Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٧ - ٨
٤٢١
سُوراً وس
وقيل هاهنا: ((أفلم ينظروا)) بالفاء، وفي موضع آخر: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾
[الأعراف: ١٨٥] بالواو؛ لسبق إنكار الرَّجْع فناسَبَ التعقيب بما يُشعر بالاستدلال
عليه، وجيء بالنظر دون الرؤية كما في ((الأحقاف))(١) استبعاداً لاستبعادهم، فكأنه
قيل: النظرُ كافٍ في حصول العلم بإمكان الرَّجع، ولا حاجةَ إلى الرؤية، قاله
الإمام(٢)، واحتجَّ بقوله سبحانه: ((ما لها من فروج)) للفلاسفة على امتناع الخَرْق،
وأنت تعلم أنَّ نفي الشيء لا يدلُّ على امتناعه، على أنك قد سمعت المراد
بذلك، ولا يضرُّ كونُه ليس معنّى حقيقيّاً؛ لشيوعه.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ بسطناها، وهو لا يُنافي كرويَّتها التامَّة أو الناقصة من جهة
القطبين لمكان العظم ﴿وَأَلْقَيَّنَا فِيَهَا رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت تمنعها من المَيْد كما يدلُّ
عليه قوله تعالى في آية أُخرى: ﴿رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وهو ظاهرٌ
في عدمٍ حركة الأرض، وخالف في ذلك بعضُ الفلاسفة المتقدِّمين، وكلُّ الفلاسفة
الموجودين اليوم، ووافقهم بعضُ المغاربة من المسلمين، فزعموا أنها تتحرَّك
بالحركة اليومية بما فيها من العناصر، وأبطلوا أدلةَ المتقدِّمين العقلية على عدم
حركتها، وهل يكفّر القائل بذلك؟ الذي يغلب على الّرِّ: لا.
﴿وَلْنَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ﴾ صنف ﴿يَهِيجِ ﴾﴾ حسن يُبهج ويَسرُّ مَن نَظَرَ إليه
﴿َبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (*) راجعٍ إلى ربِّه، وهو مجازٌ عن التفكّر في بدائعِ
صُنعه سبحانه بتنزيل التفكّر في المصنوعات منزلةَ الرجوع إلى صانعها، و((تبصرة
وذكرى)) عِلَّتان للأفعال السابقةِ معنى، وإن انتصبا بالفعل الأخير، أو لفعل مقدَّر
بطريق الاستئناف، أي: فعلنا ما فعلنا تبصيراً وتذكيراً، وقال أبو حيان(٣): منصوبان
على المصدرية لفعل مقدَّر من لفظهما، أي: بصَّرنا وذكرنا، والأول أَولى.
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((تبصرةٌ وذكرى)) بالرفع(٤) على معنى: خَلْقُهما تبصرةٌ وذكرى.
(١) الآية (٣٣)، وهي قوله تعالى: ((أولم يروا أن الله خلق السموات والأرض .. )).
(٢) تفسير الرازي ١٥٥/٢٨ .
(٣) البحر المحيط ١٢١/٨.
(٤) المصدر السابق.

٤٢٢
الآية : ٩ - ١٠
وقوله تعالى: ﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُبًَّا﴾ أي: كثير المنافع، شروعٌ في بيان
كيفية ما ذكر من إنبات كلِّ زوجٍ بهيج، وهو عطفٌ على ((أَنبتنا))، وما بينهما على
الوجهين الأخيرين اعتراضٌ مقَرِّرٌ لما قبلَه ومُنَبِّه على ما بعدَه ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ.﴾ أي:
بذلك الماء ﴿جَنَّتٍ﴾ كثيرة كما يقتضيه المقامُ، أي: أشجاراً ذاتَ ثمار ﴿وَحَبَّ
اَْصِيدِ ﴾﴾ أي: حبّ الزرع الذي من شأنه أن يحصد من البُرّ والشعير وأمثالهما،
فالإضافة لما بينهما من المُلابسة، و((الحصيد)) بمعنى المحصود، صفة لموصوف
مُقدَّر كما أشرنا إليه، فليس من قَبيل مسجد الجامع، ولا من مجاز الأَوْل(١)
كما تُوهِّم، وتخصيص إنبات حَبِّه بالذِّكر؛ لأنه المقصودُ بالذات.
﴿وَالنَّخْلَ﴾ عطفٌ على ((جنات)) وهي اسمُ جنس تُؤَنَّث وتُذَكَّر وتُجمع، وتخصيصها
بالذِّكر مع اندراجها في الجنات لبيان فَضْلها على سائر الأشجار، وتوسيطُ الحبِّ
بينهما لتأكيدِ استقلالها وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل.
﴿بَاسِقَتٍ﴾ أي: طوالاً أو حوامل، من: أبسقت الشاةُ: إذا حَمَلَتْ، فيكون
على هذا من أَفعل فهو فاعل، والقياسُ مُفْعِل، فهو من النوادر كالطوائح واللواقح
في أخواتٍ لها شاذَّةٍ، ويافع من أَيْفَعَ، وباقل من أَبْقَلَ، ونصبُه على أنه حالٌ
مقدَّرة. وروى قُطبة بن مالك عن النبيِّ وَلِّ أنه قرأ: ((باصقات)) بالصاد(٢)، وهي لغةٌ
لبني العنبر، يُبدلون من السين صاداً إذا وَلِيتها، أو فصل بحرف أو حرفين خاء
معجمة أو عين مهملة أو طاء كذلك أو قاف.
﴿طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾﴾ منضود بعضُه فوقَ بعض، والمرادُ: تراكم الطّلع أو كَثْرة
ما فيه من مادة الثمر، والجملةُ حال من النخل كـ ((باسقات)) بطريق الترادف، أو من
(١) وهو من تسمية الشيء بما يؤول إليه، كتسمية العنب خمراً. الكليات ص٣٠٣.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٩٧)، والصغير (٦٩٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٧/ ١٥٦: فيه عبد الله بن محمد بن صبيح، لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ. والخبر
أخرجه مسلم (٤٥٧)، والدوري في جزء فيه قراءات النبي ◌ِّر ص ١٥١، عن قطبة أيضاً
لكن بالسين كما في قراءة الجمهور.
والقراءة بالصاد ذكرها ابن جنِّ في المحتسب ٢٨٢/٢، والزمخشري في الكشاف ٥/٤،
والقرطبي في التفسير ٤٣٣/١٩، وأبو حيان في البحر ١٢٢/٨.

