Indexed OCR Text

Pages 301-320

الآية : ٣٦
٣٠١
سُوَّةُ الشُِّوْرَى
ومرجعُ المعنى على ذلك: أنه تعالى إنْ يشأ يعصِف الريحَ فَيُغرق بعضاً ويُنْجِ
آخرين عفواً، ويُحذّر جماعة أخرى.
واعتُرض بأنَّ التخصيصَ بالمُجادِلين في هذا التحذير غيرُ لائح، وأيضاً عِلْمهم
بأن لا مَحيص من عذاب الله تعالى على تقديرِ عصف الريح بأهل السُّفن على سبيل
العِبرة، ولا اختصاصَ لها بهم ولا بهذا المقدور خاصة.
وأُجيب عن الأول بأنَّ التخصيصَ بالمُجادلين لأنهم أولى بالتحذير، وعن
الأخير بأنه أُريد أنَّ البَرَّ والبحر لا يُنجيان من بأسه عز وجل، فهو تعميم.
واختار في ((الكشف)) كونَ التخريج على أنَّ الآيةَ في الكافرين بمعنى: إنْ يشأ
يعصِفِ الريحَ فَيُغرِقْ بعضَهم ويُنجِ آخرين منهم عفواً، ويعلموا ما لهم من مَحيص
فلا يغترُّوا بالنجاة والعفو في هذه المرة، فالمُجادِلون هم الكثير الناجون،
أوبعضهم، وهو على مِنوال قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ الآية
[الإسراء: ٦٩].
ومن مجموع ما سمعتَ يلوح لك ضَعْفُ هذه القراءة، ولهذا لم يُقرأ بها في السبعة.
والظاهرُ على القراءات الثلاث أن فاعلَ ((يعلم)): ((الذين))، وجُملة ((ما لهم مِنْ
مَحيص)) سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولين، وفي ((الدر المصون)»(١) أنَّ الجملة في قراءة الرفع
تحتمل الفعلية وتحتمل الاسمية، أي: وهو يعلم الذين، ولا يخفى أنَّ الظاهر على
الاحتمال الثاني كون ((الذين)) مفعولاً أولاً، والجملةِ مفعولاً ثانياً، والفاعل ضميره
تعالى المُستتر. وأوجب بعضُهم هذا على قراءة الجزم وعطفِ (يعلم)) على ((يَعْفُ))؛
لئلا يخرجَ الكلامُ عن الانتظام، ويظهرَ قصدُ التحذير؛ لشيوع أنَّ علمَ الله تعالى
یکون کنایةً عن المجازاة، وهو کما تری.
﴿فَّ أُوْقِلِتُ مِّنْ شَهٍ﴾ أيِّ شيءٍ كان من أسباب الدنيا، والظاهرُ أنَّ الخطابَ
للناس مطلقاً، وقيل: للمشركين، و((ما)) موصولة مبتدأ والعائدُ محذوفٌ، أي:
أُوْ تِيْتُموه، والخبرُ ما بعدُ، ودخلت الفاء لِتضمُّنها معنى الشرط.
(١) ٩/ ٥٥٨.

سُورَةُ الشُِّورَى
٣٠٢
الآية : ٣٧
وقال أبو حيان(١): هي شرطية مفعولٌ ثانٍ لـ (أُوتيتم))، و((من شيء)) بيانٌ لها،
وقوله تعالى: ﴿فَنَعُ الْخَوَةِ الدُّنْا﴾ أي: فهو متاعُها تتمثَّعون به مدَّة حياتِكم فيها،
جواب الشرط.
والأول أوفقُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ من ثواب الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ ذاتاً
لِخُلوصِ نَفْعهِ ﴿وَأَبْقَى﴾ زماناً حيث لا يزولُ ولا يفنى؛ لأنَّ الظاهرَ أن ((ما)» فيه
موصولةٌ، وإنما لم يُؤْتَ بالفاء في خبرها مع أنَّ الموصولَ المبتدأ إذا وُصل بالظرف
يتضمَّن معنى الشرط أيضاً؛ لأنَّ مُسبَبية كون الشيء عند الله تعالى لخيريَّته أمرٌ معلوم
مُقرَّرُ غنيٍّ عن الدلالةِ عليه بحرف موضوعٍ له، بخلاف ما عندَ غيره سبحانه.
والتعبيرُ عنه بأنه عند الله تعالى دون: ما ادّخَرَ، لذلك.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إما مُتعلِّق بـ ((أبقى))، أواللام لبيان مَن له هذه
النعمة، فهو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: ذلك للذين آمنوا ﴿وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكُونَ
لا على غيره تعالی أصلاً.
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: اجتمع لأبي بكر ◌َظُهُ مالٌ فتصدَّقَ به كلِّه في
سبيل الله تعالى، فَلامَهُ المسلمون وخظََّهُ الكافرون، فنزلت(٢).
والموصولُ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَحْتَذِبُونَ كَبَبِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ
يَغْفِرُونَ (®﴾ مع ما بعدُ إما عطفٌ على الموصول الأول، أو هو مدحٌ مرفوعٌ على
الخبرية لمبتدأ محذوف، أومنصوب بمقدَّر، كأعني، أو أمدح، والواو اعتراضيةٌ
كما ذكره الرضي، وَغَفل أبو البقاء عن الواو فلم يذكُر العطفَ، وذكر بدله البدل(٣).
و((كبائر الإثم)) ما رُتِّب عليه الوعيد، أو ما يُوجب الحدَّ، أو كلُّ ما نَهى اللهُ
تعالى عنه. والفواحشُ: ما فَحُشَ وعَظُمَ قُبحه منها .
وقيل: المرادُ بالكبائر ما يتعلَّق بالبدع واستخراج الشُّبُهات. وبالفواحش
(١) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٢.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٧٢/٣، وخبر إنفاق أبي بكر ظله ماله كلّه وإنفاق عمر بنظ ◌ُله
نصف ماله أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) من حديث عمر به دون ذكر الآية.
(٣) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٥٢٢/٧، والذي في الإملاء ٢٩٤/٤ خلاف ذلك،
ففيه: ((الذين يجتنبون)) معطوف على قوله تعالى: ((للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)) ..

الآية : ٣٨
٣٠٣
سُورَةُ الشِّوَى
ما يتعلَّق بالقوة الشهوانية. وبقوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ) ما يتعلَّق بالقوة
الغَضَبية. وهو كما ترى.
والمراد بالإثم الجنس، وإلا لقيل: الآثام، و((إذا)) ظرف لـ ((يغفرون))، و((هم))
مبتدأ لا تأكيد لضمير ((غضبوا)) وجوَّزه في ((البحر))(١)، وجملة ((یغفرون)) خبره،
وتقديمه لإفادة الاختصاص؛ لأنه فاعلٌ معنوي، واختصاصُهم باعتبار أنهم أحقّاء
بذلك دون غيرهم، فإنَّ المغفرة حالَ الغضب عزيزةُ المَنال(٢). وفي الآية إيماء إلى
أنهم يَغْفِرون قبل الاستغفار.
وقيل: ((هم)) مرفوعٌ بفعل يُفسِّره ((يغفرون))، ولمَّا حُذف انفصل الضمير. وليس
بشيء.
وجَعَل أبو البقاء(٣) ((إذا)) شرطيةً، وجملةَ ((هم يغفرون)) جواباً لها.
وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنه يلزم الفاء حينئذ، ولا يجوز حذفُها إلا في الشعر.
وتقدّم لك آنفاً ما ينفعك تذكُّره فتذگَّر.
وقرأ حمزة والكسائي: ((كبير الإثم)) بالإفراد(٥) لإرادة الجنس أو الفرد الكامل
منه، وهو الشرك، ورُوي تفسيره به عن ابن عباس ﴿ًّا، ولا يلزم التكرار؛ لأنَّ
المراد الاستمرارُ والدوام.
﴿﴿وَالَّذِينَ أَسْتَابُواْ لِرَبِهِمْ وَقَامُوا الصَّلَةَ﴾ قيل: نزلَتْ في الأنصار دعاهم الله تعالى
على لسان رسوله و # للإيمان به وطاعته سبحانه فاستجابوا له، فأثنى عليهم جلَّ
وعلا بما أَثنى، وعليه فهو من ذِكْر الخاصِّ بعد العامٌّ لبيان شَرَفِهِ؛ لإيمانهم دون
تردُّد وتَلَعْثُم، والآية إنْ كانت مدنيةً فالأمر ظاهرٌ، وإذا كانت مكية فالمرادُ بالأنصار
من آمن بالمدينة قبل الهجرة (٦)، أو المراد بهم أصحابُ العقبة.
(١) ٥٢٢/٧.
(٢) في (م): المثال.
(٣) في الإملاء ٢٩٥/٤ (بهامش الفتوحات الإلهية).
(٤) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٢ .
(٥) وقرأ بها خلف. التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢.
(٦) ينظر تفسير القرطبي ٤٨٦/١٨.

