Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٥٣
٤٠١
سُورَةُ الرَّحْزُقُ
والسلف لا يُؤَوِّلون ويقولون: الغضبُ فينا انفعالٌ نفساني، وصفاتُه سبحانه
ليست كصفاتنا بوجهٍ من الوجوه. ورُوي عن ابن عباس ◌َّما تفسيرُ الأَسَف بالحزن،
وأنه قال هنا: أي: أحزنوا أولياءَنا المؤمنين، نحوُ السحرة وبني إسرائيل.
وذكر الراغب(١) أنَّ الأسفَ: الحزن والغَضَب معاً، وقد يقال لكلٍّ منهما على
الانفراد، وحقيقته ثورانُ دم القلب شهوةَ الانتقام، فمتى كان ذلك على مَن دونه
انتشر فصار غضباً، ومتى كان على مَن فوقَه انقبضَ فصار حُزناً، ولذلك سُئل ابن
عباس عنهما فقال: مَخْرجهما واحدٌ واللفظُ مختلفٌ؛ فمن نازع من يَقوَى عليه
أظهره غيظاً وغضباً، ومَن نازعَ مَن لا يَقوَى عليه أظهره حُزناً وجزعاً، وبهذا النظر
قال الشاعر:
فحزنُ كلِّ أخي حزنٍ أخو الغَضَب(٢)
انتهى. وعلى جميع الأقوال ((آسَفَ)) منقولٌ بالهمزة من أَسِفَ.
﴿أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ®﴾ في اليَمِّ ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا﴾ قال ابن
عباس وزيد بن أسلم وقتادة: أي: مُتقدِّمين إلى النار. وقال غير واحد: قدوة
للكُفَّار الذين بعدهم يقتدون بهم في استيجاب مثلٍ عقابهم ونزوله بهم، والكلام
على الاستعارة؛ لأنَّ الخَلَف يقتدي بالسلف فلما اقتدوا بهم في الكُفر جُعلوا كأنهم
اقتدوا بهم في معلول الغضب. وهو مصدر نُعت به، ولذا يصح إطلاقُه على القليل
والكثير. وقيل: جمعُ سالف، كحارس وحَرَس، وخادِمٍ وخَدَم، وهذا يحتمل أن
يُرادَ بالجمع فيه ظاهرُه، ويحتمل أن يُرادَ به اسمُ الجمع، فإن فَعَلاً ليس من أبنية
الجُموع لِغلبته في المفردات، والمشهور في جمعه أَسلاف، وجاء سُلَّاف أيضاً.
وقرأ أبو عبد الله وأصحابه وسعيدُ بن عياض والأعمش والأعرج وطلحة وحمزة
والكسائي: ((سُلُفاً)) بضمتين(٣) جمع سَليف، كفريق لفظاً ومعنى. سمع القاسمُ بنُ
(١) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (أسف).
(٢) قائله المتنبي، وهو في ديوانه ٢٢٣/١، وصدره: جزاك ربك بالأحزان مغفرة ..
(٣) البحر المحيط ٢٣/٨، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٦٩/٢.

سُورَةُ الْقّ
٤٠٢
الآية : ٥٣
معن(١) العرب تقول: مضى سليفٌ من الناس، يعنون فريقاً منهم. وقيل: جمع
سالف(٢) كصُبُر جمع صابر، أو جمع سَلَف كخَشَب(٣).
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد والأعرج أيضاً: ((سُلَفاً)) بضمٌّ ففتح(٤)،
إما على أنه أُبدلت فيه ضمة اللام فتحةً تخفيفاً كما يقال في جُدُد - بضمِّ الدال ـ:
جُدَد، بفتحها. أو على أنه جمع سُلْفة بمعنى الأُمة والجماعة من الناس، أي:
فجعلناهم أُمةً سلفَتْ. والسُّلَف بالضم فالفتح في غير هذا: وَلدُ القَبْجِ (٥)، والجمع
سُلفان كصُردان، ويُضَمّ.
﴿وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ﴾﴾ أي: عِظةً لهم، والمراد بهم الكُفَّار بعدَهم، والجارُّ
مُتعلِّق على التنازع بـ ((سلفاً)) و((مثلاً)، ويجوز أن يرادَ بالمَثَل القصة العجيبة التي
تسيرُ مسيرَ الأمثال؛ ومعنى كونهم مَثَلاً للكُفَّار أن يقال لهم: مَثَلُكم مثلُ قومٍ
فرعون. ويجوز تعلُّق الجارِّ بالثاني، وتعميم ((الآخرين)) بحيث يشمل المؤمنين.
وكونهم قصةً عجيبة للجميع ظاهرٌ.
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ إلخ بيانٌ لِعِناد قريش بالباطل والردِّ عليهم؛ فقد
رُوي أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه قال للنبيٍّ وَّه وقد سمعه يقول: ﴿إِنَّكُمْ
وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّرَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أليست النصارى يعبدون
المسيحَ، وأنت تقول: كان نبيًّا وعبداً من عباد الله تعالى صالحاً، فإن كان في النار
فقد رضينا أن نكونَ نحن وآلهتُنا معه. فَفَرِحَ قريش وضحِكوا وارتفعَتْ أصواتُهم(٦)،
وذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ (@)﴾ فالمعنى: ولما ضَرَبَ ابنُ
الزّبعرى عيسى ابن مريم مَثَلاً وحاجَّك بعبادة النصارى إِيَّاه، إذا قومُك من ذلك
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٣٦/٣.
(٢) في (م): سلف. وهو خطأ.
(٣) في الأصل و(م): كجنب، وهو تحريف. والمثبت من زاد المسير ٣٢٣/٧، وتفسير
البيضاوي (بهامش حاشية الشهاب) ٧/ ٤٤٧، وتفسير القرطبي ٦٥/١٩.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٣٥، والمحرر الوجيز ٦٠/٥، وتفسير القرطبي ٦٥/١٩.
(٥) القبج: الحَجَل. اللسان (قبج).
(٦) سيرد بتمامه قريباً.

