Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ُ الْمَعَاف
3
في
تفِتُ القرآن العَظِيْ والِسُنْع المثَّانِ
تأليفُ
شِهَابُ الَّذِينْ أبيُ النَّاء
◌ٌَمُودِ بْن عَبْدُاللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
عَمَكَرَ بِكَوْ زَهَيْ القارسُمْ
◌َاهُمْ في تحقيقه
أحمد مصْبرح محمّد
محمُودُ المُعَاضيري
ملحقة
يَاهِرْ جَبُوشٌ
المجلّ السّاوين والشرور
مؤسسة الرسالة

~3

◌ُوعُ المَعَابِى
في
تفِ القرآن العظيم والَِنع المشَّان
(٢٦)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
ـالة
مؤسسوالر
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتَّوْزِيّعِ
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الزَّارِيَاتِ
مكيةٌ كما روي عن ابن عباس وابن الزبير ﴿ًا، ولم يُحكَ في ذلك خلاف.
وهي ستون آيةً بالاتِّفاق، كما في كتاب ((العدد))(١).
ومناسبتُها لسورة ((ق)) أنَّها لمَّا خُتِمَت بذكر البعثِ واشتمَلَت على ذكر الجزاء
والجنة والنارِ وغير ذلك افتُتِحَت هذه بالإقسام على أنَّ ما وُعِدُوا من ذلك
لصادق، وأنَّ الجزاءَ لواقعٌ. وأنَّه قد ذُكرَ هناك إهلاكُ كثيرٍ من القرون على وجه
الإجمال، وذُكر هنا إهلاكُ بعضهم على سبيل التفصيل، إلى غير ذلك ممَّا يَظهرُ
للمتأمل.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴾﴾ أي: الرياح التي تذرُو الترابَ وغيرَه، من ((ذَرا)) المعتل،
بمعنى فَرَّق وبدَّد ما رَفَعه عن مكانه.
﴿فَالْحَمِلَتِ وِفْرًا ﴾﴾ أي: حِمْلاً، وهي السحُبُ الحاملةُ للمطر.
، أي: جَرْياً سهلاً إلى حيث سُيِّرَت، وهي السفن.
﴿فَالْخَرِيَتِ يُسْرًّا (
﴿فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا ﴾﴾ هي الملائكة الذين يُقسِّمُون الأمورَ بين الخلق على
ما أُمِرُوا به.
وتفسيرُ كلٌّ بما فُسِّر به قد صحَّ روايتُه من طُرقٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه،
(١) البيان في عدِّ آي القرآن ٢٣٢/١ لأبي عمرو الداني، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب
٨ / ٩٤.

سُورَةُ الَّارِيَاتِ
٦
الآية : ١ - ٤
وفي بعض الروايات أنَّ ابنَ الكَوَّاء سألَه عن ذلك وهو ◌َظُله يخطُبُ على المنبر
فأجاب بما ذكر(١) .
وفي بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّه تفسيرٌ مأثورٌ عن رسول الله وَّر، أخرج
البزار والدارقطني في ((الأفراد)) وابن مردويه وابنُ عساكر عن سعيد بن المسيب
قال: جاء صَبِيغُ التميميُّ إلى عمر بن الخطاب ◌َُّه فقال: أخبرني عن («الذارياتِ
ذَرواً)) قال: هي الرياح، ولولا أنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُه ما قلتُه. قال:
فأخبرني عن ((الحاملات وِقْراً)) قال: هي السحاب، ولولا أنِّي سمعتُ رسول الله وَه
يقولُه ما قلتُه. قال: فأخبرني عن ((الجاريات يُسراً)) قال: هي السفنُ، ولولا أنِّي
سمعتُ رسول الله وَّهِ يقولُه ما قلتُه. قال: فأخبرني عن ((المقسِّمات أمراً) قال: هي
الملائكة، ولولا أنّي سمعتُ رسول الله ◌َّهِ يقولُه ما قلتُه. ثم أَمرَ به فضُرِبَ مئةً
وجُعِل في بيت، فلمَّا بَرأ دعاه فضَربَه مئةً أخرى وحَملَه على قَتَب، وكَتَب إلى
أبي موسى الأشعريِّ: امنَع الناسَ من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى
أبا موسى فحلَفَ له بالأيمان المغلَّظة ما يجدُ في نفسه مما كان يجدُ شيئاً، فكتَبَ
إلى عمر ربه: ما أَخالُهُ إلا قد صدَقَ، فخلِّي بينه وبين مجالسةِ الناس(٢).
(١) أخرجه بتمامه ومختصراً عبد الرزاق في التفسير ٢٤١/٢، وابن سعد في الطبقات ٣٣٨/٢،
والطبري ٤٨٣/٢١، والحاكم في المستدرك ٤٦٦/٢-٤٦٧، والضياء المقدسي في المختارة
١٧٦/٢. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وابن الكوَّاء: هو عبد الله، قال الحافظ في لسان الميزان ٣٢٩/٣: له أخبار كثيرة مع علي،
وكان يلزمه ويُعْيِيْهِ في الأسئلة، وقد رجع عن مذهب الخوارج وعاود صحبة على ظ نه.
(٢) مسند البزار (٢٩٩)، وكشف الأستار (٢٢٥٩)، وتاريخ دمشق ٤١٠/٢٣، وعزاه للدار قطني
في الأفراد وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١١٢: فيه أبو بكر بن أبي سبرة وهو متروك. قال ابن
حجر في الإصابة ١٦٩/٥: والراوي عنه أضعف منه.
قلنا: وأصل قصة ضرب عمر للسائل أخرجه ابن الأنباري بسند صحيح كما في الإصابة
١٦٩/٥، وأخرجه أيضاً الدارمي (١٤٤) و(١٤٨)، والآجري في الشريعة (١٥٣)،
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١١٣٧)، وابن عساكر في تاريخ
دمشق ١١/٢٣. وجاء في إحدى الروايتين عند الدرامي أنه كان يسأل عن متشابه القرآن.

