Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٥١
٣٢١
سُوَدَّةُ الشُِّورَى
فيستدعيه، وقد جاء إطلاقُ الوحي على الإلقاء في القلب في قولِ عَبيدٍ بن الأبرص:
وأَوحى إليَّ الله أنْ قد تآمروا
بإبْلِ أبي أَوفى فَقُمتُ على رجلي(١)
فإنه أراد: قَذَفَ في قلبي.
والثاني: إسماع الكلام من غير أنْ يُبصرَ السامعُ مَنْ يُكلِّمه كما كان لموسى،
وكذا الملائكة الذين كلَّمهم الله تعالى في قضية خَلْق آدم عليه السلام ونحوهم، وهو
المرادُ بقوله سبحانه: ((أو من وراء حجاب)» فإنه تمثيلٌ له سبحانه بحال المَلِك
المُتحجِّب الذي يُكلِّم بعضَ خواصِّه من وراء حجاب يسمع صوتَه ولا يرى شَخْصَه.
والثالث: إرسال المَلَك، كالغالب من حال نبيِّنا وِِّ، وهو حالُ كثير من
الأنبياء عليهم السلام، وزَعْم أنه من خصوصيات أُولي العَزْم من المرسلين غيرُ
صحيح، وهو المرادُ بقوله عز وجل: ((أو يرسل رسولاً)) أي: مَلَكاً ((فيوحي)) ذلك
الرسولُ إلى المُرسَل إليه الذي هو الرسول البَشَريُّ («بإذنه)» أي: بأمره تعالى وتيسيره
سبحانه ((ما يشاء)) أن يُوحِيَه، وهذا يدلُّ على أن المرادَ من الأول الوحي من الله
تعالى بلا واسطة؛ لأنَّ إرسالَ الرسول جعل فيه إيحاء ذلك الرسول، وبنى المعتزلي
على هذا الحصر أن الرؤيةَ غيرُ جائزة؛ لأنها لو صحَّت لصحَّ التكليم مُشافهةً، فلم
يصحّ الحصر.
وقال بعض: المراد حصرُ التكليم في الوحي بالمعنى المشهور، والتكليم من
وراء حجاب، وتكليم الرُّسل البشريِّين مع أممهم. واستُبعِدَ بأنَّ العُرف لم يظَرِدْ في
تسمية ذلك إيحاءً.
وقال القاضي: إنَّ قولَه تعالى: ((إلا وحياً)) معناه: إلا كلاماً خَفِيّاً يُدرَكُ بسرعة،
وليس في ذاته مُرَكَّباً من حروف مُقَطّعة، وهو ما يعمُّ المشافهة كما رُوي في حديث
المِعراج(٢)، وما وُعد به في حديث الرؤية. والمُهْتَفُ به كما اتَّفق لموسى عليه
(١) لم نقف عليه في ديوان عبيد بن الأبرص، وأورده الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٧٥.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذرظ له، وهو في مسند أحمد
(٢١٢٨٨) من حديث أبي بن كعب

سُوَّةُ الشُِّورَى
٣٢٢
الآية : ٥١
السلام في الطور، لكن عَظْف قوله تعالى: ((أو من وراء حجاب)) عليه يَخصُّه
بالأول(١). فالآية دليلٌ على جواز الرؤية لا على امتناعها.
وإلى الأول ذهب الزمخشري(٢)، وانتصر له صاحب ((الكشف)) عفا الله تعالى
عنه فقال: وأما نحن فنقول والله تعالى أعلم: إنَّ قوله تعالى: ((وما كان لبشر)) على
التعميم يقتضي الحصرَ بوجه لا يخصُّ التكلُّم بالأنبياء عليهم السلام ويدخلُ فيه
خطابُ مريم، وما كان لأُمِّ موسى وما يقع للمُحَدَّثين من هذه الأمة وغيرهم، فحملُ
الوحي على ما ذهب إليه الزمخشري أولى. ثم إنه يلزم القاضي أن لا يكونَ ما وقع
من وراء حجاب وحياً، لا أنه يُخصِّصه، لأنه نظيرُ قولك: ما كان لك أنْ تُنعم
إلا على المساكين وزيد، نعم يحتمل أن يكونَ زيدٌ داخلاً فيهم على نحو:
﴿وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ﴾(٣) [البقرة: ٩٨] وهذا يضرُّ القاضي لاقتضائه أن يكون
هذا القسم - أعني ما وقع من وراء حجاب - أعلى المراتب، فلا يكون الثاني هو
المشافهة، وتقدير: إلا وحياً من غير حجاب أو من وراء حجاب، خلافُ الظاهر،
وفيه فكٌّ للَّظم؛ لقوله سبحانه: ((أو يُرسل)) وهو عطفٌ على قوله تعالى: ((إلا وحياً))،
مع كونه خلافَ الظاهر. وعلى هذا يفسدُ ما بنَى عليه من حديث التنزُّل من القسم
الأعلى إلى ما دونه، ومع ذلك لا يدلُّ على عدم وقوع الرؤية فضلاً عن جوازه، بل
دلَّ على أنها لو وقعتْ لم يكن معها المكالمة، وذلك هو الصحيحُ؛ لأن الرؤية
تستدعي الفناء والبقاء به عز وجل، وهو يقتضي رَفْعَ حجاب المُخاطب المستدعي
كوناً وجوديّاً، ثم الكاملُ لتوفيته حقَّ المقامات الكُبرى يكون المحتظي منه بالشهود
في مقام البقاء المذكور، ومع ذلك لا يمنعه عن حظّه من سماع الخطاب، لأنه حظ
القلب المحجوب عن مقام الشهود، والمقصودُ أن الذي يصحُّ ذوقاً ونقلاً وعقلاً
كونُ الخطاب من وراء حجاب ألبتة، وهو صحيحٌ، لكن لا ينفع مُنكرَ الرؤية
ولا مُثبتها، وأما سؤال الترقِّي في الأقسام فالجواب عنه أن الترقِّ حاصلٌ بين الأول
(١) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٧/ ٤٢٩.
(٢) الكشاف ٣/ ٤٧٥ .
(٣) قوله: ورسله، ليس في الأصل و(م).

