Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٢٤ ٢٨١ سُورَةُ الفَتى أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حُميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في آخرِين عن أنس قال: لما كان يومُ الحديبيةِ هبطً على رسول الله وَله وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قِبَلِ جبل التنعيم يُريدون غِرَّةَ رسول الله وَ ◌ّ فدعا عليهم فأُخِذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية (وَهُوَ الَّذِى كَفَّ) إلخ(١). وأخرج أحمد والنسائي والحاكم - وصححه - وابن مردويه وأبو نُعيم في ((الدلائل)) عن عبد الله بن مُغَفَّل(٢) قال: كنَّا مع رسول الله وَّر في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، إلى أن قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا إلى وجوهنا، فدعا عليهم رسولُ اللهَ وَّةٍ فَأَخَذَ الله تعالى بأسماعهم - ولفظ الحاكم: بأبصارهم (٣) - فَقُمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسولُ اللهِ وَّ: ((هل جئتم في عهد أحدٍ، أو: هل جعل لكم أحدٌ أماناً)؟ فقالوا: لا، فخلَّى سبيلَهم، فأنزل الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ) إلخ(٤). وأخرج أحمد وغيره عن سلمة بن الأكوع قال: قَدِمنا الحُديبيةَ مع رسول الله وَلـ ونحن أربعَ عشرةَ مئة، ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا إلى الصُّلح، فلما اصطلحنا واختلط بعضُنا ببعض أتيت شجرةً فاضطجعتُ في ظِلِّها، فأتاني أربعةٌ من مشركي أهل مكة، فجعلوا يَقَعون في رسول الله وَّه، فأبغضتهم وتحوَّلتُ إلى شجرة أُخرى فعلَّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مُنادٍ من أسفل: يا للمهاجرين(٥) قُتِلَ ابنُ زُنَيم! فاخترطتُ سيفي فشَدَدْتُ على أولئك الأربعة وهم رقودٌ فأخذتُ سلاحهم وجعلته في يدي، ثم قلت: والذي كرَّم وجه محمد لا يرفع (١) مسند أحمد (١٢٢٢٧)، ومسند عبد بن حميد (١٢٠٨)، وصحيح مسلم (١٨٠٨)، وسنن أبي داود (٢٦٨٨)، وسنن الترمذي (٣٢٦٤)، وسنن النسائي الكبرى (٨٦١٤)، والغِرّة: الغفلة. أي: يريدون أن يصادفوا منه ومن أصحابه غفلة عن التأهب لهم ليتمكّنوا من غدرهم. (٢) في الأصل و(م): عبد الله بن معقل، وهو تحريف. (٣) وهو لفظ أحمد والنسائي. (٤) مسند أحمد (١٦٨٠٠)، وسنن النسائي (١١٤٤٧)، والمستدرك ٢/ ٤٦٠-٤٦١، ولم نقف عليه في مطبوع دلائل النبوة لأبي نعيم. (٥) في الأصل و(م): ما للمهاجرين، والمثبت من المصادر. سُورَةُ الفَتْحُ ٢٨٢ الآية : ٢٤ أحدٌ منكم رأسَه إلا ضربتُ الذي فيه عيناه، ثم جئتُ بهم أَسوقهم إلى رسول الله وَّ وجاء عمِّي عامرٌ برجل يقال له: مِكْرز، من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم على رسول الله و18َّ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسولُ اللهِ وَّ وقال: ((دعوهم يكون لهم بَدْءُ الفجور وثِناه)»، فعفا عنهم رسولُ الله ◌ََّ، وأنزل الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى كَفَّ) إلخ(١). وهذا كلُّه يُؤيِّد ما قلناه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى قال: لما خرج النبيُّ وَّه بالهَذْي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر (٢): يا نبيَّ الله تدخل على قوم لك حربٌ بغير سلاح ولا كُراع؟ فبعث إلى المدينة فلم يَدَعْ فیھا ◌ُراعاً ولا سلاحاً إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخلَ فسار حتى أتى منى فنزل بها فأتاه عينُه أنَّ عكرمةَ ابن أبي جهل قد جمع عليك في خمس مئة، فقال لخالد بن الوليد: ((يا خالدُ، هذا ابنُ عَمِّك قد أتاك في الخيل)) فقال خالد: أنا سيفُ الله وسيفُ رسوله - فيومئذ سُمِّي: سيف الله - يارسولَ الله، ارمٍ بي إنْ شئتَ، فبعثه علی خیل، فلقيه عكرمةُ في الشِّعب فهزمه حتى أدخله حيطانَ مكةَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: (وهُوَ الَّذِى) الآية(٣) . وفي ((البحر)) أنَّ خالداً هزمهم حتى دخلوا بيوتَ مكة وأَسرَ منهم جملة، فَسِيقوا إلى رسول الله وَل﴿ فمنَّ عليهم وأطلقهم(٤). والخبر غيرُ صحيح لأن إسلامَ خالدٍ رَُّ بعدَ الحديبية قبلَ عُمرة القضاء، وقيل: بعدَها، وهي في السنة السابعة. وروى ابن إسحاق وغيره أنَّ خالداً كان يوم الحديبية على خيل قريش في مثتي فارس قدم بهم إلى كُراع الغميم، فدنا حتى نظر إلى أصحاب النبيِّ نَّ فأمر (١) مسند أحمد (١٦٥١٨)، وأخرجه مسلم (١٨٠٧)، ومعنى: ((بدء الفجور وثناء)): أوله وآخره، والثني: الأمر يعاد مرَّتين. النهاية (ثني). (٢) في الأصل و(م): عمي، وهو تحريف، والمثبت من المصادر. (٣) تفسير الطبري ٢٩١/٢١. (٤) البحر المحيط ٩٨/٨. الآية : ٢٤ ٢٨٣ سُورَةُ الفَتى رسولُ اللهِ وَّرِ عَبَّادَ بن بِشر، فتقدَّم بخيله فقام بإزائه، وصفَّ أصحابه وحانت صلاةٌ الظهر، فصلى رسولُ الله عليه الصلاة والسلام بأصحابه صلاةً الخوف. وعن ابن عباس أنَّ أهل مكة أرسلوا جملةً من الفوارس في الحديبية يُريدون الوقيعة بالمسلمين، فأظهرهم الله تعالى عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وأنكر بعضُهم ذلك، والله تعالى أعلمُ بصحة الخبر. وقيل: كان هذا الكَفُّ يومَ فتح مكة. واستشهد الإمام أبو حنيفة بما في الآية من قوله تعالى: (بَعّدِ أَنْ أَغْفَرَكُمْ) بناءً على هذا القول لِفتح مكة عُنوة. واعتُرض القولُ المذكور والاستشهادُ بالآية بناء عليه . أما الأول: فلأنَّ الآيةَ نزلت قبلَ فتح مكة. وتُعُقِّب بأنه إنْ أُريد أنها نزلت بتمامها قبلَه فليس بثابت، بل بعضُ الآثار يُشعر بخلافه، وإلا فلا يُفيد، مع أنه يجوز أن يكونَ هذا إخباراً عن الغيب كما قيل ذلك في غيره من بعض آيات السورة. وأما الثاني: فلأنَّ دلالتها على العُنوة ممنوعة، فقد قال الزمخشري(١): الفتحُ: هو الّفَر بالشيء سواء كان عُنوةً أو صُلحاً. والفرقُ بين الّفَر على الشيء والّفَر به من حيث الاستعلاءُ، وهو كائنٌ، لأنهم اصطلحوا وهم مضطرون، ورسول الله وَه ومن معه مُختارون، وفيه دَغْدغة لا تخفى؛ وكذا فيما تُعُقِّب به الأول. وبالجملة هذا القولُ وكذا الاستشهاد بما في الآية بناء غيرُ بعيد إلا أنَّ أكثرَ الأخبار الصحيحة وكذا ما بعدُ يُؤْيِّد ما قلناه أولاً في تفسير الآية. ﴿وَكَانَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بعملكم أو بجميع ما تعملونه، ومنه العفو بعد الظَّفر ﴿بَصِيرًا (٣)﴾ فَيُجازيكم عليه. وقرأ أبو عمرو: ((يعملون)) بياء الغيبة(٢)، فالكلام عليه تهديدٌ للكُفَّار. (١) الكشاف ٣/ ٥٤١ . (٢) التيسير ص٢٠١، والنشر ٣٧٥/٢. سُورَةُ الفَتح ٢٨٤ الآية : ٢٥ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أنْ تَصِلُوا إليه وتطوفوا به ﴿وَالْحَدّىَ﴾ بالنصب عطفُ على الضمير المنصوب في ((صدوكم))، أي: وصدُّوا الهديَ، وهو ما يُهدَى إلى البيت، قال الأخفش: الواحدة: هَذْية، ويقال للأُنثى: هدي، کأنه مصدرٌ وُصِفَ به. وفي ((البحر)): إسكانُ داله لغةُ قريش، وبها قرأ الجمهور. وقرأ ابن هرمز والحسن وعصمة عن عاصم واللؤلؤي وخارجة عن أبي عمرو بكسر الدال وتشديد الياء، وذلك لغة (١)، وهو فَعيل بمعنى مفعول على ما صرَّح به غيرُ واحد. وكان هذا الهَدْي سبعين بدنة على ما هو المشهور، وقال مقاتل: كان مئة بدنة . وقرأ الجُعفي عن أبي عمرو: ((الهَدْيِ)) بالجرِّ على أنه عطفٌ على المسجد الحرام بحذف المضاف، أي: ونحر الهدي. وقُرئ بالرفع على إضمار: وصُدَّ الهَدْيُ(٢). وقوله سبحانه: ﴿مَعْكُوْفًا﴾ حال من ((الهدي)) على جميع القراءات. وقيل: على قراءة الرفع يجوز أن يكون ((الهديُ)) مبتدأ، والكلام نحو: حُكْمِكَ مُسَمَّطاً، وقوله تعالى: ((ونحن عصبةً)) على قراءة النصب، وهو كما ترى. والمعكوفُ: المحبوس، يقال: عَكَفتُ الرجلَ عن حاجتِهِ: حبسته عنها، وأنكر أبو عليٍّ تعدية عكف، وحكاها ابن سِيده والأزهري(٣) وغيرهما، وظاهرُ ما في الآية معهم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَجِلَّهُ﴾ بدلُ اشتمال من ((الهَدْي))، كأنه قيل: وصَدُّوا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، أو: صدُّوا عن بلوغ الهدي، أو: وصُدَّ بلوغ الھَذْي، حسب اختلاف القراءات. (١) البحر المحيط ٩٨/٨، وفيه بدل ((وذلك لغة)): وهما لغتان. (٢) البحر المحيط ٩٨/٨. (٣) تهذيب اللغة ٣٢١/١. الآية : ٢٥ ٢٨٥ سُورَةُ الفَتْح وجُوِّز أن يكون مفعولاً من أجله للصدِّ، أي: كراهةَ أن يبلغَ مَحِلَّه، وأن يكون مفعولاً من أجله مجروراً بلام مُقدَّرة لـ ((معكوفاً))، أي: محبوساً لأجلِ أن يبلغَ مَحِلَّه، ويكون الحبسُ من المسلمين. وأن يكون منصوباً بنزع الخافض، وهو (مِن)) أَوْ ((عن))، أي: محبوساً مِنْ أَوْ عن أن يبلغَ مَحِلَّه، فيكون الحبسُ من المشركين على ما هو الظاهر. ومحلُّ الهدي مكان يَحِلُّ فيه نحرُه، أي: يسوغ، أو: مكان حلُوله، أي: وجوبه ووقوعه كما نُقل عن الزمخشري(١)، والمرادُ مكانه المعهودُ، وهو منّى، ﴿ُّ فلأن مكانه لمن مُنِعَ حيث مُنِعَ، فيكون قد بلغ مَحِلَّه أما على رأي الشافعي بالنسبة إلى النبيِّ ◌َ ﴿ ومَنْ معه، ولذا نحروا هناك أعني في الحديبية. وأما على رأي أبي حنيفة رُّ فلأن مكانَه الحرم مطلقاً وبعض الحديبية حرمٌ عنده؛ وقد رووا أن مضاربَ رسول اللهِ وَ ﴿ كانت في الحِلِّ منها ومُصَلَّاه في الحرم، والنحرُ قد وقع فيما هو حرمٌ، فيكون الهَدْي بالغاً مَحِلَّه غيرَ معكوف عن بلوغه، فلا بُدَّ من إرادة المعهودِ ليتسنَّى ذلك. وزعم الزمخشري(٢) أنَّ الآية دليلٌ لأبي حنيفة على أنَّ الممنوعَ مَحِلُّ هَذْبِهِ الحرمُ، ثم تكلّم بما لا يخفى حاله على مَنْ راجعه. ومن الناس مَنْ قَرَّر الاستدلال بأنَّ المسجدَ الحرام يكون بمعنى الحَرَم، وهم لما صدُّوهم عنه ومَنَعوا هَذْيَهم أنْ يَدْخُلَه فيَصِل إلى مَحِلُّه، دلَّ بحسب الظاهر على أنه مَحِلُّه، ثم قال: ولا يُنافيه أنه عليه الصلاة والسلام نحر في طرفٍ منه، كما لا يُنافي الصَّدَّ عنه كونُ مُصلَّاه عليه الصلاة والسلام فيه، لأنهم منعوهم فلم يمتنعوا بالگُلِّية، وهو كما ترى. والإنصافُ أنه لا يتمُّ الاستدلال بالآية على هذا المطلب أصلاً. وطَعَنَ بعضُ أَجِلَّة الشافعية في كون شيء من الحديبية من الحرم، فقال: إنه خلافُ ما عليه الجمهور، وحدودُ الحرم مشهورةٌ من زمن إبراهيمَ عليه السلام، (١) الكشاف ٣/ ٥٤٧ . (٢) الكشاف ٥٤٨/٣ . سُورَةُ الفَتح ٢٨٦ الآية : ٢٥ ولا يُعتدُّ بروايةٍ شذَّ بها الواقديُّ، كيف وقد صرَّح بخلافها البخاريُّ في (صحيحه)) عن الثِّقات(١)، والرواية عن الزهري ليست بثبت(٢). انتهى. ولعلَّ من قال بأنَّ بعضَها من الحرم استند في ذلك إلى خبرٍ صحيحٍ. ومن قواعدِهم أن المُثْبتَ مُقَدَّمٌ على النافي، والله تعالى أعلم. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة ((رجال)) و((نساء)) على تغليب المُذَكَّر على المُؤنَّث. وكانوا على ما أخرج أبو نُعيم - بسند جيد - وغيرُه عن أبي جمعة جنبذ بن سبع: تسعةً نفر؛ سبعة رجال - وهو منهم - وامرأتين (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَطَُّوهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم، وجُوِّز كونه بدلاً من الضمير المنصوب في ((تعلموهم))، واستبعده أبو حيان (٤). والوطء: الدَّوس، واستُعير هنا للإهلاك، وهي استعارةٌ حسنة واردةٌ في كلامهم قديماً وحديثاً، ومن ذلك قول الحارث بن وَعْلة الذَّهْلي: وَظْءَ المقيَّد نابِتَ الهَرْمِ (٥) وَوَطِئْتَنا وطأَ على حَنَق وقوله ﴿ من حديث: ((وإنَّ آخرَ وطأةٍ وَطِئها الله تعالى بِوَجٍ))(٦)، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم اشدُدْ وَظْأَتَكَ على مُضَر))(٧). (١) صحيح البخاري، باب من قال: ليس على المحصر بدل، قبل حديث (١٨١٣) وفيه :... والحديبية خارجٌ من الحرم. وعزاه لمالك وغيره. (٢) سلف ١٧٨/٣ . (٣) الدر المنثور ٧٩/٦، وعزاه لجماعة منهم الطبراني في الكبير (٢٢٠٤)، وأبو يعلى في مسنده (١٥٦٠)، مع اختلاف ألفاظهما. قال الهيثمي في مجمع زوائد ٣٨٩/٩: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات. وجنبذ بن سبع، يقال له أيضاً: جُنيد، وحبيب بن سباع، ووقع في مطبوع الدر المنثور: حنيبذ. ينظر توضيح المشتبه ١٠٦/٣. (٤) البحر المحيط ٩٨/٨. (٥) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢٠٦/١. (٦) أخرجه أحمد (٢٧٣١٤) من حديث خولة بنت حكيم ﴿يا، والمراد بـ ((وجّ)): الطائف، أي: آخر قتال المسلمين كان بالطائف؛ فجعل ذلك وطأة الله، لأنه بأمره. (٧) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥) عن أبي هريرة . الآية : ٢٥ ٢٨٧ سُوَّةُ الفَتّى ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم﴾ أي: من جهتهم ﴿مَعَزَّةٌ﴾ أي: مكروه ومَشَقَّةٌ، مأخوذٌ من العُرِّ والعُرَّة، وهو الجَرَب الصعب اللازم، وقال غير واحد: هي مَفْعلة من عَرَّه: إذا عراه ودهاه ما يكره. والمرادُ بها هنا على ما رُوي عن منذر بن سعيد تعييرُ الكُفَّار وقولهم في المؤمنین: إنهم قتلوا أهل دينهم. وقيل: التأسُّف عليهم وتألُّم النفس مما أصابهم. وقال ابن زيد: المأثم بقتلهم. وقال ابن اسحاق: الدِّية. قال ابن عطية(١): وكلا القولين ضعيف لأنه لا إثمَّ ولادِيَةَ في قتل مؤمن مستورِ الإِيمان بين أهل الحرب. وقال الطبري(٢): هي الكفَّارة. وتَعقَّب بعضُهم هذا أيضاً بأنَّ في وجوبٍ الكفارة خلافاً بين الأئمة. وفي ((الفصول العمادية)): ذكر في تأسيس النظائر في الفقه: قال أصحابنا: دار الحرب تمنعُ وجوبَ ما يَندرئ بالشُّبهات؛ لأن أحكامنا لا تجري في دارهم، وحكمُ دارهم لا يجري في دارنا، وعند الشافعي: دارُ الحرب لا تمنع وجوب ما يندرئ بالشبهات، بيان ذلك: حربيٍّ أسلمَ في دار الحرب وقَتَل مسلماً دَخَلَ دارهم بأمان، لا قِصاصَ عليه عندنا ولا ديةَ، وعند الشافعي عليه القِصاص، وعلى هذا لو أن مسلمَيْنِ مستأمنين دخلا دار الحرب وقتل أحدُهما صاحبه، لا قِصاص عليه عندنا، وعند الشافعي عليه ذلك. ثم ذكر مسألة مختلفاً فيها بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد فقال: إذا قتل أحدُ الأسيرين صاحبه في دار الحرب، لا شيء عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا الكفارة؛ لأنه تبعٌ لهم فصار كواحدٍ من أهل الحرب، وعند محمد تجبُ الدِّية لأن له حُكم نفسه، فاعتبر حکم نفسه على حدة. انتهى. ونُقل عن ((الكافي)) أنَّ من أسلمَ في دار الحرب ولم يُهاجر إلينا وقتله مسلمٌ عمداً أو خطأً وله ورثةٌ مسلمون ثَمَّ لا يضمن شيئاً إن كان عمداً، وإن كان خطأ ضَمِنَ الكفارة دون الدِّية. انتهى. وتمام الكلام في هذا المقام يُطلب في مَحلّه. (١) المحرر الوجيز ٥/ ١٣٧ . (٢) تفسير الطبري ٣٠٦/٢١. سُورَةُ الفَتْعُ ٢٨٨ الآية : ٢٥ والزمخشري(١) فسَّر المَعَرَّة بوجوب الدِّية والكفارة وسوء قالةِ المشركين والمأثم إذا جرى منهم بعضُ التقصير، وهو كما ترى. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في موضع الحال من ضمير المُخاطَبين في ((تطؤوهم))، قيل: ولا تكرارَ مع قوله تعالى: ((لم تعلموهم)) سواء كان ((أن تطؤوهم)) بدل اشتمال من ((رجال)) و(نساء))، أو بدلاً من المنصوب في ((لم تعلموهم))، أما على الثاني فلأنَّ حاصلَ المعنى: ولولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم وإهلاكهم وأنتم غير عالمین بإيمانهم، لأنَّ احتمال أنھم یھلکون من غیر شعور مع إیمانھم سببُ الكفّ، فيعتبر فيه العلمان، فمتعلّق العلم في الأول الوطأة، وفي الثاني أنفسهم باعتبار الإيمان. وأما على الأول فلأنَّ قوله تعالى: ((بغير علم)) لما كان حالاً من فاعل ((تطؤوهم)) كان العلم بهم راجعاً إلى العلم باعتبار الإهلاك، كما تقول: أهلكته من غير علم، فلا الإهلاك من غير شعور ولا العلم بإيمانهم حاصلٌ، والأمران لكونهما مقصودين بالذات صُرِّح بهما وإِنْ تقاربا أو تلازما في الجملة(٢). وجُوِّز أنْ يُجعل ((لم تعلموهم)) كنايةً عن الاختلاط، كما يلوِّح إليه كلام (الكشاف))(٣)، وفيه ما يدفعُ التكرار أيضاً، وفي ذلك بحثٌ يدفع بالتأمُّل. وجُوِّزَ أن يكون حالاً من ضمير (منهم))، وأنْ يكونَ متعلِّقاً بـ ((تصيبكم))، أو صفة لـ ((معرَّة))، قيل: وهو على معنى: فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علم من الذي يعرُّكم ويعيبُ عليكم، يعني: إنْ وطئتموهم غيرَ عالمين لَزِمَكم سُبَّة من الكُفَّار بغير علم، أي: لا يعلمون أنكم معذورون فيه. أو على معنى: لم تعلموا أنْ تطؤوهم فَتُصِيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغير علم منكم، أي: فتقتلوهم بغير علمٍ منكم، أو: تُؤذوهم بغير علم، فافهم، ولا تَغْفُل. وجوابُ (لولا)) محذوفٌ لدلالة الكلام عليه، والمعنى على ما سمعت أولاً: (١) الكشاف ٥٤٨/٣ . (٢) ينظر حاشية الشهاب ٨/ ٦٦. (٣) الكشاف ٥٤٨/٣ . الآية : ٢٥ ٢٨٩ سُورَّةُ الفَتح لولا كراهةُ أن تُهلكوا أُناساً مؤمنین بین ظَهْراني الكُفَّار جاهلین بهم فَيُصيبَکم بإهلاکھم مکروہٌ لَمَا گَفَّ أیدیکم عنهم. وحاصله: أنه تعالى ولو (١) لم يكفّ أيديكم عنهم لانجرَّ الأمر إلى إهلاك مؤمنين بين ظهرانَيْهم فَيُصيبَكم من ذلك مكروهٌ، وهو عز وجل يكرهُ ذلك. وقال ابن جريج: دفع الله تعالى عن المشركين يومَ الحُديبية بأُناس من المسلمين بين أظهرهم. وظاهرُ الأول - على ما قيل - أنّ عِلَّة الكفّ صونٌ المُخاطَبين عن إصابة المَعَرَّة، وظاهرُ هذا أنَّ عِلَّته صونُ أولئك المؤمنين عن الوطء، والأمر فيه سهل. وقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ﴾ عِلَّةٌ لما يدلُّ عليه الجواب المحذوفُ على ما اختاره في ((الإرشاد))(٢)، كأنه قيل: لكنه سبحانه كفَّها عنهم لِيُدخلَ بذلك الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة ﴿مَن يَشَآءُ﴾ وهم أولئك المؤمنون، وذلك بأمنهم وإزالة استضعافهم تحت أيدي المشركين، وبتوفيقهم لإقامة مراسم العبادة على الوجه الأتمِّ، والتعبيرُ عنهم بـ ((من يشاء)) دون الضمير بأن يقال: لُيُدخلهم الله رحمته، للإشارة إلى أنَّ عِلََّ الإدخال المشيئة المَبْنية على الحِكَم الجَمَّة والمصالح. وجعلَه بعضُهم عِلَّةً لما يُفهم من صونٍ مَنْ بمكة من المؤمنين، والرحمةُ توفيقُهم لزيادة الخير والطاعة بإبقائهم على عملهم وطاعتهم. وجُوِّز أن يُرادَ بـ ((من يشاء)) بعضُ المشركين، ويُراد بالرحمة الإسلام، فإن أولئك المؤمنين إذا صانهم الكَفُّ المذكور أظهروا إيمانهم لمعاينة قوَّة الدِّين، فيقتدي بهم الصائرون للإسلام، واستحسن بعضُهم كونه عِلَّة للكَفِّ المُعَلَّل بالصون. وجُوِّز أن يُرادَ بـ ((من يشاء)) المؤمنون، فيرادُ بالرحمة التوفيقُ لزيادة الخير. والمشركون فيرادُ بها الإسلام، وبيِّن وجهُ التعليل بأنهم إذا شاهدوا منعَ تعذيبهم بعد (١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: لو، دون واو. (٢) إرشاد العقل السليم (وهو تفسير أبي السعود) ١١٢/٨. سُورَّةُ الفَتْحُ ٢٩٠ الآية : ٢٥ الَّفَر عليهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتناءً بشأنهم رَغِبوا في الإسلام والانخراط في سِلْك المرحومين، وأنَّ المؤمنين إذا علموا منعَ تعذيب المشركين بعد الظّفر عليهم لاختلاطهم بهم أظهروا إيمانهم فَيُقْتَدَى بهم. وقال(١): لا وجهَ لجعل اللام مستعارةً من معنى التعليل لما يترتَّب على الشيء؛ لأنه عدولٌ عن الحقيقة المتبادرة من غير داعٍ. وما يظنُّ من أنَّ تعليلَ الكفّ بما ذكر مع أنه مُعلَّلٌ بالصون فاسدٌ؛ لما فيه من اجتماع عِلَّتين على معلولٍ واحد شخصي = فاسد، لأنَّ العلل إذا لم تكن تامَّةً حقيقة لا يضرُّ تعدُّدها، وما هنا كذلك. هذا، وجعلُ ذلك ◌ِلَّة لما دلَّ عليه الجواب على ما سمعت أَولاً أولى عندي؛ لما فيه من شدَّة التحام النَّظم الجليل، وحمل ((مَنْ يشاء) على المؤمنين المستضعفين دون بعضٍ المشركين أوفقُ بقوله تعالى: ﴿لَوْ تَزََّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِمًا ﴾﴾ والتزيُّل: التفرُّق والتميُّز، وجُوِّز في ضمير ((تزيَّلوا)» كونُه للمؤمنين المذكورين فيما سبق، أي: لو تفرَّق أولئك المؤمنون والمؤمنات وتميَّزوا عن الكُفَّار وخرجوا من مكة ولم يبقوا بينهم لعذَّبنا .. إلخ. وكونُه للمؤمنين والكُفَّار، أي: لو افترق بعضُهم من بعض ولم يبقوا مُختلطين، لعذَّبنا .. إلخ. واختار غيرُ واحد الأول، فـ ((منهم)) للبيان، والمرادُ تعذيبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما قال مجاهد وغيره، وإلا لم یکن لـ ((لو)) موقع. والجملة مستأنفة مُقرِّرة لما قبلها، وجوَّز الزمخشري (٢) أن يكونَ قوله تعالى: (لو تزيَّلوا)) كالتكرار لقوله تعالى: ((لولا رجال))؛ لأنَّ مَرْجِعَهما في المعنى شيءٍ واحدٌ، ويكون ((لعذَّبنا)) هو الجوابَ لـ (لولا)) السابقة. واعترضه أبو حيان(٣) بأنَّ التغايرَ ظاهرٌ، فلا يكون تكراراً ولا مُشابهاً. وأُجيبَ بأنَّ كراهةَ وطئهم لعدم تميُّزهم عن الكُفَّار الذي هو مدلولُ الثاني، فيكون كبدلِ الاشتمال، ويكفي ذلك في كونه كالتكرار. (١) هو الشهاب في الحاشية ٨/ ٦٧، وما قبله منه. (٢) الكشاف ٥٤٨/٣ . (٣) البحر المحيط ٩٨/٨. الآية : ٢٥ ٢٩١ سُورَةُ الفَتح وقال ابن المُنَيِّر(١): إنما كان مرجعهما واحداً وإنْ كانت ((لولا)) تدلُّ على امتناعٍ لوجود، و((لو)) تدلُّ على امتناعٍ لامتناع، وبين هذين تَنافٍ ظاهرٌ؛ لأنَّ (لولا)) هاهنا دخلَتْ على وجود، و((لو)) دخلت على ((تَزِيَّلوا)) وهو راجعٌ إلى عدمٍ وجودهم، وامتناعُ عدمِ الوجود ثبوتٌ فآلا إلى أمرٍ واحد من هذا الوجه. قال: وكان جدِّي يختار هذا الوجه، ويُسمِّيه: تطريةً، وأكثر ما يكون إذا تطاولَ الكلامُ وبَعُدَ عهدُ أَوَّله، واحتيج إلى بناءِ الآخر على الأول، فمرةً يُطري بلفظه، ومرةً بلفظٍ آخر یؤدِّي مُؤدّاه. انتھی. وأنت تعلم أنَّ في حذف الجواب دليلاً على شدَّة غضب الله تعالى، وأنه لولا حقُّ المؤمنين لفعل بهم ما لا يدخلُ تحت الوصف ولا يُقاس، ومنه يُعلم أنَّ ذلك الوجهَ أرجحُ من جعل ((لو تَزِيَّلوا)) بمنزلة التَّكرار للتطرية، فتطريةُ الجوابِ وتقويته أَولی وأَوفقُ لمقتضى المقام. واختار الطيبي الأول أيضاً مُعَلِّلًا له بأنه حينئذ یقربُ من باب الطرد والعكس، لأنَّ التقديرَ: لولا وجودُ مؤمنين مُختلطين بالمشركين غير متميِّزين منهم لوقع ما كان جزاءً لكفرهم وصلِّهم، ولو حصل التمييزُ وارتفع الاختلاط لحصل التعذيبُ. ثم إنَّ تقديرَ الجوابِ ما تقدَّم عند القائلين بالحذف هو الذي ذهب إليه كثير، وجَوَّز بعضُهم تقديره: لَعَجَّل لهم ما يستحقُّون، وجَعَل قوله تعالى: ((هم الذين كفروا)) إلخ [دليلاً عليه](٢)، فكأنه قيل: هم الذين كفروا واستحقُّوا التعجيلَ في إهلاکھم، ولولا رجالٌ مؤمنون .. إلخ لعجّل لهم ذلك، وهو أیضاً أولی من حدیث التكرار. وقرأ ابن أبي عَبْلة وابن مِقْسم وأبو حيوة وابن عون: ((لو تزايلوا)) على وزن تفاعلوا(٣) . (١) الانتصاف (بحاشية الكشاف) ٥٤٨/٣ . (٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، ينظر تفسير الرازي ٢٨/ ١٠٠. (٣) المحرر الوجيز ١٣٧/٥، وتفسير القرطبي ٣٣٤/١٩، والبحر المحيط ٩٩/٨. ١ سُورَةُ الفَتى ٢٩٢ الآية : ٢٦ وفي الآية - على ما قال الكيا(١) - دليلٌ على أنه لا يجوز خرقُ سفينةِ الكُفَّار إذا كان فيها أَسرى من المسلمين، وكذلك رميُّ الحصون إذا كانوا بها، والكفار إذا تترَّسوا بهم، وفيه كلامٌ في كتب الفروع. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ منصوبٌ بـ: اذكر، على المفعولية، أو بـ ((عذَّبنا)) على الظرفية، أو بـ ((صدُّوكم)) كذلك. وقيل: بمضمر هو: أحسنَ الله تعالى إليكم، وأيَّاما كان فـ ((الذين)) فاعل ((جعل))، ووُضِعَ الموصول موضعَ ضميرهم لذمِّهم بما في حيِّز الصِّلة وتعليلِ الحكم به، والجعلُ إما بمعنى الإلقاء، فقوله تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِمُ اَْمِيَّةَ﴾ مُتعلِّق به، أو بمعنى التصيير، فهو متعلِّق بمحذوف هو مفعولٌ ثانٍ له، أي: جعلوا الحَمِيَّة راسخةً في قلوبهم، ولكونها مُكتَسبةً لهم من وجهٍ نُسب جعلها إليهم. وقال النيسابوري(٢): يجوز أن يكونَ فاعل ((جعل)) ضميرَ الله تعالى، و((في قلوبهم)) بيان لمكان الجَعْل، ومآلُ المعنى: إذ جعلَ اللهُ في قلوب الذين كفروا الحَمِيَّة. وهو كما ترى. والحَمِيَّةُ: الأَنَفةُ، يقال: حميت عن كذا حَمِيَّةً، إذا أَنِفْتَ منه وداخَلَكَ عارٌ منه. وقال الراغب(٣): عبَّر عن القوَّة الغضَبية إذا ثارَتْ وكَثُرت بالحَمِيَّة، فقيل: حَميت على فلان، أي غَضِبت عليه. وقوله تعالى: ﴿حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ بدلٌ من الحَمِيَّة، أي: حَمِيَّة المِلَّة الجاهلية، أو الحَمِيَّة الناشئة من الجاهلية لأنها بغير حُجَّة وفي غير موضعها. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِينَ﴾ عطفٌ على ((جعل)) على تقدير جَعْلِ ((إذ) معمولاً لـ: اذْكُر، والمرادُ تذكيرُ حسنٍ صنيع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع المشركين، وعلى ما يدلُّ عليه الجملة الامتناعية على تقدير جعلها ظرفاً لـ ((عَذّبنا))، كأنه قيل: فلم (١) في أحكام القرآن ٣٧٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإكليل ص ٢٤٠. (٢) غرائب القرآن ٤٩/٢٦. (٣) المفردات (حمي). الآية : ٢٦ ٢٩٣ سُورَةُ الفَتْحُ يتزيَّلوا فلم نُعذّب فأَنزل .. إلخ. وعلى مضمر عامل فيها على الوجهِ الأخير المَحْكي، ويكون هذا التفسير لذاك، وأما على جعلها ظرفاً لـ ((صدُّوكم)) فقيل: العطفُ على ((جعل)) وقيل: على ((صدُّوكم))، وهو نظيرُ: الطائرُ فيغضبُ زيدٌ الذُّباب(١)، والأولى من هذه الأوجه لا يخفى. والسَّكينة: الاطمئنانُ والوقار، روى غيرُ واحدٍ أنَّ النبيَّ وَّ خرج بمن معه إلى الحديبية حتى إذا كان بذي الحليفة قَلَّد الهَدْي وأَشعره وأَحرم بالعمرة، وبعثَ بين يديه عيناً من خُزاعة يُخبره عن قريش، وسار عليه الصلاة والسلام حتى [إذا] كان بغَدير الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينه فقال: إنَّ قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فاستشار الناسَ في الإغارة على ذراري من أعانهم، فقال أبو بكر: الله تعالى ورسوله أعلمُ يا نبيَّ الله، إنما جئنا معتمرين ولم نَجئ لقتال أحدٍ، ولكن مَنْ حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال ◌َ له: ((امضُوا على اسم الله)) فسار حتى نزل بأقصى الحُديبية، فجاءه بُديل بن ورقاء الخُزاعي في نَفَر من قومه فقال له: إني قد تركتُ كعب بن لؤي وعامرَ بن لؤي نزلوا قريباً، معهم العُوذ المَطافيل(٢)، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولکن مُعتمرین، وإن قريشاً قد نَهِكَتهم الحربُ وأَضَرَّتْ بهم، فماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين سائرٍ العرب، فإنْ هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإنْ أظهرني اللهُ تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإنْ لم يفعلوا قاتلتُهم وبهم قوَّة، فما تظنُّ قريش؟! فواللهِ، لا أَزالُ أُجاهِدُهم على الذي بعثني اللهُ تعالى به حتى يُظهره الله تعالى أو تنفردَ هذه السالفة)) فقال بُديل: سأُبلغهم ما تقول. فبلَّغهم، فقال عروة بن مسعود الثقفي