، وقوله سبحانه: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) تبيينٌ لكيفية التعليم، والمرادُ بتعليم البيان تمكينُ الإنسان من بيان نفسه، ومِن فهم بيانِ غيره، إذ هو الذي يدورُ عليه تعليم القرآن(١). وقيل بناءً على تقدير المفعول المحذوف الملائكة المقربين: إنَّ تقديمَ تعليم القرآن لتقدُّمه وقوعاً، فهم قد عَلِموه قبل خَلْق الإنسان، وربما يرمز إليه قوله تعالى: [الواقعة : ٧٧- ﴿إِنَُّ لَقُرْمَانٌ كَِمٌ ﴿٣َ فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ ﴿ لَّا يَمَشُهُ، إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ ٧٩] وفي النظم الجليل عليه حسنٌ زائدٌ، حيث إنَّه تعالى ذكر أموراً علويةً وأموراً سفلية، وكلُّ علويٍّ قابلَه بسفليٍّ، ويأتي هذا على تقدير المفعول جبريل عليه السلام أيضاً. وقال الضحاك: ((البيان)): الخيرُ والشرُّ. وقال ابن جريج: سبيلُ الهدى وسبيلُ الضلالة. وقال يمان: الكتابةُ. والکلُّ كما ترى. وجوِّز أن يراد به القرآنُ وقد سمّاه الله تعالى بياناً في قوله سبحانه: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وأُعيدَ ليكون الكلامُ تفصيلاً لإجمالِ ((علَّم القرآن)). وهذا في غاية البعد . وقال قتادة: ((الإنسان)) آدم، و((البيان)) عِلْمُ الدنيا والآخرة، وقيل: ((البيان)) أسماء الأشياء كلِّها. وقيل: التكلُّم بلغات كثيرة، وقيل: الاسمُ الأعظم الذي علم به كلّ شيء، ونسب هذا إلى جعفر الصادق ـته . وقال ابن كيسان: ((الإنسان)) محمد بَّهِ. وعليه قيل: المرادُ بـ ((البيان)) بيانُ المنزل، والكشفُ عن المراد به، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أو الكلامُ الذي يُشرح به المجملُ والمبهم في القرآن، أو القرآنُ نفسُه على ما سمعت آنفاً، أو نحو ذلك مما يناسبه عليه الصلاة والسلام ويليقُ به من المعاني السابقة، ولعلَّ ابن كيسان يقدِّرُ مفعول ((علَّم)) الإنسان مراداً به النبيُّ ◌َلِّ أيضاً. (١) إرشاد العقل السليم ١٧٦/٨ . سُوَدَّةُ الَمن ٢٣٦ الآية : ٥ وهذه أقوالٌ بين يديك، والمتبادر من الآيات الكريمة لا يخفَى عليك، ولا أظنُّك في مريةٍ من تبادر ما ذكرناه فيها أولاً . ثم إنَّ كلّاّ من الجملتين الأخيرتَين خبرٌ عن المبتدأ كجملة ((علم القرآن))، وكذا قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ والجارُّ والمجرور فيه خبرٌ بتقدير مضاف، أي: جريُ الشمس والقمر كائنٌ أو مستقرٌّ بحسبان، أو الخبرُ محذوف والجارُّ متعلِّق به، أي: يجريان بحسبان، وهو مصدرٌ كالغفران بمعنى الحساب كما قال قتادة وغيره، أي: هما يجريان بحساب(١) مقدَّرٍ في بروجهما ومنازلهما، بحيث ينتظمُ بذلك أمورُ الكائنات السفلية، وتختلفُ الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب. وقال الضحاك وأبو عبيدة: هو جمع حساب كشهاب وشُهبان(٢)، أي: هما يجريان بحسابات شتَّى في بروجهما ومنازلهما . وقال مجاهد: الحسبان: الفلكُ المستديرُ، من حسبان الرَّحا، وهو ما أحاط بها من