الآية : ٥١
٣٢٣
سُورَةُ الشُِّورَى
والثاني الذي له سُمِّي الكَليمُ كليماً، وأما الثالث، فلما كان تكليماً مجازيّاً أُخِّر عن
القسمين، ولم ينظر إلى أنه أشرفُ من القسم الأول، فإن ذلك الأمر غيرُ راجعٍ إلى
التكليم، بل لأنه مخصوصٌ بالأنبياء عليهم السلام. انتهى.
وتُعقِّب ما اعترض به على القاضي بأنه لا يَرِدُ، لأن الوحيَ بذلك المعنى
بالتخصيص المذكور والتقييد المأخوذ من التقابل صار مُغايراً لما بعدَه، وليس من
شيء من القبيلين حتى يذهب إلى الترقِّي أو التدلِّي، لأنه لا يُعطف بـ ((أو)» بل بالواو
كما لا يخفى. ولزوم أن لا يكون الواقعُ من وراء حجاب وحياً غيرُ مُسلَّم؛ لأنه إنْ
أراد أن لا يكون وحياً مطلقاً فغيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى بعدَه: ((فَيُوحي بإذنه)) قرينةٌ
على أن المرادَ بالوحي السابق وحيٌّ مخصوص كالذي بعده، وإنْ أراد أنه لا يكون
من الوحي المخصوص السابق فلا يضرُّه، لأنه عينُ ما عناه، نعم الحصرُ على ما ذهب
إليه القاضي غيرُ ظاهر إلا بعدَ ملاحظةِ أنه مخصوصٌ بما كان بالكلام، فتدبّر.
والظاهرُ أن عائشةَ ﴿ّا حملت الآيةَ على نحو ما حملها المعتزلة، أخرج
البخاري ومسلم والترمذي عنها أنها قالت: مَنْ زعم أنَّ محمداً رأى ربَّه فقد كَذَب،
ثم قرأت: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ﴾(١).
وأنت تعلم أنَّ أكثرَ العلماء على أن النبيَّ وََّ رأى ربَّه سبحانه ليلةَ الإسراء
لِكَثْرة الروايات المصرِّحة بالرؤية، نعم ليس فيها التصريح بأنها بالعين، لكن الظاهرُ
من الرؤية كونها بها. والمروي عن الأشعري وجمع من المُتكلِّمين أنه جلَّ شأنه
كلَّمه عليه الصلاة والسلام تلك الليلة بغير واسطة، ويُعزى ذلك إلى جعفر بن محمد
الباقر وابن عباس وابن مسعود ﴿ه، وهو الظاهرُ؛ للأحاديث الصِّحاح في مُرادَّة
الصلاة واستقرارِ الخمسين على الخَمْس(٢)، وغير ذلك. وعائشةُ عّْا لم تَنْفِ
الرؤية إلا اعتماداً على الاستنباط من الآيات، ولو كان معها خبرٌ لَذَكَرَتْه،
(١) صحيح البخاري (٤٨٥٥)، وصحيح مسلم (١٧٧)، وسنن الترمذي (٣٢٧٨)، وهو في مسند
أحمد (٢٤٢٢٧)، وسلف عند تفسير الآية (١٠٢) من سورة الأنعام.
(٢) ينظر حديث المعراج الذي سلف تخريجه قريباً.

سُوَّةُ الشُِّورَى
٣٢٤
الآية : ٥١
واحتجاجُها بما ذُكر من الآيات غيرُ تامٍّ، أما عدمُ تمامية احتجاحها بآية ((لا تدركه
الأبصار)) فمشهور، وأما عدمُ تمامية الاحتجاج بالآية الثانية فَلِما سمعتَ عن
صاحب ((الكشف)) قُدِّس سِرُّه.
وقال الخفاجي - بعد تقرير الاحتجاج بأنه تعالى حصرَ تكليمه سبحانه للبشر في
الثلاثة -: فإذا لم يَرَهُ جل وعلا من يُكلِّمه سبحانه في وقت الكلام لم يَرَه عز وجل
في غيره بالطريق الأولى، وإذا لم يَرَهُ تعالى هو أصلاً لم يَرَه سبحانه غيره، إذْ
لا قائل بالفصل. وقد أُجيب عنه في الأصول بأنه يحتمل أن يكون المرادُ حَصْرَ
التكليم في الدنيا في هذه الثلاثة، أو نقول: يجوز أن تقع الرؤيةُ حالَ التكليم وحياً
إذ الوحي كلامٌ بسرعة، وهولا يُنافي الرؤية (١). انتهى.
ولا يخفى عليك أن الجواب الأول لا ينفع فيما نحن بصدده إلا بالتزام أَنَّ
ما وقع لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام تلك الليلة لا يُعَدُّ تكليماً في الدنيا على ما ذكره
الشرنبلالي في ((إكرام أولي الألباب)) لأنه كان في الملكوت الأعلى، وأنه يُستفاد
من كلام صاحب ((الكشف)) منعٌ ظاهر للشرطية في وجه الاستدلال الذي قرَّره،
وبعضُهم أَجاب بأنَّ العامَّ مُخصّصٌ بغير ما دليل.
وفي ((البحر)): قيل: قالت قريش: ألا تُكلِّم الله تعالى وتنظر إليه إنْ كنتَ نبيّاً
صادقاً كما كلَّم جلَّ وعلا موسى ونظر إليه تعالى. فقال لهم الرسول وكلي: ((لم ينظُرْ
موسى عليه السلام إلى الله عز وجل)) فنزلَتْ: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ) الآية(٢). وهذا ظاهرٌ
في أن الآيةَ لم تتضمَّن التكليمَ الشِّفاهي مع الرؤية، وكذا ما فيه(٣) أيضاً: كان من
الكفار خوضٌ في تكليم الله تعالى موسى عليه السلام، فذهبت قريش واليهود في
ذلك إلى التجسيم، فنزلت، فإنَّ عدمَ تَضمُّنها ذلك أدفعُ لتوهُّم التجسيم.
وبالجملة الذي يترجَّح عندي ما قاله صاحبُ ((الكشف)) قُدِّس سِرُّه أن الآيةَ
لا تنفع مُنكر الرؤية ولا مُثبتها، وما ذُكر من سبب النزول ليس بمتيقَّن الُّبوت.
(١) حاشية الشهاب ٧/ ٤٣٠.
(٢) البحر المحيط ٥٢٦/٧، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٩٦.
(٣) يعني: في البحر المحيط ٥٢٦/٧.

الآية : ٥١
٣٢٥
سُوَّةُ الشُِّورَى
ويُفهم من كلام بعضهم أن الوحيَ كما يكون بالإلقاء في الرُّوع يكون بالخطّ؛
فقد قال النخعي: كان في الأنبياء عليهم السلام مَن يُخَظُ له في الأرض. ومعناه
اللغوي يشمل ذلك؛ فقد قال الإمام أبو عبد الله التيمي الأصبهاني(١): الوحي أصلهُ
التفهيم، وكلُّ ما فُهِمَ به شيء من الإلهام والإشارة والكَتْب فهو وحي. وقال
الراغب(٢): أصل الوحي الإشارة السريعة، ولِتضمُّن السُّرعة قيل: أمرٌ وحيٍّ، وذلك
يكون بالكلام على الرمز والتعريض، وقد يكون بصوتٍ مجرَّدٍ عن التركيب، وبإشارةٍ
ببعض الجوارح، وبالكتابة، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا
بُكْرَةٌ﴾ [مريم: ١١] فقد قيل: رَمَز، وقيل: اعتبار(٣)، وقيل: كَتَبَ، وجَعَل التسخير من
الوحي أيضاً، وحَمل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ [النحل: ٦٨].
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قُدِّسَتْ أسرارهم من الكلام في هذه الآية.
و((وحياً)) - على ما قال الزمخشري(٤) - مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال، وكذا ((أن
يُرسلَ))؛ لأنه بتأويل إرسالاً. و(من وراء حجاب)) ظرفٌ واقعٌ موقعَ الحال أيضاً،
كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] والتقدير: وما صحَّ أن يُكلِّم أحداً
في حال من الأحوال إلا مُوحياً أو مُسمعاً من وراء حجاب أو مُرسلاً. وتعقَّبه
أبو حيان(٥) فقال: وقوع المصدر حالاً لا ينقاس، فلا يجوز: جاء زيدٌ بُكاءً،
تريد: باكياً. وقاس منه المبرِّد(٦) ما كان نوعاً للفعل نحو: جاء زيدٌ مشياً، أو
سرعةً، ومنع سيبويه(٧) من وقوع ((أنْ)) مع الفعل مَوْقعَ الحال، فلا يجوز: جاء زيدٌ
أنْ يضحكَ، في معنى ضَحِكاً الواقع موقعَ ضاحكاً .
(١) محمد بن عيسى بن إبراهيم بن رزين، إمام في القراءات والنحو، صنَّف كتاب الجامع في
القراءات، وكتاباً في العدد. توفي سنة (٢٥٣هـ). طبقات القراء ٢٢٤/٢.
(٢) في مفردات ألفاظ القرآن (وحي).
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعلها محرفة من: أشار، كما في مفردات الراغب.
(٤) في الكشاف ٣/ ٤٧٥.
(٥) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٧ .
(٦) في المقتضب ٢٣٤/٣.
(٧) في الكتاب ١/ ٣٧٠.

