Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ٧
٣٦١
سُورَةُ المُعْرَاتِ
والثالث: ما في العَنَت من الدلالة على أشدِّ المحذور، فإنه الكَسْر بعد الجَبْر،
والرمز الخفيّ على أنه ليس بأول بادرة.
والرابع: ما في تعميم الخطاب - والحريُّ به غير الكُمَّل - من التعريض ليكون
أردعَ لمرتكبه وأزجرَ لغيره، كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا تبيَّنوا إن جاءكم فاسقٌ
ولا تكونوا أمثالَ هؤلاء ممن استفزَّه النبأ قبل تعرُّف صِدْقه، ثم لا يُقنعه ذلك حتى
يريدَ أن يستتبع رأي من هو المتبوع على الإطلاق فيقع هو ويقع غيره في العَنَت
والإرهاق، واعلموا جلالةَ رسول اللهِنَّه وتفادَوْا عن أشباه هذه الهَنَات.
وقوله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّتَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْمِصْيَانُّ﴾ استدراكٌ على ما يقتضيه الكلام، فإن ((لو يُطيعكم))
خطابٌ كما سمعتَ للبعض الغير الكُمَّل، عمّم للفوائد المذكورة، والمُحبَّبُ
إليهم الإيمان هم الكُمَّل، فكأنه قيل: ولكنَّ الله حَبَّبَ إلى بعضكم الإيمانَ،
وعدلَ عنه لنداء الصِّفة به، وعليه قولُ بعض المُفَسِّرين: هم الذين امتحن الله
قلوبَهم للتقوى. والإشارةُ بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ ﴾﴾ إليهم، وفيه
نوعٌ من الالتفات، والخِطابُ فيه للرسول وَلَ كأنه تعالى يُبَصِّره عليه الصلاة
والسلام ما هم فيه من سبق القَدم في الرَّشاد، أي: إصابة الطريق السَّوي،
فحاصلُ المعنى: أنتم على الحال التي ينبغي لكم تغييرُها وقد بدرَ منكم ما بدرَ،
ولكنّ ثَّ جمعاً عمَّا أنتم عليه من تصديق الكاذب وتزيين الإيقاع بالبريء وإرادة
أن يتبعَ الحقّ أهواءَكم برآء، لأنَّ الله تعالى حَبَّبَ إليهم الإيمان .. إلخ. وهذا
أولى من جعل («لو يُطيعكم)) إلخ، في معنى ما حبّب إليهم الإيمان تغليظاً؛ لأنَّ
من تصدَّى للإيقاع بالبريء بين يدي الرسول وَّه وجَسَر على ارتكاب تلك
العظيمةِ لم يكن محبوباً إليه الإيمان، وإنْ كان ذلك أيضاً سديداً لشيوع التصرُّف
في الأواخر في مِثْله.
وجعله بعضُهم استدراكاً ببيان عُذْرهم فيما بدر منهم، ومآلُ المعنى: لم
يحملكم على ما كان منكم اتّباع الهوى ومَحبَّة متابعةِ النبيِّ وَِّ لآ رائكم، بل محبَّةُ
الإيمان وكراهة الكُفر هي الداعيةُ لذلك، والمناسب لِمَا بعدُ ما ذكرناه.

الآية : ٧
٣٦٢
سُورَةُ المُراتِ
وجوَّز غير واحد من المُعربين أن ((لو يُطيعكم)) استئنافٌ على معنى أنه لما قيل:
((واعلموا أنَّ فيكم رسولَ الله)) دالًّا على أنهم جاهلون بمكانه عليه الصلاة والسلام
مُفرِّطون فيما يجب من تعظيم شأنه - أعلى الله تعالى شأنَه ــ اتَّجه لهم أن يسألوا:
ماذا فعلوا حتى نُسبوا إلى التفريطِ، وماذا ينتجُ من المَضَرَّة؟ فأُجيبوا بما يُصرِّحُ
بالنتيجة لخفائها، ويُومئ إلى ما فيها من المَعَرَّة من وقوعهم في العَنَت بسبب
استتباع من هو في عُلُوِّ المنصب اقتداءً يتخطَّى أعلى المَجَرَّة. وهو حسنٌ لولا أن
(واعلموا)) كلامٌ من تتمَّةِ الأول كما يُؤذن به العطف، لا واردٌ تقريعاً على
الاستقلال، فيأبى التقدير المذكور لتعيُّن مُوجب التفريط، وأيضاً يفوتُ التعريضُ
وأن ذلك بادرة من بعضهم في قصة ابن عُقبة، ويتنافر الكلام.
هذا، و((كَرَّه)) يتعدَّى بنفسه إلى واحد، وإذا شُدِّد زاد له آخر، لكنَّه ضُمِّن في
الآية معنى التبغيض، فَعُومِلَ مُعاملته، وحسَّنه مقابَلَتُه لـ ((حَبَّب))، أو نزِّل ((إليكم))
منزلةً مفعولٍ آخر.
و ((الكفر)»: تغطيةُ نِعَم الله تعالى بالجُحود، و((الفسوق)): الخروجُ عن القَصْد،
ومأخذُه ما تقدَّم، و((العصيان)): الامتناعُ عن الانقياد، وأصله من عَصَت النواةُ:
صَلُبَتْ واشتدَّتْ، والكلامُ أعني قوله تعالى: ((ولكن الله)) إلخ، ثناءٌ عليهم بما يَردف
التحبيب المذكور والتكريه من فعل الأعمال المَرْضية والطاعات والتجنُّبِ عن
الأفعال القبيحةِ والسيئات على سبيل الكناية ليقعَ التقابل موقعَه على ما سلف آنفاً .
وقيل: الداعي لذلك ما يلزمُ على الظاهر من المَدْحِ بفعل الغير مع أنَّ الكلامَ
مسوقٌ للثناء عليهم، وهو في إيثارهم الإيمانَ وإعراضهم عن الكُفر وأخويه لا في
تحبيب الله تعالى الإيمان لهم وتكريههِ سبحانه الكُفر وما معه إليهم. وأنت تعلمُ أن
الثَّناءَ على صفةِ الكمال - اختياريةٌ كانت أَوْ لا - شائعٌ في عُرف العرب والعَجَم،
والمُنكِر معاندٌ، على أنَّ ذلك واقعٌ على الجماد أيضاً، والمسلَّم الضروريُّ أنه
لا يُمَح الرجلُ بما لم يفعله على أنه فَعَلَه، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ
أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمَ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] أما أنه لا يُمدّح به على أنه صفة له فليس
بمسلَّم، فلا تغفل.

