Indexed OCR Text

Pages 481-500

الآية : ٣٧
٤٨١
سُورَةُ الدُّخَانِ
عبد الله نبيِّ الله ورسوله، خاتم النبيين ورسول ربِّ العالمين وَله، من تُبَّع الأوَّل(١).
ودَفَعه إلى عظيم من الأوس والخزرج وأَمَره أن يدفعه للنبيّ عليه الصلاة والسلام إن
أدركه.
ويقال: إنه بنى له داراً في المدينة يسكنها إذا أدركه ◌َّ﴿ وقدم إليها، وأن تلك
الدار دار أبي أيوب خالد بن زيد، وأن الشعر والکتاب وصلا إلیه وأنه من ولد ذلك
الرجل الذي دُفعا إليه أولاً، ولما ظهر النبيُّ عليه الصلاة والسلام دفعوا الكتاب
إليه، فلما قُرئ عليه، قال: ((مرحباً بِتَبَّع الأخ الصالح)). ثلاثَ مرات(٢).
وجاء أنه وَلّ صلَّى عليه صلاة الجنازة، وكذا على البراء بن معرور بعد وفاته
بشهر يوم قدومه عليه الصلاة والسلام المدينةً(٣) كما قال النجم الغَيْطي(٤): وكانت
صلاة الجنازة قد فرضت تلك السنة.
وكون هذا هو تُبَّع الأول، ويقال له: الأكبر، هو المذكور في غير ما كتاب،
وذكر عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون أن أسعد هذا
هو تُبَّع الأوسط، وذكر أيضاً أن ملكه ثلاث مئة وعشرين سنة، وملك بعده عمرو
أربعاً وستين سنة.
وقال ابن قتيبة(٥): حسان وهو الذي قتل زرقاء اليمامة وأباد جديساً، وكان
ملکه خمساً وعشرين سنة.
والتواريخ ناطقة بتقدُّم تبابعة عليه، فإن تُبَّعاً يقال لمن مَلَك اليمنَ مطلقاً،
كما يقال لملك التُّرك: خاقان، والروم: قيصر، والفرس: كسرى، أَوْ لا يسمى به
(١) البحر المحيط ٣٨/٨، وهو في تفسير القرطبي ١٢٧/١٩-١٢٨.
(٢) أورده العيني في عمدة القاري ١٧٦/٤ وعزاه لمحمد بن إسحاق في كتابه المبتدأ وقصص
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(٣) أخرجه البيهقي ٤٩/٤ مرسلاً وموصولاً.
(٤) هو محمد بن أحمد بن علي السكندري الغَيْطي الشافعي، له: قصة المعراج، والإسلام
والإيمان، توفي سنة (٩٨١هـ). شذرات الذهب ٥٩٥/١٠، والأعلام للزركلي ٦/٦.
(٥) المعارف ص٦٣٢ .

سُورَةُ الدّخَانِ
٤٨٢
الآية : ٣٧
إلا إذا كانت له حمير وحضرموت كما في ((القاموس))(١)، أو إلا إذا كانت له حمير
وسبأ وحضرموت، كما ذكره الطيبيُّ.
والمتصف بذلك غير واحد كما لا يخفى على من أحاط خبراً بالتواريخ.
وما تقدَّم من حكاية أنه هدم سمرقند، ذَكَر عبدُ الملك خلافَه ونسب هدمها إلى
شمر بن إفريقيس ابن أبرهة أحد التبابعة أيضاً، كان قبل تُبَّع المذكور بكثير، قال:
إن شمر خرج نحو العراق ثم توجّه يريد الصين ودخل مدينة الصغد فهدمها،
وسميت شمركند، أي: شمر خربها، وعُرِّبت بَعْدُ، فقيل: سمرقند(٢). اهـ.
وحكاية البناء يمكن نسبتها إلى شمر هذا فإن كند في لغة أهل أذربيجان
ونواحيها - على ما قيل - بمعنى القرية، فسمرقند بمعنى قرية شمر، وهو أوفق بالبناء.
وذكر علَّامة عصره الملا أمين أفندي العمري المَوْصلي تغمَّده الله تعالى برحمته
في كتابه ((شرح ذات الشفاء)) أن تُبَّعاً الذي ذُكر سابقاً هو ابن حسان، وأنه مَلَك
الدنيا كلَّها، وأنه يقال له: الرائش؛ لأنه راش الناس بالعطاء. ولعل ما قاله قولٌ
لبعضهم، وإلا فقد قال ابن قتيبة(٣): إنه ابن كلیکرب.
وفي شرح قصيدة ابن عبدون أن الرائش لقب الحارث بن بدر أحد التبابعة،
وهو قبل أسعد المتقدِّم ذِكْره بزمان طويل جدًّا، وهو أيضاً ممن ذكر نبيَّا وَّ في
شعره فقال :
نبيَّ لا يرخِّص في الحرام
ويملك بعدهم رجلٌ عظيم
أُعمَّر بعد مَخرجه بعام(٤)
يسمى أحمداً يا ليت أني
ثم إن مُلْكَه الدنيا كلَّها غيرُ مسلَّم. وبالجملة الأخبار مضطربة في أمر التبابعة
وأحوالهم وترتيب ملوكهم، بل قال صاحب ((تواريخ الأمم)): ليس في التواريخ
أسقمُ من تاريخ ملوك حمير؛ لِمَا يذكر من كثرة عدد سنينهم مع قلّة عدد ملوكهم،
(١) مادة (تبع).
(٢) ينظر التيجان ص ٢٣٧، والمعارف ص٦٢٩ .
(٣) المعارف ص ٦٣١.
(٤) المعارف ص ٦٢٧ .