الآية : ١١ - ١٢
٤٢٣
سُوَلاَ قَ
ضميرها في ((باسقات)) على التداخل، وجوِّز أن يكون الحالُ هو الجارَّ والمجرور،
و((طلع)) مرتفعٌ به على الفاعلية.
وقوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ - أي: ليرزقهم - عِلَّةٌ لقوله تعالى: ((فأنبتنا))، وفي
تعليله بذلك بعد تعليل ((أنبتنا)) الأول بالتبصير والتذكير تنبيه على أنَّ اللائقَ بالعبدِ أن
یکون انتفاعه بذلك من حیث التذگرُ والاستبصار أقدم وأهمّ من تمتُّعه به من حیث
الرزق. وُجُوِّز أن يكون ((رزقاً) مصدراً من معنى ((أنبتنا)) لأن الإنباتَ رزقٌ، فهو من
قَبيل: قعدتُ جلوساً، وأن يكون حالاً بمعنى مرزوقاً .
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بذلك الماء ﴿بَّدَةً مَّيْتًا﴾ أرضاً جدبة لا نماء فيها، بأَنْ
جعلناها بحيث رَبَتْ وأنبتت، وتذكير ((ميتاً)) لأنَّ البلدةَ بمعنى البلد والمكان.
وقرأ أبو جعفر وخالد: ((مَيِّناً)) بالتثقيل(١).
﴿ كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ ﴾﴾ جملة قُدِّم فيها الخبر للقصد إلى القصر، و((ذلك)) إشارةٌ
إلى الحياة المُستفادة من الإحياء، وما فيه من معنى البُعد إشعارٌ ببعد الرُّتبةِ، أي:
مثل تلك الحياة البديعة حياتُكم بالبعث من القُبور لا كشيء مُخالِفٍ لها .
وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء وعن إحياء الموتى بالخروج
تفخيمٌ لشأن الإنبات، وتهوينٌ لأمر البعث، وتحقيقٌ للمماثلة بين إخراج النبات
وإحياء الموتى، لتوضيح منهاج القياس وتقريبه إلى أفهام الناس.
وجُوِّز أن يكون الكاف في محلِّ رفع على الابتداء و((الخروج)) خبر، ونُقل عن
الزمخشري(٢) أنه قال: ((كذلك)) الخبر، وهو الظاهر، ولكونه مبتدأ وجهٌ، وهو أن
يقال: ((ذلك الخروجُ)) مبتدأ وخبر على نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، والكاف واقعٌ
موقعَ مثل في قولك: مثل زيد أخوك. ولا يخفى أنه تكلُّف.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَلَهُمْ قَوْمُ نُوعٍ﴾ إلى آخره، استئنافٌ واردٌ لتقرير حقِّيَّة(٣)
(١) البحر المحيط ١٢٢/٨، وقراءة أبي جعفر في النشر ٢٢٤/٢.
(٢) الكشاف ٤/ ٥.
(٣) في الأصل: حقيقة، والمثبت من (م).

سُوَالأَ قْ
٤٢٤
الآية : ١٣ - ١٥
البعث ببيان اتّفاق كافَّة الرُّسل عليهم الصلاة والسلام عليها وتكذيب مُنكريها، وفي
ذلك أيضاً تسليةٌ للنبيِّ نَّه وتهديدٌ للكفرة ﴿وَأَمْحَبُ الرَّ﴾ هو البئر التي لم تُبْنَ،
وقيل: هو وادٍ. وأصحابه قيل: هم ممن بُعث إليهم شعيبٌ عليه السلام، وقيل:
قومُ حنظلة بن صفوان. ﴿وَتَعُودُ ٧ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ﴾ أُريد هو وقومه لِيُلائم ما قبلَه
وما بعدَه، وهذا كما تُسمَّى القبيلة تميماً مثلاً باسم أبيها ﴿وَإِخْوَنُ لُوطٍ (٣)﴾ قيل:
كانوا من أَصهاره عليه السلام، فليس المرادُ الأُخُوَّةَ الحقيقية من النسب. ﴿وَأَمْحَبُ
الْأَبْكَةِ﴾ قيل: هم قومٌ بُعِثَ إليهم شُعيب عليه السلام غير أهل مَذْين كانوا يسكنون
أَيكةً، وهي الغَيْطة، فَسُمُّوا بها ﴿وَقَوْمُ تُّعْ﴾ الحِمْيَري، وكان مؤمناً وقومه كَفَرة،
ولذا لم يُذَمَّ هو وذُمَّ قومه، وقد سبق في ((الحجْر)) و((الدخان)) و((الفرقان)) تمامُ
الكلام فيما يتعلَّق بما في هذه الآية.
﴿كُلِّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: فيما أُرسلوا به من الشرائع التي من جُملتها البعثُ
الذي أَجمعوا عليه قاطبةً، أي: كلُّ قوم من الأقوام المذكورين كذَّبوا رسولَهم،
أو: كذَّب كلُّ هؤلاء جميعَ رُسُلهم، وإفراد الضمير باعتبار لفظ الكُلّ، أو: كلُّ
واحدٍ منهم كذّب جميعَ الرُّسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد والإنذار
بالبعث والحشر، فتكذيبُ واحدٍ منهم تكذيبٌ للكلِّ، والمرادُ بالكلية التكثير
كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوَِّتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وإلا فقد آمن مَنْ آمن
من قوم نوح، وكذا من غيرهم. ثم ما ذُكر على تقدير رسالة تُبَّع ظاهر، ثم
على تقدير عَدَمِها - وعليه الأكثر - فمعنى تكذيب قومِه الرُّسُلَ عليهم السلام
تكذيبُهم بما قبلُ من الرُّسل المجتمعين على التوحيد والبعث، وإلى ذلك كان
يدعوهم تبّع.
﴿لَقَّ وَعِدِ ﴾ أي: فوجب وحلَّ عليهم وعيدي، وهي كلمةُ العذاب.
﴿أَفْعِنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِّ﴾ استئنافٌ مُقرِّر لصحَّةِ البعث الذي حُكيت أحوال
المُنكرين له من الأُمم المُهلكة. والعِيُّ بالأمر العَجْز عنه لا التعب، قال الكسائي:
تقول: أَعْيَيْتُ من التعب، وعَبِيْتُ من انقطاع الحِيْلة والعجز عن الأمر، وهذا هو
المعروفُ والأفصحُ وإن لم يُفرِّق بينهما كثير، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على
:
أ

الآية : ١٥
٤٢٥
مُقدَّر يُنبئ عنه العيُّ من القصد والمباشرة، كأنه قيل: أَقَصَدْنا الخَلْقَ الأوَّل - وهو
الإبداء - فَعَجَزْنا عنه حتى يُتُوهَّم عَجْزُنا عن الإعادة.
وجَوَّز الإمام(١) أنْ يكون المرادُ بالخَلْقِ الأول خلقَ السماء والأرض، ويدلُّ
عليه قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ﴾
[الأحقاف: ٣٣] ويُؤْيِّده قوله تعالى بعدُ: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ) إلخ، وهو كما ترى.
وعن الحسن: الخَلْقُ الأوَّل آدم عليه السلام. وليس بالحسن.
وقرأ ابن أبي عبلةَ والوليدُ بن مسلم والقورصي عن أبي جعفر، والسمسار عن
شيبة، وأبو بحر عن نافع: ((أَفعيّنا)) بتشديد الياء(٢)، وخُرِّجَتْ على لغةٍ من أَدغم
الياء في الياء في الماضي فقال: عيَّ في عَبِيَ، وحيَّ في حَيِيَ، فلما أدغم ألحقه
ضميرَ المُتكلِّم المُعظّم نَفْسَه، ولم يفكّ الإدغام فقال: عَيَّنا، وهي لغةٌ لبعض بكر بن
وائل في رَدَدْتُ ورَدَدْنا: رَدْتُ ورَدْنا، فلا يَفُكُّون، وعلى هذه اللغة تكونُ الياء
المشدَّدة مفتوحةً، ولو كانت (نا)) ضميرَ نَصْبٍ فالعربُ جميعُهم على الإدغام، نحو:
ردَّنا زيدٌ.
﴿بَّ هُمْ فِ لَيْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾﴾ عطفٌ على مُقدَّر يدلُّ عليه ما قبلَه، كأنه
قيل: إنهم معترفون بالأول غير مُنكرين قُدرتنا عليه، فلا وجهَ لإنكارهم الثاني، بل
هم في خَلْطٍ وشُبهة في خَلْق مستأنف، وإنما نُكِّر الخَلْق ووُصِفَ بـ ((جديد)) ولم
يقل: من الخَلْق الثاني، تنبيهاً على مكان شُبهتهم واستبعادهم العادي بقوله
سبحانه: ((جديد))، وأنه خَلْقٌ عظيم يجبُ أن يُهتَمَّ بشأنه، فله نبأ أيُّ نبأ، والتعظيم
ليس راجعاً إلى الخَلْق من حيث هو هو حتى يقال: إنه أهونُ من الخَلْقِ الأول بل
إلى ما يتعلَّق بشأن المُكلَّف وما يُلاقيه بعدَه وهو هو. وقال بعضُ المحقّقين: نُكِّر؛
لأنه لاستبعاده عندهم كان أمراً عظيماً. وجُوِّز أنْ يكون التنكيرُ للإبهام إشارةً إلى
أنه خلقٌ على وجهٍ لا يعرفه الناس.
٧
(١) تفسير الرازي ١٦٢/٢٨.
(٢) البحر المحيط ١٢٣/٨، وقراءة نافع وأبي جعفر غير المشهورة عنهما، وذكر ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص ١٤٤ أنَّ ابن أبي عبلة قرأ: ((أفعيّينا)) بزيادة ياء بعد التشديد.