لهم: دعوني آتِهِ، فأتاه عليه الصلاة والسلام، فقال له نحوَ ما قال لِيُديل، وجرى من الكلام ما جرى، ورأى مِن احترامِ الصحابة رسولَ الله وَّهه وتعظيمهم (١) والتقدير: الذي يطير ... ، ينظر الأصول في النحو ٣٥٧/٢، وشرح ابن عقيل ٣٦١/٢. (٢) يريد: النساء والصبيان، والعُوذ في الأصل: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت. النهاية (عوذ). سُورَةُ الفَتّى ٢٩٤ الآية : ٢٦ إِيَّاه ما رأى، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بذلك وقال لهم: إنه قد عَرَضَ عليكم خُطَّة رُشْدٍ فاقبلوها، فقال رجلٌ من بني كِنانة: دعوني آتِهِ، فلما أشَرفَ على النبيِّ ◌َله وأصحابه، قال عليه الصلاة والسلام: ((هذا فلان، وهو من قوم يُعِظّمون البُدن، فابعثوها له)) فُبُعِثَت، واستقبله القومُ يُلُبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجَع وأخبر أصحابَه، فقال رجلٌ يقال له: مِكْرَز بن حفص: دعوني آتهِ، فلما أَشرف قال عليه الصلاة والسلام: ((هذا مِكْرَز، وهو رجلٌ فاجرٌ)) فجعل يُكلِّم النبيَّ وَّةِ، فبينما هو يُكلِّمه إذ جاء سُهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي، فقال ◌َله: ((قد سَهُلَ لكم من أمرِكم)) وكان قد بعثه قریش وقالوا له: ائتِ محمداً فصالحه، ولا يكن في صُلْحه إلا أن يرجِعَ عنا عامَه هذا، فوالله لا تتحدَّثُ العرب أنه دخلها علينا عُنْوةً أبداً. فلما انتهى إليه عليه الصلاة والسلام تكلّم فأطال، وانتهى الأمرُ إلى الصُّلح وكتابةٍ كتاب في ذلك، فدعا النبيُّ ◌َ﴿ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه فقال: ((اكتُبْ: بسم الله الرحمن الرحيم)) فقال سُهيل: لا أعرفُ هذا، ولكن اكتُبْ: باسمك اللهم. فقال رسول الله الين: (كتُبْ: باسمِكَ اللهم)) فكتبها، ثم قال: ((اكتُب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله سُهيلَ بن عمرو))، فقال سُهيل: لو كُنَّا نعلم أنك رسولُ الله ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتُبْ اسمك واسمَ أبيك. فقال عليه الصلاة والسلام: ((والله إني لرسولُ الله، وإنْ كذَّبتموني، اكتُبْ: هذا ما صالحَ عليه محمدُ بن عبد الله سُهيلَ بن عمرو صُلحاً على وَضْعِ الحرب عن الناس عشرَ سنين)) يأمنُ فيهنَّ الناسُ ويكفُّ بعضُهم عن بعض، على أنه مَنْ أتى محمداً من قريش بغير إذن وَلِيُّه رَدَّه عليهم، ومَنْ جاء قريشاً ممن مع محمد لم يَرُدُّوه عليه، وإنَّ بيننا عَيبةً مكفوفةً(١)، وإنه لا إسلالَ ولا إغلال(٢)، وإنه مَنْ أحبَّ أن يدخُلَ في عقد محمد وعهده دخل فيها، ومَنْ أحبَّ أن يدخُلَ في عَقْدِ قريش وعَهْدهم دخَلَ فیه، (١) أي: بينهم صدر نقيٍّ من الغلِّ والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح. النهاية (عيب). (٢) الإغلال: الخيانة أو السرقة الخفيَّة، والإسلال: مِن سلَّ البعيرَ في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل. وقيل الإغلال: لبس الدروع. والإسلال: سلُّ السيوف. النهاية (غلل). الآية : ٢٦ ٢٩٥ سُورَةُ الفَتح وإن محمداً يرجِعُ عن مكة عامَه هذا، فلا يدخُلها، وإنه إذا كان عام قابل خرج أهلُ مكة فدخلها بأصحابه. فأقام بها ثلاثاً معه سلاحُ الراكب، السيوفُ في القُرب لا يدخلها بغيرها(١). وظاهرُ هذا الخبر أن سُهيلاً لم يرضَ أن يكتبَ: محمدٌ رسول الله، قبل أن يكتب؛ وجاء في روايةٍ أنه كتب فلم يرضَ، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لعليّ كرم الله تعالى وجهه: ((امْحُه)) فقال: ما أنا بالذي أَمْحاه، وجاء هذا في رواية للبخاري ولمسلم (٢)، وفي رواية للبخاري في المغازي: فأخذ رسولُ اللهِ وَله الكتابَ وليس يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: ((هذا ما قاضى عليه محمدُ بن عبد الله))(٣). وكذا أخرجه النسائي وأحمد، ولفظه: فأخذ الكتاب، وليس يُحسن أن يَكتب، فكتب مكان رسول الله: ((هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... ))(٤)، وتمسّك بظاهر هذه الرواية كما في ((فتح الباري)(٥) أبو الوليد الباجي على أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كتب بعدَ أنْ لم يكن يُحسن أنْ يكتب، ووافقه على ذلك شيخُه أبو ذرِّ الهرويُّ وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية، والجمهور على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب، وأنَّ قوله: وأخذ الكتابَ، وليس يُحسن أن يَكتبَ؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام احتاجَ لأنْ يُريه عليٍّ كرم الله تعالى وجهه موضعَ الكلمة التي امتنعَ من مَحْوِها لكونه كان لا يُحسن الكتابة. وقوله: فكتب، بتقدير: فمحاها، فأَعاد الكتاب لعليٍّ فكتب، أو أطلقَ فيه ((كتب)) على: أَمَرَ بالكتابة. وتمامُ الكلام في محلّه(٦). (١) السيرة النبوية ٣٠٨/٢ وما بعدها، وأخرج هذا الخبر بطوله البخاري (٢٧٣١)، وأحمد (١٨٩٢٨) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم باختلاف بعض الألفاظ، وأخرجه مسلم (١٧٨٣) و(١٧٨٤) و(١٧٨٥) و(١٧٨٦) عن عدد من الصحابة (٢) صحيح البخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣) من حديث البراء بن عازب ـ (٣) صحيح البخاري (٤٢٥١). (٤) سنن النسائي الكبرى (٨٥٢٥)، ومسند أحمد (١٨٦٣٥). (٥) ٥٠٣/٧. (٦) ينظر ما سلف ٣٧٥/٢٠-٣٧٨. سُورَةُ الفَترح ٢٩٦ الآية : ٢٦ فكانت حَمِيَّتهم - على ما في ((الدر المنثور))(١) عن جماعة