الآية : ٥١
٣٢٦
سُوَّةُ الشُورَى
وأُجيبَ عن الأول بأنَّ القرآنَ يُقاس عليه ولا يلزم أن يُقاس على غيره، مع أنه
قد يقال: يكتفى بقياس المبرّد. وعن الثاني بأنه علّل المنع بكون المصدر(١)
الحاصل بالسّبك معرفةً، وهي لا تقع حالاً، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنه غيرُ مُطَّرد، ففي
(شرح التسهيل)): إنه قد يكون نكرةً أيضاً، ألا تراهم فسَّروا ﴿أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧]
بـ : مفترى، وقد عرض ابنُ جنِّ ذلك على أبي عليٍّ فاستحسنه(٢)، وعلى تسليم
الاطراد فالمعرفة قد تكون حالاً لكونها في معنى النكرة كـ : وحده، والاقتصار
على المنع أولى لمكان التعشُّف في هذا.
واختار غيرُ واحدٍ أن ((وحياً) بما عُطف عليه منتصبٌ بالمصدر، لأنه نوعٌ من
الكلام، أو بتقدير: إلا كلامَ وحي، و ((من وراء حجاب)) صفةُ كلام أو سماع
محذوف، وصفة المصدر تسدُّ مَسَدَّه، والإرسال نوعٌ من الكلام أيضاً بحسب
المآل، والاستثناءُ عليه مُفرَّغ من أعمِّ المصادر.
وقال الزجاج: قال سيبويه: سألت الخليلَ عن قوله تعالى: ((أو يرسل رسولاً))
بالنصب، فقال: هو محمولٌ على أنْ سِوى هذه التي في قوله تعالى: ((أن يكلمه الله))
لما يلزم منه أن يقال: ما كان لِبَشرِ أنْ يُرسِلَ الله رسولاً، وذلك غير جائز،
والمعنى: ما كان لِيَشرِ أنْ يُكلِّمه الله إلا بأنْ يُوحي أو أن يُرسل(٣). وعليه أن يقدِّر
في قوله تعالى: ((أو من وراء حجاب)» نحو: أو أن يُسمِعَ من وراء حجاب، وأيّ
داعٍ إلى ذلك مع ما سمعت؟!
واختلف في الاستثناء: هل هو متصلٌ أو منقطع؟ وأبو البقاء على الانقطاع(٤)،
وتعقَبه بعضُهم بأنَّ المُفرَّغ لا يتَّصف بذلك، والبحث شهير.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أو من وراء حُجُب)) بالجمع(٥)، وقرأ نافع وأهل المدينة:
(١) قوله: المصدر، ليس في (م).
(٢) قاله ابن جني في الخاطريات كما في حاشية الشهاب ٧/ ٤٣٠.
(٣) معاني القرآن ٤٠٣/٤، والكتاب ٤٩/٣.
(٤) الإملاء (بهامش الفتوحات الإلهية) ٢٩٦/٤.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٥٢٧ .

الآية : ٥٢
٣٢٧
سُوَرَةُ الشُِّورَى
(أو يرسلُ رسولاً فيوحي)) برفع الفعلين(١)، ووجَّهوا ذلك بأنه على إضمار مبتدأ،
أي: هو يُرسل، أو هو معطوفٌ على ((وحياً)) أو على ما يتعلَّق به ((من وراء)) بناءً
على أن تقديره: أو يسمع من وراء حجاب.
وقال العلامة الثاني(٢): إنَّ التوجيه الثاني وما بعده ظاهرٌ، وهو عطف الجملة
الفعلية الحالية على الحال المفردة، وأما إضمار المبتدأ فإنْ حُمل على هذا فتقديرُ
المبتدأ لغو، وإن أُريد أنها مستأنفة فلا يظهر ما يعطف عليه سوى ((ما كان
لبشر)) إلخ، وليس يحسن الانتظام. وتُعَقِّب بأنه يجوز أن يكونَ تقديرُ المبتدأ مع
اعتبار الحالية، بناءً على أنَّ الجملة الاسمية التي الخبرُ فيها جملةٌ فعلية تُفيد
ما لا تُفيده الفعلية الصِّرفة مما يُناسب حالَ إرسال الرسول، أو يقال: لا نُسلِّم أن
العطف على ((ما كان لبشر)) ليس يحسن الانتظام، وفيه دغدغة لا تخفى.
وفي الآية - على ما قال ابنُ عطية (٣) - دليلٌ على أنَّ من حلفَ أنْ لا يُكلِّم فلاناً
فراسَلَه حَنِثَ، لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام، ونقله الجلالُ السيوطي في
((أحكام القرآن))(٤) عن مالك، وفيه بحثٌ، والله تعالى الهادي.
﴿إِنَّهُ عَلِىّ﴾ مُتَعالٍ عن صفات المخلوقين ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ يُجري سبحانه أفعاله
على سَنَن الحِكمة، فَيُكلِّم تارةً بواسطة وأخرى بدونها؛ إما إلهاماً وإما خِطاباً، أو
إما عياناً وإما خطاباً من وراء حجاب على ما يقتضيه الاختلاف السابق في تفسير الآية.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثلَ هذا الإيحاء البديع، على أنَّ الإشارة لِمَا بعدَ ﴿أَوْحَيْنَآً
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وهو ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام، أو القرآن الذي هو
للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يُحييها حياةً أبدية، وقيل: أي: ومثلَ الإيحاء
المشهور لغيرك أوحينا إليك. وقيل: أي: ومثلَ ذلك الإيحاء المُفضَّل أوحينا
إليك، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعَتْ له الطرقُ الثلاثُ سواء فُسِّر الوحي
(١) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٨/٢.
(٢) هو السَّعد التفتازاني، وكلامه في حاشية الشهاب ٧/ ٤٣٠.
(٣) في المحرر الوجيز ٤٧/٥ .
(٤) وهو كتاب الإكليل في استنباط التنزيل ص ٢٣١.

