Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ١٩
١٨١
سُورَةٌ مُخَابٌَ
المُتكلِّمين. ولست أقول: لم تجرِ هذه الألفاظ، بل لم يجرِ أيضًا ما معناه معنى
هذه الألفاظِ، بل كان لا تنكشف مَلْحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يُسلِمون
تحت ظلال السيوف، وجماعةٍ من الأسارى يُسلمون واحدًا واحدًا بعد طول الزمان
أو على القُرب، وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علِّموا الصلاةَ والزكاة ورُدُّوا إلى
صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها .
نعم لست أُنكر أنه يجوز أن يكونَ ذكر أدلة المُتكلِّمين أحد أسباب الإيمان في
حقِّ بعض الناس، ولكن ذلك ليس بمقصور عليه، وهو نادرٌ أيضًا.
وساق الكلام إلى أن قال: والحقُّ الصريح أن كلَّ من اعتقد أنَّ ما جاء به
الرسول وَل﴿ واشتمل عليه القرآن حقٌّ اعتقادًا جزمًا فهو مؤمن وإن لم يعرف أدَّته،
فالإيمان المستفاد من الدلائل الكلامية ضعيفٌ جدًّا مُشرف على التزلزل بكلِّ شُبهة،
بل الإيمان الراسخ إيمان العوامِّ الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع والحاصل
بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها. اهـ، وفيه فوائدُ شتى، ولذا نقلناه بطوله.
ومتى جاز أن يقذفَ الله تعالى في قلب العبد نورَ الإيمان فيؤمن بلا نظر
واستدلال، جاز أن يقذفَ سبحانه في قلبه صِدْقَ المُخبِر بحيث لا يقدرُ علی دَفْعه،
ولا يدري أنه من أين جاء، لاسيما إذا كان المُخبِرُ هو النبيَّ ◌َّ، فإن مِن لازِمِ
قذفٍ نور الإيمان في قلب المؤمن به عليه الصلاة والسلام أن يقذف في قلبه
صدقه * لأن الإيمان لا يتمُّ إلا بذلك، فقد ظهر أن دعوى الضرورة في أنه
لا سبيل إلى العلم بصدق المُخبِر فيما أخبر به علمًا ضروريًّا إن لم تكن مُكابرة،
فمنعها ليس مُكابرة أيضًا، فإنَّ الدليل قد قام على جواز حصول العلم الضروري
بصدقه، بل على وقوعه، فليست تلك الدعوى من المقدمات الضرورية التي يكون
منعها مُكابرة غير مسموعة.
وقد اتَّضح من جميع ما ذُكر أنَّ ما قاله السعد في ((شرح المقاصد)»(١) من أن
الحقَّ أن المعرفةَ بدليل إجمالي يرفع الناظر من حَضيض التقليد فرضُ عين لا مَخرج
(١) ٢٦٦/١.

سُؤَادَةٌ مُخَضِد
١٨٢
الآية : ١٩
عنه لأحد من المُكلَّفين، وبدليل تفصيلي يتمكَّن معه من إزاحة الشُّبه وإلزام
المُنكرين وإرشاد المسترشدين فرضُ كفاية لا بدَّ من أن يقومَ به البعضُ = لا يخلو
عن نظر على ما قيل. لكن الظاهر عندي أنَّ الحقَّ مع السعد من جهة أن الإيمان
بمعنى التصديق مُكلَّف به، وشرط المكلّف به كونه اختياريًّا، وقد صرَّحوا أن
التكليفَ بما ليس باختياري تكليفٌ في الحقيقة بما يتوقّف عليه من الأمور
الاختيارية، وأن التصديقَ نفسه لكونه غير اختياري كان التكليف به في الحقيقة
تكليفًا بما يتوقّف هو عليه من النظر الاختياري، فالإيمان الذي يحصل بقذفه تعالى
النور في القلب من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال ليس اختياريًّا بنفسه
ولا باعتبار ما يحصل هو منه فكيف يكون مُكلَّفًا به، وما مرادُ السعد ومن وافقه
بالمعرفة إلا المعرفة من حيث إنها مُكلَّف بها كما يُشير إليه قوله: لا مَخرج عنه
لأحد من المُكلَّفين، وكون ذلك مُكلَّفًا به باعتبار أمر اختياريٍّ غير النظر، كتحصيل
الاستعداد لإفاضة النور، وخَلْق العلم الضروري في قلب العبد، غيرُ ظاهر.
نعم لست أنكر أنَّ من المعرفة ما لا يتوقَّف على نظر في دليل إجمالي أو غيره،
كمعرفة الأنبياء عليهم السلام على ما سمعت عن بعضهم، وكمعرفة مَنْ شاء الله
تعالى من عباده سبحانه غيرهم، ولا أُسمِّي نحو هذه المعرفة تقليدية، وكذا لا أُنكر
أن المعرفةَ الحاصلة مِن قَذْف النور فوقَ المعرفةِ الحاصلة من النظر في الدليل،
فإنها يُخشى عليها من عواصفِ الشُّبه، وأذهب إلى أن النظرَ في الدليل مطلقًا
واجبٌ على من لم يحصل له العقد الجازمُ إلا به، وأما من حصل له ذلك بأي
طريق كان دونه فلا يجب عليه وكذا لا يأثمُ بتركه، وحكايةُ الإجماع على إثمه به
لا يخفى ما فيها، وتوجيهُ ذلك بأنَّ جزمَ المؤمن حينئذ لا ثقةً به، إذ لو عَرَضَت له
شُبهةٌ فات وبقي متردِّدًا بخلاف الجزم الناشئ عن الاستدلال، فإنه لا يفوتُ
بذلك = غيرُ ظاهر؛ لأنه إذا سُلِّم أنَّ مَنْ ثمَّ جزمُه من غير نظر فقد أتى بواجب
الإيمان فلا وجهَ لتأثيمه بترك النظر بناءً على مجرد احتمال عُروض شُبهة مُشوِّشة
لجزمه، لأنه إذا سُلِّم أن الواجبَ عليه ليس إلا أن يجزمَ وقد جزمَ فقد أدَّى واجب
الوقت وما ترك منه شيئًا، وكلُّ من لم يترك واجبًا معيَّنًا في وقت معيَّن لا معنى