الآية : ١ - ٤
٧
سُوَدَّةُ الَّارِفَاتِ
ويدلُّ هذا أنَّ الرجل لم يكن سليم القلب، وأنَّ سؤالَه لم يكن طلباً للعلم وإلا
لم يصنع به عمرُ څہ ما صنع.
وفي رواية عن ابن عباس: أنَّ (الحاملات)) هي السفن المُؤْقَرة بالناس
وأمتعتهم، وقيل: هي الحوامل من جميع الحيوانات.
وقيل: «الجاریاتُ)) السحبُ تجري وتسیرُ إلی حیث شاء الله عزَّ وجل. وقيل:
هي الكواكبُ التي تجري في منازلها، وكلُّها لها حركةٌ وإن اختلَفَت سرعةً وبُطئاً
كما بيِّن في موضعه(١). وقيل: هي الكواكبُ السبعةُ الشهيرةُ وتسمَّى السّيَّارة.
وقيل: ((الذاريات)) النساءُ الولود، فإنَّهنَّ يَذْرِيْنَ الأولادَ، كأنَّه شبَّه تَتَابٌعَ الأولادِ
بما يتطايرُ من الرياح، وباقي المتعاطفات على ما سمعتَ أولاً .
وقيل: (الذاريات)) هي الأسبابُ التي تَذْري الخلائقَ، على تشبيه الأسباب
المُعدَّة للبروز من العدم بالرياح المفرِّقة للحبوب ونحوها .
وقيل: ((الحاملات)) الرياحُ الحاملة للسحاب، وقيل: هي الأسبابُ الحاملة
لمسبَّاتها مجازاً.
وقبل: ((الجاريات)) الرياح تجري في مهابِّها .
وقيل: ((المقسِّمات)) السحبُ يَقسِمُ الله تعالى بها أرزاقَ العباد، وقيل: هي
الكواكبُ السبعةُ السيارة، وهو قولٌ باطلٌ، لا يقولُ به إلا مَن زعم أنَّها مدبِرةٌ لعالم
الكون والفساد.
وفي صحيح البخاري عن قتادة: خَلَق الله تعالى هذه النجومَ لثلاثٍ: جَعَلها
زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يُهتَدى بها، فمَن تأوَّلَ فيها بغير ذلك
فقد أخطأ وأضاعَ نصيبَه وتَكلَّف ما لا يعلم(٢). وزاد رزين: وما لا عِلْمَ له به،
(١) في سورة يس عند الآية (٣٨-٣٩).
(٢) ذكره البخاري تعليقاً بصيغة الجزم في: باب في النجوم، بعد حديث (٣١٩٨)، ووصله
عبد بن حميد في تفسيره كما في تغليق التعليق ٤٨٩/٣ .
.

سُوَرَةُ اللَّارَاتِ
٨
الآية : ١ - ٤
وما عَجَزَ عن عِلْمِهِ الأنبياءُ والملائكةُ(١). وعن الربيع مثله وزادَ: واللهِ ما جَعَل اللهُ
تعالى في نَجْمٍ حياةَ أحدٍ ولا رِزْقَه ولا مَوتَه، وإنما يَفتَرُون على الله تعالى الكذبَ
ويتعلَّلون بالنّجوم. ذكره صاحبُ ((جامع الأصول))(٢)، وقد مرَّ الكلامُ في إبطال
ما قاله المنجّمون مفصَّلاً فتذكر(٣)، ولعلَّه سيأتي إن شاء الله تعالى شيءٌ من
ذلك.
وجوِّز أنْ يُراد بالجميع الرياحُ، فإنَّها كما تذرو ما تذروه تُثيرُ السحابَ وتحملُه،
وتجري في الجوِّ جَرْياً سهلاً، وتَقسِمُ الأمطار بتصريف السحاب في الأقطار.
والمعوَّل عليه ما روي عن عمر عظَله سامعاً له من رسول الله وَّةٍ(٤)، وقاله بابُ
مدينةِ العلمِ كرم الله تعالى وجهه على المنبر، وإليه - كما نُقِل عن الزجَّاج - ذهبَ
جميعُ المفسرين(٥)، أي: المعتَبَرين، وقولُ الإمام بعدَ نقلِهِ له عن الأمير: الأقربُ
أنْ تحمل هذه الصفات الأربع على الرياح، جسارةٌ عظيمةٌ على ما لا يُسلَّم له،
وجهلٌ منه بما رواه ابنُ المسيّب من الخبر الدالٌ على أنَّ ذلك تفسيرُ النبيِّ وَّه،
ة.
فأين منه الإمام عمر بن الخطاب
وقول صاحب ((الكشف)): إنَّه شديدُ الطَّباق للمقام، ولذا آثرَه الإمامُ، لا أُسلِّمه
له أيضاً إذا صحَّ الحديث.
ثم إذا حملت هذه الصفات على أمورٍ مختلفةٍ متغايرة بالذات كما في المعوَّل
عليه، فالفاءُ للترتيب في الأقسام ذكراً ورُتبةً باعتبارٍ تفاوتٍ مراتبها في الدلالة على
كمال قدرتِهِ عزَّ وجل، وهذا التفاوتُ إما على الترقِّ أو التنزل لِمَا في كلٍّ منها
من الصفات التي تجعلها أعلى من وَجْهٍ وأدنى من آخر، إذا نَظَر لها ذو نظرٍ
صحیح.
(١) جامع الأصول ١١/ ٥٨٠.
(٢) جامع الأصول ١١/ ٥٨٠.
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٣٨-٣٩) من سورة يس.
(٤) وهو حديث ضعيف جدًّا كما أسلفنا.
(٥) معاني القرآن ٥١/٥.