سُورَةُ الشُِّورَى
٣٢٨
الآية : ٥٢
بالإلقاء أم بالكلام الشِّفاهي. وقد ذكر أنه عليه الصلاة والسلام قد أُلقي إليه في
المنام كما أُلقي إلى إبراهيم عليه السلام، وألقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة
على نحو إلقاء الزبور إلى داود عليه السلام. ففي ((الكبريت الأحمر)) للشعراني نقلاً
عن الباب الثاني من الفتوحات المكّية أنه وَّهِ أُعطي القرآن مُجملاً قبلَ جبريل عليه
السلام من غير تفصيل الآيات والسور.
وعن ابن عباس تفسير الروح بالنبوة.
وقال الربيع: هو جبريلُ عليه السلام، وعليه فـ ((أوحينا)) مُضمَّن معنى أرسلنا،
والمعنى: أرسلناه بالوحي إليك لأنه لا يقال: أوحى المَلَكَ، بل: أرسله.
ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ها أن المرادَ بهذا الروح مَلَكٌ
أعظمُ من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله وَّه ولم يصعدْ إلى السماء(١). وهذا
القولُ في غاية الغرابة ولعلَّه لا يَصِحُّ عن هذين الإمامين.
وتنوين ((روحاً)) للتعظيم، أي: روحاً عظيماً.
﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَنُ﴾ الظاهر أنَّ ((ما)) الأولى نافية، والثانية
استفهامية في محلِّ رفع على الابتداء، و((الكتاب)) خبر، والجملة في موضع نصب
بـ ((تدري) وجملة ((ما كنت)) إلخ حالية من ضمير ((أوحينا)) أو هي مستأنفةٌ، والمضيُّ
بالنسبة إلى زمان الوحي.
واستُشكلت الآيةُ بأن ظاهرَها يستدعي عدمَ الاتِّصاف بالإيمان قبلَ الوحي،
ولا يصحُّ ذلك؛ لأن الأنبياء عليهم السلام جميعاً قبل البعثة مؤمنون، لعصمتهم عن
الكُفر بإجماع مَنْ يُعتدُّ به. وأُجيب بعدَّة أَجوبة:
الأول: أن الإيمان هنا ليس المرادُ به التصديق المجرد، بل مجموع التصديق
والإقرار والأعمال، فإنه كما يُطلق على ذلك يطلق على هذا شرعاً، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والأعمال لا سبيل إلى درايتها
من غير سَمْع فهو مُرَّب، والمركّب ينتفي بانتفاء بعضٍ أجزائه، فلا يلزم من انتفاء
(١) مجمع البيان ٦٦/٢٥.

الآية : ٥٢
٣٢٩
سُؤَدَّةُ الشُِّورَى
الإيمان المركّب بانتفاء الأعمال انتفاءُ الإيمان بالمعنى الآخر؛ أعني التصديق وهو
الذي أجمع العلماءُ على انِّصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة، ولذا عبّر
بـ ((تدري)) دون أن يقال: لم تكن مؤمناً، وهو جوابٌ حسن، ولا يلزمه نفي الإيمان
عَمَّن لا يعمل الطَّاعاتِ، ليكون القولُ به اعتزالاً كما لا يخفى.
الثاني: أن الإيمان إنما يُعنى به التصديقُ بالله تعالى وبرسوله عليه الصلاة
والسلام دون التصديق بالله عز وجل ودون ما يدخل فيه الأعمال، والنبي ◌َّة
مخاطب بالإيمان برسالة نَفْسهِ كما أن أُمَّتِهِ وَ لّ مُخاطَبون بذلك، ولا شكَّ أنه قبل
الوحي لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أنه رسولُ الله، وما علم ذلك إلا بالوحي
فإذا كان الإيمان هو التصديقَ بالله تعالى ورسوله وَّه ولم يكن هذا المجموعُ ثابتاً
قبل الوحي، بل كان الثابت هو التصديقَ بالله تعالى خاصَّةً المُجْمَعَ على انِّصاف
الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة، استقام نفي الإيمان قبل الوحي، إلى هذا ذهب
." (١)
ابنُ المُنيِّر (١).
الثالث: أن المرادَ شرائعُ الإيمان ومَعالمه مما لا طريقَ إليه إلا السمع، وإليه
ذهب محيي السنة البغوي(٢)، وقال: إنَّ النبيَّ وَّ كان قبلَ الوحي على دين إبراهيم
عليه السلام، ولم تتبيَّن له عليه الصلاة والسلام شرائعُ دينه، ولا يخفى أنه إذا لم
يُعتبر كونُ الكلام على حذف مضاف يلزمه إطلاقُ الإيمان على الأعمال وحدَها،
وهو خلافُ المعروف.
الرابع: أن الكلامَ على تقدير مضاف، فقيل: التقدير: دعوة الإيمان، أي:
ما كنتَ تدري كيف تدعو الخَلْقَ إلى الإيمان، وإليه يُشير كلامُ أبي العالية.
وقال الحسين بن الفضل: أي: أهل الإيمان، أي: لا تدري من الذي يُؤمن،
وأنت تدري أنه لا يرتضي هذا إلا مَنْ لا يدري.
الخامس: أن المرادَ نفي دراية المجموع، أي: ما كنت تدري قبلَ الوحي
(١) في الانتصاف بهامش الكشاف ٣/ ٤٧٧.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ١٣٢.

