Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ١٤ ١٦١ سُورَةُ فُضْلَتْ وقيل: إنَّها المخفَّفةُ من الثقيلة ومعها ضميرُ شأن محذوف. وأُورِدِ عليه أنها إنَّما تقع بعد أفعال اليقين، وأنَّ خبرَ بابٍ (أن)) لا يكون طلباً إلا بتأويل. وقد يُدفَع بأنه بتقدير القول، وأنَّ مجيءَ الرسل كالوحي معنًى، فيكون مثلَه في وقوع ((أن)) بعده لتضمُّنه ما يفيد اليقين، كما أشار إليه الرضي وغيرُه. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف المستغنى عنه. وعلى احتمال كونها مصدريةً وكونها مخفَّفةً يكون الكلامُ بتقديرِ حرفِ الجرِّ، أي: بأن لا تعبدوا إلا الله. ﴿قَالُواْ لَوَ شَآءَ رَبُّنَا﴾ مفعولُ المشيئة محذوفٌ، وقدَّره الزمخشريُّ: إرسالَ الرسل(١)، أي: (لو شاء ربُّنا) إرسالَ الرسل ﴿لَأَنَزَّلَ مَلَكَةٌ﴾ أي: لأرسلهم، لكن لَمَّا كان إرسالهم بطريق الإنذار، قيل: («لأنزل)». قيل: ولم يقدِّر إنزالَ الملائكة بناءً على أنَّ الشائعَ تقديرُ مفعول المشيئة بعد (لو)) الشرطية من مضمون الشرط؛ لأنَّه عارٍ عن إفادةٍ ما أرادوه من نفْي إرساله تعالى البشرَ، والشائعُ غيرُ مطّردٍ. وقال أبو حيان: إنما التقدير: لو شاء ربُّنا إنزالَ ملائكةٍ بالرسالة منه إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم، وهذا أبلغ في الامتناع من إرسال البشر إذ علَّقوا ذلك بإنزال الملائكة، وهو سبحانه لم يشأ ذلك فكيف يشاؤه في البشر(٢)! وهو وجهٌ حَسَن. ﴿فَإِنَا یمَآ أُرسِلْتُم پهِ﴾ أي: بالذي أُرسِلتم به على زعمکم، وفيه ضربُ تھُم بهم ﴿كَفِرُونَ ﴾﴾ لِما أنَّكم بشرٌ مثلُنا لا فضلَ لكم علينا، والفاء فاءُ النتيجة السببية، فيكون في الكلام إيماءٌ إلى قياسٍ استثنائيٍّ، أي: لكنه لم ينزل. ويجوز أن تكونَ تعليليةً لشرطيتهم، أي: إنَّما قلنا ذلك لأنا مُنكِرون لِما أُرسِلتم به كما نُنكِر رسالتكم. و ((ما)) كما أشرنا إليه موصولةٌ، وكونُها مصدريةً وضميرُ ((به)) لقولهم: ((أن لا تعبدوا إلا الله)) خلافُ الظاهر. (١) الكشاف ٤٤٨/٣. (٢) البحر ٧ /٤٩٠ . أ سُؤَلَةُ فُصِّلَتَ ١٦٢ الآية : ١٤ أخرج البيهقي في ((الدلائل)) وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل والملأُ من قريش: قد التبس علينا أمرُ محمد، فلو التمستُم رجلاً عالماً بالسحر والكهانة والشعر فكلَّمه ثم أتانا ببيانٍ من أمره. فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ وعلمتُ من ذلك علماً، وما يخفى عليَّ إن كان كذلك. فأتاه فقال له: يا محمد، أنتَ خيرٌ أم هاشم؟ أنتَ خيرٌ أم عبد المطلب؟ فلم يجبه، قال: فبِمَ تَشْتِمُ آلهتنا وتُضَلِّلُ آباءَنا؟! فإن كنتَ إنما بك الرياسةُ عَقَدْنا ألْوِيَتَنا لك، وإن كان بك المالُ جَمَعْنا لك من أموالنا ما تسْتَغْنِي به أنتَ وعَقِبُّك مِن بعدك، وإن كان بك الباءَةُ زوَّ جناك عَشرَ نسوةٍ تختار مِن أيِّ بناتٍ(١) قريشٍ. ورسولُ اللهِ وَليل ساكتٌ لا يتكلّم، فلمَّا فرغ قال عليه الصلاة والسلام: ((بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حَمّ ◌َ تَنِيِلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ، قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾)) فقرأ حتى بلغ: ﴿فَإِنَّ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣)﴾، فأمسك عتبةُ على فيه عليه الصلاة والسلام فأنشده الرَّحِم أن يكفّ عنه، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلمَّا احتَبَسَ عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش، ما أرى عتبةَ إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامُه، وما ذاك إلا من حاجةٍ أصابته، انتقلوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة، ما حَسِبْنا إلا أنَّك صبوتَ إلى محمدٍ وأعجبك أمرُه، فإن كنتَ بك حاجةٌ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد. فغَضِب وأقسم بالله تعالى لا يكلِّم محمداً عليه الصلاة والسلام أبداً، وقال: لقد علمتم أني أكثرُ قريش مالاً، ولكني أتيتُه - فقصَّ عليهم القصةَ - فأجابني بشيء، والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة، قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حَمّ تَنِزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَبُ فُضِلَتْ ءَايَتُهُ، قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ حتى: ﴿أَنْذَرْتُّكُمْ صَعِقَةٌ مِّثْلَ صَِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكتُ بفيه وناشدتُه الرحمَ، فكفَّ(٢)، وقد علمتم أنَّ محمداً - وَّهِ - إذا قال شيئاً لم يكذب فخفتُ أن ينزلَ بكم العذاب(٣). (١) في الدلائل ٢/ ٢٠٣، وتاريخ دمشق ٢٤٢/٣٨: أبيات. (٢) في الأصل: فيكف. وفي مصدري التخريج: أن يَكُفَّ. (٣) دلائل النبوة ٢٠٢/٢-٢٠٤، وتاريخ مدينة دمشق ٢٤٢/٣٨. وأخرجه بنحوه عبد بن حميد في منتخب مسنده (١١٢٣). الآية : ١٥ ١٦٣ سُوَُّلاَ فُضَّلَتَ ﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرَضِ﴾ شروعٌ في