الآية : ٨ - ٩
٣٦٣
سُؤَّةُ الُهُرَاتِ
﴿فَضّلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ﴾ تعليلٌ للأفعال المُستندة إليه عز وجل في قوله
سبحانه: ((ولكنَّ اللهَ حَبَّب)) إلخ، وما في البين اعتراضٌ، وجُوِّز كونُه تعليلاً
الراشدين، وصحَّ النصبُ على القول باشتراطِ اتحاد الفاعل - أي: من قام به
الفعلُ وصدرَ عنه موجداً له أو لا - لما أن الرّشد وقع عبارةً عن التحبيب والتزيين
والتكريه مُسندَةً إلى اسمه تبارك اسمه، فإنه لو قيل مثلاً: حبَّب إليكم الإيمان
فضلاً منه، وجُعل كنايةً عن الرّشد لصحَّ، فيحسن أن يقال: أولئك هم الراشدون
فضلاً، ويكون في قوَّة: أولئك هم المُحبَّبون فضلاً، أو لأنَّ الرُّشد هاهنا يستلزم
كونَه تعالى شأنه مرشداً، إذْ هو مطاوع أرشد، وهذا نظيرُ ما قالوا من أن الإراءة
تسلتزم رؤيةً في قوله سبحانه: ﴿يُرِيكُمُ الْرَفَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ٧] فيتحدُ
الفاعل ويصحُّ النصب.
وجُوِّز كونه مصدراً لغير فِعْله، فهو منصوبٌ إما بـ ((حبَّب)) أو بالراشدين، فإن
التحبيب والرشد من فضل الله تعالى وإنعامه.
وقيل: مفعولٌ به لمحذوف، أي: يبتغون فضلاً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ﴾ مبالغٌ في العلم، فيعلم أحوالَ المؤمنين وما بينهم من التفاضل
﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ يفعلُ كلَّ ما يفعلُ من إفضال وإنعام وغيرهما بموجب الحِكمة.
﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ﴾ أي: تقاتلوا، وكان الظاهرُ: اقتتلتا، بضمير
التثنية كما في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بالتُّصح وإزالة الشُّبه إنْ كانت
والدعاءِ إلى حُكم الله عز وجل، والعُدولُ إلى ضمير الجمع لرعاية المعنى، فإنَّ كلَّ
طائفة من الطائفتين جماعة، فقد رُوعي في الطائفتين معناهما أولاً ولفظهما ثانياً
على عكس المشهور في الاستعمال، والنكتة في ذلك ما قيل: إنهم أولاً في حال
القتال مُختلطون، فلذا جُمع أولاً ضميرهم، وفي حال الصُّلح متميِّزون متفارقون،
· فلذا ثُنّي الضمير.
وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((اقتتلتا)) بضمير التثنية والتأنيث(١)، كما هو الظاهر.
(١) الكشاف ٥٦٣/٣، وتفسير القرطبي ٣٧٥/١٩، والبحر المحيط ١١٢/٨.

الآية : ٩
٣٦٤
سُورَةُ لُهُراتِ
وقرأ زيد بن عليٍّ وعُبيد بن عُمير: ((اقتتلا))(١) بالتثنية والتذكير باعتبار أن
الطائفتين فريقان.
﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا﴾ تعدَّت وطلبت العُلوَّ بغير الحقِّ ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾ ولم تتأثَّر
بالنصيحة ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَّ﴾ أي: تَرجِع ﴿إِلَّ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى حُكمه،
أو إلى ما أمر سبحانه به.
وقرأ الزهري: ((حتى تفيَ)) بغير همز وفتح الياء(٢)، وهو شاذِّ كما قالوا في
مضارع جاء: يجي، بغير همز، فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياءَ، أجروه مجرى:
يفي، مضارع: وَفَى، شذوذاً.
وفي تعليق القتال بالموصول إشارةٌ(٣) إلى عِلِّيَّة ما في حيِّز الصِّلة، أي:
فقاتلوها لبغيها .
﴿فَإِنِ فَآءَتْ﴾ أي: رَجَعَتْ إلى أمره تعالى وأقلعت عن القتال حَذَراً من قتالكم
﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بفصل ما بينهما على حكم الله تعالى، ولا تكتفوا بمجرَّد
متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتالٌ في وقت آخر.
وتقييد الإصلاح هنا بالعدل لأنهُ مَظِنَّة الحَيْفِ لوقوعه بعد المُقاتلة، وقد أكّد
ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ أي: اعدِلوا في كلِّ ما تأتون وما تذرون ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾﴾ فيجازيهم أحسنَ الجزاء.
وفي (الكشاف))(٤): في الإصلاح بالعدل والقسط تفاصيل، إنْ كانت الباغية من
قلَّة العدد بحيث لا مَنَعَةَ لها ضَمِنَتْ بعد الفيئة ما جَنَت، وإن كانت كثيرةً ذات مَنَعةٍ
وشَوْكة لم تَضْمَنْ إلا عند محمد بن الحسن، فإنه كان يُفتي بأن الضَّمان يلزمها إذا
فاءت، وأما قبلَ التجمُّع والتجنُّد، أو حين تتفرَّق عند وضع الحرب أوزارها،
فما جَنَته ضمنته عند الجميع، فمحمل الإصلاح بالعَدْل على مذهب محمد واضحٌ
(١) الكشاف ٣/ ٥٦٣، والبحر المحيط ٨/ ١١٢.
(٢) البحر المحيط ١١٢/٨.
(٣) في الأصل و(م): للإشارة، والمثبت هو الصواب.
(٤) ٣ / ٥٦٤ .

الآية : ٩
٣٦٥
سُؤَدَّةُ المُحُرَاتِ
منطبقٌ على لفظ التنزيل. وعلى قول غيره وَجْهُه أن يُحمل على كون الفئةِ قليلةَ
العدد، والذي ذكروا من أن الغرضَ إماتةُ الضغائن وسلُّ الأحقاد دون ضمان
الجنايات ليس بحسن الطّاق للمأمور به من أعمال العدل ومُراعاة القِسط.
قال في ((الكشف)): لأنَّ ما ذكروه من إماتة الأضغان داخلٌ في قوله تعالى: (فَإِن
فَآءَتْ) لأنه من ضرورات التوبة، فأعمال العَدْل والقِسْط إنما يكون في تداركِ
الفرطات. ثم قال: والأَولى على قول الجمهور أن يقال: الإصلاح بالعَدْل أنه
لا يضمن من الطرفين، فإنَّ الباغي معصومُ الدم والمال مثل العادلِ لا سيما وقد
تاب، فكما لا يضمنُ العادلُ المُتْلَفَ لا يضمنه الباغي الفائي، هذا مقتضى العَدْل،
لا تخصيص الضَّمان بطرف دون آخر.
والآيةُ نزلَتْ في قتالٍ وقع بين الأوس والخزرج؛ أخرج أحمد والبخاري
ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن أنس قال: قيل
للنبيِّ وَّهِ: لو أتيت عبد الله بن أُبَيّ. فانطلقَ إليه ورَكِبَ حماراً، وانطلق المسلمون
يمشون وهي أرضٌ سَبِخَةٌ، فلمَّا انطلق إليه قال: إليكَ عنِّي، فوالله لقد آذاني ريحُ
حمارك، فقال رجلٌ من الأنصار: واللهِ، لحمارُ رسول الله وَّه أطيبُ ريحاً منك،
فَغَضِبَ لعبدِ الله رجالٌ من قومه، فَغَضِبَ لكلِّ منهما أصحابُه، فكان بينهم ضربٌ
بالجريد والأيدي والفِّعال، فأنزلَ اللهُ تعالى فيهم: (وَإِن طَيِفَتَانِ) الآية(١) .
وفي روايةٍ: أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان متوجِّهاً إلى زيارة سعدِ بن عُبادة
في مرضه، فمرَّ على عبدِ الله بن أُبَيّ ابن سلول، فقال ما قال، فردَّ عليه عبدُ الله بن
رواحة ◌َّهِ، فَتَعَصَّب لكلِّ أصحابُه، فتقاتلوا فنزلَتْ، فقرأها وَّ عليهم
فاصطلحوا، وكان ابنُ رواحة خَزْرجيّاً وابن أُبيّ أَوْسيّاً (٢).
(١) الدر المنثور ٩٠/٦، ومسند أحمد (١٢٦٠٧)، وصحيح البخاري (٢٦٩١)، وصحيح مسلم
(١٧٩٩)، وتفسير الطبري ٣٥٩/٢١، وسنن البيهقي ١٧٢/٨.
(٢) ينظر حديث أنس عند البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩)، وحديث أسامة بن زيد عن
البخاري (٥٦٦٣)، ومسلم (١٧٩٨)، وينظر كذلك المحرر الوجيز ١٤٨/٥، وزاد المسير
٧/ ٤٦٢.