سُوَّةُ الشُِّورَى
٣٣٠
الآية : ٥٢
مجموعَ الكتاب والإيمان، فلا يُنافي كونه ◌َ* كان يدري الإيمان وحده. ویأباه
إعادةُ ((لا)).
السادس: أن المرادَ: ما كنت تدري ذلك إذْ كنتَ في المهد، وإليه ذهب
علي بن عيسى. وهو خلافُ الظاهر.
والظاهرُ أن المرادَ استمرارُ النفي إلى زمن الوحي، وظاهرُ كلام «الكشف»
يميلُ إلى اعتبار نحو ذلك القيد، قال: لعل الأشبهَ أنَّ ((الإيمانَ)) على ظاهره،
والآية واردةٌ في معرِض الامتنان، والإيحاءُ يشمل الإلقاءَ في الرُّوع وإرسالَ
الرسول، فالإيمان عَرفَه بالأول، والكتاب بالثاني، على أن الآيةَ تدلُّ على أنه وَه
عَرَفَهما بعد أن لم يكن عارفاً، وهو كذلك، أمَّا أنه عليه الصلاة والسلام عَرَفهما
بعد الوحي فلا، فجاز أن يَعْرِفهما به، وجاز أن يعرفَ واحداً منهما معيَّناً به. وقد
دلَّ الدليلُ على أن المعرف به هو الكتاب والإيمان بعد العقل وقبل الوحي،
والتمسُّك به على أنه وَّه لم يكن مُتعبّداً بشرع مَن قبله ضعيفٌ؛ لأن عدمَ الدِّراية
لا يلزمه عدمُ التعبُّد، بل يلزمه سقوطُ الإثم إن لم يكن تقصيراً. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ المتبادرَ أنه عليه الصلاة والسلام عرفهما بعد الوحي، وأما قولُه
قُدِّس سِرُّه في تضعيف التمسُّك بذلك على أنه يَّرِ لم يكن متعبداً بشرع من قبله أن
عدمَ الدِّراية لا يلزمه عدمُ التعبد، فقد قيل عليه: إنه ساقطً؛ لأنه عليه الصلاة
والسلام إذا لم يدرِ شرعاً فكيف يتعبَّد به.
وقد يُجاب بأنَّ مرادَ المدقّق أنَّ الدرايةَ المنفيَّة الدرايةُ بمعنى العلم الجازم
الثابت المطابق للواقع، وعدمُها لا يلزمه عدمُ التعبد، إذ يكفي في التعبد بشرع من
قَبله عليه الصلاة والسلام الظنُّ الراجح ثبوتُه، فلعله كان حاصلاً له وَّهِ.
ومثلُ هذا الظنّ يكفي المتعبِّدين اليوم بشرع نبينا عليه الصلاة والسلام، فإنَّ
أكثرَ الفروع ظنيَّة، ومن يتتبّع الأخبار يعلم أن العربَ لم يزالوا على بقايا من دين
إبراهيم عليه السلام من الحجِّ والخِتان وإيقاع الطلاق والغُسل من الجنابة وتحريم
ذواتِ المحارم بالقَرابة والصّهر وغير ذلك، وأن النبي ◌َّو كان أحرص الناس على

الآية : ٥٢
٣٣١
سُؤَدَّةُ الشُِّورَى
اتّباع دين إبراهيم عليه السلام. وفي الصحيح أنه بَّ كان - أي: قبل البعثة - يتحنَّث
بغار حراء(١)، وفسّر التحنُّث بالتحثُّف، أي: اتّباع الحنيفيَّة، وهي دين إبراهيم عليه
الصلاة والسلام، والفاء تُبدل ثاء في كثير من كلامهم، وفي رواية ابن هشام في
(السير)): يتحثَّف بالفاء بدل الثاء(٢). نعم فُسِّر أيضاً بالتعبّد كما في ((صحيح
البخاري))(٣) وباتقاء الحِنْث، أي: الإثم، كالتحرُّج والتأثّم، وكل ذلك مما ذكره
الحافظ القسطلاني في ((شرح الصحيح)» (٤).
ثم إنَّ الظاهرَ أن من قال: إنه ◌َّه كان متعبداً بشرع من قبله ليس مرادُه أنه عليه
الصلاة والسلام كان متعبداً بجميع شرع مَن قبلَه، بل بما ترجَّح عنده وَِّ ثُبُوتُه.
والذي ينبغي أن يرجح كونُ ذلك من شرع إبراهيم عليه السلام لأنه من ذُرِّيته عليهما
الصلاة والسلام، وقد كُلِّفت العرب بدينه.
وقال بعضهم: إنَّ عبادته بَّهِ التفكّر والاعتبار، ولعله أيضاً مما ترجَّح عنده
عليه الصلاة والسلام كونُه من شريعته عليه السلام، وربما يقال: بما عَلِمِهِ وَّ
لا على ذلك الوجه من شرع مَن قبله أنه وَّه لم يَزلْ مُوحَى إليه، وأنه عليه الصلاة
والسلام متعبَّدٌ بما يُوحى إليه إلا أن الوحيَ السابقَ على البعثة كان إلقاءً وَنفْئاً في
الرُّوع، وما عمل بما كان من شرائع أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلا بواسطة
ذلك الإلقاء، وإذا كان بعضُ إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد أُوتي الحُكم صبيّاً
ابن سنتين أو ثلاث فهو عليه الصلاة والسلام أولى بأنْ يُوحى إليه ذلك النوع من
الإيحاء صبيّاً أيضاً، وَمَن عَلِمَ مقامه ◌َّهِ وصدَّق بأنه الحبيبُ الذي كان نبيّاً وآدم بين
الماء والطين لم يستبعد ذلك، فتأمَّل.
﴿وَلَكِنْ جَعَلْتَهُ﴾ أي: الروح الذي أوحيناه إليك، وقال ابن عطية(٥): الضّمير
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (١٦٠) من حديث عائشة .
(٢) السيرة النبوية ٢٣٥/١.
(٣) الحديث (٣) من حديث عائشة
(٤) إرشاد الساري ١/ ٦٢.
(٥) في المحرر الوجيز ٤٤/٥ .

سُؤَدَّةُ الشُِّورَى
٠
٣٣٢
التفسير الإشاري (٧-٥٣)
للكتاب. وقِيلَ: للإيمان، ورُجِّح بالقُرْب. وقِيلَ: للكتاب والإيمان، ووُحِّدَ لأنَّ
مقصدَهما واحدٌ، فهو نظير ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
﴿نُورًا﴾ عظيماً ﴿نَهْدِى ◌ِهِ، مَن نَّشَاءُ﴾ هدايَتَه ﴿مِنْ عِبَادِنَاْ﴾ وهو الذي يصرف .
اختياره نحوَ الاهتداء به. والجملة إمّا مستأنفة أو صفة ((نوراً))، وقوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَهْدِىّ﴾ تقريرٌ لهدايته، وبيانٌ لكيفيتها، ومفعول ((لتهدي)) محذوف ثقةً بغايةٍ
الظهورِ، أي: وإنك لتهدي بذلك النور مَنْ تشاءُ هدايتَه ﴿إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
هو الإسلام وسائر الشرائعِ والأحكام.
وقرأ ابنُ السميفع: ((لتُهدِي)) بضمِّ التاء وكسر الدال مِنْ أَهدى(١)، وقرأ
حوشب: (لَتُهدَى)) مبنيًّاً للمفعول، أي: ليهديك الله. وقُرِئ: ((لتدعو))(٢).
﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ بدلٌ من الأول وإضافتُهُ إلى الاسم الجليل ثُمَّ وصفُهُ بقوله تعالى:
﴿الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب
سلوكه فإنَّ كونَ جميع ما فيهما مِنَ الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومُلْكاً وتَصرُّفاً
مما يوجبُ ذلك أتمّ إيجاب.
﴿َلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾﴾ أي: أمور مَن فيهما قاطبةً لا إلى غيرهِ تعالى،
وذلك بارتفاع الوسائط يومَ القيامة، ففيه مِنَ الوعدِ للمهتدين إلى الصَّراطِ المستقيم
والوعيدِ للضَّالين عنه ما لا يخفى. وصيغة المضارع على ما قرَّرنا على ظاهرها من
الاستقبال، وقال في: ((البحر))(٣): المرادُ بها الاستمرار، كما في: زيدٌ يعطي، أي:
مِنْ شأنِهِ ذلك. والأولُ أظهرُ، والله تعالى أعلمُ.
ومما قاله أربابُ الإشارات في بعض الآيات: قال سبحانه: ﴿ِنْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى
وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قيل: يشير ذلك إلى إنذار نفسه الشريفة، لأنها أُمُّ قُرى نفوسِ آدمَ
(١) البحر المحيط ٥٢٨/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٤، ونسب قراءة: ((لتدعو)) لابن مسعود ـ
(٣) البحر المحيط ٥٢٨/٧.