الآية : ١٩
١٨٣
التأثيمه في ذلك الوقت من جهة ذلك الواجب، وكما يحتمل عقلًا أن تعرضَ له
شبهةٌ تُشوِّش عليه الجزمَ لعدم الدليل كذلك يحتمل عقلًا أن يحصلَ له الدليل على
ما جزم به قبلَ عُروض شُبهة، ولعل هذا الاحتمال أقوى وأقربُ إلى الوقوع.
وإذا أحطت خُبرًا بجميع ما ذكرنا علمت أنَّ الاستدلالَ بقوله تعالى: (فَأَعْلَ أَنَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) على وجوبِ النظرِ فيه نظرٌ؛ لتوقّفه على صحة قولهم: إن العلم
لا يحصل إلا بالنظر وقد سمعتَ ما فيه. ويقوِّي ذلك إذا قلنا: إنَّ عِلْمِهِ وَله
بالوحدانية ضروري، إذ يكون المرادُ الأمرَ بالثَّبات والاستمرار على ما هو وَّر فيه
من اجتناب ما يُخِلُّ بالعلم.
وقد يقال: يجوز أن يكونَ الاستدلالُ نظرًا إلى ظاهر اللفظ من حيث إنه أمرٌ
بالعلم بالوحدانية فلا بدَّ أن يكون مقدورًا بنفسه أو باعتبار ما يحصل هو منه،
وحيث انتفى كونه مقدورًا بنفسه تعين کونُه مقدورًا باعتبار ما يحصلُ هو منه،
والظاهرُ أنه النظر.
وأنت تعلم أنه إن كان التقليدُ سببًا من أسباب العلم أيضًا لم يتمَّ هذا وإن لم
يكن سببًا تمَّ، فتأمل.
ثم اعلم أنَّ النظرَ الذي قالوا به في الأصول الاعتقادية أعمُّ من النظر في الأدلة
العقلية، والنظر في الأدلة السمعية، فإنَّ منها ما ثبت بالسمع، كالأمور الأُخروية،
ومَدْخِلُ العقل فيها ليس إلا بأنها أمورٌ مُمكنة أخبر الصادق بوقوعها، وكلُّ مُمكن
أخبر الصادقُ بوقوعه واقعٌ، فتلك الأمورُ واقعةٌ. وأما النظرُ في معرفة الله
تعالى - أعني التصديقَ بوجوده تعالى وصفاته العلا - فقيل: يتعيَّن أن يكون المرادُ به
النظرَ في الأدلة العقلية فقط، ولا يجوز أن يكونَ النظرُ في الأدلة السمعية طريقًا
إليها؛ لاستلزامه الدور.
وفي ((الجواب العتيد)»: الدورُ لازمٌ لكن لا مطلقًا، بل بالنسبة إلى كلِّ مطلوب
يتوقَّف العلمُ بصدق الرسول وَ ﴿ على العلم به، وذلك لأنَّ النظرَ في الأدلة السمعية
إنما يكون طريقاً إلى المعرفة إذا كانت صادقةً عند الناظر فيها، وصدقُها في علم

سُورَةُ مُقَدّ
١٨٤
الآية : ١٩
الناظر موقوفٌ على علمه بأنَّ هذا الذي يدَّعي أنه رسولُ الله الذي جاء بها صادقٌ(١)
في دعواه الرسالةَ، وعلمه بذلك موقوفٌ على العلم بأنَّ اللهَ تعالى قد أظهر
المُعجزاتِ على يده تصديقًا له في دعواه، وعِلمه بذلك موقوفٌ على العلم بأن ثَمَّت
إلهًا على صفةٍ يمكن بها أن يبعثَ رسولًا، ككونه حيًّا عالمًا مُريدًا قادرًا، وهو من
معرفة الإله سبحانه، فلو استنفدنا العلم بوجود الله تعالى وبتلك الصفات من
الدلائل السمعية الموقوفةِ على صدقِ الرسول عليه الصلاة والسلام لَزِمَ الدور
كما ترى.
نعم إذا قيل: إنَّ المُكلَّف بعد ما آمن بالرسول وَّهِ واعتقد اعتقادًا جازمًا بصِدْقه
في جميع ما جاء به من عند الله تعالى بأيِّ وجه كان ذلك الجزمُ بالضرورة أو بالنظر
أو بالتقليد، فله أن يأخذَ عقيدته من القرآن من غير تأويل ولا مَيْل من غير أن ينظرَ
في دليل عقليٍّ = كان ذلك كلامًا صحيحًا لا غُبارَ عليه، ولا يلزم منه تحصيلٌ
للحاصل بالنسبة إلى ما حصله أولًا من المسائل التي يتوقّف عليها صدقُ الرسول
عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ التحصيلَ الثاني من حيث إن الجائي بدلائلها صادقٌ
فيها، والتحصيل الأول كان بالنظر العقلي من غير اعتبار صدقِ الرسول عليه الصلاة
والسلام، فاختلفت الحيثية، فليفهم، والله تعالى أعلم.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ وَمَنْوَنَّكُمْ ﴾﴾ في الآخرة، وخصَّ المتقلَّب
بالدنيا والمثوَى بالآخرة، لأنَّ كلَّ أحدٍ متحرٌِّ في الدنيا دائمًا نحو مَعاده غير قارٍّ،
وفي الآخرة مُقيمٌ لا حركةَ له نحوَ دارٍ وراءَها. والمرادُ مِن علمه تعالى بذلك
تحذيرُهم من جزائه وعقابه سبحانه، أو الترغيب في امتثال ما يأمرهم جلَّ شأنه به
والترهيب عمَّا ينهاهم عز وجل عنه على طريق الكناية.
وقال ابن عباس ﴾: (مُتَقلَّبكم)) تصرفكم في حياتكم الدنيا، و((مثواكم)) في
قبوركم وآخرتكم. وقال عكرمة: ((مُتقلَّبكم)) في أصلاب الآباء إلى أرحام الأُمَّهات،
و((مثواكم)) إقامتُكم في الأرض.
(١) في الأصل و(م): صادقًا.

الآية : ٢٠
١٨٥
وقال الطبري(١): وغيره: (مُتقلّبكم)) تصرُّفكم في يقظتكم، و((مثواكم)) منامكم.
وقيل: (مُتقلَّبكم)) في معايشكم ومتاجركم، و((مثواكم)) حيث تستقرُّون من
منازلكم. وقيل: ((مُتقلَّبكم)) في أعمالكم، و((مثواكم)) من الجنة والنار.
واختار أبو حيان(٢) عمومَهما في كلِّ متقلّب وفي كلِّ إقامة. ونحوه ما قيل:
المرادُ: يعلم جميعَ أحوالكم، فلا يخفى عليه سبحانه شيء منها .
وقرأ ابن عباس: ((مُنْقلبكم)) بالنون (٣).
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ حرصًا على الجهاد لما فيه من الثواب الجزيل، فالمرادُ
بهم المؤمنون الصادقون: ﴿لَوَلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: هلَّا أنزلت سورةٌ يُؤمَر فيها
بالجهاد، فـ ((لولا)) تحضيضية.
وعن ابن مالك أن ((لا)) زائدة، والتقدير: لو أُنزلت سورة. وليس بشيء.
﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ﴾ أي: بطريق الأمر به، والمرادُ
بـ ((محكمة)): مُبيّنة لا تشابه ولا احتمال فيها لوجهٍ آخر سوى وجوب القتال،
وفسّرها الزمخشري(٤) بـ : غير منسوخة الأحكام.
وعن قتادة: كلُّ سورة فيها القتال فهي مُحكمة، وهو أشدُّ القرآن على
المنافقين، وهذا أمرٌ استقرأه قتادة من القرآن لا بخصوصية هذه الآية، والمُتحقّق أن
آياتِ القتال غيرُ منسوخةٍ، وحكمها باقٍ إلى يوم القيامة. وقيل: مُحكمة بالحلال
والحرام.
وقُرئ: ((نَزَلت سورةٌ» بالبناء للفاعل من نَزَل الثلاثي المجرَّد، ورفع ((سورةٌ»
على الفاعل(٥).
(١) تفسير الطبري ٢٠٩/٢١.
(٢) البحر المحيط ٨٠/٨.
(٣) البحر المحيط ٨٠/٨.
(٤) الكشاف ٥٣٥/٣ وفسرها الزمخشري بالتفسير الذي ذكره المصنف قبل.
(٥) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٣٥/٣، والقرطبي في تفسيره ٢٧٠/١٩.

