Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ٢٤ - ٢٥ ٨١ سُورَةُ الُودِ فاعلُه، أي: يُنسَب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، كما هو ديدَنُ الندامَى في الدنيا، وإنما يتكلَّمون بالحِكَمِ وأحاسنِ الكلام، ويفعلون ما يفعلُه الكرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((لا لغوَ)) ((ولا تأثيمَ)) بفتحهما(١) . ﴿وَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: بالكأس ﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي: مماليكُ مختصُّون بهم، كما يُؤْذِنُ به اللام، ولم يقل: غلمانهم، بالإضافة؛ لئلا يتوَّهم أنَّهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا، فيُشفق كلُّ مَن خَدَم أحداً في الدنيا أنْ يكون خادماً له في الجنة، فيحزن بكونِهِ لايزال تابعاً . وقيل: أولادهم الذين سبقوهم، فالاختصاص بالولادة لا بالملك. وفيه أنَّ التعبير عنهم بالغلمان غيرُ مناسب، وكذا نسبة الخدمة إلى الأولاد لا تُناسِب مقامَ الامتنان. ﴿كَنَّهُمْ لُؤْلٌ مَكْتُنٌ﴾ مصون في الصدف لم تنلْهُ الأيدي، كما قال ابن جبير. ووجْهُ الشبه البياضُ والصفاء، وجوِّز أنْ يُراد بـ ((مكنون)): مخزون؛ لأنَّه لا يُخزنُ إلا الحسنُ الغالي الثمن. أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: بلغني أنَّه قيل: يا رسول الله، هذا الخادمُ مثل اللؤلؤ فكيف بالمخدوم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده إنَّ فَضْل ما بينهم كفضل القمرِ ليلةَ البذْرِ على سائرِ الكواكب))(٢) وروي ((أنَّ أدنَى أهلِ الجنةِ منزلةً مَن يُنادي الخادمَ مِن خُدَّامه فيُجِيبُ(٣) ألفٌ ببابه: لبيك لبيك)»(٤). ج﴾ أي: يسأل كلُّ بعضٍ منهم بعضاً آخَر عن ﴿وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَلُنَ أحواله وأعماله، فيكون كلُّ بعضٍ سائلاً ومسؤولاً، لا أنَّه يسألُ بعضُ معيَّنٌ منهم بعضاً آخر معيَّناً . (١) التيسير ص ٨٢، والنشر ٢١١/٢. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٤٨/٢، والطبري ٥٨٩/٢١-٥٩٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١١٩/٦. (٣) في الأصل و(م): فيجيء، والمثبت من مسند الفردوس. (٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره ١٢٩/٩ من حديث عائشة سُوَّةُ الْتُوْرِ ٨٢ الآية : ٢٦ - ٢٨ ثم هذا التساؤل في الجنة كما هو الظاهر، وحكى الطبري عن ابن عباس أنَّه إذا بُعثُوا في النفخة الثانية(١). ولا أراه يصحُّ عنه لبعده جداً. ﴿قَالُواْ﴾ أي: المسؤولون وهم كلُّ واحدٍ منهم في الحقيقة: ﴿إِنَّا كُنَّا قّلُ﴾ أي: قبل هذا الحال ﴿فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أرقَّاءَ القلوب، خائفين من عصيان الله عز وجل، مُعتَنِين بطاعته سبحانه، أو: وَجِلِين من العاقبة، و((في أهلنا)) قيل: يحتملُ أنَّه كنايةٌ عن كون ذلك في الدنيا، ويحتملُ أنْ يكونَ بياناً لكون إشفاقهم كان فيهم وفي أهلهم لِتَبَعيَّتهم لهم في العادة ويكون قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بالرحمة والتوفيق ﴿وَوَقَثْنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ أي: عذابَ النار النافذةِ في المسامِّ نفوذَ السَّموم، وهو الريحُ الحارَّةُ المعروفة، ووجَّهُ الشبه وإنْ كان في النار أقوَى لكنَّه في ريح السَّموم لمشاهدته في الدنيا أعرفُ، فلذا جُعِل مشبَّهاً به. وقال الحسن: ((السَّموم)) اسمٌ مِن أسماء جهَّم عامّاً لهم ولأهلهم، فالمرادُ بيانُ ما مَنَّ الله تعالى به عليهم مِن اتِّباع أهلهم لهم. وقيل: ذكر ((في أهلنا)) لإثبات خوفهم في سائر الأوقاتِ والأحوالِ بطريق الأَولَى، فإنَّ كونهم بين أهليهم مظنَّةُ الأمنِ، ولا أرى فيه بأساً، نعم كون ذلك لأنَّ السؤالَ عما اختصُّوا به من الكرامة دون أهليهم ليس بشيءٍ . وقيل: لعلَّ الأَولَى أنْ يجعل ذلك إشارةً إلى الشفقة على خلق الله تعالى كما أنَّ قوله عز وجل: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوَةٌ﴾ إلى آخره إشارةٌ إلى التعظيم لأمر الله تعالى، وتَرَك العاطفَ بجعل الثاني بياناً للأول ادعاءً للمبالغة في وجوب عدم انفكاكِ كلٌّ منهما للآخر. ولا يخفى ما فيه. والذي يظهرُ أنَّ هذا إشارةٌ إلى الرجاء، وترك العطف لقصد تعْدَاد ما كانوا عليه، أي: إنَّا كنَّا من قبل ذلك نعبدُه تعالى ونسألُه الوقاية. ﴿إِنَّهُ هُوَ أَلْبرُ﴾ أي: المحسِنُ، كما يدلُّ عليه اشتقاقُه من البرِّ بسائر موادِّه، لأنَّها ترجعُ إلى الإحسان كـ : بَرَّ في يمينه، أي: صدق؛ لأنَّ الصدقَ إحسانٌ في (١) تفسير الطبري ٢١/ ٥٩٠. الآية : ٢٩ ٨٣ سُوَّةُ القُور ذاته ويلزمُه الإحسانُ للغير، وأَبَرَّ الله تعالى حجَّه، أي: قبله؛ لأنَّ القبولَ إحسانٌ وزيادة، وأَبرَّ فلانٌ على أصحابه، أي: علاهم؛ لأنَّه غالباً ينشأ عن الإحسان لهم، فتفسيرُه باللطيف كما روي عن ابن عباس، أو العالي في صفاته، أو خالق البِرِّ، أو الصادق فيما وَعَد أولياءه كما روي عن ابن جُريج، بعيدٌ، إلا أنْ يُراد بعضُ ماصَدُقَات أو غايات ذلك البِرِّ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكثير الرحمة الذي إذا عُبِدَ أثاب وإذا سُئلَ أجاب. وقرأ أبو حيوة: ((ووقّانا)) بتشديد القاف(١). والحسن وأبو جعفر ونافع والكسائي: ((أنه)) بفتح الهمزة لتقدير لام الجرِّ التعليلية قبلها، أي: لأنه(٢). ﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثبُت على ما أنت عليه من التذكير بما أُنزِلَ عليك من الآيات والذكرِ الحكيم، ولا تكتَرِث بما يقولون مما لا خيرَ فيه من الأباطيل. ﴿فَمَّ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَامِنٍ﴾ هو الذي يُخِرُ بالغيب بضَرْبٍ من الظنِّ، وخصَّ الراغبُ الكاهنَ بمَن يُخبِرُ بالأخبار الماضية الخفيةِ كذلك، والعرَّاف بمَن يُخبِرُ بالأخبار المستقبلةِ كذلك(٣). والمشهور في الكهانة الاستمداد من الجنِّ في الإخبار عن الغيب. والباء في ((بكاهن)) مزيدةٌ للتأكيد، أي: ما أنت كاهنٌ ﴿وَلَا يَجْنُونٍ﴾ واختلف في باء ((بنعمة)) فقال أبو البقاء: للملابسة؛ والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال والعامل فيه ((كاهن))، أو ((مجنون))، والتقدير: ما أنت كاهنٌ ولا مجنونٌ ملتبساً بنعمة ربك(٤)، وهي حالٌ لازمة؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام مازال ملتبساً بنعمة ربِّه عز وجل. (١) المحرر الوجيز ١٩٠/٥، والبحر المحيط ١٥٠/٨. (٢) البحر المحيط ١٥٠/٨، وقراءة أبي جعفر ونافع والكسائي في التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢. (٣) مفردات الراغب (كهن). (٤) إملاء ما من به الرحمن ٣٥٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر المحيط ٨/ ١٥١. سُورَةُ الُوْرِ ٨٤ الآية : ٣٠ وقيل: للقسم، فـ ((نعمة ربك)) مقسَمٌ به، وجوابُ القسم ما عُلم من الكلام، وهو: ما أنت بكاهن ولا مجنون. وهذا كما تقول: ما زيدٌ والله بقائمٍ. وهو بعيدٌ. والأقربُ عندي أنَّ الباء للسبية، وهو متعلِّقٌ بمضمون الكلام، والمعنى: انتفَى عنك الكهانةُ والجنونُ بسبب نعمةِ الله تعالى عليك، وهذا كما تقول: ما أنا معسِرٌ بحمد الله تعالى وإغنائه، والمرادُ الردّ على قائلي(١) ذلك، وإبطالُ مقالتهم فيه عليه الصلاة والسلام، وإلا فلا امتنانَ عليه وَلَه بانتفاء ما ذكر مع انتفائه عن أكثر الناس. وقيل: الامتنان بانتفاء ذلك بسبب النعمة المراد بها ما أُوتيَهُ وَلٍّ مِن صدق النبوة ورجاحة العقل التي لم يُؤتَها أحدٌ قبلَه، والقائلون بذلك هم الكفرة قاتَلَهم الله تعالى أنَّى يؤفكون، وممن قال كاهن: شيبةٌ بن ربيعة، وممن قال مجنون: عقبة بن أبي معيط. وأَمّ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون: ﴿شَاعِرٌ﴾ أي: هو شاعر ﴿نََّبَُّ﴾ أي: ننتظرُ ﴿ِهِ، رَيِّبَ الْمَنُونِ﴾ أي: الدهر، وهو فَعول مِن المنِّ بمعنى القطع؛ لأنَّه يقطعُ الأعمارَ وغيرَها، ومنه: حبلٌ مَنين، أي: مقطوع. والريب مصدرُ رَابَهُ إذا أقلَقَه، أُريدَ به حوادثُ الدهر وصُروفُه؛ لأنَّها تُقلِقُ النفوسَ، وعبَّر عنها بالمصدر مبالغةً، وجوِّز أنْ يكونَ من رَابَ عليه الدهرُ، أي: نزل، والمرادُ بنزوله إهلاكُه. وتفسيرُ ((المنون)) بالدهر مرويٌّ عن مجاهد، وعليه قول الشاعر: تَرَبَّصْ بها ريبَ المَنون لعلَّها تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها(٢) وبيتُ أبي ذؤيب: أَمِنَ المنونِ وَرَيبه تتوجَّعُ والدهرُ ليس بمُعتِبٍ مَنْ يَجزَعُ (٣) (١) في (م): قائل. (٢) البيت لفراص بن عتبة الأزدي كما في معجم الشعراء ص ١٩٢، ودون نسبة في جمهرة اللغة ٢٥٩/١، ومجمع البيان ٢/ ٢٢٢، والبحر المحيط ٨/ ١٥١. (٣) ديوان الهذليين ١/١، وسيرة ابن إسحاق ١/ ٤٨٤. الآية : ٣٠ ٨٥ سُؤَدَّةُ الْتُور قيل: ظاهره ذلك، وكذلك قول الأعشى: ريبُ المنون ودهرٌ مُثْبِلٌ خَبِلُ(١) أَأَنْ رَأَت رجلاً أعشى أضرَّ به ولهذا أنشدَه الجوهريُّ شاهداً له(٢). وأخرج ابن جرير وغيرُه عن ابن عباس تفسيرَه بالموت(٣)، وهو مشتَرَك بين المعنَيَين، فقد قال المرزوقي في شرح بيت أبي ذؤيب المارِّ آنفاً (٤): المنون قد يُراد به الدهرُ فيذكَّرُ وتكونُ الرواية: ((ریبه))، وقد يُراد به المنية فيؤنَّث، وقد رُوي (ريبها))، وقد يرجع له ضمير الجمع لقصد أنواع المنايا، وريبُها نزولها. انتهى. فلا تغفل . وهو أيضاً من المنِّ بمعنى القطع، فإنَّها قاطعةُ الأماني واللذات، ولذا قيل: المنيةُ تقطعُ الأُمنيةَ، و((ريب المنون)) عليه: نزولُ المنية. وجوِّز أنْ يكونَ بمعنى حادث الموت على أنَّ الإضافة بيانيةٌ، روي أنَّ قريشاً اجتمعَت في دار الندوة وكثرت آراؤهم فيه عليه الصلاة والسلام، حتى قال قائل منهم - وهم بنو عبد الدار كما قال الضحاك ـ: تربَّصُوا به ريب المنون، فإنَّه شاعر سيهلِكُ كما هلك زهير والنابغةُ والأعشى، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت(٥). وقرأ زيد بن علي: (يُتَرَبَّصُ)) بالياء مبنيًّاً للمفعول، وقرأ: ((ريبُ)) بالرفع على النيابة(٦). (١) ديوان الأعشى ص ١٠٥. (٢) الصحاح (منن). (٣) تفسير الطبري ٢١ / ٥٩٣ . (٤) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ١٠٦/٨، والذي في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١١٩٦/٣، أنه قاله عند شرح بيت ليزيد بن الحكم بن أبي العاص يقول فيه: ما بُخْلُ مَن هو للمَنو ن وريبها غَرَضٌ رجيمٌ (٥) أخرجه ابن إسحاق ١/ ٤٨١، والطبري ٥٩٣/٢١، عن ابن عباس ◌ُه دون قوله: فافترقوا على هذه المقالة، ونقله المصنف من البحر المحيط ٨/ ١٥١ . (٦) الكشاف ٢٥/٤، والبحر ١٥١/٨، والدر