Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ٢٩
١٨١
سُؤَلَا فُصِّلَتْ
وهو أن يُنْتَزِعَ من أمر ذي صفةٍ آخَرَ مثلُه مبالغةً فيها. وجُوِّز أن يقال: المقصود
ذكرُ الصفةِ، والدارُ إنما ذُكرت توطئةً، فكأنه قيل: لهم فيها الخلود.
وقيل: الكلامُ على ظاهره والظرفيةُ حقيقيةٌ، والمرادُ: إنَّ لهم في النار المشتملة
على الدرَكات دارٌ مخصوصةٌ هم فيها خالدون. والأول أبلغ.
﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ بِإِنَا يَحْحَدُونَ ﴾﴾ منصوبٌ بفعل مقدَّرٍ، أي: يجْزَوْنَ جَزاءً. أو
بالمصدر السابق، فإنَّ المصدر ينتصب بمثله، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ
جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ قَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] والباء الأولى متعلّقةٌ بـ ((جزاء))، والثانية
بـ ((يجحدون)) قدِّمت عليه لقصد الحصر الإضافيّ مع ما فيه من مراعاة الفواصل،
أي: بسببٍ ما كانوا يجحدون بآياتنا الحقَّةِ دونَ الأمور التي ينبغي جحودُها. وجعل
بعضهم الجحودَ مجازاً عن اللَّغْوِ المسبّب عنه، أي: جزاءً بما كانوا بآياتنا يَلْغُون.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم متقلِّبون فيما ذكر من العذاب: ﴿رَبََّ أَرِنَا الَّذَيْنِ
أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ يعنون فريقَيْ شياطين النوعَيْنِ المقيَّضَيْنِ لهم الحامِلَيْنِ لهم
على الكفر والمعاصي بالتسويل والتزيين.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وقتادة أنَّهما إبليسُ وقابيل، فإنهما سببا الكفرِ
والقتلِ بغير حقِّ(١).
وتعقِّب بأنه لا يصحُّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فإنَّ قابيل مؤمنٌ عاصٍ.
والظاهر أنَّ الكفارَ إنَّما طلبوا إراءةَ المضلِّين بالكفر المؤدِّي إلى الخلود. وكونُهم
رئيسَ الكَفَرَة ورئيسَ أهل الكبائر خلافُ الظاهر.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر: ((أَرْنا)) بالتخفيف(٢)، كفَخْذ
بالسكون في فَخِذ. وفي ((الكشاف)): ((أَرِنا)) بالكسر للاستبصار، وبالسكون
= الكلابي، برواية: أقادَتْ بنو مروان قيساً دماءنا. وقد سلف الشطر الثاني ١٢/ ٤٤٠ بتغير في
اللفظ .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٨٦/٢، وتفسير الطبري ٤٢٠/٢٠، والمستدرك ٤٤٠/٢.
(٢) التيسير ص١٩٣، والنشر ٢٢٢/٢.

سُورَةٌ فُضَّلَتْ
١٨٢
الآية : ٣٠
للاستعطاء، ونقله عن الخليل(١)، فمعنى القراءة عليه: أَعْطِنا اللَّذَيْنِ أضلَّانا.
﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ ندوسُهما بها انتقاماً منهما. وقيل: نجعلهما في الدَّرْك
الأسفل من النار ليشتدَّ عذابهما، فالمراد: نجعلهما في الجهة التي تحت أقدامنا .
وقرئ في السبعة: ((اللَّذَيْنِ)) بتشديد النون(٢)، وهي حجَّةٌ على البصريين الذين
لا يجوِّزون التشديدَ فيها في حالِ كونها بالياء، وكذا في اللتين وهذين وهاتين.
﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ ذلَّ ومهانةً، أو مكاناً.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ﴾ شروعٌ في بيان حُسْن أحوال المؤمنين في الدنيا والآخرة
بعد بيانِ سوءِ حالِ الكَفَرة فيهما، أي: قالوه اعترافاً بربوبيته تعالى وإقراراً بوحدانيته،
كما يُشعِر به الحصرُ الذي يُفيده تعريفُ الطرقَيْنِ كما في : صدیقی زید.
﴿ثُمَّ أَسْتَقَدّمُوا﴾ ثم ثَبَتُوا على الإقرار ولم يَرجِعوا إلى الشرك، فقد رُوي عن
الصِّدِّيق ◌َه أنه تلا الآية - وهي قد نزلت [فيه] على ما رُوي عن ابن عباس(٣) - ثم
قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يُذْنِبوا. قال: قد حملتُم الأمرَ على أَشَدِّه. قالوا:
فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان(٤).
وعن عمر تَظُه: استقاموا لله تعالى بطاعته، لم يَرُوغُوا رَوَغان الثعالب(٥).
وعن عثمان رَُّه: أخلَصُوا العملَ.
وعن الأمير عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أدَّوا الفرائض(٦).
وقال الثوري: عَمِلُوا على وِفاق ما قالوا.
(١) الكشاف ٣/ ٤٥٢-٤٥٣.
(٢) هي قراءة ابن كثير كما في التيسير ص٩٥، والنشر ٢٤٨/٢.
(٣) قول ابن عباس أن الآية نزلت في أبي بكر ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٩٤، وابن
الجوزي في زاد المسير ٧/ ٢٥٤، والرازي ١٢١/٢٧، وما استدركناه بين حاصرتين زيادة
يقتضيها السياق.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٢٣/٢٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٤٠.
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٢٥)، والطبري في تفسيره ٤٢٥/٢٠ .
(٦) قول عثمان وعلي في الكشاف ٣/ ٤٥٣، والبحر ٤٩٦/٧.

الآية : ٣٠
١٨٣
سُؤَدَةُ فُضِلَةْ
وقال الفضيل: زَهِدوا في الفانية ورَغِيوا في الباقية.
وقال الربيع: أعرَضُوا عمَّا سوى الله تعالى(١).
وفي ((الكشاف)): أي: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته(٢)، وأراد أنَّ من قال:
ربِّي الله تعالى، فقد اعترف أنه عزَّ وجلَّ مالكه ومدبِّر أمره ومربِّيه، وأنه عبدٌ مربوبٌ
بين يدي مولاه، فالثباتُ على مقتضاه أن لا تزلَّ قدمُه عن طريق العبودية قلباً وقالباً
ولا يتخطَّاه، وفيه يندرج كلُّ العبادات والاعتقادت، ولهذا قال وّ لمن طلب أمراً
يعتَصِم به: ((قل: ربي الله تعالى، ثم استقم))(٣). وذُكر أنَّ ما ورد عن الخلفاء
. جزئياتٌ لهذا المعنى، ذكر كلٌّ منها على سبيل التمثيل (٤).
الراشدین
ولا يخفى أنَّ كلامَ الصَّدِّيقِ رَّهِ يُبعِد كونَ ما ذَكَره على سبيل التمثيل.
ولعلَّ (ثم)) على هذا للتراخي الرُّتبي، فإنَّ الاستقامةَ عليه أعظمُ وأصعبُ من
الإقرار، وكذا يقال على أغلب التفاسير السابقة. وجوِّز أن تكونَ للتراخي الزماني
لأنها تحصل بعد مدةٍ من وقت الإقرار.
وجُعِلت على تفسير الاستقامة بأداء الفرائض أو بالعمل للتراخي الرتبي أيضاً، بناءً
على أنَّ الإقرارَ مبدأُ الاستقامة على ذلك ومنشؤها، وهذا على عكس التراخي الرتبي
الذي سمعتَه أولاً؛ لأنَّ المعطوفَ عليه فيه أعلى مرتبة من المعطوف إذ هو العمدةُ
والأساس، وعلى ما تقدَّم المعطوفُ أعلى مرتبةً من المعطوف عليه كما لا يخفى.
﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ من الله ربِّهم عزَّ وجلَّ ﴿الْمَلَبِكَةُ﴾، قال مجاهد والسدي:
عند الموت(٥). وقال مقاتل: عند البعث، وعن زيد بن أسلم: عند الموت، وفي
القبر، وعند البعث(٦).
(١) الأقوال الثلاثة في تفسير القرطبي ٤١٦/١٨-٤١٧، والبحر ٧ /٤٩٦.
(٢) الكشاف ٣/ ٤٥٣ .
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٤١٠) عن سفيان بن عبد الله الثقفي، وقال: حسن صحيح.
وهو عند مسلم (٣٨) بلفظ: ((قل: آمنت بالله، فاستقم)).
(٤) حاشية الشهاب ٣٩٩/٧.
(٥) تفسير الطبري ٤٢٦/٢٠.
(٦) قول مقاتل في النكت والعيون ٥/ ١٨٠، وقول ابن زيد في إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٦٠.