الآية : ٣٧
٤٨٣
سُوَّةُ الدّخَانِ
فإن ملوكهم ستَّة وعشرون ومدَّتهم ألفان وعشرون سنة(١).
وقال بعض: إن مدَّتهم ثلاثة آلاف واثنان وثمانون سنة، ثم ملك من بعدهم
اليمنَ الحبشةُ.
والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، والقَدْرُ المُعوَّل عليه هاهنا أن تُبَّاً المذكور هو
أسعد أبو كرب، وأنه كان مؤمناً بنبيّنَا وَ لّر، وكان على دين إبراهيم عليه السلام ولم
يكن نبيًّا، وحكاية نبوَّته عن ابن عباس ﴿ لا تصحُّ، وإخباره بمبعثه وَمول
لا يقتضيها، لأنه عَلِمَ ذلك من أحبار اليهود، وهم عرفوه من الكتب السماوية.
وما روي من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((ما أدري أكان تُبَّع نبيًّا أو غيرَ نبيٍّ)) لم
يثبت، نعم روى أبو داود والحاكم أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((ما أدري أذو القرنين
هو أم لا))(٢) وليس فيه ما يدل على التردُّد في نبوَّته وعدمها، فإن ذا القرنين ليس بنبيٍّ
على الصحيح، ثم إن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام درى بعدُ أنه ليس ذا القرنين.
وقال قوم: ليس المراد بتُبَّع هاهنا رجلاً واحداً إنما المراد ملوك اليمن. وهو
خلافُ الظاهر، والأخبار تُكذِّبهَ.
ومعنى تُبَّع: متبوع، فهو فعّل بمعنى مفعول، وقد يجيء هذا اللفظ بمعنى فاعل
كما قيل للظل: تُبَّع، لأنه يتبع الشمس، ويقال لملوك اليمن: أقيال، مِن: تَقَيَّل
فلان أباه، إذا اقتدى به؛ لأنهم يقتدى بهم، وقيل: سُمِّي ملكهم قَيْلاً لنفوذ أقواله،
وهو مُخفَّف قَيِّل كميِّت.
﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي: قبل قوم تُبَّع كعادٍ وثمود، أو قبل قريش، فهو تعميمٌ
بعد تخصيص ﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾ استئناف لبيان عاقبة أمرهم هذَّد به كفار قريش، أو حال
بإضمار ((قد)) أو بدونه من الضمير المستتر في الصلة، أو خبر عن الموصول إن
جعل مبتدأ ولم يعطف على ما قبله.
(١) وذكر ذلك ابن الوردي في تاريخه ٩٣/١.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، والذي في سنن أبي داود (٤٦٧٤)، والمستدرك ٢/ ٤٥٠ من حديث
أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً: ((ما أدري أتُبَّع لعينٌ هو أم لا، وما أدري أَعُزير نبيٌّ هو أم لا)). وفي
المستدرك: أذو القرنين، بدل: أَعُزير. وينظر ما سلف عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الكهف.

سُورَةُ الدّخَانِ
٤٨٤
الآية : ٣٨ - ٤٠
﴾ تعليلٌ لإهلاكهم، أي: أهلكناهم بسبب كونهم مجرمين
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ
فَلْيحذر كفار قريش الإهلاك لإجرامهم.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ما بين الجنسين، وهو شامل لما بين
الطبقات.
وقرأ عُبيد بن عمير: ((وما بينهن))(١) فالضمير لمجموع السماوات والأرض.
﴿لَعِينَ ﴾ أي: عابئين، وهو دليلٌ على وقوع الحشر كما مرَّ في
((الأنبياء))(٢) وغيرها.
﴿مَا خَلَقْنَهُمَا﴾ أي: وما بينهما ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ استثناءٌ مفرغ من أعمِّ الأحوال،
أي: ما خلقناهما مُلتبسين بشيء من الأشياء إلا مُلتبسين بالحق، فالجارُّ والمجرور
في موضع الحال من الفاعل، وجُوِّز أن يكون في موضع الحال من المفعول،
والباء للملابسة فيهما. وجُوِّز أن تكون للسببية، والاستثناء مُفرَّغ من أعمِّ الأسباب،
أي: ما خلقناهما بسببٍ من الأسباب إلا بسبب الحقِّ الذي هو الإيمان والطاعة
والبعث والجزاء، والملابسة أظهر.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ تذييل وتجهيل فخيمٌ لمنكري الحشر، وتوكيدٌ
لأنَّ إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئاً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
[النور: ١٥] ولهذا قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[آل عمران: ١٩١].
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ أي: فصل الحقِّ عن الباطل. والمُحقِّ عن المُبطل بالجزاء،
أو فصل الشخص عن أحبابه وذوي قرابته.
﴿مِيقَتُهُمْ﴾ وقت وعدهم ﴿أَجْمَعِينَ ﴾﴾ وقرئ: ((ميقاتَهم)) بالنصب(٣) على
أنه اسم ((إنَّ)) والخبر ((يوم الفصل))، أي: إن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم
الفصل، وليس مثل: إن حراسنا أسداً (٤).
(١) البحر المحيط ٣٩/٨.
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا بَهُمَا لَِينَ﴾ [الآية: ١٦].
(٣) الكشاف ٣/ ٥٠٥، والبحر المحيط ٣٩/٨.
(٤) قطعة من بيت سلف عند تفسير الآية (١٩٤) من سورة الأعراف.