١٨٦
الآية : ٢٠
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((نزلت)) كذلك إلا أنه نصب ((سورةً محكمةً))، وخُرِّج ذلك
على كون الفاعل ضميرَ السورة، و((سورةً محكمةً)) نُصب على الحال. وقرأ هو
وابن عُمير: ((وذَكَر)) مبنيًّا للفاعل، وهو ضميره تعالى، ((القتال)) بالنصب على أنه
مفعول به(١).
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ أي: نفاق، وقيل: ضَعْفٌ في الدين ﴿يَنْظُرُونَ
إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ﴾ أي: نظر المُحتَضرِ الذي لا يطرفُ بصره،
والمراد: تشخصُ أبصارُهم جُبنًا وهَلَعًا، وقيل: يفعلون ذلك من شِدَّة العداوة له
عليه الصلاة والسلام، وقيل: مِن خشية الفضيحة، فإنهم إنْ تخلَّفوا عن القتال
افتضحوا وبانَ نِفاتُهم. وقال الزمخشري: كانوا يدَّعون الحِرصَ على الجهاد
ويتمنَّونه بألسنتهم، ويقولون: لولا أُنزلت سورةٌ في معنى الجهاد، فإذا أُنزلت
وأُمروا فيها بما تمثّوا وحَرَصوا عليه كاعوا وشقَّ عليهم وسُقِطَ في أيديهم كقوله
تعالى: (فَلَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَظْشَوْنَ النَّاسَ)(٢). والظاهر ما ذكرناه أولًا
من أن القائلين هم الذين أخلصوا في إيمانهم، وإنما عرا المنافقين ما عرا عند نزول
أمر المؤمنين بالجهاد لدخولهم فيهم بحسب ظاهرٍ حالهم. وقد جَوَّز هو أيضًا إرادةَ
الخُلَّص من الذين آمنوا، لكن كلامه ظاهرٌ في ترجّح ما ذكره أولًا عنده، والظاهرُ
أن في الكلام عليه إقامةَ الظاهر مقامَ المُضمر.
وجوّز أن يكون المطلوب في قوله تعالى: ((لولا أُنزلت سورة)) إنزال سورة
مُطلقًا حيث كانوا يستأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، ورُوي نحوه عن ابن
جُريج. أخرج ابن المنذر عنه أنه قال في الآية: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله
تعالى وإلى بيانِ ما ينزلُ عليهم فيه، فإذا نزلت السورةُ يُذكَّر فيها القتال رأيتَ
يا محمدُ المنافقين ينظرون إليك .. إلخ (٣).
﴿فَوْلَى لَهُمْ (٥﴾ تهديدٌ ووعيدٌ على ما رُوي عن غير واحد، وعن أبي عليٍّ أن
(١) البحر المحيط ٨/ ٨١.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٣٥-٥٣٦ .
(٣) الدر المنثور ٦/ ٦٣ .

الآية : ٢٠
١٨٧
سُوَلاَ تَحْمَدَ
(أولى)) فيه عَلَمٌ لِعَيْنِ الويل مبني على زِئَةٍ أَفعل من لفظ الويل على القلب، وأصله
أَوْيَل، وهو غير منصرف للعلميَّ والوزن، فالكلام مبتدأ وخبر.
واعتُرض بأن الويل غير متصرف فيه، ومثل يوم أَيْوم مع أنه غير مُنقاس لا يُفرد
عن الموصوف ألبتة، وأن القلبَ خلافُ الأصل لا يُرتكب إلا بدليل، وأنَّ علمَ
الجنس شيء خارجٌ عن القياس مُشكل التعقُّل خاصَّة فيما نحن فيه.
ثم قيل: إن الاشتقاقَ الواضحَ من الوَلْي بمعنى القُرب، كما في قوله:
يُكلِّفني ليلى وقد شطّ وَلْيُها وعادتْ عوادٍ بيننا وخطوبُ(١).
يُرشد إلى أنه للتفضيل في الأصل غُلِّب في قُرب الهلاك ودعاء السوء، كأنه
قيل: هلاكًا أولى لهم، بمعنى: أهلكهم الله تعالى هلاكًا أقربَ لهم من كلِّ شرِّ
وهلاك، وهذا كما غُلِّب: بُعدًا وسُحقًا، في الهلاك، وهو على هذا منصوبٌ على
أنه صفةٌ في الأصل لمصدر محذوفٍ، وقد أُقيم مُقامه والجارُّ متعلِّقٌ به. وفي
(الصحاح)) عن الأصمعي: أَوْلى له: قَاربه ما يُهلكه، أي: نزل به، وأنشد:
وأَولى أن يزيدَ على الثلاث
فعادى بين هاديتين منها
أي: قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل أحدٌ في: أولى، أحسنَ مما قاله
الأصمعي(٢). وعلى هذا هو فعلٌ مُستتر فيه ضمير الهلاك بقرينة السِّياق.
وقريبٌ منه ما قيل: إنه فعلٌ ماضٍ وفاعله ضميرُه عز وجل واللامُ مَزيدة، أي:
أَوْلاهم الله تعالى ما يكرهون، أو غير مزيدة، أي: أدنى الله عز وجل الهلاك لهم،
والظاهر زيادةُ اللام على ما سمعت عن الأصمعي، ومَن فسَّرَه بقرَّبَ جوَّز الأمرين.
وقيل: هو اسمُ فعل، والمعنى: وَلِيهم شرٌّ بعد شرّ.
وقيل: هو فَعْلى من: آلَ، بمعنى رَجَع، لا أفعل من الوَلْي، فهو في الأصل
دعاء عليهم بأنْ يرجع أمرُهم إلى الهلاك، والمراد: أَهلكهم اللهُ تعالى، إلا أن
التر کیبَ مبتدأ وخبر.
(١) البيت لعلقمة بن عبدة بن النعمان، وهو في المفضليات ص٣٩١.
(٢) الصحاح (ولي)، والشاهد ذكره أيضاً البغدادي في الخزانة ٣٤٥/٩.

