Indexed OCR Text
Pages 21-40
الآية : ١٣ ٢١ سُوَّةُ الجَاثِيَةِ بذلك، فقال البيهقي: أراد أنَّ واختلف أهل العلم فيما أراد ابن عباس . مصدرَ الجميع منه تعالى، أي: من خَلْقه وإبداعه واختراعه؛ خَلَقَ الماءَ أولاً، وما شاء عز وجل من خَلْقِه لا عن أصل ولا عن مثالٍ سبق، ثم جعله تعالى أصلاً لما خلق بعده، فهو جل شأنه المُبدع، وهو سبحانه البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه(١). اهـ. وعليه جميع المُحدِّثين والمفسرين ومَن حذا حذوهم. وقال الشيخ إبراهيم الكوراني من الصوفية: إن المخلوقات تعيُّنات الوجود المُفاض الذي هو صورة النفس الرحماني المسمَّى بالعَماء، وذلك أن العماء قد انبسط على الحقائق التي هي أمور عدمية متميزة في نفس الأمر، والانبساط حادثٌ، والعماء من حيث اقترانه بالماهيات غير ذات الحقّ تعالى، فإنه سبحانه الوجودُ المحض الغير المُقترن بها، فالموجودات صورٌ حادثة في العماء قائمةٌ به، والله تعالى قَيُّومها لأنه جل وعلا الأول الباطن المُمِدُّ لتلك الصور بالبقاء، ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الحق تعالى، ولا كونه سبحانه مادة لها؛ لأن وجوده تعالى مجرد عن الماهيات غير مقترن بها، والمتعيِّن بحسبها هو العَماء الذي هو الوجود المفاض، فأراد ابن عباس أنَّ الأشياءَ جميعاً منه تعالى، أي: من نوره سبحانه المُضاف الذي هو العماء والوجود المفاض منه تعالى بإيجاده جل شأنه، وبهذا ينطبق الجواب على السؤال من غير تكلُّف ولا محذور، ولو كان مرادُ ابن عباس مجرَّد ما ذكره البيهقي من أن مصدرَ الجميع من خَلْقه تعالى كان يكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] لكن السؤال إنما وقع بـ: ممَّ، ووقع الجواب بـ: منه في تلاوته الآية، فالظاهر أن ما فَهِمه السائل من تلاوته نَظُه ليس مجردَ ما ذكره، بقرينة مَدْحه بقوله: ما كان ليأتي بهذا .. إلخ، فإن ما ذكره البيهقي يعرفه كلُّ من آمن بقوله تعالى: ((الله خالق كل شيء)» فلا يظهر حينئذ وجهٌ لقول كلٍّ من ابن عمرو وابن الزبير: لا أدري، فإنهما من أفضل المؤمنين بأنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيء، بل ما فهمه هو ما أشرنا إليه. اهـ. وعليه عامة أهل الوحدة. وأجاب الأولون بأنَّ مرادَ ابن عباس قطع التسلسل في السؤال بعد ذكر مادةٍ (١) الأسماء والصفات عقب الخبر (٨٢٩) وفيه: خَلَقَ الماءَ أولاً أو الماء وما شاء من خَلْقِه ... سرائرے سُورَةُ الجَانِيَّةِ ٢١ الآية : ١٣ لبعضها، بأنَّ مرجع الأمر أن الأشياء كلَّها خُلقت بقدرته تعالى لا من شيء، وهو كلامٌ حكيم يُمدح قائله لم يهتد إليه ابن الزبير وابن عمرو، ولا يُعكر على هذا قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ [الطور: ٣٥] لما قاله المفسِّرون فيه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه. فتأمل ذاك، والله تعالى يتولَّى هداك. وقد أورد الحسين بن عليٍّ بن واقد في مجلس الرشيد هذه الآيةَ ردًّا على بعض النصارى في زعمه أن قوله تعالى في عيسى عليه السلام: ﴿وَرُوحُ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يدلُّ على ما يزعمه فيه عليه السلام من أنه ابنُ الله، سبحانه وتعالى عمَّا يَصِفون. وحكى أبو الفتح وصاحب ((اللوامح)) عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عُبيد بن عُمير أنهم قرؤوا: ((مِنَّةً)) بكسر الميم وشدِّ النون ونصب التاء على أنه مفعول له(١)، أي: سخّر لكم ذلك نعمةً عليكم، وحكاها عن ابن عباس أيضاً ابن خالويه(٢). لكن قال أبو حاتم (٣): إن سند هذه القراءة إليه مظلم، فإذا صحَّ السندُ يمكن أن يُقال فيما تقدَّم من حديث طاوس: إنه ذكر الآية على قراءة الجمهور، ويحتمل أن له قراءتين فيها . وقرأ مسلمة بن محارب كذلك إلا أنه ضمَّ التاء على تقدير: هو أو هي مِنَّةٌ، وعنه أيضاً فتح الميم وشدّ النون وهاءُ الكناية عائدة على الله تعالى (٤)، أي: إنعامه، وهو فاعل ((سخّر)) على الإسناد المجازي، كما تقول: كَرَمُ الملك أنعشني، أو هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا - أو هو - مَنُّه تعالى، وجُوِّزت الفاعلية في قراءته الأولى، وتذكير الفعل لأن الفاعل ليس مؤنَّئاً حقيقيًّا مع وجود الفاصل. والوجهُ الأول أَولی وإن كان فيه تقدیر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر ﴿لَيَتٍ﴾ عظيمةَ الشأن كثيرة العدد ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾﴾ في بدائع صُنعه تعالى وعظائم شأنه جل شأنه، فإنَّ ذلك يجرُّهم إلى الإيمان والإيقان والشُّكر. (١) المحتسب ٢٦٢/٢. (٢) القراءات الشاذة ص١٣٨. (٣) كما في البحر المحيط ٤٥/٨. (٤) المحرر الوجيز ٨٢/٥. الآية : ١٤ ٢٣ سُورَةُ الجَانِيَّة ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ حُذِفِ المَقول لدلالة ((يغفروا)» عليه فإنه جوابٌ للأمر باعتبار تعلُّقه به لا باعتبار نفسه فقط، أي: قل لهم: اغفروا يغفروا ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي: يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقَّعون وقائعه تعالى بأعدائه، ونقمتَه فيهم، فالرجاء مجازٌ عن التوقُّع، وكذا الأيام مجازٌ عن الوقائع من قولهم: أيام العرب، لوقائعها، وهو مجازٌ مشهورٌ، ورُوي ذلك عن مجاهد. أَوْ: لا يأملون الأوقات التي وقَّتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوزَ فيها . والآية قيل: نزلت قبلَ آية القتال ثم نُسخت بها . وقال بعضهم: لا نسخَ، لأن