سُؤَةٌ فُضَّلَتْ
١٨٤
الآية : ٣١
وقيل: ((تتنزّلُ عليهم)): يُمِدُّونهم فيما يعِنُّ ويطرَأُ لهم من الأمور الدينية
والدنيوية بما يشرَحُ صدورَهم ويدفع عنهم الخوفَ والحزنَ بطريق الإلهام، كما أنَّ
الكفرةَ يُغوِيهم ما قُيِّضَ لهم من قُرَناء السوء بتزيين القبائح. قيل: وهذا هو الأظهر
لِما فيه من الإطلاق والعموم الشامل لتنزُّلهم في المواطن الثلاثة السابقة وغيرها،
وقد قدمنا لك أنَّ جمعاً من الناس يقولون بتنزّل الملائكة على المتقين في كثير من
الأحايين، وأنَّهم يأخذون منهم ما يأخذون، فتذكَّر.
﴿أَلَّا تَّخَافُواْ﴾ ما تقدمون عليه، فإنَّ الخوفَ غمٌّ يلحَقُ لتوقُّع المكروه ﴿وَلَا
تَحْزَنُوا﴾ على ما خلَّفتم، فإنَّه غمٌّ يلحَق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارٍّ.
ورُوي هذا عن مجاهد(١) .
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ردَّ حسناتكم فإنها مقبولةٌ، ولا تحزنوا
على ذنوبكم فإنها مغفورةٌ.
وقيل: المراد نهيهُم عن الغموم على الإطلاق، والمعنى أنَّ الله تعالى كتب لكم
الأمنَ من كلِّ غمٍّ فلن تذوقوه أبداً.
و((أن)) إما مصدريةٌ و((لا)) ناهية، أو نافية وسقوط النون للنصب، والخبرُ في
موضع الإنشاء مبالغةً. وإما مخفَّفةٌ من الثقيلة، و((تَنَزَّلُ)) مضمَّن معنى العلم، و((لا))
ناهيةٌ، و((أن)) في الوجهين مقدَّرةٌ بالباء، أي: بأنْ لا تخافوا، أو بأنه لا تخافوا،
والهاء ضميرُ الشأن. وإما مفسِّرةٌ و((تَتَنَزَّل)) مضمَّن معنى القول، و((لا)) ناهيةٌ أيضاً.
وفي قراءة عبد الله: ((لا تَخافُوا)) بدون ((أَنْ))(٢)، أي: يقولون: لا تخافوا. على
أنه حالٌ من ((الملائكة)) أو استئنافٌ.
﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴾﴾ أي: التي كنتم تُوعَدونها في
الدنيا على ألسنة الرُّسُل عليهم السلام، هذا من بِشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة،
وقولُه تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْقِ الذُّنْيَا﴾ إلى آخِره من بشاراتهم في الدنيا،
أي: أعوانُكم في أمورِكم نُلهِمُكم الحقَّ ونُرشِدكم إلى ما فيه خيرُكم وصلاحُكم.
(١) في تفسير الطبري ٢٠/ ٤٢٧ بمعناه.
(٢) تفسير الطبري ٤٢٦/٢٠، والقراءات الشاذة ص ١٣٣، والبحر ٧ /٤٩٦.

الآية : ٣٢
١٨٥
سُؤَّدَةُ فُضِلَتْ
ولعلَّ ذلك عبارةٌ عما يخطرُ ببال المؤمنين المستمرِّين على الطاعات من أنَّ ذلك
بتوفيق الله تعالى وتأييدِه لهم بواسطة الملائكة عليهم السلام، ويجوز على قول
بعض الناس أن تقولَ الملائكةُ لبعض المتقين شفاهاً في غير تلك المواطن: ((نَحْنُ
أولیاؤُكُم في الحياةِ الدنیا)).
﴿وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ نُمِدُّكم بالشفاعة ونتلقَّاكم بالكرامة حين يقع بين الكَفَرَة وقرنائِهم
ما يقع من الدعاوى والخِصام. وذهب بعض المفسِّرين على أنَّ هذا من بشاراتهم
في أحد المواطن الثلاثة أيضاً، على معنى: كنا نحنُ أولياؤكم في الدنيا ونحن
أولياؤكم في الآخرة. وقيل: هذا من كلام الله تعالى دون الملائكة، أي: نحن
أولياؤكم بالهداية والكفاية في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ﴾ من فُنُون الملاذٌ ﴿وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَدَعُونَ ﴾﴾ ما تتمنَّون، وهو افتعالٌ من الدعاء بمعنى الطلب، أي:
تَدَّعُون لأنفسكم.
وهو عند بعضٍ أعمُّ من الأول؛ لأنَّه قد يَقَعُ الطلبُ في أمورٍ معنويةٍ وفضائلَ
عقليةٍ روحانيةٍ. وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، إذ قد يشتهي المرءُ
ما لا يطلبه كالمريض يشتهي ما يضرُّه ولا يريده، وكون التمنِّي أعمَّ من الإرادة غير
مسلَّم، نعم قيل: إذا أريد بالمتمنَّى ما يصحُّ تمنِّيه لا ما يُتْمنَّى بالفعل فذاك.
وقال ابن عيسى(١): المراد: ما تَدَّعُون أنَّه لكم فهو لكم بحُكْمٍ ربّكم.
((ولكم)) في الموضعين خبرٌ، و((ما)) مبتدأٌ، و((فيها)) حالٌ من ضميره في الخبر،
وعدمُ الاكتفاء بعطفِ ((ما تَدّعون)) على ((ما تَشْتَهِي)) للإيذان باستقلالِ كلٍّ منهما.
، قال الحسن: مَنَّا (٢). وقال بعضهم: ثواباً. وتنوينُه للتعظيم، وكذا
وصفُه بقوله تعالى: ﴿مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيمٍ ﴾﴾، والمشهورُ أنَّ النُّزُلَ ما يُھَيَُّ للنزیل
- أي: الضيف - ليأكله حين نزوله، وتحسُن إرادتُه هنا على التشبيه؛ لِما في ذلك من
الإشارة إلى عِظَم ما بعدُ من الكرامة.
(١) هو علي بن عيسى، وقوله في النكت والعيون ١٨٠/٥.
(٢) المصدر السابق.