سُورَةٌ مُخَد
١٨٨
الآية : ٢١
وقال الرضي: هو علمٌ للوعيد، مِن: وَلِيه الشرُّ، أي: قربه، والتركيب مبتدأ
وخبر أيضًا. واستدلَّ بما حكى أبو زيد من قولهم: أولاة - بتاء التأنيث - على أنه
ليس بأفعل تفضيل ولا أفعل فَعْلى، وأنه علمٌ وليس بفعل، ثم قال: بل هو مِثْلُ:
أَرْمل وأَرْملة إذا سُمِّي بهما، ولذا لم ينصرف، وليس اسمَ فعل أيضًا بدليل أَولاة
في تأنيثه بالرفع، يعني أنه مُعرب، ولو كان اسمَ فعل كان مبنيًّا مثله. وتُعقِّب: بأنه
لا مانع من كون أَولاة لفظًا آخرَ بمعناه، فلا يرد من ذلك على قائلي ما تقدَّم
أصلًا. وجاء أَوَّل أَفعل تفضيل وظرفًا كـ: قَبل، وسُمِعَ فيه: أَوَّلة، كما نقله
أبو حيان(١).
وقيل: الأحسن كونه أفعل تفضيل بمعنى أَحقُّ وأَحرى، وهو خبرٌ لمبتدأ
محذوف يُقدَّر في كلِّ مقام بما يليق به، والتقدير هاهنا: العقابُ أَولى لهم، ورُوي
ذلك عن قتادة، ومال إلى هذا القول ابنُ عطية(٢).
وعلى جميع الأقوال قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ كلامٌ مستقلٌّ محذوفٌ
منه أحدُ الجزأين، إما الخبر وتقدِيره: خيرٌ لهم، أو: أمثل، وهو قول مجاهد
ومذهب سيبويه(٣) والخليل، وإما المبتدأ، وتقديره: الأمرُ - أو: أَمرُنا - طاعةٌ،
أي: الأمر المرضي الله تعالى طاعةٌ. وقيل: أي: أمرُهم طاعةٌ معروفة وقولٌ
معروف، أي: معلومٌ حالُه أنه خديعة. وقيل: هو حكايةُ قولهم قبلَ الأمر بالجهاد،
أي: قالوا: أمرُنا طاعةٌ، ويشهد له قراءة أُبيِّ: ((يقولون طاعة وقول معروف))(٤).
وذهب بعضٌ إلى أن ((أولى)) أفعل تفضيل مبتدأ، و((لهم)) صِلته، واللام بمعنى
الباء، ((وطاعة)) خبرٌ، كأنه قيل: فأَولى بهم من النظر إليك نظرَ المَغشيِّ عليه من
الموت طاعةٌ وقولٌ معروف، وعليه لا يكون كلاماً مستقلًّا، ولا يُوقَف على ((لهم)).
ومما لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه ما قيل: إن ((طاعة)) صفة لسورة في قوله تعالى:
(١) كما في حاشية الشهاب ٤٨/٨.
(٢) المحرر الوجيز ١١٧/٥.
(٣) الكتاب ١٤١/١ و١٣٦/٢.
(٤) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٣٦/٣، والقرطبي في تفسيره ٢٧١/١٩.

الآية : ٢٢
١٨٩
سُورَةٌ مُحَدٌ
((فإذا أُنزلت سورة)» والمرادُ: ذات طاعة، أو: مُطاعة. وتعقّبه أبو حيان(١) بأنه ليس
بشيء لحيلولة الفَصْل الكثير بين الصفة والموصوف.
﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدَّ، والجِدُّ - أي: الاجتهاد - لأصحاب الأمر، إلا أنه
أُسند إليه مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْجِ اٌلْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] ومنه
قول الشاعر:
قد جَدَّت الحرب بكم فجدُّوا(٢)
والظاهرُ أن جوابَ ((إذا)) قوله تعالى: ﴿فَلَوَ صَدَقُواْ اللَّهَ﴾ وهو العاملُ فيها،
ولا يضرُّ اقترانُه بالفاء ولا تمنع من عمل ما بعدَها فيما قبلها في مثله كما صرَّحوا
به، وهذا نحو: إذا جاء الشتاء فلو جئتني لكسوتك.
وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ((فإذا عَزَمَ الأمر)) كرهوا، أو نحو ذلك، قاله
قتادة.
وفي ((البحر))(٣): مَنْ حَمَلَ ((طاعةٌ وقولٌ معروفٌ)) على أنهم يقولون ذلك
خديعةً، قدَّر: فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصَوْا. ولعلَّ مَنْ يجعل القولَ السابقَ
للمؤمنين في ظاهر الحال، وهم المنافقون، جوَّز هذا التقدير أيضاً، وقدَّر بعضهم
الجوابَ: فاصدُقْ، وهو كما ترى. وأيًّا ما كان، فالمراد: فلو صَدَقوا الله فيما
زعموا من الحرص على الجهاد، ولعلَّهم أظهروا الحرصَ عليه كالمؤمنين
الصادقين. وقيل: في قولهم: ((طاعة وقول معروف))، وقيل: في إيمانهم ﴿لَكَانَ﴾
أي: الصدق ﴿غَيْرَاً لَّهُمْ ﴾﴾ مما ارتكبوه، وهذا مبنيٌّ على ما في زَعْمهم من أنَّ
فيه خيراً، وإلا فهو في نفس الأمر لا خيرَ فيه.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ خطابٌ لأولئك الذين في قلوبهم مرضٌ بطريق الالتفات لتأكيدِ
(١) البحر المحيط ٨٢/٨.
(٢) الرجز في الكامل للمبرد ٤٩٤/٢، وقد تمثل به الحجاج في خطبته لأهل الكوفة، وقبله:
قد شمَّرت عن ساقها فشدُّوا وجدَّت الحرب .
(٣) البحر المحيط ٨٢/٨.

الآية : ٢٢
١٩٠
التوبيخ وتشديد التقريع، و((هل)) للاستفهام، والأصل فيه أن يدخلَ [على](١) الخبر
للسؤال عن مضمونه، والإنشاء الموضوع له ((عسى)) ما دلَّ عليه هنا بالخبر، أي:
فهل يُتوقَّع منكم ويُنتَظَر ﴿إِن تَلَّيْتُمْ﴾ أمورَ الناس وتأَمَّرتم عليهم، فهو من الولاية،
والمفعول به محذوف. ورُوي ذلك عن محمد بن كعب وأبي العالية والكلبي ﴿أَن
تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ (٨)﴾ تناحُرًا على الولاية وتكالبًا على جيفة
الدنيا .
والمتوقّع كلُّ من يقفُ على حالهم إلا الله عز وجل؛ إذْ لا يصحُّ منه سبحانه
ذلك، والاستفهام أيضًا بالنسبة إلى غيره جل وعلا، فالمعنى: إنكم لِمَا عُهد منكم
من الأحوال الدالّة على الحرص على الدنيا حيث أُمرتم بالجهاد الذي هو وسيلةٌ
إلى ثوابِ الله تعالى العظيم فكرهتموه، وظهرَ عليكم ما ظهر أحقّاءُ بأن يقول لكم
كلُّ مَنْ ذاقكم وعَرَفَ حالَكم: يا هؤلاء ما تَرونَ هل يُتوقَّع منكم إن تولَّيتم أن
تُفسدوا في الأرض .. إلخ.
وفسَّر بعضُهم التولِّي بالإعراضِ عن الإسلام، فالفعل لازمٌ، أي: فهل عسيتم
إنْ أَعرضتُم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في
الأرض بالتغاوُر والتناهُب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا، ووأد
البنات.
وتُعقّب بأنَّ الواقع في حيِّز الشرط في مثل هذا المقام لا بدَّ أن تكون محذوريَّته
باعتبار ما يتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته، ولا ريبَ في أن الإعراضَ عن الإسلام
رأسُ كلِّ شرِّ وفساد، فحقُّه أن يُجعلَ عُمدةً في التوبيخ، لا وسيلة للتوبيخ بما دونه
من المفاسد.
ويُؤْيِّد الأول قراءةُ بعض: ((وُلِّيتم)) مَبنيًّا للمفعول(٢)، وكذا قراءته عليه الصلاة
والسلام على ما ذُكر في ((البحر))، ورُويت عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه ورُويس
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٤٨/٨.
(٢) المحتسب ٢٧٢/٢، والبحر المحيط ٨٢/٨.

