Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٢٥ ٢٨١ سُورَةُ الشُِؤْرَى والبكاءُ بدل كلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَه (١). وهذا يَحْتَمِلُ أن تكون التوبةُ مجموعَ هذه الأمور، فالمرادُ أكملُ أفرادها، ويحتمل أنها اسمٌ لكلِّ واحد منها، والأولُ أظهرُ. واختلف في التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض؛ هل هي صحيحة أمْ لا؟ والذي عليه الأصحاب أنها صحيحةٌ؛ لِظواهر الآياتِ والأحاديث، وصِدْقِ التعريف عليها . وأكثرُ المعتزلة على أنها غيرُ صحيحة، قال أبو هاشم منهم: لو تاب عن القَبيح لكونه قبيحاً وجب أن يتوبَ عن كلِّ القبائح، وإنْ تاب عنه لا لمجرَّد قُبحه بل لغرض آخرَ لم تَصِحَّ توبتُه. وتُعقّب بأنه يجوز أن يكونَ الباعثُ شدةَ القُبح أو أمراً دينيّاً آخر، وأيضاً يجري نظيرُ هذا في فعل الحَسَنِ، بل يقال: لو فعل الحسنَ لكونه حسناً وجب عليه أن يفعلَ كلَّ حسن، وإنْ فعله لِغرضٍ آخرَ لم يُقبل. وفيه بحث. واستدلَّ المعتزلة بالآية على أنه يجب عليه تعالى قَبول التوبة. واستدلَّ أهلُ السنة بها على عدم الوجوب، لمكان التمدُّح، ولا تملُّحَ بالواجب، وفيه أيضاً بحثٌ، وإلا نفع في هذا المقام أدلةُ نفي الوجوب مطلقاً عليه عز وجل. ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ صغائرها وكبائرها لمن يشاء من غير اشتراطِ شيء، كالتوبة للكبائر واجتنابها للصغائر. وقال الطيبي: المعنى: من شأنه - تعالى شأنُه - قَبولُ التوبة عن عباده إذا تابوا، والعفوُ عن سيئاتهم بمحض رحمته أو بشفاعةٍ شافع. وقال المعتزلة: أي: يعفو عن الكبائر إذا تِيبَ عنها، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، فالعفو عن السيئات عليه أعمُّ من قبول التوبة لِشُموله الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، وهو تعمیمٌ بعد تخصیص. والظاهرُ مع أهل السنة؛ إذْ لا دلالة في النظم الجليل على تخصيص السيئات، نعم المرادُ بها غير الشِّرك بالإجماع. (١) أخرجه الثعلبي في تفسيره ٣١٥/٨. سُورَةُ الشِوَى ٢٨٢ الآية : ٢٦ (٥) بتاء الخطاب عند حفص والأخوين وعلقمة وعبد الله، ﴿وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ وبياء الغيبة عند الجمهور(١)، وعلى الأول ففيه التفاتٌ، و((ما)) موصولة، والعائدُ محذوف، أي: يعلم الذي تفعلونه كائناً ما كان من خير وشرّ، فيجازي بالثواب والعِقاب، أويتجاوزُ سبحانه بالعفو حسبما تقتضيه مشيئته جلَّ وعلا المَبْنِيَّةُ على الحِكْم والمصالح. وقيل: يعلم ذلك فيجازي التائبَ، ويتجاوزُ عن غيره إذا شاء سبحانه، والأولُ أظهر. وفي ((الكشاف))(٢): يعلم سبحانه ذلك فَيُئيب على الحسنات ويُعاقِبُ على السيئات. وفي ((الكشف)) بعد نقله: هو - أي: قوله تعالى: ((ويعلم)) إلخ - تذييلٌ للكلام السابق يؤكّد ما ذكره من القَبول والعفو؛ لأنه تعالى إذا علم العَمَلين والعاملين جازى كلَّ بما فعل، فأولى أنْ يُجازي هؤلاء المحسنين بأفعالهم، ثم فيه لطفٌ وحثٌّ على لزوم الحَذَر منه تعالى، والإخلاصِ له سبحانه في إمحاض التوبة، ونحن أيضاً لا نُنكر أنه تذييلٌ فيه تأكيدٌ كما لا يخفى. ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ عطفٌ على ((يقبل التوبة)) فالفاعل ضميرُه تعالى. و((الذين)) مفعول بدون تقدير شيء بناءً على أنَّ ((يستجيب)) يتعدَّى بنفسه کما یتعدّی باللام، نحو: شكرتُه وشکرتُ له، أوبتقدیر اللام على أنه من باب الحذف والإيصال، والأصل: يستجيبُ للذين آمنوا، بناءً على أنه يتعدَّى للداعي باللام، وللدعاء بنفسه، ونحوُ هذا قوله: وداعٍ دعا يا من يُجيبُ إلى النَّدی فلم يَستجبه عند ذاك مُجيبُ(٣) وأَجابَ واستجابَ بمعنّى، أي: ويُجيب اللهُ تعالى الذين آمنوا إذا دَعَوْا، وحاصِلُه: يُجيب دعاءَهم. وجوَّز بعضُهم أن يكونَ الكلامُ بتقدير هذا المضاف، قيل: وهو أَولى من القول بإيصال الفعل بحذف الصِّلة؛ لأنَّ حذف المضاف إذا لم يلبس مُنقاس، وذاك مسموع. (١) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢. والأخوان: هما حمزة والكسائي. (٢) ٣/ ٤٦٩. (٣) البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو في الأصمعيات ص٩٦. الآية : ٢٦ ٢٨٣ سُورَةُ الشُِّورَى ويجوز أن يكون المرادُ: يُثيبهم على طاعتهم، فإنَّ الطاعةَ لكونها طَلَبَ ما يترتَّب عليها من الثواب شابهَتِ الدعاءَ وشابهت الإثابةُ عليها الإجابةَ، ومن هذا يُسمَّى الثناءُ دعاءً؛ لأنه يترتَّب عليه ما يترتَّب عليه. وسُئل سفيان عن قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: ((أكثرُ دعائي ودُعاءُ الأنبياء قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير))(١) فقال: هذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: ((مَنْ شغله ذِكْري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أُعطي السائلين))(٢) ألا ترى قولَ أُمية بن الصَّلت لابن جدعان حين أتاه يبغي نائله: ثناؤك إنَّ شيمتَكَ الحياء أَأذكُر حاجتي أَمْ قد كّفاني كفاه عن تعرُّضك الثناء(٣) إذا أَثنى عليك المرءُ يوماً وجعلوا من ذلك قوله ◌َّله: ((أفضلُ الدُّعاء الحمدُ لله))(٤) على معنى أنَّ الحمدَ يدلُّ على الدعاء والسؤال بطريق الكناية والتعريض. وقيل: هو على إطلاق الدُّعاء على الحمد لشبهه به في طلب ما يترتَّب عليه. وجُوِّز أنْ يُرادَ بالإجابة معناها الحقيقيُّ والإثابة بناءً على القول بصحة الجمع بين الحقيقة والمجاز، أي: يُجيب دعاءَهم ويُثيبهم على الطاعة ﴿وَيَزِيدُهُ﴾ على ما سألوا واستحقُّوا ﴿مِن فَضْلِ﴾ الواسع جلَّ شأنُه. وقيل: إنَّ فاعل ((ويستجيبُ)): ((الذين آمنوا))، واستظهره أبو حيان(٥)، والجملةُ عطفٌ على مجموع قوله تعالى: (هو الَّذِى يَقْبَلُ النََّةٌ) إلخ، أي: ينقادون لله تعالى ويُجيبونه سبحانه إذا دعاهم، وهو المرويُّ عن ابن جُبير. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما لنا ندعو فلا نُجاب؟ فقال: لأنه سبحانه (١) سلف ١١/ ٤٢ - ٤٣. (٢) سلف عند تفسير الآية (٢٠) من سورة الإسراء. (٣) ديوان أمية ص١٧، وشرح الحماسة للمرزوقي ١٧٨١/٤، وفيهما: حياؤك، بدل: ثناؤك. و: من تعرُّضه، بدل: عن تعرُّضك. (٤) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٨٠٠) من حديث جابر ـ (٥) في البحر المحيط ٧/ ٥١٧ . سُورَةُ الشُِّورَى ٢٨٤ الآية : ٢٦ دعاكم فلم تُجيبوه، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَيِ﴾ [يونس: ٢٥] و(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ)(١). وهذا يُؤكِّد هذا الوجهَ؛ لأنه - قُدِّس سرُّه - ذكر أن الله تعالى دعاكم بقوله عز وجل: (وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ) وذكر أن المؤمن من استجابَ دعوةَ ربِّه تعالى بقوله: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوأ) فمن لا يُجيب دعاءه تعالى لا يُجيب تعالى أيضاً دعاءه. وكون الفاعل ضميرَه تعالى قد رُوي ما يقتضيه عن ابن عباس ومعاذ بن جبل(٢). ((ويَزِيدهم)) عليه عطفٌ على ما قبلَه، وعلى الوجه الآخر عطفٌ على مُقدَّر، أي: فَيُوفِّيهم أجورهم ويَزيدهم عليها، على أسلوب ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا﴾ [النمل: ١٥] وقوله سبحانه: (مِنِ فَضْلِ") متعلِّقٌ بـ ((يزيدهم)) مطلقاً، وجُوِّز تعليقُه بالفعلين على التنازع، فإنَّ الإجابةَ والثوابَ فضلٌ منه تعالى كالزيادة. وأيَّاما كان فالظاهرُ عمومُ ((الذين آمنوا)). ورُوي عن سعيد بن جُبير [عن ابن عباس] أن رسول الله وَ له حين قَدِمَ المدينةَ واستحكم الإسلامُ قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسولَ الله عليه الصلاة والسلام ونقول له: إنْ تَعْرُكَ أمورٌ فهذه أموالُنا تحكم فيها. فنزلت: (قُل لَّ أَنْشَلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىْ) فقرأها عليهم، وقال: ((تودُّون قرابتي من بعدي)) فخرجوا مُسلِّمين، فقال المنافقون: إنَّ هذا لشيءٌ افتراه في مَجْلسه أراد بذلك عزَّ قرابته من بعده. فنزلت: (أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّ) فأرسل إليهم، فتلاها عليهم، فبكَوْا ونَدِموا، فأنزل الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،) فأرسلَ نَّهِ إليهم فَبَشَّرهم، وقال: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) وهم الذين سَلَّموا لقوله. ذَكر ذلك الطبرسي(٣)، وذَكر قريباً منه في ((الدر المنثور)) لكن قال: أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) وابن مردويه عن ابن جُبير بسند ضعيف(٤)، والذي يغلب على الظنّ الوضع. (١) الكشاف ٣/ ٤٦٩. (٢) قول معاذ والله أخرجه الطبري ٥٠٧/٢٠، وذكره عنهما ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥/٥. (٣) في مجمع البيان ٢٥/ ٥٠، وما سلف بین حاصرتين منه. (٤) الدر المنثور٧/٦، وهو في المعجم الأوسط (٥٧٥٨)، وفي الكبير (١٢٣٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٠٣: فيه عثمان بن عمير أبو اليقظان، وهو ضعيف. الآية : ٢٧ ٢٨٥ سُؤَدَّةُ الشُِّورَى ﴿وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ( النهـ بَدَلَ ما للمؤمنين من الإجابة والتفضُّل. ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: لَتكَبَّروا فيها بطراً، وتجاوزوا الحدَّ الذي يليقُ بالعبيد، أولَظلمَ بعضُهم بعضاً، فإنَّ الغِنى مَبْطرةٌ مَأْشرةٌ، وكفى بحال قارونَ عبرةً، وفي الحديث: ((أَخْوَفُ ما أخاف على أُمتي زهرةٌ الدنيا وكَثْرتُها))(١) ولبعض العرب: وقد جعل الوَسْميُّ يُنبت بيننا وبين بني رومان نَبْعاً وشَوْحَطا (٢) وأصلُ البغي طلبُ أكثر مما يجب بأنْ يتجاوز في القَدْر والكمية، أو في الوصف والكيفية. ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف من الإنزال(٣). ﴿يِقَدَرٍ﴾ بتقديرِ ﴿مَّا يَشَاءُ﴾، وهو ما اقتضَتْه حِكمتُه جلَّ شأنه. ﴿إِنَُّ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٨) محيطٌ بخفيَّات أُمورهم وجَلاياها، فيقدِّر لكلِّ واحد منهم في كل وقت من أوقاتهم ما يَليق بشأنه، فَيُفْقِر ويُغني، ويمنع ويُعطي، ويقبِضُ ويَبسطُ، حسبما تقتضيه الحِكمةُ الربّانية، ولو أغناهم جميعاً لَبَغَوْا، ولو أَفقرهم لهلکوا . واستشكلَت الآيةُ بأنَّ الغِنى كما يكون سببَ البغي فكذلك الفقر قد يكون، فلا يظهر الشرطية. وأجاب جارُ الله (٤) بأنه لا شُبهة أن البغي مع الفقر أقلُّ، ومع البَسْطِ أكثرُ (١) أخرجه أحمد (١١١٥٧)، والبخاري (١٤٦٥)، ومسلم (١٠٥٢) بنحوه، من حديث أبي سعيد الخدري ـ (٢) أورده أبو العلاء في رسالة الصاهل والشاحج ص ٥٤٠، وابن قتيبة في المعاني الكبير ٨٩٥/٢، وبنو رومان: رَهْط من طيِّئ، كما في الاشتقاق ص ٣٨٠. والوَسْمي: مطر الربيع الأول، كما في القاموس (وسم)، والنبع والشوحط: ضربان من الشجر، وهي هاهنا القِسيّ. قاله ابن قتيبة. (٣) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢. (٤) في الكشاف ٤٦٩/٣. سُورَةُ الشُورَى ٢٨٦ الآية : ٢٧ وأغلبُ، وكلاهما سببٌ ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، فلو عمَّ البسط لغلبَ البغيُ حتى ينقلبَ الأمرُ إلى عكس ما عليه الآن. وأراد - والله تعالى أعلمُ - أن نظامَ العالم على ما هو عليه يستمرّ وإن كان قد يصدرُ من الغني في بعض الأحيان بغيٌّ، ومن الفقير كذلك، لكن في أحدِهما ما يدفعُ الآخرَ، أما لو أَفقرهم كلَّهم لكان الضَّعفُ والهُلْكُ لازماً، ولو بسطَّ عليهم كلِّهم مع أن الحاجةَ طبيعيةٌ لكان من البغي ما لا يُقادَر قَدْرُه؛ لأن نظامَ العالم بالفقر أكثرُ منه بالغنى، وهذا أمرٌ ظاهرٌ مكشوفٌ. ثم إن الفقرَ الكُلِّي لا يُتُصوَّر معه البغي، للضَّعف العامِّ، ولأنه لا يَجِدُ حاجته عند غيره لِيَظْلمه، وأما الغِنى الكُلِّي فعنده البغي التامّ. وأما الذي عليه سنَّةُ الله عز وجل فهو الذي جمع الأمرين مُشتملاً على خوفٍ للغني من الفقراء يَزَعُه عن الظّلم، وخوفٍ للفقير من الأغنياء أكثرَ منه يدعوه إلى التعاون لِيفوزَ بمبتغاه، ويَزَعُه عن البغي، ثم قد يَتَّفق بغيٌّ من هذا أو ذاك. كذا قرَّره صاحبُ (الكشف)) ثم قال: وهذا جوابٌ حسنٌ لا تَكَلُّفَ فيه، وهو إشارةٌ إلى ردِّ العلّامة الطيبي، فإنه زعم أنه جوابٌ مُتَكَلَّف، وأن السؤال قويّ، وذهب هو إلى أنَّ المرادَ بـ ((عبادِه)) مَنْ خصَّهم الله تعالى بالكرامة وجعلهم من أوليائه، ثم قال: وينصره التذييلُ بقوله تعالى: (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ووضع المُظهر موضعَ المُضمَر، أي: إنه تعالى خبيرٌ بأحوال عبادهِ المُكرمين بصيرٌ بما يُصلحهم وما يُرْدِيهم، وإليه ينظرُ ما ورد عنه وَّهِ: ((إذا أحبَّ اللهُ تعالى عبداً حماهُ الدنيا كما يظلُّ أحدُكم يحمي سَقِيمَه الماء)»(١) ويشدُّ من عَضُدِه قولُ خَبَّاب بن الأَرَتّ: نظرنا إلى أموالِ بني قريظةً والنضير وبني قَيْنُقاع فتمنَّيناها، فنزلت (وَلَوْ بَسَطَ) الآية، وقولُ عمرو بن حريث(٢): طلبَ قومٌ من أهل الصُّفَّة من الرسول وَّل (١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٦) من حديث قتادة بن النعمان (٢) المخزومي، كان من بقايا أصحاب رسول الله # الذين كانوا نزلوا الكوفة، مولده قُبيل الهجرة، توفي سنة (٨٥هـ). السير ٤١٧/٣. الآية : ٢٨ ٢٨٧ سُورَةُ الشُِّورَى أن يُغنيهم اللهُ تعالى ويبسطَ لهم الأموالَ والأرزاق، فنزلت(١)، وعليه تفسيرُ محيي السنة(٢). انتهى. ولا يخفى أن الأنسبَ بحال المُكرَمين المُصْطَفين من عباده تعالى أن لا يُبْطِرهم الغِنى لِصفاء بَواطنهم وقُوَّة توجُّههم إلى حظائر القُدس، ومَزيد تعلُّق قلوبهم بمحبوبهم ووقوفهم على حقائق الأشياء، وكمالٍ عِلْمهم بمنتهى زخارف الحياة الدنيا، وأبناءُ الدنيا لو فكّروا في ذلك حقَّ التفكّر لهان أمرُهم وقَلَّ شَغَفُهم كما قيل: لو فكّر العاشقُ في مُنتهى حُسن الذي يَسْبِيهِ لم يَسْبهِ (٣) فلعلَّ الأولى ما تقدَّم، أويقال: إنَّ هذا في بعض العباد المؤمنين، فتأمَّل. ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ﴾ أي: المطر الذي يُغيثهم من الجَدْب، ولذلك خُصَّ بالنافع منه، فلا يقال غيثٌ لكلِّ مطر. وقرأ الجمهور: ((يُنْزِلُ)) مُخفَّفاً (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ يَئِسوا منه، وتقييدُ تنزيله بذلك مع تحقُّقه بدونه أيضاً لتذكير كمال النعمة. وقرأ الأعمش وابن وثاب: ((قَنِطُوا)) بكسر النون(٥) . ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: منافعَ الغيث وآثارَه في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذُكر انتظاماً أوليًّا. وقيل: الرحمةُ هنا ظهورُ الشمس؛ لأنه إذا دام المطرُ سُئِم، فتجيء الشمس بعدَه عظيمةَ الموقع. ذكره المهدوي، وليس بشيء. ومن البعيد جدًّا ما قاله السدي من أن الرحمةَ هنا الغيثُ نفسُه؛ عدَّد النعمة نفسها بلفظین. وأيًّا ما كان فضميرُ ((رحمته)) لله عز وجل، وجُوِّز على الأول كونُه للغيث. (١) ذكر الخبرين الواحدي في أسباب النزول ص٣٩٦. (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٢٧ . (٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٣٧/١. (٤) قرأ بالتخفيف ابنُ كثير وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ باقي العشرة بالتشديد. التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢. (٥) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٥، وأبو حيان في البحر ٥١٨/٧. سُورَةُ الشُِّورَى ٢٨٨ الآية : ٢٩ ﴿وَهُوَ الْوَلِىُّ﴾ الذي يتولَّى عباده بالإحسان ونشر الرحمة ﴿الْحَمِيدُ المستحقُّ للحمد على ذلك، لا غيره سبحانه. ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع، فإنها بذاتها وصفاتها تدلُّ على شؤونه تعالى العظيمة، ومَن له أدنى إنصافٍ وشعورٍ يجزمُ باستحالة صُدورِها من الطبيعة العديمةِ الشعور. ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ عطفٌ على ((السماوات))، أي: ومن آياته خلقُ ما بثَّ، أو عطفٌ على ((خَلْقُ))، أي: ومن آياته ما بَثَّ. و ((ما)) تحتمل الموصولية والمصدرية، والموصولية أظهرُ، ولا حاجةً عليه إلى تقدير مضاف، أي: خلق الذي بثَّ، خلافاً لأبي حيان(١) . ﴿مِن ◌َآبَةٍ﴾ أي: حيوان له دبيبٌ وحركة، وظاهرُ الآية وجودُ ذلك في السماوات وفي الأرض، وبه قال مجاهد، وفسَّر الدابة بالناس والملائكة، ويجوز أن يكون للملائكة مشيٌّ مع الطيران. واعترض ذلك ابنُ المُنَيِّر (٢) بأن إطلاق الدابَّةِ على الأناسيّ بعيدٌ في عُرف اللُّغة، فكيف بالملائكة؟! وادَّعى أنَّ الأصحَّ كونُ الدوابِّ في الأرض لا غير، وما في أحدِ الشيئين يَصْدُقُ أنه فيهما في الجملة، فالآية على أسلوب ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْمَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وذلك لقوله تعالى في البقرة: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَةٍ﴾ [الآية: ١٦٤] فإنه يدلُّ على اختصاص الدوابُ بالأرض؛ لأن مَقامَ الإطناب يقتضي ذِكْره لو كان، لا للعمل بمفهوم اللَّقب الذي لا یقول به الجمهور. والجوابُ أن التي في البقرة لمَّا كانت كلاماً مع الغبيّ والفَهِم والمُسترشِد والمُعانِد جيء فيه بما هو معروفٌ عند الكلّ؛ وهو بتُّ الدوابِّ في الأرض، وأما هاهنا فجيء به مُدمجاً مختصراً لِمَا تكرَّر في القرآن - ولاسيما في هذه السورة - مِن كمالٍ قُدرته على كلِّ ممكن فقيل: ((ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث (١) البحر المحيط ٧/ ٥١٨. (٢) في الانتصاف (مع الكشاف) ٣/ ٤٧٠ . الآية : ٢٩ ٢٨٩ سُورَةُ الشُِّورَى فيهما)) مُؤثَراً على لفظ الخَلْقِ لِيدلَّ على التكثير الدالٌّ على كمال القُدرة، وبيّن بقوله تعالى: ((مِنْ دابَّة)) تعميماً وتغليباً لغير ذوي العلم في السماوي والأرضي تحقيقاً للمخلوقية، فقد ثبتَ في صحاح الأحاديث ما يدلُّ على وجودِ الدوابِّ في السماء من مراكبٍ أهل الجنة وغيرها(١)، وكذلك ما يدلُّ على وجود ملائكةٍ كالأ وعال(٢)، بل لا يبعدُ أن يكونَ في كل سماء حيواناتٌ ومخلوقاتٌ على صُوَرٍ شتى وأحوالٍ مختلفة لا نعلمُها، ولم يُذكَر في الأخبار شيء منها، فقد قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وأهلُ الأرصاد اليوم يتراءى لهم بواسطة نظّاراتهم مخلوقاتٌ في جِرْم القمر لكنهم لم يُحقِّقوا أمرَها لِنَقْص ما في الآلات على ما يدَّعون، ويَحتمِلُ أن يكون فيما عدا القمر، ونفيُ ذلك ليس من المعلوم من الدين بالضرورة ليضرَّ القولُ به. وقيل: المرادُ بالسماوات جهاتُ العُلوّ المُسامتَةُ للأقاليم مثلاً. وفي جوٍّ كلِّ إقليم، بل كل بلدة، بل كل قطعة من الأرض، حيواناتٌ لا يحصي كَثْرتَها إلا الله تعالى، بعضُها يُحَسُّ بها بلا واسطةِ آلَةٍ، وبعضُها بواسطتها . وقيل: المراد بها السُّحب، وفيها من الحيوانات ما فيها . وكلُّ ذلك على ما فيه لا يُحتاج إليه، وكذا لا يُحتاج إلى ما ذهب إليه كثيرٌ من أن المرادَ بالدابَّة الحيّ مجازاً؛ إما من استعمال المُقيَّد في المُطلق، أو (١) منها ما أخرجه أحمد (٢٢٩٨٢) عن بريدة الأسلمي ه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّقو فقال: يا رسول الله، إني أحب الخيل، ففي الجنة خيل؟ قال: ((إن يدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوته حمراء تطير بك في أيِّ الجنة شئتَ، إلا ركبت)) وجاء آخر فقال: يا رسول الله، أفي الجنة إبل؟ قال: ((يا عبد الله، إن يدخلك الله الجنة، كان لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك)) وهو حديث ضعيف في إسناده عبد الرحمن المسعودي، اختلط بأخَرة، وكل من روى عنه هذا الحديث ممن روى عنه بعد الاختلاط، وانظر ما ذكره القرطبي في هذا الباب في التذكرة ص ٤٨٥ . (٢) أخرج أحمد (١٧٧٠) في حديث طويل عن العباس ظه، وفيه (( ... وفوق السماء السابعة بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ... )) وفي إسناده يحيى بن العلاء البجلي، قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال أحمد: كذاب يضع الحديث. كما في التقريب. سُوَّةُ الشُِّورَى ٢٩٠ الآية : ٣٠ إطلاقِ الشيء على لازمه، أوالمُسبَّبِ على سببه؛ لأن الحياةَ سببٌ للدبيب وإن لم تكن الدابَّةُ سبباً للحي، فيكون مجازاً مُرسلاً تبعيّاً؛ لأن الاحتياجَ إلى ذلك عدولٌ عن الظاهر، ولا يُعدَلُ عنه إلا إذا دلَّ دليلٌ على خِلافه، وأين ذلك الدليل؟! بل هو قائمٌ على وجودِ الدوابِّ في السماء كما هي موجودةٌ في الأرض. ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ أي: حَشْرهم بعد البَعْث للمحاسبة ﴿إِذَا يَشَآءُ﴾ ذلك ﴿قَدِيرٌ ﴾﴾ تامُّ القُدرة كامِلُها، و((إذا)) متعلِّقة بما قبلها لا بـ ((قدير))؛ لأن المُقيَّدَ بالمشيئة جَمْعُهُ تعالى لا قُدْرتُه سبحانه، وهي كما تدخلُ على الماضي تدخل على المضارع، ومنه قوله: وإذا ما أشاءُ أَبعثُ منها آخرَ الليل ناشطاً مذعورا(١) وقولُ صاحب ((الكشف)): لقائلِ أن يُفرِّق بين ((إذا)) و((إذا ما)) = الظاهرُ أنه ليس في مَحَلِّه، وقد نصَّ الخفاجي على عدم الفرقِ، وجعل القولَ به تَوَهُّماً(٢)، وكذا نصَّ على أنها تدخلُ على الفِعلين ظرفيةً كانت أوشرطية. وقيَّد ذلك الطيبيُّ بما إذا كانت بمعنى الوقت كما هنا . وضمير ((جمعهم)) قيل: السماوات والأرض وما فيهما على التغليب. وهو كما ترى. وقيل: للدوابِّ المفهوم مما تقدَّم، وضمير العقلاء للتغليب المناسب، لكون الجمع للمحاسبة. وقيل: للناس المعلوم من ذلك، ولعله الأولى. ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن ◌ُصِيبَةٍ﴾ أيِّ مصيبة كانت من مصائب الدنيا، کالمرض وسائر النَّكَبات ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: فبسببٍ معاصيكم التي اكتسبتموها، و((ما)) اسمٌ موصول مبتدأ، والمبتدأ إذا كان موصولاً صِلتُه جملةٌ فعلية تدخلُ على خبره الفاءُ كثيراً لما فيه من معنى الشرط لإشعاره بابتناء الخبر عليه، فلذا جيء بالفاء هنا . (١) البيت لكعب بن زهير، وهو في ديوانه ص٣٣، وفيه: مطلع، بدل: آخر. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٤٢٢ . الآية : ٣٠ ٢٩١ سُوَرَّةُ الشُِّورَى وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر في رواية وشيبة: ((بما)) بغير فاء(١)؛ لأنها ليست بلازمة، وإيقاعُ المبتدأ موصولاً يكفي في الإشعار المذكور، وحُكي عن ابن مالك أنه قال: اختلافُ القراءتين دلَّ على أن ((ما)) موصولة، فجيء تارةً بالفاء في خبرها وأُخرى لم يُؤْتَ بها حظّاً للمشبّه عن المشبّه به. وجوِّز كون ((ما)) شرطية، واستظهره أبو حيان(٢) في القراءة بالفاء، وجعلها موصولةً في القراءة الأُخرى بناءً على أنَّ حذفَ الفاء من جواب الشرط مخصوصٌ بالشعر عند سیپویه نحو: مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يشكرُها(٣) والأخفش وبعضُ نُحاة بغداد أجازوا ذلك مطلقاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُتْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقال أبو البقاء: حذفُ الفاء من الجواب حسنٌ إذا كان الشرطُ بلفظ الماضي(٤). ويُعلم منه مزيدُ حسن حَذْفها هنا على جعل ((ما)) موصولة. ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾﴾ أي: من الذنوب، فلا يُعاقِبُ عليها بمصيبة عاجلاً، قيل: وآجلاً . وجُوِّز كونُ المراد بالكثير الكثيرَ من الناس. والظاهرُ الأول، وهو الذي تشهدُ له الأخبار؛ روى الترمذي عن أبي موسى أنَّ رسولَ اللهِوَلَه قال: ((لا يُصيبُ عبداً نكبةٌ فما فوقَها، أو دونها، إلا بذنبٍ، وما يعفو اللهُ تعالى عنه أكثرُ، وقرأ (وَمَّ أَضَبَكُم مِّن تُصِيبَةٍ)) (٥). (١) التيسير ص١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢، والبحر ٥١٨/٧، وعنه نقل المصنف. (٢) في البحر المحيط ٥١٨/٧. (٣) كتاب سيبويه ٦٥/٣، وعجزه: والشرُّ بالشرِّ عند الله مثلان. واختلف في قائله؛ قال البغدادي في الخزانة ٥١/٩: نسبه سيبويه وخَدَمَتُه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ﴿ه، ورواه جماعة لكعب بن مالك الأنصاري. وقد سلف ٦/ ١٥٢ . (٤) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٢/ ٦٣١ . (٥) سنن الترمذي (٣٢٥٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. سُورَةُ الشُِّورَى ٢٩٢ الآية : ٣٠ وأخرج ابنُ المنذر وجماعةٌ عن الحسن قال: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ (وَمَّ أَصَبَكُم) إلخ، قال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده، ما مِنْ خَدْشِ عودٍ، ولا اختلاجِ عِرْقٍ، ولا نكبةِ حَجَرٍ، ولا عَثْرةٍ قَدَم، إلا بذنب، وما يعفو اللهُ عز وجل عنه أكثرُ))(١). وأخرج ابن سعد عن أبي مليكة أنَّ أسماء بنت أبي بكر الصديق ﴿يا كانت تُصَدَّع فتضعُ يَدَها على رأسها وتقول: بذنبي، وما يَغْفِرُه اللهُ تعالى أكثرُ(٢). ورؤي على كفِّ شُريح قرحةٌ، فقيل: بم هذا؟ فقال: بما كسبت يدي(٣). وسُئل عمران بن حُصين عن مرضه فقال: إنَّ أحبَّه إليَّ أحبُّه إلى الله تعالى، وهذا بما كسبتْ يدي(٤). والآيةُ مخصوصةٌ بأصحاب الذنوب من المسلمين وغيرهم، فإنَّ مَنْ لا ذَنْبَ له كالأنبياء عليهم السلام قد تُصيبهم مصائب؛ ففي الحديث: ((أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثل)»(٥) ويكون ذلك لرفع درجاتِهم أو لحِكَم أُخرى خَفِيتْ علينا، وأما الأطفال والمجانين فقيل: غيرُ داخلين في الخِطاب؛ لأنه لِلمُكلَّفين، وبفرض دخولهم أخرجهم التخصيصُ بأصحابِ الذنوب، فما يُصيبهم من المصائب فهو لحِكَم خَفِيَّة . وقيل: في مصائب الطفل رفعُ درجته ودرجةِ أبويه، أومن يُشفق عليه بحسن الصبر. ثم إنَّ المصائبَ قد تكون عقوبةً على الذنب وجزاءً عليه بحيث لا يُعاقَبُ عليه يومَ القيامة، ويدلُّ على ذلك ما رواه أحمد في («مسنده» والحكيم الترمذي وجماعةٌ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: ألا أُخبركم بأفضلٍ آيةٍ في كتاب الله تعالى (١) وأخرجه هناد في الزهد (٤٣١)، وهو مرسل. (٢) طبقات ابن سعد ٨/ ٢٥١. (٣) ذكره أبو حيان في البحر ٥١٨/٧ . (٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٤٧٩/١٨. (٥) أخرجه أحمد (١٤٩٤) من حديث سعد بن مالك ، وسلف ٨٩/٥. الآية : ٣٠ ٢٩٣ سُوَدَّةُ الْشُورَى حدَّثنا بها رسولُ الله ◌َّهِ: ((وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) وسأُفَسِّرها لك يا علي: ما أصابك من مرض، أو عقوبةٍ أوبلاءٍ في الدنيا فيما كسبَتْ أيديكم، والله تعالى أكرمُ من أَنْ يُثَنِّيَ عليكم العقوبةَ في الآخرة، وما عفا الله تعالى عنه في الدنيا فالله سبحانه أكرمُ من أنْ يعودَ بعد عَفْوِه))(١). وزعم بعضُهم أنها لا تكون جزاءً؛ لأنَّ الدنيا دارُ تكليف، فلو حصل الجزاءُ فيها لكانت دارَ جزاء وتكليف معاً، وهو مُحالٌ، فما هي إلا امتحانات. وخبرُ عليٍّ كرم الله وجهه يَرُدُّه، وكذا ما صحَّ من أنَّ الحدودَ - أي: غير حدّ قاطع الطريق - مُكَفِّرات(٢)، وأيُّ مُحالية في كون الدنيا دارَ تكليف ويقع فيها لبعض الأشخاص ما يكون جزاءً له على ذَنْبه، أي: مُكَفِّراً له. وعن الحسن تفسير المصيبة بالحدّ قال: المعنى: ما أصابكم من حدٍّ من حدود الله تعالى فإنما هو بكسب أَيديكم وارتكابِكم ما يُوجبه، ويعفو اللهُ تعالى عن كثيرٍ، فيستره على العبدِ حتى لا يُحَدَّ عليه. وهو مما تأباه الأخبار، ومع هذا ليس بشيء، ولعله لم يَصِحَّ عن الحسن. وفي ((الانتصاف)): إن هذه الآية تُبْلِسُ عندها القدرية(٣)، ولا يُمكنهم ترويجُ (١) مسند أحمد (٦٤٩) بهذا اللفظ، وفي إسناده الأزهر بن راشد الكاهلي، وهو ضعيف، والخضر بن القواس وأبو سخيلة، وهما مجهولان كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب. وأخرجه بنحوه بإسناد آخر ودون ذكر الآية أحمد (٧٧٥)، والترمذي (٢٦٢٦) وقال: حديث حسن غريب صحيح. (٢) أخرج البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت ظاله قال: قال رسول الله وير: ((بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ... فمن وَفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه)) وفي رواية لمسلم (١٧٠٩) (٤٣): (( ... ومن أتى منكم حدّاً فأقيم عليه فهو كفارته .. )) وينظر ما قاله الحافظ ابن رجب في هذا الباب في جامع العلوم والحكم شرح الحديث الثامن عشر. (٣) أي: تنقطع فلا يكون لها حجةٌ، ويقال للذي يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون عنده جواب: قد أَبْلَس. اللسان (بلس). وجاء بدلاً منها في الانتصاف: تنكسر. سُورَةُ الشِوَى ٢٩٤ الآية : ٣١ - ٣٢ حيلة في صرفها عن مقتضى نَصِّها، فإنهم(١) حملوا قولَه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن كَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] على التائب، وهو غيرُ مُمكن لهم هاهنا، فإنه قد أَثبت التبعيضَ في العفو، ومُحالٌ عندهم أن يكون العفوُ هنا مقيَّداً بالتوبة، فإنه يلزم تبعيضها أيضاً، وهي عندهم لا تتبعَّض، كما نقل الإمامُ عن أبي هاشم، وهو رأسُ الاعتزال، والذي تولَّى كِبره منهم، فلا محلَّ لها إلا الحقُّ الذي لا مِرْيةً فيه، وهو ردُّ العفو إلى مشيئة الله تعالى غيرَ موقوفٍ على التوبة(٢). وأُجيب عنهم بأنَّ لهم أن يقولوا: المرادُ: ويعفو عن كثير فلا يُعاقِبُ عليه في الدنيا، بل يُؤْخِّر عقوبته في الآخرة لمن لم يَتُبْ. وأنت تعلمُ ما دلَّ عليه(٣) خبرُ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: بجاعلين الله سبحانه وتعالى عاجزاً عن أنْ يُصيبكم بالمصائب بما كسبتْ أيديكم وإنْ هربتُم في أقطار الأرض كلَّ مَهْرب، وقيل: المرادُ: إنكم لا تُعجِزون مَن في الأرض من جنوده تعالى، فكيف مَن في السماء. ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍ﴾ من مُتَولِّ بالرحمة يرحمكم إذا أصابتكم المصائب. وقيل: يَحميكم عنها ﴿وَلَّا نَصِيرٍ ﴾﴾ يدفعها عنكم. والجملة كالتقرير لقوله تعالى: ((ويعفو عن كثير)) أي: إن اللهَ تعالى يعفو عن كثيرٍ من المصائب إذْ لا قُدرة لكم أن تُعجزوه سبحانه فتفوّتوا ما قضى عليكم منها، ولا لكم أيضاً من متولِّ بالرحمة غيره عز وجل لِيرحمكم إذا أصابتكم، ولا ناصرَ سواه لِينصُرَكم منها، ولهذا جاء عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّ هذه أرجى آية في القرآن للمؤمنين (٤). ويقوِّي أمرَ الرجاء - على ما قيل - أن معنى ((ما أنتم)) .. إلخ: ما أنتم بمعجزين اللهَ تعالى في دَفْعِ مصائبكم، أي: إنه سبحانه قادرٌ على ذلك. ﴿َوَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ﴾ أي: السُّفن الجواري، أي: الجارية، فهي صفةٌ لموصوف (١) في (م): فإنها . (٢) الانتصاف (مع الكشاف) ٣/ ٤٧٠. (٣) قوله: عليه، ساقط من (م). (٤) أورده القرطبي في تفسيره ٤٧٨/١٨. الآية : ٣٣ ٢٩٥ سُؤَدَّةُ الشُِّورَىُ محذوف، لِقرينة قوله تعالى: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ وبذلك حَسُنَ الحذفُ، وإلا فهي صفةٌ غير مختصة، والقياس فيها أن لا يُحذف الموصوف، وتقوم مقامَه. وجوَّز أبو حيان(١) أن يقال: إنها صفةٌ غالبة، كالأبطح، وهي يجوز فيها أنْ تليَ العواملَ بغير ذكر الموصوف. و ((في البحر)) مُتعلِّق بالجواري، وقولُه تعالى: ﴿كَالْأَعَمِ﴾ في موضع الحال. وجُوِّز أن يكون الأولُ أيضاً كذلك. و((الأعلام)) جمع: عَلَم، وهو الجبل، وأصلُه الأثرُ الذي يُعلم به الشيء، كعلَم الطريق، وعَلَم الجيش، وسُمِّي الجبلُ عَلَماً لذلك، ولا اختصاصَ له بالجبل الذي عليه النارُ للاهتداء، بل إذا أريد ذلك قُيِّد كما في قول الخنساء: وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهُدَاةُ به كأنه عَلَمٌ في رَأُسهِ نَارُ(٢) وفيه مبالغةٌ لطيفة، وحُكي أنَّ النبيَّ نَّه قال لمَّا سَمِعه: ((قاتَلها الله تعالى، ما رَضِيَتْ بتشبيهه بالجبل حتى جَعلَتْ على رأسهِ ناراً)»(٣). وقرأ نافع وأبو عمرو: ((الجواري)) بياء في الوصل دون الوقف، وقرأ ابنُ كثير بها فيهما، والباقون بالحذف فيهما (٤). والإثباتُ على الأصل، والحذفُ للتخفيف، وعلى كلِّ فالإعراب تقديري، وسُمع من بعض العرب الإعرابُ على الراء. ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ﴾ التي تجري بها ويعدمُ سببَ تموُّجها، وهو تكاثفُ الهواء الذي كان في المحلّ الذي جرت إليه، وتراكم بعضه على بعض، وسببُ ذلك التكاثف إما انخفاضُ درجة حرارة الهواء فيقلّ تمدُّده ويتكاثفُ ويَتركُ أكثرَ المحلّ الذي كان مشغولاً به خليّاً، وإما تجمُّع فُجائيٌّ يحصل في الأبخرة المُنتشِرة في الهواء فيخلو مَحلّها، وهذا - على ما قيل - أقوى الأسباب، فإذا وجدَ الهواءُ أمامَه (١) البحر المحيط ٥٢٠/٧. (٢) ديوان الخنساء ص٤٩. (٣) أورده الرازي في تفسيره ٢٧/ ١٧٥، ولم نقف عليه مسنداً. (٤) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٨/٢. وقرأ أبو جعفر كقراءة نافع وأبي عمرو، وقرأ يعقوب کقراءة ابن كثير. سُورَةُ الشُِّورَىُ ٢٩٦ الآية : ٣٣ فراغاً بسبب ذلك جرى بقوة لِيشْغَله فتحدث الريحُ وتستمرُّ حتى تملأ المحلَّ. وما ذُكر في سبب التموُّج هو الذي ذكره فلاسفةُ العصر. وأما المُتقدِّمون فذكروا أشياءَ أُخر، ولعلَّ هناك أسباباً غيرَ ذلك كلِّه لا يعلمها إلا الله عز وجل، والقولُ بالأسباب تحريكاً وإسكاناً لا يُنافي إسنادَ الحوادث إلى الفاعلِ المُختار جلَّ جلاله وعَمَّ نَوالُه. وقرأ نافع: ((الرياح)) جمعاً (١). ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ﴾ فيصِرْنَ ثوابتَ عل ظهر البحر، أي: غيرَ جاريات لا غيرَ مُتحرِّكات أصلاً. وفسَّر بعضُهم ((يَظْللن)) بـ: يَبْقَيْنَ، فيكون (رواكد» حالاً، والأولُ أَوْلى. وقرأ قتادة: ((فَيَظْلِلْنَ)) بكسر اللام(٢)، والقياسُ الفتح؛ لأن الماضي مكسورُ العين، فالكسر في المضارع شاذٌّ، وقال الزمخشري(٣): هو من ظلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ بالفتح والكسر، نحو: ضلَّ - بالضاد - يَضِلُّ ويَضَلُّ، وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنه ليس كما ذكر؛ لأن يَضَلُّ بالفتحِ مِنْ ضَلِلْتُ بالكسر، ويَضِلُّ بالكسر مِنْ ضَلَلْتُ بالفتح، وكلاهما مُقِیسٌ. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من السُّفن المُسَخّرة في البحر تحت أَمره سبحانه وحَسَب مشيئته تعالى ﴿لَيٍَ﴾ عظيمةٌ كثيرةٌ على عَظَمةِ شؤونه عزَّ وجل ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾﴾ لكلِّ مَن حبس نَفْسَه عن التوجه إلى ما لا ينبغي ووكل هِمَّته بالنظرِ في آيات الله تعالى والتفكّرِ في آلائه سبحانه، فالصبرُ هنا حَبْسٌ مخصوصٌ، والتفكّر في نِعَمهِ تعالى شُكر. ويجوز أن يكونَ قد كَنّى بهذين الوَصْفين عن المؤمن الكامل؛ لأنَّ الإيمانَ (١) وهي أيضاً قراءة أبي جعفر. التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢. (٢) المحتسب ٢/ ٢٥٢. (٣) في الكشاف ٣/ ٤٧١. (٤) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٠. الآية : ٣٤ ٢٩٧ سُوَّةُ الشُِّورَى نِصْفُه صبرٌ ونِصْفُه شُكْر (١). وذكر الإمام(٢) أنَّ المؤمنَ لا يخلو من أن يكون في السراء والضرَّاء، فإن كان في الضراء كان من الصابرين، وإنْ كان في السرَّاء كان من الشاکرین. ﴿أَوْ يُرِقْهُنَّ﴾ عطفٌ على ((يُسكن))، أي: أو: يُهْلِكهنَّ بإرسال الريحِ العاصفة المُغرقة، والمرادُ - على ما قال غيرُ واحد - إهلاكُ أهلِها؛ إما بتقدير مضاف، أو بالتجوُّز بإطلاق المحلّ على حالِّه، أوبطريق الكناية؛ لأنه يلزمُ من إهلاكها إهلاكُ مَنْ فيها، والقرينةُ على إرادة ذلك قولُه تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ وأصلُه: أويُرسلها - أي: الريح - فَيُوبقهنَّ؛ لأنه قَسيم ((يُسكن)) فاقتصر فيه على المقصود من إرسالها عاصفةً، وهو إما إهلاكُهم أوإنجاؤهم المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ إذ المعنى: أويُرسِلها فَيُوبق ناساً بذنوبهم ويُنْجِ ناساً على طريق العفو عنهم، وبهذا ظهر وجهُ جزم ((يَعْفُ)) لأنه بمعنى يُنْجِ معطوف علی یُوبق، ويُعلم وجه عَظْفه بالواو لأنه مُندرجٌ في القَسيم، وهو إرسالها عاصفة. وعلى هذا التفسير تكون الآيةُ متضمنةً لإسكانها ولإرسالها عاصفةً مع الإهلاك والإنجاء، وإرسالُها باعتدالٍ معلومٌ من قوله سبحانه: ((الجواري)) فإنها المطلوبُ الأصلي منها . وقال بعض الأجِلَّة: التحقيقُ أنَّ ((يعفُ)) عطفٌ على قوله تعالى: ((يُسْكِن الريح)) إلى قوله سبحانه: ((بما كسبوا)) ولذا عُطِفَ بالواو لا بـ ((أو))، والمعنى: إنْ يَشَأُ يُعاقبهم بالإسكان، أوالإعصاف، وإن يشأ يَعْفُ عن كثير(٣). وجوَّز بعضُهم(٤) حَمْلَ ((يُوبقهنَّ)) على ظاهره؛ لأنَّ السفنَ من جُملة أموالهم (١) يشير إلى حديث أنس به، قال: قال رسول الله وَلهو: ((يا أنس، الإيمان نصفان؛ نصف شكر ونصف صبر)) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٥٩)، وفي إسناده عتبة بن السَّكن ويزيد بن أبان الرقاشي، وهما متروكان. كما في ميزان الاعتدال ٢٨/٣ و٤١٨/٤. وسلف ٣٧٢/١١. (٢) في تفسيره مفاتيح الغيب ٢٧/ ١٧٥ . (٣) حاشية الشهاب ٤٢٣/٧ . (٤) المصدر السابق. سُورَةُ الشُِّورَى ٢٩٨ الآية : ٣٥ التي هلاكُها والخسارةُ فيها بذنوبهم أيضاً، وجعلَ الآيةَ مِثْلَ قولِه تعالى: (وَمَّاً أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ) إلخ. وقرأ الأعمش: ((يَعْفؤْ)) بالواو الساكنةِ آخره(١)، على عَظْفه على مجموع الشرط والجواب، دون الجواب وحدَه، كما في قراءة الجزم، وعن أهل المدينة أنهم قرؤوا: (يعفوَ)) بالواو المفتوحة(٢) على أنه منصوبٌ بـ ((أنْ)) مُضمرة وجوباً بعد الواو، والعطفُ على هذه القراءة على مصدر مُتصيَّد من الكلام السابق، كأنه قيل: يقع(٣)، وهو من العطف على المعنى، وهذا مذهب البصريين في مِثْل ذلك، وتُسمَّى هذه الواو واوَ الصَّرف، لِصَرْفها عن عَظْف الفعل على (٤) المجزوم قبلَها إلى عطف مصدر على مصدر. ومذهبُ الكوفيين أنَّ الواو بمعنى ((أنْ)) المصدرية ناصبة للمضارع بنفسها . واختار الرضي أن الواو إما واو الحال، والمصدرُ بعدَها مبتدأُ خبره مُقدَّر، والجملةُ حاليةٌ، أو واو المعية، ويُنصب بعدَها الفعل لِقَصْد الدلالة على معية الأفعال، كما أن الواو في المفعول معه دالةٌ على مصاحبة