المصون ٧٦/١٠. سُورَةُ القُلُور ٨٦ الآية : ٣١ - ٣٢ ﴿قُلْ تَرَبِّصُوا﴾ تهكّم بهم، وتهديدٌ لهم ﴿فَإِ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرِّصِينَ﴾ أتربَّصُ هلاككم كما تتربَّصُون هلاكي، وفيه عِدَةٌ کریمٌ بإهلاکھم. وَ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُمْ﴾ أي: عقولُهم، وكانت قريش يُدْعَون أهلَ الأحلام والُّهى، وذلك على ما قال الجاحظ(١)؛ لأنَّ جميعَ العالم يأتونَهم ويخالطونهم وبذلك يكمُلُ العقلُ، وهو يكمل بالمسافرة وزيادةِ رؤية البلاد المختلفةِ والأماكن المتباينة ومصاحبةٍ ذوي الأخلاق المتفاوتة، وقد حصل لهم الغرض بدون مشقَّة. وقيل لعمرو بن العاص: ما بالُ قومك لم يؤمنوا وقد وَصَفَهم الله تعالى بالعقل؟! فقال: تلك عقولٌ كادها الله عز وجل، أي: لم يَصْحَبْها التوفيقُ، فلذا لم يؤمنوا وكفروا . وأنا لا أرى(٢) في الآية دلالةً على رجحان عقولهم ولعلَّها تدلُّ على ضدِّ ذلك. ﴿يَذَا﴾ التناقض في المقال، فإنَّ الكاهن والشاعرَ يكونان ذا عقلٍ تامٌ وفطنة وقَّادة، والمجنون مغّى عقلُه مختلٌّ فكرُه، وهذا يُعربُ عن أنَّ القومَ لتحيُّرهم وعصبيتهم وقعوا في خَيْصَ بَيْصَ، حتى اضطربَت عقولُهم وتناقضَت أقوالُهم وكذَّبوا أنفسَهم من حيث لا يشعرون، وأمرُ الأحلام بذلك مجازٌ عن التأدية إليه بعلاقة السببية كما قيل، وقيل: جعلت الأحلام آمرةً على الاستعارة المكنية فتُشَبَّه الأحلامُ بسلطانٍ مطاعٍ تشبيهاً مضمَراً في النفس، وتثبت له الأمر على طريق التخييل. ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ مجاوزون الحدودَ في المكابرة والعناد، لا يحومون حولَ الرُّشد والسَّداد، ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب المحضةِ الخارجة عن دائرة العقول. وقرأ مجاهد: ((بل هم))(٣). (١) ينظر البيان والتبيين ١/ ١١. (٢) في الأصل: أدري. (٣) المحتسب ٢٩١/٢، والبحر المحيط ١٥١/٨. الآية : ٣٣ - ٣٥ ٨٧ سُوَرَّةُ الْتُورِ ﴿أَ يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلَقَه من تلقاء نفسه. وقال ابن عطية: معناه: قال عن الغير أنَّه قاله، فهو عبارةٌ عن كذب مخصوص(١). وضمير المفعول للقرآن. ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ فلكفرهم وعنادِهم يَرمون بهذه الأباطيل، كيف لا وما رسول الله ◌َ﴾ إلا واحدٌ من العرب، فكيف أتى بما عجزَ عنه كافَّةُ الأمم من العرب والعجم؟! ﴿فَيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ مماثلِ القرآن في النعوت التي استقلَّ بها من حيث النظم ومن حيث المعنى ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ فيما زعموا، فإنَّ صدْقَهم في ذلك يستدعي قدرتَهم على الإتيان بمثله، بقضيةٍ مشاركتهم له عليه الصلاة والسلام في البشرية والعربية، مع ما بهم من طول الممارسة للخُطَب والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النَّظْم والنثر، والمبالغةِ في حِفْظ الوقائع والأيام؛ ولا ريبَ في أنَّ القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به ودواعي الأمر بذلك، فالكلام ردٌّ للأقوال المذكورة في حقِّه عليه الصلاة والسلام والقرآنِ بالتحدِّي، فإذا تحدَّوا وعجزُوا عُلم ردُّ ما قالوه وصحة المدعَى. وجوِّز أنْ يكونَ ردّاً لزعمهم التقوُّلَ خاصةً، فإنَّ غيرَه مما تقدَّم حتى الكهانة كما لا يخفى أظهرُ فساداً منه، ومع ذلك إذا ظهَرَ فسادُ زعمِ التقوُّل ظهرَ فسادُ غيرِه بطريق اللزوم. وقرأ الجحدري وأبو السمال: ((بحديثٍ مثلِهِ)) على الإضافة(٢)، أي: بحديثٍ رجلٍ مثلِ الرسولِ وَّر في كونه أمّاً لم يصحَب أهل العلم ولا رَحلَ عن بلده، أو مثله في كونه واحداً منهم فلا يُعْوِزُ أنْ يكون في العرب مثلُه في الفصاحة فلیاتِ بمثل ما أَتَى به، ولن يقدِرَ على ذلك أبداً . خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ أي: أم أُحدِثُوا وقُدِّرُوا هذا التقدير البديع من غير مقدِّرٍ (١) المحرر الوجيز ٥/ ١٩٢. (٢) المحتسب ٢٩٢/٢، والمحرر الوجيز ١٩٢/٥، والبحر المحيط ١٥٢/٨. سُورَةُ الْتُور ٨٨ الآية : ٣٦ - ٣٧ وخالقٍ، وقال الطبري: المرادُ: أم خُلِقُوا من غير شيءٍ حيٍّ، فهم لا يؤمَرُون ولا يُنْهَون كالجمادات(١). وقيل: المعنى: أم خُلِقوا من غير علَّةٍ ولا لغايةِ ثوابٍ وعقابٍ، فهم لذلك لا يسمعون. و((مِن)) عليه للسببية، وعلى ما تقدَّم لابتداء الغاية، والمعوَّل عليه من الأقوال ما قدَّمنا، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح له، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿أَمّ هُمُ اٌلْخَلِقُونَ﴾ أي: الذين خَلَقُوا أنفسَهم فلذلك لا يعبدون اللهَ عز وجل ولا يَلتَفِتُون إلى رسوله وَ﴿ه، إذ على القولَين لا يظهرُ حُسنُ المقابلة. وإرادةُ خَلَقُوا أنفسَهم يُشعرُ به قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ إذ لو أُريد العمومُ لعُدِم ذكر المفعول لم يَظهر حُسْنُ المقابلة أيضاً. وقال ابن عطية: المرادُ: أَهُمُ الذين خَلَقُوا الأشياء فهم لذلك يتكبَّرون، ثم خصَّ مِن تلك الأشياءِ السماوات والأرض لعظمهما وشرفهما في المخلوقات(٢). وفيه ما سمعته. ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ أي: إذا سُئلوا: مَن خَلَقَكم وخَلَق السماوات والأرضَ؟ قالوا: الله، وهم غيرُ موقنين بما قالوا، إذ لو كانوا موقنين لَمَا أعرضُوا عن عبادته تعالى، فإنَّ مَن عَرَف خالقه وأيقَنَ به امتَثَل أمرَه وانقاد له. ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآبِنُ رَيِّكَ﴾ أي: خزائنُ رزقه تعالى ورحمتِهِ حتى يَرزُقُوا النبوّة مَن شاؤوا، ويمسكوها عمَّن شاؤوا. وقال الرُّمَّاني: خزائنُه تعالى مقدوراتُه سبحانه. وقال ابن عطية: المعنى: أم عندَهم الاستغناءُ عن الله تعالى في جميع الأُمور؛ لأنَّ المال والصحةَ والعزَّة وغيرَ ذلك من الأشياء من خزائن الله تعالى (٣). (١) تفسير الطبري ٥٩٦/٢١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر المحيط ١٥٢/٨. (٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٩٢. (٣) المحرر الوجيز ٥/ ١٩٢ . الآية : ٣٨ ٨٩ سُورَةُ الْتُورِ وقال الزهراوي(١): يريدُ بالخزائن العلمَ. واستحسنه أبو حيان(٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالی ما یعلم حاله منه. ﴿َمَ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الأربابُ الغالبون حتى يُدبِّروا أمرَ الربوبية ويَبْنُوا الأمورَ على إرادتهم ومشيئتهم، فالمسيطرُ الغالب، وفي معناه قولُ ابن عباس: المسلّط القاهرُ، وهو مِن سَيطَر على كذا: إذا راقبه وأقامَ عليه، وليس مصغَّراً كما يُتْوَهَّم، ولم يأتِ على هذه الزِّنَةِ إلا خمسةُ ألفاظِ: أربعةٌ من الصفات، وهي: مهيمن ومسيطر ومُبيقر ومبيطر، وواحدٌ من الأسماء، وهو: مُجيمِر(٣) اسمُ جبل. وقرأ الأكثر: ((المصيطرون)) بالصاد؛ لمكان حَرْف الاستعلاء وهو الطاء، وأشمَّ خلفٌ عن حمزة وخلاد عنه بخلافٍ الزايَ(٤). ﴿أَتْ لَمْ سُلٌَّ﴾ هو ما يُتوصَّلُ به إلى الأمكنة العالية فيُرجَى به السلامة، ثم جُعل اسماً لكلِّ ما يُتوصَّل به إلى شيءٍ رفيع كالسبب، أي: أم لهم سلَّمٌ منصوبٌ إلى السماء. ﴿يَسْتَمِعُونَ فِّهِ﴾ أي: صاعدين فيه، على أنَّ الجارَّ والمجرور متعلِّقٌ بكونٍ خاصِّ محذوفٍ وَقَع حالاً، والظرفية على حقيقتها، وقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((يستمعون) على تضمينه معنى الصمود. وقال أبو حيان: أي: يستمعون عليه أو منه، إذ حروف الجرِّ قد يَسُدُّ بعضُها (١) في الأصل و(م): الزهري، والمثبت من المحرر الوجيز ١٩٢/٥، والبحر ١٥٢/٨، وعنه نقل المصنف، والزهراوي: هو محدِّث الأندلس مع ابن عبد البر، أبو حفص عمر بن عبيد الله بن يوسف القرطبي، المتوفى سنة (٤٥٤هـ). شذرات الذهب ٢٣٠/٥. (٢) في البحر المحيط ٨/ ١٥٢، وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٢/٥. (٣) في الأصل: مجيمن، ومجيمر: على لفظ تصغير ((مِجْمَر) أرضٌ لبني فزارة، قال ابن دريد: هو جبل لهم، قال امرؤ القيس: كأنَّ ◌ُمَيَّة المُجَيْمِرِ غُدوَةً من السَّيل والأغْشَاءِ فِلْكَةُ مِغْزَلٍ وقال أبو عبيدة في غريب القرآن: مُجَمِرٍ: ماءٌ دون المدينة، ولم يوجد على بنائه إلا أربعة: مهيمن ومسيطر ومبيقر ومبيطر. ينظر معجم ما استعجم ١١٨٨/٤ . (٤) التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٨/٢. سُورَةُ الْتُور ٩٠ الآية : ٣٩ - ٤١ مَسَدَّ بعضٍ، ومفعول ((يستمعون)) محذوفٌ(١)، أي: كلامَ الله تعالى، قيل: ولو نُزِّلَ منزلةً اللازم جاز. ﴿قَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ﴾ أي: بحُجَّة واضحةٍ تُصدِّق استماعه. تسفيهٌ لهم وتَرْكِيْكٌ لعقولهم(٢)، وفيه إيذانٌ بأنَّ ٣٩ ﴿َ لَهُ الْبَثُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ مَن هذا رأيُه لا يكادُ يُعَدُّ من العقلاء، فضلاً عن الترقِّي إلى عالم الملكوت وسماع كلام ذي العزة والجبروت، والالتفاتُ إلى الخطاب لتشديد الإنكار والتوبيخ. ثَّ تَسْتَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أي: على تبليغ الرسالة، وهو رجوعٌ إلى خطابه بَّهَ وإعراضٌ ﴿فَهُمْ﴾ لأجل ذلك ﴿مِن مَغْرَهٍ﴾ مصدرٌ ميميٍّ من الغُرْم والغَرامة وهو - كما قال عنهـ الراغب - ما ينوبُ الإنسانَ في ماله من ضررٍ لغير جنايةٍ منه(٣). فالكلامُ بتقدير مضافٍ، أي: مِن التزام مَغْرَمٍ. وفسَّرَه الزمخشريُّ بالتزام الإنسان ما ليس عليه (٤)، فلا حاجةً إلى تقدير، لكن الذي تقتضيه اللغة هو الأول. ﴿ُْعَلُونَ﴾ أي: محمَّلون الثقل، فلذلك لا يتَّبعونك. وأَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: اللوحُ المحفوظ المثبَتُ فيه الغيوب ﴿فَعُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منه ويُخبرون به الناس؛ قاله ابن عباس. وقال ابن عطية: أم عندهم علمُ الغَيب فهم يُثبِتُون ما يزعمون للناس شرعاً، وذلك عبادةُ الأوثان وتَسْييبُ السوائبِ وغيرُ ذلك من سيرهم(٥). وقال قتادة: ((أم عندهم الغيب)) فهم يعلمون متى يموتُ محمد ◌َّ الذي يتربَّصُون به. وفسَّر بعضُهم (يكتبون)) بـ : يحكمون. (١) البحر المحيط ١٥٢/٨. (٢) في الأصل: لقولهم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٥١/٨. (٣) مفردات الراغب (غرم). (٤) الكشاف ٢٩/٤. (٥) المحرر الوجيز ١٩٣/٥. الآية : ٤٢ - ٤٤ ٩١ سُوَّةُ الْتُّوْرِ وَ يُرِيدُونَ كَيَدًا﴾ بك وبشرعك وهو ما كان منهم في حقُّه ◌َّ ر بدار الندوة مما هو معلومٌ من السِّيَر، وهذا من الإخبار بالغيب، فإن قصةَ دار الندوة وقعت في وقت الهجرة، وكان نزولُ السورة قبلَها كما تدلُّ عليه الآثار. ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم المذكورون المريدون كيده عليه الصلاة والسلام، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بما في حيِّز الصلة من الكفر وتعليل الحكم به، وجوِّز أنْ يُراد جميعُ الكفرة وهم داخلون فيه دخولاً أوليّاً . ﴿هُمُ الْمَكِدُونَ﴾ أي: الذين يحيق بهم كيدُهم ويعودُ عليهم وبالُه، لا مَن أرادُوا أنْ يكيدوه، وكان وبالُه في حقِّ أولئك قتلَهم يومَ بدر في السنة الخامسة عشر من النبوة؛ قيل: ولذا وَقَعت كلمةُ ((أم)) مكررةً هنا خمسَ عشرة مرةً للإشارة لِمَا ذكر، ومثلُه - على ما قال الشهاب - لا يُستبعَدُ من المعجزات القرآنية، وإنْ كان الانتقالُ لمثله خَفِيًّا (١) ومناسبته أخفى. وجوِّز أنْ يكونَ المعنى: هم المغلوبون في الكيد، مِن کایدتُه فکدْتُه. ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يُعينُهم ويحرسُهم من عذابه عز وجل. ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: عن إشراكهم، على أنَّ ((ما)) مصدرية، أو عن شِرْكة الذي يُشركونه، على أنَّها موصولة وقبلها مضافٌ مقدَّر والعائدُ محذوف. ﴿وَإِن يَرَوَاْ كِسْفَا﴾ قطعةً، فهو مفردٌ، وقد قرئ في جميع القرآن ((كِسَفاً)) و((كِسْفاً)) جمعاً وإفراداً إلا هنا فإنَّه على الإفراد وحده (٢)، وتنوينُه للتفخيم، أي: وإنْ يَرَوا كسفاً عظيماً ﴿مِّنَ النَّمَاءِ سَافِطً﴾ لتعذيبهم ﴿يَقُولُواْ﴾ مِن فَرْط طغيانهم وعنادهم ﴿َحَابٌ﴾ أي: هو سحاب ﴿قَرَّكُومٌ﴾ متراكمٌ ملقّى بعضُه على بعضٍ، أي: هم في الطغيان بحيث لو أَسقَطْنا عليهم حسبما قالوا: ﴿أَوْ تُشْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] لقالوا: هو سحاب متراكم يُمطرُنا، ولم يُصدِّقوا أنَّه كِسْفُ ساقطٌ لعذابهم. (١) في الأصل و(م): خفيٌّ، والمثبت من حاشية الشهاب ١٠٨/٨. (٢) النشر ٣٠٩/٢، وحاشية الشهاب ١٠٨/٨. سُورَةُ القُوْرِ ٩٢ الآية : ٤٥ - ٤٦ ﴿فَذَرّهُمْ﴾ فدعهم غيرَ مكترثٍ بهم، وهو على ما في ((البحر)) أمرُ موادعةٍ منسوخٌ بآية السيف(١). ﴿حَتَّى يُلَقُواْ﴾، وقرأ أبو حيوة: ((يلْقَوا))(٢) مضارع لَقِيَ ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ على البناء للمفعول، وهي قراءة عاصم وابن عامر وزيد بن علي وأهل مكة في قول شبل بن عباد(٣)، من صعَقَتْه الصاعقةُ، أو مِن أَضْعَقته، وقرأ الجمهور وأهل مكة في قول إسماعيل: (يَصعَقون)) بفتح الياء والعين(٤)، والسُّلَمي بضم الياء وكسر العين من أصعق رباعيّاً (٥). والمرادُ بذلك اليوم يومُ بدر، وقيل: وقتُ النفخة الأولى، فإنَّه يُصعَقُ فيه مَن في السماوات ومَن في الأرض. وتعقِّب بأنَّه لا يُصعَقُ فيه إلا مَن كان حيّاً حينئذٍ، وهؤلاء ليسوا كذلك، وبأنَّ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ - أي: شيئاً من الإغناء - بدلٌ من (يومهم))، ولا يخفى أنَّ التعرُّض لبيان عدمٍ نفع كيدهم يستدعي استعمالَهم له طمعاً بالانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دَبَّروه في أمره وَّر من الكيد الذي مِن جملته مناصبتُهم يوم بدر، وأما النفخةُ الأُولَى فليسَت مما يجري في مدافعته الكيد والحیل. وأُجيبَ عن الأول: بمنع اختصاص الصَّعْقِ بالحيِّ فالموتَى أيضاً يصعَقُون، وهم داخلون في عموم ((من)) وإنْ لم يكن صعقُهم مثلَ صَعْقِ الأحياء مِن كل وَجْهٍ، وهو خلافُ الظاهر فیحتاجُ إلى نقلٍ صحيحٍ. وعن الثاني: بأنَّ الكلام على نَهْج قوله : (١) البحر المحيط ١٥٣/٨. (٢) البحر المحيط ١٥٣/٨، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة كما في النشر ٣٧٠/٢. (٣) قراءة عاصم وابن عامر في التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٩/٢، والكلام من البحر المحيط ٨/ ١٥٣. (٤) التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٩/٢، والبحر ١٥٣/٨، والكلام منه. (٥) البحر المحيط ٨/ ١٥٣. الآية : ٤٧ ٩٣ سُورَةُ الْتُور على لاحِبٍ لا يُهتدَى بمَنارِهِ(١) فالمعنى: يومَ لا يكونُ لهم كيدٌ ولا إغناءٌ، وهو كثيرٌ في القرآن، وبابٌ من أبواب البلاغة والإحسان. وقيل: هو يوم القيامة. وعليه الجمهور، وفيه بحثٌ. وقيل: هو يومُ موتهم. وتُعقِّب بأنَّ فيه ما فيه، مع أنَّه تأباه الإضافة المُنبئَةُ عن اختصاصه بهم، فلا تغفل. ﴿وَلَا هُمْ يُصَرُونَ﴾ من جهة الغير في دَفْع العذاب عنهم. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: لهم، ووضع الموصول موضعَ الضمير لِمَا ذكر قبلُ، وجُوِّز العمومُ وهم داخلون دخولاً أوليّاً ﴿عَذَابً﴾ آخر ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ دون ما لاقَوه من القتل، أي: قبله، وهو - كما قال مجاهد - القَحْطُ الذي أصابهم سبْعَ سنين، وعن ابن عباس: هو ما كان عليهم يومَ بدر والفتح. وفسِّر ((دون ذلك)) بـ : قَبْل يوم القيامة، بناءً على كون يومهم الذي فيه يُصعَقون ذلك. وعنه أيضاً وعن البراء بن عازب أنَّه عذابُ القبر، وهو مبنيٌّ على نحو ذلك التفسير، وذهب إليه بعضُهم بناءً على أنَّ ((دون ذلك)) بمعنى: وَرَاء ذلك، كما في قوله: يُريك القذَى مِن دونها وَهْوَ دونَها(٢) وإذا فسِّر اليومُ بيوم القيامة ونحوه، و(دون ذلك)) بقبله، وأُريدَ العمومُ من الموصول، فهذا العذابُ عذاب القبر، أو المصائبُ الدنيوية، وفي مصحف عبد الله: ((دون ذلك قريباً))(٣). (١) صدر بيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٦٦، وعجزه: إذا سافَهُ العَوْدُ النَّباطيُّ جرجرا وسلف ١/ ٤٥٧. (٢) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٢٦٩، وبدون نسبة في اللسان (دون)، وتفسير أبي السعود ١٥٢/٨-١٥٣، ولفظ البيت في الديوان واللسان: إذا ذَاقَها مَن ذاقها يَتَمَطَّقُ تريك القَذَى مِن دونها وهْيَ دونَهُ (٣) الكشاف ٢٦/٤، والمحرر الوجيز ١٩٤/٥ . سُوَرَّةُ القُور ٩٤ الآية : ٤٨ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمر كما ذكر، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ فيهم مَن يعلم ذلك وإنّما يُصِرُّ على الكفر عناداً، أو لا يعلمون شيئاً . ﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْرِ رَيِّكَ﴾ بإمهالهم إلى يومهم الموعودِ وإبقائك فيما بينَهم، مع مقاساة الأحزان ومعاناة الهموم ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَّا﴾ أي: في حفظنا وحراستنا، فالعينُ مجازٌ عن الحفظ، ويُتجوَّزُ بها أيضاً عن الحافظ، وهو مجازٌ مشهور، وفي (الكشاف))(١): هو مَثَلٌ، أي: بحيث نراك ونَكْلَؤُك، وجَمَع العينَ هنا لإضافته إلى ضمير الجمع، ووحّد في (طه))(٢) لإضافته إلى ضمير الواحد. ولوَّح الزمخشريُّ في سورة المؤمنين إلى أنَّ فائدةَ الجمع الدلالة على المبالغة في الحفظ، كأنَّ معه مِن الله تعالى حُفَّاظاً يكلؤونه بأعينهم(٣). وقال العلامة الطيبي: إنه أفردَ هنالك لإفراد الفعل وهو كلاءَةُ موسى عليه السلام، وهاهنا لمَّا كان لتصبير الحبيبِ على المكايد ومَشاقِّ التكاليف والطاعات ناسبَ الجمع؛ لأنَّها أفعالٌ كثيرة كلٌّ منها يحتاج إلى حراسةٍ منه عز وجل. انتهى. ومَن نظر بعين بصيرته عَلِمَ من الآيتَين الفرقَ بين الحبيب والكليم عليهما أفضلُ الصلاة وأكملُ التسليم، ثم إنَّ الكلامَ في نظير هذا على مذهب السلف مشهورٌ. وقرأ أبو السمال: ((بأعينًا)) بنونٍ مشددة(٤). ﴿وَسَيِّعْ بِحَيْدٍ رَبِّكَ﴾ أي: قل: سبحان الله، ملتبساً بحمده تعالى على نَعمائه الفائتةِ الحَصْر، والمرادُ: سبِّحْه تعالى واحْمَذْه ﴿ِينَ نَقُومُ﴾ من كلِّ مجلسٍ؛ قاله عطاء ومجاهد وابن جبير، وقد صحَّ من رواية أبي داود والنسائي وغيرهما عن أبي برزة الأسلمي أنَّ رسول الله وَ﴿ كان يقولُ إذا أرادَ أنْ يقومَ من المجلس: ((سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمْدِكَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليك)» فسئل (١) ٤/ ٢٦. (٢) آية رقم (٣٩). (٣) الكشاف ٣/ ٣٠. (٤) المحرر الوجيز ١٩٤/٥، والبحر المحيط ١٥٣/٨. الآية : ٤٩ ٩٥ سُورَةُ القُوْر عن ذلك فقال: ((كفارةٌ لِمَا يكون في المجلس)) (١) والآثار في ذلك كثيرة. وقيل: حين تقومُ إلى الصلاة، أخرج أبو عبيد وابنُ المنذر عن سعيد بن المسيب قال: حقّ على كلِّ مسلم حين يقومُ إلى الصلاة أنْ يقولَ: سبحانَ الله وبحمْدِهِ؛ لأنَّ الله تعالى يقول النبيِّهِ بَّهِ: (وَسَيِّعْ بِحَيْدٍ رَيِّكَ حِينَ نَقُومُ)(٢) . وأخرج سعيدُ بن منصور وغيرُه عن الضحاك أنَّه قال في الآية: حينَ تقومُ إلى صلاةٍ تقولُ هؤلاء الكلمات: سبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارَك اسمُك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرُك(٣). وحكاه في ((البحر)) عن ابن عباس(٤). وأخرج عنه ابن مردويه أنَّه قال: سَبِّح بحمد ربِّك حينَ تقومُ من فراشِكَ إلى أنْ تدخُلَ في الصلاة(٥). وروي نحوه عن ابن السائب. وقال زيد بن(٦) أسلم: حين تقوم من القائلة، والتسبيحُ إذ ذاك هو صلاة الظهر. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إفرادٌ لبعض الليل بالتسبيح لِمَا أنَّ العبادة فيه أشقُّ على النفس وأبعدُ عن الرياء كما يلوِّح به تقديمه على الفعل. ﴿وَإِذْبَ النُّجُومِ﴾ أي: وقتَ إدبارها من آخر الليل، أي: غيبتها بضوء الصباح. وقيل: التسبيحُ من الليل صلاةُ المغرب والعشاء، وإدبار النجوم ركعتا الفجر. وعن عمر رُه وعليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأبي هريرة والحسن ﴿ها: التسبيحُ من الليل النوافلُ، وإدبار النجوم ركعتا الفجر. وقرأ سالم بنُ أبي الجعد والمنهالُ بنُ عمرو ويعقوب: ((أدبار)) بفتح الهمزة(٧) (١) سنن أبي داود (٤٨٥٩)، والسنن الكبرى للنسائي (١٠١٨٧). (٢) الدر المنثور ١٢١/٦. (٣) عزاه لسعيد بن منصور السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠، وأخرجه الطبري ٢١/ ٦٠٦. (٤) ينظر البحر ١٥٣/٨. (٥) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢١/٦ . (٦) قوله: بن، ساقط من (م)، والأثر في البحر المحيط ١٥٣/٨. (٧) المحتسب ٢٩٢/٢، والمحرر الوجيز ١٩٤/٥، والبحر المحيط ١٥٣/٨، وهي خلاف المشهور عن يعقوب. سُورَةُ القُور ٩٦ الآية : ٤٩ جمع دبر بمعنى عقب، أي: في أعقابها إذا غَربَت، أو خَفِيَت بشعاع الشمس. هذا ونظمُ الآيات من قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ) إلى قوله سبحانه: (أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غيّرُ اللَّهِ) إلخ فيه غرابةٌ، ولم أرَ أحداً كشَفَ عن لِئَامه كصاحب ((الكشف)» جزاه الله تعالى خيراً، ولغاية حُسْنِهِ وكونِه