الآية : ٤١
٤٨٥
سُورَّةُ الدُّخَّان
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِ﴾ بدل من ((يوم الفصل))، أو عطفُ بيانٍ عند مَن لا يشترط
المطابقة تعريفاً وتنكيراً. وجوِّز نصبه بأعني مقدَّراً، وأن يكون ظرفاً لِمَا دَلَّ عليه
الفصل لا له، للفصل بينه وبينه بأجنبي، وهو مصدر لا يعمل إذا فُصِل لِضَعْفه، أَوْ
له على قولِ مَن اغتفر الفصل إذا كان المعمولُ ظرفاً كابن الحاجب والرضي.
وجوَّز أبو البقاء(١) كونه صفةً لـ ((ميقاتُهم)).
وتُعُقِّب بأنه جامدٌ نكرة لإضافته للجملة، فكيف يكون صفةً للمعرفة، مع أنه
لا يصح بناؤه عند البصريين إذا أضيف إلى جملة صدرها مُعْرَبٌ، وهو المضارع؟
أي: يوم لا يجزي ﴿مَوَلَى عَن قَّوْلَى شَيْئًا﴾ من الإغناء، أي: الإجزاء، فـ ((شيئاً))
منصوب على المصدرية، ويجوز کونه مفعولاً به، و «يغني)) بمعنی يدفع وينفع. وتنكير
((شيئاً)) للتقليل. والمولى: الصاحب الذي من شأنه أن يتولَّى معونة صاحبه على أموره،
فيدخل في ذلك ابن العمِّ والحليف والعتيق والمُعتق وغيرهم، وذكر الخفاجي(٢) أنه من
الولاية، وهي التصرُّف، فيشمل كلَّ من يتصرَّف في آخر لأمرٍ ما، كقرابة وصداقة، وهو
قريب مما ذكرنا. وأيًّاما كان فليس ذلك من استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد،
ولو سلم أن هناك مشتركاً استعمل في أكثر من معنى كانت الآية دليلاً لابن الهمام عليه
الرحمة في جواز ذلك في النفي، فيقال عنده: ما رأيت عيناً، ويراد العين الباصرة وعين
الذهب وغيرها. ويعلم من نفي إغناء المولى نفي إغناء غيره من باب أولى.
﴿وَلَ هُمْ يُنُصَرُونَ ﴾﴾ الضمير عند جمع للمولى الأول - والجمع باعتبار
المعنى لأنه نكرة في سياق النفي، فهي تعمُّ - دون الثاني، لأنه أَفيدُ وأبلغُ؛ لأن
حال المولى الثاني نُصرته معلوم من نفي الإغناء السابق، ولأنه إذا لم يَنصر مَن
اسْتَنَد إليه فكيف هو؟ وأيضاً وجه جمع الضمير فيه أظهر. وجُوِّز عودُه على الثاني
للدلالة على أنه لا ينصره غير مولاه، وهو في سياق النفي أيضاً وإن لم يكن في
ذلك بمرتبة الأول. نعم قيل في وجه الجمع عليهما: إن النكرة في سياق النفي تدلُّ
على كلِّ فردٍ فردٍ فلا يرجعُ الضميرُ لها جمعاً.
(١) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٤/ ٣١١.
(٢) حاشية الشهاب ١١/٨.

سُورَةُ الدُّخَانِ
٤٨٦
الآية : ٤٢ - ٤٤
وأُجيب بأنه لا يطّرد؛ لأنها قد تحمل على المجموع بقرينةٍ عودٍ ضمير الجمع
عليها، ولعل الأولى عودُ الضمير على المولى المفهوم من النكرة المنفية.
وقال بعض: لو جعل الضمير للكفار كضمير (ميقاتهم)) كثرت الفائدة وقلَّت
المؤنة. فتأمَّل.
﴿إِلَّا مَنْ زَّحِمَ اللَّهُ﴾ في محلِّ رفع على أنه بدل من ضمير ((ينصرون))، أو في
محلِّ نصب على الاستثناء منه، أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله تعالى،
وذلك بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه.
وجوِّز كونه بدلاً أو استثناءً من ((مولى»، وفيه كما في الأول دليلٌ على ثبوت
الشفاعة، لكن الرجحان للأول لفظاً ومعنى. والاستثناء من أيٍّ كان متصلٌ، وقال
الكسائي: إنه منقطع، أي: لكنْ مَن رحمه الله تعالى فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه،
ولا إلى ناصر ينصره. ولا وجهَ له مع ظهور الاتصال، نعم إنه لا يتأتَّی علی کون
الاستثناء من الضمير وكونه راجعاً للكفار، فلا تغفل.
﴿إِنَُّ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب الذي لا يُنْصَرُ مَن أراد سبحانه تعذيبَه ﴿الرَّحِيمُ
لمن أراد أن يرحمه عز وجل.
٤٢
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
﴾ مرَّ معنى الزقوم في ((الصافات))(١)، وقرئ ((شِجْرة))
٤٣
بکسر الشین(٢).
أي: الكثير الآثام، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله
٤٤
﴿طَعَامُ الْأَثِيْمِ
وما بعده عليه، دون ما يعمّه والعاصيّ المُكثر من المعاصي، ثم إن المراد به جنس
الكافر لا واحد بعينه.
وقال ابن زيد وسعيد بن جبير: إنه هنا أبو جهل. وليس بشيء، ولا دليلَ على
ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور عن أبي مالك من أن أبا جهل كان يأتي بالتمر
والزبد فيقول: تزقَّموا، فهذا الزقُّوم الذي يَعِدُكم به محمد. فنزلت (إِنَّ شَجَرَتَ
الزَّقُومِ * طَعَامُ الْأَثِيرِ)(٣) لِمَا لا يخفى، ومثله ما قيل: إنه الوليد.
(١) عند تفسير الآية (٦٢) منها.
(٢) البحر المحيط ٣٩/٨.
(٣) الدر المنثور ٣٢/٦.

الآية : ٤٤
٤٨٧
سُورَةُ الدُّخَانِ
وأخرج أبو عُبيد في ((فضائله)) وابن الأنباري وابن المنذر عن عون(١) بن عبد الله
أن ابن مسعود أقرأ رجلاً: ((إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)) فقال الرجل: طعام
اليثيم (٢)، فردَّدها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام
الفاجر؟ قال: نعم. قال: فافعل.
وأخرج الحاكم - وصحَّحه - وجماعة عن أبي الدرداء أنه وقع له مثل ذلك،
فلما رأى الرجلَ أنه لا يفهم قال: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر(٣).
واستُدلَّ بذلك على أنَّ إبدالَ كلمةٍ مكانَ كلمةٍ جائزٌ إذا كانت مُؤدِّية معناها .
وتعقّبه القاضي أبو بكر في ((الانتصار))(٤) بأنه أراد أن يُنْبِّهه على أنه لا يريد اليتيم،
بل الفاجر فينبغي أن يقرأ (الأثيم))، وأنت تعلم أن هذا التأويل لا يكاد يتأتَّى فيما
رُوي عن ابن مسعود، فإنه كالنَّصِّ في تجويز الإبدال لذلك الرجل، وأبعدُ منه عن
التأويل ما أخرج ابنُ مردويه عن أُبيّ أنه كان يُقرئ رجلاً فارسيًّا، فكان إذا قرأ
عليه: ((إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)) قال: طعام اليتيم، فمرَّ به النبيُّ وَّله فقال:
(قل له: طعام الظُّلَّام)) فقالها، ففصح بها لسانه(٥).
وفي الباب أخبار كثيرةٌ جياد الأسانيد كخبر أحمد من حديث أبي هريرة: «أُنزل
القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيماً غفوراً رحيماً))(٦).
وكخبره من حديث أبي بَكْرةَ: ((كلّه -أي: القرآن - شافٍ كافٍ ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عذابٍ
(١) في الأصل و(م): عوف، وهو خطأ. والخبر في الدر المنثور ٣٢/٦، وفضائل القرآن
لأبي عبيد ص١٨٣، وذكره القرطبي في تفسيره ١٣٢/١٩ عن ابن الأنباري، وفي إسناد
الخبر: نعيم بن حماد، قال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً.
(٢) في مصادر التخريج: اليتيم.
(٣) الدر المنثور ٣٢/٦-٣٣، والمستدرك ٤٥١/٢، وهو أيضاً عند عبد الرزاق في المصنف
٣٦٤/٣، والطبري ٥٣/٢١-٥٤ .
(٤) ذكره عنه ابن المُنيِّر في الانتصاف (بحاشية الكشاف) ٣/ ٥٠٦.
(٥) الدر المنثور ٣٣/٦، وفيه: طعام الظالم، بدل: طعام الظلام.
(٦) مسند أحمد (٨٣٩٠).