الآية : ٥٣
٤٠٣
ولأَجْله يرتفعُ لهم جَلَبةٌ وضجيجٌ فَرَحاً وجَدَلاً. والحُجَّة لما كانت تسير مسيرَ
الأمثال شُهرةً قيل لها: مَثَل. أو المَثَل بمعنى المِثَال، أي: جعله مقياساً وشاهداً
على إبطال قوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ آلهتَهم من حَصَب جهنم، وجعل عليه
السلام نَفْسَه مثلاً من باب: ((الحجُّ عرفة))(١).
وقرأ أبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثَّاب وابن عامر ونافع
والكسائي: ((يَصُدُّون)) بضمِّ الصاد (٢) من الصدود، ورُوي ذلك عن عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه، وأنكر ابنُ عباس ◌َّ هذه القراءة، وهو قبلَ بلوغه تواتُرُها، والمعنى
عليها: إذا قومك من أجل ذلك يُعرضون عن الحقّ بالجَدَل بحُجَّة داحضة واهية،
وقيل: المراد يَثبُتُون على ما كانوا عليه من الإعراض.
وقال الكسائي والفراء(٣): يَصِدُّون - بالكسر - ويَصُدُّون - بالضَّمِّ- لغتان بمعنى
واحد، مثل: ((يَعْرُشُون)) و((يَعْرِشُون)»، ومعناهما: يضجُّون، وجوز أن يكون يُعرضون.
﴿وَقَالُواْ﴾ تمهيداً لما بَنَوْا عليه من الباطل المُموَّه بما يغترُّ به السُّفهاء ﴿،َأَلِهَتُنَا
خَيْرُّ أَمْ هُوَّ﴾ أي: ظاهرٌ عندك أن عيسى عليه السلام خيرٌ من آلهتنا فحيث كان هو
في النار فلا بأس بكونها وإِيَّانا فيها .
وحقَّق الكوفيون الهمزتين همزة الاستفهام والهمزة الأصلية؛ وسَهَّل باقي السبعة
الثانية بَيْنَ بَيْنَ(٤).
وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر بهمزة واحدة على مثال الخبر(٥). والظاهر أنه
على حذف همزة الاستفهام.
(١) أخرجه أحمد (١٨٧٧٤)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي في المجتبى ٢٦٤/٥ من حديث
عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي.
(٢) البحر المحيط ٢٥/٨، وقراءة نافع وابن عامر والكسائي وأبي جعفر - وهي أيضاً قراءة
خلف - في التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٦٩/٢.
(٣) معاني القرآن للفراء ٣٦/٣-٣٧، وقول الكسائي في تفسير القرطبي ٦٦/١٩.
(٤) التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٦٤/١-٣٦٥.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٥/٨.

٤٠٤
الآية : ٥٩ - ٦٠
إيطالٌ لباطلهم
وقوله تعالى: ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلَ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ (@)
إجمالاً؛ اكتفاءً بما فصّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وتنبيهاً
على أنه مما لا يذهب على ذي مُسكة بُطلانه، فكيف على غيره، ولكنَّ العِنادَ يُعْمي
ويُصِمّ، أي: ما ضربوا لك ذلك إلا لأجل الجدال والخصام لا لِطَلبِ الحقّ، فإنه
في غاية البُطلان، بل هم قومٌ لُّدٌّ شِداد الخُصومة مجبولون على المَحْك، - أي:
سوء الخُلُق - واللَّجاج، فـ ((جَدَلاً)) منتصب على أنه مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر
في موضع الحال، أي: مُجادلین.
وقرأ ابن مِقْسم: ((جِدالاً)) بكسر الجيم وألفٍ بعد الدال(١).
- وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما عيسى ابن مريم ﴿إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوَّة
وروادفها، فهو مرفوعُ المنزلة عليُّ القدر، لكن ليس له من استحقاق المعبودية من
نصيب = كلامٌ حكيم مشتملٌ على ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾
[الأنبياء: ١٠١] ولكن على سبيل الرمز، وعلى فسادٍ رأي النصارى في إيثارهم عبادته
عليه السلام تعريضاً بمكان عبادة قريش غيرَه سبحانه وتعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا﴾ أي: أمراً عجيباً حقيقاً بأن يسيرَ ذِكْره كالأمثال
السائرة ﴿لِبَنِىّ إِسْرَّوِيلَ ﴾﴾ حيث خلقناه من غير أب وجعلنا له من إحياء الموتى
وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك ما لم نجعلْ لغيره في زمانه = كلامٌ أُجْمِلَ فيه
وجه الافتتان به وعليه، ووجه دلالته على قُدرة خالقه تعالى شأنه، وبُعد استحقاقه
عليه السلام عمَّا قرف به إفراطاً وتفريطاً .
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا﴾ إلخ، تذييلٌ لوجه دلالته على القُدرة، وأن
الافتتان من عدم التأمُّل، وتضمينٌ للإنكار على من اتّخذ الملائكة آلهة كما اتَّخِذَ
عيسى عليهم السلام، أي: ولو نشاء - لِقُدرتنا على عجائب الأمور وبدائع
ـُ﴾ يا رجال ﴿مَلَتِگٌ﴾ کما وَّدنا
الفَظْر - لجعلنا بطريق التوليد، ومالُه: لَوَلَّدْنا ﴿ـ
عيسى من غير أب ﴿فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض كما يَخْلُفكم
أولادُكم، أو: يكونون خَلَفاً ونسلاً لكم، ليُعْرَفَ تميُّزنا بالقدرة الباهرة، وليُعْلَم أن
(١) البحر ٨/ ٢٥.

الآية : ٦٠
٤٠٥
سُؤَةُ الرَّحْرُوَ
الملائكة ذواتٌ ممكِنةٌ تُخلق توليداً كما تُخلق إبداعاً، فمِن أين لهم استحقاقُ
الألوهية، والانتساب إليه سبحانه وتعالى بالبنوَّة؟!
وجوِّز أن يكون معنى ((لجعلنا)) إلخ: لحوَّلنا بعضَكم ملائكةً.
فـ (من)) ابتدائية أو تبعيضية، و((ملائكة)) مفعولٌ ثانٍ أو حال. وقيل: ((مِنْ)) للبدل
كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقوله:
ولم تذقْ من البقول الفُستقا(١)
أي: ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكةً يكونون مكانكم بعد إذهابكم، وإليه يُشير كلامُ
قتادة ومجاهد. والمرادُ بيان كمال قدرته تعالى لا التوعُدُ بالاستئصال - وإنْ تضمَّنه -
فإنه غيرُ ملائم للمقام. وقيل: لا مانعَ من قَصْدهما معاً، نعم كثيرٌ من النحويين لا يُثبتون
لـ (من)) معنى البدلية ويتأوَّلون ما ورد مما يوهم ذلك، والأظهر ما قُرِّر أولاً.
وذكر العلامة الطيبي عليه الرحمة أن قوله تعالى: ((إن هو إلا عبد)» إلخ، جوابٌ
عن جدل الكَفَرة في قوله سبحانه: ((إنكم وما تعبدون)) إلخ، وأن تقريره: إن جَدَلَكم
هذا باطلٌ لأنه عليه السلام ما دخل في ذلك النص الصريح؛ لأن الكلام معكم أيها
المشركون، وأنتم المخاطبون به، وإنما المراد بـ ((ما تعبدون)) الأصنام التي تُنْحِتونها
بأيديكم، وأما عيسى عليه السلام فما هو إلا عبد مكرَّم مُنْعَمٌ عليه بالنبؤَّة مرفوعُ
المنزلة والذِّكر، مشهورٌ في بني إسرائيل كالمثل السائر، فمن أين يدخل في قولنا:
(إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبُ جهنم))، ثم لا اعتراضَ علينا أنْ نجعل قوماً
أهلاً للنار وآخرين أهلاً للجنة، إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم أيها الكفرة
ملائكةً، أي: عبيداً مكرمون مهتدون، وإلى الجنة صائرون، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ
شِئْنَا لَغَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]. اهـ.
وعلى ما ذكرنا إن الكلام في إبطال قولهم (٢) قد تمَّ عند قوله تعالى: ((خَصِمون))
(١) الرجز لأبي نخيلة، واسمه يعمر بن حزن، وقبله: جارية لم تأكل المُرَقَّقا. المغني ص٤٢٢،
وشرح شواهد المغني للسيوطي ٧٣٥/٢، واللسان (فستق).
(٢) قوله: قولهم، ليس في (م).