سُؤَدَّةُ فُضَّلَتْ
١٨٦
الآية : ٣٣
وانتصابه على الحال من الضمير في الظرف الراجع إلى ((ما تَدَّعُوْنَ)) لا من
الضمير المحذوف الراجع إلى (ما)) لفسادِ المعنى؛ لأنَّ التمنِّي والادِّعاء ليس في
حال كونه نُزُلاً، بل ثَبَتَ لهم ذلك المدَّعى واستقرَّ حالَ كونه نُزُلاً، وجعلُه حالاً من
المبتدأ نفسه لا يخفى حالُه على ذي تمییز.
وقال ابن عطية (١): (نُؤُلاً)) نصبٌ على المصدر. والمحفوظ أنَّ مصدرَ ((نَزَل))
نُزُولٌ، لا نُزُلٌ، وجعله بعضُهم مصدراً لـ ((أنْزَلَ)). وقيل: هو جمع نازلٍ، كشارِفٍ
وشُرُف، فينتَصِبُ على الحال أيضاً، أي: نازِلين، وذو الحال على ما قال
أبو حيان: الضميرُ المرفوعُ في ((تَذَّعُونَ)(٢). ولا يحسُن تعلُّقُ (مِنْ غَفُورٍ)) به على
هذا القول، فقيل: هو في موضع الحال من الضمير في الظرف. فلا تغفل.
وقرأ أبو حيوة: ((نُزْلاً)) بإسكان الزاي (٣).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اَللَّهِ﴾ أي: إلى توحيده تعالى وطاعته، والظاهرُ
العمومُ في كلِّ داعٍ إليه تعالى، وإلى ذلك ذهب الحسن ومقاتل وجماعة (٤).
وقيل بالخصوص، فقال ابن عباس: هو رسول الله وَله، وعنه أيضاً: هم
أصحاب محمد وَلخي(٥). وقالت عائشة وقيس بن أبي حازم وعكرمة ومجاهد: نزلت
في المؤذِّنين(٦)، وينبغي أن يُتأوَّل قولُهم على أنَّهم داخلون في الآية، وإلا فالسورةُ
بكمالها مكيةٌ بلا خلاف، ولم يكن الأذانُ بمكة إنما شُرع بالمدينة. والتزامُ القول
بتأخّرٍ حكمها عن نزولها كما ترى.
والظاهر أنَّ المرادَ الدعاءُ باللسان، وقيل: به وباليد، كأن يدعُوَ إلى الإسلام
ویُجاهِد.
(١) في المحرر الوجيز ١٥/٥ .
(٢) البحر ٧ / ٤٩٧ .
(٣) المحرر الوجيز ١٥/٥، والبحر ٧ / ٤٩٧.
(٤) النكت والعيون ١٨١/٥، وزاد المسير ٢٥٧/٧، والبحر ٧ / ٤٩٧ .
(٥) الكشاف ٤٥٣/٣، وزاد المسير ٢٥٧/٧.
:٠
(٦) أخرجه عن عائشة وعكرمة النحاسُ في إعراب القرآن ٤/ ٦٠-٦١، وأخرجه عن قيسٍ الطبريُّ
في تفسيره ٢٠/ ٤٣٠-٤٣١، وقول مجاهد في زاد المسير ٢٥٦/٧، والبحر ٤٩٧/٧ .

الآية : ٣٣
١٨٧
سُؤَةُ فُضِلَتْ
وقال زيد بن عليٍّ: دعا إلى الله بالسيف(١)، ولعلَّ هذا - والله تعالى أعلم - هو
الذي حَمَلَه على الخروج بالسيف على بعض الظَّلَمَة من ملوك بني أمية.
وكان زيدٌ هذا رَّه عالماً بكتاب الله تعالى وله تفسيرٌ ألقاه على بعض النَّقَلَة
عنه وهو في حبسٍ هشام بن عبد الملك، وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب
حظّ وافرٌ. ويقال: إنه كان إذا تَناظَر هو وأخوه محمد الباقر اجتمع الناسُ
بالمحابر، يكتبون ما يصدُر عنهما من العلم، رحمهما الله تعالى ورضي عنهما.
والاستفهامُ في معنى النفي، أي: لا أحدَ أحسنُ قولاً ممن دعا إلى الله.
﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: عملاً صالحاً، أيَّ عملٍ صالح كان. وقال أبو أمامة:
صلَّى بين الأذان والإقامة(٢). ولا يخفى ما فيه، وقال عكرمة: صلَّى وصام. وقال
الكلبي: أدَّى الفرائضَ(٣). والحقُّ العمومُ.
﴿وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ أي: تلَفَّظَ بذلك ابتهاجاً بأنه منهم وتفاخراً به
مع قصد الثواب؛ إذ هو لا ينافيه. أو: جَعَلَ واتخذ الإسلامَ ديناً له، من قولهم:
هذا قول فلان، أي: مذهبُه ومعتَقَدُه، وبعضهم يُرجِع الوجهين إلى وجهٍ واحدٍ،
والمعنى على القول بكون الآية خاصَّةً بالنبيِّ وَّه: اختار النسبةَ إلى الإسلام دون
عزِّ الدنيا وشَرَفها. وهو ردٌّ على قولهم: ((لا تَسْمَعُوا لهذا القُرْآن)) وتعجيبٌ منه.
وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال: ((وقال إنِّي)) بنون مشدّدةٍ،
دونَ نون الوقاية (٤).
واستدلَّ أبو بكر ابن العربي(٥) بالآية على عدم اشتراط الاستثناء في قول
القائل: أنا مسلم، أو: أنا مؤمن.
(١) المحرر الوجيز ١٦/٥.
(٢) تفسير القرطبي ٤١٩/١٨، وهو قول عائشة
الوجيز ١٥/٥.
ـّا كما فى النكت والعيون ٥/ ١٨١، والمحرر
(٣) البحر ٧/ ٤٩٧ .
(٤) المحرر الوجيز ١٦/٥، والبحر ٤٩٧/٧.
(٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٠ .

