Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٢٣ - ٢٤
٤٤١
﴿وَقَالَ فَرِيُهُ﴾ أي: شيطانُه المُقَيَّض له في الدنيا كما قال مجاهد، وفي
الحديث: ((ما مِنْ أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قريُهُ من الجِنِّ» قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟
قال: ((ولا أنا، إلا أنَّ اللهَ تعالى أَعانني عليه فأَسلم، فلا يأمرني إلا بخير))(١).
﴿هَذَا مَا لَدَىَّ عَنْدُ ﴾ إشارةٌ إلى الشخص الكافرِ نَفْسه، أي: هذا ما عندي
وفي مَلَكتي عتيدٌ لجهنم قد هيَّأته لها بإغوائي وإضلالي، ولا يُنافي هذا ما حكاه
سبحانه عن القَرين في قوله تعالى الآتي: (قَالَ قِنُ رَبَّا مَآ أَلْغَيْتُهُ) لأنَّ هذا نظيرُ قول
الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] وقوله: ﴿وَوَعَدَُّّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
وذاك نظيرُ قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقال قتادة وابن زيد: ((قرينُه)): المَلَكُ الموثَّل بسوقهِ، يقول مُشيراً إليه: هذا
ما لديَّ حاضرٌ. وقال الحسن: هو كاتبُ سيئاته يقولُ مشيراً إلى ما في صحيفته:
أي: هذا مكتوبٌ عندي عتيدٌ مهيَّأْ للعَرْضِ. وقيل: ((قرينُه)) هنا عَمَلُه قلباً وجوارحَ،
وليس بشيء، و ((ما) نكرةٌ موصوفةٌ بالظرف وبـ ((عتيد))، أو موصولة والظرف صِلَتُها،
و((عتيد)) خبر بعدَ خبر لاسم الإشارة، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، وجُوِّز أنْ يكونَ بدلاً
من ((ما)) بناءً على أنه يجوزُ إبدالُ النكرة من المعرفة وإن لم تُوصف إذا حصلت
الفائدةُ بإبدالها، وأما تقديرُه بشيء عتيد على أنَّ البدلَ هو الموصوفُ المحذوف
الذي قامت صفتُه مقامَه، أو أنَّ ((ما)) الموصولة لإبهامِها أَشبهت النَّكرة فجاز إبدالُها
منها، فقيل عليه: إنه ضعيفٌ؛ لِمَا يلزم الأول من حَذْف البدل وقد أباه النُّحاة،
والثاني لا يقولُ به من يشترط النعت، فهو صلحٌ من غير تراضي الخَصْمين. وقرأ
عبد الله: ((عتيداً)) بالنصب على الحال(٢).
﴿أَلْفِيَا فِ جَهََّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ خطابٌ من الله تعالى للسائق والشهيدِ بناءً على أنهما
اثنان - لا واحدٌ جامع للوصفين - أو للمَلَكين من خَزَنة النار، أو لواحد على أنَّ
الألف بدلٌ من نون التوكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف، وأُيِّد بقراءة الحسن:
(ألقين)) بنون التوكيد الخفيفة، وقيل: إنَّ العرب كثيراً ما يرافق الرجلُ منهم اثنين،
(١) أخرجه أحمد (٣٦٤٨)، ومسلم (٢٨١٤) من حديث ابن مسعود
(٢) البحر المحيط ١٢٦/٨.

٤٤٢
الآية : ٢٥
فكَثُر على ألسنتهم أنْ يقولوا: خليليَّ، وصاحبيَّ، وقِفا، واسعدا، حتى خاطبوا
الواحدَ خطابَ الاثنين، وما في الآية محمولٌ على ذلك، كما حُكي عن الفراء(١)،
أو على تنزيل تثنيةِ الفاعل منزلةَ تثنية الفعل بأن يكونَ أصلُه: أَلْقِ أَلْقِ، ثم حُذف
الفعلُ الثاني وأبقي ضميره مع الفعل الأول، فَتُنِّي الضمير للدلالة على ما ذكر
كما في قوله:
فإنْ تَزْجُراني يا ابنَ عمَّان أَنْزِجِرْ
وإنْ تَدَعاني أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعاً (٢)
وحُكي ذلك عن المازني والمبرِّد، ولا يخفى بُعْدُه، وَلْيُنظَرْ هل هو حقيقةٌ أو
مجازٌ؟ والأظهرُ أنه خطابٌ لاثنين، وهو المروي عن مجاهد وجماعة. وأيَّاما كان
فالكلامُ على تقدير القول كما مرَّ.
والإلقاءُ: طرحُ الشيء حيث تَلْقاه، أي: تراه، ثم صار في التعارف اسماً لكلِّ
طرح، أي: إِطْرحا في جهنّم كلَّ مبالغ في الكُفر للمنعِم والنعمة.
﴿َعِدٍ ®﴾ مبالغ في العِناد وتركِ الانقيادِ للحقِّ، وقريبٌ منه قول الحسن:
جاحد مُتمرِّد، وقال قتادة: أي: مُنحرف عن الطاعة، يقال: عَنَدَ عن الطريق: عَدَلَ
عنه، وقال السدي: المُشاقُّ، من العَنَد، وهو عظمٌ يَعرِضُ في الحَلْق. وقال ابن
بحر: المُعجَبُ بما عندَه.
﴿َتَّجْ لِلْخَيْرِ﴾ مبالغٍ في المنع للمال عن حُقوقه المفروضة، قال قتادة ومجاهد
وعكرمة: يعني الزكاة. وقيل: المرادُ بالخير الإسلام، فإنَّ الآية نزلت في الوليد بن
المغيرة كان يقول لبني أخيه: مَنْ دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بشيء
ما عِشْتُ(٣). والمبالغة باعتبار گَثْرة بني أخيه، أو باعتبار تكرُّر منعهِ لهم.
وضُعِّفَ بأنه لو كان المرادُ ذلك كان مقتضى الظاهرِ: مَنَّاعِ عن الخير. وفي
((البحر))(٤): الأحسنُ عمومُ الخير في المال وغيره.
(١) معاني القرآن ٧٨/٣.
(٢) البيت في معاني القرآن للفراء ٧٨/٣ ونسبه لأبي ثروان، وتفسير القرطبي ٤٤٨/١٩.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٨/٤.
(٤) البحر المحيط ١٢٦/٨.