سُورَةُ الدُّخَّانِ
٤٨٨
الآية : ٤٥
برحمة أو رحمة بعذاب))(١) نحو قولك: تعالَ وأَقبِلْ وأَسِرِع وعجّل .. إلى غير ذلك.
لكن قال الطحاوي: إنما كان ذلك رخصةً لما كان يتعسَّر على كثير منهم التلاوة بلفظ
واحد؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحِفْظ، ثم نُسِخَ بزوال العُذر وتَيَسُّر الكتابة
والحفظ. وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون، ولعله إن تحقق إبدالٌ من أحد من
الصحابة ﴿ه بعدَه عليه الصلاة والسلام يقال: إنه كان منه قبل الاطلاع على النَّسْخ.
ومتى لم يَجُزْ إبدال كلمة مكان كلمة مُؤدِّية معناها مع الاتحاد عربيةً، فعدمُ
جواز ذلك مع الاختلاف عربيةً وفارسيةً مثلاً أظهرُ، وما رُوي عن الإمام
أبي حنيفة به من أنه يرى جوازَ قراءة القرآن بالفارسية بشرط أداء المعاني على
كمالها، فقد صحَّ عنه خلافه، وقد حقَّق الشرنبلالي عليه الرحمة هذه المسألة في
رسالة مفردة بما لا مزيد عليه، وقد تقدَّم في هذا الكتاب شيء من ذلك فتذكَّر(٢).
والطعام: ما يتناول منه من الغذاء، وأصله مصدر، فلذا وقع خبراً عن المؤنَّث
ولم يُطابق، وجوّز أن يكون ذلك من باب قوله:
وعقلُ عاصي الهوى يزدادُ تنويرا(٣)
إنارةُ العقلِ مكسوفٌ بِطَوْعِ هَوَى
فكأنه قيل: إنَّ الزقوم طعامُ الأثيم.
﴿كَلَمُهْلِ﴾ عَكَر الزيت، كما رُوي عن ابن عمر ◌ًُا، وجاء في حديث رواه
الحاكم وغيره عن أبي سعيد مرفوعاً، وفيه ((فإذا قُرِّب إلى وجهه - يعني
الجهنميَّ - سقطت فروة وجهه)) (٤)، وربَّما يُؤيَّد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَآءُ
كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] مع قوله سبحانه: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةٌ كَالدِّهَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٧].
وقال بعض: عَكَر القَطِران. وفي رواية عن ابن عباس ﴿هَا: الصديد، ومنه
ما في حديث أبي بكر ظُه: ادفنوني في ثوبَيَّ هذين، فإنما هما للمُهل والتراب.
(١) مسند أحمد (٢٠٤٢٥).
(٢) ينظر ما سلف ١٢/ ١٨١ وما بعد، و٢٧٧/١٩.
(٣) خزانة الأدب ٢٢٧/٤، ولم ينسبه.
(٤) المستدرك ٥٠١/٢ .

الآية : ٤٥
٤٨٩
سُورَةُ اللّخَان
وفي رواية أخرى عنه ظبه أنه ما أُذيب من ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص،
ورُوي ذلك عن ابن مسعود. قيل: وسُمِّي ذلك مُهلاً؛ لأنه يمهل في النار حتى
يذوبَ، فهو من المُهل بمعنى السكون، وادَّعى بعضهم الاشتراك وقد جاء استعماله
في كلِّ ما سمعت.
وقرأ الحسن: ((كالمَهْل)) بفتح الميم(١)، وهو لغة فيه.
والجارُّ والمجرور أو الكاف في محلِّ رفع خبر مبتدأ محذوف، والجملة
استئنافٌ لبيان حال الطعام، أي: هو كالمُهل، أو: مثل المُهل، وقوله عز وجل:
خبر ثانٍ لذلك المبتدأ، وقيل: حال من الضمير المُستتر في
٤٥
﴿يَغْلِى فِى الْبُعُونِ
الجارِّ والمجرور، فيكون وصفاً للطعام أيضاً.
وقال أبو عُبيد: هو حال من ((المُهل))، وقيل: صفة له؛ لأن ((أل)) فيه للجنس،
نحو:
أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني(٢)
ويعتبر داخلاً في التشبيه. وأنت تعلم أن غليان الطعام في البطن فيه مبالغة،
أما التشبيه بمهل يغلي في البطن فلا .
وقيل: ((كالمهل)) أو الكاف خبر ثان لـ ((إنَّ))، وجملة ((يغلي في البطون)) حال
من الزقُّوم، أو الطعام.
وتُعقِّب بأنه مُنع مجيء الحال من المضاف إليه في غير صورٍ مخصوصةٍ لیس
هذا منها، ومُنع مجيئه من الخبر ومن المبتدأ .
وأجيب بأن هذا بناء على جواز مجيء الحال من الخبر ومن المبتدأ، والمضاف
إليه المبتدأ في حكمه، وأن ما ذكر من الصور التي يجيء الحال فيها من المضاف
إليه؛ لأن المضاف كالجزء في جواز إسقاطه، ولا يخفى أنه بناء على ضعيف.
وقيل: ((كالمهل)) خبر ثانٍ، والجملة حال من ضمير الشجرة المُستتر فيه،
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٧ .
(٢) سلف ٤٦٤/٧ و٦٢/١٣، وغيرها.