التفسير الإشاري (٧-٥٣)
٣٣٣
سُوَّةُ الشُِّورَىُ
وأولاده، لأنه وَلّ أول العالمين خَلْقاً ومنه عليه الصلاة والسلام نشأت الأرواح
والنفوس، ومن هذا كان آدمُ ومَنْ دونه تحت لوائه وَّرَ، وقد أشار إلى ذلك سلطانٌ
العاشقين عمر بن الفارض بقوله على لسان الحقيقة المحمدية:
وإني وإنْ كنتُ ابنَ آدمَ صورةً فلي منه معنًى شاهدٌ بأبوَّتي(١)
وقوله سبحانه: ((ومَن حولها)) يُشير إلى نفوس أهل العالم، وقد أَنذر ◌َليّ كلّاً
حسب استعداده.
وقيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: إنه يُشير إلى
التنزيه والتشبيه، وقرَّر ذلك الشيخُ الأكبر قدِّس سرّه بما يطول.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ أَلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيح سماوات القلوب وفيها خزائنُ لطفه
تعالى ورحمته عز وجل، وأرض النفوس، وفيها خزائن قهره سبحانه وعزته جل
جلاله، فكلُّ قلب مخزنٌ لنوع من ألطافه كالمعرفة والمحبة والشوق والتوحيد
والهيبة والأنس والرِّضا إلى غير ذلك، وقد يجتمع في القلب خزائنُ، وكلُّ نفس
مخزن لنوع من آثارٍ قهره، كالنكرة والجُحود والإنكار والشرك والنفاق والحرص
والكبر والبخل والشَّرَه وغير ذلك، وقد يجتمع في النفس خزائن، وفائدةُ الإخبار
بأنَّ له سبحانه مقاليدَ ذلك قطعُ أفكار العباد عمن سواه سبحانه في جلب ما يُريدونه
ودفع ما يكرهونه.
﴿اللَّهُ يَجْتَّبِيّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يُشير إلى مقامي المجذوب
والسالك، فالمجذوب من الخواصِّ اجتباه ربُّه سبحانه في الأزل، وسلَكه في
مسلك من يُحبّهم، واصطنعه سبحانه لنفسه جل شأنه، وجذبه تعالى عن الدارين
بجذبة تُوازي عمل الثقلين، فهو في مقعد صدقٍ عند مَليكٍ مقتدر، والسالك من
العوامٌّ سلكه في سلك من يُحبونه بالتوفيق للهداية والقيام على قدمي الجهد والإنابة
إلى سبيل الرشاد من طريق العناد.
﴿وَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ﴾ يُشير إلى الذين يُجادلون في
(١) ديوان ابن الفارض ص ١٠٥.

سُوَّةُ الشُِّورَى
٣٣٤
التفسير الإشاري (٧ -٥٣)
معرفة الله تعالى بشُبَه العقل الذي استجابَ له تعالى حين دعاه فوصل إلى الحضرة،
فهو في كشف وعِيان، وأولئك من وراء ما يزعمون أنه برهان.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يُشير إلى كفار
النفوس، فإنهم شرعوا عند استيلائهم للأرواح والقلوب ما لم يرضَ به الله تعالى
من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة.
﴿اَللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ،﴾ يُشير إلى عموم لطفه تعالى، وهو أنواعٌ لا تُحصَى
ومراتبُ لا تستقصَی.
وروى السُّلَمي عن سيِّد الطائفة قدِّس سرُّه(١): اللطيف من نوَّر قلبك بالهدى،
ورَبَّى جسمَك بالغذا ويخرجك من الدنيا بالإيمان ويحرسُك من نار لظى، ويُمكِّنك
حتى تنظر وترى. هذا لطف اللطيف بالعبد الضعيف.
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ﴾ استعملوا تكاليفَ الشرع لقمع الطبع وكسر
الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وجلاء الروح في روضات الجنات في
الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة، وفي الآخرة في روضات
الجنة ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ حسب مراتبهم في القربات والوصلات
والمكاشفات ونيل الدرجات، وعلى قَدْرِ هِممهم.
﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُ عَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبٌ﴾ وهم أقاربه ◌َّر الذين خُلقوا من
عنصره الشريف وتحلَّوا بحلاه المُنيف كأئمة أهل البيت، ومودَّتهم يعود نفعها إلى
من يودُّهم لأنها سببٌ للفيض، وهم ه أبوابه، وفي قوله وَّهِ: ((أنا مدينةُ العلم
وعليّ بابها(٢)) رمزٌ إلى ذلك، فافهم الإشارة.
﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ لمزيد كرمه جلَّ شأنه، فمتى وفَّق عبداً للتوبة
قبلها جوداً وكرماً، وعن بعضهم أنه قال لبعض المشايخ: إنْ تبتُ فهل يَقْبَلُني الله
(١) هو الجنيد، وكلامه في تفسير السلمي ٢٢٧/٢ .
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٢٦/٣، وصحّح إسناده، وتعقّبه الذهبي بقوله: بل موضوع،
وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٤٥٦/٢ بعد أن ذكر طرقه: والحديث لا أصل له.