سُورَةُ الرَّحْزُقُ
٤٠٦
الآية : ٦٠
وما بعدُ؛ لما سمعت قبلُ، وهو أدقُّ وأولى مما ذكره، بل ما أشار إليه من أن قوله
تعالى: ((ولو نشاء)) إلخ لنفي الاعتراض، ليس بشيء.
وروي أن ابن الزِّبَعْرى قال للنبيِّ وَِّ حين سمع قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) أهذا لنا ولآلهتنا أَمْ لجميع الأُمَم؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: ((هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم)) فقال: خصمتك وربّ الكعبة،
أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيراً، وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان
هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضَحِكوا، وسكتَ
رسولُ اللهِ وَلَّهِ، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١]، أو نزلت
هذه الآية(١).
وأنكر بعضُهم السكوت، وذكر أن ابن الزِّبَعْرى حين قال للنبي عليه الصلاة
والسلام: خصمتكَ. ردًّ عليه وَّهِ بقوله: ((ما أجهلك بلغة قومك، أما فهمت أن
((ما)) لما لا يَعقِل))(٢). وروى مُحيي السنة في ((المعالم)) أن ابن الزِّبَعْرى قال له عليه
الصلاة والسلام: أنت قلت: ((إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم))؟ قال:
نعم. قال: أليست اليهودُ تعبد عزيراً، والنصارى تعبدُ المسيحَ، وبنو مُليح يعبدون
الملائكة؟ فقال النبي ◌َّ: ((بل هم يعبدون الشيطان)) فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ)(٣) وهذا أثبت من الخبر الذي قبله.
وتُعقّب ما تقدم في الخبر السابق من سؤال ابن الزبعرى: أهذا لنا .. إلخ،
و قوله عليه الصلاة والسلام: «هو لكم)) إلخ = بأنه ليس بثبت.
وذكر من أثبته أنه وَ ﴿ إنما لم يُجِبْ حين سئل عن الخصوص والعموم
بالخصوص عملاً بما تقتضيه كلمة ((ما)) لأن إخراجَ المعهودين عن الحكم عند
(١) أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٩٨٦) من حديث ابن عباس چا، وعنده بدل ((أو
نزلت)»: ونزلت، وهو أشبه. وفي إسناده عاصم بن أبي النجود، وحديثه حسن. وأخرجه
الواحدي في أسباب النزول ص٣١٥ دون ذكر آية الزخرف.
(٢) قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١١١-١١٢: لا أصل له. وينظر ما سلف
١٩٦/١٧.
(٣) معالم التنزيل (وهو تفسير البغوي) ٣/ ٢٧٠.

الآية : ٦٠
٤٠٧
سُوَرَةُ الرَّحْفُ
المُحاجَّة مُوهم للرخصة في عبادتهم في الجملة، فعمَّمه عليه الصلاة والسلام للكلِّ
لكنْ لا بطريق عبارة النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك في المعبودية من
دون الله تعالى، ثم بيَّن أنهم بمعزل من أن يكونوا معبوديهم بما جاء في خبر محيي
السنة من قوله عليه الصلاة والسلام: ((بل هم يعبدون الشيطان)) كما نطق به قوله
تعالى: ﴿سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ الآية [سبأ: ٤١] وقد تقدَّم
ما ينفعك تذُّره فتذكَّر.
وفي ((الدر المنثور))(١): أخرج الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن
مردويه عن ابن عباس أن رسول الله وَّر قال لقريش: ((إنه ليس أحدٌ يُعبد من دون الله
تعالى فيه خير)). فقالوا: ألستَ تزعُم أنَّ عيسى كان نبيًّا وعبداً من عباد الله تعالى
صالحاً؛ فإنْ كنتَ صادقاً فإنه كآلهتنا، فأنزل الله سبحانه: (وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَّرْيَعَ
مَثَلًا) إلخ(٢). والكلام في الآيات على هذه الرواية يُعلم مما تقدَّم بأدنى التفات.
وقيل: إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمّ
خَلَفَهُ مِن تُّرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] قالوا: نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميًّا
ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. فالمثل ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية،
والضارب هو تعالى شأنه، أي: ولمَّا بَيَّن الله سبحانه حالَه العجيبة اتَّخذه قومك
ذريعةً إلى ترويج ما هم فيه من الباطل بأنه مع كونه مخلوقاً بشراً قد عُبِدَ، فنحن
أهدى حيث عبدنا ملائكةً مُطَّرين مُكْرَمين عليه، وهو الذي عَنَوْه بقولهم: ((أآلهتنا
خيرٌ أم هو)) فأبطل الله تعالى ذلك بأنه مُقايسة باطلٍ بباطل، وأنهم في اتِّخاذهم
العبدَ المُنعَم عليه إلهاً مُبْطِلون مثلكم في اتّخاذ الملائكة وهم عباد مُكرمون. ثم قال
سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُرُ﴾ دلالة على أن الملائكة عليهم السلام مخلوقون
مثله، وأنه سبحانه قادرٌ على أعجب من خلق عيسى عليه السلام، وأنه لا فرقَ في
ذلك بين المخلوق توالداً وإبداعاً، فلا يصلح القِسْمان للإلهية. وفي رواية عن
ابن عباس وقتادة أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية [آل عمران: ٥٩]
(١) ٦/ ١٩ - ٢٠.
(٢) مسند أحمد (٢٩١٨)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٨٤/١٠ ومعجم الطبراني الكبير (١٢٧٤٠).