٤٢٦
الآية : ١٦
وأورد الشيخُ الأكبر قُدِّس ◌ِرُّه هذه الآيةَ في معرض الاستدلال على تجدُّد
الجواهر كالتجدُّد الذي يقوله الأشعري في الأغراض، فكلٌّ منهما عند الشيخ لا يبقى
زمانين، ويُفهم من كلامه قُدِّس سرُّه أن ذلك مبنيٌّ على القول بالوَحْدة وأنَّه سبحانه
كلَّ يوم هو في شأن، ولعمري إن الآية بمعْزِل عمَّا يقول.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسّوِسُ بِهِ، نَفْسٌُ﴾ أي: ما تُحدِّثه به، وهو ما يخطر
بالبال، والوسوسةُ: الصوتُ الخَفِيُّ، ومنه: وسواس الحَلْي. وضمير ((به)) لـ ((ما))
وهي موصولة، والباء صِلة ((توسوس))، وجُوِّز أن تكونَ للملابسة أو زائدة، ولیس
بذاك. ويجوز أن تكون ((ما)) مصدرية والضمير للإنسان والباء للتعدية على معنى أنَّ
النفسَ تجعل الإنسان قائماً به الوسوسة، فالمُحدَّث هو الإنسان لأنَّ الوسوسةَ بمنزلة
الحديثِ، فيكون نظيرَ: حدَّث نَفْسَه بكذا، وهم يقولون ذلك كما يقولون: حدَّثَتْه
نفسُه بکذا، قال لبید :
واكْذِبِ النَّفْسَ إذا حدَّثْتَها
إنَّ صِدْقَ النفس يُزري بالأمل(١)
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾﴾ أي: نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء
من خَفِيَّاته، على أنه أُطلق السبب وأُريد المُسبَّب؛ لأن القُرب من الشيء في العادة
سببُ العلم به وبأحواله، أو الكلامُ من باب التمثيل؛ ولا مجالَ لحمله على القُرب
المكانيّ لتنزُّهه سبحانه عن ذلك، وكلامُ أهل الوحدة مما يشقُّ فَهْمه على غير ذوي
الأحوال. و((حبل الوريد)) مَثَلُ في فَرْطِ القُرب، كقولهم: مقعد القابلة، ومَعْقِدُ
الإزار، قال ذو الرُّمَّة على ما في ((الكشاف)):
والموت أدنى لي من حبل الوريد (٢)
والحبل معروفٌ، والمرادُ به هنا العِرْقُ لِشَبَههِ به، وإضافتُه إلى الوريد - وهو
عرقٌ مخصوصٌ كما ستعرفه - للبيان، كـ : شجر الأراك، أو لاميَّة كما في غيره من
(١) ديوان لبيد ص ١٨٠.
(٢) الرجز في الكشاف ٦/٤، والمستقصى ١٢١/١، وخزانة الأدب ٣٩٦/١٠ دون لفظة:
حبل. وهو في ديوانه ٣٦٨/١ هكذا :
والله أدنى لي من الوريد والحتف يلقى أنفس الشهود

الآية : ١٧
٤٢٧
إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، فإنْ أُبْقي الحبل على حقيقته فإضافتُه كما في لُجين الماء.
و((الوريد)) عِرْقٌ كبيرٌ في العُنُق، وعن الأثرم: أنه نهرُ الجسد، ويقال له في
العُنُقِ: الوريدُ، وفي القلب: الوَتين، وفي الظهر: الأَبْهر، وفي الذراع والفَخِذ:
الأَكْحل والَّسَا، وفي الخِنْصِر: الأَسْلَم.
والمشهورُ أنَّ في كلِّ صفحة من العُنقِ عِرْقاً يقال له: وريد؛ ففي
((الكشاف))(١): الوريدان: عِرقان مُكتنفان لِصفحتي العُنق في مقدَّمها مُتَّصلان
بالوتين يَرِدَان بحسب المُشاهدَة من الرأس إليه، فالوريد فعيل بمعنى فاعل.
وقيل: هو بمعنى مفعولٌ؛ لأنَّ الروحَ الحيواني يَرده، ويُشير إلى هذا قولُ
الراغب(٢): الوريدُ: عِرْقٌ متصلٌ بالكبد والقلب، وفيه مجاري الروح. وقال في
الآية: أي: نحن أقربُ إليه من روحه. وحكي ذلك عن بعضهم أيضاً.
﴿إِذْ يَلَّى الْمُلَفِيَانِ﴾ هما المَلَكان المُوثَّلان بكلِّ إنسانٍ يكتبان أعماله؛ والتلقِّي:
التلقُّن بالحِفظ والكتبة. و((إذ)) قيل: ظرف لـ ((أقرب))، وأَفْعَلُ التفضيل يعمل في
الظروف؛ لأنه يكفيها رائحةُ الفعل وإن لم يكن عاملاً في غيرها فاعلاً أو مفعولاً
به، أي: هو سبحانه أعلمُ بحال الإنسان من كلِّ قريب حين يتلقَّى المتلقيان
الحفيظان ما يتلفّظ به، وفيه إيذانٌ بأنه عز وجل غنيٌّ عن استحفاظ المَلكين، فإنه
تعالى شأنه أعلمُ منهما ومطّلعٌ على ما يخفى عليهما، لكن الحِكمة اقتضته، وهو
ما في كِتْبة المَلَكين وحِفْظهما وعَرْض صحائفهما يومَ يقوم الأشهاد، وعِلْمُ
العبد بذلك مع عِلْمه بإحاطة الله تعالى بعمله من زيادة لُظْفٍ في الانتهاء عن
السيئات والرغبة في الحسنات.
وجُوِّز أن تكون ((إذ)) لتعليل القُرب، وفيه أن تعليلَ قُربه عز وجل العِلْميِّ باطّلاع
الحَفَظة الكَتَبة بعيدٌ.
واختار بعضُهم كونها مفعولاً به لـ : اذكر مقدَّراً لبقاء الأقربية على إطلاقها،
(١) ٤ / ٦.
(٢) المفردات (ورد).