سُورَةُ الشُِورَى
٣٠٤
الآية : ٣٨
﴿وَأَغْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: ذو شورى ومراجعةٍ في الآراء بينهم، بناءً على أنَّ
الشورى مصدرٌ كالبُشرى، فلا يَصِحُّ الإخبار؛ لأنَّ الأمر مُتشاوَرٌ فيه لا مشاورةٌ إلا إذا
قصد المبالغة. وأُورِد أنه يقال من غير تأويل: شأني الكرم، والأمر هنا بمعنى
الشأن، نعم إذا حُمل على القضايا المُتشاوَر فيها احتاج إلى التأويل أو قَصْدِ المبالغة.
وقيل: إن إضافةً المصدر للعموم فلا يصحُّ الإخبار إلا بالتأويل. ورُدَّ بأن
المراد: أمرهم فيما يُتشاوَرُ فيه لا جميع أمورهم. وفيه نظر.
وقال الراغب: المشورة: استخراجُ الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من
قولهم: شُرْتُ العسلَ وأَشرته: استخرجته، والشورى: الأمر الذي يُتشاوَرُ فيه(١).
انتهى. والمشهور كونه مصدراً.
وجيء بالجملة اسميةً مع أنَّ المعطوفَ عليه جملةٌ فعلية للدلالة على أنَّ التشاورَ
كان حالَهم المستمر قبل الإسلام وبعده. وفي الآية مدحٌ للتشاور لاسيما على القول
بأن فيها الإخبار بالمصدر؛ وقد أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر
عن النبي وَّرِ قال: ((مَنْ أراد أمراً فشاور فيه وقضى، هُدِي لأَرشد الأمور))(٢).
وأخرج عبد بن حُميد والبخاري في ((الأدب))(٣) وابن المنذر عن الحسن قال:
ما تشاورَ قومٌ قظُ إلا هُدُوا لأرشدِ (٤) أمرهم، ثم تلا: (وَغْرُهُمْ شُورَى يَتَِهُمْ).
وقد كانت الشورى بين النبيِّ وَل﴿ وأصحابه فيما يتعلَّق بمصالح الحروب، وكذا
بين الصحابة مه بعده عليه الصلاة والسلام، وكانت بينهم أيضاً في الأحكام،
كقتال أهل الرِّدة وميراث الجدّ وعَدَدِ حدِّ الخمر وغير ذلك.
والمرادُ بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نصٌّ شرعيٍّ، وإلا فالشورى لا معنى لها،
وكيف يليقُ بالمسلم العُدولُ عن حكم الله عز وجل إلى آراء الرجال والله سبحانه هو
(١) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (شور).
(٢) شعب الإيمان (٧١٣٢).
(٣) الأدب المفرد (٢٥٨)، والدر المنثور ١٠/٦.
(٤) في الأصل و(م) والدر المنثور ٦/ ١٠: وأرشد، وفي الأدب المفرد (٢٥٨): لأفضل حالهم.
وأخرجه الطبري ٦/ ١٩٠، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٠ والمثبت منهما.

الآية : ٣٩
٣٠٥
سُورَةُ الشِّوْرَى
الحكيم الخبير، ويُؤْيِّد ما قلنا ما أخرجه الخطيب عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال:
قلتُ: يا رسولَ الله، الأمر ينزلُ بنا بعدَك لم ينزِلْ فيه قرآنٌ ولم يُسمع منك فيه شيء؟
قال: ((اجمعوا له العابدَ من أَمَّتي، واجعلوه بينكم شورى ولا تَقْضوه برأي واحد))(١).
وينبغي أن يكون المستشارُ عاقلاً كما ينبغي أن يكون عابداً، فقد أخرج الخطيبُ
أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: ((استرشدوا العاقلَ تُرشَدوا ولا تَعْصوه فتندموا))(٢).
والشورى على الوجهِ الذي ذكرناه من جملة أسبابٍ صلاح الأرض؛ ففي
الحديث: ((إذا كان أمراؤكم خيارَكم، وأغنياؤكم أسخياءَكم، وأَمُرُكم شوری بينكم،
فَظَهْرُ الأرض خيرٌ لكم مِن بَظْنها، وإذا كان أمراؤكم شِرارَكم، وأغنياؤكم
بُخلاءَكم، وأمرُكم إلى نسائكم، فبَطْنُ الأرض خيرٌ لكم من ظهرها))(٣).
وإذا لم تكن على ذلك الوجه كان إفسادُها للدين والدنيا أكثرَ من إصلاحها .
﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ أي: في سبيل الخير؛ لأنه مَسوقٌ للمدح ولا مدحَ
بمجرد الإنفاق، ولعلَّ فصله عن قرينه بذِكْر المُشاورة؛ لأن الاستجابةَ لله تعالى
وإقامَ الصلاة كانا من آثارها، وقيل: لوقوعها عند اجتماعهم للصلوات.
وَالَّذِينَ إِذّا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ (٣)﴾ أي: ينتقمون ممن بغَى عليهم على ما جعله الله
تعالى لهم، ولا يعتدُون، ومعنى الاختصاص أنهم الأخِصَّاء بالانتصار وغيرُهم يعدو
ويَتجاوز، ولا يُراد أنهم ينتصرون ولا يغفِرون، لِيتناقضَ هو والسابق، فكأنه وَصَفَهم
سبحانه بأنهم الأخصاء بالغُفران لا يغولُ الغضبُ أحلامَهم كما يغول في غيرهم،
وأنهم الأَخِصَّاء بالانتصار على ما جُوِّز لهم إن كافؤوا، ولا يعتدون كغيرهم، فهم
محمودون في الحالتين بين حَسَنٍ وأحسن، مخصوصون بذلك من بين الناس.
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٠/٦، وهو عند الخطيب في جامع بيان العلم (١٦١٢).
(٢) ذكره عن الخطيب الذهبيُّ في الميزان ٢١٨/٢ وفي إسناده سليمان بن عيسى السِّجْزي، كذَّبه
أبو حاتم، وقال ابن عدي: يضع الحديث. كما في الميزان.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة حظه، وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من
حديث صالح المُرِّي، وصالح المري في حديثه غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها، وهو رجل
صالح.