الآية : ٢٦ - ٢٧
٤٤٣
سولاڤٹ
﴾ شاد في الله تعالی ودینه،
٢٢٥
﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالمِ متخطّ للحقِّ مُتجاوزٍ له ﴿قُرِبٍ
وقيل: في البعث.
﴿الَّذِى جَعَلَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ مبتدأ متضمِّن لمعنى الشرط، خبره: ﴿فَأَلْقِيَاءُ فِى
اٌلْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾﴾ بتأويل: فيقال في حَقِّه: ألقياه، أو لكونه في معنى جوابٍ
الشرط لا يحتاج للتأويل.
أو بدلٌ من ((كلّ كَفَّار))، أو من «كفَّار))، وقوله تعالى: («فأَلقياه)» تکریر للتوکید،
فهو نظير: (فَلَا تَحْسَبَّهُم) بعدَ قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]،
والفاء هاهنا للإشعار بأنَّ الإلقاءَ للصِّفات المذكورة، أو من باب: وحقٌّك ثم
حقّك، ينزَّل التغاير بين المُؤكِّد والمُؤَكَّد والمُفَسِّر والمُفَسَّر منزلة التغاير بين الذاتين
بوجه خطابيّ، ولا يُدَّعَى التغايرُ الحقيقيّ، لأنَّ التأكيدَ يأباه، وقول أهل المعاني:
إنَّ بين المؤكِّد والمؤَّد شدةَ اتِّصال تمنع من العطف، ليس على إطلاقه بسديد،
والنَّحويون على خِلافه، فقد قال ابن مالك في ((التسهيل)) (١): فصلُ الجملتين في
التأكيد بـ ((ثمَّ)) إنْ أمن اللَّبس أجودُ من وَصْلهما. وذكر بعضُ النُّحاة الفاء،
والزمخشري في ((الجاثية)) الواو أيضاً، وجعلوا ذلك من التأكيد الاصطلاحي ولو
جُعل ((العذاب الشديد)) نوعاً من عذاب جهنم ومن أَهوله فكان من باب
﴿وَمَلَكَنِهِ، وَرُسُلِهِ، وَچِتِیلَ﴾ [البقرة:٩٨] دون تکریر لكان ــ كما قال صاحب
((الكشف)) - حسناً.
وجُوِّز أن يكون مفعولاً بمضمر يُفسِّره ((فألقياه)). وقال ابن عطية (٢): أن يكون
صفةَ (كفَّار)، وجاز وَصْفُه بالمعرفة لتخصُّصه بالأوصاف المذكورة. وتعقّبه
أبو حيان(٣) بأنه لا يجوز وصفُ النكرة بالمعرفة ولو وُصِفَتْ بأوصاف كثيرة.
﴿قَالَ فَّهُ﴾ أي: الشيطان المُقيَّض له، وإنَّما استؤنفت هذه الجملةُ استئنافَ
الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنها جوابٌ لمحذوف دلَّ عليه قوله تعالى:
(١) ص ١٦٦.
(٢) المحرر الوجيز ١٦٤/٥.
(٣) البحر المحيط ١٢٦/٨.

٤٤٤
الآية : ٢٨ - ٢٩
مَّ أَلْغَيْتُهُ﴾ فإنه مبنيٌّ على سابقةِ كلام اعتذرَ به الكافرُ، كأنه قال: هو أَطغاني،
فَأَجاب قرينُه بتكذيبه وإسناد الطُّغيان إليه، بخلاف الجملةِ الأولى فإنها واجبةٌ
العطف على ما قبلَها دلالة على الجمع بين مفهوميها في الحصول، أعني مَجيء كلِّ
نفس مع المَلَكين، وقول قرينه: ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ هو بالذات ﴿فِي ضَلَلٍِ بَعِيدٍ
ـَ﴾ من
الحقِّ فأعنتُه عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قَسْر ولا إلجاء، فهو كما قدَّمنا
نظير: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ إلخ [إبراهيم: ٢٢].
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ مما قَبله، كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى؟
فقيل: قال عز وجل: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ﴾ أي: في موقف الحسابِ والجَزاء، إذْ لا فائدةَ
في ذلك ﴿وَقَّدٌ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِلْوَعِدِ ﴾ على الطغيان في دار الكسب في كُتبي وعلى
ألسنة رُسلي، فلا تَظْمعوا في الخلاص عنه بما أنتم فيه من التعلَّل بالمعاذير الباطلة.
والجملةُ حالٌ فيها تعليلٌ للنهي، ويلاحظ معنى العلم لتحصل المقارنة التي تقتضيها
الحاليّة، أي: لا تختصموا لديَّ عالمين أنِّي قدَّمت إلیکم بالوعید حیث قلت لإبليس:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٨٥] فاتبعتموه مُعرضين عن الحقّ. والباء
مَزيدةٌ أو معدّية على أن قدَّم بمعنى تقدَّم، وهو لازمٌ يعدَّى بالباء.
وجوِّز أن يكون ((قدَّمت)) واقعاً على قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ إلخ،
ويكون ((بالوعيد)) متعلِّقاً بمحذوف هو حالٌ من المفعول قدّم عليه أو الفاعل، أي:
وقد قدَّمت إليكم هذا القول ملتبساً بالوعيد مُقترناً به، أو قدَّمته إليكم موعداً لكم،
فلا تطمعوا أن أبدِّل وعيدي، والأظهرُ استئنافُ هذه الجملة.
وفي (لدي)) على ما قال الإمام(١) وجهان:
الأول: أن يكونَ متعلِّقاً بالقول، أي: ما يبذَّلُ القولُ الذي عندي.
الثاني: أن يكونَ متعلِّقاً بالفعل قبلُ، أي: لا يقع التبديلُ عندي.
قال: وعلى الأول في القول الذي لديه تعالى وجوه: أحدُها: قوله تعالى:
(ألقيا)) أرادوا باعتذارهم أن يبدَّلَ ويقول سبحانه: لا تلقيا، فردَّ عليهم. ثانيها: قولُه
(١) تفسير الرازي ١٦٩/٢٨.

الآية : ٣٠
٤٤٥
سوڕۆڤٹ
سبحانه لإبليس: ((لأملأن)) إلخ. ثالثها: الإيعادُ مطلقاً. رابعها: القولُ السابق يومَ
خلق العباد: هذا سعيدٌ وهذا شقيٍّ.
وعلى الثاني: في معنى الآيةِ وجوهٌ أيضاً: أحدها: لا يُكذَب لديَّ، فإِنِّي
عالمٌ عَلِمْتُ مَن طَغَى ومن أَطغى، فلا يُفيد قولُكم: أطغاني شيطاني، وقول
الشيطان: ((ربَّنا ما أطغيته)). ثانيها: لو أردتم أن لا أقول: ((فألقياه)) كنتم أَبدلتم
الكفر بالإيمان قبلَ أن تقفوا بين يديَّ، وأما الآن فما يبدَّلُ القولُ لديَّ. ثالثها:
لا يبدَّل القولُ الكفر بالإيمان لديَّ، فإنَّ الإيمان عند اليأس غيرُ مقبول، فقولُكم:
ربَّنا وإلهنا، لا يُفيدكم، فمن تكلَّم بكلمة الكفر لا يُفيده قوله: ربَّنا ما أشركنا،
وقوله: ربَّنا آمنا .
والمشهورُ أنَّ ((لديَّ)) متعلِّقٌ بالفعل على أنَّ المرادَ بالقول ما يشمل الوعدَ
والوعيد. واستدلَّ به بعضُ من قال بعدم جواز تخلُّفهما مطلقاً. وأَجاب مَن قال
بجوازِ العفو عن بعض المُذنبين بأنَّ ذلك العفو ليس بتبديل، فإنَّ دلائلَ العفو تدلُّ
على تخصيص الوعيد.
وقال بعض المحقّقين: المرادُ نفي أن يُوقِعَ أحد التبديل لديه تعالى، أي: في
عِلْمه سبحانه، أو يُبدَّل القولُ الذي عَلِمَه عز وجل، فإنَّ ما عنده تبارك وتعالى هو
ما في نفس الأمر، وهو لا يقبل التبديل أصلاً، وأكثرُ الوعيدات معلَّقةٌ بشرط
المشيئة على ما يقتضيه الكرم وإن لم يُذكر على ما يقتضيه الترهيب، فمتى حصل
العفوُ لعدمٍ مشيئةِ التعذيب لم يكن هناك تبديلٌ مّا في نفس الأمر، فتدبَّره فإنَّه
دقیق .
﴿وَمَآ أَنَّأْ بِظَلَِّ لِمِيدِ ﴾﴾ واردٌ لتحقيق الحقِّ على أبلغ وجه، وفيه إشارةٌ إلى
أن تعذيبَ مَن يعذّب من العبيد إنما هو عن استحقاق في نفس الأمر، وقد تقدَّم
تمامُ الكلام في هذه الجملة، فتذكَّر.
﴿یَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَأْتِ رَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َزِيدٍ ﴾﴾ أي: اذكر، أو: أَنْذر يومَ .. إلخ،
فـ(يوم)) مفعول به لمقدَّر، وقيل: هو ظرفٌ لـ ((ظلَّام)).