الآية : ١ - ٤
٩
سُورَةُ اللَّارِيَات
وقيل: الترتيبُ بالنظر إلى الأقرب فالأقرب منَّا، وإنْ حملت على واحدٍ وهو
الرياح فهي لترتيب الأفعال والصفات، إذ الريحُ تذرو الأبخرة إلى الجوِّ أولاً حتى
تنعقدَ سحاباً، فتحملُه ثانياً، وتجري به ثالثاً، ناشرةً وسائقةً له إلى حيث أمرها الله
تعالى، ثم تَقْسِمُ أمطاره.
وقيل: إذا حملت ((الذاريات)) و((الحاملات)) على النساء، فالظاهرُ أنَّها للتفاوت
في الدلالة على كمال القدرة، فتدبّر.
ونصب ((ذرواً) على أنَّه مفعولٌ مطلَق، و((وِقْراً)) على أنَّه مفعول به، وجوَّز الإمامُ
أنْ يكونَ من باب: ضربتُه سوطاً (١). و((يُسرا)) على أنَّه صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ بتقدير
مضافٍ، أي: جَرْياً ذا يُسرٍ، أو على أنَّه حال، أي: ميسَّرةً كما نقل عن سيبويه(٢).
و((أمراً)) على أنَّه مفعولٌ به، وهو واحدُ الأُمور، وقد أُريدَ به الجمعُ ولم يُعبَّر
به؛ لأنَّ الفردَ أَنسبُ برؤوس الآي مع ظهور الأمر، وقيل: على أنَّه حالٌ، أي:
مأمورةً، والمفعول به محذوفٌ، أو الوصف مُنزَّلُ منزلةَ اللازم، أي: تَفْعَلُ التقسيمَ
مأمورةً.
وقرأ أبو عمرو وحمزة: ((والذاريات ذرواً)) بإدغام التاء في الذال(٣)، وقرئ:
(وَقراً)) بفتح الواو(٤) على أنَّه مصدرُ وَقَرَه إذا حَمَلَه، كما أفاده كلام الزمخشريُّ(٥)،
وناهيك به إماماً في اللغة، وعلى هذا هو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به أيضاً على
تسمية المحمولِ بالمصدر، أو على أنَّه مفعولٌ مطلق لـ ((حاملات)) من معناها، كأنَّه
قيل: فالحاملاتُ حِمْلاً.
(١) أي أنه اسم ناب عن المصدر، والأصل في المثال: ضربتُه ضربَ سوط، فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه، وكلام الإمام الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب ١٩٦/٢٨ .
(٢) ينظر الكتاب ١٩٢/١ وما بعد، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر المحيط
١٣٣/٨.
٠
(٣) النشر ٣٠٠/١.
(٤) الكشاف ١٣/٤، والبحر المحيط ١٣٣/٨.
(٥) الكشاف ١٢/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٨/ ٩٤.

سُوَرَةُ الدَّارَاتِ
١٠
الآية : ٥ - ٧
وَإِنَّ الِينَ لَوْفٌ
وقوله تعالى شأنه: ﴿إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (@)
﴾ جوابٌ للقسم،
٦
و ((ما)) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، أي: إنَّ الذي توعدونه، أو توعدون به، ويحتمل
أنْ تكونَ مصدريةً، أي: إنَّ وعدَكم، أو وعيدَكم، إذ ((توعدون)) يحتمل أنْ يكونَ
مضارعَ وَعَدَ، وأنْ يكونَ مضارع أَوْعَدَ، ولعل الثاني أنسبُ لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ
بِاَلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥] ولأنَّ المقصودَ التخويفُ والتهويلُ، وعن مجاهد
أنَّ الآية في الكفار، وهو يُؤْيِّدُ الوعيدَ، ومعنى صِدْقِهِ: تحقُّق وقوعِهِ.
وفي ((الكشاف)): وعدٌ صادق كـ: ﴿عِشَةٍ رََّضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، و((الدّين))
الجزاءُ، ووقوعُهُ حصولُه(١).
والأكثرون على أنَّ الموعودَ هو البعثُ، وفي تخصيص المذكوراتِ بالإقسام بها
رمزٌ (٢) إلى شهادتها بتحقُّق الجملةِ المقسَم عليها من حيث إنَّها أمورٌ بديعةٌ، فمَن
قَدَر عليها فهو قادرٌ على تحقيق البعث الموعود.
﴾ أي: الظُّرُق(٣)، جمعُ حَبِيْكَة كطريقة، أو حِباك كمِثَال
٧
اَلسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ
ومُثُل، ويقال: حُبُك الماءِ للتكسُّر الجاري فيه إذ مرَّت عليه الريحُ، وعليه قول زهير
يَصفُ غَدیراً:
مُكَلَّلٌ بأصولِ النَّجْم تَنسجُهُ.
ريحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِهِ حُبُكُ (٤)
وحُبُكُ الشعر لآثار تَثَنِيه وتكسُّره، وتفسيرُها بذلك مرويٌّ عن مقاتل والكلبي
والضحاك، والمرادُ بها إما الطرقُ المحسوسةُ التي تسيرُ فيها الكواكبُ، أو المعقولةُ
التي تُدرَك بالبصيرة، وهي ما تدلُّ على وحدةِ الصانع وقدرتِهِ وعِلْمِهِ وحِكمتِهِ جلَّ
شأنه إذا تأمَّلَها الناظرُ.
(١) الكشاف ٤/ ١٤.
(٢) قوله: رمز، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٣٦/٨.
(٣) في الأصل: الطريق، والمثبت من (م).
(٤) شرح ديوان زهير ص ١٧٦، والبيت في وصف وادٍ، وجاء في شرحه: النجم: النبت الذي
يقال له: الثَّيِّل، وريح خريق: شديدة، وضاحي مائه: ما ضحا للشمس من الماء، أي:
برز.