سپڕۆژٹ
٤٢٨
الآية : ١٧
ولأنَّ أفعل التفضيل ضعيفٌ في العمل وإنْ كان لا مانعَ من عَمَله في الظرف؛
والكلام مسوقٌ لتقرير قُدرته عز وجل وإحاطة علمه سبحانه وتعالى، فتأمَّل.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الْثِّمَالِ قِدٌ ﴾﴾ أي: عن اليمين قَعيدٌ، وعن الشمال قَعيدٌ،
فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومنه قوله:
رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطّرِيِّ رماني(١)
وقال المبرِّد: إنَّ التقدير: عن اليمين قعيدٌ وعن الشمال، فأخّر ((قعيدٌ)) عن
موضعه. والقعيدُ عليهما فعيلٌ بمعنی مُفَاعِل، کجليس بمعنی مُجَالِس، وندیم بمعنى
مُنادم، وذهب الفرَّاء(٢) إلى أنَّ قعيداً يدلُّ على الاثنين والجمع، وقد أُريد منه هنا
الاثنان فلا حذفَ ولا تقديم ولا تأخير. واعترضَ بأنَّ فعيلاً يستوي فيه ذلك إذا كان
بمعنى مفعول، وهذا بمعنى فاعل، ولا يصحُّ فيه ذلك إلا بطريق الحمل على فَعيل
بمعنى مفعول.
واختلف في تعيين محلٌّ قعودهما، فقيل: هما على الناجذين، فقد أخرج
أبو نُعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً: ((إنَّ اللهَ لطفَ بالمَلَكين الحافظين حتى
أَجلسهما على الناجذين، وجعل لسانَه قلمَهما، ورِيْقَه مِدادَهما))(٣). وقيل: على
العاتقين. وقيل: على طرفي الحَنَك عند العَنْفَقَةِ. وفي ((البحر))(٤): إنهم اختلفوا في
ذلك، ولا يصحُّ فيه شيء.
وأنا أقول أيضاً: لم يصحَّ عندي أكثر مما أخبر الله تعالى به من أنهما عن
اليمين وعن الشمال قعيدان، وكذا لم يصحَّ خبرُ قَلَمهما ومِدادهما، وأقول كما قال
اللَّقاني بعد أن استظهرَ أن الكَتْب حقيقيٍّ: عِلْمُ ذلك مفوَّضٌ إلى الله عز وجل.
وأقولُ: الظاهر أنهما في سائر أحوال الإنسان عن يمينه وعن شماله. وأخرج
(١) أورده سيبويه في الكتاب ٧٥/١، ونسبه لابن أحمر.
(٢) معاني القرآن ٧٧/٣.
(٣) الدر المنثور ١٠٣/٦، وأخبار أصبهان لأبي نعيم ١/٢-٢، وفي إسناده: علي بن بشر، قال
عنه أبو نعيم: كان يضَّف حديثه، وفي حديثه نكارة.
(٤) البحر المحيط ١٢٤/٨.

الآية : ١٨
٤٢٩
سُورَةٌ وَسَ
ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنه قال: إنْ تَعَدَ فأحدُهما عن يمينه والآخر عن
يساره، وإنْ مشى فأحدُهما أمامه والآخرُ خَلْفَه، وإنْ رَقَد فأحدهما عند رأسه
والآخرُ عند رجليه(١).
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلِ﴾ ما يَرمي به مِن فيهِ خيراً كان أو شرّاً.
وقرأ محمدُ بن أبي مَعْدان: ((ما يَلْفَظُ) بفتح الفاء(٢).
﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ﴾ ملكٌ یرقُبُ قولَه ويكتبه، فإنْ كان خيراً فهو صاحبُ الیمین،
وإنْ كان شرّاً فهو صاحبُ الشمال ﴿عَنْدٌ ﴾﴾ مُعَدِّ مُهَيَّأ لكتابة ما أُمر به من الخير
أو الشَّرِّ.
وتخصيصُ القولِ بالذِّكر لإثبات الحُكم في الفعل بدلالة النصّ.
واختلف فيما يَكتبانه، فقال الإمام مالك وجماعة: يكتبان كلَّ شيء حتى الأَنين
في المرض. وفي ((شرح الجوهرة)) للَّقاني(٣): مما يجبُ اعتقاده أن لله تعالى ملائكةٌ
يكتبون أفعالَ العباد من خيرٍ أو شرِّ أو غيرهما، قولاً كانت أو عملاً أو اعتقاداً،
همّاً كانت أو عزماً أو تقريراً، اختارهم سبحانه لذلك، فهم لا يُهملون من شأنهم
شيئاً فَعَلُوه قصداً وتعمُّداً أو ذهولاً ونسياناً، صَدَرَ منهم في الصِّحة أو في المرض
كما رواه علماءُ النقل والرواية. انتهى.
وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أنَّ الكلام النفسيَّ لا يُكتب، أخرج البيهقيُّ في
((الشعب)) عن حذيفة بن اليمان أن للكلام سبعةً أغلاق إذا خرج منها كُتب، وإن لم
يخرجْ لم يُكتب: القلبُ واللَّهاة واللسانُ والحَنْكان والشَّفتان(٤).
وذهب بعضُهم إلى أنَّ المباح لا يكتبه أحدٌ منهما؛ لأنه لا ثوابَ فيه ولا عقاب،
(١) الدر المنثور ٦/ ١٠٣ لكن عن ابن جريج، وكذا أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٢١).
(٢) هكذا ذكرها السمين في الدر المصون ٢٥/١٠، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١٤٤ هكذا: ((ما نَلْفِظ)).
(٣) ص٢٠٨.
(٤) شعب الإيمان (٥٠٠٨).

٤٣٠
الآية : ١٨
والكتابةُ للجزاء، فيكون ذلك مستثنى حكماً من عموم الآية، ورُوي ذلك عن
عكرمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم - وصحَّحه - وابن مردويه من طريقه
عن ابن عباس أنه قال: إنما يكتب الخير والشَّرّ، لا يكتب: يا غلامُ أَسرِج الفرس،
ويا غلامُ اسقني الماء(١).
وقال بعضُهم: يكتب كلّ ما صَدَر من العبد حتى المباحات، فإذا عُرضت
أعمالُ يومه مُحي منها المباحات وكتب ثانياً ما له ثوابٌ أو عِقاب، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩] وقد أشار السيوطي إلى ذلك في
بعض رسائله، وُجُعِلَ وجهاً للجمع بين القولين: القولِ بكتابة المُباح والقولِ
بعدَمها، وقد رُوي نحوه عن ابن عباس؛ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه
قال في الآية: يكتب كلّ ما تكلّم به من خير أو شرٍّ حتى إنه ليكتب قوله: أكلت
وشربت، ذهبت جئت رأيت، حتى إذا كان يومُ الخميس عُرض قولُه وعملُه، فأقرَّ
منه ما كان من خير أو شرٍّ، وأُلقي سائره، فذلك قوله تعالى: (يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
وَيُثْبِثٌ)(٢).
ثم إنَّ المباح على القول بكتابته يكتبه ملكُ الشِّمال على ما يُشعر به ما أخرجه
ابنُ أبي شيبة والبيهقي في ((شعب الإيمان)) من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية
أن رجلاً كان على حمارٍ فعثر به فقال: تَعَستُ، فقال صاحب اليمين: ما هي
بحسنة فأكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي بسيئة فأكتبها، فَنُودي صاحبُ
الشمال: إن ما تَركَه صاحبُ اليمين فاكتُبه(٣) .
وجاء في بعض الأخبار أنَّ صاحبَ اليمين أمينٌ على صاحب الشمال(٤). وقد
أخرج ذلك الطبراني وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) من حديث أبي أمامة
(١) الدر المنثور ١٠٣/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٢١٨/٧، والمستدرك ٤٦٥/٢.
(٢) الدر المنثور ٦/ ١٠٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣٠٨/١٠، وتفسير الطبري ٥٦٥/١٣.
(٣) الدر المنثور ١٠٤/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٢٢٠، وشعب الإيمان (٥١٨٢).
(٤) أخرجه الطبري ٤٢٤/٢١ من قول إبراهيم التيمي.