التفسير الإشاري (٧-٥٣)
٣٣٥
سُوَرَةُ الشُِّورَى
تعالى؟ فقال: إنْ يَقْبَلْكَ الله تعالى تَتُبْ إليه سبحانه. فقبولُ الله تعالى سابق على
التوبة .
﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلٍِ﴾ إشارةٌ إلى الرؤية، فإن الجِنان ونعيمها مخلوقةٌ تقع في
مقابلة مخلوق، وهو عمل العمال، والرؤية مما تتعلق بالقديم فلا تقع إلا فضلاً
ربَّانيّاً، وفي بعض الأخبار أن هذه الزيادة أن يُشفِّعهم في إخوان إخوانهم.
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾ الاستجابة للعوامِّ بالوفاء بعهده تعالى، والقيام بحقه سبحانه،
والرجوع عن مخالفته جل شأنه إلى موافقته عز وجل، وللخواصّ بالاستسلام
للأحكام الأزلية والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها، ولأخصِّ الخواصِّ من
أهل المحبة بصدق الطلب بالإعراض عن الدارين والتوجُّهِ لحضرة الجلال ببذل
الوجود في نيل الوصول والوصال.
﴿يَبُ لِمَنْ لَآءُ إِنَدْئًا وَبَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَتَأْ وَيَجْمَلُ
مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ قيل: فيه إشارة إلى أحوال المشايخ من حيث المريدون؛ فمنهم
مَنْ يهب الله تعالى له، ومنهم مَنْ لا تَصرُّفَ له في غيره بالتخريج والتسليك، وهو
أشبه شيء بالأنثى من حيث عدمُ التصرُّف، ومنهم مَنْ يَهَبُ سبحانه له مَنْ له قدرةُ
التصرف بالتخريج والتسليك، وهو أشبهُ شيء بالذكر، ومنهم مَنْ يَهَبُ له تعالى هذا
وهذا، ومنهم من يجعله جل وعلا عقيماً لا مُرید له أصلاً .
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِمَاٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ
بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمُ﴾ قال سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني في
تفسيره الآية المذكورة: اعلم أنَّ المانع من سماع كلام الحقِّ إنما هو البشرية، فإذا
ارتفع العبدُ عنها كلَّمه الله تعالى من حيث كلَّم سبحانه الأرواح المجرّدة عن
الموادِّ، والبشر ما سُمِّي بشراً إلا لمباشرته الأمور التي تعوقُه عن اللحوق بدرجة
الروح، فلما لم يلحق كلَّمه الله تعالى في الأشياء وتجلَّى سبحانه له فيها بخلاف مَنْ
لحق كالأنبياء عليهم السلام فلا يتجلَّى الحقُّ سبحانه لغيرهم إلا في حجاب
الصور، ولولا هدايته تعالى للعبد ما عرف أنه سبحانه ربُّه.

سُوَّةُ الْشُورَى
٣٣٦
التفسير الإشاري (٧-٥٣)
واعلم أنَّ الحقيقةَ تأبى أن يُكلِّمَ الله تعالى غيرَ نفسه، أو يسمع غيرَ نفسه، فلا بدَّ
إذا خاطب عبداً على قصد إسماعه أن يكونَ جميعَ قواه؛ لأنه محالٌ أن يُطيقَ
الحادثُ سماعَ كلام القديم ولم یکن الحقُّ سبحانه قوَّاه عند النجوى، ولذلك خَرَّ
موسى عليه السلام صَعِقاً إذْ لم يكن له استعدادٌ يقبل به التجلّ اللائق بمقامه،
وثبتَ نبينا وَّة، ولمَّا لم يكن للجبل درجةُ المحبة التي يكون بها الحقُّ سَمْعَ عبده
وبَصَرَه وجميعَ قواه لم يقدرْ على سماع الخطاب، فَدُّ.
واعلم أنَّ حديثَ الحقِّ سبحانه للخلق لا يزال أبداً، غيرَ أن من الناس من
يفهم أنه حديثٌ كعمر بن الخطاب ◌َّهُ ومَنْ ورثه من الأولياء، ومنهم من
لا يعرف ذلك ويقول: ظهر لي كذا وكذا، ولا يعرف أن ذلك من حديث الحقِّ
سبحانه معه، وكان شيخنا يقول: كان عمرُ من أهل السماع المُطلق الذي
يُحدِّثهم الله تعالى في كلِّ شيء، ولكن له ألقاب، وهو أنه إن أجابوه به تعالى
فهو حديثٌ، وإن أجابوه بهم فهي محادثة، وإن سمعوا حديثه سبحانه فليس
بحديث في حقِّهم، وإنما هو خطاب أو كلام، وقد ورد في المتهجِّدين أنهم أهل
المسامرة، فقد علمت أنَّ الوحي ما يُلقيه الله تعالى في قلوب خواصِ عباده على
جهة الحدیث، فیحصل لهم من ذلك علمٌ بأمرٍ ما، فإن لم یکن کذلك فليس
بوحي أو خطاب، فإن بعضَ الناس يجدون في قلوبهم علماً بأمرٍ ما مثل العلوم
الضرورية عند الناس، فهو علم صحيحٌ، لكن ليس صادراً عن خطاب، وكلامنا
إنما هو في الخطاب الإلهي المُسمَّى وحياً، فإنَّ الله تعالى جعل هذا الصنف من
الوحي كلاماً يستفيد به العلم مَن جاء له.
واعلم أنه لا ينزل على قلوب الأولياء من وحي الإلهام إلا دقائقُ ممتدَّة من
الأرواح الملكية لا نفس الملائكة، لأنَّ الملك لا ينزل بوحي على غير نبيِّ أصلاً،
ولا يأمر بأمر إلهي قطعاً؛ لأن الشريعة قد استقرَّت فلم يبقَ إلا وحي المُبشِّرات،
وهو الوحي الأعمُّ، ويكون من الحق إلى العبد من غير واسطة، ويكون أيضاً
بواسطة، والنبوَّة من شأنها الواسطة، فلا بَّد من واسطة المَلك فيها، لكن الملك
لا يكون حال إلقائه ظاهراً بخلاف الأنبياء عليهم السلام، فإنهم يرون المَلَكَ حال

التفسير الإشاري (٧ -٥٣)
٣٣٧
سُوَّةُ الشُِّورَى
الكلام، والوليُّ لا يشهد المَلكَ إلا في غير حال الإلقاء، فإنْ سمع كلامه لم يَرَهُ،
وإن رآه لا يكلِّمه، فالعارفون لا ينالون ما فاتهم من النبوّة مع بقاء المُبشِّرات عليهم
إلا أن الناس يتفاضلون، فمنهم من لا يبرح في بشارة الواسطة، ومنهم من يرتفع
عنها كالأفراد، فإنَّ لهم المبشرات بارتفاع الوسائط وما لهم النبوات، ولهذا يُنكر
عليهم الأحكام لأنهم ضاهوا الأنبياء من حيث كونهم يعملون بما يرونه من تعريفات
الحقِّ لهم كأنه شريعةٌ مستقلة في الظاهر، وليس ذلك بشريعة إنما هو بيانٌ لها،
فالمنقطع إنما هو وحي التشريع لا غير، أما التعريف لأمور مجملة في السنَّة فهو
باقٍ لهذه الأمة ليكونوا على بصيرة فيما يدعون الناس إليه، لأنه خبرٌ إلهي، وإخبار
من الله تعالى للعبد على يد ملك مغيَّب على هذا المُلهم، ولا يكون الإلهام إلا في
الخير.
و ((ألهمها فجورها)) على معنى إلهامها إيَّه لِتجتنبه كما أنَّ إلهامها تقواها لتعمل
بها. وأكملُ الإلهام أن يلهم اتباع الشرع والنظر في الكتب الإلهية، ويقف عند
حدودها وأوامرها حتى يزولَ صدأ طبيعته وتنتقش فيها صورُ العالم.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ فهو خطابٌ إلهيٌ يُلقيه على السمع
لا على القلب، فيدركه من أُلقيَ إليه، فيفهم منه ما قَصَدَه مَنْ يُسمعه ذلك. وقد
يحصل له ذلك في صورة التجلِّي، فتخاطبه تلك الصورة، وهي عين الحجاب،
فيفهم من ذلك الخطاب علم ما يدلُّ عليه، ويعلم أن ذلك حجابٌ، وأن المتكلّم
منْ وراء ذلك الحجاب، وكل من أدرك صورة التجلِّي الإلهي يعلم أن ذلك هو اللهُ
تعالى، فما يزيدُ صاحبُ هذا الحال على غيره إلا بمعرفته أنَّ المخاطِبَ له منْ وراء
الحجاب.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فهو ما ينزل به الملك أو ما يجيء به
الرسول البشريُّ إلينا إذا نقلا كلام الله تعالى خاصة كالتالين، فإنْ نقلا علماً وجداه
في أنفسهما وأفصحا عنه، فذلك ليس بكلام إلهي، ومن الأولياء من يعطي الترجمة
عن الله سبحانه في حال الإلقاء والوحي الخاصّ بكل إنسان، فيكون المترجم
مُوجداً لصور الحروف اللفظية أو المرقومة، ويكون روحُ تلك الصور كلامَ الله