مما لا مزيدَ عليه أحببتُ نقلَه بحذافيره لكنْ مع اختصارٍ ما، فأقول: قال: أَوْمَأ الزمخشريُّ إلى وجهَين في ذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَرَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]: أحدهما: أنَّه حكايةُ قولهم المضْطَرب على وجهه، والثاني: أنَّه تدرُّجُ منه سبحانه في حكاية ما قالوه من المنكر إلى ما هو أَدْخَلُ فيه، والأولُ ضعيفٌ فيما نحن فيه؛ لأنَّ ما سيق له الكلام ليس اضطرابَ أقوالهم فتُحكّى على ما هي عليه، بل تسليتهُ عليه الصلاة والسلام، وأنَّه لا محالةَ ينتقمُ له منهم، وأنَّ العذاب المكذَّبَ به واقعٌ بهم جزاءً لتكذيبهم بالمُنبِئ والنَّبأ والمُنَبَّأ به، فالمتعيِّنُ هو الثاني، ووجْهُه - والله تعالى أعلم - أنَّ قوله: ((فذكِّر)) معناه: إذ ثَبَت كونُ العذاب واقعاً، وكونُ الفريقَين المصدِّقين والمكذِّبين مَجزّين بأعمالهم، وأنَّك على الحقِّ المبين الذي مَن كذَّب به استحقَّ الهوان، ومَن صدَّق استحقَّ الرضوان، فدُمْ على التذكير ولا تُبالِ بما تُكايَد، فإنك أنت الغالبُ حُجَّةً وسيفاً في هذه الدار، ومنزلةً ورفعةً في دار القرار. ومِن قوله تعالى: (فَمَآ أَنْتَ) إلى قوله سبحانه: (هُ الْمَكِيدُونَ) تفصيلُ هذا المجمَّل مع التعريض بفساد مقالاتهم الحمقاء، وأنَّهم بمرأى من الله تعالى ومسمَعٍ، فلا محالةَ ينتقمُ لنبيه عليه الصلاة والسلام منهم، وفيه أنَّ النبي ◌َّ من الله تعالى بمكانٍ لا يُقَادَر قدرُه، فهو شدٌّ مِن عَضُد التسلِّي. وقوله سبحانه: (فَمَآَ أَنْتَ يِنِعْمَتِ رَبِّكَ) إلخ فيه أنَّ مَن أُنْعِمَ عليه بالنبوة يستحيلُ أنْ يكونَ أحدَ هذَين، وبدأ بقولهم المتناقضِ ليُنَبِّه أولاً على فساد آرائهم ويجعلَه دستوراً في إعراضهم عن الحقِّ وإيثارِ اتِّباع أهوائهم، فما أبعدَ حال مَن كان أَتقَنَهم رأياً وأرجحَهم عقلاً وأبينَهم آياً، منذ ترغْرَع إلى أنْ بَلَغِ الأَشُدَّ عن الجنون والكهانة، الآية : ٤٩ ٩٧ سُوَرَّةُ الْفُورٌ على أنَّهما متناقضان؛ لأنَّ الكهَّان كانوا عندهم من كامليهم، وكان قولهم إماماً متَبعاً عندهم، فأين الكهانةُ من الجنون؟ ثم تَرقَّى مُضْرِباً إلى قولهم فيه - وحاشاه ◌َّهِ - أنَّه شاعر؛ لأنَّه أدخلُ في الكذب من الكاهن والمجنون، وقِدماً قيل: أحسنُ الشعر أكذبُه، ليبيِّن حال تَلَجْلُجِهم واضطِرابهم. وقوله تعالى: (قُلْ تَرَتَّصُوا) من باب المجازاة بمثل صنيعهم، وفيه تَتْميمٌ للوعيد، فهذا بابٌ من إنكارهم هدَمَه سبحانه أولاً تلويحاً بقوله تعالى: (إِنِعْمَتِ رَبِّكَ) وثانياً تصريحاً بقوله جل وعلا: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم) كأنَّه قيل: دَعْهم وتلك المقالة وما فيها من الاضطراب ففيها عبرة، ثم قيل: لا بل ذلك من ◌ُغيانهم؛ لأنَّه أدخلُ في الذمِّ من نقصان العقل وأبلغُ في التسلية؛ لأنَّ مَن طفَى على الله عز وجل فقد باء بغضبه، ثم أخذ في بابٍ أوغل في الإنكار، وهو نسبةُ الافتراء إليه وَّةِ، وذلك لأنَّ الافتراء أَبعدُ شيءٍ من حاله لاشتهاره بالصدق، على أنَّ كونه افتراءً وعَجْزَهم عن الإتيان بأقصر سورةٍ مِن هذا المفتَرَى متنافيان، لدلالته على الصدق على ما مرَّ في ((الأحقاف))(١)؛ ولأنَّ الشاعر لا يتعمَّد الكذبَ لذاته، ثم قد يكونُ شعرُه حِكَماً ومواعظَ وهو لا يُنسَبُ فيه إلى عارٍ، والتدرُّجُ عن الشعر هاهنا عكس التدرُّج إليه في (الأنبياء))(٢)، لأنَّ بناءَ الكلام هاهنا على التدرُّج في المناقضة والتوَغّلِ في القَدْح فيه عليه الصلاة والسلام ونَفْي رسالته، وهنالك على(٣) القدح في بعضٍ من الذكر متجدِّدِ النزول، فقيل: إنَّ افتراءه لا يَبعُدُ ممن هو شاعرٌ ذو افتراءات كثيرة، وأين هذا من ذاك؟ وللتنبيه على التوعُّل جيء بصريح حَرْف الإضراب في الرد فقيل: (بَل لَّا يُؤْمِنُونَ) وعقَّب بقوله تعالى: (فَيَأْتُواْ) ثم مَن لا يؤمن أشدُّ إنكاراً له من الطاغي، كما أنَّ المفتري أدخلُ في الكذب من الشاعر. (١) آية رقم (٨). (٢) آية رقم (٥٠). (٣) في (م): عن. سُورَةُ القُور ٩٨ الآية : ٤٩ ثم أخذ في أسلوبٍ أبلغَ في الردِّ على مقالاتهم الجنون والكهانة لتقاربهما، ثم الشعر، ثم الافتراء، حيث نزَّلَ القائلين منزلةَ مَن يدَّعي أنَّه خُلِقٍ مِن غير شيءٍ، أي: مقدِّرٍ وخالق، وإلا لأهمَّهم البحثُ عن صفاته وأفعاله فلم يُنكروا منك ما أنكروا، ومَن حَسِب أَّه مستغنٍ عن الموجِد نَسَب رسولَه إلى الجنون والكهانة، لا بل كمن يدَّعي أنَّه خالقُ نفسِهِ فلا خالقَ له لیبحثَ عن صفاته، فهو ينسبُهُ إلى الشعر إذ لا يرسَلُ إليه البتة، والشعرُ أَدخَلُ في الكذب، لا بل كمن يدَّعي أنَّه خَلَقَ السماوات والأرضَ وما بينهما، فهو ينسبُه إلى الافتراء حيث لم يرسله . ثم أَضربَ صريحاً عنه بقوله تعالى: (بَل لَّا يُوقِنُونَ) ومَن لا إيقانَ له بمثل هذا البديهي لا يبعدُ أنْ يَزِنَّكَ بما زَنَّ(١)، فكأنه قيل: مقالتُهم تلك تؤدِّي إلى هذه، لا أنَّهم كانوا قائلين بها إظهاراً لتماديهم في العناد، ثم بُولِغَ فيه فجيء بما يدلُّ على أنَّ الرسول لابدَّ أنْ يكونَ مفترياً غيرَ صالحٍ للنبوة في زعمهم، فالأول: لمَّا لم يمنع تعدُّد الآلهة إنما يدلُّ على افترائه من حيث إنَّ أحدَ الخالقين لا يدعو الآخرَ إلى عبادته، والثاني: يمنعه بالكلِّية