المرادَ هنا تركُ النزاع في المُحقَّرات والتجاوز عن بعض ما يُؤذي ويُوحش، وحكى النحاس(١) والمهدوي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر ◌َّه؛ شتمه مُشركٌ(٢) بمكة قبل الهجرة، فهمَّ أنْ يبطشَ به فنزلَتْ(٣). وروي ذلك عن مقاتل، وهذا ظاهرٌ في كونها مكية كأخواتها. وإرادة فَهْم أن يبطش به بعد الهجرة لأنَّ المسلمين بمكة قبلها عاجزون مَقْهورون لا يُمكنهم الانتصار من المشركين، والعاجز لا يؤمر بالعفو، والصفح غيرُ ظاهر = مُحتاجٌ إلى نقل، ودوام عجز كلٍّ من المسلمين غير معلوم، بل مَنْ وقف على أحوال أبي حفص رُه لا يتوقف في أنه قادرٌ على ما همَّ به لا يُبالي بما يترتَّب عليه. وهذا أولى في الجواب من أن يقال: إنَّ الأمر بفعل ذلك بينه وبين الله تعالى بقلبه ليُثاب عليه، نعم قيل: إن النبيَّ وَّر وأصحابه نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال له: المُريسيع، فأرسل ابنُ أُبيِّ غُلامَه لِيستقي، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ما حَبَسك؟ قال: غلام عُمر، قعد على طرف البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبيِّ نَّهِ وَقُّرَبَ أبي بكر ◌َظُبه. فقال ابنُ أُبَيّ: ما مَثَلُنا ومَثَل هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر عَُّه فاشتملَ سيفَه يريدُ التوجُّه إليه، فأنزل الله تعالى الآية (٤). (١) في الناسخ والمنسوخ (٧٩٥). (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: قيل: هو من غفار. (٣) قال ابن العربي في أحكام القرآن ١٦٨١/٤: وهذا لم يصح. (٤) أسباب النزول للواحدي ص٤٠١. سُورَةُ الجَائِيَةِ ٢٤ الآية : ١٤ وحكاه الإمام(١) عن ابن عباس، وهو يدلُّ على أنها مدنية. وكذا ما رُوي عن ميمون بن مهران قال: إنَّ فنحاص اليهودي قال لما أنزل الله تعالى ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]: احتاجَ ربُّ محمد! فسمع بذلك عمر نَظُه فاشتمل سيفَه وخرج، فبعث النبيُّ نَّه في طلبه حتى ردَّه، ونزلت الآية(٢). ﴿لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ تعليلٌ للأمر بالمغفرة، وجُوِّز أن يكون تعليلاً للأمر بالقول، لأنه سببٌ لامتثالهم المُجازي عليه، والمراد بالقوم: المؤمنون الغافرون، والتنكير للتعظيم. ولفظ القوم في نفسه اسمُ مدح على ما يُرشد إليه الاشتقاق والاستعمال في نحو: يا ابن القوم. وفي هذا التنكير كمالُ التعريف والتنبيه على أنهم لا يَخْفَوْن نُكِّروا أو عُرِّفوا، مع العلم بأن المجزيَّ لا يكون إلا العامل، وهو الغافر هاهنا، أي: أُمروا بذلك ليجزي الله تعالى يومَ القيامة قوماً أيّما قوم، وقوماً مخصوصين بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جُملتها الصبرُ على أَذَّة الكفار والإغضاءُ عنهم بكظم الغيظ واحتمالِ المكروه، ما لا يُحيط به نطاق البيان من الثواب العظيم. ومنهم من خصَّ ما كسبوه بالمغفرة والصبر على الأذيَّة، و((ما)) في الوجهين موصولة، وجُوِّز أن تكون مصدرية، والباء للسببية، أو للمقابلة، أو صلة ایجزي)). وجوز أن يراد بالقوم الكفرة، وبما كسبوا سيئاتهم التي من جملتها إيذاؤهم المؤمنين، والتنكير للتحقير. وتُعُقِّب بأنَّ مطلق الجزاء لا يصلح تعليلاً للأمر بالمغفرة لِتحقُّقه على تقديري المغفرة وعَدَمِها، فلا بدَّ من تخصيصه بالكلِّ بأنْ لا يتحقَّق بعضٌ منه في الدنيا، أو بما يصدر عنه تعالى بالذات، وفي ذلك من التكلُّف ما لا يخفى. وأن يُراد كلا الفريقين، والتنكير للشيوع، وتُعُقِّب بأنه أكثرُ تكلُّفاً وأشدُّ تمُّلاً. : (١) تفسير الرازي ٢٦٣/٢٧. (٢) أسباب النزول للواحدي ص٤٠١- ٤٠٢، وتفسير الرازي ٢٦٣/٢٧. الآية : ١٤ ٢٥ سُورَةُ الجَائِيَة والذي يشهد للوجه السابق ما رُوي عن سعيد بن المسيَّب قال: كنا بين يدي عمر ته فقرأ قارئ هذه الآيةَ، فقال: ليجزي عمر بما صنع(١). وقرأ زيد بن عليٍّ وأبو عبد الرحمن والأعمش وأبو خُليد وابن عامر وحمزة والكسائي: ((لنجزي)) بنون العظمة(٢). وقُرئ: ((لِيُجزَى)) بالياء والبناء للمفعول، ((قوم)) بالرفع على أنه نائب الفاعل(٣). وقرأ شيبة وأبو جعفر بخلاف عنه كذلك إلا أنهما نصبا ((قوماً))(٤)، ورُوي ذلك عن عاصم(٥)، واحتجَّ به من يُجوِّز نيابة الجارِّ والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول الصريح فيقول: ضُرب بسوط زيداً، ف: بما كسبوا نائب الفاعل هاهنا، ولا يُجيز ذلك الجمهور. وخُرِّجت هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، أي: ليجزى هو، أي: الجزاء. ورُدَّ بأنه لا يُقام مقامه عند وجود المفعول به أيضاً على الصحيح، وأجازه الكوفيون على خلاف في الإطلاق والاستحسان. أو على أنه ضمير المفعول الثاني وهو الجزاء بمعنى المُجْزَى به، كما في قوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدٍْ﴾ [البينة: ٨] وأضمر لدلالة السياق كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: ١١] والمفعول الثاني في باب أعطى يقوم مقامَ الفاعل بلا خلاف، وهذا من ذاك. وأبو البقاء (٦) اعتبر الخير بدل الجزاء المذكور. أو على أن ((قوماً)) منصوب بـ : أعني، أو جزى، مضمراً لدلالة المجهول على أن ثَمَّ جازياً، واختاره أبو حيان(٧). و((ليُجْزَى)) حينئذ من باب يُعطي ويمنع، (١) الكشاف ٥١١/٣. (٢) البحر المحيط ٤٥/٨، وقراءة ابن عامر وحمزة والكسائي - وهي قراءة خلف - في التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧٢/٢. (٣) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥١١/٣. (٤) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٧٢/٢. (٥) ذكرها ابن الجزري في النشر ٢/ ٣٧٢، وهي غير المشهورة عن عاصم. (٦) في إملاء ما من به الرحمن ٣١٥/٤. (٧) في البحر المحيط ٤٥/٨ . سُورَةُ الجَائِيَّةِ ٢٦ الآية : ١٥ - ١٧ و: حيل بين العَيْرِ والنَّزَوان(١)، فمعناه: ليفعل الجزاء، ويكون هناك جملتان. ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَهًا﴾ لا يكاذَ يسري عملٌ إلى غير عامله إِلَى رَبَّكُمْ﴾ مالك أُموركم ﴿تُرْجَعُونَ ﴾﴾ فيجازيكم على أعمالكم حسبما تقتضيه الحكمة، خيراً على الخير وشرًّا على الشر، والجملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ﴾ وهو التوراة، على أن التعريف للعهد، وجُوِّز جعله للجنس ليشمل الزبور والإنجيل، ولا يضرُّ في ذلك كون الزبور أدعية ومناجاة والإنجيل أحكامه قليلة جدًّا، ومعظم أحكام عيسى عليه السلام من التوراة، لأن إيتاء الكتاب مطلقاً مِنَّةٌ . ـلْحُكْرَ﴾ القضاء وفصل الأمور بين الناس، لأن المُلك كان فيهم، واختاره أبو حيان(٢)، أو الفقه في الدين، ويقال: لم يتّسع فقه الأحكام على نبيِّ ما اتَّسع على لسان موسى عليه السلام، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية. ﴿وَاَلْنُُّوَّةَ﴾ حيث كَثُر فيهم الأنبياء عليهم السلام ما لم يكثر في غيرهم. ﴿وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اَلََِّّتِ﴾ المستلذَّات الحلال، وبذلك تتُّ النعمة، وذلك كالمَنِّ ، حيث آتيناهم ما لم نُؤْتٍ غيرهم من فَلْق والسلوى ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ البحر وإظلال الغمام ونظائرهما، فالمرادُ تفضيلهم على العالمين مطلقاً من بعض الوجوه لا من كلِّها، ولا من جهة المرتبة والثواب، فلا يُنافي ذلك تفضيلَ أمة محمد رَي عليهم من وجه آخر ومن جهة المرتبة والثواب. وقيل: المراد بـ ((العالمين)) عالَمو زمانهم. ﴿وَءَيْتَهُمْ بَيْنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ﴾ دلائلَ ظاهرةً في أمر الدين، فـ(من)) بمعنى ((في))، والبينات: الدلائل، ويندرج فيها معجزات موسى عليه السلام، وبعضهم فسَّرها بها، وعن ابن عباس: آيات من أمر النبي ◌َّ وعلامات مُبيِّنة لِصدقه عليه الصلاة والسلام، ككونه يُهاجر من مكة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهلَها، إلى غير ذلك (١) مثل يُضرب في منع الرجل مراده. وسلف ٢٣٣/١ و١٤٥/٢٢. (٢) في البحر المحيط ٤٥/٨. الآية : ١٨ - ١٩ ٢٧ سُورَةُ الجَائِيَّةِ مما ذكر في كتبهم ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ﴾ في ذلك الأمر ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بحقيقة الحال، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً لرسوخه ﴿بَغْيًا بِنَهُمْ﴾ عداوةً وحسداً لا شكًّا فيه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ بالمؤاخذة والجزاء ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ من أمر الدين. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيمَةٍ﴾ أي: سُنَّة وطريقة، مِنْ شَرَعه: إذا سَنَّه ليسلك، وفي ((البحر)): الشريعة في كلام العرب: الموضعُ الذي يَرِدُ منه الناس في الأنهار ونحوها، فشريعة الدين من ذلك من حيث يرد الناس منها أمر الله تعالى ورحمته والقرب منه عز وجل(١). وقال الراغب: الشرعُ مصدر، ثم جعل اسماً للطريق النهج، فقيل له: شرعٌ وشِرعة وشريعة، واستُعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين، ثم قال: قال بعضُهم: سُمِّيت الشريعة شريعة تشبيهاً بشريعة الماء من حيث إن مَنْ شرع فيها على الحقيقة والصِّدق رَوِي وتطهّر. وأعني بالرِّيِّ ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أَروى فلما عَرَفتُ الله تعالى رويتُ بلا شرب، وبالتطهُّر ما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ آلَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣](٢). والظاهر هنا المعنى اللغوي، والتنوين للتعظيم، أي: شريعة عظيمة الشأن. ﴿مِّنَ الْأَمْرِ﴾ أي: أمر الدين. وجوَّز أبو حيان كونَه مصدر ((أَمَرَ))، والمراد: من الأمر والنهي(٣)، وهو كما ترى. ﴿فَتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: آراء الجهَّال التابعة للشهوات، والمراد بهم ما يعمُّ كلَّ ضالٌّ، وقيل: هم جُهَّال قريظة والنضير. وقيل: رؤساء قريش؛ كانوا يقولون له وَلي: ارجع إلى دين آبائك. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَّ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من الأشياء، أو شيئاً من الإغناء إنٍ اتَّبعتهم، والجملة مستأنفةٌ مبينةٌ لعلَّةِ النَّهي ﴿وَإِنَّ الَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ﴾ لا يُواليهِمْ ولا يَتَبع أهواءَهُم إلَّا مَنْ كانَ ظالماً مثلَهم. (١) البحر المحيط ٤٦/٨، وفيه :... الموضع الذي يرد فيه الناس ... (٢) مفردات ألفاظ القرآن (شرع). (٣) البحر المحيط ٤٦/٨. سُورَةُ الجَائِيَّةِ ٢٨ الآية : ٢٠ - ٢١ الذين أنتَ قدوتهُم، فَدُمْ على ما أنتَ عليه مِنْ تولِّيه ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ سبحانه خاصَّة، والإعراضِ عمَّا سِواهُ عزَّ وجلَّ بالكُليّةِ. ﴿هَذَا﴾ أي: القرآنُ ﴿بَصَيْرُ لِلنَّاسِ﴾ فإنَّ ما فيه مِنْ معالم الدِّين وشعائرِ الشَّرائع بمنزلةِ البصائرِ في القلوبِ. وقيل: الإشارةُ إلى اتِّاعِ الشريعةِ، والكلامِ من بابِ التشبيهِ البليغِ. وجمع الخبر على الوجهينِ باعتبارٍ تعدُّدِ ما تضمَّنه المبتدَأُ، واتّباع مصدرٌ مضافٌ فيعمُّ ويخبرُ عنه بمتعدِّدٍ أيضاً، وقُرِىَ: ((هذه))(١) أي: الآياتُ. ﴿وَهُدَى﴾ جليلٌ مِنْ ورطةِ الضّلالةِ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمةٌ ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ من شأنهم الإيقانُ بالأمورِ . ٢٠ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَِّّئَاتِ﴾ إلى آخرهِ، استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ حالٍ المسيئين والمحسنين إثرَ بيانِ حال الظالمين والمتقين، و((أَمْ)): منقطعةٌ، وما فيها من معنى ((بل)) للانتقالِ من البيانِ الأولِ إلى الثاني، والهمزة: لإنكارِ الحُسبانِ، على معنى أنَّه لا يليقُ ولا ينبغي لظهورِ خلافِهِ. والاجتراحُ: الاكتسابُ، ومنه الجارحةُ للأعضاءِ التي يُكتَسبُ بها، كالأيدي، وجاء: هو جارحةُ أهلِهِ، أي: كاسبُهمْ. وقال الراغبُ: الاجتراحُ: اكتسابُ الإثمِ، وأصلُهُ مِنَ الجراحةِ، كما أنَّ الاقترافَ مِنْ قَرَفَ القرحة (٢). والظاهرُ تفسيرُهُ هاهنا بالاكتسابِ لمكان ((السيئاتِ))، والمرادُ بها على ما في ((البحرِ))(٣): سيئاتُ الكفرِ. وقولُهُ تعالى: ﴿أَن ◌َّجْعَلَّهُمْ﴾ سادٌّ مسدَّ مفعولي الحسبانِ، والجعل: بمعنى التصييرٍ، وهم مفعولُه الأول، وقولُه سبحانَه: ﴿كَلِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ مفعولُه الثاني، وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿سَوَآءَ﴾ بدلٌ من الكافِ بناءً على أَنَّها اسمٌ بمعنى مثل، وقولُه تعالى: ﴿يَخَْهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ﴾ فاعلُ ((سواءً)) أُجري مُجرى مستوٍ كما قالوا: مررتُ برجلٍ سواءً هو والعَدَمُ، وضميرُ الجمعِ للمجترحين، والمعنى على إنكار حُسبان جَعْلِ مَحْيَا المجترحينَ ومماتِهم مستويين مثلهما للمؤمنين، ومصبُّ الإنكارِ (١) الكشاف ٥١١/٣، وهي قراءة شاذة. (٢) مفردات ألفاظ القرآن (جرح)، ومعنى قَرَفَ القرحة: قشرها، وذلك إذا يبست. اللسان (قرف). (٣) البحر المحيط ٨/ ٤٧ . الآية : ٢١ ٢٩ سُورَةُ الجَائِيَّةِ استواءُ ذلك، فإن المؤمنينَّ تتوافقُ حالاهم لأنَّهم مرحومون في المحيا والمماتِ، وأولئك تتضادُّ حالاهم فإنهم مرحومون حياةً لا موتاً . وجُوِّز أن يكون ((سواءً)) حالاً من الضميرِ في الكافِ بناءً على ما سمعتَ مِنْ معناها . وتُعقِّب بأنها اسمٌ جامد على صورة الحرف فلا يصحُّ استتار الضمير فيها، وقد صرَّح الفارسي(١) بمنع ذلك، نعم يجوز أن يكون ((كالذين)» جارًّا ومجروراً في موضع المفعول الثاني، و((سواءً)) حالاً من الضمير المُستتر فيه. وقيل: يجوز أيضاً كونه حالاً من ضمير ((نجعلهم))، وكذا يجوز كونه المفعول الثاني، وكون الكاف أو الجارِّ والمجرور حالاً من هذا الضمير، وما ذكر أولاً أُظھرُ واولی. وجُوِّز كونُ ضمير الجمع في ((محياهم ومماتهم)) للمؤمنين، فـ ((سواء)) حال من الموصول الثاني، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ((كالذين)) لفساد المعنى. وكونُ الضمير للفريقين، فـ ((سواء)) حال من مجموع الموصول الثاني وضمير الأول، والمعنى على إنكار حسبان أن يستويَ الفريقان بعد الممات في الكرامة أو ترك المُؤاخذة كما استويا ظاهراً في الرزق والصحة في الحياة. وجُوِّز أن يكون المعنى على إنكار حسبان جعل الحياتين مستويتين؛ لأن المؤمنين على الطاعة وأولئك على المعاصي، وكذلك الموتان لأنهم مُلقون بالبُشرى والرضوان، وأولئك بالسوء والخذلان. وقيل به على تقدير كون الضمير للمجترحين أيضاً . ولم يُجوِّز المدقِّق الإبدال من الكاف على تقدير اشتراك الضمير، إذ المثلُ هو المُشبَّه، و((سواء)» جارٍ على المشبّه والمشبَّه به. وقرأ جمهور القرَّاء: ((سواءٌ محياهم ومماتهم)) برفع ((سواء))(٢) وما بعده، على (١) في الحجة ٦/ ١٧٥ . (٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بالنصب والباقون بالرفع. التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧٢/٢. سُورَةُ الجَاثِيَةِ ٣٠ الآية : ٢١ أنَّ ((سواء)) خبر مقدَّم وما بعده مبتدأ، لا العكس؛ لأن ((سواء)) نكرة، ولا مُسوِّغ للابتداء بها، والضمير للمجترحين، والجملة قيل: بدلٌ من المفعول الثاني لـ ((نجعل)) بَدَلَ كلٍّ من كلٍّ، أو بدلَ اشتمالٍ، أو بدلَ بعضٍ، وأيَّاما كان ففيه إبدالُ الجملة من المفرد، وقد أجازه أبو الفتح واختاره ابن مالك، وأورد عليه شواهد. قال أبو حيان(١): لا يتعيَّن فيها البدل. وقال محمد بن عبد الله الإشبيلي المعروف بابن العلج في كتابه ((البسيط في النحو)): لا يصحُّ أن تكون جملةٌ معمولةً للأول في موضع البدل، فإن كانت غيرَ معمولة فهل تكون جملة بدلاً من جملة؟ لا يبعد عندي جوازُ ذلك كالعطف والتأكيد اللفظي. وظاهره أنه لا يجوز الإبدالُ هاهنا، وفي ((البحر)): يظهر لي أنه لا يجوز إبدالُ هذه الجملة من ذلك المفعول، لأن الجعل بمعنى التصيير، ولا يجوز: صيَّرتُ زيداً أبوه قائم، ولا: صيَّرت زيداً غلامه منطلقٌ؛ لأن في ذلك انتقالاً من ذات إلى ذات، أو من وصف في الذات إلى وصف آخر فيها، وليس في تلك الجملة المقدَّرة مفعولاً ثانياً انتقالٌ مما ذكرنا. وفيه بحثٌ لا يخفى. والزمخشري(٢) قد نصَّ على جعل الجملة بدلاً من الكاف، وهو إمامٌ في العربية، لكن أفاد صاحب ((الكشف)» أنه أراد أنه بدلٌ من حيث المعنى لا أنه بدل من ذاك لفظاً، قال: لأنه مفردٌ داٌّ على الذات باعتبار المعنى وهذا دالٌّ على المعنى، وإن كان الذات يلزم من طريق الضرورة إلا أن يقدَّر له موصوفٌ محذوف، بأن يقدّر: رجالاً سواء محياهم ومماتهم مثلاً، والمعنى على البدلية كما سمعت في قراءة النصب. وجُوِّز كون الجملة مفعولاً ثانياً، و((كالذين)) حال من ضمير ((نجعلهم))، ولا يخفى عليك ما عليه وما له. وإذا كان الضمير للمؤمنين فالجملة قيل: حال من الموصول الثاني لا من الضمير في المفعول الثاني للفساد. وتُعقّب بأن فيه اكتفاء الاسمية الحالية بالضمير، (١) البحر المحيط ٤٧/٨، وما قبله وما بعده منه. (٢) الكشاف ٣/ ٥١٢. الآية : ٢١ ٣١ سُؤَكَةُ الجَائِيَّةِ وهو غير فصيح على ما قيل. وقيل: استئناف يبيِّن المقتضي للإنكار على حُسبان التماثل، وهو أن المؤمنين سواء حالهم عند الله تعالى في الدارين بهجةً وكرامةً فكيف يُماثلهم المجترحون؟! وجُوِّز أن تكون بياناً لوجه الشَّبَه المُجمل. وإذا كان الضمير للفريقين فالظاهر أن الجملةَ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخل في حكم الإنكار والتساوي حينئذ بين حال المؤمنين بالنسبة إليهم خاصةً وحال المجترحين كذلك، وتكون الجملةُ تعليلاً للإنكار في المعنى دالًّا على عدم المماثلة لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن المؤمنين متساوو المَحْيا والممات في الرحمة، وأولئك متساوو المحيا والممات في النقمة، إذ المعنى: كما يعيشون يموتون، فلما افترق حال هؤلاء وحال هؤلاء حياة فكذلك موتاً، وأما الإبدال فقد علم حاله، فتأمَّل. وقرأ الأعمش: ((سواءً)) بالنصب ((محياهم ومماتهم)) به أيضاً(١)، وخرّج الأول على ما سمعت، ونصب ((محياهم ومماتهم)) على الظرفية؛ لأنهما اسما زمان، أو مصدران أُقيما مُقام الزمان، والعامل إما ((سواء)) أو (نجعلهم)). هذا، والآيةُ وإن كانت في الكفار على ما نقل عن ((البحر))(٢)، وهو ظاهرُ ما رُوي عن الكلبي من أن عتبة وشيبة والوليد بن عتبة قالوا لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه وحمزة رُه والمؤمنين: واللهِ ما أنتم على شيء، ولئن كان ما تقولون حقًّا لَحَالُنا أفضلُ من حالكم في الآخرة كما هو أفضل في الدنيا، فنزلت الآية: (أَمّ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَهُواْ السَِّئَاتِ) إلخ، وهي متضمِّنة للردِّ عليهم على جميع أوجهها كما يعرف بأدنى تدبُّر = يُستنبط منها تبايُنُ حالَي المؤمن العاصي والمؤمن الطائع؛ ولهذا كان كثيرٌ من العُبَّاد يبكون عند تلاوتها حتى إنها تسمى: مَبْكاة العابدين، لذلك، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) والطبراني وجماعة عن أبي الضحى قال: قرأ تميمٌ الداريُّ سورة الجاثية، فلما أتى على (١) القراءات الشاذة ص١٣٨. (٢) البحر المحيط ٤٨/٨. سُورَةُ الجَانِيَّةِ ٣٢ الآية : ٢٢ قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ) الآية، لم يزل يُكرِّرها ويبكي حتى أصبح، وهو عند المقام(١). وأخرج ابن أبي شيبة عن نُسير(٢) مولى الربيع بن خُثيم أن الربيع كان يصلِّي، فمرَّ بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ) إلخ، فلم يَزَلْ يردِّدها حتى أصبح (٣). وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها: ليت شعري من أيِّ الفريقين أنت؟ وقال ابن عطية: إنَّ لفظها يعطي أنَّ اجتراحَ السيئات هو اجتراحُ الكفر؛ لمعادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بالاجتراح وعمل الصالحات ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا بكى الخائفون عند تلاوتها (٤). ورأيت كثيراً من المغرورين المستغرقين ليلَهم ونهارَهم بالفسق والفجور يقولون بلسان القال والحال: نحن يوم القيامة أفضلُ حالاً من كثير من العابدين، وهذا منهم والعياذ بالله تعالی ضلالٌ بعيد وغرورٌ ما عليه مزید. ﴿سَآءُ مَا يَخْلُمُونَ ﴾﴾ أي: ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوي، فـ ((ما)) مصدرية، والكلام إخبارٌ عن قبح حُكمهم المعهود. ويجوز أن يكون لإنشاء ذَمِّهم على أنَّ ((ساء)) بمعنى بئس، فـ ((ما)) فيه نكرة موصوفة وقعت تمييزاً مفسِّراً الضمير الفاعل المُبهم، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ، أي: بئس شيئاً حكموا به ذلك. ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْنَيِّ﴾ كأنه دليلٌ على إنكار حسبانهم السابق، أو دليل على تساوي مَحْيَا كلٌّ فريق ومماتِهِ وبيانٌ لحكمته على تقدير كون قوله تعالى: (سَوَءَ تَحَْهُمْ وَمَمَانُهُمَّ) استئنافاً، وذلك من حيث إنَّ خَلْق العالم بالحقِّ المقتضي (١) الدر المنثور ٣٥/٦، والزهد لأحمد ص٢٢٧، والمعجم الكبير للطبراني (١٢٥١). (٢) في الأصل و(م): بشير، وهو خطأ، وهو نُسير بن ذعلوق الثوري، مولاهم، أبو طعمة الكوفي. تهذيب التهذيب ٢١٦/٤. (٣) الدر المنثور ٣٥/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٤٧٧/٢ و٣٩٦/١٣. (٤) المحرر الوجيز ٥/ ٨٥، وفيه قصة الفضيل بن عياض السابقة. الآية : ٢٣ ٣٣ سُورَةُ الجَائِيَّةِ للعدل يستدعي انتصاف المظلوم من الظالم، والتفاوتَ بين المسيء والمحسن، وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات حتماً. ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ عطف على ((بالحق)) لأنه في معنى العلَّة، سواء كانت الباء للسببية الغائية أو الملابسة، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المعنى: خَلَقَها ملتبسةً ومقرونةً بالحِكمة والصواب دون العَبَث والباطل، وحاصله: خلقها لأجل ذلك. أو عطف على علَّة محذوفة مثل: ليدلَّ سبحانه بها على قُدرته، أو: ليعدل. و((ما)) موصولة أو مصدرية، أي: لتُجزى كل نفس بالذي كسبته أو بکسبها . وَهُمْ﴾ أي: النفوس المدلول عليها بكلِّ نفس ﴿لَا يُظْلَمُونَ (٣)﴾ بنقص ثوابٍ وتضعيفٍ عذاب، والجملة في موضع الحال، وتسميةُ ذلك ظلماً مع أنه ليس كذلك؛ لأنه منه سبحانه تصرفٌ في مُلكه، والظلم تصرُّفٌ في مُلك الغير بغير إذنه لأنه لو فعله غيره عز وجل كان ظلماً، فالكلامُ على الاستعارة التمثيلية، أو أنه لمّا كان مخالفاً لوعده سبحانه الحقّ سماه تعالى ظُلماً. ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنَهُ﴾ تعجيبٌ مِن حالٍ مَن تركَ متابعةَ الهُدى إلى مطاوعة الهوى، فكأنه يعبدُه، فالكلامُ على التشبيه البليغ أو الاستعارة، والفاء للعطف على مقدَّر دخلت عليه الهمزة، أي: أنظرت مَنْ هذه حاله فرأيته، فإنَّ ذلك مما يقضي منه العجب. وأبو حيان(١) جعل أرأيت، بمعنى: أخبرني، وقال: المفعول الأول ((مَن اتَّخذ)) والثاني محذوف يقدَّر بعد الصلات، أي: أيهتدي، بدليل ((فمن يهديه)). والآية نزلت على ما رُوي عن مقاتل في الحارث بن قيس السهمي، كان لا يهوى شيئاً إلا ركبه(٢). وحكمها عامّ وفيها مِنْ ذمّ اتِّباع هوى النفس ما فيها. وعن ابن عباس: ما ذكّر اللهَ تعالى هوّى إلا ذمَّه(٣). (١) في البحر المحيط ٤٨/٨. (٢) تفسير القرطبي ١٩/ ١٥٨. (٣) المحرر الوجيز ٨٦/٥. سُورَةُ الجَانِيَّةِ ٣٤ الآية : ٢٣ وقال وهب: إذا شككتَ في خير أمرين فانظُرْ أبْعَدَهما من هواك فَأْتِهِ. وقال سهل التُّسْتَري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وفي الحديث: ((العاجزُ من أتبع نَفْسَه هواها وتمنَّى على الله تعالى))(١). وقال أبو عمران موسى بن عمران الإشبيلي الزاهد: هَوَى نَفْسِه ينزعْ به شرَّ مَنزعٍ فخالف هواها واعصِها إنَّ من يُطِعْ وتَرْمٍ به في مصرعٍ أيِّ مصرعٍ(٢) ومَن يُطع النفسَ اللجوجة تُرْدِهِ وقد ذُمَّ ذلك جاهلية أيضاً، ومنه قول عنترة: لا أُتبع النفسَ اللجوجَ هواها (٣) إني امرؤ سمحُ الخلیقة ماجدٌ ولعلَّ الأمر غنيٌّ عن تكثير النقل. وقرأ الأعرج وأبو جعفر: ((إلهةً)) بتاء التأنيث بدل هاء الضمير، وعن الأعرج أنه قرأ: ((آلهة)) بصيغة الجمع. قال ابن خالويه(٤): كان أحدُهم يستحسن حَجَراً فيعبده، فإذا رأى أحسنَ منه رفضه مائلاً إليه. فالظاهرُ أن ((آلهةً)) بمعناها من غير تجوُّز أو تشبيه، والهوى بمعنى المهويّ، مثله في قوله: هوايَ مع الركب اليمانِين مُصْعِدٌ(٥) ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ أي: خلقه ضالًّا، أو خلق فيه الضلال، أو خذله وصرفه عن اللطف على ما قيل. ﴿عَلَى عِلٍ﴾ حال من الفاعل، أي: أضلَّه الله تعالى عالماً سبحانه بأنه أهلٌ لذلك لفساد جوهر روحه. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، (١) أخرجه أحمد (١٧١٢٣) من حديث شداد بن أوس حبه، وفي إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. (٢) البحر المحيط ٤٩/٨. (٣) ديوان عنترة ص١٨٦ (بتحقيق عبد المنعم شلبي). (٤) القراءات الشاذة ص١٣٨، وقراءة الأعرج وأبي جعفر فيه وفي البحر المحيط ٤٨/٨. (٥) قائله جعفر بن علبة الحارثي، وعجزه: جَنيبٌ وجثماني بمكة مُوثَق. خزانة الأدب ٣٠٧/١٠. الآية : ٢٤ ٣٥ سُورَةُ الجَائِيَّةِ أي: أضلَّه عالماً بطريق الهدى فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا أُخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧]. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾ بحيث لا يتأثَّر بالمواعظ ولا يتفكّر في الآيات. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ﴾ مانعةً عن الاستبصار والاعتبار، والكلام على التمثيل. وقرأ عبد الله والأعمش: ((غَشاوة)) بفتح الغين(١)، وهي لغةُ ربيعة، والحسن وعكرمة وعبد الله أيضاً بضمِها، وهي لغةٌ عُكْلية (٢)، وأبو حنيفة وحمزة والكسائي وطلحة ومسعود بن صالح والأعمش أيضاً: ((غَشْوة)) بفتح الغين وسكون الشين(٣)، وابن مُصَرِّف والأعمش أيضاً كذلك إلا أنهما كسرا الغين (٤). ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من بعد إضلاله تعالى إيَّاه. وقيل: المعنى: فمن يهديه غير الله سبحانه ﴿أَفَلاَ تَذَكَُّونَ ﴾﴾ أي: ألا تُلاحظون فلا تذكرون، وقرأ الجحدري: ((تذكرون)) بالتخفيف، والاعمش: ((تتذكَّرون)) بتاءين على (٥) الأصل(٥). ﴿وَقَالُواْ﴾ بيان لإحكام إضلالهم، والخَتْم على سمعهم وقلوبهم، وجَعْلِ غشاوةٍ على أبصارهم، فالضمير لـ ((مَنْ)) باعتبار معناه أو للكفرة: ﴿مَا هِىَ﴾ أي: ما الحياة ﴿إِلَّا حَانُنَا الذُّنَا﴾ التي نحن فيها، ويجوز أن يكون الضميرُ للحال والحياة الدنيا من جملة الأحوال، فيكون المُستثنى من جنس المستثنى منه أيضاً لاستثناء حالِ الحياة الدنيا من أعمِّ الأحوال، ولا حاجةً إلى تقدير حال مضافاً بعد أداة الاستثناء، أي: ما الحال إلا حال الحياة الدنيا . (١) القراءات الشاذة ص١٣٨. (٢) البحر المحيط ٤٩/٨، وإعراب القرآن للنحاس ١٤٨/٤. (٣) البحر المحيط ٤٩/٨، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٩٩، والنشر ٣٧٢/٢، وقرأ بها خلف. (٤) البحر المحيط ٤٩/٨. (٥) المصدر السابق. سُورَةُ الجَائِيَّةِ ٣٦ الآية : ٢٤ ﴿نَمُوتُ وَتَخْيَا﴾ حكم على النوع بجملته من غير اعتبارٍ تقديم وتأخير، إلا أن تأخيرَ (نحيا) في النَّظم الجليل للفاصلة، أي: تموت طائفةٌ وتحيا طائفة، ولا حشر أصلاً. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: نحيا ونموت. وليس بذاك. وقيل: أرادوا بالموت عدمَ الحياة السابق على نَفْخ الروح فيهم، أي: نكون نطفاً وما قبلها وما بعدها ونحيا بعد ذلك. وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النسل والذرية مجازاً، كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارینا . وقيل: أرادوا: يموت بعضنا ويحيا بعض، على أن التجوُّز في الإسناد. وجُوِّز أن يُريدوا بالحياة على سبيل المجاز إعادةً الروح لبَدَنٍ آخَر بطريق التناسخ، وهو اعتقادُ كثيرٍ من عبدة الأصنام، ولا يخفى بُعْدُ ذلك. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿ًا: ((ونُحيّا)) بضمِ النون(١). ﴿وَمَا يُهْلِكُآَ إِلَّ الدَّهْرُ﴾ أي: طولُ الزمان، فالدهر أخصُّ من الزمان، وهو الذي ارتضاه السعد، ولهم في ذلك كلامٌ طويل. وقال الراغب: الدهر في الأصل: اسمٌ لمدة العالم من مَبْدأ وجودِه إلى انقضائه، ثم يُعبَّر به عن كلِّ مُدَّة كثيرة، وهو خلافُ الزمان، فإنه يقع على المدَّة القليلة والكثيرة، ودهرُ فلانٍ: مُدَّةُ حياته، ويقال: دَهَرَ فلاناً نائبةٌ دهراً، أي: نزلت به؛ حكاه الخليل، فالدهر هاهنا مصدر(٢). وذكر بعضُ الأَجِلَّة أن الدهرَ بالمعنى السابق منقولٌ من المصدر، وأنه يقال: دَهَره دهراً، أي: غلبه، وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكارٌ منهم لملك الموت وقَبْضهِ الأرواح بأمر الله عز وجل، وكانوا يُسندون الحوادث مطلقاً إليه لجهلهم أنها مُقدَّرة من عند الله تعالى، وأشعارُهم لذلك مملوءةٌ من شكوى الدهر، وهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى، فهم غير الدهرية، فإنهم مع إسنادهم الحوادثَ إلى الدهر لا يقولون بوجوده، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيراً. والكلُّ يقول (١) ذكرها القرطبي في تفسيره ١٦٤/١٩ دون نسبة، وهي في البحر المحيط ٤٩/٨. (٢) مفردات ألفاظ القرآن (دهر). الآية : ٢٤ ٣٧ سُورَةُ الجَانِيَّةِ باستقلال الدهر بالتأثير، ولا يَبْعُدُ أن يكون الزمان عندهم مقدارَ حركة الفَلَك كما ذهب إليه معظمُ الفلاسفة. وقد جاء النهي عن سبِّ الدهر؛ أخرج مسلم(١): ((لا يسبُّ أحدُكم الدهرَ فإنَّ اللهَ هو الدهرُ))، وأبو داود والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم: ((قال الله عز وجل: يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ يقول: يا خيبةَ الدهر، فلا يَقُلْ أحدُكم: يا خيبةَ الدهر، فإِنِّي أنا الدهرُ أُقلِّب ليله ونهارَه))(٢)، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم أيضاً، يقول الله عز وجل: ((استقرَضْتُ عبدي فلم يُقْرِضْني، وشَتَمني عبدي وهو لا يدري يقول: وَادَهْرَاه، وأنا الدهرُ))(٣)، والبيهقي: ((لا تسبُّوا الدهرَ، قال الله عز وجل: أنا الأيامُ والليالي أُجدِّدها وأبليها، وآتي بمُلُوكٍ بعدَ مُلُوك))(٤). ومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث، فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السبُّ على الله عز وجل. وعدَّ بعضُهم سبَّه كبيرةً، لأنه يؤدِّي إلى سبِّه تعالى، وهو كفر، وما أدَّى إليه فأدنى مراتبه أن يكون كفراً(٥). وكلام الشافعية صريحٌ بأنَّ ذلك مكروه لا حرام فضلاً عن كونه كبيرةً، والذي يتَّجه في ذلك تفصيل، وهو أن مَنْ سبَّه فإنْ أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة، أو اللهَ عز وجل فلا كلامَ في الكُفر، ومثله إذا أراد المؤثِّرَ الحقيقيَّ فإنه ليس إلا الله (١) برقم (٢٢٤٧) عن أبي هريرة (٢) أبو داود (٥٢٧٤)، والحاكم ٤٥٣/٢، وهو عند مسلم (٢٢٤٦): (٣)، ولقول الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ينظر لزاماً المفهم ٥٤٧/٥، وتحفة الأشراف ٥٥/١٠ حیث وقعت الرواية عندهما موقوفة على أبي هريرة ذاته . (٣) الحاكم ٤١٨/١، وأخرجه أحمد (١٠٥٧٨)، وأبو يعلى (٦٤٦٦)، وهو من حديث ◌ُنَّه . أبي هريرة (٤) شعب الإيمان (٥٢٣٧) من حديث أبي هريرة ظه، وهو عند أحمد (١٠٤٣٨)، وصحَّحه ابن حجر في الفتح ٥٦٥/١٠. (٥) جاء في هامش (م): كذا بالأصل، ولعلَّ الأَولى: أن يكون كبيرةً. اهـ. وهو الصواب، بدليل قوله بعده :... فضلاً عن كونه كبيرة. سُورَةُ الجَائِيَّةِّ ٣٨ الآية : ٢٥ سبحانه؛ وإنْ أطلق فهذا محلُّ التردد لاحتمال الكفر وغيره، وظاهر كلامهم هنا أيضاً الكراهة؛ لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقُه على اللهِ تعالى كما قال بعضُ الأجِلَّة إنما هو بطريق التجوّز. ومن الناس من قال: إنَّ سبَّه كبيرةٌ إن اعتقد أنَّ له تأثيراً فیما نزل به كما كان يعتقد جَهَلةُ العرب. وفيه نظر، لأنَّ اعتقادَ ذلك كفرٌ، وليس الكلام فيه. وأنكر بعضُهم كونَ ما في حديث أبي داود والحاكم: ((فإني أنا الدَّهرُ)) بضمِّ الراء، وقال: لو كان كذلك كان الدهر من أسمائه تعالى، وكان يرويه: ((فإني أنا الدَّهرَ)) بفتح الراء ظرفاً لـ ((أقلب))، أي: فإني أنا أقلِّب الليل والنهار الدهرَ، أي: على طول الزمان ومَمَرِّه، وفيه أن رواية مسلم: ((فإن اللهَ هو الدهر)) تبطل ما زعمه، ومن ثَمَّ كان الجمهور على ضمِّ الراء. ولا يلزم عليه أن يكون من أسمائه تعالى؛ لِمَا سبق أن ذلك على التجوُّز، وحكى الراغب(١) عن بعضهم أن الدهر الثاني في حديث مسلم غير الأول، وأنه مصدرٌ بمعنى الفاعل، والمعنى أن الله تعالى هو الداهر، أي: المُصرِّف المدبِّر المقیِّض لما يحدث. وفيه بُعد. وقرأ عبد الله: ((إلا دهرٌ))(٢)، وتأويله: إلا دَهرٌ يمرُّ. ﴿وَمَا لَمْ يِذَلِكَ﴾ أي: بما ذكر من قَصْرِ الحياة على ما في الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر ﴿مِنْ عِّرِ﴾ مستندٍ إلى عقل أو نقل ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ ﴾﴾﴾ ما هم إلا قومٌ قُصارى أمرهم الظنّ والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصحُّ أن يُتَمسَّك به في الجملة، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم. ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا﴾ الناطقةُ بالحقِّ الذي من جملته البعث ﴿بَيِنَتٍ﴾ واضحات الدلالة على ما نطقتْ به مما يُخالف مُعتقدَهم، أو مُبيِّنات له ﴿مَا كَانَ حُبََّهُمْ﴾ بالنصب على أنه خبر (كان)) واسمها قولُه تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُوا بَِابَآَيْنَآ إِن كُمْ صَدِينَ ﴾﴾ أي: في أنَّا نُبعَثُ بعد الموت، أي: ما كان متمسكاً لهم شيء من الأشياء إلا هذا القول الباطلُ الذي يستحيل أن يكون حُجَّة، وتسميته حُجَّة لسوقهم (١) في المفردات (دهر). (٢) تفسير الطبري ٩٦/٢١. الآية : ٢٥ ٣٩ سُؤَدَّةُ الجَائِيَّةِ إياه مساق الحُجَّة على سبيل التهكُم بهم، أو أنه من قَبيل: تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وجيع(١) أي: ما كان حُجَّتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي أن يكون لهم حُجَّة، فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً ـ كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا - امتناعُه بعدُ لتمتنع الإعادة إذا قامت القيامة. والخطاب في ((ائتوا)) و((كنتم) للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين؛ إذ هم قائلون بمقالته و9 من البعث، طالبون من الكفرة الإقرارَ به. وجُوِّز أن يكون له عليه الصلاة والسلام وللأنبياء عليهم السلام الجائين بالبعث، وغلّب الخطاب على الغيبة. وقال ابن عطية(٢): ((ائتوا)) و((كنتم)) من حيث المخاطبةُ له وَّةِ، والمراد: هو وإلهه والمَلَكُ الذي يَذكُر عليه الصلاة والسلام نزوله عليه بذلك، وهو جبريلُ عليه السلام. وهو كما ترى. • وقرأ الحسن وعمرو بن عُبيد وابن عامر - فيما روى عنه عبد الحميد - وعاصم فيما روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه: ((حُجَّتُهم)) بالرفع(٣) على أنه اسم ((كان)) وما بعدُ خبر، أي: ما كان حُجَّتُهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول الباطل. وجواب ((إذا)): ما كان .. إلخ، ولم تقترن بالفاء وإن كانت لازمة في المنفي بـ ((ما)) إذا وقعت جوابَ الشرط لأنها غيرُ جازمة ولا أصلية في الشرطية، وهو سرُّ قول أبي حيان(٤): إنَّ ((إذا)) خالفت أدواتِ الشرط بأنَّ جوابها إذا كان منفيًّا بـ ((ما)) لم تدخل الفاء، بخلاف أدوات الشرط فلا بدَّ معها من الفاء نحو: إن تَزُرْنا فما جفوتنا، فلا حاجة إلى تقدير جواب لها كـ : عمدوا إلى الحجج الباطلة، خلافاً لابن هشام(٥)، واستدلَّ بوقوع ما ذكر جواباً على أن العمل في ((إذا)) ليس للجواب (١) سلف ٦٤/٥ و٢٨٠/٧، وغيرها. (٢) المحرر الوجيز ٨٨/٥. (٣) البحر المحيط ٤٩/٨، والمشهور عن ابن عامر وعاصم النصب كقراءة الجمهور. (٤) في البحر المحيط ٤٩/٨. (٥) في مغني اللبيب ص١٣٣، والكلام الآنف الذكر من ردِّه لكلام أبي حيان. سُورَةُ الجَاثِيَّةِ ٤٠ الآية : ٢٦ - ٢٧ لصدارة ((ما)) المانعة منه، ولا قائل بالفرق، ولعلَّ من قال بالعمل يقول: يتوسّع في الظرف ما لم يتوسَّع في غيره. ثم إن المعنى على الاستقبال لمكان ((إذا)) أي: ما تكون حُجَّتهم إلا أن يقولوا ذلك. ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ﴾ ابتداء ﴿ثُمَّ يُسِتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم على ما دلَّ عليه الحُجج، لا الدهر كما تزعُمون ﴿ثُمَّ يَجْمَئُكُمْ إِلَ يَوْمِ الْقِيَّمَةِ﴾ أي: فيه، وجُوِّز كونُ الفعل مُضَمَّناً معنى مبعوثين أو منتهين ونحوه، ومعنى ((في)) أظهر، أي: يجمعكم في يوم القيامة ﴿لَا رَّبَ فِيهِ﴾ أي: في جمعكم، فإنَّ مَنْ قدر على البَدْء قدر على الإعادة، والحِكمة اقتضت الجمعَ للجزاء لا محالة في ذلك اليوم، والوعد الصدق بالآيات دل على وقوعها، وحاصلُه أن البعث أمرٌ ممكنٌ أخبر به الصادق، وتقتضيه الحِكمة، وكلُّ ما هو كذلك لا محالةَ واقعٌ، والإتيانُ بالآباء - حيث كان مُنافياً للحكمة التشريعية - امتنع إيقاعُه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ استدراكٌ من قوله تعالى: ((لا ريب فيه)) وهو من تمام الكلام المأمور به، أو كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على أن ارتيابهم لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكّر لا لأن فيه شائبة ريبٍ ما. ﴿وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ بيانٌ للاختصاص المطلق والتصرف الكُلِّ فيهما وفيما بينهما بالله عز وجل إثر بيان تصرُّفه تعالى بالإحياء والإماتة والبعث والجمع للمجازاة، فهو تعميمٌ للقدرة بعد تخصيص. ﴿وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُطِلُونَ ﴾ قال الزمخشري(١): العامل في (يوم تقوم)): ((يخسر))، و((يومئذ)) بدل من (يوم تقوم))، وحكاه ابنُ عطية(٢) عن جماعة. وتقديمُ الظرف على الفعل للحصر لأنَّ كلَّ خسران عند الخسران في ذلك اليوم كَلَا خُسرانٍ، وفيه أيضاً رعايةُ الفواصل على ما قيل، وتُعقِّب حديث الإبدال بأن التنوين في ((يومئذ)) عوضٌ عن الجملة المضاف إليها، والظاهرُ أنها (١) الكشاف ٣/ ٥١٣. (٢) المحرر الوجيز ٨٨/٥.