سُورَةُ الشُِّوْرَى
٣٠٦
الآية : ٣٩
وقال غير واحد: إن كُلّ من الوصفين في محلّ، وهو فيه محمود، فالعفو عن
العاجزِ المعترفِ بِجُرمه محمودٌ، ولفظ المغفرة مُشْعِرٌ به، والانتصار من المخاصِم
المُصرِّ محمودٌ، ولفظُ الانتصار مُشْعِرٌ به، ولو أُوقعا على عكس ذلك كانا
مذمومين، وعلى هذا جاء قوله:
وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تَمرَّدا
إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ مَلَكْتَه
مُضِرٌّ كوضع السيفِ في موضعِ النَّدى(١)
فوضُ النَّدی في موضع السیف بالعلا
وقد يُحمد كلٌّ ويذمُّ باعتبارات أُخَر، فلا تناقضَ أيضاً سواء اتَّحد الموصوفان
في الجملتين أَوْ لا .
وقال بعض المُحقِّقين(٢): الأوجهُ أن لا يُحمل الكلامُ على التخصيص، بل
على التقوِّي، أي: يفعلون المَغفرة تارةً والانتصارَ أُخرى لا دائماً، للتناقض.
وليس بذاك.
وعن النخعي أنه كان إذا قرأَ هذه الآيةَ قال: كانوا يَكرهون أن يُذِلُّوا أنفسهم
فيجترئَ عليهم الفُسَّاق. وفيه إيماءٌ إلى أن الانتصار من المُخاصِم المُصِرّ، وإلا
فلا إذلالَ للنفس بالعفو عن العاجز المُعترف.
ثم إنَّ جملةَ ((هم ينتصرون)) من المبتدأ والخبر صلة الموصول، و((إذا)) ظرفُ
(ينتصرون))، وُجُوِّز كونها شرطيةً، والجملة جوابُ الشرط، وجملةُ الجوابِ
والشرط هي الصِّلة. وتعقّبه أبو حيان(٣) بما مَرَّ آنفاً.
وُجُوِّز أيضاً كون ((هم)) فاعلاً لمحذوف، وهو كما سمعت في ((وإذا
ما غضبوا)) إلخ.
وقال الحوفي(٤): يجوز جعل ((هم)) توكيداً لضمير ((أصابهم)). وفيه الفصلُ بين
(١) البيتان للمتنبي، وهما في ديوانه ٢/ ١١.
(٢) كما في حاشية الشهاب ٧/ ٤٢٥ .
(٣) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٢.
(٤) كما في البحر ٧/ ٥٢٢.

الآية : ٤٠
٣٠٧
سُوَرَةُ الشُِّورَى
المُؤكِّد والمُؤَّد بالفاعل، ولعلَّه لا يمتنع، ومع هذا فالوجهُ في الإعراب ما أشرنا
إليه أولاً .
﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ بيانٌ لما جُعل للمنتصِر، وتسميةُ الفعلة الثانية - وهي
الجزاءُ - سيئةً، قيل: للمُشاكلة. وقال جار الله (١): تسميةُ كِلتا الفعلتين سيئةً؛ لأنها
تسوءُ مَنْ تنزِلُ به. وفيه رِعايةٌ لحقيقة اللفظ، وإشارةٌ إلى أنَّ الانتصارَ مع كونه
محموداً إنما يُحمَدُ بشرط رِعاية المُماثلة، وهي عَسِرة، ففي مَساقِها حتٌّ على العفو
من طريق الاحتياط.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ أي: عن المُسيء إليه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبين مَنْ
يُعاديه بالعفو والإغضاء عما صَدَر منه ﴿فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾ فيجزيه جلَّ وعلا أعظمَ
الجزاء، تصريحٌ بما لَوَّح إليه ذلك من الحَثِّ، وتنبيهٌ على أنه وإن كان سلوكاً لِطريق
الاحتياط يتضمَّنُ مع ذلك إصلاح ذات البين المحمود حالاً ومآلاً، ليكون زيادةَ
تحريضٍ عليه. وإبهامُ الأجر وجَعْلُه حقّاً على العظيم الكريم جلَّ شأنه الدالّ على
عِظَمه زيادةٌ في الترغيب. وجيء بالفاء لِيفرِّعه عن السابق، أي: إذا كان سلوكُ
الانتصار غيرَ مأمون العِثار، فمن عفا وأصلحَ فهو سالكُ الطريقَ المأمون العِثار
المحمودَ في الدَّارين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَا يُحِبُّ الَِّلِينَ ﴾﴾ المُتجاوِزين الحدَّ في الانتقام، تتميمٌ
لذلك المعنى، وتصريحٌ بما ضُمِّن من عُسر رِعاية طريق المُماثلة، وأنه قَلَّما تخلو
عن الاعتداء والتجاوز لاسيما في حال الحَرَدَ(٢) والتهاب الحَمِيَّة، فيكون دُخولاً في
زُمرة مَن لا يُحبه الله تعالى. ولا حاجةَ على هذا المعنى إلى جعل ((فمن عفا)) إلخ
اعتراضاً، ثم لو كان كذلك بأن يكون هذا متعلّقاً بـ ((جزاء سيئة سيئة مِثْلُها)) على أنه
تعليلٌ لما يُفهم منه، فالفاءُ غيرُ مانعةٍ عنه كما تُؤُهُّم، وأَدخل غيرُ واحدٍ المُبتدئين
بالسيئة في الظالمين.
(١) في الكشاف ٣/ ٤٧٣ .
(٢) الحَرَد: الغضب. مختار الصحاح (حرد).

سُوْدَةُ الشُِّورَى
٣٠٨
الآية : ٤١ - ٤٣
﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُللْمِهِ﴾ بعد ما ظُلم، بالبناء للمجهول، وقرئ به (١)، فالمصدر
مُضافٌ لمفعوله، أوهو مصدرُ المبني للمفعول. واللام للقسم، وجُوِّز أن تكون لامَ
الابتداء جيء بها للتوكيد، و((مَنْ)) شرطيةٌ أو موصولة، وحُمِلَ ((انتصر)) على لفظها
وحُمِلَ ﴿فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴾﴾ - أي: للمُعاقب ولا للعاتب والعائب - على
معناها .
والجملة عطفٌ على ((من عفا))، وجِيء بها للتصريح بأنَّ ما حضَّ عليه إنما حضَّ
عليه إرشاداً إلى الأصلح في الأغلب، لا أنَّ المنتصِرَ عليه سبيلٌ بوَجْهٍ حالاً أومالاً،
ولإيهام الحضِّ خلافَ ما تضمَّنْه من نفي السبيل على العموم صُدِّرت باللام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِّمُونَ النَّاسَ﴾ تعيينٌ لمن عليه السبيل بعد نفي
ذلك عن المنتصرين، والمرادُ بالذين يظلمون الناس من يبتدؤونهم بالظّلم، أو
يزيدون في الانتقام ويتجاوزون ما حدَّ لهم. وفَسَّر ذلك بعضهم بالذين يفعلون بهم
ما لا يستحقُّونه، وهو أعمّ.
﴿وَيَبْغُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكَبَّرون فيها تجبُّراً وفساداً.
﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بالظّلم والبغي بغير الحق ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣)﴾ بسبب
ظُلمهم وبَغْيهم، والمرادُ بهؤلاء الظالمين الباغين الكَفَرة. وقيل: من يَعُمُّهم وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾﴾ تحذير عن الظلم
والبغي وما يؤدِّي إلى العذاب الأليم بوجه، وفيه حضّ على ما حضَّ عليه أولاً ،
اهتماماً به وزيادةَ ترغيب فيه. فالصبرُ هنا هو الإصلاح المُؤَخَّر فيما تقدَّم، قُدِّم
هاهنا وعبّر عنه بالصبر لأنه من شأن أُولي العَزْم، وإشارةً إلى أنَّ الإصلاح بالعفو
والإغضاء إنما يُحمد إذا كان عن قُدرة لا عن عَجْز.
و(«ذلك)) إشارةٌ إلى المذكور من الصبر والمغفرة، و((عزم الأمور)) الأمور المعزومة
المقطوعة، أوالعازمة الصادقة. وجُوِّز في ((مَن)) أن تكون موصولةً وأن تكون شرطية.
وفي اللام أن تكون ابتدائية وأن تكون قَسمية، واكتفي بجواب القسم عن جواب
الشرط، وإذا جُعِلَتِ اللام للابتداء و((مَنْ)) شرطيةً، فجملة ((إنَّ ذلك)) جوابُ الشرط،
(١) الكشاف ٣/ ٤٧٣.