أطرافها المستديرة، وعليه فالباء للظرفية، والجارُّ والمجرور في موضع الخبر من غير احتياج إلى ما تقدَّم، والمرادُ: كلٌّ من الشمس والقمر في فلك. والجمهور على الأول. وجريان الشمس والقمر مما لا ينبغي أن يُشكَّ فيه، وفلاسفةُ العصر كانوا يزعمون أنَّ الشمس لا تجري أصلاً، وأنَّ القمر يجري على الأرض، والأرض تجري على الشمس، وقد سمعنا أنَّهم عدلوا منذ أعوام عن ذلك، فزعموا أنَّ للشمس حركةً على كوكب آخر، وهذا يدلُّ على أنَّهم لم يكن عندهم برهانٌ على دعواهم الأُولَى كما كان يقوله مَن كان ينتصر لهم. والظاهرُ أنَّ حالَهم اليوم بل وغداً مثلُ حالهم بالأمس، ونحن مع الظواهر حتى يقومَ الدليل القطعيُّ على خلافها، وحينئذٍ نميل إلى التأويل وبابه واسعٌ. (١) في (م): بحسبان. (٢) مجاز القرآن ٢/ ٢٤٢. الآية : ٦ ٢٣٧ سُوَدَّةُ الْنّ فإنَّ المعطوفَ ومثلُ هذه الجملة قولُه تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ على الخبر خبرٌ، والمراد بـ ((النجم)) النباتُ الذي ينجُم، أي: يظهرُ ويطلُعُ من الأرض ولا ساقَ له، وبالشجر النبات الذي له ساق، وهو المرويُّ عن ابن عباس وابن جبير وأبي رزين، والمرادُ بسجودهما انقيادُهما له تعالى فيما يريد بهما طبعاً، شبَّه جريَهما على مقتضَى طبيعتهما بانقياد الساجدِ لخالقهِ وتعظيمه له، ثم استعمل اسمَ المشبّه به في المشبّه، فهناك استعارةٌ مصرِّحة تبعيةٌ. وقال مجاهد وقتادة والحسن: ((النجم)) نجمُ السماء، وسجودُه بالغروب ونحوِه، وسجودُ الشجر بالظلِّ واستدارته عند مجاهد والحسن، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنَّ سجودَهما عبارةٌ عن انقيادهما لِمَا يريد سبحانه بهما طبعاً. والجمهور على تفسير ((النجم)) بما سمعتَ أولاً؛ قيل(١): لأنَّ اقترانَه بالشجر يدلُّ عليه، وإن كان تقدُّم ((الشمس والقمر)) يُتوهّم منه أنَّه بمعناه المعروف، ففيه توریةٌ ظاهرة. وإخلاء الجمل الثانية والثالثة والرابعة عن العاطف لورودها على نَهْج التعديد، مع الإشارة إلى أنَّ كلّ مما تضمَّنته نعمةٌ مستقلة تقتضي الشكر، وقد قصَّروا في أدائه، ولو عُطِفت مع شدَّة اتِّصالها وتناسبها ربما تُوهِّم أنَّ الكل نعمةٌ واحدة. وتوسيط العاطف بين الرابعة والخامسة رعايةً لتناسبهما من حيث التقابُلُ؛ لِمَا أنَّ الشمس والقمر علويَّان، والنجم والشجر سفليَّان، ومن حيث إنَّ كلَّا من حال العلويَّين وحال السفليَّين من باب الانقياد لأمر الله عز وجل، وخلوُّهما عن الرابط اللفظي مع كونهما خبرَين للتعويل على كمال قوةِ الارتباطِ المعنويِّ، إذ لا يُتوقَّم ذهابُ الوهم إلى كون حال الشمس والقمر بتسخير غيره تعالى، ولا إلى كون سجود النجم والشجر لسواه سبحانه، فكأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له. كذا قالوه. وفي ((الكشف)) تبييناً لِمَا ذكره صاحب ((الكشاف)) في هذا المقام: أَخَلَى (١) في (م): قبل. سُودَةُ الشَّمْن ٢٣٨ الآية : ٧ الجملَ - أي: التي قبل ((الشمس والقمر بحسبان)» - عن العاطف؛ لأنَّ الغرض تعديدُ النعم وتبكيتُ المنكِرِ، كما يقال: زيدٌ أغناك بعد فقرٍ، أعزَّك بعد ذُلِّ، كثَّرك بعد قلَّة، فَعَلَ بك ما لم يَفعل أحدٌ بأحد، فما تُنكر من إحسانه(١)؟ كأنه لمَّا عدَّ نعمةً حرك منه حتى يتأمل هل شكرها حقَّ شكرها أم لا، ثم يأخذ في أخرى، ولو جيء بالعاطف صارت كواحدة ولم يكن من التحريك في شيء. ولَمَا قضَى الوطَر من التعديد المحرِّك والتبكيت بذكر ما هو أصل النعم على نَمَط ردِّ الكلام على منهاجه الأصلي من تعداد النعم واحدةً بعد أخرى على التناسب والتقارب بحرف النسق، وفيه تنبيهٌ على أنَّ النعم لا تُحصَى فليُكْتَفَ بتعديد أجلِّها رتبةً للغرض المذكور. وجملة ((الشمس والقمر بحسبان)) ليست من أخبار المبتدأ، والزمخشريُّ إنَّما سأل عن وجه الربط، وأجاب بأنَّ الربط حاصلٌ بالوصل المعنوي(٢)، كأنَّه بعدَما بِأَّت ونَّه أخذَ يعدُّ عليه أصولَ النعم ليثبُتَ على ما طُلب منه من الشكر، وهذا كما تقولُ في المثال السابق بعد قولك: فَعَلَ بك ما لم يَفْعَلْ أحدٌ بأحد: دانَت له أقرانُك، وأطاعَته إخوانُك، وبَسَط نواله فيمَن تحت ملكته، ولم يخرج أحدٌ من حياطة عدله ونصَفَته. فلا يَشُّ ذو أَرَبِ أنَّها جُمَلٌ منقطعةٌ عن الأولى إعراباً، متصلةٌ بها اتِّصالاً معنوياً أَوْرثَها قَطْعَها؛ لأنَّها سيقت لغرضٍ وهذه لآخر، وقريبٌ من هذا الاتصالِ اتِّصالُ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٦] بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ الآية [البقرة: ٣]. انتهى. وقد أبعد المغزى فيما أرى، إلا أنَّ ظاهرَ كلام ((الكشاف)) يقتضي كون قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ من الأخبار فتأمل. ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا﴾ أي: خلَقَها مرفوعةً ابتداءً لا أنَّها كانت مخفوضةً ورفعها، (١) الکشاف ٤/ ٤٣-٤٤ . (٢) الكشاف ٤٤/٤، وفيه: استغني فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لِمَا عُلِمَ أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له. اهـ. وقد سلف نحو هذا الكلام قريباً . الآية : ٧ ٢٣٩ سُورَةُ الَّ والظاهرُ أنَّ المراد برفعها الرفعُ الصوريُّ الحسيُّ، ويجوز أن يكون المرادُ به ما يشتملُ الصوريَّ والمعنويَّ بطريق عموم المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند مَن يَرَى جوازَه. ورفعها المعنوي الرُّتْبي، لأنَّها منشأ أحكامه تعالى وقضاياه، ومنزل أوامره سبحانه ومحلُّ ملائكته عز وجل. وقرأ أبو السمال: ((والسماءُ)) بالرفع على الابتداء(١)، ولا إشكالَ فيه؛ لأنَّ الجملةَ عليه اسميةٌ معطوفة على مثلها، وإنما الإشكال في النصب؛ لأنَّه بفعل مضمَر على شريطة التفسير، أي: ورفع السماءَ، فتكون الجملة فعليةً، فإنْ عطفَت على جملة ((النجم والشجر يسجدان)) الكبرى لزم تخالفُ الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها بالاسمية والفعلية، وهو خلاف الأَوْلَى، وإن عطفت على جملة (يسجدان)) الصغرى لزم أنْ تكون