سُؤَدَّةُ الهُرَاتِ
٣٦٦
الآية : ٩
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان رجلٌ من الأنصار يقال
له: عمران، تحته امرأةٌ يقال لها: أُمُّ زيد، وأنها أرادَتْ أن تزورَ أهلَها فحبسها
زوجُها وجعلها في عِلِّيَّة له لا يدخلُ عليها أحدٌ من أهلها، وأنَّ المرأةَ بعثَتْ إلى
أهلها، فجاء قومُها فأنزلوها لِينطلقوا بها وكان الرجلُ قد خرج، فاستعان أهلَه،
فجاء بنو عمِّه لِيَحُولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنِّعال، فنزلَتْ فيهم
هذه الآية: (وَإِن طَيِفَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقَْتَلُواْ) فبعث إليهم رسولُ الله ◌َّ فأصلحَ
بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله عز وجل(١).
والخطاب فيها على ما في ((البحر))(٢) لمن له الأمر، ورُوي ذلك عن ابن
عباس، وهو للوجوب، فيجب الإصلاح ويجب قتالُ الباغية ما قاتلَتْ، وإذا كَفَّت
وقبضت عن الحرب تُركت.
وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره حُكمها إذا تولَّت، قال عليه الصلاة
والسلام: ((يا ابنَ أُمِّ عبد، هل تدري كيف حُكم الله فيمن بغى من هذه الأمة»؟
قال: الله تعالى ورسوله أعلمُ. قال: ((لا يُجْهَز على جريحها، ولا يُقتل أَسيرُها،
ولا يُطلَبُ هاربُها، ولا يُقْسَم فَيْتُها))(٣).
وذكروا أن الفِئتين من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً،
فالواجبُ أن يُمشى بينهما بما يُصلح ذاتَ البين ويُثمر المكافَّة والموادعة، فإنْ لم
يتحاجزا ولم يصطلحا وأقاما على البغي صِير إلى مُقاتَلتهما، وأنهما إذا التحم
بينهما القتالُ لِشُبهة دخلَتْ عليهما وكلتاهما عند أنفسهما مُحِقَّة، فالواجب إزالةُ
الشُّبهة بالحُجج النَّيِّرة والبراهين القاطعة، وإطلاعهما على مراشد الحقِّ، فإن رَكِبتا
مَثْنَ اللِّجاج ولم تعملا على شاكلة ما هُدِيَتَا إليه ونُصِحَتا به من اتِّباع الحقِّ بعد
(١) الدر المنثور ٩٠/٦، وتفسير الطبري ٣٦٠/٢١.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١١٢.
(٣) المستدرك ٢/ ١٥٥، وأخرجه أيضاً البزار (١٤٨٩ - كشف الأستار)، والبيهقي في السنن
الكبرى ٨/ ١٨٢، وفي إسناده: كوثر بن حكيم وقد تفرَّد به كما قال البزار، قال أحمد:
أحاديثه بواطيل ليس بشيء. ميزان الاعتدال ٤١٦/٣ .

الآية : ١٠
٣٦٧
سُؤَدَّةُ المُعْرَاتِ
وضوحه فقد لحقتا باللتين اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً. والتصدي لإزالة
الشُّبهة في الفئة الباغية - إنْ كانت - لازم قبل المُقاتلة، وقيل: الخطاب لمن يتأتَّى
منه الإصلاح ومُقاتلة الباغي، فمتى تحقَّق البغيّ من طائفةٍ كان حُكم إعانة المَبْغي
عليه حُكمَ الجهاد، فقد أخرج الحاكم - وصحَّحه - والبيهقيُّ عن ابن عمر ظًّا أنه
قال: ما وجدتُ في نفسي من شيء ما وجدتُ في نفسي من هذه الآية، يعني (وَإِن
◌َآَيِفَتَانِ) إلخ، إني لم أُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى. يعني بها معاوية
ومن معه الباغين على عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(١).
وصرَّح بعضُ الحنابلة بأنَّ قتالَ الباغين أفضلُ من الجهاد، احتجاجاً بأنَّ عليّاً
كرم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد. والحقُّ أن ذلك
ليس على إطلاقه، بل إذا خَشِيَ منْ تَرْكِ قتالهم مَفْسدةً عظيمة دَفْعُها أعظمُ من
مصلحة الجهاد.
وظاهرُ الآية أنَّ الباغي مؤمنٌ؛ لِجَعْل الطائفتين الباغية والمَبْغيِّ عليها من
المؤمنين. نعم الباغي على الإمام ولو جائراً فاسقٌ مرتكبٌ لكبيرة إنْ كان بغيه
بلا تأويل، أو بتأويلٍ قَطْعيٍّ البطلان. والمعتزلة يقولون في مثله: إنه فاسقٌ مُخلَّد
في النار إن مات بلا توبة. والخوارجُ يقولون: إنه كافر. والإماميَّة أكفروا الباغي
على عليٍّ كرم الله تعالى وجهه المقاتلَ له، واحتجُّوا بما رُوي من قوله {ٍَّ له:
(حَرْبكَ حَرْبِي))(٢)، وفيه بحث.
وقرأ ابن مسعود: ((حتى يفيئوا إلى أمر الله فإن فاؤوا فخذوا بينهم بالقسط))(٣).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ استئنافٌ مقرِّر لِمَا قبلَه من الأمر بالإصلاح، وإطلاقُ
الأُخوَّة على المؤمنين من باب التشبيه البليغ، وشُبِّهوا بالإخوة من حيث انتسابُهم
إلى أصلٍ واحد، وهو الإيمانُ الموجب للحياة الأبدية. وجُوِّز أن يكون هناك
(١) الدر المنثور ٦/ ٩٠، والمستدرك ٤٦٣/٢، وسنن البيهقي الكبرى ١٧٢/٨.
(٢) لم نقف عليه مسنداً، وأورده ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ٢٧٨/٤، وقال: لم يذكر له
إسناد، وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.
(٣) الكشاف ٥٦٣/٣، وتفسير القرطبي ٣٧٥/١٩.

سُورَةُ المُعُرابِ
٣٦٨
الآية : ١٠
استعارةٌ، وتشبَّه المشاركةُ في الإيمان بالمشاركة في أصلِ التوالد، لأنَّ كلّاً منهما
أصلٌ للبقاء، إذ التوالد مَنْشأُ الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ للإيذان بأنَّ الأخوَّة الدينية مُوجبةٌ
للإصلاح، ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير مضافاً للمأمورين للمبالغة في تأكيدِ
وجوب الإصلاح والتحضيض عليه، وتخصيصُ الاثنين بالذكر لإثبات وجوبٍ
الإصلاح فيما فوقَ ذلك بطريق الأولوية لتضاعفِ الفتنة والفسادِ فيه.
وقيل: المرادُ بالأخوين الأوسُ والخزرج اللتان نزلت فيهما الآيةُ؛ سمَّى كلّاً
منهما أخاً لاجتماعهم في الجدِّ الأعلى.
وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن بخلاف عنه: ((إخوانكم)) جمعاً على
وزن غِلْمان(١). وقرأ ابن سيرين: ((إِخوتكم)) جمعاً على وزن غلمة(٢). وروى
عبد الوارث عن أبي عمرو القراءات الثلاث(٣)، قال أبو الفتح(٤): وقراءة الجمع
تدلُّ على أن قراءةَ الجمهور لفظُها لفظُ التثنية ومعناها الجماعة، أي: كلُّ اثنين
فصاعداً من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس نحو: لبّيك وسَعدَيْك.
ويُغلَّب الإخوان في الصداقة، والإخوة في النسب، وقد يُستعمل كلٌّ منهما مكانَ
الآخر.
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في كلِّ ما تأتون وما تذرون من الأمور التي من جُملتها ما أُمرتُم
به من الإصلاح. والظاهرُ أنَّ هذا عطفٌ على ((فأصلحوا))، وقال الطيبي: هو تذييلٌ
للكلام، كأنه قيل: هذا الإصلاحُ من جملة التقوى، فإذا فعلتم التقوى دخل فيه هذا
التواصل. ويجوز أنْ يكونَ عطفاً على ((فأصلحوا)) أي: واصلوا بين أخويكم
بالصُّلح واحذروا اللهَ تعالى من أن تتهاونوا فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: لأجل أنْ
تُرحموا على تقواكم، أو: راجين أنْ تُرحموا عليها .
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٣، والمحتسب ٢٧٨/٢، والبحر المحيط ١١٢/٨.
(٢) تفسير القرطبي ٣٨٥/١٩، والبحر المحيط ١١٢/٨. وقرأ بها يعقوب أيضاً. النشر ٣٧٦/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٣، والبحر المحيط ١١٢/٨، وهي غير المشهورة عن أبي عمرو.
(٤) المحتسب ٢٧٨/٢.

الآية : ١١
٣٦٩
سُورَةُ المُعُرَاتِ
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ أي: منكم ﴿مِّن قَوْمٍ﴾ آخرين منكم أيضاً،
فالتنكيرُ في الموضعين للتبعيض، والسُّخر: الهُزْء، كما في ((القاموس)»(١)، وفي
((الزواجر))(٢): النظر إلى المسخور منه بعين النقص. وقال القرطبي (٣): الشُّخرية:
الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص بوجهٍ يُضحَك منه، وقد تكون
بالمُحاكاةِ بالفعل والقول أو الإشارة أو الإيماء أو الضَّحِك على كلامِ المَسخور منه
إذا تخبَّط فيه أو غَلِطَ، أو على صَنْعتهِ، أو قُبح صورته. وقال بعضٌ: هو ذِكْرُ
الشخص بما يكره على وجهٍ مُضحك بحضرته. واختير أنه احتقاره قولاً أو فعلاً
بحضرته على الوجهِ المذكور، وعليه ما قيل: المعنى: لا يحتقر بعضُ المؤمنين
بعضاً .
والآية على ما رُوي عن مقاتل نزلَتْ في قومٍ من بني تميم سَخِروا من بلال
وسلمان وعمَّار وخبَّاب وصهيب وابن فُهيرة وسالم مولى أبي حذيفة ﴿ه، ولا يَضُّ
فيه اشتمالها على نهي النساء عن السُّخرية، كما لا يضرُّ اشتمالُها على نهي الرجال
عنها، فيما رُوي أن عائشة وحفصةَ رَأَتا أمَّ سلمة رَبَطَتْ حِقوَيْها بثوب أبيضَ
وسدلت طرفَه خلفها، فقالت عائشة لحفصة تُشير إلى ما تجرُّ خلفها: كأنه لسانُ
كلب، فنزلت. وما روي عن عائشة أنها كانت تسخرُ من زينبَ بنت خُزيمة
الهلالية - وكانت قصيرة - فنزلَت.
وقيل: نزلت بسبب عِكرمة بن أبي جهل؛ كان يمشي بالمدينة، فقال له قوم:
هذا ابنُ فرعونِ هذه الأُمة، فعزَّ ذلك عليه وشكاهم إلى رسول الله وَّه، فنزلت(٤).
وقيل غير ذلك.
وقوله عز وجل: ﴿عَسَوْ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ تعليلٌ للنهي أو لموجبه، أي: عسى
(١) القاموس المحيط (سخر).
(٢) ٢/ ٥.
(٣) كذا ذكر المصنف رحمه الله، والكلام ليس في تفسير القرطبي، ولكن ذكره ابن حجر في
الزواجر ٢٠/٢ إثر قول للقرطبي، فوهم المصنف فعزاه إليه. وينظر ما سلف ٤٤٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٩/٥، وتفسير القرطبي ٣٨٦/١٩-٣٨٨.

سُورَةُ العراب
٣٧٠
الآية : ١١
أن يكونَ المسخورُ منهم خيراً عند الله تعالى من الساخرين، فَرُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي
◌ِمْرين لا يُؤْبَّهُ له لو أقسم على الله تعالى لأَبَرَّه.
وجُوِّز أن يكون المعنى: لا يحتقر بعضٌ بعضاً عسى أن يصيرَ المحتقَرُ - اسم
مفعول - عزيزاً، ويصير المُحتقِرُ ذليلاً، فينتقم منه، فهو نظير قوله:
لا تُهِينَ الفقيرَ عَلَّكَ أَنْ تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعه (١)
والقومُ: جماعة الرجال، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾ أي: ولا يسخر
نساءٌ من المؤمنات ﴿مِّنْ نِسَآءٍ﴾ منهنَّ ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ أي: المسخورات ﴿غَيْا مِنْهُنَّ﴾
أي: من الساخرات، وعلى هذا جاء قولُ زهير(٢):
وما أدري وسوف إخال أدري أقومٌ آل حِصْن أَمْ نساءُ
وهو إما مصدرٌ كما في قول بعض العرب: إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً
وأبغضت قوماً، أي: قياماً، نعت به فشاع في جماعة الرجال، وإما اسمُ جمع لقائم
كصوم الصائم، وزَوْر لزائر، وأَطلق عليه بعضُهم الجمع مُريداً به المعنى اللّغوي،
وإلا فَفَعْلٌ ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات.
ووجهُ الاختصاص بالرجال أنَّ القيام بالأمورِ وظيفتهم كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ
قَوَّمُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وقد يُراد به الرجالُ والنساء تغليباً كما قيل في
قوم عاد وقوم فرعون: إنَّ المرادَ بهم الذكور والإناث؛ وقيل: المرادُ بهم الذكور
أيضاً، ودلَّ عليهن بالالتزام العادي لعدم الانفكاك عادةً.
والنساء - على ما قال الراغب(٣) وغيره - وكذا النسوان والنسوة، جمعُ المرأةِ
من غير لفظها، وجيء بما يدلُّ على الجمع في الموضعين دون المُفرد، كأن يقال:
لا يسخر رجلٌ من رجل ولا امرأةٌ من امرأة، مع أنه الأصل الأشمل الأعمّ، قيل:
جرياً على الأغلب من وقوع السُّخرية في مجامع الناس، فكم من مُتلذِّذ بها، وكم
(١) البيت للأضبط بن قريع، وهو في مغني اللبيب ص ٢٠٦، وخزانة الأدب ١١/ ٤٥٠.
(٢) ديوان زهير ص١٣٦ .
(٣) المفردات (نسي).
:٠