٤٤٦
الآية : ٣٠
وقال الزمخشري(١): يجوز أن ينتصب بـ ((نُفِخَ))، كأنه قيل: ونُفِخَ في الصور
يومَ، وعليه يُشار بـ ((ذلك)) إلى ((يوم نقول)) لأنَّ الإشارةَ إلى ما بعدُ جائزةٌ لاسيما إذا
كانت رُتبته التقديم، فكأنه قيل: ذلك اليوم، أي: يوم القول يوم الوعيد، ولا يحتاج
إلى حذف، على ما مرَّ في الوجه الذي أُشير به إلى النفخ.
وهذا الوجه كما قال في ((الكشف)»: فيه بُعد؛ لِبُعده عن العامل وتخلُّل
ما لا يصلح اعتراضاً، على أنَّ زمانَ النفخ ليس يومَ القول إلا على سبيل فَرْضه
ممتدّاً واقعاً ذلك في جُزء منه وهذا في جزء، وكلٌّ خلافُ الظاهر، فكيف إذا
اجتمعت؟
وقال أبو حيان(٢): هو بعيدٌ جدّاً قد فُصِلَ عليه بين العامل والمعمول بجمل
كثيرة، فلا يُناسب فصاحةً القرآن الكريم وبلاغته.
والظاهرُ إبقاء السؤال والجواب على حقيقتهما، وكذا في نظير ذلك من اشتكاء
النار والإذنِ لها بنَفَسين، وتحاجِّ النار والجنة، ونحن متعبَّدون باعتقادِ الظاهر ما لم
يمنع مانعٌ، ولا مانعَ هاهنا، فإنَّ القُدرة صالحة والعقل مُجَوِّز، والظواهر قاضيةٌ
بوقوع ما جوَّزه العقل، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تُقاس على أمور الدنيا .
وقال الرُّمَّاني: الكلامُ على حذف مضاف، أي: نقول لخزنة جهنم. وليس بشيء.
وقال غير واحد: هو من باب التمثيل، والمعنى أنها مع اتِّساعها وتَباعد
أقطارِها نطرح فيها من الجِنَّة والناس فوجاً بعد فوج حتى تمتلئ ولا تقبل الزيادة،
فالاستفهام للإنكار، أي: لا مَزيد على امتلائها. ورُوي هذا عن ابن عباس
ومجاهد والحسن. وُجُوِّز في نفي الزيادة أن يكونَ على ظاهرِهِ، وأن يكونَ كنايةً أو
مجازاً عن الاستكثار، وقيل: المعنى: إنها من السَّعة بحيث يدخلها من يدخلها
وفيها فراٌ وخُلُوٌ، فالاستفهامُ للتقرير، أي: فيها موضعٌ للمزيد لِسَعتها، وجُوِّز أن
يكونَ ذلك كنايةً عن شدَّة غَيْظها على العُصاة كأنها طالبةٌ لزيادتهم.
(١) الكشاف ٩/٤.
(٢) البحر المحيط ١٢٧/٨.

الآية : ٣٠
٤٤٧
واستُشكل دعوى أنَّ فيها فراغاً بأنه منافٍ لصريح قوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمْ)
الآية(١). وأُجيب بأنه لا مُنافاةً؛ لأنَّ الامتلاءَ قد يُرادُ به أنه لا يخلو طبقةٌ منها عمَّن
يَسكنها وإنْ كان فيها فراٌ كثيرٌ، كما يقال: إنَّ البلدةَ ممتلئةٌ بأهلها ليس فيها دارٌ
خالية مع ما بينها من الأبنية والأفضية، أو أن ذلك باعتبار حالين، فالفراغُ في أول
الدخول فيها، ثم يُساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلئ.
هذا، ويدلُّ غيرُ ما حديث أنها تَطْلبُ الزيادةَ حقيقةً إلا أنه لا يُدرى حقيقةٌ
ما يوضع فيها حتى تَمتلئ، إذ الأحاديثُ في ذلك من المتشابهات التي لا يراد بها
ظواهرُها عند الأكثرين؛ أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم
عن أنس قال: قال رسولُ الله وَله: ((لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مَزيد،
حتى يضع ربُّ العِزَّة فيها قَدَمَهُ، فينزوي بعضُها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزَّتِكَ
وكَرمِكَ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر فيُسكنهم في فضول
الجنة))(٢).
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((تحاجَّتِ
الجنةُ والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرين والمُتجبِّرين، وقالت الجنة: ما لي
لا يدخلني إلا ضُعفاءُ الناس وسَقَطهم؟ فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أَرحمُ
بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أُعذِّبُ بك من أشاء من
عبادي، ولكلٍّ واحدةٍ منكما مِلؤُها، فأما النارُ فلا تمتلئ حتى يضعَ رجْلَه فتقول:
قط قط، فهناك تمتلئ ويُزْوَى بعضُها إلى بعض، ولا يظلم اللهُ من خَلْقه أحداً، وأما
الجنَّة، فإنَّ الله تعالى يُنشئ لها خلقاً))(٣). وأوَّلَ أهلُ التأويل ذلك:
فقال النضر بن شُميل: إنَّ القَدَم الكُفَّار الذين سبق في عِلْمِه تعالى دخولُهم
النار، والقَدَمُ تكون بمعنى المتقدِّم كقوله تعالى: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]. وظاهرُ
(١) الأعراف (١٨)، وهود (١١٩)، والسجدة (١٣)، وص (٨٥).
(٢) الدر المنثور ٦/ ١٠٧، ومسند أحمد (١٢٣٨٠)، وصحيح البخاري (٧٣٨٤)، وصحيح
مسلم (٢٨٤٨)، وسنن الترمذي (٣٢٧٢)، وسنن النسائي ٣٢/٢.
(٣) الدر المنثور ١٠٧/٦، وصحيح البخاري (٧٤٤٩)، وصحيح مسلم (٢٨٤٦)، وأخرجه أيضاً
أحمد (٧٧١٨).