الآية : ٢٢
١٩١
سُورَةٌ مُحَدٌ
ويعقوب: (تُؤُلِّيتم)) بالبناء للمفعول أيضًا (١)، بناءً على أنَّ المعنى: تولَّاكم الناسُ
واجتمعوا على مُوالاتكم، والمرادُ: كنتم فيهم حُّامًا، وقيل: المعنى: تولَّاكم
ولاةٌ غشمةٌ خرجتم معهم ومَشيتم تحت لوائهم، وأفسدتم بإفسادهم.
واستظهر أبو حيان(٢) تفسيره بالإعراض، إلا أنه قال: المعنى: إن أعرضتم عن
امتثال أمر الله تعالى في القتال أن تفسدوا في الأرض بعدم مَعونةِ أهل الإسلام على
أعدائهم وتقطّعوا أَرحامَكم، لأنَّ من أرحامكم كثيرًا من المسلمين، فإذا لم تُعينوهم
قطعتم ما بينكم وبينهم من الرَّحِم.
وتُعقّب بأنَّ حملَ الإفساد على الإفساد بعدم المَعونة فيه خَفاء، وكذا الإتيان
بـ ((إنْ)) عليه دون ((إذا)) من حيث إنَّ الإعراضَ عن امتثال أمر الله تعالى في القتال
كالمُحقّق من أولئك المنافقين، فتأمل.
و ((أن تفسدوا)) خبر ((عسى))، و((إن توليتم)) اعتراضٌ، وجوابُ ((إنْ)) محذوفٌ
يدُّ عليه ما قبله.
وزعم بعضُهم أن الأظهرَ جعل ((إن تولَّيتم)) حالًا مقدرة، وفيه أن الشرطَ بدون
الجواب لم يُعهد وقوعُه حالًا في غير ((إن)) الوصلية، وهي لا تُفارق الواو.
وإلحاق الضمائر بـ ((عسى)) كما في سائر الأفعال المتصرِّفة لغةُ أهل الحجاز،
وبنو تميم لا يُلحقونها به ويلتزمون دخولَه على ((أنْ» والفعل، فيقولون: الزيدان
عسى أَنْ يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا. وذكر الإمام(٣) هاتين اللغتين ثم قال:
وأما قول مَنْ قال: عسى أنت تقوم، وعسى أنا أَقومُ، فدون ما ذكرنا للتطويل الذي
فيه، فإن كان مقصودُه حكايةً لغةٍ ثالثة هي انفصال الضمير، فنحن لا نعلم أحدًا مِن
نَقَلَةِ اللسان العربيّ ذگرها، وإن کان غیرَ ذلك فلیس فیہ کثیرُ جدوی.
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٠، والمحتسب ٢٧٢/٢، وتفسير القرطبي ٢٧٤/١٩، والبحر
المحيط ٨٢/٨، وقراءة يعقوب من رواية رويس في النشر ٣٧٤/٢ وهي من العشرة.
(٢) البحر المحيط ٨٢/٨.
(٣) تفسير الرازي ٢٨/ ٦٣ -٦٤.

سُورَةٌ مُحَانَد
١٩٢
الآية : ٢٣
وقرأ نافع: (عَسِيتم)) بكسر السين المُهملة(١)، وهو غريب.
وقرأ أبو عمرو (٢) - في رواية - وسلام ويعقوب وأبان وعِصمة: ((تَقْطَعوا))
بالتخفيف مضارع قطع، والحسن: (تَقَطَّعوا)) بفتح التاء والقاف وشدِّ الطاء،
وأصله: تتقطّعوا بتاءين حُذفت إحداهما، ونصبوا ((أرحامَكم)) على إسقاط
الحرف(٣)، أي: في أرحامكم لأنَّ تقطّع لازم.
﴿أُوْلَيْكَ﴾ إشارةٌ إلى المُخاطَبين بطريق الالتفات إيذانًا بأنَّ ذِكر هناتهم
أوجب إسقاطهم عن درجة الخطاب، ولو على جهة التوبيخ وحكاية أقوالهم
الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَمَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أبعدهم
من رحمته عز وجل ﴿فَأَصَّمَّهُمْ﴾ عن استماع الحقِّ لتصامِّهم عنه لسوء اختيارهم
﴿وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ لتعاميهم عمَّا يُشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس
والآفاق.
وجاء التركيب ((فأَصمَّهم)) ولم يأتِ: فأصمَّ آذانَهم، كما جاء: ((وأعمى
أبصارهم))، أو: أعماهم، كما جاء: ((فأصمهم))، قيل: لأنَّ الأذن لو أُصيبت بقَطْع
أو قَلْع لَسُمِعَ الكلام فلم يحتج إلى ذكر الأذن، والبصر وهو العين لو أصيب لامتنع
الإبصار، فالعين لها مدخلٌ في الرؤية، والأذن لا مدخلَ لها في السمع. انتهى.
وهو كما ترى.
وقال الخفاجي(٤): لأنه إذا ذُكر الصَّمَم لم يبقَ حاجةٌ إلى ذِكْر الآذان، وأما
العمى فَلشيوعه في البصر والبصيرة حتى قيل: إنه حقيقةٌ فيهما، وهو ظاهر ما في
((القاموس))(٥)، فإذا كان المرادُ أحدَهما حَسُنَ تقييدُه.
وقيل في وجه ذلك بناءً على كون العمى حقيقة فيما كان في البصر: إنَّ نحو:
(١) التيسير ص ٨١، والنشر ٢٣٠/٢.
(٢) وهي غير المشهورة عنه.
(٣) البحر المحيط ٨/ ٨٢، وقراءة يعقوب في النشر ٣٧٤/٢.
(٤) حاشية الشهاب ٤٨/٨ .
(٥) القاموس المحيط (عمي).

الآية : ٢٣
١٩٣
سُورَةٌ مُحَدٌ
أعمى اللهُ أبصارَهم، بحسب الظاهر من باب: أَبصرته بعيني، وهو يقال في مقامٍ
يحتاج إلى التأكيد، ولما كان أولئك الذين حكى حالهم في أمرِ الجهاد غيرَ ظاهرٍ
إعماؤهم ظهورَ إصمامهم، كيف وفي الآيات السابقة ما يُؤذن بعدم انتفاعهم
بالمسموع من القرآن، وهو من آثار إصمامهم، وليس فيها ما يُؤذن بعدم انتفاعهم
بالآيات المرئية المنصوبة في الأنفس والآفاق الذي هو من آثار إعمائهم = ناسب
أن يسلكَ في كلِّ من الجملتين ما سلك، مع ما في سلوكه في الأخير من رعاية
الفواصل، وهو أدقُّ مما قبل.
هذا، والأرحام جمعُ: رَحِم - بفتح الراء وكسر الحاء - وهي على ما في
(القاموس))(١) - القرابة، أو أصلُها وأسبابُها، وقال الراغبُ: الرَّحِم: رَحِم المرأة،
أي: بيت مَنْبِت وَلَدِها ووِعاؤه، ومنه استُعير الرَّحِم للقرابة، لكونهم خارجين من
رَحِم واحدة (٢). ويقال للأقارب: ذَوُو رحم، كما يقال لهم: أرحام. وقد صرَّح
ابنُ الأثير بأنَّ ذا الرحم يقع على كلِّ من يجمع بينك وبينه نسبٌ، ويُطلق في
الفرائض على الأقارب من جهة النساء(٣). والمذكور في كتبها تفسيره بكلِّ قَريب
ليس بذي سهم ولا عَصَبة، وعدُّوا مِن ذلك أولادَ الأخوات لأبوين أو لأب،
وعمَّاتِ الآباء.
وظاهرُ كلام الأئمة في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرم
فهو حُرُّ)(٤) دخولُ الأبوين والولد في ذي الرحم لغةً، حيث أجمعوا على أنهم
يَعْتِقون على مَنْ مَلَكهم لهذا الخبر، وإن اختلفوا في عتق غيرهم. وصرَّح ابن حجر
الهيتمي في ((الزواجر))(٥) بأن الأولاد من الأرحام، وظاهرُ عطف الأقربين على
(١) القاموس المحيط (رحم).
(٢) المفردات (رحم).
(٣) النهاية في غريب الحديث (رحم).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠١٦٧)، وأبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥) من حديث سمرة بن
جندب
(٥) ٧٤/٢.