سُورَةُ الدّخَّانِ
٤٩٠
الآية : ٤٦ - ٤٧
والتذكير باعتبار كونها طعام الأثيم، أو لاكتسابها إياه مما أُضيفت إليه نظير
ما سمعت في البيت آنفاً. وهو تكلُّفٌ مستغنى عنه.
وقيل: الجملة على ذلك خبر مبتدأ محذوف هو ضمير الطعام أو الزقوم. فإن
كانت الجملة حينئذ مستأنفةً فالبحثُ هيِّن، وإن كانت حاليةً عاد ما مرَّ آنفاً،
ولا أراك تظنه هيِّئاً .
وقيل: ((كالمهل)) حال من ((طعام)) وحاله معلوم.
وبالجملة: الوجوهُ في إعراب الآية كثيرة، وأنا أَختار منها ما ذكرتُه أولاً .
وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رزين والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن
وطلحة والحسن في رواية وأكثر السبعة: ((تغلي)) بالتاء الفوقية (١)، فـ ((كالمهل)) خبر
ثان لـ (إنَّ)، وجملة ((تغلي)) خبر ثالث، واتحاد المبتدأ والخبر متكفِّل باتحاد
القراءتين معنى، فافهم ولا تغفل.
﴿كَعَلِ الْحَمِيمِ ﴾﴾ صفة مصدر محذوف، أي: غلياً كغلي الحميم، وجوِّز
أن يكون حالاً، والحميم ما هو في غاية الحرارة.
﴿خُذُوهُ﴾ على إرادة القول، والمَقولُ له الزبانية، أي: ويقال لهم: خذوه
﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ فجرُّوه بقهر. قال الراغب: العَثْلُ: الأَخْذ بمجامع الشيء وجرُّه بقهر(٢).
وبعضهم يُعبّر بالثوب بدل الشيء، وليس ذلك بلازم، والمدار على الجرِّ مع
الإمساك بعنف.
وقال الأعمش ومجاهد: معنى ((اعتلوه) اقصفوه كما يقصف الحطب، والظاهر
عليه التضمين أو تعلّق الجار بـ ((خذوه))، والمعنى الأول هو المشهور.
وقرأ زيد بن علي والحجازيان وابن عامر ويعقوب: ((فاعتُلوه)) بضمِّ التاء(٣).
(١) قرأ ابن كثير وحفص ورويس: ((يغلي) بالياء، وقرأ الباقون: ((تغلي)) بالتاء. التيسير
ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (عتل).
(٣) التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢، وقراءة زيد بن علي في البحر ٤٠/٨.

الآية : ٤٨ - ٤٩
٤٩١
سُورَةُ الدّخَانِ
ورُوي ذلك عن الحسن وقتادة والأعرج على أنه من باب قعد، وعلى قراءة
الجمهور من باب نصر، وهما لغتان.
﴿إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي: وسطه، وسُمِّي سواء لاستواء بُعدٍ جميع أطرافه
بالنسبة إليه .
كأنَّ أصله: صُبُّوا فوق رأسه
٤٨
◌َّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ اُلْحَمِيمِ
الحميمَ، ثم قيل: صبوا فوق رأسه عذاباً هو الحميم، للمبالغة بجَعْلِ العذاب عينَ
الحميم، وهو مترتّب عليه، ولجعله مصبوباً كالمحسوس، ثم أضيف العذاب إلى
الحميم للتخفيف، وزيد ((من)) للدلالة على أن المصبوبَ بعض هذا النوع، فهناك
إما تمثيلٌ أو استعارة تصريحية أو مَكْنية أو تخييلية.
، أي: ويقال - أو: قولوا - له ذلك؛
٤٩
﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
استهزاءً وتقريعاً على ما كان يزعمه.
أخرج عبد الرزاق وغيره عن قتادة قال: لما نزلت (خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ
اٌلْجَحِيمِ) قال أبو جهل: ما بين جبليها رجلٌ أعزّ ولا أكرم منِّي. فقال الله تعالى:
(ذق)) إلخ(١).
وأخرج الأموي في ((مغازيه)) عن عكرمة أن أبا جهل قال للنبيِّ ◌َّ: ما تستطيع
لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمتَ أنني أمنعُ أهلٍ بطحاء، وأنا العزيز
الكريم. فقتله الله تعالى يومَ بدر وأذلَّه وعيَّره بكلمته: ((ذق إنك أنت العزيز
(٢)
الکریم»(٢).
ورُوي أن اللعين قال يوماً: يا معشر قريش، أخبروني ما اسمي، فذكرت له
ثلاثة أسماء: عمرو والجلاس وأبو الحكم، فقال: ما أصبتم اسمي، ألا أخبركم
به؟ قالوا: بلى. قال: اسمي العزيز الكريم. فنزلت ((إن شجرة الزقوم)) الآيات(٣).
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٩/٢.
(٢) الدر المنثور ٣٣/٦.
(٣) الدر المنثور ٣٣/٦، وفيه: عمرو، بدل: عمر. وعزاه أيضاً لابن المنذر.

سُورَةُ الدُّخَانِ
٤٩٢
الآية : ٥٠ - ٥١
وهذا ونحوه لا يدلُّ أيضاً على تخصيص حكم الآية به، فكلُّ أَثيم يُدعى دعواه
كذلك يوم القيامة.
وقيل: المعنى: ذق إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم، فما أغنى ذلك
عنك، ولم يفدك شيئاً. والذوق مستعارٌ للإدراك.
وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب ◌ًا على المنبر والكسائي: ((أَنَّك)) بفتح
الهمزة(١)، على معنى: لأنك.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: العذاب أو الأمر الذي أنتم فيه ﴿مَا كُتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
تشكُّون وتُمارون فيه، وهذا ابتداء كلام منه عز وجل، أو من مقول القول، والجمع
باعتبار المعنى لِمَا سمعت أن المراد جنس الأثيم.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَارٍ﴾ في موضع قيام. والمراد بالقيام الثَّبات والملازمة كما في
قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَبِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] ويُكنى به عن الإقامة، لأن المُقيم
ملازمٌ لمكانه، وهو مراد من قال: في مقام، أي: موضع إقامة.
وقرأ عبد الله بن عمر ثيا وزيد بن عليٍّ وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن
وقتادة ونافع وابن عامر: ((مُقام)) بضمِّ الميم(٢)، ومعناه: موضع إقامة، وعلى
ما قرَّرنا ترجع القراءتان إلى معنى واحد.
﴿أَمِينِ @) يأمن صاحبه مما يكره، فهو صفةٌ من الأمن، وهو عدمُ الخوف
عما هو من شأنه، ووصف المقام به باعتبار أمنٍ مَن آمن به، فهو إسناد مجازي
كما في نهرٍ جارٍ، وظاهر كلام الزمخشري (٣) أنَّ ذلك استعارةٌ من الأمانة، كأن
المكان مؤتمن وُضِعَ عنده ما يحفظه من المكاره، ففيه استعارةٌ مكنية وتخييلية.
وقال ابن عطية(٤): فَعيل بمعنى مفعول، أي: مأمون فيه. وليس بذاك.
(١) البحر المحيط ٤٠/٨، وقراءة الكسائي في التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٠، وقراءة أبي جعفر ونافع وابن عامر في التيسير ص١٩٨، والنشر
٣٧١/٢.
(٣) في الكشاف ٣/ ٥٠٧ .
(٤) في المحرر الوجيز ٧٧/٥ .