تفصيلِ ما لكلِّ واحدةٍ من الطائفتَيْنِ من الجناية والعذاب، ولتفرُّع التفصيل على الإجمال قُرِن بفاء السببية، وبُدِئ بقصة عادٍ لأنَّها أقدمُ زماناً، أي: فأما عادٌ فتعَّموا في الأرض التي لا ينبغي التعّم فيها على أهلها ﴿يِغَيِّرِ الْحَقِ﴾ أي: بغير استحقاقٍ للتعظُّم. وقيل: تعظّموا عن امتثال أمر الله عزَّ وجلَّ وقبولِ ما جاءتهم به الرسل ﴿وَقَالُواْ﴾ اغتراراً بقوَّتهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ﴾ أي: لا أشدَّ منا قوَّةً، فالاستفهام إنكاريٌّ، وهذا بيانٌ لاستحقاقِهم العظمةَ وجوابٌ للرسل عمَّا خوَّفوهم به من العذاب، وكانوا ذَوي أجسامٍ طوالٍ وخَلْقٍ عظيم، وقد بلغ من قوتهم أنَّ الرجلَ كان ينزع الصخرةَ من الجبل ويرفعها بيده. ﴿أَوَلَ يَرَوْا﴾ أي: أغَفلُوا ولم ينظروا. أو: ولم يعلموا علماً جليًّا شبيهاً بالمشاهدة والعيان ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ قدرةً، فإنَّه تعالى قادرٌ بالذات مقتدرٌ على ما لا يتناهى، قويٌّ على ما لا يقدر عليه غيرُه عزَّ وجلَّ، مفيضٌ للقوَّة والقُدَرِ على كلِّ قويٍّ وقادٍ. وفي هذا إيماءٌ إلى أنَّ ما خوَّفهم به الرسلُ ليس من عند أنفسهم بناءً على قوَّةٍ منهم، وإنما هو من الله تعالى خالقِ القُوَى والقُدَر، وهم يعلمون أنه عزَّ وجلَّ أشدُّ قوَّةً منهم. وتفسيرُ القوَّة بالقدرة؛ لأنَّه أحدُ معانيها كما يشير إليه كلام الراغب(١). وزعم بعضهم أنَّ القوَّةَ عَرَضٌ يُنزَّه الله تعالى عنه، لكنها مستلزمةٌ للقدرة، فلذا عُبِّر عنها بها مشاكلةً. وأُورِدِ في حيز الصلة ((خَلَقَهم)) دونَ: خلق السماوات والأرض؛ لادعائهم الشدَّةَ في القوة، وفيه ضربٌ من التهكّم بهم. ﴿وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾﴾ أي: ينكرونها وهم يعرفون حقِّيَّتها. وهو عطفٌ على ((فاستكبروا)) أو ((قالوا))، فجملةُ ((أولم يروا)) إلخ مع ما تُطف هو عليه اعتراضٌ. وجوِّز أن يكونَ هو وحدَه اعتراضاً، والواو اعتراضيَّةٌ لا عاطفة. (١) في المفردات (قوي). سُؤَلٌ فُضَّلَنْ ١٦٤ الآية : ١٦ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْمًا صَرْصَرًا﴾ قال مجاهد: شديدةَ السموم. فهو من الصَّرِّ بفتح الصاد بمعنى الحرِّ. وقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: باردةً تُهلِك بشدّة بردها، من الصِّرِّ بكسر الصاد، وهو البردُ الذي يصرُّ، أي: يجمع ظاهرَ جلد الإنسان ويقبضه. والأول أنسب لديار العرب. وقال السدي أيضاً وأبو عبيدة وابن قتيبة والطبريُّ وجماعة: مصوَّتةً، من: صرَّ يصرُّ: إذا صوَّت(١). وقال ابن السكيت(٢): ((صَرْصَرْ)) يجوز أن يكون من الصَّرَّة وهي الصيحة، ومنه ﴿فَأَفْلَتِ امْرَأَتُهُ فِ صَرَّقِ﴾ [الذاريات: ٢٩]. وفي الحديث أنه تعالى أمر خَزَنَة الريح، ففتحوا عليهم قَدْرَ حلقةِ الخاتم، ولو فتحوا قدر مِنْخَر الثور لهلكت الدنيا(٣). ورُوي أنها كانت تحمل العيرَ بأوقارها، فترميهم في البحر (٤). ﴿فيّ أَيَّامٍ غَحِسَاتٍ﴾ جمع: نَحِسَة، بكسر الحاء، صفةٌ مشبهةٌ من: نَحِسَ نحساً، كـ : علم علماً (٥)، نقيضُ: سَعِد سعْداً. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو والنخعيُّ وعيسى والأعرج: ((نَحْسات)) بسكون الحاء(٦)، فاحتمل أن يكونَ مصدراً وُصِف به مبالغةً، واحتمل أن يكون صفةً مخفَّفاً من فَعِلٍ كَصَعْب. وفي ((البحر)): تتبَّعْتُ ما ذكره التصريفيون مما جاء صفةً من فَعِل اللازم فلم (١) مجاز القرآن ١٩٦/٢، وتفسير الطبري ٣٩٨/٢٠، والبحر ٤٩٠/٧. (٢) في إصلاح المنطق ص٣٥٣. مرفوعاً بمعناه، وقال (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٩٤ من حديث عبد الله بن عمرو الذهبي: منكر. وأخرج الترمذي (٣٢٧٣) أوله من حديث رجل من ربيعة عن النبي وصهر. (٤) المحرر الوجيز ٩/٥، والبحر ٤٩٠/٧. (٥) كذا قال المصنف، والصواب أن نَحِس كعَلِم في وزن الفعل فقط، وليس في المصدر. ينظر مختار الصحاح والقاموس والتاج (نحس)، وحاشية الشهاب ٣٩٥/٧. (٦) التيسير ص ١٩٣، والنشر ٣٦٦/٢ عن الحرميين وأبي عمرو ويعقوب، والكلام من البحر ٧/ ٤٩٠. الآية : ١٦ ١٦٥ سُورَةٌ فُضْلَنْ يذكروا فيه فَعْلاً بسكون العين، وإنما ذكروا فَعِلاً بالكسر كفَرِحِ، وأَفْعَل كأَحْوَرَ، وفَعْلَان كشبعان، وفاعلاً كسالم(١). وهو صفةٌ ((أيام))، وجُمع بالألف والتاء لأنه صفةٌ لِما لا يَعقل، والمراد بها: مشائيم عليهم، لما أنَّهم عُذِّبوا فيها، فاليومُ الواحد يُوصَف بالنحس والسعْد بالنسبة إلى شخصين، فيقال له: سعْدٌ، بالنسبة إلى من يَنعَم فيه؛ ويقال له: نَحس، بالنسبة إلى مَن يعذَّب، وليس هذا مما يزعمه الناس من خصوصيات الأوقات، لكن ذكر الكرماني في مناسكه عن ابن عباس أنه قال: الأيام كلَّها لله تعالى لكنه سبحانه خَلَق بعضَها نُحُوساً وبعضها سُعُوداً (٢). وتفسيرُ (نَحِسَات)) بمشائيم، مرويٌّ عن مجاهد وقتادة والسدي(٣). وقال الضحاك: أي: شديدة البرد(٤)، حتى كأن البردَ عذابٌ لهم. وأنشد الأصمعي في النَّحس بمعنی البرد: كأنَّ سُلافَةً