سُوَةٌ فُضَّلَتْ
١٨٨
الآية : ٣٤
وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكون عامِلاً عَمَلاً
صالحاً؛ ليكون الناسُ إلى قبول دعائه أقرب وإليه أسكن.
﴿وَلَا تَسْتَوِى الْمَسَنَّةُ وَلَا السَّيْئَةُ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ سِيقَت لبيان محاسن الأعمال
الجارية بين العباد إثْرَ بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد والربِّ عزَّ وجلَّ؛
ترغيباً لرسول الله وَل﴿ في الصبر على أذَّة المشركين ومُقابلةِ إساءتهم بالإحسان،
والحكم عامّ، أي: لا تستوي الخصلةُ الحسنةُ والسيئةُ في الآثار والأحكام.
و (لا)) الثانية مزيدةٌ لتأكيد النفْي، مثلُها في قوله تعالى: ﴿وَلَا اَلِظِّلُّ وَلَا الْرُورُ﴾
[فاطر: ٢١] لأن ((اسْتَوَى)) لا يكتفي بمفردٍ.
وقوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لحُسْن عاقبة الحسنة،
أي: ادفع السيئةَ حيث اعترضَتْك من بعض أعاديك ((بالتي هي أحسنُ)) منها، وهي
الحسنةُ، على أنَّ المرادَ بالأحسن الزائدُ مطلقاً، أو بأحسنِ ما يُمكِن دفعُها به من
الحسنات كالإحسان إلى مَن أساء، فإنه أحسنُ من مجرَّد العَفْو، فـ ((أحسن)) على
ظاهره، والمفضَّل عليه عامٌّ ولذا حُذِف، كما في: الله تعالى أكبر.
وإخراجه مخرج الجواب عن سؤالٍ مَن قال: كيف أصنع؟ للمبالغة والإشارةِ
إلى أنه مُهِمٌّ ينبغي الاعتناءُ به والسؤالُ عنه، وللمبالغة أيضاً وُضِع ((أَحْسَن)) موضعَ
الحسنة، لأنَّ مَن دَفَع بالأحسن هان عليه الدفعُ بما دونه.
ومما ذكرنا يُعلَم أن ليس المرادُ بالحسنة والسيئة أمرين معيَّنين، وعن عليٍّ
كرم الله تعالى وجهَه: الحسنة: حُبُّ الرسول وآله عليهم الصلاة والسلام، والسيئةُ:
بغضُهم. وعن ابن عباس: الحسنة: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. وقال الكلبيُّ:
الدعوتان إليهما. وقال الضحاك: الحلم والفحش. وقيل: الصبر وضدُّه. وقيل:
المداراة والغلظة(١). وقيل غير ذلك، ولا يخفى أنَّ بعضَ المرويِّ يكاد لا تصحُّ
إرادتُه هنا، فلعلَّه لم يثبت عمَّن رُوي عنه.
(١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥/ ١٨٢، وزاد المسير ٢٥٧/٧-٢٥٨، والبحر ٤٩٨/٧،
والكلام منه .

الآية : ٣٥
١٨٩
سُؤَدَةُ فُصِّلَتْ
وجوِّز أن يكون المرادُ بيانَ تفاؤُتِ الحسنات والسيئات في أنفسهما، بمعنى أنَّ
الحسنات تتفاوَتُ إلى حسن وأحسن، والسيئات كذلك، فتعريفُ ((الحسنة))
و((السيئة)) للجنس، و((لا)) الثانيةُ ليست مزيدةً، وأفعل على ظاهره، والكلام في
((ادْفَع)) إلخ على معنى الفاء، أي: إذا كان كلٌّ من الجنسين متفاوت الأفراد في
نفسه، فادْفَعْ بأحسن الحسنتين السيِّئ والأسْوَأ. وتردُ الفاء للاستئناف الذي ذكرنا،
وهو أقوى الوصلين. ولعلَّ الأولَ أقربُ.
﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَنَُّ وَبِىُّ حَمِيمٌ ﴾ بيانٌ لنتيجة الدفع المأمور به،
أي: فإذا فعلتَ ذلك صار عدوُّك المشاقُّ مثل الوليّ الشفيق. قال ابن عطية: دخلَتْ
(كَأنَّ) المفيدةُ للتشبيه؛ لأن العدوَّ لا يعود وليًّا حميماً بالدفع بالتي هي أحسن، وإنما
يحسُن ظاهرُه فيُشبِهِ بذلك الوليَّ الحميم(١). ولعلَّ ذلك من باب الاكتفاء بأقلِ
اللازم، وهذا بالنظر إلى الغالب، وإلا فقد تزول العداوةُ بالكلية بذلك، كما قيل:
إنَّ العداوةَ تَسْتَحِيلُ مودَّةً بتدارُكِ الهَفَواتِ بالحَسَناتِ(٢).
و((الذي بَيْنَك وبَيْنَه عَداوَةٌ)) أبلغُ من: عدوُّك. ولذا اختير عليه مع اختصاره.
والآية قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوًّا مُبيناً لرسول الله وَلِهِ،
فصار عند أهل السنَّة وليًّا مُصافِياً(٣). وكأنَّ ما عندَه انتقل إلى ولدٍ ولده يزيد عليه
من الله عزَّ وجلَّ ما يستحقُّ.
﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا﴾ أي: ما يُلَقَّى ويُؤتى هذه الفعلة والخصلة الشريفة التي هي الدفع
بالتي هي أحسن. فالضميرُ راجعٌ لِما يُفهَم من السياق، وجوِّز رجوعُه لـ ((التي هي
أحْسَن))، وحكى مكي أنَّ الضميرَ لشهادة أن لا إله إلا الله (٤). فكأنه أرجَعَ لـ ((التي
هي أحسن)) وفُسِّرت بالشهادة المذكورة، ومع هذا هو كما ترى.
وقيل: الضمير للجنةِ، وليس بشيء.
(١) المحرر الوجيز ١٦/٥.
(٢) البيت في همع الهوامع ١/ ٤١٤ دون نسبة.
(٣) تفسير البغوي على هامش تفسير الخازن ٤/ ١١٢.
(٤) البحر ٤٩٨/٧ .

سُؤَلٌ فُصِّلَتْ
١٩٠
الآية : ٣٥
وقرأ طلحة وابن كثير في روايةٍ: ((وما يُلاقاها)) من الملاقاة(١).
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: الذين فيهم طبيعةُ الصبر وشأنُهم ذلك.
﴿وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ ذو نصيبٍ عظيم من خصال الخير
وكمالِ النفس، كما رُوي عن ابن عباس، وقال قتادة: ذو حظّ عظيم من الثواب(٢).
وقيل : الحقّ العظيمُ: الجنة، وعليهما فهو وعدٌ، وعلى الأول هو مَذْحٌ.
وكُرِّر ((وَمَا يُلَقَّاها)) تأكيداً لمدح تلك الفعلة الجميلة الجليلة.
ولأوحدِ أهلِ عصره الذي بَخِل الزمانُ أن يأتي بمثله صالح أفندي كاتب ((ديوان
الإنشاء في الحدباء)» في هذه الآية عبارةٌ مختصرةٌ التزم الدقَّةَ فيها رحمة الله تعالى
عليه، وهي قوله تعالى: (وَمَا يُلَفَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ) الآيةَ: يمكنُ أن يؤخَذ من
الأول ما هو من أوَّلِ الأُول لا الثاني للاتفاق، فيتحقَّق الأشرفُ بعد إعطاء المقام
حقَّه، فيتحقَّق الحابسُ أنه مَجْدُود، فيَقِفُ عند الحدِّ المحدود. انتهت.
وأراد - والله تعالى أعلم - أنه يمكن أن يُؤْخَذ من الأول، أي: قوله تعالى:
(وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ) ومن الثاني وهو قولُه سبحانه: (وَمَا يُلَقَّتُهَا إِلَّا ذُو حَظٍ
عَظِيمٍ) ما - أي: شكلٌ - هو مِن أولٍ ضُروبِ الشكل الأول الأربعة، وهو قياسٌ منه
مركّبٌ من مُوجِبتَيْنِ كُلْيَّتَيْنِ يُنتِجِ موجبةً كلِّيَّةً، بأن يقال: كلُّ صابرٍ هو الذي يُلقَّاها،
وكلُّ من يُلقَّاها فهو ذو حِّ عظيم، يُنتج: كلُّ صابرٍ هو ذو حظّ عظيم.
ولا يمكن أن يُؤْخَذ قياسٌ من الشكل الثاني للاتفاق في الكَيْفِ، وشرط الشكل
الثاني اختلافُ المقدِّمَتَين فيه كما هو مقرَّرٌ في محلِّه، فيتحقَّقُ بعد الأخذِ وترکیبٍ
المقدِّمتَيْنِ الأمرُ الأشرفُ، أي: النتيجةُ التي هي مُوجِبةٌ كُلِّةٌ، وهي أشرفُ
المحصوراتِ الأربع؛ لاشتمالها على الإيجاب الأشرف من السلب والكليةِ
الأشرف من الجزئية، بعد إعطاء المقام حقَّه من جعل الموصول للاستغراقٍ
كما أشير إليه ليفيدَ الكليةَ، فعند ذلك يتحقَّقُ ويعلم الحابسُ - أي: الصابرُ - أنه
(١) القراءات الشاذة ص١٣٣، والبحر ٧ /٤٩٨ .
(٢) النكت والعيون ٥/ ١٨٢، والبحر ٤٩٨/٧ .

الآية : ٣٦
١٩١
سُؤَدَلٌ فُضِلَتْ
مَجْدُود، أي: ذو جَدٍّ وحظٌ، فيقف عند الحدِّ المحدود ولا يتجاوَزُ من الصبر إلى
غيره، فافهم.
﴿وَإِمَّا يَغْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ﴾ النَّوْغِ: النَّخْسُ، وهو المسُّ بطَرَفٍ قضيبٍ أو
أصبحٍ بعنفٍ مُؤلِم، استُغِيرَ هنا للوسوسة الباعثة على الشرِّ، وجُعل نازغاً للمبالغة
على طريقةٍ: جَدَّ جدُّه، فـ(من)) على هذا ابتدائيةٌ.
ويجوز أن يُراد به: نازٌِ، على أنَّ المصدرَ بمعنى اسم الفاعل، وصفاً
للشيطان، فـ (من)) بيانيةٌ، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال. أو هي ابتدائيةٌ أيضاً
لکن علی سبیل التجريد.
وجوِّز أن يكون المرادُ بالنازغ وسوسة الشيطان.
و ((إن)) شرطيةٌ، و(ما)) مزيدةٌ، أي: وإن يَنْزَغَنَّكَ ويَصرِ فَنَّك الشيطانُ عمَّا وُصِّيتَ به
من الدفع بالتي هي أحسنُ ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرِّه ولا تُطِعْه، ﴿إِنَّهُ﴾ عزَّ وجلَّ ﴿هُوَ
السَّمِيعُ﴾ فيسمع سبحانه استعاذَتك، ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ فيعلم جلَّ شأنُه نيَتَك وصلاحَك.
وقيل: ((السميعُ)) لقولِ مَن آذاك، ((العليمُ)) بفعله فينتقم منه مُغنِياً عن انتقامك.
وقيل: ((العليمُ)) بنزع الشيطان. وفي جعل ترك الدفع من آثار نَزَغاتِ الشيطان مزيدُ
تحذيرٍ وتنفيرٍ عنه، ولعلَّ الخطابَ من باب: إياك أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَه.
وجوِّز أن يرادَ بالشيطان ما يعمُّ شيطانَ الإنس، فإنَّ منهم مَن يَصرِف عن الدفع
بالتي هي أحسن ويقول: إنَّه عدوُّك الذي فَعَلَ بك كيتَ وكيتَ، فانتَهِز الفرصةَ فيه
وخُذْ ثأرَك منه؛ لتعظُم في عينه وأعيُنِ الناس، ولا يظنَّ فيك العجْزَ وقلَّةَ الهمَّة
وعدمَ المبالاة. إلى غير ذلك من الكلمات التي ربَّما لا تخطُر أبداً ببالِ شيطانِ
الجنِّ، نعوذ بالله تعالى السميع العليم من كلِّ شيطان.
وفسَّر عبدُ الرحمن بن زيد النزغَ بالغضب(١)، واستدلَّ بالآية على استحباب
الاستعاذة عنده؛ وقد روى الحاكم عن سليمان بن صُرَد قال: استَبَّ رُجُلان عند
(١) تفسير الطبري ٤٣٥/٢٠-٤٣٦، والنكت والعيون ١٨٣/٥.
. .

سُؤَةٌ فُضَّلَتْ
١٩٢
الآية : ٣٧
النبيِّ نَّهِ، فاشتدَّ غضبُ أحدهما، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((إِنِّي لأعْلَمُ
كلمةً لو قالها لذهَبَ عنه الغضبُ: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم)) فقال الرجل:
أمجنوناً تراني؟ فتلا رسول الله وَّله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللّهِ)(١).
ولعلَّ الغضب من آثار الوسوسة.
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ الدالّة على شؤونه الجليلة جلَّ شأنه ﴿الَيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ في
حدوثهما وتعاقُبِهما وإيلاج كلٍّ منهما في الآخر ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ في استنارتهما
چ
واختلافهما في قوَّة النور والْعِظَم والآثار والحركات مثلاً، وقدَّم ذكرَ الليل - قيل - تنبيهاً
على تقدُّمِه مع كون الظلمة عدماً، وناسَبَ ذكرُ الشمس بعد النهار؛ لأنها آيتُه وسببُ
تنويره، ولأنها أصلٌ لنور القمر بناءً على ما قالوا من أنه مستفادٌ من ضياء الشمس،
وأما ضياؤُها فالمشهورُ أنه غيرُ طارئ عليها من جرمٍ آخَر. وقيل: هو من العرش،
والفلاسفةُ اليومَ يظنون أنه من جرمٍ آخَرَ وادَّعوا أنهم يَرَونَ في طرفٍ من جرمِ
الشمس ظلمةٌ قليلةٌ.
تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لأنها من جملة مخلوقاته سبحانه وتعالى
المسخَّرة على وفق إرادته تعالى مثلكم ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾
الضمير - قيل - للأربعة المذكورة، والمقصودُ تعليقُ الفعل بالشمس والقمر لكن نظم
معهما الليل والنهار إشعاراً بأنهما من عدادٍ ما لا يَعلَم، ولا يختار ضرورةَ أنَّ الليلَ
والنهارَ كذلك، ولو ثَّى الضميرَ لم يكن فيه إشعارٌ بذلك.
وحُكُمُ جماعةٍ ما لا يَعقِل - على ما قال الزمخشريُّ(٢) - حُكمُ الأنثى، فيقال:
الأقلامُ بَرَيْتُها وبَرْيتُهنَّ. فلا يُتَوَهَّم أنَّ الضميرَ لَمَّا كان للَّيل والنهارِ والشمسِ والقمرِ
كان المناسبُ تغليبَ الذكور، والجوابُ بأنَّه لَمَّا كُنَّ من الآيات عُدَّت كالإناث
تكلُّفٌ عنه غِنَى بالقاعدة المذكورة.
نعم قال أبو حيان: ينبغي أن يفرّق بين جمع القلّة من ذلك وجمع الكثرة، فإنَّ
(١) المستدرك ٢/ ٤٤١، وأصل الحديث عند البخاري (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠).
(٢) في الكشاف ٣/ ٤٥٤ .