الآية : ١٨
٤٣١
مرفوعاً، وفيه: ((فإذا عَمِلَ العبدُ حسنةً كُتبت له بعشر أمثالها، وإذا عَمِلَ سيئة وأراد
صاحبُ الشِّمال أن يكتبها قال صاحب اليمين: أَمْسِكْ، فيمسك ستَّ ساعات أو
سبع ساعات، فإن استغفرَ اللهَ تعالى منها لم يَكتب عليه منها شيئاً، وإن لم
يستغفِرِ الله تعالى كُتبت عليه سيئة واحدة))(١).
ومثلُ الاستغفار كما نصَّ عليه فعلُ طاعةٍ مُكفِّرة في حديثٍ آخرَ: أنَّ صاحب
اليمين يقول: دَعْهُ سبعَ ساعاتٍ لعلَّه يُسبِّح أو يستغفر(٢).
وظاهرُ الآية عمومُ الحكم للكافر، فمعه أيضاً مَلَكان يكتبان ما لَه وما عليه من
أعماله، وقد صرَّح بذلك غيرُ واحد، وذكروا أنَّ ما له الطاعاتُ التي لا تتوقّف على
نيّة كالصدقة وصِلة الرحم، وما عليه كثيرٌ لاسيما على القول بتكليفه بفروع الشريعة.
وفي ((شرح الجوهرة)): الصحيحُ كتبُ حسنات الصبيِّ وإن كان المجنون لا حفظةً
عليه؛ لأنَّ حاله ليست متوجهة للتكليفِ بخلاف الصبيِّ، وظاهرُ الآية شمولُ الحُكم
له. وتردّد الجَزولي في الجِنِّ والملائكة أَعليهم حَفَظةٌ أَمْ لا، ثم جزم بأنَّ على الجنِّ
حفظةً، وأَتبعه القولَ بذلك في الملائكة عليهم السلام، قال اللّقاني بعد نقله: ولم
أَقِفْ عليه في الجِنِّ لغيره، ويُقهم منه أنه وَقَفَ عليه في الملائكة لغيره، ولعلَّه ما حُكي
عن بعضهم أنَّ المرادَ بالروح في قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]
الحفظةُ على الملائكة، ويحتاج دعوى ذلك فيهم وفي الجِنِّ إلى نَقْل.
وأما اعتراضُ القولِ به في الملائكة بلزوم التسلسل فمدفوعٌ بما لا يخفى على
المتأمِّل.
ثم إنَّ بعضهم استظهر في المَلكين اللذين مع الإنسان كونهما مَلَكين بالشخص
لا بالنوع لكلِّ إنسانٍ يلزمانه إلى مماته فيقومان عند قبره يُسبِّحان الله تعالى ويَحمدانه
1
(١) المعجم الكبير (٧٩٧١)، وشعب الإيمان (٧٠٤٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٨/١٠ :
فيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب. اهـ. وأخرجه الطبراني (٧٧٦٥) بنحوه، وضعَّفه العراقي
في تخريج أحاديث الإحياء ١٤٨/٤ .
(٢) أخرجه الروياني (١٢١٥)، والبغوي ٢٢٣/٣ من حديث أبي أمامة ه، وفي إسناده أيضاً
جعفر بن الزبير.

الآية : ١٨
٤٣٢
ويُكبِّرانه، ويَكتبان ثوابَ ذلك لصاحبهما إنْ كان مؤمناً، أخرج أبو الشيخ في
(العظمة)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أنس أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((إنَّ اللهَ تعالى
وكلَ بعبده المؤمن مَلَكين يكتبان عَمَلَه، فإذا مات قال الملكان اللَّذان وُكِّلا به: قد
مات، فَأُذَنْ لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله تعالى: سمائي مملوءةٌ من ملائكتي
يسبِّحونني، فيقولان: أنُقِيم في الأرض؟ فيقول اللهُ تعالى: أرضي مملوءةٌ من خَلْقي
يسبِّحونني، فيقولان: فأين؟ فيقول: قُومًا على قبر عبدي فسبِّحاني واحمداني
وكَبِّراني، واكتُبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة))(١). وجاء أنهما يلعنانه إلى يوم القيامة
إنْ كان كافراً.
وقال الحسن: الحفظةُ أربعةٌ: اثنان بالنهار واثنانِ بالليل. وهو يحتمل التبدُّلَ
بأن يكون في كلِّ يومٍ وليلة أربعةٌ غير الأربعة التي في اليوم والليلة قبلَهما، وعَدَمَه.
وقال بعضهم: إن ملَكَ الحسناتِ يتبدّل تنويهاً بشأن الطائع، وملك السيئات
لا يتبدَّل ستراً على العاصي في الجملة.
والظاهرُ أنهما لا يُفارقان الشخص، وقالوا: يُفارقانه عند الجماع ودخولِ
الخلاء، ولا يمنع ذلك من كَتْبهما ما يصدر عنه في تلك الحال، ولهما علامةٌ
للحسنة والسيئة بَدَنَّتين كانتا أو قَلْبِيَّتين.
وبعضُ الأخبار ظاهرةٌ في أنَّ ما في النفس لا يُكتب؛ أخرج ابن المبارك، وابن
أبي الدنيا في ((الإخلاص))، وأبو الشيخ في ((العظمة))، عن ضمرة بن حبيب قال:
قال رسول الله وَله: ((إنَّ الملائكة يصعدون بعمل العبدِ من عباد الله تعالى فَيُكَثِّرونه
ويُزَكُونه حتى ينتهوا به حيث شاء اللهُ تعالى من سلطانه، فيوحي اللهُ تعالى إليهم:
إِنَّكم حَفَظَةٌ على عمل عبدي، وأنا رقيبٌ على ما في نفسه، إنَّ عبدي هذا لم
يُخلِصْ لي عَملَه فاجعلوه في سِجِّين، قال: ويصعدون بعمل العبدِ من عبادِ الله
(١) الدر المنثور ١٠٥/٦، والعظمة (٥٠٥)، والشعب (٩٩٣١)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في
الموضوعات (١٦٦٠). وفي إسناده: عثمان بن مطر. قال ابن الجوزي: وهذا لا يصح،
وقد اتفقوا على تضعيف عثمان بن مطر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات،
لا يحلُّ الاحتجاج به.