الآية : ٧
١١
سُورَةُ الدَّاريات
وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة ومجاهد والربيع: ذاتُ الخَلْق المستوي الجيد،
وفي روايةٍ أخرى عن مجاهد: المُتقَنَة البُنْيان. وقيل: ذات الصَّفَاقة، وهي أقوالٌ
متقاربةٌ، وكأنَّ الحبُك عليها من قولهم: حَبَكت الشيءَ: أَحْكَمته وأَحْسَنت عملَه،
وحَبكت العُقْدَةَ: أَوثقتها، وفرسٌ محبوكُ المعاقِم، وهي المفاصل، أي: مُحكَمُها.
وفي ((الكشف)): أصلُ الحباكة الصَّفاقةُ وجودةُ الأثر.
وعن الحسن: حُبُكُها نجومها. والظاهرُ أنَّ إطلاقَ الحُبُك على النجوم مجازٌ؛
لأنَّها تُزُيِّنُ السماء كما يُزيِّنُ الثوبَ المُوشَّى حُبُكه وطرائقُ وَشْيه، فكأنَّه قيل: ذات
النجوم التي هي كالحُبُك، أي: الطرائق في التزيين.
واستظهرَ في ((السماء)) أنَّه جنسٌ أُريدَ به جميعُ السماوات، وكونُ كلِّ واحدةٍ
منها ذاتَ حُبُكٍ بمعنى مستوية الخَلْق جيِّدته، أو متقنة البنيان، أو صَفِيْقة، أو ذات
طُرُقٍ معقولة = ظاهرٌ.
وأما كونُ كلٍّ منها كذلك بمعنى: ذات طُرُقٍ محسوسةٍ، فباعتبار أنَّ الكواكب
في أيِّ سماءٍ كانت تَسيرُ مُسامِتَةً لسائر السماوات، فمَمَرَّاتُها باعتبار المسامَتةِ طرق،
وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أنَّ النجومَ في أيِّ سماءٍ كانت تُشاهَدُ في سائر
السماوات بناءً على أنَّ السماوات شفّافة لا يحجُبُ كلٌّ منها إدراكَ ما وراءه.
وأخرجَ ابن منيع عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهَه أنَّه قال: هي السماء السابعةُ(١)،
وعن عبد الله بن عمرو مثلُهُ(٢). فتدبّر ولا تغفل.
٦. وقرأ ابن عباس والحسن بخلافٍ عنه وأبو مالك الغفاري وأبو حيوة وابن
أبي عبلة وأبو السمال ونعيم عن أبي عمرو: ((الحُبْك)) بإسكان الباء(٣) على زنة
(١) الذي أخرجه أحمد بن منيع عن علي ﴿ه كما في الدر المنثور ١١٢/٦ أنه قال: ذات
الخلق الحسن.
(٢) أخرجه الطبري ٤٨٩/٢١-٤٩٠، وعزاه السيوطي في الدر ١١٢/٦ لابن أبي حاتم
وأبي الشيخ.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحتسب ٢٨٦/٢، والمحرر الوجيز ١٧٢/٥، والبحر
المحيط ٨/ ١٣٤.

سُورَةُ الدَّارِئَاتِ
١٢
الآية : ٧
القُفْلِ، وعكرمة بفتحها جمع حُبْكة مثل ظُرْفٍ وطُرَف، وبُرْقَة وبُرَق(١).
وأبو مالك الغفاريُّ والحسنُ بخلافٍ عنه أيضاً بكسر الحاء والباء كالإيِل(٢)،
وهو على ما ذكر الخفاجي اسمٌ مفردٌ وَرَدَ على هذا الوزن شذوذاً وليس جمعاً (٣).
وأبو مالك والحسن وأبو حيوة أيضاً بكسر الحاء وإسكان الباء كالسِّلْك(٤)،
وهو تخفيفُ فِعِلٍ مكسورِ الفاءِ والعين، وهو اسمٌ مفردٌ لا جَمعٌ؛ لأنَّ فِعِلاً ليس مِن
أبنية الجموع. قاله في ((البحر))(٥).
وابن عباسٍ وأبو مالك أيضاً بفتحهما كالجَبَل(٦). قال أبو الفضل الرازي: فهو
جَمِعُ حَبَكة مثل عَقَّبَة وعَقَب.
والحسن أيضاً بكسر الحاء وفَتْح الباء كالنّعَم(٧).
وأبو مالك أيضاً بكسر الحاء وضمِّ الباء (٨)، وذكرها ابنُ عطية عن الحسن أيضاً
ثم قال: هي قراءةٌ شاذةٌ غيرُ متوجِّهة، وكأنَّه بعد أنْ كَسَر الحاء تَوهَّم قراءةً الجمهور
فضمَّ الباء(٩)، وهذا من تداخل اللغاتِ، وليس في كلام العرب هذا البناء(١٠)،
أي: لأنَّ فيه الانتقالُ من خِفَّةٍ إلى ثِقَلٍ على عكس ضُرِبَ مبنيّاً للمفعول، وقال
(١) المحتسب ٢٨٦/٢، والبحر المحيط ١٣٤/٨، والبرقة: غِلَظُ - أي: أرض - فيه حجارة
ورمل وطين مختلطةٌ. ينظر القاموس (برق)، وحاشية الشهاب ٨/ ٩٥.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحتسب ٢٨٦/٢، والمحرر الوجيز ١٧٢/٥، والبحر
المحيط ٨/ ١٣٤.
(٣) حاشية الشهاب ٨/ ٩٥.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحتسب ٢٨٦/٢، والمحرر الوجيز ١٧٢/٥، والبحر
المحيط ١٣٤/٨.
(٥) البحر المحيط ١٣٤/٨.
(٦) المحرر الوجيز ١٧٢/٥، والبحر المحيط ١٣٤/٨، ونسبها ابن جني في المحتسب ٢٨٦/٢
للحسن.
(٧) البحر المحيط ٨/ ١٣٤.
(٨) البحر المحيط ١٣٤/٨.
(٩) في الأصل و(م): التاء، والمثبت من المحرر الوجيز ١٧٢/٥، والبحر المحيط ١٣٤/٨.
(١٠)المحرر الوجيز ٥/ ١٧٢.

الآية : ٨ - ٩
١٣
سُورَةُ الدَّارِيَات
صاحب ((اللوامح)): هو عديمُ النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها، ولا أدري
ما وراءه(١). انتهى.
وعلى التداخُل تأوَّلَ النحاةُ هذه القراءةَ، وقال أبو حيان: الأحسنُ عندي أنْ
يكونَ ذلك مما أُتَبِعَ فيه حركةُ الحاء لحركة تاء ((ذات)) في الكسر، ولم يعتدَّ باللام
الساكنة؛ لأنَّ الساكن حاجزٌ غيرُ حصين.
﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفِ ﴾﴾ أي: متخالفٍ متناقضٍ في أمرِ الله عزَّ وجل حيث
تقولون: إنَّه جلَّ شأنه خالقُ السماوات والأرض، وتقولون بصِحَّة عبادة الأصنام
معه سبحانه، وفي أمر الرسول وَلَ﴿ فتقولون تارةً: إنَّه مجنون، وأخرى: إنَّه ساحرٌ،
ولا يكونُ الساحر إلا عاقلاً، وفي أمر الحشر فتقولون تارةً: لا حشر ولا حياةً بعد
الموت أصلاً، وتزعمون أخرى أنَّ أصنامَكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة.
إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كُلِّفوا بالإيمان به.
واقتصر بعضُهم على كون القولِ المختلفِ في أمره وَلّى .
والجملةُ جوابُ القسم ولعل النكتةَ في ذلك القسم تشبيهُ أقوالهم في اختلافها
وتنافي أعراضِها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها، أو الإشارةُ إلى
أنَّها ليست مستويةً جيدةً، أو ليست قويةً محكمةً، أو ليس فيها ما يزيِّنُها، بل فيها
ما يَشينُها من التناقض.
﴿يُؤْقَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾﴾ أي: يُصرَف عن الإيمان بما كُلِّفوا الإيمانَ به؛ لدلالة
الكلام السابق عليه، وقال الحسن وقتادة: عن الرسول وَّه. وقال غيرُ واحد: عن
القرآن، والكلامُ السابق مُشعرٌ بكلِّ مَن صُرف الصرف الذي لا صرف(٢) أشدَّ منه
وأعظم؛ ووجْهُ المبالغة من إسناد الفعلِ إلى مَن وُصِفَ به، فلولا غرضُ المبالغة
لكان من توضيح الواضح، فكأنَّه أُثبتَ للمصروف صرفٌ آخرُ حيث قيل: يُصرَفُ
عنه المصروفُ، فجاءت المبالغةُ من المضاعفة، ثم الإطلاقُ في المقام الخطابي له
(١) البحر المحيط ١٣٤/٨
(٢) قوله: صرف، ليس في (م).

سُورَةُ الدَّارِفَات
١٤
الآية : ٩
مدخلٌ في تقوية أمر المضاعفة، وكذلك الإبهام الذي في الموصول، وهو قريبٌ من
قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلَّمِ مَا غَشَِهُمْ﴾ [طه: ٧٨].
وقيل: المرادُ: يُصرَف عنه في الوجود الخارجيِّ مَن صُرِفَ عنه في عِلْمِ الله
تعالی وقضائه سبحانه.
وتُعقِّب بأنَّه ليس فيه كثيرُ فائدةٍ؛ لأنَّ كلَّ ما هو كائنٌ معلومٌ أنَّه ثابتٌ في سابق
علمه تعالى الأزلي، وليس فيه المبالغةُ السابقة.
وأُجيبَ عن الأوَّل بأنَّ فيه الإشارةَ إلى أنَّ الحُجَّةَ البالغةَ لله عزَّ وجل في
صَرْفه، وكَفَى بذلك فائدةً، وهو مبنيٍّ على (١) أنَّ العلم تابعٌ للمعلوم، فافهمه.
وحَكَى الزهراوي أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ لـ ((ما توعدون)) أو لـ ((الدين))،
أقسمَ سبحانه بـ ((الذاريات)) على أنَّ وقوعَ أمر القيامة حقٌّ، ثم أَقسمَ بـ ((السماء)) على
أنَّهم في قول مختلفٍ في وقوعه، فمنهم شاٌ ومنهم جاحدٌ، ثم قال جل وعلا:
(يُؤْفَكُ) عن الإقرار بأمر القيامة مَن هو المأفوك، وذكر ذلك الزمخشريُّ ولم يَعْزُه(٢)،
وادَّعى صاحب ((الكشف)) أنَّه أوجهُ لتلاؤم الكلام.
وقيل: يجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ لـ ((قولٍ مختلف))، و((عن)) للتعليل كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ◌َالِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] وقوله:
يَنْهونَ عن أكلٍ وعن شُرْبٍ
مثلَ المها يَرْتَعْنَ في خصب(٣)
أي: يُصرَف بسبب ذلك القولِ المختلف مَن أراد الإسلام، وقال الزمخشري:
(١) قوله: على، ليس في (م).
(٢) الكشاف ٤/ ١٤ .
(٣) المعاني الكبير ٣٨٢/١، والكشاف ٢٧٣/١ و١٤/٤، وحاشية الشهاب ٩٥/٨، واللسان
(نيه) و(نهى). ورواية البيت في المعاني والكشاف واللسان:
يمشون دُسْماً حول قُبَّته ينهون عن أكل وعن شرب
وجاء في حاشية (م): يصف الشاعر مضيافاً يَصْدُر الأضياف عنه شباعاً يتناهون في السِّمَن
بسبب الأكل والشرب، وقالوا: جمل ناهٍ، إذا كان عريقاً في السمن. اهـ.