سُورَةُ الشِّوَى
٣٣٨
التفسير الإشاري (٧-٥٣)
عز وجل لا غير، وقد يقول الولي: حدثني قلبي عن ربِّي، يعني به من الوجه
الخاصّ.
فاعلم ذلك، وتأمَّل ما قرَّرته لك فإنه نفيس، والله تعالى يتولَّى هداك. وله قدس
سرُّه كلامٌ كثير في هذا المقام تركناه خوف الإطالة، ولعل فيما ذكرناه كفاية لذوي
الأفهام.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وهو ما به الحياة الطيبة الأبدية ﴿مَا كُنُتَ تَدْرِى
مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ﴾ قبل الإيحاء. قيل: أشير بهذا الإيحاء إلى الإيحاء في هذه
النشأة، وكان له وَّرَ في كلِّ حال من أحواله فيها نوعٌ من الوحي والدراية المنفية،
إذ كان عليه الصلاة والسلام في كينونته قبل إخراجه منها بتجلي كينونته عز وجل،
وإلا فهو ◌َّه نبيٌّ ولا آدم ولا ماء ولا طين، ولا يعقل نبيٌّ بدون إيحاء.
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو التوحيد السليم من زوايا الأغيار ويُشير
إلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ .
تمت السورة بتوفيق الله عز وجل، والصلاة والسلام على أوَّل نورٍ أشرق من
شمس الأزل وبَهَا، والحمد لله تعالى.

سُورَةُ الرّحْرُوُ
مكية كما رُوي عن ابن عباس، وحكى ابنُ عطية (١) إجماعَ أهل العلم على ذلك
ولم يَنقل استثناءً، وقال مقاتل: إلا قوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
زُسُلِنَا﴾ [الآية: ٤٥] فإنها نزلت ببيت المقدس. كذا في ((مجمع البيان))(٢)، وفي
(الإتقان))(٣): قيل: نزلت بالسماء، وقيل: بالمدينة.
وعدد آيها ثمان وثمانون في الشامي، وتسع وثمانون في غيره. ووجه مناسبة
مُفتتحها لمختتم ما قبلها ظاهرٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكلامُ فيه على نحو ما مرَّ في مُفتتح (يس).
﴿حمّ
﴿وَالْكِتَبِ﴾ أي: القرآن، والمرادُ به جميعُه، وجوّز إرادة جنسه الصادقِ ببعضه
وكلِّه، وقيل: يجوز أن يُراد به جنسُ الكتب المُنزلة، أو المكتوبُ في اللوح، أو
المعنى المصدريُّ، وهو الكتابة والخَطّ؛ وأَقسم سبحانه بها لِمَا فيها من عظيم
المنافع، ولا يخفى ما في ذلك.
والأولى على تقدير اسمية ((حم)) كونُه اسماً للقرآن، وأن يُراد ذلك أيضاً
بالكتاب، وهو مُقسم به، إما ابتداءً أو عطفاً على ((حم)) على تقدير كونه مجروراً
بإضمار باء القَسَم على أن مدارَ العطف المُغايرة في العنوان، لكن يلزم على هذا
(١) في المحرر الوجيز ٤٥/٥ .
(٢) ٦٨/٢٥.
(٣) ٥٠/١ و٢١٥.

سُورَةُ الرَّحْزُقْ
٣٤٠
الآية : ٣
حذفُ حرف الجرِّ وإبقاء عمله كما في:
أشارَتْ كليبٍ بالأَكُفِّ الأصابعُ(١)
ومَنْعُ أن يُقْسَم بشيئين بحرف واحد لا يُلتفت إليه، ومناط تكرير القسم المبالغةُ
في تأكيدِ الجملة القسمية.
﴿أَلْمُبِينِ ﴾﴾ أي: المبين لمن أُنزل عليهم لكونه بِلُغتهم وعلى أساليب
كلامهم، على أنه من أبان اللازم، أو المُبين لِطريق الهُدى من طريق الضلالة
المُوضح لأصول ما يحتاج إليه في أبواب الدِّيانة على أنه من أبان المُتعدِّي.
﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ جوابٌ للقَسَم، والجَعْل بمعنى التصيير المُعدَّى
المفعولين، لا بمعنى الخَلْقِ المُعدَّى لواحد، لا لأنه يُنافي تعظيم القرآن، بل لأنه
يأباه ذوقُ المقام المُتكلّم فيه؛ لأن الكلام لم يُسق(٢) لتأكيد كونه مخلوقاً، وما كان
إنكارهم متوجهاً عليه، بل هو مسوقٌ لإثباتِ كونه قرآناً عربياً مُفضَّلاً وارداً على
أساليبهم، لا يَعْسُر عليهم فهمُ ما فيه، ودَرْكُ كونه مُعجزاً كما يُؤذن به قوله تعالى:
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: لكي تفهموه وتُحيطوا بما فيه من النظر الرائق،
والمعنى الفائق، وتَقِفوا على ما يتضمَّنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق
البشر، وتعرفوا حقَّ النعمة في ذلك، وتنقطع أعذارُكم بالكُلية، والقَسَمُ بالقرآن على
ذلك من الأيمان الحسنة البديعة لِمَا فيه من رعاية المناسبة والتنبيه على أنه لا شيء
أعلى منه فَيُقْسَم به، ولا أهمّ من وَصْفه فَيُقْسَم عليه كما قال أبو تمام:
ولآلٍ تومٌ(٣) وبرقٌ وميض (٤)
وثنا ياكِ إنها إغريضُ
بناء على أنَّ جوابَ القَسَم قولُه: إنها إغريض.
واستدِلَّ بالآيةِ على أن القرآنَ مخلوقٌ، وأطالوا الكلامَ في ذلك، وأُجيب بأنه إن
(١) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ٤٢٠، وصدره: إذا قيل أيّ الناس شرٌّ قبيلة. وسلف ٤٦١/٧.
(٢) في (م): يسبق.
(٣) في (م): قوم.
(٤) ديوان أبي تمام (بشرح التبريزي) ٢٨٧/٢. قال شارحه: الإغريض: الطّلع، وقيل: إن البَرَدَ
يُسمَّى إغريضاً. ويقال للؤلؤة العظيمة: تؤمة، والجمع تُؤَم.