٤٤٨
الآية : ٣٠
الحديث عليه يستدعي دخولَ غيرِ الكُفَّار قبلهم، وهو في غايةِ البُعد؛ ولعلَّ في
الأخبار ما يُنافيه.
وقال ابن الأثير(١): قَدَمُه، أي: الذين قَدَّمهم لها من شِرار خَلْقه فهم قَدَمُ الله
تعالى للنارِ، كما أنَّ المسلمين قَدَمُه للجنة، والقَدَمُ كلُّ ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٌّ.
وهو كما ترى، ويُبعده ما في حديث أحمد وعبد بن حُميد وابن مردويه عن
أبي سعيد مرفوعاً: ((فَيُلقي فيها - أي: النار - أهلها فتقول: هل من مَزيد، ويُلقي
فيها وتقول: هل من مَزيد، حتى يأتيها عز وجل فيضع قَدَمَه عليها فتنزوي وتقول:
قَدْني قَدْني))(٢).
وأوَّلوا الرِّجل بالجماعة، ومنه ما جاء في أيوب عليه السلام أنه كان يغتسلُ
عُرياناً فخرَّ عليه رِجْلٌ من جراد (٣)، والإضافة إلى ضميرِه تعالى تُبعد ذلك.
وقيل: وَضْعُ القَّدَم أو الرِّجل على الشيء مَثَلُ للرَّدع والقَمْع، فكأنه قيل: يأتيها
أمرُ الله تعالى فيكفُّها من طلب المَزيد.
وقريبٌ منه ما ذهب إليه بعضُ الصوفية: أنَّ القَدَمَ يُكنى بها عن صفة الجلال،
كما يُكنى بها عن صفة الجمال.
وقيل: أُريد بذلك تسكين فَوْرتها، كما يقال للأمر تريد إبطاله: وضعتُه تحت
قَدَمي، أو: تحت رجلي. وهذان القولان أَولى مما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
والمزيدُ إما مصدرٌ ميميٍّ كالمَحيد، أو اسمُ مفعول أعلَّ إعلالَ المبيع.
وقرأ الأعرج وشيبة ونافع وأبو بكر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعمش:
(يوم يقول) بياء الغيبة، وقرأ عبد الله والحسن والأعمش أيضاً: ((يقال)) مبنيّاً
للمفعول (٤).
(١) النهاية (قدم).
(٢) الدر المنثور ١٠٧/٦، ومسند أحمد (١١٧٤٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٩١) من حديث أبي هريرة
ـه .
(٤) البحر المحيط ١٢٧/٨، وقراءة نافع وأبي بكر في التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢،
وقراءة أبي جعفر غير المشهورة عنه.

٤٤٩
الآية : ٣١ - ٣٢
﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ أخذ في بيان حال المؤمنين بعدَ بيان حال الكافرين؛
وهو عطفٌ على ((نُفِخَ)) أي: قُرِّبَتْ للمتقين عن الكُفر والمعاصي ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ
أي: في مكانٍ غيرٍ بعيد بمرأى منهم بين يديهم، وفيه مبالغةٌ ليست في التخلية عن
الظرف، فـ ((غير بعيد)) صفةٌ لظرف مُتعلِّق بـ ((أُزلفت)) حذف فقام مقامه وانتصب
انتصابه، ولذلك لم يقل: غيرَ بعيدة. وجُوِّز أن يكونَ منصوباً على المصدرية،
والأصلُ: وأُزلفت إزلافاً غيرَ بعيد، قال الإمام(١): أي: عن قُدرتنا. وأن يكون
حالاً من ((الجنة)) قُصِدَ به التوكيدُ، كما تقول: عزيزٌ غيرُ ذليل، لأن العِزَّة تُنافي
الذُّلّ، ونفيُ مضادِّ الشيء تأكيدُ إثباته، وفيه دَفْعُ توقُّمِ أنَّ ثَمَّ تجوّزاً أو شوباً من
الضدِّ، ولم يقل: غير بعيدة، عليه، قيل: لتأويل الجنة بالبستان. وقيل: لأنَّ البعيدَ
على زِنَةِ المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المؤنَّث والمذَّر كالزئير والصَّليل،
فَعُومِلَ مُعامَلته وُجري مُجراه، وقيل: لأنَّ فعيلاً بمعنی فاعل قد يجري مجرى فعيل
بمعنى مفعول فيستوي فيه الأمران.
وللإِمام في تقريبِ الجَنَّة أوجه؛ منها طيُّ المسافةِ التي بينها وبين المُثَّقين مع
بقاءِ كلِّ في مكانهِ وعدم انتقاله عنه، ولكرامةِ المُتقين قيل: ((أُزلفت الجَنَّةُ للمتقين))
دون: وأُزْلِفَ المُثَّقون لَلجنة. ومنها أنَّ المرادَ تقريبُ حُصولها والدخولُ فيها دون
التقريب المكاني، وفيه ما فيه. ومنها أنَّ التقريبَ على ظاهرِهِ، والله عز وجل قادرٌ
على نَقْل الجنة من السماء إلى الأرض، أي: إلى جهة السُّفل، أو الأرض المعروفة
بعدَ مَدِّها.
وقولُ بعض: إنَّ المرادَ إظهارُها قريبةً منها على نحو إظهارِها للنبيِّ وَّ في
عرضٍ حائطٍ مسجدِه الشريف - على ما فيه - منزعٌ صوفيٍّ.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى الجنة، والتذكيرُ لما أنَّ المشارَ إليه هو المُسمَّى من
غيرٍ قَصْدِ لفظٍ يدلُّ عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه، فإنهما من أحكام اللفظ العربي
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِعَةٌ قَالَ هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٨] وقولِه
سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].
(١) تفسير الرازي ١٧٦/٢٨.

سُورَةُ ڤٹ
٤٥٠
الآية : ٣٢
ويجوز أن يكونَ ذلك لتذكيرِ الخبر، وقيل: هو إشارةٌ إلى الثواب. وقيل: إلى
مصدر ((أُزلفت)) والجملةُ بتقدير قولٍ وقع حالاً من المُثَّقين أو من الجَنَّة، والعامل
أُزلفَتْ، أي: مقولاً لهم أو مقولاً في حقّها: ((هذا ما تُوعدون))، أو اعتراض بين
المُبدل منه أعني (للمتقين)) والبدل أعني الجارّ والمجرور، وفيه بُعْدٌ.
وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يُوعدون)) بياء الغيبة(١)، والجملةُ على هذه القراءة
قيل: اعتراضٌ أو حال من ((الجَنَّة)). وقال أبو حيان(٢): هي اعتراضٌ، والمرادُ:
هذا القول هو الذي وقع الوعدُ به، وهو كما ترى.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَقَابٍ﴾ - أي: رجَّاع إلى الله تعالى - بدلٌ من ((المُتَّقين)) بإعادة
الجارِّ، أَوْ من ((للمتقين)) على أن يكونَ الجارُّ والمجرور بدلاً من الجارِّ والمجرور.
﴿حَفِيظٍ ﴾﴾ حَفِظَ ذنوبه حتى رَجَعَ عنها كما رُوي عن ابن عباس وسعيد بن
سنان، وقريبٌ منه ما أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن
يونس بن خبّاب قال: قال لي مجاهد: أَلا أُنبئك بالأوَّاب الحفيظ؟ هو الرجلُ يذكُر
ذَنْبه إذا خلا فيستغفر اللهَ تعالى منه(٣).
وأخرج عبد بن حُميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: أَي: حفيظ
لِمَا استودعه الله تعالى من حَقِّه ونعمته(٤).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عُبيد بن عُمير: كنَّا نَعُدُّ الأوَّابَ الحفيظَ
الذي يكون في المجلس، فإذا أراد أن يقومَ قال: اللهم اغْفِرْ لي ما أصبتُ في
مجلسي هذا(٥).
(١) التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢ عن ابن كثير، وذكرها عن أبي عمرو أبو حيان في البحر
٨/ ١٢٧.
(٢) البحر المحيط ١٢٧/٨.
(٣) الدر المنثور ٦/ ١٠٧، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٣٢/٧، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٥١/٢١ .
(٤) الدر المنثور ١٠٨/٦، وتفسير الطبري ٤٥٢/٢١ .
(٥) الدر المنثور ١٠٧/٦-١٠٨، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤٢.