سُوَّةُ الرَّحْزُقْ
٤٠٨
الآية : ٦١
قالت قريش: ما أراد محمدٌ - وَ ه ـ من ذكر عيسى عليه السلام إلا أن نعبده كما عبدت
النصارى عيسى(١). ومعنى ((يصدون)): يضجُّون ويضجرون، والضمير في ((أم هو))
لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وغرضهم بالموازنة بينه بَّ ه وبين آلهتهم الاستهزاءُ به عليه
الصلاة والسلام. وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدَّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)(٢)، ردٌّ وتكذيب لهم في
افترائهم عليه وَّ ببيانِ أن عيسى عليه السلام في الحقيقة وفيما أُوحي إلى الرسول
عليه الصلاة والسلام ليس إلا أنه عبدٌ مُنعَم عليه كما ذكر، فكيف يرضى وله
بمعبودیته؟ أو کیف یتوهّم الرضا بمعبودية نفسه؟ ثم بيَّن جل شأنه أن مثل عیسی لیس
ببدع من قدرة الله تعالى، وأنه قادر على أبدعَ منه وأبدع مع التنبيه على سقوط
الملائكة عليهم السلام أيضاً عن درجة المعبودية بقوله سبحانه: (وَلَوْ نَشَآءُ) إلخ.
وفيه أن الدلالة على ذلك المعنى غير واضحة، وكذلك رجوع الضمير إلى نبينا
عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ((أم هو)) مع رجوعه إلى عيسى في قوله
سبحانه: ((إن هو إلا عبد)) وفيه من فكِّ النظم ما يجب أن يُصان الكتاب المُعجز
عنه، ولا يكاد يقبل القول برجوع الضمير الثاني إليه وَلهة، ولعل الرواية عن الحِبْر
غير ثابتة.
وجوّز أن يكون مرادهم التنصُّل عمَّا أنكر عليهم من قولهم: الملائكة عليهم
السلام بناتُ الله سبحانه، ومن عبادتهم إياهم، كأنهم قالوا: ما قلنا بِذْعاً من القول
ولا فعلنا منكراً من الفعل، فإن النصارى جعلوا المسيحَ ابنَ الله عز وجل، فنحن
أشفّ منهم قولاً وفعلاً حيث نسبنا إليه تعالى الملائكة عليهم السلام، وهم نسبوا
إليه الأناسيَّ. وقوله تعالى: ((ولو نشاء)) إلخ عليه كما في الوجه الثاني.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: عيسى عليه السلام ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: إنه بنزوله شَرطٌ من
أشراطها، أو بحدوثه بغير أب، أو بإحيائه الموتى، دليلٌ على صحّة البعث الذي
هو معظم ما يُنكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة.
(١) الدر المنثور ٢٠/٦.
(٢) وقع في الأصل و(م) بدل قوله: ((إن هو إلا عبد ... )): ((ولو نشاء)» إلخ، وهو وهم من
المصنف رحمه الله، والمثبت من تفسير أبي السعود ٨/ ٥٢.

الآية : ٦١
٤٠٩
سُوَّةُ الرَّحْزُقْ
وأيَّاما كان فعِلْمُ الساعة مجازٌ عمَّا تُعْلَم به، والتعبير به للمبالغة.
وقرأ أبيٍّ: (لَذِكْرٌ))(١)، وهو مجاز كذلك.
وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك الغفاري وزيد بن علي وقتادة ومجاهد
والضحاك ومالك بن دينار والأعمش والكلبي، قال ابن عطية: وأبو نضرة: ((لَعَلَمٌ))
بفتح العين واللام، أي: لعلامة. وقرأ عكرمة، قال ابن خالويه: وأبو نضرة:
(لَلْعَلَم)) معرَّفاً بفتحتين(٢)، والحصر إضافي. وقيل: باعتبار أنه أعظم العلامات.
وقد نطقت الأخبار بنزوله عليه السلام؛ فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي
وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لَينزِلَنَّ ابنُ مريم
حَكماً عدلاً، فليكسرنَّ الصليب، ولَيقتلنَّ الخنزير، ولَيضعنَّ الجزية، وَتُتركنَّ
القِلاص فلا يُسعى (٣) عليها، ولتَذهبنَّ الشحناء والتباغض والتحاسد، ولَيُدْعَوَنَّ إلى
المال فلا يقبله أحدٌ)) (٤).
وفي رواية: ((وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحُمرة
والبياض ينزل بين مُمَصَّرتين، كأنَّ رأسَه يقطر وإن لم يُصبه بلل، فليقاتل الناس على
الإسلام)) وفيه: ((ويُهلك المسيح الدجال))(٥).
وفي أخرى: قال: قال رسول الله وَلجر: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم
وإمامكم منكم)) (٦)، وفي رواية: ((فأمَّكم منكم)) قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمَّكم
منكم؟ قال: تخبرني، قال: فأمَّكم بكتاب ربِّكم عز وجل وسنَّة نبيِّكم ◌ِينَ(٧).
(١) الكشاف ٣/ ٤٩٤.
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٥-١٣٦، والمحرر الوجيز ٦١/٥، والبحر المحيط ٢٦/٨.
(٣) في الأصل و(م): فلا يسقى، وهو خطأ، والمثبت من المصادر.
(٤) صحيح البخاري (٣٤٤٨)، وصحيح مسلم (١٥٥) واللفظ له، وسنن أبي داود (٤٣٢٤)،
وسنن الترمذي (٢٢٣٣)، وسنن ابن ماجه (٤٠٧٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٠٤٠٤).
(٥) هذه الرواية عند أبي داود (٤٣٢٤). وقوله: ممصرتين: هما الثوبان فيهما صُفرة خفيفة.
النهاية (صفر).
(٦) صحيح البخاري (٣٤٤٩).
(٧) صحيح مسلم (١٥٥)-(٢٤٥).

سُورَةُ الرّحْزُقّ
٤١٠
الآية : ٦١
والمشهور نزوله عليه السلام بدمشق والناس في صلاة الصبح، فيتأخّر الإمام
وهو المهدي، فيقدِّمه عيسى عليه السلام ويُصلِّ خلفه ويقول: إنما أقيمت لك.
وقيل: بل يتقدَّم هو ويؤم الناس.
والأكثرون على اقتدائه بالمهدي في تلك الصلاة دفعاً لتوهّم نزوله ناسخاً، وأما
في غيرها فيؤم هو الناس، لأنه الأفضل، والشيعة تأبى ذلك.
وفي بعض الروايات أنه عليه السلام ينزل على ثَنِيَّة يقال لها: أَفيق، بناء وقاف
بوزن أمير، وهي هنا مكان بالقدس الشريف نفسه.
ويمكث في الأرض على ما جاء في رواية عن ابن عباس أربعين سنة (١)، وفي
رواية: سبع سنين. قيل: والأربعون إنما هي مدة مُكْثه قبل الرفع وبعده، ثم يموت
ويُدفَن في الحُجرة الشريفة النبويَّة. وتمام الكلام في ((البحور الزاخرة)) للسفاريني.
وعن الحسن وقتادة وابن جبير أن ضمير ((إنه)) للقرآن؛ لِمَا أن فيه الإعلام
بالساعة، فجَعْلُه عينَ العلمِ مبالغةٌ أيضاً. وضُعِّفَ بأنه لم يجرِ للقرآن ذكرٌ هنا، مع
عدم مناسبة ذلك للسياق.
وقالت فرقة: يعود على النبي وَّر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((بعثتُ أنا
والساعة کهاتین))(٢)، وفيه من البعد ما فيه.
وكأن هؤلاء يجعلون ضمير ((أم هو)) وضمير ((إن هو)) له وَلّر أيضاً، وهو كما ترى.
﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾ فلا تشكُّنَّ في وقوعها ﴿وَأَنَّبِعُونَ﴾ أي: واتَّبعوا هداي أو
شرعي أو رسولي، وقيل: هو قول الرسول وَ لجر مأموراً من جهته عز وجل، فهو
بتقدير القول، أي: وقل: اتبعوني.
﴿هَذَا﴾ أي: الذي أدعوكم إليه، أو القرآن، على أن الضمير في ((إنه)) له.
﴿صِرَاطٌ تُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ موصل إلى الحقّ.
(١) قوله: ((يمكث في الأرض أربعين سنة)»، جاء في حديث أبي هريرة ظلبه عند أبي داود (٤٣٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث أنس ربه. وسلف عند تفسير الآية
(١٨٧) من سورة الأعراف.