خبراً للنجم والشجر مثلها، وذلك لا يصحُّ إذ لا عائد فيها إليهما، وكذا يقال في العطف على كبرى وصغرى ((الشمس والقمر بحسبان)) وأجاب أبو علي باختيار الثاني، وقال: لا يلزمُ في المعطوف على الشيء أن يُعتَبَر فيه حالُ ذلك الشيء، وتلا باب قولهم: مُتقلِّداً سيفاً ورُمحاً (٢) وبعضهم باختيار الأول، ويحسُنُ التخالفُ إذا تضمَّن نكتةً، قال الطيبي: الظاهرُ أنْ يعطف على جملة ((الشمس والقمر بحسبان)» ليؤذنَ بأنَّ الأصلَ: أَجرَى الشمس والقمر، وأسجَدَ النجم والشجر، فعدَلَ إلى معنى دوام التسخيرِ والانقياد في الجملتَين الأوليين، ومعنى التوكيد في الأخيرة. والكلام فيما يتعلَّق بالرفع والنصب فيما إذا وَلَيَ العاطفُ جملةً ذات وجهَين مفصّلٌ في كتب النحو. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ أي: شَرَع العدل وأمر به بأنْ وَّر على كلِّ مستعدٍّ مستحقه، ووفَّى كلَّ ذي حقِّ حقّه، حتى انتظم أمرُ العالم واستقامَ، كما قال عليه الصلاة (١) القراءات الشاذة ص ١١٦، والمحتسب ٣٠٢/٢، والبحر ١٨٩/٨. (٢) تقدم ٧/ ٧١. سُوَدَّةُ الَمن ٢٤٠ الآية : ٧ والسلام: ((بالعدل قامَت السماواتُ والأرضُ))(١)، أي: بَقِيتا على أبلغ نظامٍ وأتقنٍ إحكام. وقال بعضهم: المراد بقاءُ مَن فيهما من الثقلَين، إذ لولا العدلُ أَهْلَكَ أهلُ الأرض بعضهم بعضاً، وأما الملأُ الأعلى فلا يقعُ بينهم ما يحتاج للحكم والعدل، فذكرهم للمبالغة. والذي أختاره أنَّ المراد بـ ((السماوات والأرض)) العالَمُ جميعُه، ولا شكَّ أنَّه لولا العدلُ لم يكن العالمُ منتظماً. ومنشأُ ما ذكره القائلُ ظنُّ أنَّ المرادَ بـ ((العدل)» في الحديث العدلُ في الحكم لفَصْل الخصومات ونحوه، وليس كما ظنَّ بل المرادُ به عدلُ الله عز وجل وإعطاؤه سبحانه كلَّ شيءٍ خَلْقه. وتفسير ((الميزان)) بما ذكر هو المرويُّ عن مجاهد والطبري(٢) والأكثرين، وهو مستعارٌ للعدل استعارةً تصريحيةً؛ وعن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك أنَّ المراد به ما يُعرَف به مقاديرُ الأشياء من الآلة المعروفة والمكيال المعروف ونحوهما، فالمعنى: خَلقَه موضوعاً مخفوضاً على الأرض حيث علَّق به أحكامَ عباده وقضاياهم المنزلة من السماء، وما تعبَّدَهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم، والمشهورُ أنَّه بهذا المعنى مجازٌ أيضاً من استعمال المقيَّد في المطلَق. وقيل: هو حقيقةٌ، فالواضعُ لم يضعه إلا لِمَا يُعرَف به المقادير على أيِّ هيئة ومِن أيِّ جنسٍ كان، والناسُ لما ألفوا المعروف لا يكادُ يتبادَرُ إلى أذهانهم مِن لفظ ((الميزان)) سواه. وقيل: المراد به المعروفُ، واللفظُ فيه حقيقة، ولا يسلم الوضع للعام. ورُجِّح القولان الأخيران بأنَّ ما بعدُ أشدُّ ملاءمةً لهما، وبين الوضع والرفع عليهما تقابل، وقد قرأ عبد الله: ((وخَفَض الميزان))(٣)، والأولُ بأنَّه أتُّ فائدةً، فَزِنْ ذلك بمیزان ذهنك. (١) تقدم ٧/ ٤١٧ . (٢) في تفسيره ٢٢/ ١٧٧ . (٣) تفسير الطبري ١٧٧/٢٢، والكشاف ٤٤/٤. .