١٩٤
الآية : ٢٣
الوالدين في الآية (١) يقتضي عدم دخولهما في الأقارب، فلا يدخلون في الأرحام
لأنهم كما قالوا الأقارب. وكلام فقهائنا نصّ في علم دخول الوالدين والولد في
ذلك حيث قالوا: إذا أوصى لأقاربه أو لِذَوي قرابته أو لأرحامه فهي للأقرب
فالأقرب من كلِّ ذي رَحِم مَحْرم، ولا يدخل الوالدان والولد.
وأما الجدُّ ووَلَدُ الولد فتقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن ((البدائع))(٢) أن
الصحيحَ علمُ دخولهما، واختاره في ((الاختيار))(٣)، وعلَّله بأن القريبَ من يتقرَّب
إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية بينهما مُتعدِمة، وشرح الحموي أنَّ دخولَهما
هو الأصحُّ. وفي ((متن المواهب)): وأدخل - أي: محمد - الجدَّ والحَفَدة، وهو
الظاهر عنهما، وذكر أنَّ مثلَ الجدِّ الجنَّةُ.
وقد يقال: إنَّ عدمَ دخول الوالدين والولد في ذلك، وكذا الجدّ والحَفَدة عند
من يقول بعلمٍ دخولهم، ليس لأنَّ اللفظَ لا يصدقُ عليهم لغةً، بل لأنه لا يصدقُ
عليهم مُرفًا، وهم اعتبروا العُرفَ كما قال الطحطاوي في أكثرٍ مسائل الوصية. وفي
((جامع الفصولين))(٤): إنَّ مطلقَ الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المُتعارَف،
وما ذكره في ((المعراج)(٥) من خبر: من سمَّى والده قريبًا عقَّه(٦)، لا يدلُّ على أنه
ليس قريبًا لغةً، بل هو بيانُ حكم شرعيٍّ مَبناهُ أن في ذلك إيذاءً للوالد وحظًا من
قَدْره ◌ُرفًا، وهذا كما لو ناداه باسمه وكان يكره ذلك.
(١) كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَّرَ أَحَتَكُمْ أَلْمَوْتُّ إِن تَرَكَ خَيْرَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَثْرَِّنَ﴾
[البقرة: ١٨٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَاَ أَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلَِّدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقوله تعالى: ﴿إِّجَالِ تَبِيبٌ مِّنَا تَكَ الْوَإِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧].
(٢) بدائع الصنائع ٥١٦/١٠.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ٥٣٩/٢.
(٤) لابن قاضي سيماونة. المتوفى سنة (٨٢٣هـ)، وهو كتاب مشهور متناول لكونه في
المعاملات خاصة. كشف الظنون ٥٦٦/١.
(٥) هو كتاب معراج الدراية، أحد شروح الهداية، لمحمد الكاكي الحنفي، المتوفى سنة
(٧٤٩م). كشف الظنون ٢٠٣٣/٣.
(٦) ونقله عنه ابن عابدين في حاشيته ٦٨٦/٦، ولم تقف على الخير مسنداً.

الآية : ٢٣
١٩٥
وأمرُ العطف في الآية الكريمة سهلٌ لجواز عطفِ العامّ على الخاصّ، كعطف
الخاصٌ على العامٌّ، فالذي يترجَّح عندي أنَّ الأرحامَ كما صرَّحوا به الأقاربُ
بالقرابة الغير السببية، والمراد بهم ما يُقابل الأجانب، ويدخلُ فيهم الأصولُ
والفروع والحواشي من قِيل الأب أو من قبل الأمّ، وحُرمة قَطْع كلِّ لا شكَّ فيها
لأنه - على ما قلنا - رَحِم، والآيةُ ظاهرةٌ في حرمة قطع الرحم. وحكى القرطبي
في ((تفسيره)(١) اتفاقَ الأُمة على حرمةٍ قَطْعها ووجوب صِلتها، ولا ينبغي التوقُّف
في كون القطع كبيرة، والعجبُ من الرافعي عليه الرحمة كيف توقّف في قول
صاحب ((الشامل)): إنه من الكبائر، وكذا تقرير النووي - قُدِّس سِرُّه - له على
توقُه(٢).
واختلف في المراد بالقطيعة؛ فقال أبو زرعة: ينبغي أن تختصَّ بالإساءة، وقال
غيره: هي ترك الإحسان ولو بدون إساءة؛ لأن الأحاديث آمرةٌ بالصلة ناهية عن
القطيعة ولا واسطةً بينهما، والصلة إيصالُ نوع من أنواع الإحسان كما فَّرها بذلك
غيرُ واحد، فالقطيعة ضدُّها، فهي ترك الإحسان. ونظر فيه الهيتمي(٣) بناءً على
تفسير العقوق بأنْ يَفعل مع أحدٍ أبويه ما لو فعله مع أجنبيٍّ كان محرَّمًا صغيرةً،
فينتقل بالنسبة إلى أحدِهما كبيرةً، وأن الأبوين أعظمُ من بقية الأقارب، ثم قال:
فالذي يتَّجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم أنَّ المرادَ بالأول أن
يفعلَ مع أحدِ الأبوين ما يتأثَّى به، فإن كان التأذِّي ليس بالهَيِّن عُرفًا كان كبيرةً وإنْ
لم يكن مُحرَّمًا لو فعله مع الغير. وبالثاني قطعُ ما أَلفَ القريبُ منه من سابق الوصلة
والإحسان بغير عُذر شرعي؛ لأن قطعَ ذلك يُؤدِّي إلى إِيحاش القلوب وتأنِّيها، فلو
فرضَ أن قريبه لم يصل إليه إحسانٌ ولا إساءة قطٌ لم يفسقْ بذلك؛ لأنَّ الأبوين إذا
فُرض ذلك في حقّهما من غير أن يفعلَ معهما ما يقتضي التأذِّي العظيم - لغناهما
مثلًا - لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب؛ ولو فرض أنَّ الإنسانَ لم يقطع عن قريبه
ما أَلِفِه منه من الإحسان لكنه فعل معه مُحرَّمًا صغيرة، أو قطّب في وجهه، أو لم
(١) ٦ / ١٤ .
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر٧٣/٢.
(٣) في الزواجر ٧٣/٢، وما سيأتي بین حاصرتين منه.