الآية : ٦٢ - ٦٣
٤١١
سُؤَدَّةُ الرَّحْوَةُ
، أي: بيِّن
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَنِّ﴾ عن اتِّباعي ﴿إِنَّهُ لَكُنْ عَدُوٌّ ◌ُّبِينٌ
العداوة أو مُظهرها حيث أخرج أباكم من الجنة وعرَّضكم للبليّة.
﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ﴾ بالأمور الواضحات، وهي المُعجزات، أو آيات
الإنجيل، أو الشرائع، ولا مانع من إرادة الجميع ﴿قَالَ﴾ لبني إسرائيل: ﴿قَدْ
◌ِثْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: الإنجيل، كما قال القشيري والماوردي(١)، وقال السدي:
بالنبوّة. وفي رواية أُخرى عنه: هي قضايا يحكم بها العقل، وقال أبو حيان(٢):
أي: بما تقتضيه الحِكمة الإلهية من الشرائع. وقال الضحاك: أي: بالموعظة.
﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ متعلّق بمقدَّر، أي: وجئتكم لأُبيِّن لكم، ولم يترك العاطف
ليتعلَّق بما قبله، ليؤذن بالاهتمام بالعلَّة حيث جعلت كأنها كلامٌ برأسه. وفي
((الإرشاد))(٣): هو عطف على مقدَّر يُنبئ عنه المجيء بالحكمة، كأنه قيل: قد
جئتكم بالحِكمة لأُعلِّمكم إياها ولأُبيِّن لكم ﴿بَعْضَ الَّذِى تَّخْتَلِفُونَ فِيَّةِ﴾ وهو أمر
الديانات وما يتعلَّق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبّدوا بمعرفتها، ككيفية نضد
الأفلاك وأسباب اختلاف تشكّلات القمر مثلاً، فإن الأنبياء عليهم السلام لم يُبعثوا
لبيان ما يختلف فيه من ذلك، ومثلها ما يتعلَّق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح
الزرع وما يفسده مثلاً، فإن الأنبياء عليهم السلام لم يُبعثوا لبيانه أيضاً كما يُشير إليه
قوله وَي﴿ في قصة تأبير النخل: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم))(٤).
وجُوِّز أن يُراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلّف بها، وأُريد بالبيان البيان
على سبيل التفصيل، وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلاً، وبعضها مفوّض
للاجتهاد. وقال أبو عبيدة: المراد: بعض الذي حرّم عليهم، وقد أحلَّ عليه السلام
لهم لحومَ الإبل والشَّحمَ من كلِّ حيوان وصيدَ السمك يوم السبت(٥).
(١) النكت والعيون ٢٣٦/٥، وتفسير القرطبي ٧٣/١٩.
(٢) البحر المحيط ٢٦/٨.
(٣) تفسير أبي السعود ٥٣/٨.
(٤) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة رضيها، وفيه: بأمر، بدل: بأمور.
(٥) كذا في الأصل و(م) ولعل في الكلام سقطاً، ففي البحر المحيط ٢٦/٨ (والكلام منه): قال
أبو عبيدة: ((بعض)) بمعنى ((كل))، وردّه الناس عليه، وقال مقاتل: هو كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ
=

سُورَةُ الرَّحْرُفّ
٤١٢
الآية : ٦٤ - ٦٦
وقال مجاهد: بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة. وقال قتادة: لأبيِّن
لكم اختلاف الذين تحرَّبوا في أمره عليه السلام.
﴿فَتَّقُواْ اللّهَ﴾ من مخالفتي ﴿ وَأَطِعُونِ (٣)
﴾ فيما أُبلغه عنه تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّ وَرَبِّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ بيانٌ لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد
التوحيد والتعبُّد بالشرائع.
﴿هَذَا﴾ أي: هذا التوحيد والتعبُّد بالشرائع ﴿صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ لا يضلُّ
سالكه. وهو إما من تتمة كلام عيسى عليه السلام، أو استئنافٌ من الله تعالى مُقرِّر
لمقالة عيسى عليه السلام.
﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ الفرق المتحزِّبة ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين من بُعث إليهم
وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى، وهم أمة دعوته عليه السلام، وقيل:
المراد النصارى، وهم أمة إجابته عليه السلام، وقد اختلفوا فرقاً ملكانية ونسطورية
ويعقوبية ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من المختلفين، وهم الذين لم يقولوا: إنه عبد الله
ورسوله ﴿مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ هو يوم القيامة، و((أليم)) صفة ((عذاب))، أو
(يوم)) على الإسناد المجازي.
الضمير لقریش،
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (®
و((أن تأتيهم)) بدل من ((الساعة))، والاستثناء مفرَّغ، وجوِّز جعل ((إلا)) بمعنى ((غير)).
والاستفهام للإنكار، و((ينظرون)) بمعنى ينتظرون، أي: ما ينتظرون شيئاً إلا إتيان
الساعة فجأة وهم غافلون عنها، وفي ذلك تهكّم بهم حيث جعل إتيان الساعة
کالمنتظر الذي لا بدَّ من وقوعه.
ولما جاز اجتماع الفجأة والشعور وجب أن يقيّد ذلك بقوله سبحانه: ((وهم
لا يشعرون)» لعدم إغناء الأول عنه فلا استدراك. وقيل: يجوز أن يراد بـ ((لا يشعرون)»
الإثبات، لأن الكلام واردٌ على الإنكار، كأنه قيل: هل يزعمون أنها تأتيهم بغتة
وهم لا يشعرون، أي: لا يكون ذلك، بل تأتيهم وهم فطنون. وفيه ما فيه.
= بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] أي: في الإنجيل، لحم الإبل والشحم من كل
حيوان، وصيد السمك يوم السبت. وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٠٥.

الآية : ٦٧ - ٦٩
٤١٣
سُورَةُ الرَّحْرُون
وقيل: ضمير ((ينظرون)) للذين ظلموا. وقيل: للناس مطلقاً، وأيِّد بما أخرجه
ابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَتليفون: ((تقوم الساعة والرجلان يحلبان
النعجة، والرجلان يطويان الثوب)) ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (١).
الظرف متعلِّق
٦٧
﴿اَلْأَخِلَّهُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ
بـ ((عدو))، والفصل لا يضره، والمراد أن المَحبَّات تنقطع يوم إذ تأتيهم الساعة،
ولا يبقى إلا محبة المتقين، وهم المتصادقون في الله عز وجل؛ لِمَا أنهم يرون
ثوابَ التحابّ في الله تعالى، واعتبارُ الانقطاع لأن الخِلَّ حال كونه خِلًا محالٌ
أن يصير عدوًّا.
وقيل: المعنى: الأخلاء تنقطع خُلَّتهم ذلك اليوم إلا المجتنبين أخِلَّاءَ السوء.
والفرق بين الوجهين أن المتّقي في الأول هو المحبُّ لصاحبه في الله تعالى،
فاتقى الحبَّ أن يشوبه غرض غير إلهي. وفي الثاني هو من اتقى صحبة الأشرار.
والاستثناء فيهما متصل.
وجوِّز أن يكون ((يومئذ)) متعلقاً بـ ((الأخلاء))، والمراد به في الدنيا، ومتعلّق
((عدو)) مقدَّر، أي: في الآخرة. والآية قيل: نزلت في أَبيّ بن خلف وعقبة بن
أبي معيط.
﴾ حكاية لما ينادَى به المثَّقون
٦٨
﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَّوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
المتحابُّون في الله تعالى يومئذ، فهو بتقدير قول، أي: فيقال لهم: يا عبادي .. إلخ،
أو: فأقول لهم، بناء على أن المنادي هو الله عز وجل تشريفاً لهم.
وعن المعتمر بن سليمان: أن الناس حين يُبعثون ليس منهم أحدٌ إلا يفزع
فينادي منادٍ: ((يا عباد .. )) إلخ فيرجوها الناس كلَّهم، فيتبعها قوله تعالى ﴿الَّذِينَ
فييأس منها الكفار. فـ ((يا عباد» عامٌّ مخصوص
ءَامَنُواْ بِشَيَقِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ (®
إما بالآية السابقة وإما باللاحقة، والأول أوفق من أوجه عديدة.
(١) الدر المنثور ٢١/٦.