الآية : ٣٣ - ٣٤
٤٥١
وقيل: هو الحافظُ لتوبته من النقض، ولا يُنافيه صيغةُ (أَوَّاب)) كما لا يخفى.
﴾ بدلٌ من ((كلّ))
٣٣
وقوله تعالى شأنه: ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَ بِقَلْبٍ مُنِیپٍ
المُبدل من المتقين، أو بدلٌ ثانٍ من ((المُثَّقين)) بناءً على جوازٍ تعدُّد البدلِ والمُبدَلُ
منه واحدٌ، وقول أبي حيان(١): تكرُّر البدل والمُبدَل منه واحد لا يجوز في غيرِ بدل
البَداء، وسرّه أنَّه في نية الطَّرح فلا يُبدل منه مرَّةً أُخرى = غيرُ مسلم، وقد جوَّزه ابنُ
الحاجب في ((أماليه))، ونقله الدَّماميني في أول شرحه للخزرجية وأطال فيه، وكون
المُبدل منه في نيَّة الطرح ليس على ظاهره.
أو بدلٌ من موصوف ((أوَّاب)) أي: لكلِّ شخص أوَّاب، بناءً على جوازٍ حَذْفٍ
المُبدل منه، وقد جوَّزه ابنُ هشام في ((المغني))(٢)، لاسيَّما وقد قامت صفتُه مقامَه
حتى كأنه لم يحذف. ولم يُبدل من ((أواب)) نَفْسه، لأنَّ أواباً صفةٌ لمحذوف
كما سمعتَ، فلو أُبدل منه كان للبدل حُكْمَه، فيكون صفةً مِثْلَه، و ((من)) اسم
موصولٌ، والأسماءُ الموصولةُ لا يقع منها صفة إلا الذي على الأصحّ، وجَوّز بعضٌ
الوصفَ بـ ((مَن)) أيضاً لكنه قولٌ ضعيفٌ.
أو مبتدأ خبره ﴿أَدخُلُوهَا﴾ بتأويل: يقال لهم: ادخلوها، لمكان الإنشائية،
والجمع باعتبارِ معنى ((مَنْ)).
وقوله تعالى: ((بالغيب)) متعلِّق بمحذوف هو حالٌ من فاعل ((خَشِيَ)) أو من
مفعوله، أو صفةٌ لمصدره، أي: خشيةً مُلتبسةً بالغيب حيث خَشِيَ عقابه سبحانه.
وهو غائبٌ عنه أو هو غائبٌ عن الأعين لا يراه أحدٌ. وقيل: الباء للآلة، والمرادُ
بالغيب القلبُ؛ لأنه مستورٌ، أي: من خَشِيَ الرحمنَ بقلبه دون جوارحه. بأنْ يُظْهِرَ
الخشيةَ وليس في قلبه منها شيءٌ. وليس بشيء.
والتعرُّضُ لعنوانِ الرحمانيَّة للإشعار بأنَّهم مع خَشْيتهم عقابَه عز وجل راجون
رحمته سبحانه، أو بأنَّ علمهم بِسَعَةِ رحمته تبارك وتعالى لا يَصُدُّهم عن خَشْيته جلَّ
(١) البحر المحيط ٨/ ١٢٧.
(٢) مغني اللبيب ص٨٢١.

سُورَةٌ قَ
٤٥٢
الآية : ٣٥
شأنُه. وقال الإمام(١): يجوز أن يكون لفظ ((الرحمن)) إشارةً إلى مقتضى الخَشْية؛
لأنَّ معنى الرحمن واهبُ الوجود بالخَلْقِ، والرحيم واهبُ البقاء بالرزق، وهو
سبحانه في الدنيا رحمان حيث أوجدنا، ورحيم حيث أبقانا بالرزق، فمن يكون منه
الوجودُ ينبغي أن يكونَ هو المَخْشِيَّ، وما تقدَّم أَولی.
والباء في قوله تعالى: ((بقلب)» للمصاحبة، وجُوِّز أن تكونَ للتعدية، أي:
أحضر قلباً مُنيباً. ووصفُ القلب بالإنابة مع أنها يُوصف بها صاحبه لما أن العِبْرةَ
رجوعه إلى الله تعالى.
وأَغرب الإمامُ فجوَّز كونَ الباء للسبيَّة، فكأنَّه قيل: ما جاء إلا بسبب آثارِ العلم
في قلبه أَنْ لا مَرْجِعَ إلا الله تعالى فجاء بسبب قلبه المُنيب، وهو كما ترى.
وقوله تعالى: ﴿ِسَلَّمِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف هو حالٌ من فاعل ((ادخلوها)) والباء
للمُلابسة، والسلامُ إما من السلامة أو من التسليم، أي: ادخُلوها مُلتبسين بسلامة
من العذاب وزوالِ النعم، أو بتسليم وتحيَّةٍ من الله تعالى وملائكته.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الزمان المُمْتَدِّ الذي وقع في بعضٍ منه ما ذُكر من الأمور
﴿يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾ البقاء الذي لا انتهاءَ له أبداً، أو إشارة إلى وقت الدخول بتقدير
مضافٍ، أي: ذلك يومُ ابتداء الخُلود وتحقُّقه، أو يوم تقدير الخلود، أو إشارة إلى
وقت السلام بتقدير مضاف أيضاً، أي: ذلك يومُ إعلامِ الخُلود، أي: الإعلام به.
﴿لَمُ مَا يَشَآءُونَ﴾ من فنون المطالب كائناً ما كان ﴿فِهَا﴾ متعلّق بـ ((يشاؤون))،
وقيل: بمحذوفٍ هو حالٌ من الموصول أو من عائده المحذوف من صِلته.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٥) هو ما لا يخطر ببالهم ولا يندرجُ تحت مَشيئتهم من مَعالي
الكرامات التي لا عينٌ رأَتْ ولا أُذنْ سمعتْ، ولا خَطَر على قلب بَشَر، ومنه
كما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن كثير بن مُرَّةٍ: أَنْ تَمُرّ السحابةُ بهم فتقول: ماذا
تُريدون فأُمطرَه عليكم؟ فلا يُريدون شيئاً إلا أَمطرته عليهم(٢).
(١) تفسير الرازي ١٧٦/٢٨.
(٢) الدر المنثور ١٠٩/٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣١٠/١٠.