سُورَةٌ مُحَمْدُ
١٩٦
الآية : ٢٣
يَقُمْ له في مَلَأ ولا عَبَأَ به، لم يكن ذلك فسقًا، بخلافه مع أحد الأبوين، لأن تأكُّدَ
حقِّهما اقتضى أن يتميزا على بقية الأقاربِ بما لا يُوجد نظيرُه فيهم.
وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين أن يكون الإحسانُ الذي أَلِفَه منه قريبُه
مالًا أو مُكاتبةً أو مُراسلةً أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كلّه ـ بعد فعله - لغير
عذر كبيرةٌ، وينبغي أن يُراد بالعذر في المال فَقْدُ ما كان يصله به، أو تجدّد احتياجه
إليه، أو أن يندبه الشارعُ إلى تقديم غير القريب عليه لكونه أحوجَ أو أصلحَ، فعدم
الإحسان إلى القريب أو تقديمُ الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه [الفسق] وإن
انقطع بسبب ذلك ما أَلِفَه منه القريبُ؛ لأنه إنما راعى أمرَ الشارع بتقديم الأجنبيِّ
عليه. وواضحٌ أن القريبَ لو أَلِفَ منه قَدْراً معيّنًا من المال يُعطيه إياه كلَّ سنة مثلًا
فَنَقَصه لا يفسق بذلك، بخلاف ما لو قَطَعه من أصله لغير عُذْر.
وأما عُذر الزيارة فينبغي ضبطُه بعذر الجمعة لجامع أنَّ كلَّا فرضُ عين، وتركُه
كبيرة. وأما عُذر ترك المُكاتبة والمُراسلة فهو أن لا يَجِدَ من يَثْقُ به في أداء ما يُرسله
معه. والظاهرُ أنه إذا ترك الزيارةَ التي أُلِفَتْ منه في وقتٍ مخصوصٍ لعُذر لا يلزمه
قضاؤها في غير ذلك الوقت.
والأولاد والأعمام من الأرحام، وكذا الخالة، فيأتي فيهم وفيها ما تقرّر من
الفَرْق بين قَطْعهم وعقوقِ الوالدين، وأما قول الزركشي: صحَّ في الحديث أنَّ:
((الخالة بمنزلة الأم))(١) و: ((أنَّ عَمَّ الرجل صنوُ أبيه))(٢)، وقضيتهما أنهما مثلُ الأب
والأمِّ حتى في العقوق = فبعيدٌ جدًّا، ويكفي مُشابَهتهما في أمرٍ ما كالحضانة تَثبتُ
للخالةِ كما تثبتُ للأمِّ، وكذا المَحْرميَّة، وكالإكرام في العمِّ والمَخرميَّة وغيرهما
مما ذکر. انتهى المراد منه.
ولو قيل: إنَّ الصغيرةَ تُعَدُّ كبيرةً لو فُعلت مع القريبِ لكنها دون ما لو فُعلت مع
أحدِ الأبوين، لم يبعدْ عندي لِتفاوتِ قُبح السيئات بحسب الإضافات، بل لا يبعدُ
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب
(٢) أخرجه أحمد (٧٢٥) من حديث علي ◌َُّته مطولًا .

الآية : ٢٣
١٩٧
سُورَةٌ مَحَدٌ
على هذا أن يكون قبحُ قَطع الرحم متفاوتاً باعتبار الشخص القاطع وباعتبار
الشخص المقطوع، ومتى سُلُّم التفاوت فليُقَلْ به في العقوق، ويكون عقوقُ الأمِّ
أقبحَ من عقوق الأب، وكذا عقوقُ الولدِ الذي يعبأ به أقبح من عقوق الولدِ الذي
لا يعبأ به، ويتفرَّع من ذلك ما يتفرَّع مما لا يخفى على فقيه.
واستدلَّ بالآية عمرُ بن الخطاب ◌َه على منع بيعِ أمِّ الولد؛ روى الحاكم في
((المستدرك)) - وصحَّحه - وابن المنذر عن بُريدة قال: كنتُ جالسًا عند عمر إذ سمع
صائحًا فسأل فقيل: جاريةٌ من قريش تباعُ أُمُّها. فأرسل يدعو المهاجرين
والأنصارَ، فلم تمضٍ ساعةٌ حتى امتلأت الدارُ والحُجرة، فحمد الله تعالى وأثنى
عليه ثم قال: أما بعدُ، فهل تعلمونه كان مما جاء به محمدٌ وَليهِ القطيعة، قالوا:
لا ، قال: فإنها قد أصبحَتْ فيكم فاشيةً، ثم قرأ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ) ثم قال: وأيُّ قطيعةٍ أقطعُ من أنْ تُباعِ أُمُّ امرئ فيكم؟!
قالوا: فاصنَعْ ما بدا لك. فكتب في الآفاقِ أنْ لا تُباعَ أمُّ حُرِّ، فإنها قطيعةُ رحم،
وأنه لا يحلُّ(١).
واستدلَّ بها أيضًا على جوازٍ لعن يزيدَ عليه من الله تعالى ما يستحقُّ، نقل
البرزنجي في ((الإشاعة)) والهيتمي في ((الصواعق)) أن الإمام أحمد لما سأله ولدُه
عبد الله عن لعن يزيدَ، قال: كيف لا يُلعن مَنْ لَعَنه الله تعالى في كتابه، فقال
عبد الله: قد قرأتُ كتابَ الله عز وجل فلم أجِدْ فيه لعنَ يزيد؟! فقال الإمام: إن الله
تعالى يقول: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَزْحَامَكُمْ ** أُوْلَكَ
الَّذِينَ لَنَهُمُ اللّهُ) الآية، وأيُّ فسادٍ وقطيعة أشدُّ مما فعله يزيد (٢)؟! انتهى.
وهو مبنيٌّ على جواز لعنِ العاصي المُعيَّن من جماعة لُعنوا بالوصف، وفي ذلك
خلافٌ، فالجمهور على أنه لا يجوز لعنُ المُعيَّن فاسقًا كان أو ذميًّا، حيًّا كان أو
ميتًا ولم يُعلم موته على الكفر، لاحتمال أن يُختَم له أو خُتِمَ له بالإسلام، بخلاف
من عُلم موته علی الکفر کأبي جهل.
(١) المستدرك ٤٥٨/٢.
(٢) الصواعق المحرقة ص ٢٢٢ .