الآية : ٤٣
٣٠٩
سُوَرَةُ الشُِّورَى
وحُذفت الفاء منها، ومَن يخصُّ الحذفَ بالشعر لا يُجوِّز هذا الوجه.
وذكر جماعةٌ أن في الكلام حذفاً، أي: إن ذلك منه لمن عَزْم الأمور، وعلّل
ذلك بأن الجملة خبرٌ، فلا بدَّ فيها من رابط، و((ذلك)) لا يصلح له؛ لأنه إشارةٌ إلى
الصبر والمغفرة، وكونه مغنياً عنه لأن المرادَ صبره، أو((ذلك)) رابطٌ، والإشارة
لـ (مَن)) بتقدير: من ذوي عزم الأمور، تكلُّف.
هذا، واختار العلامة الطيبي أن تسمية الفعلة الثانية التي هي الجزاء سيئةً من
باب التهجين دون المُشاكلة، وزعم أن المُجازي مُسيء، وبنى على ذلك رَبْطَ جملة
((إنه لا يحب الظالمين)) بما قبلُ، فقال: يمكن أن يقال: لمَّا نُسب المُجازي إلى
المساءة في قوله سبحانه: ((وجزاء سيئة سيئة مثلها)) والمسيء في هذا المقام مفسد
لِمَا في البين بدليل ((فمن عفا وأصلح)) علل مفهوم ذلك بقوله سبحانه: ((إنه لا يحب
الظالمين)) كأنه قيل: مَنْ أخرجَ نفسَه بالعفو والإصلاح من الانتساب إلى السيئة
والإفساد كان مُقْسِطاً، إنَّ اللهَ يحب المُقسِطين، فوضع موضعَه ((فأجره على الله))
ومَن اشتغل بالمُجازاة وانتسب إلى السيئة، وأفسد ما في البين، وحرم نفسَه ذلك
الأجرَ الجزيل كان ظالماً نفسَه ((إنه لا يحب الظالمين)) فالآية واردةٌ إرشاداً للمظلوم
إلى مكارم الأخلاق وإيثار طريق المرسلين.
وقال: إن قوله تعالى: ((ولمن انتصر بعد ظُلمه)) إلخ خطابٌ للؤُلاة والحُگّام،
وتعليمٌ فِعْلَ ما ينبغي فِعْلُه بدليل قوله سبحانه: ((إنما السبيلُ على الذين يَظْلِمون
الناس)) حيث أعاد السبيلَ المُنكَّر بالتعريف وعلَّق به ((يظلمون الناس)» وفسَّره بقوله
تعالى: ((عذابٌ أليم))، وكذا قوله سبحانه: ((ولمن صبر وغفر)) إلخ تعليمٌ لهم أيضاً
طريقَ الحكم، يعني أن صاحبَ الحقِّ إذا عدلَ من الأَوْلى وانتصر من الظالم
فلا سبيلَ لكم عليه لما قد رُخِّص له ذلك، وإذا اختار الأفضل فلا سبيلَ لكم على
الظالم؛ لأن عفوَ المظلوم من عزم الأمور، فتعاونوا على البِرِّ والتقوى، ولا تعاونوا
على الإثم والعدوان. انتهى. ولا يخفى ما فيه.
وفي ((الكشف)): إنَّ جَعْلَ ما ذكر خطاباً للولاة والحُكَّام يوجب التعقيدَ في
الكلام، فالمعوَّل عليه ما قدمناه، وقد جاءت أخبارٌ كثيرة في فضل العافين عمَّن
ظلمهم، أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَليته:

سُوَّةُ الشُِّوَى
٣١٠
الآية : ٤٣
((قال موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام: يا رب مَنْ أعزُّ عبادك عندك؟ قال:
مَنْ إذا قدر غَفَر))(١) .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن أنس قال: قال
رسولُ اللهِ وَلّ: ((إذا وقف العبادُ للحساب نادى مُنادٍ: لِيقُم مَنْ أجرُه على الله تعالى
فَلْيدخُلِ الجنة، ثم نادى الثانيةَ: لِيَقُمْ مَنْ أجره على الله تعالى، قالوا: ومَنْ ذا الذي
أجرُه على الله تعالى؟ قال: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً فدخلوا الجنة
بغير حساب))(٢) .
وأخرج أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أن رجلاً شتم أبا بكر عظُه والنبيُّ وَله
جالسٌ، فجعل عليه الصلاة والسلام يعجبُ ويتبسَّم، فلما أكثرَ ردَّ عليه بعضَ قوله،
فغضب النبيُّ وََّ، وقام فلحقه أبو بكر ◌َله فقال: يا رسولَ الله، كان يَشْتِمني
وأنت جالسٌ، فلما رددتُ عليه بعضَ قوله غَضِبْتَ وقُمتَ! قال: ((إنه كان معك
مَلَكٌ يردُّ عنك، فلما رَدَدْتَ عليه بعضَ قوله وقع الشيطانُ، فلم أكن لأَفْعدَ مع
الشيطان))، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثٌ مِن الحقِّ: ما من عبدٍ ظُلم بمظْلِمةٍ
فَيُغْضي عنها لله تعالى إلا أعزَّ الله عز وجل بها نَصْره، وما فتح رجلٌ باب عطية يُريد
بها صلةً إلا زاده الله تعالى بها كَثْرةً، وما فتح رجلٌ باب مسألة يُريد بها كثرةً
إلا زاده الله تعالى بها قِلّةً)) (٣). واستشكل هذا الخبر بأنه يُشعر بعتب أبي بكر
وهو نوعٌ من السبيل المنفي في قوله تعالى: (وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُظْلِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن
سَبِيلٍ). وأُجيب بأنَّا لا نُسلم ذلك، وليس فيه أكثرُ من تنبيهه تَظُبه على ترك الأَوْلى،
وهو شيء والعتبُ شيء آخر، وكذا لا يُعَدُّ لوماً كما لا يخفى.
ومن الناس من خصَّ السبيلَ في الآية بالإثم والعِقاب، فلا إشكال عليه أصلاً.
وقيل: هو باقٍ على العموم إلا أن الآية في عوامٌّ المؤمنين ومَن لم يبلغ مبلغَ
أبي بكر ◌َُّه، فإنَّ مثلَه يُلام بالشتم - وإن كان بحقِّ - بحضرة رسولِ الله ◌ِوَّله قبلَ أن
(١) شعب الإيمان (٨٣٢٧).
(٢) الدر المنثور ١١/٦، وشعب الإيمان (٨٣١٣)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (١٩٩٨).
(٣) الدر المنثور ١١/٦، ومسند أحمد (٩٦٢٤)، وسنن أبي داود (٤٨٩٧).