الآية : ٥٢ - ٥٣
٤٩٣
سُورَةُ الدّخَانِ
وجُوِّز أن يكون للنسبة، أي: ذي أمن.
﴿فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾﴾ بدل من ((مقام)) بإعادة الجارِّ، أو الجارُّ والمجرور
بدل من الجارِّ والمجرور، وظرفية العيون للمجاورة، والظاهر أنه بدل اشتمال لا كلِّ
أو بعض(١). وفي ذلك دلالةٌ على نزاهة مكانهم واشتماله على ما يستلذُّ من المآكل
والمشارب.
﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حال من الضمير في الجارِّ
والمجرور، أو استئناف. والسندس، قال ثعلب: الرقيق من الديباج، والواحدة:
سندسة، والإستبرق: غليظُه. وقال الليث: هو ضربٌ من البُزْيُون يُتَّخذُ من
المِرْعزَّى، ولم يختلف أهلُ اللغة في أنهما معرَّبان، كذا ذكره بعضهم(٢).
وفي ((الكشاف))(٣): الإستبرق: ما غَلُظَ من الديباج، وهو تعريب: إستبر. قال
الخفاجي(٤): ومعنى إستبر في لغة الفرس: الغليظ، مطلقاً، ثم خُصَّ بغليظ الدِّيباج
وعُرِّب، وقيل: إنه عربي من البراقة، وأُيِّد بقراءته بوصل الهمزة، وهو كما ترى.
وذكر بعضهم أن السندس أصلُه سندي، ومعناه: منسوب إلى السِّند المكان
المعروف، لأن السندس كان يُجلب منه، فأُبدلت ياء النسبية سيناً، وقد مرَّ الكلام
في ذلك فتذكر.
ثم إن وقوع المعرَّب في القرآن العظيم لا يُنافي كونه عربيًّا مبيناً.
ونقل صاحب ((الكشف)) عن جارٍ الله أنه قال: الكلام المنظوم مرگَّب من
الحروف المبسوطة في أي لسان كان تركي أو فارسي أو عربي، ثم لا يدلُّ على أن
العربي أعجمي فكذا هاهنا. ثم قال صاحب ((الكشف)): يريد أن كون إستبر أعجميًّا
لا يلزمه أن يكون إستبرق كذلك.
(١) في (م): وبعض. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٣/٨، وهو الصواب.
(٢) كالأزهري في تهذيب اللغة ١٥٣/١٣.
(٣) ٥٠٧/٣.
(٤) حاشية الشهاب ٨/ ١٣.

سُورَةُ الدُّخَّان
٤٩٤
الآية : ٥٤
وقرأ ابن محيصن: ((واسْتَبْرقَ)) فعلاً ماضياً كما في ((البحر))(١)، والجملة حينئذ
قيل: معترضة، وقيل: حال من (سندس))، والمعنى: يلبسون من سندس وقد بَرَقَ
لصقالتهِ ومزید حُسنه.
﴿ُتَّقَِلِينَ ﴾﴾ في مجالسهم ليستأنس بعضُهم ببعض ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر
كذلك، فالكاف في محلِّ رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، والمراد تقرير ما مرَّ
وتحقيقه. ونقل عن جارٍ الله أنه قال: والمعنى فيه أنه لم يستوف الوصف، وأنه
بمثابة ما لا يُحيط به الوصف، فكأنه قيل: الأمر نحو ذلك وما أشبهه.
وأراد على ما قال المُدقّق أن الكاف مُقحم للمبالغة، وذلك مُطَّرَدٌ في عُرفي
العرب والعجم.
وجُوِّز أن يكون في محلِّ نصب على معنى: أثبناهم مثل ذلك، وقوله تعالى:
﴿وَذَكَّجْنَهُم﴾ على هذا عطف على الفعل المقدَّر، وعلى ما قبلُ على ((يلبسون))
والمراد على ما قال غير واحد: وَقَرِنَّهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ (@) وفُسِّر بذلك قيل: لأن
الجنة ليس فيها تكليفٌ فلا عقد ولا تزويج بالمعنى المشهور. وقيل: لمكان الباء،
وزوَّجه المرأة بمعنى أنكحه إيَّاها، مُتعدٍّ بنفسه. وفيه بحث فإن الأخفش(٢) جوَّز
الباء فيه فيقال: زوَّجته بامرأة فتزوَّج بها، وأَزْدُ شَنُوءة يُعَدُّونه بالباء أيضاً، وفي
((القاموس)): زوَّجته امرأة، وتزوَّجت امرأةً وبها، أو هي قليلة(٣). ويعلم مما ذكر
أن قول بعض الفقهاء: زوجته بها، خطأ لا وجه له.
ويجوز أن يقال: إن ذلك التفسير لأن الحور العين في الجنة ملكُ يمين
كالسراري في الدنيا فلا يَحتاج الأمر إلى العقد عليهنَّ، على أنه يمكن أن يكون في
الجنة عقدٌ وإن لم يكن فيها تكليف. وقد أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه
قال: ((زوجناهم): أنكحناهم(٤).
(١) البحر المحيط ٤٠/٨.
(٢) كما في حاشية الشهاب ٨/ ١٣.
(٣) القاموس المحيط (زوج).
(٤) الدر المنثور ٣٣/٦، وتفسير الطبري ٦٥/٢١.