١٩٨
الآية : ٢٣
وذهب شيخ الإسلام السراج البُلقيني إلى جواز لعنِ العاصي المُعيَّن لحديث
(الصحيحين)): ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشِه فأَبَتْ أن تجيءَ فبات غضبانَ،
لعنتها الملائكةُ حتى تُصبح)) وفي رواية: ((إذا باتَتِ المرأة مهاجرة فراش زوجها.
لعنتها الملائكةُ حتى تصبحَ)»(١). واحتمالُ أن يكون لعنُ الملائكةِ عليهم السلام
إياها ليس بالخصوص بل بالعموم، بأن يقولوا: لعن الله من باتَتْ مهاجرةً فراشَ
زوجها = بعيدٌ، وإنْ بحثَ به معه ولده الجلال البُلقيني.
وفي ((الزواجر)): لو استدلَّ لذلك بخير مسلم: أنه ﴿ مَرَّ بحمار وُسِمَ في وجهه
فقال: (لَعَنَ الله مَنْ فعلَ هذا))(٢) لكان أظهرَ، إذ الإشارةُ بهذا صريحةٌ في لعنِ مُعَيَّن
إلا أن يؤۇَّل بأن المراد الجنس، وفيه ما فيه(٣). انتهى.
وعلى هذا القول لا توقُّفَ في لعن يزيدَ لِكَثْرَةِ أوصافه الخبيثة وارتكابِهِ الكبائر
في جميع أيام تكلیفهِ، ویکفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكةً، فقد روى
الطبراني بسند حسن: ((اللَّهمَّ مَنْ ظَلَم أهل المدينة وأخافهم فأَخِفه، وعليه لعنةُ الله
والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صَرْفٌ ولا عَدْل))(٤) والطامَّةُ الكبرى ما فعله
بأهل البيت ورضاءُ بقتل الحسين على جدِّه وعليه الصلاة والسلام، واستبشاره
بذلك، وإهانته لأهل بيته مما تواتر معناه وإنْ كانَتْ تفاصيلُه آحادًا، وفي الحديث:
(سنَّةٌّ لعنتهم - وفي رواية لعنهم اللهُ وكلُّ نيَّ مُجاب الدعوة -: المُحرِّف لكتاب الـ
- وفي رواية: الزائدُ في كتاب الله - والمُكذِّب بقَدَر اله، والمُتسلِّط بالجبروت لِيُعزَّ
مَنْ أخلَّ اله ويُذِلَّ من أعزَّ الله، [والمستحلُّ لحرم الله] والمُستحلُّ من عِتْرتي،
والتارك لِسُتّي))(٥).
(١) أخرجه أحمد (٩٦٧١)، والبخاري (٣٢٣٧)، ومسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة ط﴾.
والرواية الثانية عند البخاري (٥١٩٤).
(٢) صحيح مسلم (٢١١٧) من حديث جابر ﴾، وهو في مسند أحمد (١٤١٦٤).
(٣) الزواجر ٥٦/٢.
(٤) المعجم الكبير (٦٦٣٦) من حديث السائب بن خلاد.
(٥) أخرجه الترمذي (٢١٥٤) من حديث عائشة ها، وما بين حاصرتين منه، وذكر أن الأصحّ
عن علي بن حسين عن التي # مرسلاً.

١٩٩
الآية : ٢٣
وقد جزم بكفره وصرَّح بلَعْنه جماعةٌ من العلماء منهم الحافظُ ناصرُ السنة ابن
الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى. وقال العلامة التفتازاني: لا تتوقّف في شأنه بل
في إيمانه، لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه(١). وممن صرَّح بلعته الجلالُ
السيوطي عليه الرحمة.
وفي ((تاريخ ابن الوردي)) وكتاب ((الوافي بالوَفَيات))(٢) أن السبي لما ورد من
العراق على يزيدَ، خرج فلقي الأطفالَ والنساء من ذُرِّية عليٍّ والحسين
والرؤوس على أطرافِ الرِّماح وقد أَشرفوا على ثنية جيرون، فلما رآهم نعب غراب
فأنشأ يقول:
تلك الرؤوس على شفا جيرون
لما بَدَتْ تلك الحمولُ وأَشرقَتْ
فقد اقتضيت من الرسول ديوني
نَعَبَ الغرابُ فقلت قل أو لا تقل
يعني أنه قتلَ بمن قتلَه رسولُ اللهِ ﴾ يومَ بدر كجدِّه عُتبة وخالهٍ ولد عُتبة
وغيرهما. وهذا كفرٌ صريحٌ، فإذا صحَّ عنه فقد كفرَ به، ومثلُه تمثِّله بقول عبد الله بن
الزُّبعرى قيلَ إسلامه:
ليتَ أشیاخي.
الأبيات(٣)
وأفتى الغزالي(٤) عفا الله عنه بحرمة لَعْنه، وتعقَّب السفارينيُّ من الحنابلة نَقْلَ
البرزنجي والهيتمي السابق عن أحمد رحمه الله تعالى، فقال: المحفوظ عن الإمام
أحمد خلافُ ما نَقَلا، ففي ((الفروع)) ما نصُّه: ومن أصحابنا من أخرجَ الحجّاج عن
الإسلام، فيتوجَّه عليه يزيدُ ونحوه، ونصُّ أحمدَ خلافُ ذلك، وعليه الأصحاب.
(١) ونقله عنه المناوي في الفيض ٨٤/٣.
(٢) وكذا ذكر الرحيباني في مطالب أولي النهي، فصل: تلزم السيد نفقة وكسوة وسكنى عرفاً،
وعبارته فيه: قال الوافي في الوفيات: إن السبي ... إلخ. والأبيات التي سترد قريباً مذكورة
فيه، وكذا ما بعدها من الكلام. ولم نقف عليه في الوافي بالوفيات للصفدي.
(٣) أيات ابن الزبعرى في السيرة النبوية لابن هشام ١٣٦/٢، وهذا البيت بتمامه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
(٤) إحياء علوم الدين ١٢٤/٣.

سُورَةٌ مُخْصَدَ
٢٠٠
الآية : ٢٣
ولا يجوز التخصيصُ باللعنة، خلافًا لأبي الحسين وابن الجوزي وغيرهما، وقال
شيخ الإسلام - يعني - والله تعالى أعلم - ابن تيمية -: ظاهرُ كلام أحمد الكراهة(١).
قلت: والمختارُ ما ذهب إليه ابنُ الجوزي وأبو حسين القاضي(٢) ومَنْ وافقهما.
انتهى كلام السفاريني. وأبو بكر بن العربي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحقُّ
أعظمَ الفِرْيةَ، فزعمَ أنَّ الحسينَ قُتل بسيف جدِّه ◌َِ(٣)، وله من الجَهَلةِ موافقون
على ذلك ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِّبًا﴾ [الكهف: ٥].
قال ابنُ الجوزي عليه الرحمة في كتابه ((السر المصون)): من الاعتقادات العامة
التي غلبت على جماعة مُنتسبين إلى السنة أن يقولوا: إن يزيدَ كان على الصواب،
وإنَّ الحسينَ ◌َُه أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت
له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلَّ قبيح، ثم لو قدَّرنا صحة عَقْد
البيعة فقد بَدَتْ منه بوادٍ كلَّها تُوجب فسخ العقد، ولا يميل إلى ذلك إلا كلُّ جاهل
عاميِّ المذهب يظن أنه يُغِيظُ الرافضة.
هذا، ويعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره؛ فمنهم من يقول: هو
مسلمٌ عاصٍ بما صدر منه مع العِثْرة الطاهرة، لكن لا يجوز لعنه، ومنهم من يقول:
هو كذلك ويجوز لعنه، مع الكراهة أو بدونها، ومنهم من يقول: هو كافر ملعون،
ومنهم من يقول: إنه لم يعصِ بذلك، ولا يجوز لعنه، وقائلُ هذا ينبغي أن يُنظَم في
سلسلة أنصار یزید.
وأنا أقول: الذي يغلبُ على ظني أن الخبيثَ لم يكن مُصدقًا برسالةِ النبيِّ وَه
وأنَّ مجموعَ ما فعل مع أهلِ حَرَمِ الله تعالى وأهلٍ حَرَم نبيِّه عليه الصلاة والسلام
وعِثْرته الّيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات وما صَدَر منه من المخازي لیس
بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقةٍ من المصحف الشريف في قَذَر،
(١) الفروع لابن مفلح ١٩٠/١٠، وكلام شيخه ابن تيمية في كتابه منهاج السنة النبوية ٢٥٢/٢.
(٢) الذي ذكره المصنف آنفاً هو: القاضي أبو يعلى. وهو أبو أبي الحسين القاضي، المذكور
هنا، ولعل الأب والابن قالا بالتصريح بلعن يزيد.
(٣) العواصم من القواصم ص٢٣٢ (القسم الذي حقَّقه محب الدين الخطيب).