الآية : ٩
١٥
سُوَّةُ الدَّارِفَات
حقيقتُهُ: يصدُرُ إفكُهم عن القول المختلف (١). وهذا محتملٌ لبقاء ((عن)) على أصلها
من المجاوزة واعتبارِ التضمين، وفيه ارتكابُ خلافِ الظاهر من غير داعٍ مع ذهاب
تلك المبالغةِ .
وجوَّز ابنُ عطية رجوعَ الضمير إلى القول إلا أنَّه قال: المعنى: يُصرَف عن
ذلك القولِ المختلفِ بتوفيق الله تعالى للإسلام من غَلَبت سعادتُه.
وتعقبه بأنَّ فيه مخالفةً للعرف، فإنَّ عُرْفَ الاستعمال في الإفك الصرفُ من خيرٍ
إلى شرِّ، فلذلك لا تجده إلا في المذمومين(٢).
ثم إنَّ ذلك على كون الخطاب في ((إنَّكم)) للكفار وهو الذي ذهب إليه ابن زيد
وغيره.
واستظهر أبو حيان كونَه عامّاً للمسلم والكافر، واستظهر العمومَ فيما سبق
أيضاً، والقولُ المختلف حينئذٍ قولُ المسلمين بصِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام،
وقولُ الكفار بنقيض ذلك(٣).
وقرأ ابن جبير وقتادة: ((مَن أَفَك)) مبنيّاً للفاعل(٤)، أي: من أَفَك الناسَ عنه،
وهم قریشٌ.
وقرأ زيد بنُ علي: ((يَأْفَكُ عنه مَن أفك))(٥) أي: يَصرِفُ الناس عنه مَن هو أنَّاك
كذّاب.
وقرئ: ((يُؤْفَنُ عنه مَنْ أُفِن)» بالنون فيهما(٦)، أي: يُحرمُه مَن حُرِم، مِن أَفِنَ
الضَّرعَ: إذا أنهكه حلباً .
(١) الكشاف ٤/ ١٤ .
(٢) المحرر الوجيز ١٧٣/٥.
(٣) البحر المحيط ١٣٤/٨ بنحوه.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والكشاف ١٤/٤، والبحر المحيط ١٣٥/٨.
(٥) الكشاف ٤/ ١٥، والبحر ١٣٥/٨.
(٦) الكشاف ١٥/٤، والبحر ١٣٥/٨.

سُورَةُ اللَّاريات
١٦
الآية : ١٠ - ١٢
﴾ أي: الكذَّابون من أصحاب القول المختلف، وأصلُ
﴿قُلَ الْخَرَّصُونَ
الخَرْص الظنُّ والتخمينُ، ثم تُجوِّزَ به عن الكذب؛ لأنَّه في الغالب يكونُ منشأً له،
وقال الراغب: حقيقةُ ذلك أنَّ كلَّ قولٍ مَقولٍ عن ظنٍّ وتخمين يُقال له خرصٌ،
سواء كان مطابقاً للشيء أو مخالفاً له من حيث إنَّ صاحبَه لم يقله عن علم ولا غلبةٍ
ظنٌّ ولا سماعٍ، بل اعتمدَ فيه على الظنِّ والتخمين، كفِعْل خارصِ الثمرةِ في
خَرْصه، وكلُّ مَن قال قولاً على هذا النحو قد يُسمَّى كاذباً، وإنْ كان قوله مطابقاً
للمقول المخبَر به كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ الآية(١) [المنافقون: ١].
انتھی، وفيه بحث.
وحقيقةُ القتل معروفةٌ، والمرادُ بـ ((قُتِلَ)) الدعاءُ عليهم مع قَطْع النظر عن المعنى
الحقيقي. وعن ابن عباس تفسيرُه باللعن؛ قال ابن الأنباري: وإنما كان القتلُ
بمعنى اللعن هنا لأنَّ مَن لعنه الله تعالى بمنزلة المقتول الهالك(٢).
وقرئ: ((قَتَل الخرَّاصين)) أي: قَتَل اللهُ الخرَّاصين(٣) .
﴿الَّذِينَ هُمْ فِ غَرَةِ﴾ في جهلٍ عظيمٍ يغمرُهم ويشملُهم شمولَ الماء الغامر لِمَا فيه
﴿َسَاهُونَ ﴾﴾ غافلون عما أُمِرُوا بَهُ، فالمرادُ بالسَّهو مطلقُ الغفلة.
﴿يَسْتَلُونَ﴾ أي: بطريق الاستعجال استهزاءً ﴿أَيََّنَ يَوْمُ الذِينٍ﴾ معمولٌ لـ ((يسألون))
على أنَّه جارٍ مجرى يقولون لِمَا فيه من معنى القول، أو لقولٍ مقدَّرٍ، أي: فيقولون
متى وقوعُ يوم الجزاء. وقُدِّر الوقوعُ ليكونَ السؤالُ عن الحدث كما هو المعروف
في ((أيان))، ولا ضيرَ في جعل الزمان زمانيّاً، فإنَّ اليومَ لمَّا جُعِل موعوداً ومنتظراً
في نحو قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ﴾ [الدخان: ١٠] صار ملحَقاً
بالزمانيات، وكذلك كلُّ يومٍ له شأنٌ مثل يوم العيد والنيروز، وهذا جارٍ في عُرفَي
العرب والعجم، على أنَّه يجوزُ عند الأشاعرة أنْ يكونَ للزمان زمانٌ على ما فُصِّل
في مكانه.
(١) مفردات الراغب (خرص).
(٢) ينظر الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري ٢٩٣/٢.
(٣) الكشاف ٤/ ١٥ .