الآية : ٥٤
٤٩٥
سُورَةُ الدُّخَانِ
ومن الناس من قال بالتكليف فيها بمعنى الأمر والنهي لكن لا يجدون في
الفعل والترك كلفة، نعم المشهور أن لا تكليف فيها، وبعض ما حرم في
الدنيا كنكاح امرأة الغير ونكاح المحارم لا يفعلونه لعدم خطوره لهم بیال أصلاً .
والحُور جمع: حوراء، وهي البيضاء كما رُوي عن ابن عباس والضحاك
وغيرهما. وقيل: الشديدة سواد العين وبياضها، وقيل: الحوراء ذات الحَوَر، وهو
سواد المُقلة كلِّها كما في الظباء، فلا يكون في الإنسان إلا مجازاً.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أن الحوراء التي يَحار فيها الطَّرْف.
والعِين جمع: عيناء، وهي عظيمة العينين.
وأكثرُ الأخبار تدلُّ على أنهنَّ لسن نساء الدنيا؛ أخرج ابن أبي حاتم والطبراني
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَلّى: ((خلق الحور العين من زعفران))(١) وأخرج
ابن مردويه والخطيب عن أنس بن مالك مرفوعاً نحوه(٢).
وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله تعالى لم يخلق الحور العين
من تراب، إنما خلقهنَّ من مِسْك وكافور وزعفران(٣).
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّه: ((حور
العين خلقهنَّ من تسبيح الملائكة عليهم السلام)»(٤)، وهذا إن صحَّ لا يُعارض ما قبله
إذ لا بدَّ عليه من أن يقال بتجسُّد المعاني، فيجوز تجسُّد التسبيح وجَعْلُه جزءاً
مما خلقن منه.
وقيل: المراد بهنَّ هنا نساء الدنيا، وهنَّ في الجنة حورٌ عين بالمعنى الذي
سمعت، بل هنَّ أجملُ من الحور العين؛ أعني النساء المخلوقات في الجنة من
(١) المعجم الأوسط (٢٩٠)، والكبير (٣٨١٣). قال في المجمع ٤١٩/١٠: وفي إسنادهما
ضعفاء.
(٢) قال المناوي في فيض القدير ٣/ ٤٢٣: فيه الحارث بن خليفة، قال الذهبي في الذيل:
مجهول.
(٣) الزهد لابن المبارك (١٥٣٧).
(٤) مسند الفردوس ١٩٢/٢، وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره ٢١١/٩. وينظر السلسلة
الضعيفة (٣٥٤٠).

سُورَةُ الدُّخَّانِ
٤٩٦
الآية : ٥٥ - ٥٦
زعفران أو غيره، ويعطى الرجل هناك ما كان له في الدنيا من الزوجات، وقد يُضَمُّ
إلى ذلك ما شاء الله تعالى من نساء مِثْنَ ولم يتزوَّجن، ومن تزوَّجت بأكثر من واحد
فهي لآخرِ أزواجها، أو لأوَّلهم إن لم يكن طلَّقها في الدنيا، أو تُخيَّر فتختار مَنْ كان
أحسنَهم خُلقاً معها. أقوال؛ صحَّح جمعٌ منها الأول، وتُعطى زوجةُ كافرٍ دخلت
الجنة لمن شاء الله تعالى، وقد ورد أن آسية امرأة فرعون تكون زوجة نبيِّنَا وَله.
وقرأ عكرمة: ((بحورٍ عين)) بالإضافة(١)، وهي على معنى ((مِن))، أي: بالحور
من العين، وفي قراءة عبد الله: ((بعيسٍ عينٍ))(٢) والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة.
﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ﴾ يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه
ولا يتخصّص شيء منها بمكان ولا زمان ﴿مَامِنِينَ ﴾﴾ من الضرر، أيَّ ضرر
كان، وهو حال من ضمير ((يدعون))، وكونه حالاً من الضمير في قوله سبحانه: ((في
جنات)) بعيد، وأبعدُ منه جعل ((يدعون)) حينئذ صفةً الحور، والنون فيه ضمير النسوة،
ووزنه: يفعلن، لِمَا فيه من ارتكاب خلافِ الظاهر مع عدم المناسبة للسياق.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اٌلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ جملةٌ مستأنفةٌ أو
حالية، وكأنه أُريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتةَ، فوضع الموتة الأولى موضعَ
ذلك، لأن الموتة الماضية مُحال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمُحال،
كأنه قيل: إن كانت الموتةُ الأُولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها، ونظيره
قول القائل لمن يستسقيه: لا أَسقيك إلا الجمر، وقد علم أن الجمر لا يُسقى، ومثله
قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾
[النساء: ٢٢] فالاستثناء متصل، والدخول فَرْضي للمبالغة، وضمير ((فيها)) للجنات.
وقيل: هو متصل، والمؤمن عند موته لمعاينة ما يُعطاه في الجنة كأنه فيها،
فكأنه ذاقَ الموتة الأولى في الجنة. وقيل: متصل، وضمير ((فيها)) للآخرة، والموت
أولُ أحوالها. ولا يخفى ما فيه من التفكيك مع ارتكاب التجوُّز.
(١) المحتسب ٢٦١/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣٧، والمحتسب ٢٦١/٢.