مُزِجَت بِنَخْسٍ(٥) وقيل: (نَحِسات)): ذوات غُبارٍ، وإليه ذهب الجبائي(٦)، ومنه قولُ الراجز: للصَّيْدِ في يَومٍ قَليلِ النَّحْسِ(٧) قَدْ أغْتَدي قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُريد: قليل الغبار، وكانت هذه الأيام من آخر شُباط، وتُسمَّى أيامَ العجوز، وكانت فيما رُوي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة آخرَ شوال من الأربعاء إلى (١) البحر ٤٩٠/٧ . (٢) ونقله المصنف من حاشية الشهاب ٣٩٥/٧. (٣) تفسير الطبري ٢٠/ ٤٠٠. (٤) المصدر السابق، والمحرر الوجيز ٩/٥. (٥) وعجزه: يُحِيلُ شَفِيْفُها الماءَ الزُّلَالًا. كما في المحرر الوجيز ٩/٥، ومفتاح دار السعادة ٢/ ١٩٤، وفي البحر ٧/ ٤٩١: يخيل شقيقها. وفي صدره عند الجميع: عُرضَت. بدل: مُزِجَت. (٦) مجمع البيان ١٣/٢٤. (٧) الرجز للشمردل بن شريك، كما في التذكرة الحمدونية ٢٨٧/٥، وهو دون نسبة في النكت والعيون ٥/ ١٧٥، وتفسير القرطبي ٤٠٢/١٨، والبحر ٤٩١/٧. سُؤَةُ فُضَّلَتْ ١٦٦ الآية : ١٧ الأربعاء. وروي: ما عُذِّب قومٌ إلا في يوم الأربعاء(١). وقال السدي: أولُها غداةَ يوم الأحد. وقال الربيع بن أنس: يوم الجمعة. ﴿لُِّذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَوَةِ الدُّنياً﴾ أضيف العذابُ إلى الخِزْي وهو الذلُّ على قصدٍ وصفِه به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى﴾، وهو في الأصل صفةٌ المعذَّب وإنما وُصِف به العذابُ على الإسناد المجازيِّ للمبالغة، فإنَّه يدلُّ على أنَّ ذُلَّ الكافر زاد حتى اتصف به عذابُه، كما قُرِّر في قولهم: شعرٌ شاعرٌ. وهذا في مقابلة استكبارهم وتعتُّمهم . وقرئ: ((لتُذِيْقَهُم)) بالتاءِ (٢)، على أنَّ الفاعلَ ضميرُ الريح، أو الأيام النحسات. ﴿وَهُمْ لَا يُصَرُونَ ﴾ بدفع العذاب عنهم بوجهٍ من الوجوه. ﴿وَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة والسدي: أي: بَيَّنًا لهم، وأرادوا بذلك - على ما قيل - بيانَ طريقَي الضلالة والرشد، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وهو أنسب بقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ أي: فاختاروا الضلالةَ على الهدَى، فإنَّه ظاهرٌ في أنه بُيِّن لهم الطريقان فاختاروا أحدَهما، وصرَّح ابنُ زيد بذلك، فقد حُكي عنه أنه قال: أي: أعْلَمناهم الهدَى من الضلال. وفسَّر غيرُ واحدٍ الهدايةَ هنا بالدلالة، أي: فدللْناهم على الحقِّ بنصب الحُجَجِ وإرسالِ الرسل، فاختاروا الضلالَ. ولم يفسِّروها بالدلالة الموصِلة؛ لإباءِ ظاهرٍ (فَاسْتَحَبُّوا)) إلخ عنه. واستدلَّ المعتزلةُ بهذه الآية على أنَّ الإيمان باختيار العبد على الاستقلال، بناءً على أنَّ قولَه تعالى: ((هديناهم)) دلَّ على نصب الأدلة وإزاحة العلَّة، وقولَه تعالى: (استحبوا العمى)) إلخ دلَّ على أنَّهم بأنفسهم آثروا العمى. والجوابُ كما في ((الكشف)) أنَّ في لفظ الاستحباب ما يُشعِر بأنَّ قدرةَ الله تعالى هي المؤثّرة، وأنَّ لقدرةِ العبد مَدخلاً ما، فإنَّ المحبَّةَ ليست اختياريةً (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ١٧٤ عن ابن عباس. (٢) الكشاف ٤٤٩/٣، والبحر ٤٩١/٧ . الآية : ١٧ ١٦٧ سُؤَدَلٌ فُصِّلَتْ بالاتفاق، وإيثارُ العمى حبًّا وهو الاستحبابُ من الاختياريَّة. فانظر إلى هذه الدقيقة تَرَ العَجَبَ العُجاب، وإلى نحوه أشار الإمام الداعي إلى الله تعالى قدِّس سرّه(١). .A. ومعنى كون المحبة ليست اختياريةً أنَّها بعد حصول ما تتوقّفُ عليه من أمورٍ اختيارية تكون بجذْبِ الطبيعة من غير اختيارٍ للشخص في ميلٍ قلبه وارتباطِ هواه بمن يحبُّه، فهي نفسُها غيرُ اختيارية، لكنها باعتبار مقدِّماتها اختيارية، ولذلك كُلِّفنا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله ◌َّلته. وفي ((طوق الحمامة))(٢) لابن سعيد أنَّ المحبة ميلٌ روحانيٍّ طبيعي، وإليه يشير قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي: يميل، فجَعَل علَّةَ ميلها كونَها منها، وهو المرادُ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((الأرواح جنودٌ مجنّدة))(٣) وتكون المحبةُ لأمورٍ أُخَرَ كالحُسْن والإحسان والكمال، ولها آثارٌ يُطلَق عليها محبةٌ كالطاعة والتعظيم. وهذه هي التي يكلّف بها؛ لأنها اختياريةٌ فاعرفه . وقرأ ابن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب: ((وأما ثمودٌ)) بالرفع مصروفاً(٤). وقد قرأ الأعمش وابن وثاب بصرفه في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَهُودَ النَّاقَةَ﴾ [الإسراء: ٥٩] لأنه في المصحف بغير ألفٍ(٥) . وقرأ ابن أبي إسحاق وابن هرمز بخلاف عنه والمفضل، قال ابن عطية: والأعمش وعاصم وروي عن ابن عباس: ((ثموداً)) بالنصب والتنوين(٦). (١) في التفسير الكبير ١١٣/٢٧-١١٤. (٢) طوق الحمامة في الإلْفَة والألَّاف لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، والكلام فيه ص٦٢- ٦٥ بتقديم وتأخير، ونقله المصنف من حاشية الشهاب ٣٩٥/٧. (٣) سلف ١٧٨/١٠. (٤) القراءات