لأنَّه إذا كان عندهم جميعُ خزائن ربِّه وهم ما أَرسَلُوه لَزِمَ أنْ يكون مفترياً ألبتة، وأَدْمَجَ فيه إنكارَهم للمعاد، ونسبتَهم إياه بَّ﴿ في ذلك أيضاً خاصةً إلى الافتراء، والحملُ على خزائن القدرة أظهرُ؛ لأنَّ ((أم عندهم الغيب)) إشارةٌ إلى خزائن العلم. ولمَّا كان المقصودُ هنالك أمرَ البعث على ما سيحقَّق إن شاء الله تعالى كان هذا القولُ أيضاً من القبول بمكانٍ، ولا يخفى ما في قوله تعالى: (أَمَ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) من الترقِّي. ثم لمَّا فرغ من ذلك وبيَّن فسادَ ما بنَوا عليه أمرَ الإنكار بدليل العقل قيل: لم يبق إلا المشاهدة والسماع منه تعالى، وهو أظهرُ استحالةً، فتهكّم بهم وقيل: ((أم(٢) لهم سلَّمٌ يستمعون». (١) أي: يَتَّهمك بما اتَّهم. (٢) في الأصل و(م): بل، والمثبت موافق لما في الآية. الآية : ٤٩ ٩٩ سُوَّةُ الْتُور وذَيَّل بقوله تعالى: (أَمّ لَهُ الْبَثُ) إشعاراً بأنَّ مَن جعل خالقَه أدونَ حالاً منه لم يُستبعَدُ منه تلك المقالات الخرقاء، كأنَّه سلَّى وَِّ، وقيل: ناهيك بتساوي الطعنَين في البطلان وبما يَلقَون مِن سوء مغبّتهما . ثم قيل: ((أم تسألهم أجراً) أي: إنَّ القومَ أربابُ ألبابٍ، وليسُوا مِن تلك الأوصاف في شيء، بل الذي زَهَّدَهم فيك أنَّك تسألهم أجراً، مالاً أو جاهاً أو ذكراً، وفيه تهكُّمٌ بهم وذٌّ لهم بالحسد واللؤم، وأنَّهم مع قصورٍ نَظَرهم عن أمر الميعاد لا يبنون الأمرَ على المتعارَف المعتادِ، إذ لا أحدَ مِن أهل الدنيا وذوي الأخطار يَجْبَهُ الناصحَ المبرَّأَ ساحته عن لَوْث الطمعِ بتلك المقالات، على أنَّه حسدٌ لا موقعَ له عند ذويه، فليسوا في أنْ يحصُلَ لهم نعمةُ النبوة، ولا هو ممن يَطمَعُ في نِعَمهم إحدى الثلاث. ثم قيل: ((أم عندهم الغيب)) على معنَى: بل أَعندَهم اللوحُ فيعلمون كلَّ ما هو كائن، ويكتبون فيه تلك المعلوماتِ، وقد علموا أنَّ ما تدَّعيه من المعاد ليس من الكائن المكتوب! والمقصودُ من هذا نَفْيُ المُنْبَأ به، أعني: البعثَ على وجهٍ يتضمَّن دفْعَ النبوة أيضاً إدماجاً عكس الأول، ولهذا أخّره عن قوله تعالى: (أَمْ لَمْ سُلٌَّ) فقد سلفَ أنَّ مصبَّ الغرض حديثُ النبأ والمُنِئِ(١) والمنبأ به، فقضى الوَطَرَ من الأولَين مع الرمز إلى الأخير، ثم أخذَ فيه مع الرمز إليهما قضاءً لحقِّ الإعجاز، ففي الغيب إشارةٌ إلى الغيب أعني الساعةَ أول كلِّ شيءٍ، وفيه تَرَقِّ في الدفع مِن وَجْهٍ أيضاً؛ لأنَّ العلمَ أشملُ مورداً من القدرة؛ ولأنَّ الأول إنكارٌ من حيث إنَّهم لم يرسلوه، وهذا من تلك الحيثية، ومِن حيث إنَّهم ما علموا بإرسال غيرِه إياه أيضاً مع إحاطة عِلْمهم لكنَّه غيرُ مقصودٍ قصداً أوليًّا . ثم خَتَم الكلامَ بالإضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم بأنَّهم يريدون بك كيداً، فهم يَنصبون لك الحبائلَ قولاً وفعلاً، لا يقفون على هذه المقالة وحدها، وهم المكيدون لا أنتَ قولاً وفعلاً وحُجَّةٌ وسيفاً، وحقَّق ما ضمَّنه من الوعيد بقوله (١) في (م): المنبأ. سُورَةُ القُوْرِ ١٠٠ التفسير الإشاري سبحانه: (أَمْ لَمْ إِلَهُ غَيْرُ الَّةٍّ) فيُنجيهم من كيده وعذابه، لا والله سبحان الله عن أنْ يكونَ إِلهٌ غيرُه، ومنه يظهرُ أنَّ حَمْل الذين كفروا على المريدين به كيداً أظهرُ في هذا المساق. انتهى. وكأنَّ ما بعد تأكيدٌ(١) لأمر طغيانهم، ومزيدُ تحقيقٍ للوعيد، ومبالغةٌ في التسلية. ويُعلَم مما ذكره - لازالت رحمةُ الله تعالى عليه متصلةً - أنَّ ((أم)) في كلِّ ذلك منقطعةٌ، وهي مقدَّرة بـ ((بل)) الإضرابية - والإضرابُ هاهنا واقعٌ على سبيل الترقي - وبالهمزة وهي للإنكار، وهو ما اختاره أبو البقاء(٢) وكثير من المفسرين، وحكى الثعلبيُّ عن الخليل أنَّها مثَّصلةٌ، والمرادُ بها الاستفهامُ(٣)، وعليك بما أفاده كلام ذلك الهمام والله تعالى أعلم. ومما ذكروه من باب الإشارة في بعض الآيات: ﴿وَاَلُورِ﴾ إشارةٌ إلى قالب الإنسان ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ إشارةٌ إلى سرِّه ﴿فِ رَقِّ مَّنْشُورٍ﴾ إشارةٌ إلى قلبه ﴿وَالْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ﴾ إشارةٌ إلى روحه، ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ إشارة إلى صفته، ﴿وَالْبَحْرِ اَلْسْجُورِ﴾ إشارةٌ إلى نفسه المسجورة بنيران الشهوة والغضبِ والكِبْر. وقيل: ((الطور)) إشارة إلى ما طار من الأرواح من عالم القدسِ والملكوت حتى وَقَع في شباك عالم الملك، والكتاب المسطور في الرق المنشور إشارةٌ إلى النقوش الإلهية المدرَكَة بأبصار البصائر القدسية المكتوبة في صحائف الآفاق، ((والبيت المعمور)) إشارة إلى قَلْب المؤمن المعمور بالمعرفة والإخلاص ((والسقف المرفوع)) إشارةٌ إلى العالم العلويِّ المرفوع عن أرض الطبيعة ((والبحر المسجور)) إشارة إلى بحر القدرة المملوءِ من أنواع المقدورات التي لا تتناهى، وقيل: إشارةٌ إلى الفضاء الذي فيه الملائكةُ المهيمون؛ ووصفه بـ ((المسجور)) إما لأنَّه مملوءٌ منهم، وإما لأنَّه سُجِرَ بنيران الهيام، ولذا لا يعلم أحدُهم بسوى الله عز وجل، وقيل غير ذلك. (١) في (م): تأكيداً. (٢) في إملاء ما من به الرحمن ٤/ ٣٥٥. (٣) تفسير الثعلبي ٩/ ١٣٢، والبحر المحيط ١٥١/٨-١٥٢، وعنه نقل المصنف.