الآية : ١١
٣٧١
سُؤَّةُ الرُّعُراتِ
من متألِّم منها، فجعل ذلك بمنزلة تعدُّد الساخر والمسخور منه. وقيل: لأنَّ النهي
وردَ على الحالة الواقعة بين الجماعة كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَأْ أَضْعَفًا
تُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] وعمومُ الحُكم لعموم عِلَّته.
و((عسى)) في نحو هذا التركيب من كلِّ ما أسندت فيه إلى ((أن)) والفعل قيل:
تامَّة لا تحتاج إلى خبر، و((أَنْ)) وما بعدَها في محلِّ رفع على الفاعلية، وقيل: إنها
ناقصةٌ وسدَّ ما بعدَها مَسَدَّ الجزأين، وله محلَّان باعتبارين، أو محلُّه الرفع،
والتحكّم مندفعٌ بأنه الأصلُ في منصوبها بناءً على أنها من نواسخ المبتدأ والخبر.
وقرأ عبد الله وأُبيّ: ((عسوا أن يكونوا)) و((عسين عن أن يكن))(١)، فـ ((عسى))
عليها ذاتُ خبر على المشهور من أقوال النُّحاة، وفيه الإخبار عن الذات بالمصدر،
أو يقدَّر مضاف مع الاسم أو الخبر، وقيل: هو في مثل ذلك بمعنى قارَبَ و((أن))
وما معها مفعولٌ، أو قرب، وهو منصوبٌ على إسقاط الجارِّ.
﴿وَلَا نَلِمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ لا يَعِبْ بعضُكم بعضاً بقول أو إشارة، لأنَّ المؤمنين
كنفس واحدة، فمتى عابَ المؤمنُ المؤمنَ فكأنه عابَ نَفْسَهُ، فضمير ((تلمزوا))
للجميع بتقدير مضاف، و((أنفسكم)) عبارة عن بعضٍ آخرَ من جنس المُخاطبين وهم
المؤمنون، جعل ما هو من جِنْسهم بمنزلة أنفسهم، وأَطلق الأنفسَ على الجنس
استعارةً كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وهذا غيرُ النهي السابق وإن كان كلٌّ منهما مخصوصاً بالمؤمنين، بناءً على أن
السُّخرية احتقارُ الشخص مطلقاً على وجه مُضحِك بحضرته، واللَّمز التنبيه على
مَعايبه سواء كان على وجهٍ مضحكٍ أَمْ لا؟ وسواء كان بحضرته أَمْ لا كما قيل في
تفسيره، وجُعِلَ عطفه عليه من قَبيل عطفِ العامِّ على الخاصِّ لإفادة الشُّمول،
كـ : شاربُ الخمر وكلُّ فاسق مذموم، ولا يتمُّ إلا إذا كان التنبيهُ المذكور
احتقاراً.
(١) الكشاف ٥٦٦/٣، والبحر المحيط ١١٣/٨.

رَةَ الحُعرات
٣٧٢
الآية : ١١
ومنهم من يقول: السُّخريةُ: الاحتقار، واللَّمز: التنبيه على المعايب أو تتبُّعها،
والعطف من قَبِيل عطفِ العِلَّة على المعلول.
وقيل: اللمزُ مخصوصٌ بما كان من السُّخرية على وجه الخُفية كالإشارة، فهو
من قَبِيل عطفِ الخاصِّ على العامِّ لجعل الخاصِّ كجنسٍ آخرَ مبالغةً.
واختار الزمخشري(١) أنَّ المعنى: وخُصُّوا أنفسكم أيُّها المؤمنون بالانتهاء عن
عَيْبها والطّعن فيها، ولا عليكم أن تَعيبوا غيرَكم ممن لا يَدين بدينكم ولا يَسير
بسيرتكم، ففي الحديث: ((اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس))(٢). وتعقِّب بأنه
لا دليل على الاختصاص.
وقال الطيبي: هو من دليل الخِطاب، لكن إنّ في هذا الوجه تعسُّفاً، والوجه
الآخر - يعني ما تقدَّم - أوجهُ لموافقته: ((لا يسخر قوم من قوم))، و: ((إنما المؤمنون
إخوة))، و: ((لا يغتب بعضكم بعضاً)).
وفي ((الكشف)) أخذ الاختصاص من العدول عن الأصل، وهو لا يَلْمِزُ بعضُكم
بعضاً، كأنه قيل: ولا تلمزوا من هو على صفتكم من الإيمان والطاعة، فيكون من
بابٍ ترتُّب الحُكم على الوصف، وتُعقِّب قولُ الطيبي بأنَّ الكلامَ عليه يُفيد العِلِّية
والاختصاص معاً فيوافق ما سبق، ويُؤذن بالفَرْق بين السُّخرية واللَّمز، وهو مطلوبٌ
في نفسه، وكأنه قيل: لا تلمزوا المؤمنين لأنهم أنفسُكم، ولا تعُّفَ فيه بوجهٍ،
إلى آخر ما قال، فليتأمَّل، والإنصاف أنَّ المتبادرَ ما تقدَّم.
وقيل: المعنى: لا تفعلوا ما تُلمزون به، فإنَّ مَن فعل ما يستحقُّ به اللمز فقد
لمز نَفْسَه، فـ ((أنفسكم)) على ظاهره، والتجوُّز في ((تلمزوا)) أُطلق فيه المسبَّب على
(١) الكشاف ٥٦٦/٣.
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ٢٠٢، وابن عدي في الكامل ٥٩٥/٢، والبيهقي في السنن
٢١٠/١٠، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٨٣/٣ من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم
عن أبيه عن جده، قال العقيلي: ليس له من حديث بهز أصل، ولا من حديث غيره،
ولا يتابع عليه. وقال البيهقي: وقد سرقه عنه - أي: عن الجارود - جماعة من الضعفاء
فرووه عن بهز بن حكيم، ولم يصح فيه شيء.

الآية : ١١
٣٧٣
سُورَةُ المُهُراتِ
السبب، والمراد: لا ترتكبوا أمراً تُعابون به. وهو بعيدٌ عن السِّياق وغير مناسب
لقوله تعالى: ((ولا تنابزوا))، وكونه من التجوُّز في الإسناد إذ أُسند فيه ما للمسبّب
إلى السبب تكلُّفٌ ظاهر، وكذا كونه كالتعليل للنهي السابق لا يدفع كونه مخالفاً
للظاهر، وكذا كون المرادِ به: لا تتسبّبوا إلى الطعن فيكم بالطعن على غيرِكم
كما في الحديث: ((من الكبائر أَنْ يَشْتِمَ الرجلُ والديه))(١)، وفُسِّر بأنه إن شَتم والدَيْ
غيره شَتَم الغيرُ والدَيْه أيضاً.
وقرأ الحسن والأعرج وعُبيد عن أبي عمرو: ((لا تَلْمُزوا)) بضمِّ الميم(٢).
﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ أي: لا يَدْعُ بعضُكم بعضاً باللَّقب، قال في ((القاموس)):
التنابزُ: التعايُرُ والتداعي بالألقاب، ويقال: نَبَزه يَنْبِزُه نَبْزاً بالفتح والسكون: لقَّبه،
كَنَبَّزَهُ، والنَّبَزُ - بالتحريك - وكذا النَّزَب: اللَّقَب(٣)، وخُصَّ عُرفاً بما يكرهه
الشخصُ من الألقاب.
وعن الرَّضي أنَّ لفظَ اللَّقب في القديم كان في الذَّمِّ أشهرَ منه في المدح، والنََّز
في اللَّمِّ خاصَّة. وظاهرُ تفسير التنابز بالتداعي بالألقاب اعتبارُ التجريد في الآية لئلا
يستدرك ذِكْر الألقاب. ومن الغريب ما قيل: التنابز: الترامي، أي: لا تترامَوْا
بالألقاب، ويُراد به ما تقدَّم. والمَنهيُّ عنه هو التلقيب بما يتداخل المدعوّ به كراهة
لكونه تقصيراً به وذقاً له وشيئاً .
قال النووي(٤): اتفق العلماءُ على تحريم تلقيبٍ الإنسان بما يكره، سواء كان
صفةً له أو لأبيه أو لأُمِّه أو غيرهما، فقد رُوي أنَّ الآيةَ نزلَتْ في ثابت بن قيس،
وكان به وَقْرٌ، فكانوا يُوسعون له في مجلس رسولِ اللهِِّ ليسمعَ، فَأَتى يوماً وهو
يقول: تفسَّحوا، حتى انتهى إلى رسولِ الله عليه الصلاة والسلام، فقال الرجل:
(١) أخرجه أحمد (٦٥٢٩)، والبخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو،
وعند البخاري: ((يلعن)) بدل: ((يشتم)).
(٢) البحر المحيط ١١٣/٨، وقرأ بها يعقوب من العشرة كما في النشر ٢٧٩/٢ -٢٨٠.
(٣) القاموس (نبز) و(نزب).
(٤) الأذكار ص ٢٥٠ .

سُورَةُ الهُهُرَابِ
٣٧٤
الآية : ١١
تنَّ، فلم يَفْعَلْ، فقال: مَنْ هذا؟ فقال الرجل: أنا فلان، فقال: بل أنت ابنُ
فلانة. يريد أُمّاً كان يُعيَّر بها في الجاهلية، فَخَجِلَ الرجلُ، فنزلت، فقال ثابتٌ:
لا أَفخرُ على أحدٍ في الحسب بعدَها أبداً (١).
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وجماعة عن
أبي جُبيرة (٢) بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: (وَلَا لَنَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ)، قَدِمَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ المدينةَ وليس فينا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحداً
منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسولَ الله، إنه يَكْرهه، فنزلت: (وَلَا تَنَابُزُواْ
بِالْأَلْقَبِّ)(٤).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: التنابزُ بالألقاب أن يكونَ الرجلُ
عمل السيئاتِ ثم تاب منها وراجعَ الحقَّ، فنهى الله تعالى أن يُعَيَّر بما سلف من
عمله(٤). وعن ابن مسعود: هو أن يقال لليهودي أو النصراني أو المجوسي إذا
أسلم: يا يهوديُّ، أو: يا نصرانيُّ، أو: يا مجوسيُّ. وعن الحسن نحوه. ولعلَّ
مأخذَه ما رُوي أنها نزلت في صفيةً بنت حُيي أَتَتِ النبيَّ وَّر فقالت: إنَّ النساءَ يَقُلْنَ
لي: يا يهودية بنت يهوديّين، فقال لها: ((هلَّا قلتِ: إنَّ أبي هارون، وعمِّي موسى،
وزوجي محمد صلى الله تعالى عليهم وسلم)» (٥).
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٢١٤/٤، والزمخشري في كشافه ٥٦٦/٣، قال الحافظ ابن حجر
في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٧: غريب، وذكره الثعلبي ومن تبعه عن ابن عباس بغير
سند .
(٢) في الأصل و(م): ابن جبيرة، والمثبت من المصادر.
(٣) الدر المنثور ٩١/٦، والأدب المفرد (٣٣٠)، وسنن أبي داود (٤٩٦٢)، وسنن الترمذي
(٣٢٦٨)، وسنن النسائي الكبرى (١١٤٥٢)، وسنن ابن ماجه (٣٧٤١).
(٤) تفسير الطبري ٢١/ ٣٧١ .
(٥) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٤١٦، والزمخشري في الكشاف ٥٦٦/٣، قال الحافظ
ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٧: ذكره الثعلبي عن عكرمة عن ابن عباس
بغير إسناد. اهـ. وأخرجه الترمذي (٣٨٩٢) بنحوه عن صفية بنت حيي، وقال الترمذي: هذا
حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك
القوي.

الآية : ١١
٣٧٥
سُؤَدَّةُ المُعْرَاتِ
وأنت تعلم أنَّ النهيَ عمَّا ذكر داخلٌ في عموم: ((لا تنابزوا بالألقاب)) على
ما سمعتَ، فلا يختصَّ التنابزُ بقول: یا یهودي ويا فاسق ونحوهما.
ومعنى قوله تعالى: ﴿يْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِمَنِ﴾: بئسَ الذِّكرُ المرتفع
للمؤمنين بسبب ارتكاب التنابز أن يُذْكَروا بالفسق بعد اتصافهم بالإيمان، وهو ذٌّ على
اجتماع الفسق - وهو ارتكابُ التنابز - والإيمان، على معنى: لا ينبغي أن يجتمعا، فإن
الإيمان يأبى الفِسْق، كقولهم: بئس الشأنُ بعد الكَبْرة الصبوة، يريدون استقباحَ الجمع
بين الصَّبوة وما يكون في حال الشباب من المَيل إلى الجهل وكِبَر السن.
و((الاسم)) هنا بمعنى الذُّكر، من قولهم: طار اسمُه في الناس بالكرم أو اللُّوم،
فلا تأبى هذه الآيةُ حملَ ما تقدَّم على النهي عن التنابز مطلقاً، وفيها تسميتُه فسوقاً.
وقيل: ((بعد الإيمان)) أي: بدله، كما في قولك للمتحوّل عن التجارة إلى
الفِلاحة: بئستِ الحرفة الفلاحةُ بعد التجارة، وفيه تغليظُ بجعل التنابز فسقاً مُخرِجاً
عن الإيمان. وهذا خلافُ الظاهر، وذِكْرُ الزمخشري(١) له مَبنيٍّ على مذهبه من أن
مُرتكبَ الكبيرة فاسقٌ غير مؤمن حقيقةً.
وقيل: معنى النهي السابق: لا ينسبنَّ أحدُكم غيرَه إلى فِسْقٍ كان فيه بعدَ اتِّصافه
بضدِّه، ومعنى هذا: بئس تشهيرُ الناس وذِكْرُهم بفسقٍ كانوا فيه بعد ما اتَّصفوا بضدِّه،
فيكون الكلامُ نهياً عن أن يقال ليهوديِّ أسلمَ: يا يهوديُّ، أو نحو ذلك، والأول أظهرُ
لفظاً وسِياقاً ومُبالغةً، والجملة على كلِّ مُتعلِّقة بالنهي عن التنابز على ما هو الظاهر،
وقيل: هي على الوجه السابق متعلِّقة بقوله تعالى: (وَلَا نَلْمِزُواْ أَنْفُتَكُمْ)، أو بجميع
ما تقدَّم من النهي، وعلى هذا اقتصر ابن حجر في ((الزواجر))(٢).
ويُستثنى من النهي الأخير دعاءُ الرجل الرجل بلقب قبيح في نَفْسه لا على قَصْد
الاستخفاف به والإيذاء له، كما إذا دَعَتْ له الضرورة لتوقُّف معرفته، كقول
المُحدِّثين: سليمانُ الأعمش، وواصلٌ الأحدب، وما نُقل عن ابن مسعود أنه قال
(١) الكشاف ٣/ ٥٦٧.
(٢) ٢ / ٥.