الآية : ٤٣
٣١١
سُوَّةُ الشُِّورَى
يأذنَ له به قالاً أوحالاً، بل لاح عليه وَ لِّ ما يُشعر باستحسان السُّكوت عنه،
وحسناتُ الأبرار سيئاتُ المُقرَّبين.
وقد أمرَ وَّ بعضَ الأشخاص بردِّ الشَّتم على الشاتم؛ أخرج النسائي وابن
ماجه وابن مردويه عن عائشةَ ﴿ّا قالت: دخلَتْ عليَّ زينبُ ﴿ّا وعندي
رسولُ اللهِ وَلّ فأقبلَتْ عليَّ تَسُبُّني، فوزعَها النبيُّ عليه الصلاة والسلام فلم تَنْتهِ،
فقال لي: ((سُبِّيها)) فَسَبَيْتُها حتى جفَّ ريقُها في فمها ووجهُ رسول الله وَلّهِ يتهلَّل
سروراً (١). ولعله كان هذا منه عليه الصلاة والسلام تعزيراً لزينب ﴿يا بلسان
عائشةَ رِّ لِمَا أنَّ لها حقّاً في الردّ ورأى المصلحة في ذلك.
وقد ذكر فقهاؤنا أن للقاضي أن يُعزِّرَ من استحقَّ التعزيرَ بشتم غير القذف،
وكذا للزوج أن يُعزِّرَ زوجته على شَتْمها غير محرم، إلى أمور أُخر. فَتَأْمَّل.
وظاهر قوله تعالى: (وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَ) يقتضي رعايةَ المُماثلة مطلقاً، وفي
((تفسير الإمام))(٢) أن الآيةَ تقتضي وجوبَ رعايةِ المُماثلة في كلِّ الأمور إلا فيما
خصَّه الدليلُ، لأنه لو حُملت المُماثلة فيها على المماثلة في أمرٍ معيَّن فهو غير
مذكور فيها، فيلزم الإجمال، وعلى ما قلنا يلزم تحمل التخصيص، ومعلومٌ أن دفع
الإجمال أولى من دفع التخصيص.
والفقهاءُ أدخلوا التخصيصَ فيها في صور كثيرة تارةً بناءً على نصّ آخرَ أخصَّ،
وأخرى بناءً على القياس، ولا شكَّ أنَّ مَن ادَّعى التخصيصَ فعليه البيانُ، والمُكلَّف
يكفيه أن يتمسّك بها في جميع المطالب. وعن مجاهد والسدي: إذا قال له: أخزاه اللهُ
تعالى. فليقل: أخزاه الله تعالى، وإذا قَذَفه قَذْفاً يُوجب الحدَّ فليس له ذلك، بل الحدّ
الذي أمر الله تعالى به، ونقل أبو حيان(٣) عن الجمهور أنهم قالوا: إذا بغى مؤمنٌ
على مؤمن فلا يجوز له أن ينتصرَ منه بنفسه بل يرفعُ ذلك إلى الإمام أو نائبه.
(١) الدر المنثور ١٠/٦، وسنن النسائي الكبرى (٨٨٦٥)، وسنن ابن ماجه (١٩٨١)، وفيه بدل:
(سُبِّيها)): ((دونك فانتصري) وهو في المسند (٢٤٦٢٠)، وقد أخرج البخاري (٢٥٨١) حديثاً
طويلاً، وفيه قصة زينب مقرها بنحوها .
(٢) تفسير الرازي ١٨١/٢٧.
(٣) في البحر المحيط ٥٢٣/٧.
٠٠٠٠

سُورَةُ الشِّوَى
٣١٢
الآية : ٤٤
وفي (مجمع الفتاوى)»(١): جاز المُجازاة بمثله في غير مُوجب حدٍّ، للإذن به
(ولمن انتصر بعد ظُلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)) والعفوُ أفضلُ ((فمن عفا وأَصلحَ
فأجره على الله)).
وقال ابن الهُمام(٢): الأولى أنَّ الإنسانَ إذا قيل له ما يُوجب التعزير أن
لا يُجيبه، قالوا: لو قال له: يا خبيثُ، الأحسن أن يكفّ عنه ويرفعَه إلى القاضي
ليؤدِّبه بحضوره، ولو أجاب مع هذا فقال: بل أنت، لا بأس.
وفي ((التنوير)) وشرحه: ضرب غيره بغير حقِّ وضربه المضروبُ أيضاً، يُعزَّران،
كما لو تشاتما بين يدي القاضي ولم يتكافأ!(٣).
وأنت تعلم ما يقتضيه ظاهر الآية ولا يُعدَلُ عنه إلا لنصّ، وظاهرُ كلام العلامة
الطيبي أن المظلوم إذا عفا لا يلزم الظالمَ التعزير بضربٍ أوحبس أونحوه. وذكر
فقهاؤنا أن التعزيرَ يغلَّب فيه حقُّ العبد، فيجوز فيه الإبراء والعفو واليمين والشهادة
على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين، ويكون أيضاً حقّاً لله تعالى فلا عفوَ فيه إلا إذا
عَلِمَ الإمامُ انزجار الفاعل .. إلى آخر ما قالوا.
ويترجَّح عندي أن الإمام متى رأى بعد التأمل والتجُّد عن حظوظ النفس تركَ
التعزير للعفو سبباً للفساد والتجاسر على التعدِّي وتجاوز الحدود عَزَّر بما تقتضيه
المصلحة العامة، ولْيَبْدُلْ وسعه فيما فيه إصلاحُ الدين وانتظامُ أمور المسلمين، وإياه
أن يتَبع الهوى فيضلَّ عن الصراط المستقيم.
﴿وَمَنْ يُضْلِيلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: ما له من ناصر يتولَّاه من بعد
خِذلان الله تعالى إيَّاه، فضمير ((بعده)) لله تعالى بتقدير مضاف فيه، وقيل: للخِذْلان
المفهوم من ((يضلل)). والجملة عطفٌ على قوله تعالى: ((أولئك لهم عذاب أليم))،
(١) وهو لأحمد بن محمد بن أبي بكر الحنفي، حيث جمع فيه الفتاوى الكبرى والصغرى للصدر
وفتاوى أبي بكر محمد بن الفضل البخاري والسمرقندي وغيرها، ثم اختصره وسماه: خزانة
الفتاوى. كشف الظنون ٢/ ١٦٠٣.
(٢) فتح القدير ٢١٨/٤.
(٣) الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٤٤٠/١.