سُورَةُ التّخْرُفِّ
٤١٤
الآية : ٧٠ - ٧١
والموصول إما صفة للمنادَى، أو بدل، أو مفعول لمقدَّر، أي: أمدح ونحوه،
وجملة ((وكانوا مسلمين)) حال من ضمير ((آمنوا)) بتقدير ((قد)) أو بدونه، وجوِّز عطفها
على الصِّلة، ورجحت الحالية بأنَّ الكلام عليها أبلغُ، لأن المراد بالإسلام هنا
الانقياد والإخلاص ليفيد ذكره بعد الإيمان، فإذا جعل حالاً أفاد بعد تلبُّسهم به في
الماضي اتِّصاله بزمان الإيمان، و((كان)) تدلُّ على الاستمرار أيضاً، ومن هنا جاء
التأكيد والأبلغيَّة، بخلاف العطف، وكذا الحال المفردة بأن يقال: الذين آمنوا
بآياتنا مخلصين.
وقرأ غير واحد من السبعة: ((يا عبادي)) بالياء على الأصل، والحذف كثير
شائع، وبه قرأ حفص وحمزة والكسائي(١).
وقرأ ابن محيصن: ((لا خوفٌ)) بالرفع من غير تنوين، والحسن والزهري وابن
أبي إسحاق وعيسى وابن يعمر ويعقوب بفتحها من غير تنوين(٢).
﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ﴾ نساؤكم المؤمنات، فالإضافة للاختصاص التامِّ،
فيخرج من لم يؤمن منهنَّ ﴿تُحْبِرُونَ ®)﴾ تُسَرُّون سروراً يظهر حَباره، أي: أَثَره
من النُّضرة والحُسْن على وجوهكم؛ كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ التَِّيمِ﴾
[المطففين: ٢٤]. أو: تزيَّنون، من الحبر بفتح الحاء وكسرها، وهو الزينة وحُسْن
الهيئة؛ وهذا مُتَّحد بما قبله معنى، والفرق في المشتقِّ منه. وقال الزجاج: أي:
تُكرمون إكراماً يُبالغ فيه، والحَبرة - بالفتح - المبالغة في الفعل الموصوف بأنه
جميل، ومنه الإكرام، فهو في الأصل عامٌّ أُريد به بعض أفراده هنا.
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾ بعد دخولهم الجنة حيثما(٣) أمروا به ﴿بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾
كذلك، والصِّحاف جمع صَحْفة، قيل: هي كالقصعة، وقيل: أعظم أواني الأكل
الجَفْنة، ثم القصعة، ثم الصَّخْفة، ثم الكِيلة.
(١) قرأ شعبة بفتح الياء وصلاً وسكونها وقفاً، ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر ورويس
بإثباتها ساكنة في الحالين، والباقون بحذفها في الحالين. النشر ٣٧٠/٢، والبدور الزاهرة
ص٢٩١.
(٢) البحر المحيط ٢٦/٨، وقراءة يعقوب في النشر ٢١١/٢.
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ٥٤/٨: حسبما.

الآية : ٧١
٤١٥
سُوَّةُ الرَّحْزُق
والأكواب جمع كوب، وهو كوزٌ لا عروةَ له، وهذا معنى قول مجاهد: لا أُذن
له. وهو على ما رُوي عن قتادة دون الإبريق، وقال: بلغنا أنه مُدَوَّر الرأس. ولمَّا
كانت أواني المأكول أكثرَ بالنسبة لأواني المشروب عادةً جُمع الأول جمع كثرة
والثاني جمع قلَّة. وقد تضافرت الأخبار بكثرة الصِّحاف؛ أخرج ابن المبارك وابن
أبي الدنيا في ((صفة الجنة))، والطبراني في ((الأوسط)) بسند رجاله ثقات عن أنس
قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجةً لمن يقوم على
رأسه عشرةُ آلاف خادم، بيد كلِّ واحد صحفتان واحدةٌ من ذهب والأُخرى من فضة،
في كلِّ واحدة لون ليس في الأُخرى مثلُه، يأكل من آخرها مثلَ ما يأكل من أولها،
يجد لآخرها من الطيب واللذَّة مثل الذي يجد لأولها، ثم يكون ذلك كرشح المِسْك
الإذفر، لا يبولون ولا يتغوَّطون ولا يمتخطون، إخواناً على سرر متقابلين))(١).
وفي حديث رواه عكرمة: ((إن أدنى أهل الجنة منزلةً وأسفلَهم درجة لَرَجلٌ
لا يدخل بعده أحدٌ، يُفسح له في بصره مسيرةً عام في قصور من ذهب، وخيام من
لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يُغدَى عليه كلّ يوم ويُراح بسبعين ألف
صحفة، في كلِّ صحفة لون ليس في الأُخرى مثلُه، شهوته في آخرها كشهوته في
أولها، لو نزل عليه جميعُ أهل الأرض لَوسع عليهم مما أُعطي، لا ينقص ذلك
مما أُوتي شيئاً))(٢)، وروى ابن أبي شيبة هذا العدد عن كعب أيضاً(٣)، وإذا كان
ذلك للأدنى فما ظنُّك بالأعلى، رزقنا الله تعالى ما يليق بجوده وكرمه.
وأمال أبو الحارث عن الكسائي - كما ذكر ابن خالويه (٤) - ((بصحاف)).
﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ من فنون الملاذٌّ ﴿وَتَلَّذُّ
اَلْأَعْيُبُّ﴾ أي: تستلذَّ وتقَرُّ بمشاهدته، وذِكْرُ ذلك الشامل لكلِّ لذَّة ونعيم بعد ذِكْرِ
الطواف عليهم بأواني الذهب الذي هو بعضٌ من التنقُّم والترفُّه تعميمٌ بعد
(١) الدر المنثور ٢٢/٦، والزهد لابن المبارك (١٥٣٠)، والمعجم الأوسط (٧٦٧٤).
(٢) الدر المنثور ٢٢/٦، وعزاه لعبد بن حميد.
(٣) الدر المنثور ٢٢/٦.
(٤) في القراءات الشاذة ص١٣٧ .