١٦
الآية : ١٣
١٧
سُورَةُ الدَّاريات
وقرئ: ((إيان)) بكسر الهمزة(١)، وهي لغة.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾﴾ أي: يُحرَقُون، وأصلُ الفَتْن إذابةُ الجوهر ليظهرَ
غِشُّهُ، ثم استُعمل في الإحراق والتعذيب ونحو ذلك. و((يوم)) نُصِب على الظرفية
المحذوفٍ دلَّ عليه وقوعُ الكلام جواباً للسؤال مضافٍ للجملة الاسمية بعده، أي:
يقعُ يومُ الدين يومَ هم على النار .. إلخ.
وقال الزجَّاج: ظرفٌ لمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ كذلك، أي: هو واقعٌ، أو
كائن يوم ... إلخ(٢).
وجوِّز أنْ يكونَ هو نفسُه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، والفتحةُ فتحةُ بناءٍ لإضافته إلى
غير [مُتَمكِّن](٣)، وهي الجملة الاسمية، فإنَّ الجمل بحَسَب الأصلِ كذلك، على
كلامٍ فيه بين البصريين والكوفيين مُفضَّلٍ في ((شرح التسهيل))، أي: هو يومَ
هم .. إلخ، والضمير قيل: راجعٌ إلى وقت الوقوع، فيكونُ هذا الكلامُ قائماً مقامَ
الجواب على نحو ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٧] في جواب ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ
التَبْعِ﴾(٤) [المؤمنون: ٨٦] لأنَّ تقدير السؤال: في أيِّ وَقْت يقع، وجوابُه الأصلي:
في يوم كذا، وإذا قلت: وقتُ وقوعه يومَ كذا، كان قائماً مقامه.
ويجوزُ أنْ يكونَ الضمير لليوم، والكلامُ جوابٌ بحَسَب المعنى، فالتقدير: يومُ
الجزاء يومَ تعذيبٍ الكفار.
ويُؤيد كونَه مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف قراءةُ ابن أبي عبلة والزعفراني:
(يومُ هم)) بالرفع(٥).
وزعم بعضُ النحاة أنَّ ((يوم)) بدلٌ من ((يومُ الدين)) وفتحتُه على قراءة الجمهور
فتحةُ بناءٍ، و((يوم)) وما في حيِّزه من جملة كلام السائلين، قالوه استهزاءً وحُكِيَ على
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحتسب ٢٨٨/٢.
(٢) معاني القرآن ٥/ ٥٢ بنحوه.
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي ٩٦/٨، والبحر ١٣٥/٨، وحاشية الشهاب ٩٦/٨.
(٤) جاء في الأصل و(م): ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمثبت هو الصواب.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والكشاف ١٥/٤، والبحر المحيط ١٣٥/٨.

سُورَةُ اللَّارَات
١٨
الآية : ١٤ - ١٧
المعنى، ولو حُكي على اللفظ لقيل: يوم نحنُ على النار نُفتَنُ. وهو في غاية البعد
كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿ذُوقُواْ فِئْنَتَكُمُ﴾ بتقدير قولٍ وَقَع حالاً من ضمير ((يُفتَنون))، أي:
مقولاً لهم: ((ذوقوا فتنتكم)) أي: عذابَكم المعدَّ لكم، وقد يُسمَّى ما يحصل عنه
العذاب كالكفر فتنة، وجوِّز أنْ يكونَ منه ما هنا، كأنَّه قيل: ذوقوا كفرَكم، أي:
جزاءَ كفركم، أو بجعل الكفر نفسَ العذاب مجازاً، وهو كما ترى.
﴿َهَذَا الَّذِى كُ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ ﴾﴾ جملةٌ مِن مبتدأ وخبرٍ داخلةٌ تحت القول
المضمَر، أي: هذا العذابُ الذي كنتُم تستعجلون به بطريق الاستهزاء، وجوِّز أنْ
يكونَ ((هذا)) بدلاً مِن ((فتنتكم)) بتأويل العذاب، وفيه بُعْدٌ.
لا يُبلَغُ كُنْهُها ولا يُقادَر قدرُها .
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُونٍ (٣)
﴿وَاخِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَبُهُمّ﴾ أي: قابلين لكلِّ ما أعطاهم عزَّ وجل راضين به، على
معنى: إنَّ كلَّ ما آتاهم حسنٌ مَرْضي يُتَلَقَّى بحُسن القبول، والعمومُ مأخوذٌ من شُيوع
((ما)) وإطلاقِهِ في معرض المدحِ وإظهارٍ منَّهِ تعالى عليهم، واعتبارُ الرضا؛ لأنَّ
الأخذ قبولٌ عن قصد. ونصب ((آخذين)) على الحال من الضمير في الظرف.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدنيا ﴿مُحْيِنِينَ﴾ أي: لأعمالهم الصالحةِ، آتين بها على
ما ينبغي، فلذلك استحقُّوا ما استحقُّوا من الفوز العظيم، وفَسَّر إحسانَهم بقوله
﴾ إلخ على أنَّ الجملةَ في محلِّ رفع بدلٍ من
تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (يَـ
قوله تعالى: (كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ يُحْسِنِينَ) حَصَل بها تفسيرُه، أو أنَّها جملةٌ لا محلَّ لها من
الإعراب مُفسِّرة كسائر الجمل التفسيرية.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ها أنَّه
قال في الآية: (مَلِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَتُهُمَّ) مِن الفرائض (إِنَهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ يُحْسِنِينَ) أي:
كانوا قبل تَنَزُّل الفرائض يعملون(١). ولا أظنُّ صحةً نسبته لذلك الحِبر، ولا يكادُ
(١) تفسير الطبري ٥٠١/٢١، وعزاه للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر
المنثور ٦/ ١١٢.