الآية : ٤٥
٣١٣
سُورَةُ الشُِّورَى
وكنَى بـ ((مَن)) عن الظالم الباغي تسجيلاً بأنه ضالٌّ مخذولٌ، أوأتى به مُبهماً لِيشمله
شُمولاً أوليّاً، فقولُه سبحانه: ((ولمن صبر)) إلخ اعتراضٌ، لِمَا أشرنا إليه.
﴿وَتَى الَّذِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ﴾ أي: حين يرونه، وصيغة الماضي للدلالة على
التحقُّق ﴿ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَوّ﴾ أي: رَجْعة إلى الدنيا ﴿مِّن سَبِيلٍ ﴾﴾ حتى نُؤْمِنَ
ونعمل صالحاً. وجوِّز أن يكون المعنى: هل إلى ردِّ للعذاب، ومَنَع منه ((من سبيل)).
وتنكير ((مَرَدّ)) وكذا ((سبيل)) للمبالغة، والجملة حال، وقيل: مفعول ثانٍ لـ ((تری)).
﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار المَدلول عليها بالعذاب، والجملة
كالسابقة ﴿خَشِعِينَ﴾ متضائلين متقاصرين ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: بسبب الذلّ لِعظم
ما لَحِقَهم، فـ ((من)) سببية متعلِّقة بـ ((خاشعين))، وهو وكذا ما بعدَه حال.
وجوِّز أن يُعلَّق الجارُّ بقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ويُوقف على ((خاشعين)) ﴿مِن
طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ والأول أظهر، والطَّرْف مصدر طَرَفَ: إذا حرَّكُ عينه، ومنه طَرْفةُ
العين، والمراد بالخَفِيّ الضعيف، و((مِنْ)) ابتدائية، أي: يبتدئ نظرُهم من تحريكٍ
الأجفانهم ضعيفٍ بِمُسارقةٍ كما ترى المصبورَ(١) ينظر إلى السيف، وهكذا نظرُ
الناظر إلى المكارهِ لا يقدرُ أن يفتحَ أجفانه عليها ويملأ عينيه منها كما يفعل في
نَظَرَه إلى المَحَابّ. ويجوز أن تكون ((مِنْ)) بمعنى الباء.
وعن ابن عباس: ((خَفِيّ)»: ذليل، فالطرفُ عليه جَفْنُ العين.
وقيل: يُحشرون عُمياً، فلا ينظرون إلا بقلوبهم، وذاك نظرٌ من طَرْف خَفِيّ.
وهو تأويلٌ مُتكلّف.
والجملتان السابقتان، أعني ((ترى الظالمين)) و((تراهم يُعرضون)) معطوفان على
((ومن يُضلل))، وأصلُ الكلام: والظالمون لمَّا رأوا العذابَ يقولون وهم يُعرضون
عليها خاشعين، ثم قيل: ((وترى)) و((تراهم)) خطاباً لكلّ مَنْ يتأتّى منه الرؤية ويعتبر
بحالهم، زيادةً للتهويل، كأنه يعجبهم مما هم فيه ليعتبروا ويبتهجوا، ومنه يظهر أنه
خطابٌ للنبيِّ ◌َّ وأتباعه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِينَ﴾ أي: إنهم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ﴾
(١) هو مَن يُقتل في غير حرب، فيقدَّم للقتل موثقاً. حاشية الشهاب ٤٢٦/٧.

سُورَةُ الشُِّورَى
٣١٤
الآية : ٤٥
بالتعريض للعذابِ الخالد، أو على ما مرَّ في ((الزمر))(١). وعدلَ عن: إنهم، إلى
المُنزَلِ؛ تسجيلاً عليهم بأكمل الخُسران، إذ المرادُ: إنَّ الكاملين في صِفة الخُسران
المتّصِفین بحقيقته.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ مُتعلِّق بـ ((خسروا)) والقولُ في الدنيا، وجُوِّز أن يكونُ مُتعلِّقاً
بـ ((قال)) والماضي لِتحقّق الوقوع، أي: ويقولون إذا رَأَوهم على تلك الصفة.
وفي ((الكشف)): الظاهرُ أنه قولٌ يومَ القيامة كالخُسران، من باب التنازع بين
الفعلين. وآثرَ صاحبُ ((الكشاف)) على ما يُؤذن به صنيعُه أن يتعلَّق بالخسران
وحدَه(٢)، لأن الأصلَ في ((قال الذين آمنوا إن الخاسرين)) إلخ: وهم الخاسرون،
كما أنَّ الأصلَ في ((وترى الظالمين)): والظالمون لما رَأوا، ثم قيل: ((وقال الذين
آمنوا)) على نحو ما قيل: ((وترى)) إلخ، وكما أنَّ الرؤيةَ رؤيةُ الدنيا استحضاراً لِعذابهم
الكائن في الآخرة تهويلاً، كذلك القولُ، كأنهم جعلهم حضوراً يُعاين عذابَهم ويسمع
ما يقول المؤمنون فيهم. وروعي(٣) الخطاب في الرؤية والغيبةُ في القول لأن مُعاينةً
العذاب لمَّا كانت أَدْخَلَ في التهويل جُعل العذاب قريباً مشاهداً، وخُصُّوا بالخطاب
على سبيل استحضارِ الحال لمزيد الابتهاج، ولم يكن في الخُسران ذلك المعنى، لأنه
أمرٌ معقولٌ، والمحسوساتُ أقوى، لاسيما إذا كُنَّ مُوجبات الخُسران، فجيء به على
الأصل من الغيبة، وعَدَله من المضارع إلى الماضي؛ لأنه قولٌ صادرٌ عن مُقتضى
الحال قد حقَّ ووقع، تفوَّهوا به أو لا. وأُسند إلى المؤمنين دلالةً على الابتهاج
المذكور واغتباطهم بنجاتهم عمَّا هم فيه، وإلا فالقولُ والرؤية لكلِّ من يتأتَّى منه
القولُ والرؤية. وجَعْلُه حالاً - كما فعل الطيبي - على معنى: وتراهم وقد صدق فيهم
قولُ المؤمنين في الدنيا: ((إن الخاسرين)) إلخ، من أسلوب قوله:
إذا ما انتَسَبْنا لم تَلِذْني لئيمةٌ(٤)
(١) عند الآية (١٥).
(٢) الكشاف ٣/ ٤٧٤، ويعني بصنيعه تقديمَه لهذا القول على القول الآخر، وهو أن يتعلق بـ ((قال)).
(٣) قوله: وروعي، تصحف في (م) إلى: ورد على.
(٤) ذكره الفراء في معاني القرآن ٦١/١، والطبري في تفسيره ٢/ ٥٧، وعجزه: ولم تَجِدِي من
أن تُقِرِّي به بُدّا .

الآية : ٤٦ - ٤٧
٣١٥
سُوَّةُ الشُِّورَى
وفيه أنه إنما يرتكب عند تعذّر الحقيقة، وقد أمكن الحمل على التنازع
فلا تعذّر. ثم إنه على التقدير لا يظهر أنه قولٌ فيها إلا بدليلٍ خارج، وهذا بخلاف
ما ذكره جارُ الله في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾(١) [ق: ٢٨] من تقدير :
وقد صحَّ عندكم أنّي قدمت؛ لأن في اللفظ إشعاراً به بيِّناً. انتهى.
ولعمري، لقد أبعد قُدِّس سِرُّ المَغْزى في هذه الآيات العِظام، وأتى
بما تستحسنه التُّظَّار من ذوي الأفهام. فليفهم.
وقوله تعالى: ﴿أَلََّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴾﴾ إما من تمام كلامٍ
المؤمنين، ويجري فيه ما سمعتَ من الأصل ونُكتة العُدول، أو استئنافُ إخبار منه
تعالى؛ تصديقاً لذلك.
﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُ﴾ برفع العذاب عنهم ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ حَسْبَما
يزعُمون ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ نَا لَهُم مِن سَيِلٍ ﴾﴾ إلى الهدى أو النجاة.
وقيل: المراد: ما له من حُجَّة.
﴿أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾ إذا دعاكم لما به النجاةُ على لسان رسوله وَلِهِ ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ
بَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ﴾ الجارُّ والمجرور إما متعلق بـ ((مردّ) ويُعامل اسمُ ((لا))
الشبيهُ بالمضاف معاملته، فيترك تنوينُه كما نصَّ عليه ابنُ مالك في ((التسهيل))(٢)،
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا مانعَ لما أعطيتَ))(٣)، وقوله تعالى: ﴿لَا
تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ﴾ [يوسف: ٩٢] أي: لا يردُّه الله تعالى بعد ما حكم به.
ومن لم يرضَ بذلك قال: هو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: ذلك من الله تعالى،
والجملة استئنافٌ في جواب سؤال مقدَّر تقديره: ممن ذلك؟ أو حالٌ من الضمير
المستتر في الظرف الواقع خبر ((لا))، أو متعلِّق بالنفي أو بما دلَّ عليه كما قيل في
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]. وقيل: هو متعلِّقٌ بـ((يأتي)).
(١) الكشاف ٨/٤.
(٢) ص٦٨ .
(٣) جزء من حديث أخرجه أحمد (١٨١٣٩)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) عن المغيرة بن
شعبة قته .