سُورَةُ الرّحْزُقُ
٤١٦
الآية : ٧١
تخصيص، كما أن ذِكْرَ لذّة العين التي هي جاسوس النفس بعد اشتهاء النفس
تخصیص بعد تعمیم.
وقال بعض الأجِلَّة: إنَّ قولَه تعالى: (يُطَافُ عَلَِهِم بِصِحَافٍ) دلَّ على الأطعمة
(وَأَكَوَابٍ) على الأشربة، ولا يبعد أن يحمل قوله سبحانه: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ)
على المَنْكَح والمَلْبَس وما يتصل بهما ليتكامل جميع المُشتهيات النفسانية، فبقيت
اللذَّة الكبرى، وهي النظرُ إلى وجه الله تعالى الكريم، فكنى عنه بقوله عز وجل
(وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ) ولهذا قال رسول الله وَّه فيما رواه النسائي عن أنس: ((حُبِّب إليَّ
الطَّيْب والنساء، وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة))(١) وقال قيس بن ملوَّح:
كيما تكون خصيمتي في المحشر
ولقد هممتُ بقتلها من حُبِّها
وتلذَّ عيني من لذيذ المنظر(٢)
حتى يطولَ على الصراط وقوفنا
ويُوافق هذا قولَ الإمام جعفر الصادق ظُه: شتان بين ما تشتهي الأنفس وبين
ما تلذُّ الأعين، لأن جميعَ ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذُّ الأعين
كأصبع تُغمس في البحر؛ لأن شهواتِ الجنة لها حدٍّ ونهاية، لأنها مخلوقة، ولا تلذُّ
عين في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الباقي جلَّ وعزَّ، ولا حدَّ لذلك، ولا صفة
ولا نهاية. انتهى. ويُعلم مما ذكر أن المعنى على اعتبار: وفيها ما تلذُّ الأعين.
وعلى ذلك بنى الزمخشري(٣) قوله: هذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاةٌ
في القلوب أو مستلذَّة في الأعين. وتعقّبه في ((الكشف)) فقال: فيه نظرٌ، لانتقاضه
بمستلذَّات سائر المشاعر الخمس. فإن قيل: إنها من القسم الأول. قلنا: مستلذّ
العين كذلك، فالوجه أنه ذكر تعظيماً لنعيمها بأنه مما يتوافق فيه القلب والعين،
وهو الغاية عندهم في المحبوب؛ لأن العين مقدّمة القلب؛ وهذا قول بأنه ليس في
الجملة الثانية اعتبار موصول آخر، بل هي والجملة قبلها صلتان لموصول واحد
(١) سنن النسائي ٧/ ٦٢، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٢٩٣).
(٢) لم نقف على البيتين في ديوان قيس المطبوع، وأوردهما العبدلكاني في حماسة الظرفاء
ص٧٥، وذكر ابن المعتز في طبقات الشعراء ص٤٤٦ البيت الأول وعزاه للصيني.
(٣) في الكشاف ٣/ ٤٩٥ -٤٩٦.

الآية : ٧١
٤١٧
سُؤَدَّةُ الرّحْف
وهو المذكور، وما تقدَّم هو الذي يقتضيه كلام الأكثرين، وحذف الموصول في مثل
ذلك شائع، ولا مانع من إدخال النظر إلى وجهه تعالى الكريم فيما تلذّ الأعين على
ما ذكرناه أولاً .
و ((أل)) في الأنفس والأعين للاستغراق على ما قيل، ولا فرق بين جمع القِلَّة
والكثرة. ولعل من يقول بأنَّ استغراق المفرد أشملُ من استغراق الجمع، ويفرق
بين الجمعين في المبدأ والمنتهى، يقول بأن استغراق جمع القلة أشملُ من استغراق
جمع الكثرة.
وقيل: هي للعهد.
وقيل: عوض عن المضاف إليه، أي: ما تشتهيه أنفسهم وتلذُّ أعينهم.
وجمع النفس والعين الباصرة على أَفْعُل في كلامهم أكثر من جمعهما على
غيره، بل ليس في القرآن الكريم جمع الباصرة إلا على ذلك، وما أنسب هذا
الجمع هنا لمكان «الأخلاء)).
وحملُ ما تشتهيه النفس على المنكح والملبس وما يتصل بهما خلافُ الظاهر.
وفي الأخبار أيضاً ما هو ظاهر في العموم، أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن
مردويه عن بريدة قال: جاء رجل إلى النبيِ وَلّ فقال: هل في الجنة خيلٌ، فإنها
تُعجبني؟ قال: ((إنْ أحببتَ ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء فتطير بك في الجنة
حيث شئت)) فقال له رجل: إنَّ الإبر تُعجبني، فهل في الجنة من إبل؟ فقال:
((يا عبد الله، إنْ أُدخلت الجنة فلك فيها ما اشتهت(١) نفسك ولذَّت عينك))(٢).
وأخرج أيضاً نحوه عن عبد الرحمنبن سابط، وقال: هو أصحُّ من الأول(٣).
وجاء نحوه أيضاً في روايات أُخر فلا يضرُ ما قيل من ضعف إسناده.
(١) في الأصل: ما تشتهي، والمثبت من المصادر.
(٢) الدر المنثور ٢٣/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ١٠٧/١٣-١٠٨، وسنن الترمذي (٢٥٤٣)،
وهو في مسند أحمد (٢٢٩٨٢). وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٣) سنن الترمذي بعد الحديث (٢٥٤٣).

سُوَدَّةُ الرَّحْزُقُ
٤١٨
الآية : ٧١
ولا يُشكل على العموم أن اللواطة مثلاً لا تكون في الجنة؛ لأن ما لا يَليق أن
يكون فيها لا يُشتهى، بل قيل في خصوص اللواطة: إنه لا يشتهيها في الدنيا الأنفس
السليمة(١).
واختلف الناس هل يكون في الجنة حمل أم لا، فذهب بعضٌ إلى الأول؛ فقد
أخرج الإمام أحمد وهناد والدارمي وعبد بن حميد وابن ماجه وابن حبان والترمذي
وحسنه وابن المنذر والبيهقي في ((البعث)) عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا:
يا رسول الله، إن الولد من قُرَّة العين وتمام السرور، فهل يولد لأهل الجنة؟ فقال
عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه
وسِتُّه في ساعة كما يشتهي))(٢).
وذهب طاوس وإبراهيم النخعي ومجاهد وعطاء وإسحاق بن إبراهيم إلى
الثاني، فقد روي عن أبي رَزين العقيلي عن النبيِّ وَّه قال: ((إنَّ أهل الجنة لا يكون
لهم ولد»(٣)، وفي حديث لقيط الطويل - الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد (٤)
وأبو بكر بن عمرو(٥) وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم(٦) والطبراني(٧) وابن
حبان ومحمد بن إسحاق بن منده وابن مردويه وأبو نُعيم وجماعة من الحُفَّاظ،
وتلقَّاه الأئمة بالقَبول. وقال فيه ابن منده: لا يُنكر هذا الحديث إلا جاحدٌ أو جاهل
أو مخالف للكتاب والسنة - قلت: يا رسولـ، أَوَ لنا فيها - يعني الجنة - أزواج،
(١) في هامش الأصل: وقيل: إن أهل الجنة لا أد: ـ نهم. انتهى منه.
(٢) الدر المنثور ٢٣/٦، ومسند أحمد (١١٠٦٣)، والزهد لهناد (٩٣) وسنن الدارمي
(٢٨٧٦)، ومنتخب عبد بن حميد (٩٣٩)، وسنن ابن ماجه (٤٣٣٨)، وصحيح ابن حبان
(٧٤٠٤)، وسنن الترمذي (٢٥٦٣)، والبعد والنشور (٤٤٢).
(٣) سنن الترمذي بعد الحديث (٢٥٦٣).
(٤) السنة (٩٥١)، وهو في المسند (١٦٢٠٦)،، سلف ١٧١/١٦ - ١٧٢
(٥) يعني ابن أبي عاصم في كتاب السنة (٦٣٦).
(٦) الأصبهاني الحافظ، القاضي، المعروف بال،، تفسير القرآن، والسنَّة، ، غير هما؛
توفي سنة (٣٤٩هـ). السير ٦/١٦.
(٧) المعجم الكبير ١٩/ (٤٧٧).