٠
الآية : ٥٦
٤٩٧
سُورَةُ الدُّخَانِ
وقيل: الاستثناء منقطع، والضمير للجنات، أي: لكن الموتة الأُولى قد ذاقوها
في الدنيا، والأصل اتصالُ الاستثناء.
وقال الطبري: ((إلا)) بمعنى بعد (١). والجمهور لم يُثبتوا هذا المعنى لها.
وقال ابن عطية (٢): ذهب قومٌ إلى أن ((إلا)) بمعنى سوى، وضعَّفه الطبري(٣).
وقال أبو حيان(٤): ليس تضعيفه بصحيح، بل يصح المعنى بـ ((سوى)) ويتَّسق.
وفائدة الوصف تذکیر حال الدنيا .
والداعي لِمَا سمعتَ من الأوجُهِ دفعُ سؤالٍ يُورَدُ هاهنا من أن الموتة الأُولى
مما مضى لهم في الدنيا، وما هو كذلك لا يمكن أن يذوقوه في الجنة، فكيف
استُثنيتْ؟ وقيل: إن السؤال مبنيٌّ على أن الاستثناء من النفي إثبات، فيثبت
للمستثنى الحكم المنفي عن المستثنى منه، ومحالٌ أن يثبت للموتة الأولى الماضية
الذوقُ في الجنة، وأما على قولِ مَن جَعَلَه تكلُّماً بالباقي بعد الثُّنيا، والمعنى:
لا يذوقون سوى الموتة الأولى من الموت، فلا إشكال، فتأمَّل.
وقرأ عبيد بن عمير: ((لا يُذاقون)) مبنيًّاً للمفعول(٥). وقرأ عبد الله: ((لا يذوقون
فيها طعم الموت) (٦) وجاء في الحديث: النوم، لأنه أخو الموت؛ أخرج البزار
والطبراني في ((الأوسط)) وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن جابر بن
عبد الله قال: قيل: يا رسول الله، أينام أهلُ الجنة؟ قال: ((لا النوم أخو الموت،
وأهل الجنة لا يموتون ولا ينامون))(٧).
﴿وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾﴾ وقرأ أبو حيوة: ((وَوَقَّاهم)) مشدَّد القاف(٨) على
(١) تفسير الطبري ٢١ / ٦٧ .
(٢) في المحرر الوجيز ٧٨/٥.
(٣) تفسير الطبري ٢١/ ٦٧ .
(٤) في البحر المحيط ٤٠/٨.
(٥) البحر المحيط ٤٠/٨.
(٦) القراءات الشاذة ص١٣٨ .
(٧) الدر المنثور ٣٤/٦، ومسند البزار (٣٥١٧ - زوائد)، والمعجم الأوسط (٩٢٣).
(٨) القراءات الشاذة ص ١٣٧ .

سُورَةُ اللَّخَّانِ
٤٩٨
التفسير الإشاري (١٧ - ٥٦)
المبالغة في التكثير في الوقاية؛ لأن التفعيل لزيادة المعنى لا للتعدية، لأن الفعل
متعدٍّ قبله.
﴿فَضْلًا مِّن رَّيِّكُ﴾ أي: أُعطوا كلَّ ذلك عطاء وتفضُّلاً منه تعالى، فهو نصب
على المصدرية، وجوِّز فيه أن يكون حالاً ومفعولاً له، وأيًّا ما كان ففيه إشارة إلى
نفي إيجاب أعمالهم الإثابة عليه سبحانه وتعالى.
وقرئ: ((فضلٌ» بالرفع(١)، أي: ذلك فضل.
﴿ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾ لأنه فوزٌ بالمطالب وخلاصٌ من المكاره.
﴿فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ﴾ أي: فإنما سهَّلنا القرآن ﴿ِسَانِكَ﴾ أي: بلغتك، وقيل: المعنى:
أنزلناه على لسانك بلا كتابة لكونك أُمِّيَّا، وهذا فذلكةٌ وإجمالٌ لِمَا في السورة بعد
تفصيلٍ؛ تذكيراً لِمَا سلف مشروحاً فيها، فالمعنى: ذكِّرهم بالكتاب المبين، فإنما
يسَّرناه بلسانك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: كي يفهموه ويتذكَّروا به ويعملوا
بموجبه .
﴿فَأَرْتَقِبْ﴾ أي: وإن لم يتذكَّروا فانتظر ما يحلُّ بهم، وهو تعميمٌ بعد تخصيص
بقوله تعالى: ((فارتقب يوم تأتي السماء)) إلخ ﴿إِنَّهُم ◌ُرْ تَقِبُونَ ﴾﴾ منتظرون ما يحلُّ
بك كما قالوا: ﴿نََّصَُّ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وقيل: معناه: مرتقبون ما يحلُّ
بهم تهُّماً. وقيل: هو مُشاكلة، والمعنى: إنهم صائرون للعذاب.
وفي الآية من الوعد له وَلّ ما لا يخفى.
وقيل: فيها الأمر بالمتاركة، وهو منسوخٌ بآية السيف فلا تَغْفُل.
ومن باب الإشارة في الآيات ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ
فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخر القصة من تطبيق ذلك على ما في الأنفس، وهو مما يُعلم
مما ذكرناه في باب الإشارة من هذا الكتاب غيرَ مرة فلا نُطيل به .
(١) تفسير البيضاوي ١٤/٨ .

التفسير الإشاري (١٧ -٥٦)
٤٩٩
سُورَةُ الدُّخَّانِ
وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ * مَا
◌َلَقْتَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إنه إشارة إلى الوحدة، كقوله عز وجل: ﴿سَيُرِيهِمْ ءَايَِنَا فِى
اْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّْ﴾ [فصلت: ٥٣] وأَفْصَحَ بعضُهم فقال:
الحقُّ هو عز وجل، والباء للسببية، أي: ما خلقناهما إلا بسبب أن تكون
مرايا لظهور الحقِّ جل وعلا. ومَن جَعَلَ منهم الباء للملابسة أنشد:
رقَّ الزجاجُ وراقت الخمر
فتشاكلا وتَشَابَهَ الأمرُ
وكأنما قدحٌ ولا خمرُ (١)
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ
والعبارة ضيِّقة، والأمر طور ما وراء العقل، والسكوت أسلم.
وقالوا في ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾: هي شجرة الحرص وحبِّ الدنيا، تظهر يومَ
القيامة على أسوأ حال وأخبث طعم.
وقالوا: ﴿ٌلْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ ما كان في الدنيا بقتل النفس بسيف الصدق في
الجهاد الأكبر، وهو المشار إليه بـ : موتوا قبل أن تموتوا، فمن مات ذلك الموت
حَيِيَ أبداً الحياةَ الطيبة التي لا يُمازجها شيء من ماء الألم الجسماني والروحاني،
وذلك هو الفوز العظيم، والله تعالى يقول الحق وهو سبحانه يهدي السبيل.
انتهى بعون الله تعالى الجزء الرابع والعشرون من روح المعاني
ويليه إن شاء الله الجزء الخامس والعشرون ويبدأ
بسورة الجاثية
(١) البيتان في خزانة الأدب ٤٠٤/٨، ونسبهما لأبي إسحاق الصابي.