الآية : ٣٦
٤٥٣
وأخرج البيهقيُّ في ((الرؤية)) والديلمي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عن
النبيِّ وَّه في قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) قال: ((يتجلَّى لهم الربُّ عز وجل))(١).
وأخرج ابن المنذر وجماعة عن أنس أنه قال في ذلك أيضاً: يتجلَّى لهم الربُّ
تبارك وتعالى في كلِّ جمعة(٢). وجاء في حديث أخرجه الشافعي في ((الأم)) وغيره
أنَّ يومَ الجمعة يُدعى يوم المَزيد(٣) .
وقيل: المَزيدُ: أزواجٌ من الحور العين عليهن تيجان أدنى لؤلؤة منها تُضيء
ما بين المشرقِ والمغرب، وعلى كلٍّ سبعون حُلَّة، وإنَّ الناظرَ لینفذ بصره حتى یَری
مُخَّ ساقِها من وراء ذلك.
وقيل: هو مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها .
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ أي: كثيراً أهلكنا قبلَ قومك ﴿مِّنْ قَرْدٍ﴾ قوماً مقترنين في
زمن واحد ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: قوَّة كما قيل، أو: أَخْذاً شديداً في كلِّ شيء
كعادٍ وقومٍ فرعون ﴿فَقَبُواْ فِ آلْبِلَدِ﴾ ساروا في الأرض وطوَّفوا فيها حذار الموت،
فالتنقيبُ: السيرُ وقطع المسافةِ، كما ذكره الراغب (٤) وغيره، وأنشدوا للحارث بن
حِلِّزة :
نقَّبوا في البلاد من حَذَرِ المو
ت وجالوا في الأرض كلَّ مجالٍ (٥)
ولامرئ القيس :
(١) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٣٩٥/٣، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد
(٨٥٢). وفي إسناده عمرو بن خالد القرشي، وهو متروك كما في التقريب.
(٢) الدر المنثور ١٠٨/٦، وأخرجه أيضاً البزار (٢٢٥٨ - كشف)، قال الهيثمي في المجمع
١١٢/٧: فيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.
(٣) الأم ١٨٥/١، وهو في مسنده ١٢٦/١، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠، والبزار
(٣٥١٩ - كشف الأستار)، والطبري ٢١/ ٤٥٧، والطبراني في الأوسط (٢٠٨٤)،
والدارقطني في الرؤية ص ١٧٢ -١٨٤ بروايات متعددة، من حديث أنس بن مالك
وينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٤٢١.
(٤) المفردات (نقب).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف ١١/٤، والقرطبي في التفسير ٤٥٨/١٩.

سولاڤٹ
٤٥٤
الآية : ٣٦
وقد نَقَّبتُ في الآفاقِ حتى
رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإياب(١)
ورُوي: وقد طَوَّفت. وأخرج الطستي(٢) عن ابن عباس أن نافعَ بن الأزرق
سأله عن ذلك، فقال: هو: هربوا بلغةِ اليمن، وأنشد له بيت الحارث المذكور لكنه
نسبه لعدي بن زید.
وفِّر التنقيب في البلاد بالتصرُّف فيها بملكها ونحوه، وشاع التنقيب في العُرف
بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ
أثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وأما قولهم: كلب نقيبٌ، فهو بمعنى منقوبٌ، أي:
نقبت غَلْصَمَته ليضعف صوتُه.
والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه المروي عن ابن عباس لمجرَّد
التعقيب، وعلى تفسيره بالتصرُّف للسببية، لأن تصرُّفهم في البلاد مُسبَّب عن اشتدادِ
بَطْشهم، وهي على الوجهين عاطفةٌ على معنى ما قبلَها، كأنه قيل: اشتدَّ بطشُهم
فنقَّبوا، وقيل: هي على ما تقدَّم أيضاً للسببية والعطف على ((أهلكنا)) على أنَّ
المراد: أخذنا في إهلاكهم فقَّبوا في البلاد.
﴿هَلْ مِن تَحِيصٍ ﴾﴾ على إضمار قولٍ هو حالٌ من واو ((نَقَّبوا)) أي: قائلين:
هل لنا مَخْلَصٌ من الله تعالى، أو من الموت؟ أو على إجراء التنقيب لِمَا فيه من
معنى التُّع والتفتيش مجرى القولِ على ما قيل، أو هو كلامٌ مستأنف لنفي أن يكونَ
لهم محيصٌ، أي: هل لهم مخلصٌ من الله عز وجل أو من الموت؟
وقيل: ضمير ((نَقَّبوا)) لأهل مكة، أي: ساروا في مَسايرهم وأسفارهم في بلاد
القرون المُهلَكة، فهل رَأَوْا لهم محيصاً حتى يؤمِّلوا مثلَه لأنفسهم.
وأُيِّدَ بقراءة ابن عباس وابن يعمر وأبي العالية ونَصْر بن سيار وأبي حيوة
والأصمعي عن أبي عمرو: ((فَنَقِّبوا)) على صيغة الأمر(٣)؛ لأنَّ الأمر للحاضر وقت
(١) ديوان امرئ القيس ص٩٩.
(٢) كما في الدر المنثور ١٠٩/٦، ومن طريقه أخرجه السيوطي في الإتقان ١/ ٤٠٧.
(٣) المحتسب ٢٨٥/٢، والبحر المحيط ١٢٩/٨.

الآية : ٣٧
٤٥٥
النزول من الكُفَّار وهم أهل مكة لا غير، والأصلُ تَوَافُقُ القراءتين، وفيه على هذه
القراءة التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب.
وقرأ ابنُ عباس أيضاً، وعُبيد عن أبي عمرو: ((فَتَقَبوا)) بفتح القاف مُخَفَّفةٍ (١)،
والمعنى كما في المشدَّدة. وقُرئ بكسر القاف خفيفة(٢) من النَّقَب محرَّكاً، وهو أن
ينتقب خُفُّ البعير وبرقَّ من كثرة السّیر، قال الراجز:
أَقْسَمَ بالله أبو حفصٍ عُمَرْ
ما مسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ(٣)
والكلامُ بتقدير مضافٍ، أي: نقبت أَقدامهم، ونقبُ الأقدام كنايةٌ مشهورةٌ عن
كَثْرة السير، فيَؤُول المعنى إلى أنهم أَكثروا السَّير في البلاد، أو نقبت أخفافُ
مراكبهم، والمرادُ كَثْرةُ السير أيضاً، وقد يُستغنى عن التقدير بجعل الإسناد مَجازيّاً.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: الإهلاك أو ما ذكر في السورة ﴿لَذِكْرَى﴾ لتذكرةً وعِظَةً
﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ أي: قلب واع يدركُ الحقائقَ، فإنَّ الذي لا يَعي ولا يفهم بمنزلة
العدم، وفي ((الكشف)): ((لمن كان)) إلخ تمثيلٌ، ﴿أَرْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي: أَصغى إلى
ما يُتلى عليه من الوحي.
﴿وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أي: حاضر، على أنه من الشهود بمعنى الحضور، والمرادُ
به المتفطِّن؛ لأنَّ غيرَ المتفطِّن منزَّلٌ منزلةَ الغائب، فهو إما استعارةٌ أو مجازٌ مُرسَلٌ،
والأولُ أَولى. وجُوِّز أن يكون من الشهادة وصفاً للمؤمن لأنه شاهدٌ على صحّة
المُنزَل وكونه وحياً من الله تعالى فيبعثه على حسن الإصغاء، أو وصفاً له من قوله
تعالى: ﴿لَنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] كأنه قيل: وهو من جملة الشهداء،
أي: المؤمنين من هذه الأُمَّة، فهو كنايةٌ على الوجهين، وجُوِّز على الأول منهما أن
لا يكونَ كنايةً، على أنَّ المرادَ: وهو شاهدٌ شهادةً عن إيقان لا كشهادةٍ أهل الكتاب.
(١) القراءات الشاذة ص١٤٤ .
(٢) البحر ١٢٩/٨.
(٣) الرجز لعبد الله بن كَيْسَبَة كما في الخزانة ١٥٤/٥ .