الآية : ٧١
٤١٩
سُورَةُ الرَّحْزُقْ
أَوَ منهن مصلحات؟ قال: ((المصلحات للمصلحين تلذُّونهنَّ ويَلَذُّونكم (١) مثل
لذَّاتكم في الدنيا، غير أنْ لا تَوَالُد)).
وقال مجاهد وعطاء قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَرَةٌ) أي: مطهّرة من
الولد والحيض والغائط والبول ونحوها. وقال إسحاق بن إبراهيم في حديث
أبي سعيد السابق: إنه على معنى: ((إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حملُه
ووضعُه وسِتُّه في ساعة كما يشتهي)) ولكن لا يشتهي. وتُعقّب بأن ((إذا)) لمتحقّق
الوقوع، ولو أُريد ما ذكر لقيل: لو اشتهى. وفي ((حادي الأرواح)): إسناد حديث
أبي سعيد على شرط الصحيح، فرجاله يُحتجُّ بهم فيه، ولكنه غريب جدًّا(٢).
وقال السفاريني في ((البحور الزاخرة))(٣): حديث أبي سعيد أجودُ أسانيده إسنادُ
الترمذي، وقد حكم عليه بالغرابة، وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق
الناجي، وقد اضطرب لفظه، فتارة يروى عنه: إذا اشتهى الولد، وتارة: إنه يشتهي
الولد، وتارة: إن الرجل لَيُولد له. و((إذا)) قد تستعمل لمجرد التعليق الأعم من
المحقّق وغيره. ورجّح القول بعدم الولادة بعشرة وجوه مذكورة فيها .
وأنا أختار القول بالولادة كما نطق بها حديث أبي سعيد، وقد قال فيه الأستاذ
أبو سهل فيما نقله الحاكم(٤): إنه لا يُنكره إلا أهلُ الزيغ، وفيه غير إسناد. وليس
تكوُّن الولد على الوجه المعهود في الدنيا، بل يكون كما نطق به الحديث، ومتى
كان كذلك فلا يستبعد تكوُّنه من نسيم يخرج وقتَ الجماع، وزعمُ أن الولد إنما
يُخلق من المني، فحيث لا مني في الجنة - كما جاء في الأخبار - لا خَلْق؛ فيه
تعجيزٌ للقدرة. ولا ينافي ذلك ما في حديث لَقيط؛ لأن المراد هناك نفي التوالد
المعهود في الدنيا كما يُشير إليه وقوع ((غير أن لا توالد)» بعد قوله عليه الصلاة
(١) الأصل: تلذذونهن ويلذذنكم، والمثبت من زاد المعاد ٥٩٢/٣ (والكلام منه)، وفي مسند
أحمد: تلذونهم ويلذذن بكم، وفي السنة لابن أبي عاصم: يلذونهن ويلذونكم.
(٢) حادي الأرواح ص٣١٢.
(٣) البحور الزاخرة في علوم الآخرة لأبي العون محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي،
المتوفى سنة (١١٨٨ هـ). ذيل كشف الظنون ١/ ١٦٧ .
(٤) ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص ٣٢٠.

سُورَةُ الّزْق
٤٢٠
الآية : ٧١
والسلام: ((مثل لذاتكم في الدنيا)) ويقال نحو ذلك في حديث أبي رَزين جمعاً بين
الأخبار. ثم إن التوالد ليس على سبيل الاستمرار، بل هو تابع للاشتهاء ولا يلزم
استمراره، فالقولُ بأنه إن استمرَّ لزم وجود أشخاص لا نهاية لها، وإن انقطع لزم
انقطاع نوعٍ من لذّة أهل الجنة، ليس بشيء.
وما قيل: إنه قد ثبت في الصحيح أنه ربَّ قال: ((يبقى في الجنة فضل فينشئ اللهُ
تعالى لها خَلْقاً يُسكنهم إِيَّها))(١) ولو كان في الجنة إِيلادٌ لكان الفضلُ لأولادهم،
الملازمة فيه ممنوعة، لجواز أن يقال: من يشتهي الولد يشتهي أن يكون معه في منزله.
والقولُ بأنَّ التوالدَ في الدنيا لحكمة بقاء النوع، وهو باق في الجنة بدون
توالد، فيكون عبثاً؛ يَرِدُ عليه أنه: ما المانع من أن يكون هناك لِلَّذَّة ونحوها،
كالأكل والشرب، فإنهما في الدنيا لشيء وفي الجنة لشيء آخر؟
وبالجملة: ما ذكر لترجيح عدم الولادة من الوجوه مما لا يخفى حاله على مَن
له ذهنٌ وجیه.
وقرأ غير واحد من السبعة وغيرهم: ((ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين))(٢) بحذف
الضمير العائد على ((ما)) من الجملتين المتعاطفتين، وفي مصحف عبد الله:
(ما تشتهيه الأنفس وتلذَّه الأعين)) بالضمير فيهما(٣)، والقراءة به في الأولى(٤) دون
الثانية لأبي جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وحفص(٥).
﴿وَنْتُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنة. وقيل: في الملاذِّ المفهومة مما تقدَّم، وهو
كما ترى.
﴿خَلِدُونَ ﴾﴾ دائمون أَبَدَ الآبِدينَ، والجملة داخلةٌ في حيِّز النداء، وهي
(١) أخرجه أحمد (١٢٣٨٠)، ومسلم (٢٨٤٨) (٣٨) من حديث أنس
عنه .
(٢) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية شعبة وحمزة والكسائي، من العشرة يعقوب
وخلف. التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٧٠/٢.
(٣) البحر المحيط ٢٦/٨.
(٤) في (م): الأول.
(٥) التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٧٠/٢.