الآية : ٣٧
١٩٣
سُؤَةٌ فُضَّلَتْ
الأفصحَ في الأول أن يكونَ بضميرِ الواحدة، تقول: الأجذاعُ انكسرت. على
الأفصح. والأفصح في الثاني أن يكون بضمير الإناث، تقول: الجُذُوع انكَسَرْنَ.
وما في الآية ليس بجمع قلةٍ بلفظٍ واحدٍ، لكنه منزَّلٌ منزلةً المعبّر عنه به (١).
وقيل: الضميرُ للشمس والقمر، والاثنان جمعٌ، وجمعُ ما لا يعقل يؤنَّث، ومن
حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمارٌ، لاختلافهما بالأيام والليالي ساغ أن يعود الضميرُ
إليهما جمعاً .
وقيل: الضميرُ للآيات المتقدِّم ذكرُها في قوله تعالى: (وَمِنْ ءَايَئِهِ»).
﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ فإنَّ السجودَ أقصى مراتبِ العبادة، فلا بدَّ
من تخصيصه به عزَّ وجلَّ.
وكان عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهَه وابن مسعود يسجُدان عند (تَعْبُدُون))، ونُسب
القولُ بأنه موضِعُ السجدة للشافعيِّ(٢).
وسجَدَ عند ((لا يسأمون)) ابنُ عباس وابن عمر وأبو وائل وبكر بن عبد الله،
وكذلك رُوي عن ابن وهب ومسروق والسلمي والنخعي وأبي صالح وابن وثاب
والحسن وابن سیرین وأبي حنيفة ر﴾(٣).
ونقله في ((التحرير)) عن الشافعيِّ رَظُ(٤). وفي ((الكشف)): أصحُّ الوجهين عند
أصحابنا - يعني الشافعيَّة - أنَّ موضع السجدة (لَا يَسْثَمُونَ) كما هو مذهب الإمام
أبي حنيفة، ووجهه أنها تمامُ المعنى على أسلوب ((اسْجُد))، فإنَّ الاستكبارَ عنه
مذمومٌ.
وعلَّله بعضُهم بالاحتياط؛ لأنها إن كانت عند ((تَعْبُدُون)) جاز التأخيرُ لقصر
الفصل، وإن كانت عند ((يسأمون)) لم يَجُز تعجيلُها .
(١) البحر ٤٩٨/٧.
(٢) تفسير القرطبي ٤٢٤/١٨، والبحر ٤٩٩/٧، وتفسير الخازن ١١٢/٤.
(٣) المصادر السابقة، وينظر: زاد المسير ٢٥٩/٧، وتفسير الرازي ١٢٨/٢٦.
(٤) البحر ٧ /٤٩٩ .

سُؤَةٌ فُضِلَتْ
١٩٤
الآية : ٣٨ - ٣٩
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ تعاظَموا عن اجتنابٍ ما نُهُوا عنه من السجود لتلك
المخلوقات وامتثالٍ ما أُمِروا به من السجود لخالقهنَّ، فلا يعبّأُ بهم، أو: فلا يُخِلُّ
ذلك بعظمة ربِّك ﴿فَلَّذِينَ عِندَ رَيِّكَ﴾ أي: في حضرة قدسِه عزَّ وجلَّ من الملائكة
عليهم السلام الذين هم خيرٌ منهم ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: دائماً وإن لم
يكن عندهم ليلٌ ونهار ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾﴾ لا يَملُّون ذلك.
وجوابُ الشرط في الحقيقة ما أشرنا إليه أو نحوه، وما ذُكر قائمٌ مقامَه، ويجوز
أن يكون الكلام على معنى الإخبار كما قيل في نحوٍ: إن أكرمتني اليومَ فقد أكرمتُك
أمسٍ: إنَّه على معنى: فأُخبِرك أني قد أكرمتُك أمسٍ.
وقرئ: ((لا بِسأَمُون)) بكسر الياء(١).
والظاهر أنَّ الآيةَ في أناسٍ من الكَفَرَة كانوا يسجُدون للشَّمس والقمر كالصابئين
في عبادتهم الكواكبَ، ويزعمون أنهم يقصُدُون بالسجود لهما السجودَ لله تعالى،
فنُهُوا عن هذه الواسطة وأمروا أن يقصُّدوا بسجودهم وجهَ الله تعالى خالصاً.
واستدلَّ الشيخ أبو إسحاق في ((المهذب)) بالآية على صلاتي الكسوف
والخسوف، قال: لأنه لا صلاةَ تتعلَّق بالشمس والقمر غيرُهما(٢). وأخذ من ذلك
تفضيلَهما على صلاة الاستسقاء؛ لكونهما في القرآن بخلافها .
﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى﴾ يا مَن تصحُّ منه الرؤية ﴿اَلْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ يابسةً متطامِنَةً،
مستعارٌ من الخشوع بمعنى التذلُّل ﴿فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ﴾ أي: المطرَ ﴿أَهْتَرَّتْ
وَرَبَتْ﴾ أي: تحرَّكت بالنبات وانتفخت؛ لأنَّ النبتَ إذا دنا أن يظهر ارتفعت له
الأرضُ وانتفخت ثم تصدَّعت عن النبات.
ويجوز أن يكونَ في الكلام استعارةٌ تمثيليّةٌ، شُبِّهَ حالُ جُدوبة الأرض وخلوِّها
عن النبات ثم إحياءِ الله تعالى إياها بالمطر وانقلابِها من الجدوبة إلى الخصب
وإنباتِ كلِّ زوج بهيج = بحالِ شخصٍ كئيبٍ كاسفِ البال رتِّ الهيئة لا يُؤْبَهُ به، ثم
(١) الكشاف ٣/ ٤٥٤ .
(٢) المهذب ١/ ٩٠.

الآية : ٤٠
١٩٥
سُؤَةُ فُضِلَتْ
إذا أصابه شيءٌ من متاع الدنيا وزينتها تكلّف بأنواع الزينة والزخارف، فيختال في
مَشْيه زهواً فيهتزَّ بالأعطاف خيلاءَ وكِبْراً. فحُذِف المشبَّهُ واستُعمِل الخشوعُ
والاهتزازُ دلالةً علی مكانه، ورُجِّح اعتبارُ التمثيل.
وقرئ: ((رَبَّأَتْ))(١)، أي: زادت. وقال الزجاج: معنى ((رَبَتْ)): عَظُمَت،
و((رَبَأَتْ)) بالهمز: ارتَفَعَتْ(٢)، ومنه الربيئة، وهي طليعةٌ على الموضع المرتفع.
﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا﴾ بما ذُكر بعد موتها ﴿لَمُحِى الْمَوْنَيْ﴾ بالبعث ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها الإحياء ﴿قَدِيرُ ﴾ مبالغ(٣) في القدرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ ءَايَتِنَا﴾ ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحّة
والاستقامة، فيحملونها على المحامِل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: يَضَعُون
الكلامَ في غير موضعه (٤) .
وأصلُه من أَلْحَدَ: إذا مال عن الاستقامة فحفر في شقِّ، ويقال: لَحَدَ.
وقرئ: (ُلْجِدُونَ) و((يَلْحَدُون)) باللُّغتين(٥).
وقال قتادة هنا: الإلحاد التكذيب، وقال مجاهد: المكاء والصفير واللَّغْو(٦).
فالمعنى: يميلون عمَّا ينبغي ويليق في شأنٍ آياتنا، فيكَذِّبون القرآن، أو فيَلْغُون
ويصفرون عند قراءته.
وجوِّز أن يرادَ بالآيات ما يشمل جميعَ الكتب المنزَّلة، وبالإلحاد ما يشمَل
تغييرَ اللفظ وتبديلَه، لكن ذلك بالنسبة إلى غير القرآن؛ لأنَّه لم يقَعْ فيه كما وقع في
غيره من الكتب على ما هو الشائع.
وعن أبي مالك تفسيرُ الآيات بالأدلَّة، فالإلحادُ في شأنها الطعنُ في دلالتها
(١) هي قراءة أبي جعفر كما في النشر ٣٢٥/٢.
(٢) معاني القرآن ٣٨٨/٤.
(٣) في (م): مبالغة، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٥/٨.
(٤) تفسير الطبري ٤٤١/٢٠ .
(٥) قرأ بالأولى الجمهور، وبالثانية حمزة، كما في التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٣/٢.
(٦) الأثران في تفسير الطبري ٤٤١/٢٠، والنكت والعيون ١٨٤/٥ .