الآية : ١٨
٤٣٣
سُورالا قس
تعالى فيستقلُّونه ويحتقرونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله تعالى من سلطانه فيوحي اللهُ
تعالى إليهم: إنَّكم حَفَظةٌ على عمل عبدي، وأنا رقيبٌ على ما في نَفْسه فضاعِفوه
له، واجعلوه في عِلِّيين)(١).
وجاء من حديث عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) عن أبي عمران الجَوْني
أنه يُنادى الملكُ: اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا، أي: من العمل الصالح فيقول:
يا ربّ، إنَّه لم يعمله؟ فيقول سبحانه وتعالى: إنه نواه(٢) .
وقد يقال: إنَّهما يكتبان ما في النفس ما عدا الرياء والطاعات المَنْويَّة جمعاً بين
الأخبار، وجاء أنه يُكتب للمريض والمسافر مثلُ ما كان يعمل في الصِّحة والإقامة
من الحسنات، أخرج ابنُ أبي شيبة، والدارقطني في ((الأفراد))، والطبراني،
والبيهقي في ((الشعب))، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((ما مِنْ
أحدٍ من المسلمين يُبتلى ببلاءٍ في جسده إلا أمرَ الله تعالى الحَفَظَة، فقال: اكتبوا
لعبدي ما كان يعمل وهو صحيحٌ ما دام مشدوداً في وثاقي)»(٣).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((من مَرِضَ أو
سافر كتب اللهُ تعالى له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً))(٤).
وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أن بعضَ الطاعات يكتبها غيرُ هذين المَلَكين، ثم
إنَّ الملائكةَ الذين مع الإنسان ليسوا محصورين بالمَلَكين الكاتبين، فعن عثمان أنه
(١) الدر المنثور ٦/ ١٠٤، والزهد لابن المبارك (٤٥٢)، والعظمة (٥٢٢)، وفي إسناده:
أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، كما في تهذيب التهذيب ٤٩٠/٤، ثم إن الحديث
مرسل.
(٢) الدر المنثور ١٠٣/٦-١٠٤، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية ٣١٣/٢ من طريق عبد الله بن
احمد.
(٣) الدر المنثور ١٠٤/٦-١٠٥، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٣٠/٣، وشعب الإيمان (٩٩٢٩)،
وأخرجه أيضاً أحمد (٦٤٨٢)، وعزاه للطبراني الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٣٠٣ وقال:
رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٤) الدر المنثور ٦/ ١٠٥، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٣٠/٣، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٦٧٩)،
والبخاري (٢٩٩٦).

٤٣٤
الآية : ١٩
سأل النبيَّ وَّهِ: كم [من] ملك على الإنسان؟ فذكر عشرين ملكاً(١)، قاله المهدوي
(٢)
في الفيصل(٢).
وذكر بعضهم أن المُعقِّبات في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ،
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَعْرِ اَللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] غير الكاتبين بلا خلاف، وحكى اللَّقاني عن ابن
عطية: أنَّ كلَّ آدميٍّ يوكل به من حين وقوعه نُطفةً في الرحم إلى موته أربع مئة
مَلَك، والله تعالى أعلم بصحّة ذلك.
وروى ابن المنذر وأبو الشيخ في ((العظمة)) عن ابن المبارك أنه قال: وُكِّل
بالعبد خمسة أملاك؛ مَلَكان بالليل ومَلَكانِ بالنهار يجيئان ويَذْهبان، وملك خامسٌ
لا يُفارقه لا ليلاً ولا نهاراً(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِاَلٍَْ﴾ إلى آخره، كلامٌ واردٌ بعد تتميم
الغرض من إثبات ما أنكروه من البعث بأبين دليلٍ وأوضحهِ، داٌّ على أنَّ هذا
المُنكر أنتم لاقوه فَخُذوا حِذْرَكم، والتعبير بالماضي هنا وفيما بعدُ لتحقُّق الوقوع،
و((سكرة الموت)): شدَّته، مستعارةٌ من الحالة التي تعرض بين المرء وعَقْله بجامع
أنَّ كلّ منهما يُصيب العقل بما يُصيب، وجُوِّز أن يُشبّه الموت بالشَّراب على طريق
الاستعارة المَكْنية، ويُجعل إثبات السَّكرة له تخييلاً، وليس بذاك.
والباء إما للتعدية كما في قولك: جاء الرسولُ بالخبر، والمعنى: أَحضرت
سكرةُ الموت حقيقةَ الأمر الذي نَطَقت به كُتب الله تعالى ورُسُلُه عليهم الصلاة
والسلام، وقيل: حقيقة الأمر وجليَّة الحال من سعادة الميت وشقاوته. وقيل:
بالحقِّ الذي ينبغي أن يكونَ من الموت والجزاء، فإنَّ الإنسانَ خُلق له.
(١) أخرجه الطبري ٤٥٦/١٣ مطولاً، وأورده ابن كثير في تفسير الآية (١١) من سورة الرعد،
وقال: حديث غريب جداً. اهـ. ولفظة: من. لم ترد في الأصل و(م)، واستدركت من
المصادر، ومما سيأتي ٦٥/٣٠.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ولعلَّه: التفصيل، كما ذُكرَ في كشف الظنون ١/ ٤٦٢، وهو:
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير للمهدوي أحمد بن عمار، المتوفى بعد الثلاثين
وأربع مئة، وهو تفسير كبير، ثم اختصره وسماه: التحصيل.
(٣) الدر المنثور ١٠٣/٦، والعظمة (٥٢١).

الآية : ١٩
٤٣٥
وإما للملابسة كما في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: مُلتبسة
بالحقِّ، أي: بحقيقة الأمر، وقيل: بالحكمة والغاية الجميلة.
وقرئ: ((سكرة الحقِّ بالموت))(١)، والمعنى أنها السَّكرة التي كُتبت على
الإنسان بموجب الحِكمة، وأنها لِشدَّتها تُوجب زُهوق الروح أو تستعقبه، وقيل:
الباء بمعنى ((مع))، وقيل: سكرةُ الحقِّ سكرةُ الله تعالى، على أنَّ ((الحقَّ)) من أسمائه
عز وجل، والإضافةُ للتهويل؛ لأنَّ ما يَجيء من العظيم عظيمٌ.
وقرأ ابنُ مسعود: ((سكرات الموت)) جمعاً(٢)، ويُوافق ذلك ما أخرج البخاري
والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة أنَّ رسولَ الله وَّه كانت بين يديه رَكْوٌ - أو
عُلبة - فيها ماءٌ، فجعل يُدخِلُ يديه في الماء فيمسح بهما وَجْهَه ويقول: ((لا إلهَ
إلا اللهُ، إن للموتِ سكراتٍ))(٣)، وجاء في حديث صحَّحه الحاكم عن القاسم بن
محمد عن عائشة أيضاً قالت: لقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِّرِ وهو بالموت، وعنده قَدَحُ
فيه ماء وهو يُدخِل يدَه في القدح ثم يمسحُ وَجْهَه بالماء، ثم يقول: ((اللهمَّ أَعني
على سَكَرات الموت)) (٤).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الحقّ ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تِدُ ﴾﴾ أي: تَميل وتَعدل، فالإشارة إلى
الحقِّ، والخطابُ للفاجر لا للإنسان مطلقاً، والإشارة إلى الموتِ، لأنَّ الكلامَ في
الكَفَرة، وإنما جيء بقوله تعالى: (وَلَغَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ) لإثبات العلم بجزئيات أحوالهِ
وتَضمينِ شِبْهِ وعيدٍ لهؤلاء إدماجاً، والتخلّصِ منه إلى بيان أحوالهِ في الآخرة، ولأنَّ
قوله سبحانه وتعالى: (لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ) إلخ، يُناسب خطابَ هؤلاء، وكذلك
(١) القراءات الشاذة ص١٤٤، والمحتسب ٢٨٣/٢، ونسبت لأبي بكر مه.
(٢) البحر المحيط ١٢٤/٨ .
(٣) صحيح البخاري (٤٤٤٩) واللفظ له من طريق ذكوان مولى عائشة مؤقتا، وسنن الترمذي
(٩٧٨)، وسنن النسائي الكبرى (٧٠٦٤)، وسنن ابن ماجه (١٦٢٣) من طريق القاسم بن
محمد عن عائشة ﴿ا، وفيه: اللهم أعني على سكرات الموت، بدل: إن للموت سكرات.
وسیذکره المصنّف بعده.
(٤) المستدرك ٥٦/٣-٥٧، وينظر التعليق السابق.