الآية : ٣٨
٤٥٦
وعن قتادة: المعنى: لمن سمع القرآن من أهل الكتاب وهو شاهدٌ على صِدقه
لما يجدُه في كتابه من نَعْته. والأنسبُ بالمَساق والأملأ بالفائدة الأخذُ من الشهود.
والوجهُ جعلُ ((وهو شهيد)» حالاً من ضمير المُلقي لا عطفاً على ((ألقى)) كما لا يخفى
على من له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد. والمرادُ: إنَّ فيما فعل بسوالف الأُمم
أو في المذكور أماماً من الآيات لذكرى لإحدى طائفتين: مَنْ له قلبٌ يفقهُ عن الله
عز وجل، ومَنْ له سمعٌ مُصْغٍ مع ذهن حاضر، أي: لمن له استعدادُ القَبول عن
الفقيه إن لم يكن فقيهاً في نَفْسه، و((أو)) لمنع الخلوِّ من حيث إنه يجوز أن يكون
الشخصُ فقيهاً ومستعدّاً للقَبول من الفقيه. وذكر بعضُهم أنها لتقسيم المتذكِّر إلى
تالٍ وسامع، أو إلى فقيه ومتعلِّم، أو إلى عالمٍ كاملٍ الاستعداد لا يحتاج لغير
التأمُّل فيما عنده وقاصرٍ محتاج للتعلُّم، فيتذكَّر إذا أَقبل بكليته وأَزال الموانعَ
بأسرها، فتأمَّل.
وقرأ السُّلمي وطلحة والسدي وأبو البرهسم: ((أو أُلقيَ)) مَبنيّاً للمفعول ((السمعُ))
بالرفع(١) على النيابة عن الفاعل؛ والفاعلُ المحذوف إما المُعبّر عنه بالموصول أَوْ
لا، وعلى الثاني معناه: لمن أَلقى غيرُه السمعَ وفتح أُذنه ولم يُحضر ذِهْنه، وأما هو
فقد ألقى وهو شاهدٌ متفطّن مُحضِرٌ ذِهْنَه، فالوصفُ - أعني الشهود - مُعتمَدُ الكلام،
وإنما أُخرج في الآية بهذه العبارة للمبالغة في تفظُنه وحضوره. وعلى الأول معناه:
لمن أَلقى سَمْعَه وهو حاضرٌ مُتفطّن. ثم لو قُدِّر موصولٌ آخر بعد ((أو)) فذو القلب
والمُلقي غيران شخصاً، ولو لم يُقدَّر جاز أَنْ يكونا شخصين، وأنْ يكونا شخصاً
باعتبار حالين: حال تفظُّنه بنفسه، وحال إلقائه السمعَ عن حضور إلى متفطّن
بنفسه؛ لأن ((من)) عامٌّ یتناول كلَّ واحد واحد.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من أصناف المخلوقات ﴿فِى سِنَّةِ
أَيَّامٍ﴾ تقدَّم الكلامُ فيها (٢) ﴿وَمَا مَسَنَا﴾ وما أصابنا بذلك مع كونه مما لا تفي به
القُوى والقُدر ﴿مِن ◌ُّغُوبٍ ﴾ تَعَب مّا، فالتنوين للتحقير، وهذا كما قال قتادة
(١) المحتسب ٢٨٥/٢، والبحر المحيط ١٢٩/٨.
(٢) في سورة الأعراف، الآية (٥٤).

الآية : ٣٩
٤٥٧
وَأُقْس
وغيره ردٌّ على جَهَلةِ اليهود زَعَموا أنه تعالى شأنه بدأ خَلْق العالم يومَ الأحد، وفرغَ
منه يومَ الجمعة، واستراحَ يومَ السبت، واستلقى على العرش، سبحانه وتعالى عمَّا
يقولون علواً كبيراً. وعن الضحاك أنَّ الآية نزلت لما قالوا ذلك، ويُحكى أنهم
يزعمون أنه مذكورٌ في التوراة، وجملة ((وما مَسَّنا)) إلخ تَحتمل أن تكون حاليةً وأن
تكونَ استئنافيةً.
وقرأ السُّلمي وطلحة ويعقوب: (لَغوب)) بفتح اللام(١) بزنة القَبول والوَلُوع،
وهو مصدرٌ غير مَقيس، بخلاف مضموم اللام.
﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: ما يقول المشركون في شأن البعث من الأباطيل
المَبنِيَّة على الاستبعاد والإنكار، فإنَّ مَنْ قدرَ على خَلْق العالم في تلك المُدَّة اليسيرة
بلا إعياء قادرٌ على بَعْئهم والانتقامِ منهم. أو على ما يقول اليهودُ من مقالةِ الكفر
والتشبيه .
والكلام متعلِّق بقوله تعالى: ((ولقد خلقنا)) إلخ، على الوجهين. وفي ((الكشف»
أنه على الأول متعلِّق بأول السورة إلى هذا الموضع، وأنه أنسبُ من تعلُّقه بـ ((لقد
خلقنا)) الآية؛ لأن الكلام مرتبطٌ بعضُه ببعض إلى هاهنا على ما لا يخفى على
المسترشد.
وأنت تعلم أنَّ الأقربَ تعلُّقه على الوجهين بما ذكرنا .
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ أي: نَزِّهه تعالى عن العَجْز عمَّا يمكن، وعن وقوع الخُلف
في أخباره التي من جُملتها الإخبارُ بوقوع البعث، وعن وصفهِ عز وجل بما يُوجب
التشبيه، أو نَزِّهه عن كلِّ نقص، ومنه ما ذُكر، حامداً له تعالى على ما أَنعم به
عليك من إصابة الحقِّ وغيرها .
(٣)﴾ هما وقتا الفجر والعصر، وفضيلتهما
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
مشهورة.
(١) المحتسب ٢٨٥/٢، والبحر المحيط ١٢٩/٨، وهي غير المشهورة عن يعقوب.