سُوَّةُ الشِّوْرَى
٣١٦
الآية : ٤٨
وتُعقّب بأنه خلافُ المتبادر من اللفظ والمعنى، وقيل: هو مع ذلك قليلُ الفائدة.
وجوِّز كونه صفة لـ ((يوم))، وتُعقِّبَ بأنه ركيكٌ معنّی.
والظاهرُ أن المرادَ بذلك اليوم يوم القيامة لا يوم وُرود الموت كما قيل.
﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: ملاذٍ تلتجئون إليه، فتخلصون من العذاب،
على أن ((ملجأ)) اسمُ مكان، ويجوزُ أن يكونَ مصدراً ميمياً.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴾﴾ إنكار، على أنه مصدرُ أنكر على غير القياس،
ونفيُّ ذلك مع قوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] تنزيلاً
لما يقع من إنكارهم منزلةَ العَدم لِعدم نَفْعهِ، وقيام الحُجَّة، وشهادة الجوارح
عليهم، أو يقال: إن الأمرين باعتبار تعدُّد الأحوال والمواقف.
وجُوِّز أن يكون ((نكير)) اسمَ فاعل للمبالغة، أي: ما لكم مُنكِرٌ لأحوالكم غير
مُميِّز لها ليرحمكم، وهو كما ترى.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَزْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تلوينٌ للكلام وصرفٌ له عن خطاب
الناس بعد أمرهم بالاستجابة، وتوجيهٌ له إلى الرسول وَلقر، أي: فإن لم يستجيبوا
وأعرضوا عمَّا تدعوهم إليه فلا تهتمَّ بهم، فما أرسلناك رقيباً ومُحاسباً عليهم ﴿إن
عَلَّكَ﴾ أي: ما عليك ﴿إِلَّا الْبَلَغُ﴾ لا الحفظُ، وقد فَعَلْتَ.
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي: نعمة من الصِّحة والغِنى والأمن
ونحوها ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ أُريد بالإنسان الجنس الشامل للجميع، وهو حينئذ بمعنى
الأناسي أو الناس، ولذا جمع ضميره في قوله سبحانه: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ وليست
للاستغراق، والجمعية لا تتوقّف عليه، فكأنه قيل: وإنْ تُصب الناسَ أو الأناسي
﴿سَيِّئَةٌ﴾ بلاءٌ من مرض وفقرٍ وخوفٍ وغيرها ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَبَدِّيهِمْ﴾ بسبب ما صدرَ
منهم من السيئات ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ﴾﴾ بليغُ الكُفر ينسى النعمة رأساً، ويذكر
البليةَ ويستعظمها، ولا يتأمَّل سببها، بل يزعُم أنها أصابَتْه من غير استحقاق لها .
و((أل)) فيه أيضاً للجنس، وقيل: هي فيهما للعهد على أن المرادَ المُجرمون،
وقيل: هي في الأول للجنس وفي الثاني للعهد.

الآية : ٤٨
٣١٧
سُورَةُ الشُِّورَى
وقال الزمخشري: أراد بالإنسان الجمع لا الواحد لمكانٍ ضمير الجمع، ولم
يُرِدْ إلا المجرمين، لأن إصابةَ السيئة بما قَدَّمت أيديهم إنما يستقيم فيهم. ثم قال:
ولم يَقُل: فإنه لَكَفور لِيُسجِّل على أنَّ هذا الجنس موسومٌ بِكُفْران النِّعم كما قال
سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لِرَبٍِّ، لَكَنُورٌ﴾
[العاديات: ٦](١). فَفَهِمَ منه العلامة الطيبي أنها في الأول للعهد، وأنَّ المرادَ الكُفَّارُ
المُخاطبون في قوله تعالى: ((استجيبوا لربكم)) لِترتُّب ((فإن أعرضوا)) عليه، ووضع
المُظهَر موضع المُضْمَر للإشعار بتصميمهم على الكُفران، والإيذانِ بأنهم لا يَرْعَوون
مما هم فيه، وأنها في الثاني للجنس ليكونَ المعنى: ليس بِيِدْعِ من هذا الإنسان
المعهودِ الإصرارُ؛ لأن هذا الجنسَ موسومٌ بِكُفران النعم، فيكونْ ذُّ المطلق دليلاً
على ذَمِّ المُقِيَّد.
وفي ((الكشف)): إنه أراد أنَّ الإنسان - أي: الأول - للجنس الصالح للكلّ
وللبعض، وإذا قام دليلٌ على إرادة البعض تعيّن، وقد قام، لما سلف أنَّ الإصابةَ
في غير المجرمين للعِوض المرقِّي(٢)، ولم يذهب إلى أن اللام للعهد، وجعل قوله
تعالى: ((فإن الإنسان كفور)) للجنس ليكون تعليلاً للمقيّد بطريق الأولى ومطابقاً
لما جاء في مواضعَ عديدة من الكتاب العزيز؛ ولا بأس بأن يجعل إشارةً إلى
السالف، فإنه للجنس أيضاً، ويكون في وضع المُظهر موضعَ المُضمَر الفائدةُ
المذكورة مراراً، بل هو أدلُّ على القانون الممهد في الأصول، وبكون كليهما
للجنس أقول.
وإسناد الكُفران مع أنه صفةُ الكفرة إلى الجنس لِغلبتهم، فهو مجازٌ عقليّ حيث
أُسند إلى الجنس حالُ أغلب أفراده لملابسته الأغلبية، ويجوز أن يُعتبر أغلبُ
الأفراد عينّ الجنسٍ لِغلبتهم على غيرهم، فيكون المجاز لُغوياً. وكذا يقال في إسناد
الفرح إذا كان بمعنى البَطَر فإنه أيضاً من صفات الكفرة، بل إن كان أيضاً بمعناه
المعروف، وهو انشراحُ الصدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية
(١) الكشاف ٣/ ٤٧٤ .
(٢) في الأصل و(م): الموفي، والمثبت من حاشية الشهاب ٤٢٧/٧.