سُوَّةُ المُعُراتِ
٣٧٦
الآية : ١١
لعلقمة: تقول أنت ذلك يا أعورُ، ظاهرٌ في أن الاستثناء لا يتوقّف على دعاء
الضرورة؛ ضرورةً أنه لا ضرورةَ في حال مُخاطبته علقمةَ بقوله: يا أعور، ولعلَّ
الشُّهرة مع عدمِ التأذِّي وعدمٍ قَصْد الاستخفاف كافيةٌ في الجَواز، ويقال: ما كان
من ابن مسعود من ذلك. والأولى أن يقال في الرواية عمَّن اشَتَهر بذلك كسليمان
المتقدِّم: رُوي عن سليمانَ الذي يقال له: الأعمش.
هذا، وغُويرَ بين صيغتي ((تلمزوا)) و((تنابزوا)) لأنَّ الملموزَ قد لا يقدِرُ في الحال
على عيبٍ يَلمِزُ به لامِزَه، فيحتاج إلى تَتَبُّع أحواله حتى يَظْفَر ببعض عُيوبه، بخلاف
النبز فإنَّ من لُقِّبَ بما يكره قادرٌ على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالاً، فوقع التفاعلُ،
كذا في ((الزواجر))(١).
وقيل: قيل: ((تنابزوا)) لأن النهيَ ورد على الحالة الواقعة بين القوم.
ويُعلم من الآية أن التلقيبَ ليس محرَّماً على الإطلاق، بل المحرَّم ما كان
بلقب السُّوء، وقد صرَّحوا بأن التلقيبَ بالألقاب الحسنة مما لا خلاف في جوازه،
وقد لُقِّب أبو بكر ظُه بالعَتيق؛ لقوله عليه الصلاة والسلام له: ((أنتَ عتيقُ اللهِ من
النار))(٢)، وعمر ظُله بالفاروق؛ لظهور الإسلام يومَ إسلامه، وحمزة ظُه
بأسدِ الله، لِمَا أنَّ إسلامَه كان حَمِيَّةً فاعتزَّ الإسلام به، وخالد بسيف الله لقوله وَّ:
(نِعْمَ عبدُ الله خالد بن الوليد سيفٌ من سيوف الله))(٣) إلى غير ذلك من الألقاب
الحسنة، وألقاب عليٍّ كرم الله وجهه أشهرُ من أن تُذكر، وما زالت الألقاب الحسنة
في الأمم كلِّها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
ولا فرقَ بين اللَّقب والكُنية في أنَّ الدعاء بالقبيحِ المكروه منها حرام، وربما
يُشعر قول (٤) الراغب: اللقبُ اسمٌ يُسمَّى به الإنسان سوى اسمه الأول، ويُراعى فيه
المعنى بخلاف العَلَم، ولذلك قال الشاعر:
(١) ١٩/٢.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٧٩) من حديث عائشة
(٣) أخرجه أحمد (١٦٨٢٣) من حديث أبي عبيدة بن الجراح
.
(٤) قبلها في (م): به، وهو خطأ .

الآية : ١٢
٣٧٧
سُؤَدَّةُ المُعْراتِ
إلَّا ومعناه إنْ فَتَّشتَ في لَقَبِهْ(١)
وقلَّما أَبْصَرتْ عيناكَ ذا لقپٍ
بدخولها في مفهومه، لكن الشائع غير ذلك، وفي الحديث: ((كَتُّوا أولادكم))
قال عطاء: مخافة الألقاب(٢). وقال عمر تظله: أَشيعوا الكُنَى فإنها سنةٌ. ولنا في
الكُنى كلامٌ نفيس ذكرناه في ((الطراز المذهب)) فمن أراده فَلیرجِعْ إليه.
﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ عمَّا نُهي عنه من التنابز، أو من الأمور الثلاثة السابقةِ، أو
مطلقاً، ويدخل ما ذكر ﴿فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ ﴾﴾ بوضع العِضْيان موضعَ الطاعة
وتعريضٍ النفس للعذاب، والإفراد أولاً والجمع ثانياً مراعاة للَّفظ ومراعاة للمعنى.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَبُوْ كَثِيرًا مِّنَ النَّنِّ﴾ أي: تباعدوا منه، وأصلُ اجتَنَبِهُ: كان
على جانِبٍ منه، ثم شاعَ في التباعد اللازم له، وتنكيرُ («كثيراً)) لِيحتاطَ في كلِّ ظنٍّ
ويتأمَّل حتى يُعلَم أنَّه من أيِّ القَبيل، فإنَّ من الظنِّ ما يُباح اتباعه كالظنِّ في الأمور
المعاشية، ومنه ما يجب كالظنِّ حيث لا قاطعَ فيه من العمليات كالواجبات الثابتة
بغير دليل قطعيٍّ وحسن الظّنِّ بالله عز وجل، ومنه ما يَحرمُ كالَّنِّ في الإلهيَّات
والنبوَّات، وحيث يُخالفه قاطع، وظنّ السوء بالمؤمنين، ففي الحديث: ((إنَّ الله
تعالى حرَّم من المسلم دَمَهُ وعِرْضَه وأنْ يظنَّ به ظنَّ السوء))(٣)، وعن عائشة
مرفوعاً: ((من أساء بأخيه الظنّ فقد أساءَ بربِّه الظنَّ، إنَّ اللهَ تعالى يقول: (اجْتَنُواْ
كَثِيرًا مِنَ النَّنِّ)»(٤).
ويشترط في حُرمة هذا أن يكون المَظنون به ممن شُوهد منه التستُّر والصلاح،
وأُونِسَتْ منه الأمانة، وأما من يتعاطى الرّيب والمُجاهرة بالخَبائث كالدخول
(١) مفردات الراغب (لقب).
(٢) المحرر الوجيز ١٥٠/٥، والبحر المحيط ١١٣/٨، ونسباه للنقاش عن عطاء مرسلاً.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٢-٣٦٣، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) بنحوه من حديث
ابن عمر قال: رأيت رسول الله ولا يطوف بالكعبة ويقول: (( .... والذي نفس محمد
بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن نظنَّ به إلا خيراً)) قال الحافظ
ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٧: في إسناده لين. اهـ. وأخرج مسلم (٢٥٦٤)
من حديث أبي هريرة به مرفوعاً: (( .. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)).
(٤) أخرجه ابن مردويه وابن النجار في تاريخه كما في الدر المنثور ٦/ ٩٢.

سُورَةُ الهُراتِ
٣٧٨
الآية : ١٢
والخروج إلى حانات الخمر وصُحبة الغواني الفاجرات وإدمان النظر إلى المُرد،
فلا يحرمُ ظنُّ السوء فيه وإن كان الظانُّ لم يَرَهُ يشرب الخمرَ ولا يزني ولا يعبث
بالشباب، أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سعيد بن المسيَّب قال: كتب إليَّ
بعضُ إخواني من أصحاب رسول الله وَ لهم أن ضَعْ أمَرَ أَخيك على أحسنِهِ ما لم يأتِكَ
ما يغلبك، ولا تَظُنَّنَّ بكلمة خرجت من امرئ مسلمٍ شرّاً وأنت تَجِدُ لها في الخير
محملاً، ومن عرَّضَ نَفْسَه للُّهم فلا يلومنَّ إلا نَفْسَهُ، ومن كَتَم سرَّه كانت الخِيَرة
في يَدِه، وما كافيتَ من عصى الله تعالى فيكَ بمثلٍ أن تُطيع اللهَ تعالى فيه، وعليك
بإخوان الصِّدق فكن في اكتسابهم، فإنهم زينةٌ في الرَّخاء وعُدَّةٌ عند عظيم البلاء،
ولا تَهاون بالحَلِف فیھینك الله تعالى، ولا تسألنَّ عمَّا لم يكن حتى يكون، ولا تضع
حديثَك إلا عند من يشتهيه، وعليك بالصِّدق وإنْ قَتَلك، واعتزل عدوَّك، واحذَرْ
صديقَك إلا الأمين، ولا أمين إلا مَنْ خَشِيَ الله تعالى، وشاوِرْ في أمرِكَ الذين
يَخْشَون ربَّهم بالغيب(١).
وعن الحسن: كنَّا في زمان الظنُّ بالناس حرامٌ، وأنت اليومَ في زمان اعمَلْ
واسكُتْ وظُنَّ بالناس ما شئتَ.
واعلم أنَّ ظنَّ السوء إن كان اختياريّاً فالأمر واضحٌ، وإذا لم يكن اختياريّاً
فالمنهي عنه العملُ بموجبه من احتقار المَظنون به وتنقيصهِ وذكره بما ظنَّ فيه، وقد
قيل نظيرُ ذلك في الحسد على تقدير كونه غيرَ اختياري، ولا يضرُّ العمل بموجبه
بالنسبة إلى الظانِّ نفسهِ، كما إذا ظنَّ بشخص أنه يُريد به سوءاً فتحفَّظ من أن يلحقَه
منه أذى على وجه لا يلحقُ ذلك الشخصَ به نقصٌ، وهو مَحْمَلُ خبرٍ: ((إنَّ من
الحَزْم سوءَ الظنِّ)) (٢)، وخبر الطبراني: ((احترسوا من الناس بسوء الظن))(٣).
(١) شعب الإيمان (٨٣٤٥).
(٢) أخرجه الشهاب في مسنده (٢٤) من حديث عبد الرحمن بن عائذ ته، وفي إسناده:
الوليد بن كامل، ضعفه أبو الفتح الأزدي وأبو حاتم، وقال البخاري: عنده عجائب. ميزان
الاعتدال ٤ / ٣٤٤.
(٣) الأوسط للطبراني (٥٩٨) من حديث أنس عظته، قال الطبراني: تفرَّد به بقية بن الوليد. قلنا:
وبقية مدلس وقد عنعن، وفي إسناده أيضاً: معاوية بن يحيى، قال الحافظ ابن حجر في
=