سولاڤٹ
٤٣٦
الآية : ١٩
ما يعقبه على ما لا يخفى. وأما حديثُ مُقابلیهم فقد أخذ فیه حیث قال عز وجل :
(وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ) الآيات.
وقال بعضُ الأجِلَّة: الإشارةُ إلى الموت، والخطابُ للإنسان الشامل للبَرِّ
والفاجر، والنَّرةُ عن الموت شاملةٌ لكلّ من أفرادِهِ طبعاً.
وقال الطيبي: إنْ كان قولُه تعالى: ((وجاءَتْ سكرةُ الموت)) متصلاً بقوله
سبحانه: ((بل هم في لبْس من خَلْقٍ جديد)) وقوله تعالى: ((كذَّبت قبلَهم قومُ نوح))،
فالمناسبُ أن يكونَ المشارُ إليه الحقّ والخطاب للفاجر، وإن كان متصلاً بقوله
تعالى: ((ولقد خَلَقْنا الإنسان))، فالمناسبُ أن يكونَ المشارُ إليه الموت، والخطاب
للجنس، وفيه البَرُّ والفاجر، والالتفاتُ لا يُفارق الوجهين. والثاني هو الوجهُ،
لقوله تعالى بعد ذلك: ((وجاءت كلُّ نفس)) إلخ، وتفصيله بقوله تعالى: ((ألقيا في
جهنم كلَّ كفَّار عَنيد))، و(أُزلفت الجنةُ للمتقين غيرَ بعيد)) وفيه ما يُعلم مما قدَّمنا.
وحكى في ((الكشاف)» (١) عن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك، فقال:
الخطابُ لرسول الله وَّر، فحكاه لصالح بن كيسان، فقال: واللهِ ما سنٍّ (٢) عالية
ولا لسان فَصيح ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن
عبد الله بن عُبيد الله بن عباس، فقال: أُخالفهما جميعاً هو للبرِّ والفاجر. وكأنَّ هذه
المخالفة لنحو ما سمعت عن الطيبي. وفي بعض الآثار ما يُؤيِّد القولَ بالعموم؛
أخرج ابن سعد عن عروة قال: لما مات الوليدُ بَكَتْ أمُّ سلمة فقالت:
ـدِ بنِ الوليد بن المغيرة
ياعين فابكي للوليـ
ـدِ أبو الوليدِ فتى العشيره
كان الوليدُ بن الوليـ
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تقولي هكذا يا أُمَّ سلمة، ولكن قولي: (وَجَتْ سَكْرَةُ
الْمَوْتِ بِلَلَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ قِدُ) (٣)). وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى
(١) ٤ / ٧.
(٢) في الأصل و(م): من. والمثبت من الكشاف ٧/٤، والخبر أخرجه الطبري ٤٣١/٢١-٤٣٢ .
(٣) الدر المنثور ١٠٥/٦، وطبقات ابن سعد ١٣٣/٤، ونقله عنه السيوطي في نظم العقيان
ص١٨ - ١٩.

الآية : ٢٠ - ٢١
٤٣٧
سږاڤٹ
الزبير بن العوام قال: لما حضر أبو بكر الوفاةَ تمثّلت عائشة بهذا البيت:
أَعاذِل ما يُغني الحِذار عن الفتى إذا حَشْرِجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدرُ
فقال أبو بكر: ليس كذلك يا بُنَّة، ولكن قولي: (وَجَّمَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحِّ ذَلِكَ مَا
كُتَ مِنْهُ قِيدٌ) (١)، وفي رواية لابن المنذر وأبي عُبيد أنها قالت:
ثِمالُ اليتامى عِضْمةٌ للأرامل
وأبیضَ يُستسقى الغمام بوجهه
فقال له: بل جاءت سكرة الموت .. إلخ(٢)، إذ التمثُّل بالآية على تقدير
العموم أو فقُ بالحال كما لا يخفى.
﴿وَتُفِيخَ فِ الفُرِ﴾ أي: نفخةُ البعث ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى النفخ المفهوم من ((نُفِخ)»
والكلام على حذف مضاف، أي: وقتُ ذلك النَّفخ ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾﴾ أي: يوم
إنجاز الوعيدِ الواقع في الدنيا، أو يوم وقوعِ الوعيد، على أنه عبارةٌ عن العذاب
الموعود. وجُوِّز أن تكونَ الإشارةُ إلى الزمان المفهوم من ((نُفِخَ))، فإنَّ الفعلَ
كما يدلُّ على الحدث يدلُّ على الزمان، وعليه لا حاجةً إلى تقدير شيء، لكن قيل
عليه: إنَّ الإشارةَ إلى زمان الفعل مما لا نظيرَ له.
وتخصيصُ الوعيدِ بالذِّكر على تقدير كون الخطاب للإنسان مطلقاً مع أنه يومُ
الوعدِ أيضاً بالنسبة إليه للتهويل.
﴿وَحَتَ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس البَرَّة والفاجرة كما هو الظاهر ﴿مَّعَهَا سَآَبِقٌ
وَشَهِيدٌ ﴾﴾ وإن اختلفت كيفية السَّوقِ والشهادة حسب اختلاف النفوس عملاً،
(١) الدر المنثور ١٠٥/٦، والزهد لأحمد ص١٣٦، وتفسير الطبري ٤٢٧/٢١-٤٢٨، وأخرجه
أيضاً ابن سعد ١٩٦/٣، وابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣٦). وقد أثبتت الآية في
المصادر كما جاءت في المصحف ما عدا تفسير الطبري، ففيه أن أبا بكر قرأ: ((وجاءت
سكرة الحق بالموت)) والخبر عنده من طريق أبي وائل، لا من طريق عبد الله مولى الزبير.
(٢) الدر المنثور ٦/ ١٠٥، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص١٨٤، وفيهما: فقال حظه: بل جاءت
سكرة الحق بالموت. زاد في الدر: قدم الحق وأخر الموت. قال أبو عبيد في الفضائل:
هكذا أحسبه قرأها، قدم الحق وأخر الموت. والخبر أخرجه أحمد (٢٦) دون ذكر الآية،
وفيه أن أبا بكر به قال بعد سماعه البيت: ذاك واللهِ رسول الله وَلـ