سُؤَةُ فُضَّلَتْ
١٩٦
الآية : ٤٠
والإعراضُ عنها، وهذا أوفقُ بقوله تعالى: (وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرِّ)، (وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ) إلخ. وما تقدَّم أوفق بقوله سبحانه:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ) وبما بعد، والآية على تفسير مجاهد
أوفقُ وأوفقُ.
والمراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَخْفَوَنَ عَلَيْنَا﴾ مُجازَاتهم على الإلحاد، فالآيةُ وعيدٌ
لهم وتهديدٌ، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ أَ مَّن يَأْنِىَ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ تنبيهٌ
على كيفية الجزاء، وكان الظاهر أن يقابل الإلقاءُ في النار بدخول الجنة لكنه عُدِل
عنه إلى ما في النظم الجليل اعتناءً بشأن المؤمنين؛ لأنَّ الأمنَ من العذاب أعمُّ
وأهمّ، ولذا عُبِّر في الأول بالإلقاء الدالِّ على القسر والقهر، وفيه بالإتيان الدالّ
على أنَّه بالاختيار والرضا مع الأمن، ودخولُ الجنة لا ينفي أن يبدِّل حالَهم من بعد
خوفهم أمناً .
وجُوِّز أن تكونَ الآية من الاحتباك بتقدير: مَن يأتي خائفاً ويُلقَى في النار ومَن
يأتي آمناً ويدخل الجنةَ. فحُذِف من الأول مقابلُ الثاني، ومن الثاني مقابلُ الأول.
وفیہ بعدٌ .
والآية كما قال ابن بحر عامَّةٌ في كلِّ كافرٍ ومؤمنٍ(١).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس (أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ) أبو جهل، (أَم مَّن يَأْتِّ
ءَامِنًا) أبو بكر الصِّدِّيق ◌َه(٢).
وأخرج عبد الرزاق وغيره عن بشير بن تميم: (أَفَنَ يُلْقَى فِىِ النَّارِ) أبو جهل،
و(مَّن يَأْتِىّ ءَامِنًا) عمار، والآية نزلت فيهما(٣).
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل وعثمان بن عفان. وقيل: فيه وفي عمر.
(١) النكت والعيون ٥/ ١٨٥، والبحر ٥٠٠/٧.
(٢) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٦٦/٥.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٨٨/٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر السيوطي في الدر
٣٦٦/٥.

الآية : ٤١ - ٤٢
١٩٧
سُوَّرَةُ فُضَّلَتْ
وقيل: فيه وفي حمزة. وقال الكلبي: فيه وفي الرسول وَلَّم(١).
﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ تهديدٌ شديدٌ للكَفَرَة الملحِدين الذين يُلقَون في النار، وليس
المقصودُ حقيقةَ الأمر. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ®﴾ فيجازيكم بحسب أعمالكم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ﴾ وهو القرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ من غيرِ أن يمضِيَ عليهم
زمانٌ يتأمَّلون فيه ويتفكّرون ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ ﴾﴾ لا يوجَدُ نظيرُه، أو: منيعٌ
لا تتأتَّى معارضتُه. وأصلُ العزِّ حالةٌ مانعةٌ للإنسان عن أن يُغلَب، وإطلاقُه على
عدم النظير مجازٌ مشهورٌ، وكذا كونه منيعاً.
وقيل: غالبٌ للكُتُب؛ لنَسْخِه إياها .
وعن ابن عباس: أي: كريمٌ على الله تعالى(٢).
والجملة حاليَّةٌ مفيدةٌ لغايةٍ شناعةِ الكفر به.
وقوله تعالى: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((كتاب))،
وما بين يديه وما خلفه كنايةٌ عن جميع الجهات، كالصباح والمساء كنايةٌ عن الزمان
كلِّه، أي: لا يتطرّقُ إليه الباطلُ من جميع جهاته، وفيه تمثيلٌ لتشبيهه بشخصٍ حُمِي
من جميع جهاته، فلا يمكّن أعداءه الوصول إليه لأنه في حِصْنٍ حصينٍ من حماية
الحقِّ المبين.
وجوِّز أن يكون المعنى: لا يأتيه الباطلُ من جهةٍ ما أَخْبَر به من الأخبار
الماضية والأمورِ الآتية.
وقيل: الباطل بمعنى المُبطِل، كـ : وارِس بمعنى: مُورِس، أو هو مصدرٌ
. كالعافية(٣)، بمعنى مُبطِلٍ أيضاً.
وقوله تعالى: ﴿تَزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ - أي: محمودٍ على ما أَسْدَى من
(١) الأقوال في النكت والعيون ١٨٥/٥، وزاد المسير ٢٦١/٧، والبحر ٧/ ٥٠٠.
(٢) البحر ٧ / ٥٠١ .
(٣) في الأصل: كالعاقبة.