الآية : ١٧
١٩
سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
تجعلُ جملة ((كانوا)) إلخ عليه تفسيراً إذا صحَّ ما نُقل عنه في تفسيرها، وسيأتي إنْ
شاء الله تعالى.
والهجوع النومُ، وقيده الراغب بقوله: ليلاً(١). وغيرُه بالقليل.
و((ما)) إما مزيدة فـ ((قليلاً)) معمولُ الفعل صفة لمصدرٍ محذوفٍ، أي: هجوعاً
قليلاً، و((مِن الليل)) صفة، أو لغوٌ متعلِّقٌ بـ ((يهجعون)) و((مِن)) للابتداء، وجملةُ
((یهجعون)) خبر ((كان)).
أو ((قليلاً)) صفةٌ لظرف محذوفٍ، أي: زماناً قليلاً، و((مِن الليل)) صفة على
نحو: قليلٌ من المال عندي.
وإما موصولةٌ عائدُها محذوفٌ، فهي فاعلُ ((قليلاً)) وهو خبرُ ((كان))، و((مِن
الليل)) حالٌ من(٢) الموصول مقدَّم، كأنَّه قيل: كانوا قد قلَّ المقدارُ الذي يهجعون
فيه كائناً ذلك المقدار من الليل.
وإما مصدرية، فالمصدرُ فاعلُ ((قليلاً)) وهو خبرُ ((كان)) أيضاً، و((مِن الليل)) بيان
لا متعلّقٌ بما بعده؛ لأنَّ معمولَ المصدر لا يتقدَّم، أو حال من المصدر، و((مِن))
للابتداء، كذا في ((الكشف)) فَهْماً من ((الكشاف))(٣).
وذهب بعضُهم إلى أنَّ (مِن)) على زيادة ((ما)) بمعنى ((في)) كما في قوله تعالى:
﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
واعترض ابنُ المنيِّر احتمالَ مصدريتها بأنَّه لا يجوزُ في ((مِن الليل» کونُه صفةً،
أو بياناً للقليل، لأنَّه فيه واقعٌ على الهجوع، ولا صلةَ المصدر لتقدُّمه(٤).
وأُجيبَ بأنَّه بيانٌ للزمان المبهم؛ وحكى الطيبي أنَّه إما منصوبٌ على التبيين أو
متعلّقٌ بفعلٍ يُفسِّره ((يهجعون))، وجوّز أنْ يكونَ ((ما يهجعون)) على ذلك الاحتمال
(١) مفردات الراغب (هجع).
(٢) في الأصل: عن، والمثبت من (م).
(٣) ينظر الكشاف ١٥/٤-١٦.
(٤) الانتصاف ٤/ ١٥.

سُورَةُ الدَّارَات
٢٠
الآية : ١٧
بدلاً من اسم ((كان)) فكأنَّه قيل: كان هجوعُهم قليلاً. وهو بعيدٌ.
وجوِّز في ((ما)) أنْ تكونَ نافيةً، و((قليلاً)) منصوبٌ بـ ((يهجعون)) والمعنى: كانوا
لا يهجعون مِن الليل قليلاً ويُحيُونه كلَّه، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نصر عن
مجاهد(١)، وردّه الزمخشريُّ(٢) بأن ((ما)) النافية لا يعملُ ما بعدها فيما قبلها؛ لأنَّ
لها صدْرَ الكلام، وليس فيها التصرُّف الذي في أخواتها كـ: ((لا))، فإنَّها قد تكون
كجزءٍ مما دخَلَت عليه نحو: عُوتب بلا مُجُرْمٍ، و((لم)) و((لن)) لاختصاصهما (٣) بالفعل
کالجزء منه.
وأنت تعلم أنَّ منْعَ العمل هو مذهبُ البصريين، وفي ((شرح الهادي)): أنَّ بعضَ
النحاة أجازَه مطلقاً، وبعضُهم أجازه في الظرف خاصَّةً للتوسع فيه، واستدلَّ عليه
بقوله :
ونحن عن فَضْلك ما استَغْنَينا (٤)
نعم يَرِدُ على ذلك أنَّ فيه - كما في ((الانتصاف)) - خللاً من حيث المعنى،
فإنَّ طَلَبَ قيام الليل غيرَ مستثنّى منه جزءٌ للهجوع وإنْ قلَّ غيرُ ثابتٍ في الشرع
ولا معهود(٥) .
اللهم إلا أنْ يُدَّعَى أنَّ مَن ذهب إلى ذلك يقول بأنَّه كان ثابتاً في الشرع؛ فقد
أخرج ابن أبي شيبة وابنُ المنذر عن عطاء أنَّه قال في الآية: كان ذلك إذا أُمِرُوا
بقيام الليل كلِّه، فكان أبو ذرٍّ يعتمدُ على العصا فمكثوا شهرَين ثم نزلت الرُّخصة
﴿ فَأَقْرَهُوأَ مَا تَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] (٦) .
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٥٦٨/١٣، وعزاه لأبي نصر في الصلاة السيوطي في الدر المنثور
٦/ ١١٣.
(٢) في الكشاف ٤/ ١٦ .
(٣) في الأصل: لاختصاصها، والمثبت من (م).
(٤) قطعة من رجز لعامر بن الأكوع ضمن حديث أخرجه أحمد (١٦٥٣٨)، ومسلم (١٨٠٧) عن
سلمة بن الأكوع څ.
(٥) الانتصاف ١٥/٤-١٦.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢٣٨/٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١١٣/٦.