الأسماء فعدلَ به عن الظاهر ليكونَ نصّاً في معنى الجمعية. والمشهورُ اليوم على ألسنةِ المُعرِبين مذهبُ البصريين، وعليه خرَّج أبو حيان(٥) النصبَ في هذه القراءة، وكذا خرَّج غيرُ واحد ومنهم الزجَّاج(٦) النصبَ في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيِّ مَايَئِنَا مَا لَهُم ◌ِن تَجِصِ (®﴾ - أي: من مَهْرَب ومَخْلَص من العذاب - على ذلك، وجعلوا الجزاءَ بمنزلة الإنشاء كالاستفهام، فكأنه تقدَّم أحدُ الأمور الستة(٧)، ولم يرتضِ ذلك الزمخشري، وقال: فيه نظرٌ، لما أورده (١) ذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٥٢٠. (٢) ذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٥٢٠، وهي قراءة شاذة. (٣) كذا وقع في الأصل و(م)، والتقدير كما في البحر ٧/ ٥٢٠، والدر المصون ٥٥٨/٩: أو يقع إيباق وعفوٌ عن كثير. (٤) قوله: على، ليس في (م). (٥) في البحر المحيط ٧/ ٥٢٠. (٦) في معاني القرآن ٣٩٩/٤. (٧) وهي: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. ينظر حاشية الشهاب ٤٢٤/٧. الآية : ٣٥ ٢٩٩ سُورَةُ الشُِّورَى سيبويه في ((الكتاب)) قال: واعْلم أنَّ النصبَ بالفاء والواو في قوله: إنْ تأتني آتِك وأُعطِيَكَ، ضعيف، وهو نحوٌ من قوله: وألحقُ بالحجازِ فأَستريحا (١) فهذا تجوُّز، وليس(٢) بِحدِّ الكلام ولا وجههِ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أنْ يكونَ من الأول فعل، فلما ضارعَ الذي لا يُوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضَعْف(٣). ولا يجوز أن تُحمل القراءةُ المُستفيضة على وجهٍ ضعيف ليس بحدِّ الكلام ولا وجھه، ولو کانت من هذا الباب لما أخلی سیبویہ مِنھا کتابه، وقد ذکر نظائرها من الآيات المُشكلة(٤). انتھی. وخرَّج هو النصب في ((يعلم)) على العطف على عِلَّة مُقدَّرة، قال: أي: لينتقم منهم ويَعْلمَ الذين .. إلخ. وكم من نظيرٍ له في القرآن العظيم، إلا أن ذلك مع وجودٍ حرف التعليل كقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقوله سبحانه: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْخِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]. وقال أبو حيان(٥): يُبْعِدُ هذا التقرير أنه ترتّب على الشرط إهلاكُ قوم ونجاةٌ قوم، فلا یحسن: لينتقم منهم. وأُجيب بأنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بالمجرمين، فالمقصودُ الهلاكُ، ويجوز أن يُقدّر: ليظهرَ عظيم قُدرته تعالى ويعلمَ الذين يُجادلون، فلا يَرد عليه ما ذُكر. ويَحسنُ ذلك التقدير في توجيه النصب في ((يعفوَ)) على ما رُوي عن أهل المدينة إذا خُدش التوجيهُ السابق بما نُقل عن سيبويه، فيقال: إنه عطفٌ على تعليل مُقدَّر، أي: لِينتقمَ منهم ويعفو عن كثير. (١) البيت للمغيرة بن حبناء الحنظلي، وصدره كما في الخزانة ٥٢٢/٨: سأترك منزلي لبني تميم. (٢) في الأصل و(م): ولا، والمثبت من الكتاب والكشاف، وفيهما: يجوز، بدل: تجوّز. (٣) الكتاب ٩٢/٣. (٤) الكشاف ٣/ ٤٧٢ . (٥) في البحر المحيط ٧/ ٥٢١. سُورَةُ الشُِّورَى ٣٠٠ الآية : ٣٥ وقراءة النصب في ((يعلمَ)) هي التي قرأ بها أكثرُ السبعة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر والأعرج وشيبة وزيد بن عليٍّ بالرفع(١). وقَرَّر في ((الكشف)) وجهَه بأنه على عطفٍ ((يعلم)) على مجموع الجملة الشرطية، على معنى: ومِن آياته الدالّة على كمال القُدرة السفنُ في البحر، ثم ذكر وجهَ الدلالة، وأنها مُسخّرة تحت أمره سبحانه تارةً بتضمُّن نفع مَن فيها، وتارة بالعكس، ثم قال جلَّ وعلا: ويعلمُ الذين يُعاندون ولا يعترفون بآيات الله تعالى الباهرة، بدل قوله سبحانه فيها بالضمير الراجع إلى الآية المبحوث عنها شهادةً بأنها من آيات الله تعالى، وزيادةً للتحذير وذمِّ الجِدال فيها، وليكون على أُسلوب الكناية على نحو: العرب لا تَخْفِرُ الذِّمم، فكأنه لمَّا قيل: إن يشأ يُسكن الريحَ، وذكر سبب الدلالة، صار في معنى: يعلمها ويعترفُ بها المُتدبِّرون في آياتنا المسترشدون، ويعلمُ المجادِلون فيها المُنكِرون ما لهم مِنْ مَحيص. وجاز أن يُجعلَ عطفاً على قوله تعالى: ((ومن آياته الجوار)) وتُجعل هذه وحدَها آيات لِتضمُّنها وجوهاً من الدلالة أُقيمت مُقَامَ المُضمر، والمعنى: ومِن آیاتِ الجوارِ ويَعلمُ المجادلون فيها، واعتُرض بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه ببيان وجه الدلالة، لِيدلَّ على موجبٍ وعيدِ المُجادِل، وعلى كونها آيةً، بل آيات. ونُقِلَ عن ابن الحاجب أنه يجوز أن يكون الرفعُ بالعطف على موضعِ الجزاء المُتقدِّم باعتبار كونه جملةً لا باعتبار عطفٍ مُجرد الفعل ليجب الجزمُ، فتكون الجملتان مشتركتين في المُسبَبية، وفيه بحثٌ يُعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقرئ: ((ويَعْلَمْ)) بالجزمُ(٢)، وخُرِّج على العطف على ((يعفُ))، وتسبُّبُه عن الشرط باعتبارِ تضمّنِ الإخبار عن علم المُجادِلين بما يحلُّ بهم في المستقبلِ الوعيدَ والتحذيرَ، كما قيل: سوف تَرى إذا انجلى الغُبار أَفَرَسٌ تحتَكَ أَمْ حمارُ(٣) (١) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢، وقراءة الأعرج وشيبة وزيد بن علي في البحر المحيط ٧/ ٥٢١. (٢) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٧٢، وأبو حيان في البحر ٧/ ٥٢١. (٣) ذكره الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص٣٤٥، والميداني في مجمع الأمثال ٣٤٤/١.