سُورَةُ الشِّوْرَى
٣١٨
الآية : ٤٩ - ٥٠
الدنيوية، فإنه وإن لم يكن من خواصِ الكُفَّار، بل يكون في المؤمنين أيضاً
اضطراراً أو شُكراً، إلا أنه لا يعمُّ جميع أفراد الجنس. وإن قلتَ بعمومه لم تحتجْ
إلى ذلك، كما إذا فسَّرته بالبطر على إرادة العهد في الإنسان. وإصابة السيئة
بالذنوب غير عامة للأفراد أيضاً، فحال إسنادها يعلم مما ذكرنا .
وتصديرُ الشرطية الأُولى بـ ((إذا)) مع إسناد الإذاقة بلفظ الماضي إلى نون العظمة
للتنبيه على أنَّ إيصالَ النعمة مُحقَّقُ الوجود كثيرُ الوقوع، وأنه مرادٌ بالذات من الجواد
المُطلق سبحانه وتعالى. كما أن تصدير الثانية بـ ((إن)) وإسناد الإصابة بلفظ المضارع
إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها بمعْزِل عن الانتظام في
سِلك الإرادة بالذات والقصد الأوَّليّ. وإقامةُ عِلَّة الجزاء مُقَامَ الجزاء مبالغةٌ في ذَمِّهم.
﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ لا لغيره سبحانه اشتراكاً أو استقلالاً ﴿يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ﴾ من غير وجوب عليه سبحانه.
﴿َهَبُ لِمَنْ كَشَاءُ إِنَاثًا وَبَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ ® أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَتَأْ وَيَجْعَلُ
مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ استئناف بياني، أو بيانٌ لـ ((يخلق))، أو بدلٌ منه بَدَلَ البعض على
ما اختاره القاضي(١).
ولمَّا ذكر سبحانه إذاقةَ الإنسان الرحمةَ وإصابته بضدِّها أتبعَ جلَّ وعلا ذلك أن
له سبحانه المُلك، وأنه تعالى يَقْسِم النعمةَ والبلاء كما شاء بحكمته تعالى البالغةِ،
لا كما شاء الإنسان بهواه. وفيه إشارة إلى أن إذاقةَ الرحمةِ ليست للفرح والبَطر،
بل للشُّكر لِمُوليها، وإصابة المحنة ليست للكُفْران والجزع بل للرجوع إلى مُبليها،
وتأكيدٌ لإنكار كُفرانهم من وجهين: الأول: أن المُلك مُلكه سبحانه من غير مُنازع
ومُشارك، يتصرَّف فيه كيف يشاء، فليس على مَن هو أحقرُ جُزء من مُلكه تعالى أن
يعترضَ ویرید أن يجري التدبير حسب هواه الفاسد.
الثاني: أن هذا المُلك الواسعَ لذلك العزيز الحكيم جل جلاله الذي من شأنه
أن يخلقَ ما يشاء، فأنّى يجوز أن يكون تصرُّفه إلا على وجهٍ لا يُتصوَّر أكملَ منه
(١) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٧/ ٤٢٨.

الآية : ٥٠
٣١٩
سُؤَدَةُ الشِّوَى
ولا أوفقَ لمقتضى الحكمة والصواب. وعند ذلك لا يبقى إلا التسليم والشُّغل
بتعظيم المُنعم المُبلي عن الكُفران والإعجاب.
وناسبَ هذا المَساق أن يدلَّ في البيان من أول الأمر على أنه تعالى فعل
لمحض مشيئته سبحانه، لا مَدخل لمشيئة العبد فيه، فلذا قُدِّمت الإناثُ وأُخّرت
الذُّكور، كأنه قيل: يخلق ما يشاء، يهبُ لمن يشاء من الأناسي ما لا يهواه، ويهب
لمن يشاء منهم ما يهواه، فقد كانت العرب تعدُّ الإناثَ بلاءً: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم
بِأَلْأُنْقَ ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، ولو قدّم المُؤخَّر لاختلَّ النظم.
وليس التقديمُ لمجرَّد رِعاية مناسبة القُرب من البلاء لِيعارَض بأنَّ الآيةَ السابقة
ذُكِرت الرحمةُ فيها مقدَّمة عليه، فناسب ذلك تقديمَ الذكور على الإناث. وفي
تعريف الذكور - مع ما فيه من الاستدراك لِقضية التأخير - التنبيهُ على أنه المعروفُ
الحاضرُ في قلوبهم أولَ كلِّ خاطر، وأنه الذي عقدوا عليه مُناهم.
ولما قضى الوطر من هذا الأسلوب قيل: ((أو يزوجهم)) أي: الأولاد ((ذكراناً
وإناثاً)) أي: يخلق ما يهبهم زوجاً؛ لأن التزويجَ جعلُ الشيء زوجاً، فـ ((ذکرانا
وإناثا)) حال من الضمير، والواو قيل: للمعية؛ لأن حقَّه التأخير عن القِسمين سياقاً
ووجوداً، فلا تتأتَّى المقارنة إلا بذلك، وقيل ذلك لأنَّ المرادَ: يهبُ لمن يشاء
ما لا يهواه، ويَهَبُ لمن يشاء ما يهواه، أو يَهَبُ الأمرين معاً، لا أنه سبحانه يجعل
من كلٍّ من الجنسين الذكور والإناث على حياله زوجاً، ولولا ذلك لَتوهّم ما ذُكر،
فتأمَّله. ولِتركُبه منهما لم يُكرَّر فيه حديث المشيئة، وقدّم المقدَّم على ما هو عليه في
الأصل، ولم يُعرَّفْ إذْ لا وجهَ له.
ثم قيل: (وَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا) أي: لا يُولد له، فقيِّد بالمشيئة لأنه قِسْم
آخر، وكأنه جيء بـ ((أو)) في ((أو يُزوِّجهم)) دون الواو كما في سابقه من حيث إنه
قسيمُ الانفراد المشترك بين الأولين، ولم يُؤت في الأخير لاتِّضاحه بأنه قسيمُ الهبة
المشتركة بين الأقسام المتقدِّمة. فتأمَّل.
وقيل: قدَّم الإناث توصيةً برعايتهن لِضَعْفهنَّ، لاسيما وكانوا قريبي العهد
بالوأد، وفي الحديث: (مَن ابتُلي بشيء من هذه البنات فأحسنَ إليهنَّ كُنَّ له ستراً

الآية : ٥١
٣٢٠
سُؤَدَّةُ الشِّوْرَى
من النار))(١). وقيل: قُدِّمت لأنها أكثرُ، لِتكثير النسل، فهي من هذا الوجه أنسبُ
بالخَلْقِ المراد بيانُه. وقيل: لِتطييب قلوب آبائهنَّ لما في تقديمهنَّ من التشريف،
لأنهنَّ سببٌ لِتكثير مخلوقاته تعالی.
وقال الثعالبي: إنه إشارةٌ إلى ما في تقدُّم ولادتهن من اليمن، حتى إن أولَ
مولود ذَكَر يكون مشؤوماً فيقولون له: بِكْرُ بِكُرين(٢). وعن قتادة: من يُمن المرأة
بکیرُها بأُنثى.
وقيل: قُدِّمتْ وأُخِّر الذكور مُعَرَّفاً للمحافظة على الفواصل.
والمناسب للسياق ما علمت سابقاً .
وقال مجاهد في ((أو يزوجهم)): التزويجُ أن تلد المرأةُ غلاماً ثم تلد جارية.
وقال محمد بن الحنفية ﴾: هو أن تَلِدَ توأماً غلاماً وجاريةً.
وزعم بعضُهم أن الآية نزلت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث وهب
سبحانه لشعيب ولوط عليهم السلام إناثاً، ولإبراهيم عليه السلام ذكوراً، ولرسوله
محمد الز ذكوراً وإناثاً، وجعل عيسى ويحيى عليهما السلام عقيمين.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾﴾ مبالغ جل شأنه في العلم والقُدرة، فيفعل ما يفعل
بحكمة واختيار.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي: ما صحَّ لفرد من أفراد البشر. ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ
مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ ظاهرُه حصرُ التكليم في ثلاثة
أقسام: الأول: الوحي، وهو المرادُ بقوله تعالى: ((إلا وحيا)» وفسَّره بعضُهم بالإلقاء
في القلب سواء كان في اليقظة أو في المنام، والإلقاءُ أعمُّ من الإلهام، فإن إيحاء أُمّ
موسى إلهامٌ، وإيحاء إبراهيم عليه السلام إلقاءٌ في المنام وليس إلهاماً، وإيحاء
الزبور إلقاءٌ في اليقظة كما روي عن مجاهد، وليس بإلهام؛ والفرقُ أن الإلهام
لا يستدعي صورةً كلام نفساني، فقد وقد، وأما اللفظي فلا، وأما نحو إيحاء الزبور
(١) أخرجه أحمد (٢٤٥٧٢)، والبخاري (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩) من حديث عائشة
(٢) ثمار القلوب ص٦٦٦، وقوله: بكر بِكْرَين، يعني أن المولود بكر، وكل من أبويه كذلك.