الآية : ١٢
٣٧٩
سُؤَةُ الرَّحْرَاتِ
وقيل: المنهي عنه الاسترسال معه وترك إزالته بنحوٍ تأويلٍ سببه من خبرٍ
ونحوه، وإلا فالأمر الغير الاختياري نفسه لا يكون موردَ التكليف، وفي
الحديث: قال رسول الله وَله: ((ثلاث لازماتُ أُمتي: الطَّيَرة، والحسد، وسوء
الَّنِّ»، فقال رجل: ما يُذهبهنَّ يا رسولَ الله ممن هنَّ فيه؟ قال: ((إذا حسدتَ
فاستغفرِ اللهَ، وإذا ظننت فلا تُحقِّق، وإذا تَطَيَّرت فامضٍ)) أخرجه الطبراني عن
حارثة بن النعمان(١).
﴿إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِنْ﴾ تعليلٌ للأمر(٢) بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف
التحقيقي، والإثم: الذنبُ الذي يستحقُّ العقوبة عليه، ومنه قيل لعقوبته: الأثام،
فَعال منه كالنَّكال، قال الشاعر:
لقد فَعلتْ هذي النَّوى بيَ فَعْلةً أصابَ النوى قبلَ المَمَاتِ أَنامُها(٣)
والهمزةُ فيه على ما قال الزمخشري (٤) بدل من الواو، كأنه يثمُ الأعمال، أي:
يكسرها لكونه يضرُّ بها في الجملة وإن لم يحبطها قطعاً.
وتُعقِّب بأنَّ الهمزةَ ملتزمةٌ في تصاريفه؛ تقول: أَئِمَ يأثم فهو آثم، وهذا إثمٌ،
وتلك آثام، وأنَّ أَثِمَ من باب عَلِمَ، ووَثَمَ من باب ضَرَبَ، وأنه ذكره في باب الهمزة
في ((الأساس))(٥)، والواوي مُتعدٍّ، وهذا لازمٌ.
﴿وَلَا تَّْتَسُواْ﴾، ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ومَعايبهم، وتستكشفوا عمَّا
ستروه، تَفَعّل من الجَسّ باعتبار ما فيه من معنى الطلب كاللمس، فإنَّ من يطلب
الشيء يجسُّه ويَلْمِسُه، فأُريدَ به ما يلزمه، واستعمال التفعُّل للمبالغة.
= الفتح ٥٣١/١٠: وهو ضعيف، وقد صحَّ من قول مطرف التابعي الكبير، أخرجه مسدّد.
قلنا: وأخرجه من قول مطرف أيضاً البيهقي في السنن الكبرى ١٢٩/١٠ .
(١) المعجم الكبير (٣٢٢٧)، وفي إسناده: إسماعيل بن قيس الأنصاري، قال البخاري
والدارقطني: منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٢٤٥/١.
(٢) في (م): بالأمر.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥٦٨/٣، وفي أساس البلاغة (أثم)، ولم ينسبه.
(٤) في الكشاف ٥٦٨/٣.
(٥) أساس البلاغة (أثم).

٠
سُورَةُ الزُراتِ
٣٨٠
الآية : ١٢
وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين: ((ولا تحسَّسوا)) بالحاء (١)، من الحَسّ
الذي هو أثرُ الجسّ وغايته، ولهذا يقال لمشاعر الإنسان: الحَواسّ والجَواسّ،
بالحاء والجيم.
وقيل: النَّجَسُّس والتحسُّس مُتَّحِدان ومعناهما معرفة الأخبار.
وقيل: التجسُّس بالجيم تَتَبُّع الظواهر، وبالحاء تتبُّع البواطن.
وقيل: الأول أن تفحصَ بغيرك، والثاني أن تفحصَ بنفسك.
وقيل: الأول في الشرِّ، والثاني في الخير، وهذا بفرض صِحَّته غيرُ مُرادٍ هنا.
والذي عليه الجمهورُ أنَّ المرادَ على القراءتين النهي عن تتبُّع العوراتِ مطلقاً،
وعدُّوه من الكبائر.
أخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: خَطَبنا
رسولُ اللهِ وَ﴿ فقال: ((يا معشرَ مَنْ آمنَ بلسانه ولم يَدْخُل الإيمانُ قلبَه، لا تَشَّبعوا
عوراتِ المسلمين، فإنَّ من تتبَّع عوراتِ المسلمين فَضَحه الله تعالى في قعر
بيته))(٢)، وفي رواية البيهقي عن البراء بن عازب أنه بَ ﴿ نادى بذلك حتى أسمعَ
العوائقَ في الخِدْر(٣). وأخرج أبو داود وجماعة عن زيد بن وهب: قلنا لابن
مسعود: هل لك في الوليد بن عُقبة بن مُعيط تقطرُ لحيته خمراً؟ فقال ابن مسعود:
قد نُهينا عن التجسُّس، فإنْ ظهرَ لنا شيء أَخذنا به (٤).
وقد يَحمل مزيدُ حبِّ النهي عن المنكر على التجسُّس ويُنسى النهيُّ فيعذر
مُرتَكِبُه كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب ظُه، أخرج الخرائطي في ((مكارم
الأخلاق)) عن ثور الكندي أن عمر حظ ◌ّه كان يعسُّ بالمدينة فسمع صوتَ رجلٍ في
(١) البحر المحيط ١١٤/٨، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص١٤٣، وقراءة أبي رجاء في
المحرر الوجيز ٥ / ١٥١.
(٢) الدر المنثور ٩٣/٦، وسنن أبي داود (٤٨٨٠)، وأخرجه أحمد (١٩٧٧٦).
(٣) شعب الإيمان (١١١٩٦)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (١٦٧٥).
(٤) الدر المنثور ٩٣/٦، وسنن أبي داود (٤٨٩٠)، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان
(٧٦٠٤) و(٩٦٦١).