سُوُراڤٹ
٤٣٨
الآية : ٢١
أي: معها ملكان أحدُهما يسوقها إلى المحشر والآخر يشهد بعملها، ورُوي ذلك
عن عثمان رَؤُه وغيره، وفي حديث أخرجه أبو نُعيم في ((الحلية)) عن جابر مرفوعاً
تصريحٌ بأنَّ مَلَكَ الحسناتِ وملكَ السيئات أحدُهما سائقٌ والآخرُ شهيد(١).
وعن أبي هريرة: السائقُ ملكُ الموت، والشهيدُ النبيُّ وَلِّ. وفي رواية أُخرى
عنه: السائقُ ملكٌ، والشهيدُ العمل. وكلاهما كما ترى.
وقيل: الشهيدُ الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وعن ابن عباس والضحاك: السائقُ
مَلَكٌ، والشهيدُ جوارح الإنسان. وتَعَقَّبه ابنُ عطية (٢) بقوله: وهذا بعيدٌ عن ابن
عباس؛ لأنَّ الجوارحَ إنما تشهد بالمعاصي، وقوله تعالى: ((كلّ نفس)) يعمُّ
الصالحين.
وقيل: السائقُ والشهيد مَلَكٌ واحد، والعطفُ لمغايرة الوصفين، أي: معها
ملكٌ يسوقُها ويشهدُ عليها. وقيل: السائقُ نفسُ الجائي والشهيدُ جوارحُه. وتعقّب
بأن المَعِيَّة تأباه، والتجريدُ بعيدٌ، وفيه أيضاً ما تقدَّم آنفاً عن ابن عطية. وقال
أبو مسلم: السائق شيطانٌ كان في الدنيا مع الشخص. وهو قولٌ ضعيف. وقال
أبو حيان(٣): الظاهر أنَّ((سائقٌ وشهيد)) اسما جنسٍ، فالسائقُ ملائكة مُوَّلون
بذلك، والشهيدُ الحَفَظةُ وكلُّ مَنْ يشهد، ثم ذكر أنه يشهد بالخير الملائكةُ والبقاع،
وفي الحديث: ((لا يسمعُ مَدَى صوتِ المؤذِّن إنسٌ ولا جِنٍّ ولا شيء إلا شَهِدَ له
يومَ القيامة))(٤).
و((معها)) صفةُ ((نفس)) أو ((كلّ)) وما بعدَه فاعلٌ به لاعتماده، أو ((معها)) خبرٌ
مقدَّم وما بعده مبتدأ، والجملةُ في موضع الصِّفة، واختير كونها مستأنفة استئنافاً
بيانيّاً لأن الأخبار بعد العلم بها أوصاف، ومضمون هذه الجملة غيرُ معلوم،
فلا تكون صفةً إلا أن يُدعى العلم به، وأنت تعلم أنَّ ما ذكر غير مُسَلَّم.
(١) حلية الأولياء ٣/ ١٩٠.
(٢) المحررالوجيز ٥/ ١٦٢.
(٣) البحر المحيط ٨/ ١٢٤.
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٩)، وأحمد (١١٣٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري ـ

الآية : ٢٢
٤٣٩
وقال الزمخشري: محلُّ ((معها سائق)) النصبُ على الحال من ((كلّ)) لتعرُّفه
بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة(١)، فإنَّ أصلَ كلّ أن يُضافَ إلى الجمع كأفعل
التفضيل؛ فكأنه قيل: كلُّ النفوس يعني أنَّ هذا أصلُه، وقد عدل عنه في الاستعمال
للتفرقة بين ((كلّ)) الإفرادي والمجموعي. ولا يخفى أنَّ ما ذكره تكلُّفٌ لا تُساعده
قواعدُ العربية، وقد قال عليه في ((البحر)): إنه كلامٌ ساقطً لا يصدر عن مبتدئ في
النحو(٢). ثم إنه لا يحتاج إليه، فإن الإضافة للنكرة تُسوِّغ مجيء الحال منها،
وأيضاً ((كلّ)) تفيدُ العموم، وهو من المسوِّغات كما في ((شرح التسهيل)).
وقرأ طلحة: (مَخَا سائق)) بالحاء مُثَقَّلة(٣)، أدغم العين في الهاء فانقلبتا حاءً،
كما قالوا : ذَهَبَ مَثُم، يريدون: معهم.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ محكيٍّ بإضمار قول، والجملةُ
استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ مما قبلَه، كأنه قيل: فماذا يكون بعدَ النفخ ومَجيء
كلِّ نفس معها سائقٌ وشهيد؟ فقيل: يقال للكافر الغافل إذا عاين الحقائق التي لم
يُصدِّق بها في الدنيا من البعث وغيره: ((لقد كنتَ في غَفْلةٍ من هذا)) الذي تُعاينه،
فالخطابُ للكافر كما قال ابن عباس وصالح بن كيسان. وتنكيرُ الغَفْلة وجَعْلُه فيها
وهي فيه يدلُّ على أنها غَفْلة تامَّة، وهكذا غَفْلة الكَفَرة عن الآخرة وما فيها .
وقيل: الجملة محكيَّةٌ بإضمار قول هو صفة لـ ((نفس)) أو حال، والخطاب عامٌّ،
أي: يقال لكلِّ نفس، أو قد قيل لها: ((لقد كنت))، والمراد بالغَفْلة: الذُّهول مطلقاً
سواء كان بعدَ العلم أَمْ لا، وما من أحدٍ إلا وله غَفْلةٌ ما من الآخرة وما فيها.
وجوِّز الاستئناف على عمومِ الخطاب أيضاً.
وقرأ الجحدري: ((لقد كنتِ)) بكسر التاء(٤) على مخاطبةِ النفس، وهي مُؤَنَّثة،
وتذكيرها في قوله :
(١) الكشاف ٤/ ٧.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٢٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) القراءات الشاذة ص١٤٤ .
ه بـ
٠

الآية : ٢٢
٤٤٠
يا نفسُ إنك باللَّذات مسرور(١)
على تأويلها بالشخص، ولا يلزم في قراءة الجمهور؛ لأنَّ التعبيرَ بالنفس في
الحكاية لا يستدعي اعتبارَه في المحكيِّ كما لا يخفى.
﴿فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ﴾ الغطاءُ: الحجابُ المغطِّي لأمور المَعاد، وهو الغَفْلة
والانهماكُ في المحسوسات والإلف بها وقَصْر النظر عليها، وجُعِلَ ذلك غطاءً
مجازاً، وهو إما غطاءُ الجسد كلِّه أو العينين، وعلى كِليهما يصحُّ قوله تعالى: ﴿فَصَرُكَ
اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي: نافذٌ لزوال المانع للإبصار، أما على الثاني فظاهرٌ، وأما على
الأول فلأن غطاءَ الجسدِ كلِّه غطاءٌ للعينين أيضاً، فَكَشْفه عنه يستدعي كَشْفَه عنهما .
وزعم بعضهم أنَّ الخطابَ للنبيِّ وََّ، والمعنى: كنتَ في غَفْلةٍ من هذا الذي
ذكرناه من أمر النَّفْخ والبعث ومَجيء كلِّ نفس معها سائقٌ وشهيدٌ وغير ذلك،
فكشفنا عنك غطاءَ الغَفْلة بالوحي وتعليم القرآن، فبصرك اليومَ حديدٌ ترى ما لا يرون
وتعلم ما لا يعلمون. ولَعمري إنَّه زَعْمٌ ساقطٌ لا يُوافق السّباق ولا السّياق. وفي
((البحر)): وعن زيد بن أسلم قولٌ في هذه الآية يحرمُ نَقْله، وهو في كتاب ابنُ
عطية (٢). انتهى. ولعله أراد به هذا (٣)، لكن في دعوى حُرمة النقل بحثٌ.
وقرأ الجحدري وطلحة بن مُصَرِّف بكسر الكافات الثلاثة، أعني كاف ((عنك))
وما بعدَه(٤)، على خطاب النَّفس، ولم ينقل صاحبُ ((اللوامح)) الكسرَ في الكاف
إلا عن طلحة، وقال: لم أَجِدْ عنه في ((لقد كنت)) الكسرَ، فإن كَسر فيه أيضاً فذاك،
وإن فَتح يكون قد حَمل ذلك على لفظ ((كلّ)) وحَمل الكسر فيما بعدَه على معناه
لإضافته إلى ((نفس))، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿فَلَهُ: أَجْرُهُ﴾ وقوله سبحانه بعدَه: ﴿وَلَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١١٢]. انتهى.
(١) ذكره أبو السعود في تفسيره ١٣٠/٨، وعزاه لجبلة بن حريث، وعجزه:
فاذكر فهل ينفعك اليوم تذكير
(٢) البحر المحيط ١٢٥/٨، والمحرر الوجيز ١٦٢/٥.
(٣) وهو كما قال المصنف رحمه الله، فقد ذكره ابن عطية عن زيد بنحو القول المذكور.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٤، والبحر المحيط ١٢٥/٨.