سُورَةُ فُضَّلَتْ
١٩٨
الآية : ٤٢
النعم التي منها تنزيلُ الكتاب، وحمدُه سبحانه بلسان الحال متحقِّقٌ من كلِّ مُنعَم
عليه، وبلسان القال متحقِّقٌ ممن وُفِّق لذلك - خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ أخرى
لـ (كتاب)) مفيدةٌ لفخامته الإضافية، كما أنَّ الصفتَيْنِ السابقتَيْنِ مفيدتان لفخامته
الذاتية.
وقوله تعالى: (لَا يَأْيِهِ) إلخ، اعتراضٌ عند مَن لا يجوِّز تقديمَ غير الصريح من
الصفات على الصريح، كلُّ ذلك لتأكيدِ بطلان الكفر بالقرآن.
واختلفوا في خبر ((إنَّ) أمذكورٌ هو أو محذوفٌ؟ فقيل: مذكورٌ، وهو قوله
تعالى: (أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) وهو قول أبي عمرو ابن العلاء في حكايةٍ
جرت بينه وبين بلال بن أبي بُردة، سئل بلالٌ في مجلسه عن هذا فقال: لم أجد لها
نفاذاً. فقال له أبو عمرو: إنه منك لقريب: ﴿أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[الآية: ٤٤] (١). وذهب إليه الحوفي. وهو في مكان بعيد.
وذهب أبو حيان إلى أنه قوله تعالى: (لَّا يَأْيِيهِ الْبَطِلُ) بحذفِ العائد، أي:
الكافرون [به] وحاله أنَّه كتابٌ عزيزٌ، لا يأتيه الباطلُ منهم، أي: متى راموا إبطالاً
له لم يصلوا إليه. أو بجعل ((أل)) في ((الباطل)) عوضاً من الضمير قول(٢) الكوفيين،
أي: لا يأتيه باطلهم. أو قولُه سبحانه: (مَّا يُقَالُ لَكَ) إلخ، والعائدُ أيضاً محذوفٌ،
أي: ما يقال لك في شأنهم - أو فيهم - إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، أي: أُوحي
إليك في شأنٍ هؤلاء المكذِّبين لك ولِما جئت به مثلُ ما أُوحِي إلى مَن قبلَك من
الرسل، وهو أنهم عاقبتُهم سيئةٌ في الدنيا بالهلاك، وفي الآخرة بالعذاب الدائم.
ثم قال: وغاية ما في هذين التوجيهين حذفُ الضمير العائد، وهو موجودٌ نحو:
السمنُ مَنَوان بدِرْهَم، والبرُ كُرٌّ بدرهم، أي: منه.
ونَقَل عن بعض نُحاة الكوفة أنَّ الخبرَ في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ)،
وتَعقَّبِه بأنه لا يُتَعَقَّل (٣).
(١) نقله في المحرر الوجيز ١٩/٥ عن النقاش، وهو في البحر ٧/ ٥٠٠.
(٢) قبلها في (م): به، وهو خطأ .
(٣) البحر ٧/ ٥٠٠- ٥٠١، وما سلف بين حاصرتين منه.

الآية : ٤٢
١٩٩
سُؤَدَةُ فُصِّلَتْ
وقيل: هو محذوفٌ، وخبرُ ((إنَّ) يُحذَف لفهم المعنى.
وسأل عيسى بنُ عُمر عَمْرو بنَ عبيد عن ذلك، فقال عمرو: معناه في التفسير:
إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم كَفَرُوا به وإنه لكتاب عزيز. فقال عيسى: أَجَدْتَ
يا أبا عثمان (١).
وقال قوم: تقديره: معاندون، أو: هالكون.
وقال الكسائي: قد سدَّ مسدَّه ما تقدَّم من الكلام قبلُ، وهو قوله تعالى: ((أفمن
يلقى))(٢)، وكأنه يُريد أنَّه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، فيمكن أن يقدَّر: يُخلَّدون في
النار.
ويقدّر الخبر على ما استحسنه ابن عطية(٣) بعد ((حميد)).
وفي ((الكشاف)) أنَّ قولَه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ) بدلٌ من قوله تعالى: (إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِّ ءَايَئِنَا)(٤). قال في ((البحر)): ولم يتعرَّض بصريح الكلام إلى خبر
(إنَّ) أمذكورٌ هو أو محذوفٌ، لكنه قد يُدَّعى أنه أشار إلى ذلك، فإنَّ المحكومَ به
على المبدَل منه هو المحكومُ به على البدل، فيكون التقديرُ: إنَّ الذين يُلحِدون في
آياتنا، إن الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم لا يَخْفون علينا(٥).
وفي ((الكشف)): فائدةُ هذا الإبدال التنبيهُ على أنَّه ما يَحمِلهم على الإلحاد
إلا مجرَّدُ الكفر، وفيه إمدادُ التحذير من وجوه: ما ذُكر من التنبيه، ووضْعُ ((الذكر)»
موضعَ الضمير الراجع إلى الآيات زيادةً تحسيرٍ لهم، وما في ((لَمَّا)) من معنى
مفاجأتهم بالكفر أول ما جاء، وما فيه من التعظيم لشأن الآيات والتمهيدٍ للحديث
عن كمال الكتاب الدالِ على سوء مغبَّةِ المُلحِد فيه.
ثم الأشبهُ أن يحمَلَ كلامُ ((الكشاف)) على أنَّ الخبرَ محذوفٌ لدلالة السابق
(١) المحرر الوجيز ١٩/٥، والبحر ٥٠٠/٧.
(٢) البحر ٧/ ٥٠٠ .
(٣) في المحرر الوجيز ١٩/٥.
(٤) الكشاف ٤٥٥/٣ .
(٥) البحر ٧/ ٥٠٠.

سُوَةُ فُضَّلَتْ
٢٠٠
الآية : ٤٣
عليه، ولزيادة التهويل لذهاب الوهم كلَّ مذهبٍ، وتكون الجملةُ بدلاً عن الجملة؛
لأنَّ البدلَ بتكرير العامل إنَّما جُوِّز في المجرور لشدَّة الاتصال. انتهى، فتأمَّل،
والله تعالى الموفِّق.
﴿مَّا يُقَالُ لَكَ﴾ إلى آخره، تسليةٌ له وَلِّ عمَّا يُصيبه من أذّة الكفار من طعنهم في
كتابه وغير ذلك، فالقائلُ الكفارُ، أي: ما يقول كفَّارُ قومِك في شأنك وشأنِ ما أُنزِل
إليك من القرآن ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ﴾ أي: مثل ما قد قال الكَفَرة السابقون ﴿لِلُّسُلِ مِن
قَبْلِكٌ﴾ من الكلام المؤذي المتضمِّن للطعن فيما أنزل إليهم، وهذا نظير قوله تعالى:
﴿ كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِ مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر أَوْ مَجْنُونُ﴾ [الذاريات: ٥٢].
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ قيل: تعليلٌ لِما
يُستفاد من السياق من الأمر بالصبر، كأنه قيل: ما يقال لك إلا نحوُ ما قيل لأمثالك
من الرسل، فاصبِرْ كما صبروا، إنَّ ربَّك لذو مغفرةٍ عظيمةٍ لأوليائه، وذو عقابٍ أليم
لأعدائهم، فينصُرُ أولياءَه وينتقم من أعدائهم.
أو جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: إنَّ ربَّك لذو مغفرة لأوليائه،
وذو عقابٍ أليم لأعدائهم، وقد نصر لذلك مَن قبلك مِن الرسل عليهم السلام
وانتقم من أعدائهم، وسيفعل ذلك بك وبأعدائك أيضاً.
وجُوِّز أن يكونَ القائلُ هو الله تعالى والمعنى على ما سمعتَ عن أبي حيان،
وقد جَعَل هذه الجملةَ خبرَ ((إنَّ)، أي: ما يُوحِي الله تعالى إليك في شأن الكفَّار
المؤذِين لك إلَّا مثلَ ما أَوْحَى للرسل من قبلك في شأن الكفار المؤذِين لهم، من
أنَّ عاقبتَهم سيئةٌ في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فاصبِرْ إنَّ
ربك .. إلخ(١).
وقد يُجعَل ((إنَّ ربك)) إلخ، باعتبار مضمونه تفسيراً للمقول، فحاصل المعنى:
ما أُوحِي إليك وإلى الرسل إلا وعدُ المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة، دونَ
العكس الذي يزعمه الكَفَرة بلسان حالهم، فاصبر فسيُنجِز الله تعالى وعدَه.
(١) البحر ٧/ ٥٠٠-٥٠١.