ـ أنهم لم يُقِرُّوا أنه ◌َّه رسولٌ ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بين المسلمين والبيت، وقد هَمَّ المؤمنون لذلك أنْ يبطِشوا بهم، فأنزلَ اللهُ تعالى سكينَته عليهم فَتَوَقَّروا وحَلُموا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جُريج أنه قال في حَمِيَّة الجاهلية: حمت قريش أَنْ يدخلَ عليهم رسولُ اللهِ وَّر وقالوا: لا يدخُلها علينا أبداً، وقال ابن بحر - كما في ((البحر))(٢) -: حَمِيَّتهم: عَصَبيَّتهم لآلهتهم، والأَنَفةُ أنْ يعبدوا غيرَها . وفي توسيطٍ ((على)) بين الرسول والمؤمنين إيماءٌ إلى أنه سبحانه أَنزل على كلِّ سكينةً لائقةً به. ووجهُ تقديم الإنزال على الرسول عليه الصلاة والسلام لا يخفى. وقال الإمام(٣): في هذه الآية لطائفُ معنوية: وهو أنه تعالى أبانَ غايةَ البون بين المؤمنين والكافرين: حيث باين بين الفاعِلَيْن، إذْ فاعل ((جعل)) هو الكُفَّار، وفاعل ((أنزل)) هو اللهُ تعالى، وبين المفعولين إذْ تلك حَمِيَّة وهذه سكينة، وبين الإضافتين إضافة الحَمِيَّة إلى الجاهلية وإضافةِ السكينة إليه تعالى، وبين الفِعْلين ((جعل)) و((أنزل))، فالحميَّة مجعولةٌ في الحال كالعَرَض الذي لا يبقى، والسَّكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة، فأَنزلها، والحَمِيَّ قبيحةٌ مذمومةٌ في نفسها، وازدادت قُبحاً بالإضافة إلى الجاهلية، والسكينةُ حسنةٌ في نفسها وازدادت حُسناً بإضافتها إلى الله عز وجل، والعطفُ في ((فأنزل)) بالفاء لا بالواو يدلُّ على المُقابلة والمجازاة، تقول: أَكرمني زيدٌ فأكرمته، فيدلُّ على أن إنزالَ السكينة لجَعْلِهم الحَمِيَّةَ في قلوبهم حتى إن المؤمنين لم يغضبوا ولم ينهزموا، بل صبروا، وهو بعيدٌ في العادة، فهو من فضل الله تعالى. انتهى، وهو مما لا بأسَ به. (١) ٧٩/٦ -٨٠. (٢) البحر المحيط ٩٩/٨. (٣) تفسير الرازي ١٠٢/٢٨. الآية : ٢٦ ٢٩٧ سُورَةُ الفَتْحُ ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ هي لا إله إلا الله كما أخرج ذلك الترمذي وعبد الله بن أحمد والدارقطني وغيرهم عن أبيّ بن كعب مرفوعاً (١)، وكما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وسَلَمة بن الأكوع كذلك(٢)؛ وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن حُمْران أنَّ عثمان بن عفان رَُّه قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يقول: ((إني لأعلمُ كلمةً لا يقولها عبدٌ حقًّا من قلبه إلا حُرِّم على النار)) فقال عمر بن الخطاب وظُّه: أنا أُحدِّثكم ما هي: كلمةُ الإخلاص التي ألزمها الله سبحانه محمداً وأصحابه، وهي كلمةُ التقوى التي ألاصَ عليها نبيُّ اللهِ وَّرَ عمَّه أبا طالب عند الموت؛ شهادة أن لا إلهَ إلا الله(٣). ورُوي ذلك أيضاً عن عليّ كرم الله تعالى وجهه - على ما نَقَل أبو حيان (٤) - وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وسعيد بن جُبير في آخرين، وأخرج ذلك عبد بن حُميد وابن جرير عن عطاء الخُراساني بزيادة: محمد رسول الله(٥). وأُضيفت إلى التقوى لأنها بها يُتَّقى الشِّرك، ومن هنا قال ابن عباس - فيما أخرجه ابن المنذر وغيره -: هي رأسُ كلِّ تقوى(٦). وظاهرُ كلام عمر رَُّه أن ضمير ((هم)) في ((ألزمهم)) للرسول عليه الصلاة والسلام ومَنْ معه، وإلزامهم إياها بالحكم والأمر بها. وأخرج عبد الرزاق والحاكم - وصحَّحه - والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) وجماعة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال: هي لا إله إلا الله والله أكبر(٧)، ورُوي عن ابن عمر أيضاً نحوه. (١) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وسنن الترمذي (٣٢٦٥)، وعبد الله في مسند أبيه أحمد (٢١٢٥٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسن بن قزعة. (٢) الدر المنثور ٦/ ٨٠. (٣) مسند أحمد (٤٤٧)، وصحيح ابن حبان (٢٠٤)، والمستدرك ٣٥١/١، ومعنى: أَلاصَ عليها : أي: أداره عليها، وراوده فيها . (٤) البحر المحيط ٩٩/٨. (٥) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وهو في تفسير الطبري ٣١٣/٢١. (٦) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٣١١/٢١. (٧) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وتفسير عبد الرزاق ٢٢٩/٢، والمستدرك ٢/ ٤٦١. سُورَةُ الفَتح ٢٩٨ الآية : ٢٦ وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في ((الأفراد)» عن المسور بن مخرمة قال: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له(١). وعن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضاً أنها لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير. وأخرج عبد بن حُميد وابن جرير وغيرهما عن الزهري قال: هي بسم الله الرحمن الرحيم (٢). وضَمَّ بعضهم(٣) إلى هذا: محمد رسول الله. والمراد بإلزامهم إيّاها اختيارها لهم دون مَنْ عدل عنها إلى: باسمك اللهم، و: محمد بن عبد الله. وقيل: هي الثَّبات والوفاء بالعهد، ونسبه الخَفَاجي (٤) إلى الحسن، وإلزامهم إياه أمْرُهم به، وإطلاق الكلمة على الثَّبات على العهد والوفاء به، قيل: لِمَا أنَّ كلَّا يُتوصَّل به إلى الغرض، وهو نظيرُ ما قيل في إطلاق الكلمة على عيسى عليه السلام من أن ذلك لأنَّ كلَّا منهما يُهتدَى به، وجعلت الإضافة على كونها بمعنى الثَّبات من باب إضافة السبب إلى المسبّب فهي إضافة لأدنى مُلابسة. وجُوِّز أن تكونَ اختصاصيةً حقيقيةً بتقدير مضافٍ، أي: كلمة أهل التقوى، وأُريد بالعهد على ما يقتضيه ظاهرُ سبب النزول عهدُ الصُّلح الذي وقع بينه وَّر وبين أهل مكة. وقيل: ما یعمُّ ذلك وسائر عهودهم معه عز وجل. وأنت تعلم أن الوجه المذكور في نفسه غير ظاهر، ومثله ما قيل: المراد بالكلمةِ قولهم في الأصلاب: بلى مُقِرِّين بوحدانيته جلَّ شأنه، وبالإلزام الأمر بالثَّبات والوفاء بها. وقيل: هي قولُ المؤمنين: سمعاً وطاعة، حين يُؤمرون أو يُنْهون. والظاهرُ عليه كون الضمير للمؤمنين. وأرجحُ الأقوال في هذه الكلمة ما رُوي مرفوعاً وذهب إليه الجَمُّ الغفير، ولعلَّ ما ذُكر في الأخبار السابقة من باب الاكتفاء، والمرادُ: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. (١) وذكره أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٢) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وتفسير الطبري ٣١٤/٢١. (٣) منهم الزمخشري في الكشاف ٥٤٩/٣، والبيضاوي ٨/ ٦٧. (٤) حاشية الشهاب ٨/ ٦٧ . الآية : ٢٦ ٢٩٩ سُورَةُ الفَتْعُ ﴿وَكَانُواْ﴾ عطف على ما تقدَّم، أو حال من المنصوب في (ألزمهم)) بتقدير ((قد)) أو بدونه، والظاهرُ في الضمير عودُه كسابقهِ كما اقتضاه كلامُ عمر ◌ُه على الرسول والمؤمنين، واستظهر بعضُهم عودَه على المؤمنين، وكأنه اعتبر الأول عائداً عليهم أيضاً، وهو مما لا بأس فيه، ولعله اعتبر الأقربيَّة، فالمعنى: وكان المؤمنون في علم الله تعالى ﴿أَحَقَ بِهَا﴾ أي: بكلمة التقوى، وأَفعل لزيادة الحَقِيَّة في نفسها، أي: مُتَّصِفين بمزيد استحقاق لها، أو على ما هو المشهور فيه، والمُفضَّل عليه محذوفٌ، أي: أحقّ بها من كُفَّار مكةَ لأنَّ اللهَ تعالى اختارهم لدينه وصُحبة نبيِّه ◌َِّة، وقيل: من اليهود والنصارى، وقيل: من جميع الأُمم لأنهم خيرُ أمة أُخرجت للناس. وحكى المبرِّد أنَّ الذين كانوا قبلنا لم يكن لأَحدٍ منهم أن يقول: لا إله إلا الله، في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أنْ يقولَها أكثرَ من ذلك، وكان قائِلُها يمدُّ بها صوتَه إلى أنْ ينقطع نَفَسُه تبرُّكاً بذكر الله تعالى، وقد جعل الله عز وجل لهذه الأُمة أن يقولوها متى شاؤوا، وهو قوله تعالى: ((وألزمهم كلمة التقوى)) أي: نَدَبهم إلى ذكرها ما استطاعوا، ((وكانوا أحقَّ بها)). وهذا مما لم يَثْبُتْ. وجوَّز الإمام(١) كونَ التفضيل بالنسبة إلى غير كلمة التقوى، أي: أحقَّ بها من كلمةٍ غيرِ كلمةٍ تقوى، وقال: وهذا كما تقول: زيدٌ أحقُّ بالإكرام منه بالإهانة، وقولك إذا سُئل شخصٌ عن زيدٍ بالطّبِّ أعلم أو بالفقه: زيدٌ أعلم بالفقه، أي: من الطِّبِّ. وفيه غَفْلةٌ لا تَخْفى. ﴿وَأَهْلَهَا﴾ أي: المُستأهل لها، وهو أبلغُ من: الأحقّ، حتى قيل: بينه وبين الأحقِّ كما بين الأحقِّ والحقِّ. وقيل: إنَّ أحقِّيَّتهم(٢) بها من الكفار تُفُهِم رُجحانهم رُجحاناً مّا عليهم ولا تُثبت الأهلية، كما إذا اختار الملكُ اثنين لِشُغل، وكلُّ واحد منهما غيرُ صالح له، لكن أحدهما أَبعدُ عن الاستحقاق، فيقال للأقرب إليه: إذا كان ولا بدَّ فهذا أحقُّ، كما يقال: الحبس أهونُ من القتل، ولِدَفْع توقُّم مثل هذا فيما نحن فيه قال سبحانه: ((وأهلها)). (١) تفسير الرازي ١٠٣/٢٨-١٠٤. (٢) في الأصل: حقيتهم. سُورَةُ الفَتح ٣٠٠ الآية : ٢٧ وقيل: أُريدَ أنهم أحقُّ بها في الدنيا وأهلها بالثواب في الآخرة. وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، والأصلُ: وكانوا أهلَها وأحقَّ بها، وكذلك هي في مصحف الحارث بن سُويد صاحب ابن مسعود، وهو الذي دَفَنَ مصحفَه لمخالفتِه الإمام أيام الحَجَّاج، وكان من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم. وقيل: ضمير ((كانوا)) عائدٌ على كُفَّار مكة، أي: وكان أولئك الكفار الذين جعلوا في قلوبهم الحمية أحقَّ بكلمة التقوى لأنهم أهلُ حرم الله تعالى، ومنهم رسوله وَّة، وقد تقدَّم إنذارهم، لولا ما سُلبوا من التوفيق. وفيه ما فيه، سواء رَجَع ضمير ((ألزمهم)) إلى كفار مكة أيضاً أم لا، وأظن في قائله نزغةً رافضيَّة دعته إلى ذلك لكنه لا يتمّ به غرضُه. وقيل: ضمير ((كانوا)) للمؤمنين إلا أنَّ ضميري ((بها وأهلها)) للسَّكينة. وفيه ارتكابُ خلافِ الظاهر من غير داعٍ. وقيل: هما لمكةَ، أي: وكانوا أحقَّ بمكةً أنْ يدخلُوها وأهلها، وأَشعر بذِكْر مكةَ ذكرُ المسجدِ الحرام في قوله تعالى: (وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وكذا مَحلُّ الهَدْي في قوله سبحانه: (وَالْهَدّىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَجِلَّمٌ)، وفيه ما لا يخفى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾﴾ فيعلم سبحانه حقَّ كلِّ شيء واستئهاله لما يستأهله، فيسوق عز وجل الحقَّ إلى مُستحِقٌّه والمستأهل إلى مُستأهله، أو فيعلم هذا ويعلم ما تقتضيه الحِكمة والمصلحة من إنزال السكينة والرِّضا بالصُّلح، فيكون تذيلاً لجميع ما تقدَّم. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا﴾ رأى رسولُ اللهِ وَّهِ في المنام قبلَ خروجه إلى الحُديبية - وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه عليه الصلاة والسلام رأى وهو في الحديبية(١)، والأول أصحُ ـ أنه هو وأصحابُه دخلوا مكةَ آمنين وقد حلقُوا وقصَّروا، فقصَّ الرؤيا على أصحابه، فَفَرِحُوا واستبشروا وحَسِبوا أنهم داخلوها في (١) الدر المنثور ٦/ ٨٠، وتفسير الطبري ٣١٦/٢١.