٤٥٨
الآية : ٤٠
﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾ مفعولٌ لفعلٍ محذوف يُفسِّره ﴿فَسَيِّحْهُ﴾ باعتبار الاتحاد النوعي،
والعطفُ للتغاير الشخصي، أي: وسَبِّحه بعضَ الليل فسبِّحه، أو مفعولٌ لقوله
تعالى: ((سَبِّحه)) على أنَّ الفاء جزائيةٌ، والتقدير: مهما يكن من شيءٍ فَسبِّحه بعضَ
الليل، وقُدِّم المفعول للاهتمام به، وليكون كالعِوض عن المحذوف، ولتتوسّط
الفاء الجزائية كما هو حقُّها. ولعلَّ المرادَ بهذا البعض السَّحر، فإنَّ فَضْلَه مشهور
﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ ﴾﴾ وأعقابَ الصلوات، جمع دُبْر بضم فسكون، أو دُبُر
بضمتين .
وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى والأعمش وطلحة وشبل والحِرْميَّان:
(إِدبار)) بكسر الهمزة(١)، وهو مصدر، تقول: أدبرت الصلاة إدباراً: انقضَتْ
وتَمَّت، والمعنى: ووقتَ انقضاء السجود كقولهم: آتيكَ خُفوقَ النجم.
وذهبَ غيرُ واحد إلى أنَّ المرادَ بالتسبيح الصلاةُ، على أنَّه من إطلاق الجُزء أو
اللازم على الكلّ أو الملزوم، وعليه فالصلاة قبلَ الطلوع الصبحُ، وقبلَ الغروب
العصرُ، قاله قتادة وابن زيد والجمهور، وأخرجه الطبراني في «الأوسط)) وابن
عساكر عن جرير بن عبد الله مرفوعاً (٢)، و((من الليل)) صلاةُ العَتَمة، و((أدبار
السجود)» النوافلُ بعد المكتوبات؛ أخرجه ابن جرير عن ابن زيد (٣).
وقال ابن عباس: الصلاةُ قبلَ الطلوع الفجرُ، وقبلَ الغروب الظهرُ والعصرُ،
و(من الليل)) العشاءان، و((أدبار السجود)» النوافلُ بعد الفرائض. وفي رواية أُخرى
عنه: الوتر بعد العشاء.
(١) البحر المحيط ٨/ ١٣٠، وقراءة أبي جعفر والحرميّين (وهما نافع وابن كثير) في التيسير
ص٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢، وقرأ بها أيضاً حمزة، وخلف من العشرة.
(٢) الدر المنثور ١١٠/٦، والأوسط (٨٠٥٧)، وتاريخ مدينة دمشق ٣٢٠/٢١ و٢٤٨/٤١،
وهو عند أحمد (١٩١٩٠)، والبخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). ولفظه: ((أما إنكم سترون
ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة
قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ اَلْغُرُوبِ﴾)).
(٣) تفسير الطبري ٤٧٣/٢١ .

الآية : ٤١
٤٥٩
والشعبي
وفي أخرى عنه أيضاً وعن عمر وعليٍّ وابنه الحسن وأبي هريرة ش﴾
وإبراهيم ومجاهد والأوزاعي: ركعتان بعد المغرب. وأخرجه مُسدّد في ((مسنده))
وابن المنذر وابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً(١).
وقال مقاتل: ركعتان بعد العشاء يقرأ في الأولى: (قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) وفي
الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ).
وقيل: ((من الليل)) صلاةُ العشاءين والتهجد. وعن مجاهد: صلاةُ الليل. وفيه
احتمالُ العموم لصلاة العشاءين والخصوص بالتهجّد، وهو الأظهر.
﴿وَأَسْتَمِعْ﴾ أمرٌ بالاستماع، والظاهرُ أنه أُريد به حقيقته، والمُستمَعُ له
محذوفٌ تقديره: واستمع لما أخبر به من أهوال يوم القيامة، وبيّن ذلك بقوله
تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ اٌلْمُنَادِ﴾ إلى آخره، وسلك هذا لما في الإبهام ثم التفسير من
التهويل والتعظيم الشأنِ المُخبَرِ به، وانتصب ((يومَ)) بما دلَّ عليه ((ذلك يوم
الخروج)) أي: يوم يُنادي المنادي يخرجون من القبور. وقيل: المفعول محذوفٌ
تقديره: نداءَ المنادي، وقيل: تقديرُه: نداءً الكافرين بالويل والثُّبور، و((يوم))
ظرفٌ لذلك المحذوف.
وقيل: لا يحتاج ذلك إلى مفعول، والمعنى: كن مستمعاً ولا تكن غافلاً.
وقيل: معنى ((استمع)): انتظر، والخطابُ لكلِّ سامع، وقيل: للرسول عليه
الصلاة والسلام، و(يومَ)) منتصبٌ على أنه مفعولٌ به لـ ((استمع)) أي: انتظر يومَ
يُنادي المنادي، فإنَّ فيه تبيَّنَ صحَّة ما قلته، كما تقول لمن تَعِدُه بورود فتح: استمع
كذا وكذا .
والمنادي على ما في بعض الآثار جبريلُ عليه السلامُ ينفخُ إسرافيل في الصور
ويُنادي جبريل: يا أيَّتها العِظامُ النَّخِرة والجلودُ المتمزِّقة والشعور المتقطّعة، إنَّ اللهَ
يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب. وأخرج ابن عساكر والواسطي في ((فضائل بيت
(١) الدر المنثور ١١٠/٦.

الآية : ٤١
٤٦٠
المقدس)) عن يزيد بن جابر أنَّ إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فيقول: يا أيَّتها
العِظامُ النَّخِرة .. إلى آخره (١)، فيكون المرادُ بالمنادي هو عليه السلام.
وفي ((الحواشي الشهابيَّة)): الأول هو الأصح(٢).
﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾﴾ هو صخرة بيت المقدس، على ما رُوي عن يزيد بن
جابر وكعب وابن عباس وبريدة وقتادة، وهي على ما رُوي عن كعب أقربُ الأرض
إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وفي ((الكشاف)) أنها أقربُ إليها باثني عشر ميلاً، وهي وسط الأرض(٣). وأنت
تعلم أنَّ مثلَ هذا لا يُقبل إلا بوحي، ثم إنَّ كونها وسطَ الأرض مما تأباه القواعدُ
في معرفة العُروض والأطوال، ومن هنا قيل: المرادُ: قريب ممن يُناديهم، فقيل:
ينادي من تحت أقدامهم، وقيل: من منابتٍ شعورهم، فيسمع من كلِّ شعرة: يا أيَّتها
العظام النخرة .. إلخ. ومن الناس من قال: المرادُ بقربه كون النداء منه لا يخفى
على أحدٍ، بل يستوي في سماعه کلّ أحد.
والنداء في كلِّ ذلك على حقيقته. وجوّز أن يكون في الإعادة نظير ((كُنْ)) في
الابتداء على المشهور، فهو تمثيلٌ لإحياء الموتى بمجرَّد الإرادة، ولا نداءَ
ولا صوت حقيقةً.
ثم إنَّ ما ذكرناه من أنَّ المنادي مَلَكٌ، وأنه يُنادي بما سمعتَ، هو المأثور.
وجوّز أن يكون نداؤه بقوله للنفس: ارجعي إلى ربِّك لتدخِلنَّ مكانك من الجنة أو
النار، أو: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار. وأن يكون المنادي هو اللهَ تعالى ينادي:
﴿لَحْتُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أو: ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عِيْدٍ﴾
[ق: ٢٤] مع قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾ [الحجر: ٤٦] أو: ﴿خُذُوهُ فَغُلُُّ﴾ [الحاقة: ٣٠]
أو: ﴿أَيْنَ شُرَكَِّىَ﴾ [النحل: ٢٧] أو غير ذلك. وأن يكون غيره تعالى وغير المَلَك
(١) الدر المنثور ٦/ ١١٠، وتاريخ مدينة دمشق ١٣٦/٦٥.
(٢) حاشية الشهاب ٨/ ٩٣.
(٣) الكشاف ٤/ ١٢ .