الشاذة ص ١٣٣، والمحرر الوجيز ٩/٥، والبحر ٤٩١/٧ . (٥) المحرر الوجيز ٩/٥، والبحر ٤٩١/٧ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٥٥/٤، والمحرر الوجيز ١٠/٥، والبحر ٤٩١/٧. ولم نقف على قراءة ابن هرمز وابن عباس. : سُورَةٌ فُضِلَتْ ١٦٨ الآية : ١٧ وروى المفضل عن عاصم الوجهين(١). والمنعُ عن الصرف للعلميَّةِ، والتأنيثُ على إرادة القبيلة، ومَن صرفه جعله اسمَ رجل، والنصبُ على جعله من باب الإضمار على شريطة التفسير. ويقدَّر الفعل الناصبُ بعده لأنَّ ((أمَّا)) لا يليها في الغالب إلا اسمُ. وقرئ بضمِّ الثاء(٢)، على أنه جمع ((ثَمَد)) وهو قلَّة الماء، فكأنهم سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا يسكنون في الرمال بين حضرموت وصنعاء، وكانوا قليلي الماء. ﴿فَذَتْهُمْ صَحِقَةُ الْعَذَابِ الْمُنِ﴾ أي: الذُّلِّ، وهو صفةٌ للعذاب أو بدلٌ منه، ووصفُه به مصدراً للمبالغة، وكذا إضافةُ ((صاعقة)) إلى ((العذاب))، فيفيد ذلك أنَّ عذابَهم عينُ الهُونِ، وأنَّ له صاعقة. والمراد بالصاعقة النارُ الخارجةُ من السحاب كما هو المعروف، وسببُ حدوثها العادي مشهورٌ في كتب الفلسفة القديمة، وقد تكلّم في ذلك أهل الفلسفة الجديدة المتداولة اليوم في بلاد الروم وما قرب منها، فقالوا في كيفيَّة انفجار الصاعقة: من المعلوم أنَّ انطلاق الكهربائية التي في السحاب - وهي قوَّةٌ مخصوصةٌ في الأجسام نحوَ قوَّة الكهرباء التي بها تُجذبُ التِّْنَةُ ونحوُها إليها - إنَّما يحصل باتحاد كهربائية الأجسام مع بعضها، فإذا قرُب السحابُ من الأجسام الأرضية طلبت الكهربائيةُ السحابيةُ أن تتَّحدَ بالكهربائية الأرضيَّة، فتنبجس(٣) بينهما شرارةٌ كهربائيةٌ، فتصعق الأجسام الأرضية، وتتفاوت قوَّةُ الصاعقة باختلاف الاستحالة البخارية، فليست في جميع البلاد والفصول واحدة. وأوضحوا ذلك بكلامٍ طويلٍ من أراده فليرجع إليه في كتبهم. وقيل: المراد بالصاعقة هنا الصيحةُ كما ورد في آياتٍ أُخَر. ولا مانعَ من الجمع بينهما . (١) المحرر الوجيز ١٠/٥، والبحر ٤٩١/٧. (٢) الكشاف ٤٤٩/٣ . (٣) في (م): فتتبجس. الآية : ١٨ - ١٩ ١٦٩ سُورَةُ فُصِّلَتْ وقرأ ابن مقسم: ((الهَوَان)) بفتح الهاء وألف بعد الواو(١). ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من اختيار الضلالة على الهدى، وهذا تصريحٌ بما تُشعِر به الفاء. بسبب إيمانهم واستمرارِهم ﴿وَّيَّنَا﴾ من تلك الصاعقة ﴿ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ على التقوى، والمرادُ بها تقوى الله عزَّ وجلَّ. وقيل: تقوى الصاعقة، والمتَّقي عذابَ الله تعالى متَّقٍ لله سبحانه. وليس بذاك. ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ شروعٌ في بيانِ عقوباتهم الآجلة بعد ذكر عقوباتهم العاجلة، والتعبيرُ عنهم بأعداء الله تعالى لذمِّهم والإيذان بعلَّة ما يحيق بهم من ألوان العذاب. وقيل: المراد بهم الكفارُ من الأوَّلينَ والآخِرِينَ. وتعقِّب بأنَّ قولَه تعالى الآتي: ﴿فِىَّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ﴾ [فصلت: ٢٥] كالصريح في إرادة الكَفَرة المعهودین . والمراد من قوله تعالى: ((إلى النار)) قيل: إلى موقف الحساب، والتعبيرُ عنه بالنار للإيذان بأنَّ النارَ عاقبةُ حَشْرهم وأنَّهم على شَرَفِ دخولها، ولا مانعَ من إبقائه على ظاهره والقولِ بتعدُّد الشهادة، فتشهد عليهم جوارحُهم في الموقف مرةً وعلى شفیرٍ جهنم أخرى. و (يوم)) إما منصوبٌ بـ ((اذْكُرْ)) مقدَّرٍ معطوفٍ على قوله تعالى: ((قل أنذرتكم صاعقة))، أو ظرفٌ لمضمَرٍ مؤخّرٍ قد حُذِف إيهاماً لقصورِ العبارة عن تفصيله. وقيل: ظرفٌ لِما يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَّعُونَ ﴾﴾ أي: يُحبَس أوَّلُهم على آخرهم ليتلاحقوا، وهو كنايةٌ عن كثرتهم. وقيل: يَنْساقون ويُدفَعون إلى النار. والفاء تفصيلية. (١) البحر ٧ / ٤٩١ . سُؤَةٌ فُضَّلَتْ ١٧٠ الآية : ٢٠ - ٢١ وقرأ زيد بن عليٍّ ونافع والأعرج وأهل المدينة: (نَحْشُرُ)) بالنون ((أعْداءَ)) بالنصب(١). وكَسَرَ الأعرجُ الشينَ(٢). وقرئ: ((يَحْشُر)) على البناء للفاعل وهو الله تعالى، ونصبٍ ((أعداءَ الله))(٣). وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا مَا بَآءُوهَا﴾ أي: النارَ جميعاً، غايةٌ لـ ((يُحْشَر))، أو: لـ ((يُؤْزَعُون)) أي: حتى إذا حَضَروها، و((ما)) مزيدةٌ لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور؛ لأنها تؤكّد ما زيدت بعده، فهي تؤكّد معنى ((إذا))، و((إذا)) دالَّةٌ على اتصال الجواب بالشرط لوقوعهما في زمان واحد، وهذا مما لا تعلُّقَ له بالنحو حتى يضرَّ فيه أنَّ النحاةً لم يذكروه كما شنَّع به أبو حيان (٤). وأكّد؛ لأنهم ينكرونه. وفي الكلام حذفٌ، والتقديرُ: حتى إذا ما جاؤوها وسُئِلُوا عما أجْرَموا فأَنْكَرُوا ﴿شَهِدَ عَلَهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ واكتُفِيَ عن المحذوف بذكر الشهادة لاستلزامها إياه، ولا يأبى التقديرُ تأكيدَ الاتصال، إذ یکفي للاتصال وقوع ذلك في مجلسٍ واحد. والظاهر أنَّ الجلودَ هي المعروفة، وقيل: هي الجوارح، كُني بها عنها. وقيل: كُنِّي بها عن الفروج، قيل: وعليه أكثر المفسِّرين منهم ابن عباس ﴾(6). وفي ((الإرشاد)» أنه الأنسب بتخصيص السؤال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا﴾ فإنَّ ما تشهد به من الزنى أعظم جنايةً وقبحاً وأجلَب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمعُ والأبصارُ من الجنايات المكتسبة بتوسطهما (٦). وفيه نظر، ولعلَّ إرادةَ الظاهر أولى، ولعلَّ تخصيصَ السؤال بالجلود؛ لأنها بمرأى منهم بخلاف السمع والبصر، أو لأنها هي مُدرِكة العذاب بالقوّة المودَعة (١) التيسير ص ١٩٣، والنشر ٣٦٦/٢ عن نافع ويعقوب، والكلام من البحر ٧/ ٤٩٢. (٢) البحر ٧/ ٤٩٢ . (٣) الكشاف ٣/ ٤٥٠ . (٤) في البحر ٧/ ٤٩٢. (٥) المصدر السابق. (٦) تفسير أبي السعود ١٠/٨. الآية : ٢١ ١٧١ سُؤَةٌ فُضَّلَنْ فيها كما يشعر به قولُه تعالى: ﴿كَمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ﴾ [النساء: ٥٦] قاله الجلبي، ثم نقل عن العلامة الثاني في ذلك أنَّ الشهادةَ من الجلود أعجبُ وأبعدُ؛ إذ ليس شأنُها الإدراكَ، بخلاف السمع والبصر. وتعقّبه بقوله: فيه نظرٌ، فإنَّ الجلدَ محلُّ القوَّة اللامسة التي هي أهمُّ الحواسِ للحيوان كما أنَّ السمع والبصرَ محلُّ السامعة والباصرة، والذي ينطق الأعيانُ دونَ الأعراض، ثم إنَّ اللامسةَ تشتمل على الذائقة التي هي الأهمُ بعد اللامسة. ثم قال: ويَلُوح مما قرَّرناه وجهٌ آخر للتخصيص، فإنَّ الأهمية للإنسان والاشتمالَ على أهمّ من غيرها يصلُح أن يكون مخصِّصاً، فانقلابُ ما يرجون منه أكملَ النفع أعجبُ، ومثلُه أحقُّ بالتوبيخ من غيره. واعتُرِض عليه بأنَّ ردّه على العلّامة لم يصادف محزَّه؛ إذ ليس المراد مما ذكره من أنَّها ليس من شأنها الإدراك إلا إدراكَ أنواع المعاصي التي يشْهَد عليها كالكفر والكذب والقتل والزنى مثلاً، وإدراكُ مثلها منحصرٌ في السمع والبصر. وأنت تعلم بعد طيِّ كَشْح البحث في هذا الجواب أنَّ ما ذكره العلّامة لا يناسب ظاهرَ السؤال، أعني: ((لم شهدتم علينا))، وأولى ما قيل من أوجه التخصيص: إنَّ المدافعةَ عن الجلود أَزْيَدُ من المدافعة عن السمع والبصر، فإنَّ جلد الإنسان الواحد لو جُزِّئ لزاد على ألفٍ سمعٍ وبصر، وهو يُدافع عن كلِّ جزءٍ ويَحذَر أن يصيبه ما يَشِينُه، فكانت الشهادةُ من الجلود عليهم أعجب وأبعد عن الوقوع. وفي الحديث: ((إنَّ أولَ ما ينطق من الإنسان فَخِذُه اليسرى، ثم تنطق الجوارحُ، فيقول: تَبَّ لكِ، فعنكِ كنتُ أدافع))(١). ووجه إفراد السمع قد مرَّ أولَ التفسير، ووجه الاقتصار على السمع والبصرِ والجلدِ أشار إليه أبو حيان قال: لَمَّا كانت الحواسُّ خمسةً: السمعُ والبصرُ والشمُّ والذوقُ واللمسُ، وكان الذوقُ مندرجاً في اللمس إذ بمماسَّةٍ جلد اللسان الرطب (١) الحديث بمعناه عند أحمد في مسنده (١٧٣٧٤)، والطبري في تفسيره ٤٠٩/٢٠ عن عقبة بن عامر، وعند مسلم في صحيحه (٢٩٦٩) عن أنس سُؤَةٌ فُضْلَتْ ١٧٢ الآية : ٢١ للمَذُوق يحصل إدراك طعم المذوق، وكان حسُّ الشمِّ ليس فيه تكليفٌ لا أمرٌ ولا نهْيٌ، وهو ضعيف، اقتصر من الحواسِّ على السمع والبصر واللمس(١). وللبحث فيه مجال، وكأني بك تختارُ أنَّ المرادَ بالجلود ما سوى السمع والأبصار، وأنَّ ذِكر السمع لِما أنه وسيلةُ إدراكِ أكثر الآيات التنزيلية، وذكر الأبصار لِما أنها وسيلةُ إدراك أكثر الآيات التكوينية. وقد أشير إلى كلٍّ في قوله تعالى: (وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ) على وجه، وأنَّ شهادتَهما فيما يتعلَّق بالكفر، فيشهد السمعُ عليهم أنَّهم كذّبوا بالآيات التنزيلية التي جاء بها الرسلُ وسمعوها منهم، والأبصارُ أنهم لم يعبؤوا بالآيات التكوينية التي أبصروها وكفروا بما تدلُّ عليه، ولعلَّ شهادةَ الجلود فيما يتعلَّقُ بما سوى الكُفْر من المعاصي التي نهى عنها الرسلُ عليهم السلام كالزنى مثلاً، وجوِّز أن تكون شهادةٌ السمع بإدراك الآيات التنزيلية، والأبصارِ بإدراك الآيات التكوينية، والجلودِ بالكفر بما يقتضيه كلٌّ وبالمعاصي الأُخَر. ولا بُعْدَ في شمولِ ((ما كانوا يعملون)) لإدراك الآيات والإحساس بها بقسمَيْها، فتدبّر. ولعلَّ قولَه تعالى: (لِمَ شَهِدْتُمْ) سؤالٌ عن العلَّة الموجبة، وصيغةُ جمع العقلاء في ((شهدتم)) وما بعدُ - مع أنَّ المرادَ منه ليس من ذوي العقول - لوقوع ذلك في موقع السؤال والجواب المختصّيْن بالعقلاء. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((لم شهدتنَّ)) بضمير المؤنَّئَات(٢). ﴿قَالُوَأْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أنطقنا الله تعالى وأقْدَرَنا على بيانِ الواقع، فشَهِدْنا عليكم بما عملتم من القبائح وما كتمْنا. وحيث كان معنى السؤال: لأيِّ علَّةٍ موجبةٍ شهدتم؟ صلح ما ذکر جواباً له. وقيل: لا قصدَ هنا للسؤال أصلاً، وإنما القصدُ إلى التعجُّب ابتداءً؛ لأنَّ التعجُّبَ يكون فيما لا يُعلَم سببُه وعلَّتُه، فالسؤالُ عن العلة المستلزمُ لعدم معرفتها (١) البحر ٧ / ٤٩٢ . (٢) البحر ٤٩٣/٧ . الآية : ٢١ ١٧٣ سُؤٌَ فُضَّلَتْ جُعِل مجازاً أو كنايةً عن التعجُّب، فقد قيل: إذا ظهر السببُ بطل العَجَب. فكأنه قيل: ليس نُظْقُنا بعَجَبٍ من قدرة الله تعالى الذي أنطق كلَّ شيء. وأيًّا ما كان فالنطقُ على معناه الحقيقيِّ كما هو الظاهر، وكذا الشهادة. ولا يقال: الشاهدُ أنفسُهم، والسمعُ والأبصار والجلودُ آلاتٌ كاللسان، فما معنى ((شهدتم علينا))؟ لأنه يقال: ليس المرادُ هذا النوعَ من النطق الذي يُسنَد حقيقةً إلى جملة الشخص ويكون غيرُه آلةً بلا قدرةٍ وإرادةٍ له في نفسه حتى لو أُسنِد إليه كان مجازاً كإسناد الكتابة إلى القلم، بل هو نطقٌ يُسنَد إلى العضو حقيقةً فيكون نفسُه ناطقاً بقدرةٍ وإرادةٍ خَلَقَهما الله تعالى فيه، كما ينطق الشخصُ بالآلة، وكيف لا وأنفسُهم كارهة لذلك مُنكِرة له. وقيل: الناطقُ هم بتلك الأعضاء، إلا أنَّهم لا يقدرون على دفع كونها آلاتٍ، ولذا نُسِبت الشهادة عليهم إليها. وليس بشيء. وجوَّز بعضُهم أن يكون النطقُ مجازاً عن الدلالة، فالمراد بالشهادة ظهورُ علاماتٍ على الأعضاء دالَّةٍ على ما كانت ملتبسةً به في الدنيا بتغيير أشكالها ونحوه، مما يُلهِم الله تعالى مَن رآه أنها تلَبَّست به في الدنيا؛ لارتفاع الغطاء في الآخرة. وهو خلافُ ظاهرِ الآيات والأحاديث، ولا داعي إليه. وعلى الظاهر لا بدَّ من تخصيصٍ «كلِّ شيء)» بكلِّ حيٍّ نَطَق؛ إذ ليس كلُّ شيءٍ ولا كلُّ حيٍّ ينِطِق بالنُّطْقِ الحقيقيِّ، ومثلُ هذا التخصيص شائعٌ، ومنه ما قيل في: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] و: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وجوِّز أن يكون النطقُ في ((أُنْطَقَنا)) بمعناه الحقيقيِّ، ويحمل النطقُ في ((أنطَقَ كلَّ شيءٍ)) على الدلالة، فيبقى العامُّ على عمومه ولا يحتاج إلى التخصيص المذكور، ويكون التعبيرُ بالنطق للمشاكلَة. وهو خلافُ الظاهر، والموصول المشعِر بالعلية يأباه إباءً ظاهراً. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ يحتمل أن يكونَ من تمام كلام الجلود ومقولِ القول، ويحتمل أن يكون مستأنَفاً من كلامه عزَّ وجلَّ، سُؤَةُ فُضَّلَتْ ١٧٤ الآية : ٢٢ والأول أظهر. والمراد على كلِّ حالٍ تقريرُ ما قبله بأنَّ القادرَ على الخلق أولَ مرةٍ قادرٌ على الإنطاق. وصيغةُ المضارع إذا كان الخطابُ يومَ القيامة مع أنَّ الرجع فيه متحقِّقٌ لا مستقبَلٌ؛ لِما أنَّ المرادَ بالرجع ليس مجرَّدَ الردِّ إلى الحياة بالبعث، بل ما يعمُّه وما يترتَّب عليه من العذاب الخالد المترقّب عند التخاطب على تغليب المتوقَّع على الواقع. وجوِّز أن تكونَ لاستحضار الصورة مع ما في ذلك من مراعاة الفواصل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُّكُمْ﴾ حكايةٌ لِما سيقال لهم يومئذٍ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقريراً لجواب الجلود، واستظهر أبو حيان(١) أنه من كلام الجوارح. و((أن يَشْهَدَ)) مفعولٌ له بتقدير مضافٍ، أي: ما كنتم تستترون في الدنيا عندَ مباشرتكم الفواحشَ مخافةً أو كراهةً أن تشْهَدَ علیکم جوارحکم بذلك، أي: ليس استتارُكم للخوف مما ذُكر أو لكراهته ﴿ وَلَكِن ◌َظَنَفْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ولكن لأجلِ ظنّكم أنَّ الله تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون - وهو ما عملتم خُفيةً - فلا يُظهره سبحانه يوم القيامة ويُنطِق الجوارح به، فلذا سَعَيْتُم في الاستتار عن الخلق دون الخالق عزَّ وجلَّ. أو هو بتقدير حرف جرٍّ متعلِّق بـ ((تَسْتَتِرُونَ))، فقيل: هو الباء، والمستَتَر عنه الجوارحُ، والمعنى: ما اسْتَتَرْتُم عنها بملابسةِ أن تشهد عليكم - أي: تتحمَّل الشهادةَ - إذ ما ظننتم أنَّها تشهَدُ عليكم، بل ظننتم أنَّ الله سبحانه لا يعلَم، فلذا لم يكن استتارُكم بهذا السبب. وقيل: هو ((عن))، والمعنى: لم يُمكِنْكم الاستتارُ عن الجوارح لئلا تتحمَّل الشهادة عليكم حين ترتكبون ما ترتكبون، لكنْ ظننتم ما ظننتم. وقيل: ((أن تَشْهَد)) مفعولٌ له، والمستتر عنه الجوارح، أي: ما تستترون عن جوارحكم مخافةَ أن تشهَدَ عليكم، لكنْ ظننتم .. إلخ. (١) في البحر ٧/ ٤٩٣. الآية : ٢٢ ١٧٥ سُوَاُ فُصِّلَتْ وقيل: إنَّ (تستَتِرُون)) ضُمِّنَ معنى الظنِّ فعُدِّي تعديتَه، أي: ما كنتم تستترون ظانِّين شهادةَ الجوارح عليكم، ويؤيِّده قولُ قتادة: أي: ما كنتم تظنون أن تشهَدَ عليكم .. إلخ(١). والحق أن هذا بيانٌ لحاصل المعنى؛ أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود قال: كنتُ مستتراً بأستارٍ الكعبة، فجاء ثلاثةُ نفرٍ: قُرشيٍّ وثَقَفِيَّان، أو ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيَّان، كثيرٌ لحمُ بطونهم، قليلٌ عفةُ قلوبهم، فتكَلَّمُوا بكلام لم أسْمَعْه، فقال أحدهم: أَتَرونَ اللهَ يَسْمَع كلامَنا هذا؟ فقال الآخر: إنَّا إذا رَفَعْناً أصْوَاتَنا يَسمَعُه، وإذا لم نَرْفَعْ لم يَسْمَعْ. فقال الآخر: إن سَمِعَ منه شيئاً سمعه كلَّه. قال: فذكرتُ ذلك للنبيِّ نَِّ، فأنزل اللهُ تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاَ أَبْصَرُكُمْ) إلى قوله سبحانه: (مِنَ اْخَسِرِينَ)(٢). فالحكم المحکيُّ حينئذ يكون خاصًّا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفر، لكنَّه قليلٌ في الكَفَرَة. وفي «الإرشاد)»: لعل الأنسبَ أن يراد بالظنِّ معنّى مجازيٌّ يعمُّ معناه الحقيقيَّ وما يجري مجراه من الأعمال المنبئة عنه، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] ليعمَّ ما حُكي من الحال جميعَ أصناف الكَفَرة، فتدبّر(٣). وفي الآية تنبيه على أنَّ المؤمنَ ينبغي أن لا يمرَّ عليه حالٌ إلا بملاحظةِ أنَّ عليه رقيباً، كما قال أبو نواس: خَلَوتُ ولكنْ قُل عليَّ رَقِيبُ إذا ما خَلَوتَ الدهرَ يوماً فلا تقُل ولا أنَّ ما يخْفَى عليه يَغِيبُ(٤) ولا تحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعةٌ (١) النكت والعيون ١٧٦/٥ . (٢) مسند أحمد (٣٦١٤)، وصحيح البخاري (٤٨١٦)، وصحيح مسلم (٢٧٧٥)، وسنن الترمذي (٣٢٤٩)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٤٠٤)، وعزاه السيوطي في الدر ٣٦٢/٥ لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي. (٣) تفسير أبي السعود ١١/٨. (٤) ديوان أبي نواس ص١٠٣، وفيه: عليك. بدل: عليه. وهو الأنسب. سُؤَدَةُ فُضْلَتْ ١٧٦ الآية : ٢٣ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ظِّهم المذكورِ في ضمنٍ قوله سبحانه: ((ظننتم))، وما فيه من معنى البعد للإيذان بغايةٍ بعدٍ منزلته في الشرِّ والسوء، وهو مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿ظَتْكُ اَلَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ﴾ بدلٌ منه، وقولُه سبحانه: ﴿أَزْدَنَكُمْ﴾ - أي: أهلككم - خبره . وجوِّز أن يكون ((ظَنُّكُم)) خبراً، و(«أرداكُم)) خبراً بعدَ خبر. وردّه أبو حيان بأنَّ (ذلِكُم)) إشارةٌ إلى ظَنِّهم السابق، فيصير التقدير: وظنُّكم بربّكم أنَّه لا يعلم ظنَّكم بربِّكم. فما استُفِيد من الخبر هو ما استُفِيد من المبتدأ، وهو لا يجوز، كقولهم: سيِّدُ الجارية مالكُها (١). وقد منعه النحاة. وأجيب بأنَّه لا يلزم ما ذَكَر؛ لجوازٍ جَعْل الإشارة إلى الأمر العظيم في القباحة، فيختلف المفهومُ باختلاف العنوان ويصحُ الحملُ، كما في: هذا زيد. ولو سُلِّم فالاتحادُ مثله في قوله : أنا أبو النجم وشعري شعري(٢) مما يدلُّ على الكمال في الحسن كما في هذا المثال، أو في القبح كما في الجملة المذكورة. وقيل: المرادُ منه التعجُّب والتهكُّم، وقد يُراد من الخبر غيرُ فائدة الخبر ولازمِها. واختار بعضهم في الجواب ما أشار إليه ابن هشام في شرح: بانت سُعاد، وبسط الكلامَ فيه من أنَّ الفائدة كما تحصل من الخبر تحصل من صفتة وقَيْدِه كالحال. وجوِّز في جملةِ ((أَرْدَاكُم)) أن تكونَ حالاً بتقدير ((قد)» أو بدونه. والموصولُ في جميع الأوجه صفةُ ((ظنكم)). وقيل: الثلاثة أخبارٌ. فلا تغفل. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ بسبب ذلك الظنِّ السوءِ الذي أهلككم ﴿مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ إذ صار ما أُغْطُوا من الجوارح لنيل السعادة في الدنيا والآخرة لأنَّ بها تعيُّشَهم في (١) البحر ٧ / ٤٩٣. (٢) سلف ٧/ ٣١٠. الآية : ٢٤ ١٧٧ سُؤَةُ فُصَلَنْ الدنيا وإِدراكَهم ما يهتدون به إلى اليقين ومعرفةِ ربِّ العالمين الموصِل للسعادة الأخروية = سبباً للشقاء في الدارَيْن، حيث أدَّاهم إلى كُفرانِ نِعَم الرازق، والكفرِ بالخالق، والانهماكِ في الغفلات، وارتكاب المعاصي، واتباع الشهوات. ﴿فَإِنِ يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَّى لَمْ﴾ أي: محلُّ ثواءٍ وإقامةٍ أبدية لهم بحيث لا براحَ لهم منها، وترتيبُ الجزاء على الشرط؛ لأنَّ التقديرَ: إن يصبروا - والظنُّ أنَّ الصبرَ ينفعهم لأنه مفتاحُ الفرج - لا ينفعهم صبرُهم إذا لم يصادِفْ محلَّه، فإنَّ النار محلُّهم لا محالة. وقيل: في الكلام حذفٌ، والتقدير: أو لا يصبروا، كقوله تعالى: ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوَاْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَءُ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]. وقيل: المراد: فإن يصبروا على تركِ دينك واتباع هواهم فالنارُ مثوى لهم. وليس بذاك. والالتفاتُ للإيذان باقتضاءِ حالهم أن يُعرَض عنهم ويُحكى سوءُ حالهم للغير، أو للإشعار بإبعادهم عن حيِّز الخطاب وإلقائهم في غيابة دَرَكات النار. ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يَسْألوا العُتَبِى، وهي الرجوعُ إلى ما يحبونه جزعاً مما هم فيه ﴿فَمَا هُم ◌ِنَ الْمُعْتَبِينَ (٣)﴾ أي: المجابِين إليها. وقال الضحاك: المراد: إن يعتذروا فما هم من المعذورين. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري: ((وإن يُسْتَعْتَبُوا)) مبنيًّا للمفعول ((فما هم من المُعْتِيْن)) اسم فاعل(١)، أي: إن طُلِب منهم أن يُرضُوا ربَّهم فما هم فاعلون، ولا يكون ذلك؛ لأنَّهم قد فارقوا الدنيا دارَ الأعمال كما قال ◌َّ: ((ليس بعد الموت مُسْتَعْتَبٌ))(٢). (١) القراءات الشاذة ص١٣٣، والمحتسب ٢٤٥/٢. والكلام من البحر ٧ /٤٩٤. (٢) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١١٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٨١)، والديلمي في مسند الفردوس (٨١٧٨)، كما في زهر الفردوس على هامشه ٢٧٨/٥ عن الحسن عن رجل من الصحابة. سُوَلاَ فُضَّلَتْ ١٧٨ الآية : ٢٥ ويحتمل أن تكون هذه القراءةُ بمعنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوَأْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ﴿وَقَيَّضّنَا لَمُمْ﴾ أي: قدَّرنا، وفي ((البحر)): أي: سَبَّبْنا لهم من حيث لم يحتسبوا(١). وقيل: سلَّطنا ووَّلْنا عليهم. ﴿قُرَنَّةَ﴾ جمعُ: قرينٍ، أي: أَخْدَاناً وأصحاباً من غُواة الجنّ. وقيل: منهم ومن الإنس، يستَوْلُون عليهم استيلاءَ القَيْضِ وهو القِشْر على البَيْضِ. وقيل: أصلُ القَيْضِ البدلُ، ومنه المقايَضَةُ للمعاوَضَةِ، فَقِْيْضُ القرين للشخص إمَّا لاستيلائه عليه أو لأخذه بدلاً عن غيره من قرنائه. ﴿فَزَيَّنُواْ لَمُمْ﴾ حسَّنوا وقرَّروا في أنفسهم ﴿مَّا بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ قال ابن عباس: من أمر الآخرة، حيث ألقَوا إليهم أنَّه لا جنةَ ولا نارَ ولا بعثَ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا من الضلالة والكفر واتباع الشهوات. وقال الحسن: ((ما بين أيديهم)) من أمر الدنيا، و((ما خلفهم)) من أمر الآخرة. وقال الكلبي: ((ما بين أيديهم)) أعمالُهم التي يُشاهِدونها، و((ما خلفهم)) ما هم عامِلُوه في المستقبل(٢). ولكلٍّ وجهةٌ، ولعلَّ الأحسن ما حُكي عن الحسن. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: ثبت وتقرَّر عليهم كلمةُ العذاب وتحقَّق موجبُها ومصداقُها، وهي قوله تعالى لإبليس: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَيَمَنْ تَعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥]. ﴿فيَّ أُمَمٍ﴾ حالٌ من الضمير المجرور، أي: كائنين في جملة أُمَم، وقيل: ((في)) بمعنى ((مع))، ويحتمِل المعنيّيْنِ قولُه: فُوكاً ففي آخَرِين قَدْ أَفِكُوا(٣) إن تَكُ عن أَحْسَنِ الصَّنِيْعَة ما (١) البحر ٧ / ٤٩٤ . (٢) قول ابن عباس والحسن والكلبي في البحر ٧/ ٤٩٤ . (٣) سلف ١١/ ١٢٧. الآية : ٢٦ ١٧٩ سُؤَلَا فُضِلَتْ وفي ((البحر))(١): لا حاجةً للتضمين مع صحة معنى ((في). وتنكيرُ ((أُمَم)) للتكثير، أي: في أُمَمٍ كثيرةٍ. ﴿قَدّ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿مِن قَبْلِهِم مِّنَ لُلْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ على الكفر والعصيان تعليلٌ لاستحقاقهم العذابَ، والضميرُ لهم كدأبٍ هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ (٢٥)﴾ وللأُمَم، وجوِّز كونُه لهم بقرينة السياق ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من رؤساء المشركين لأعقابهم، أو: قال بعضُهم لبعض: لَا تَسْمَعُوا لِمَذَا الْقُرْءَانِ﴾ أي: لا تُنصِتوا له؛ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان النبيُّ نَّه وهو بمكة إذا قَرَأَ القرآنَ يرْفَعُ صوتَه، فكان المشركون يَظْرُدُون الناسَ عنه ويقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن ﴿وَلْفَوْاْ فِيهِ﴾ وأُتُوا بِاللَّغْوِ عند قراءته ليتشوَّشَ على القارئ(٢). والمرادُ باللغو ما لا أصل له، وما لا معنى له. وكان المشركون عند قراءته عليه الصلاة والسلام يأتُون بالمُكاءِ والصفير والصِّياح وإنشاد الشعر والأراجيز. وقال أبو العالية: أي: قَعُوا فيه وعِيبُوه(٣). وفي كتاب ابن خالويه: قرأ عبد الله بن بكر السهمي (٤) وقتادة وأبو حيوة وأبو السمال والزعفراني وابن أبي إسحاق وعيسى بخلاف عنهما: ((وَالْغُوا)) بضمِّ الغين(٥)، مضارعُ: (لَغا)) بفتحها، وهما لغتان، يقال: لَغِيَ يَلْغَى، كـ : رضِيَ (١) ٧ /٤٩٤ . (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٣٦٢/٥، وهو عند الطبري ٤١٧/٢٠ مختصراً. (٣) البحر ٤٩٤/٧، وهو في النكت والعيون ١٧٨/٥ عن ابن عباس. (٤) في مطبوع القراءات الشاذة ص١٣٣: عبد الله بن بكير السلمي، والمثبت من الأصل و(م) والبحر ٤٩٤/٧، والكلام منه. وعبد الله بن بكر السهمي هو أبو وهب البصري، سمع أباه بكر بن حبيب السهمي وغيره، وعنه أحمد وابن المديني وغيرهما. توفي (٢٠٨هـ). تاريخ الإسلام ٩٨/٥. وينظر التعليق الذي بعده. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٤، والبحر ٤٩٤/٧. وفي المحتسب ٢٤٦/٢، والمحرر الوجيز ١٣/٥، وتفسير القرطبي ٤١٣/١٨: بكر بن حبيب السهمي. بدل: عبد الله بن بكر السهمي. وقد ذكر الخلاف في البحر ٧ / ٤٩٤. سُوَاُ فُضَّلَنْ ١٨٠ الآية : ٢٧ - ٢٨ يَرْضَى، وَلَغَا يَلْغُوك: عدا يَعْدُو: إذا هَذَى، وقال صاحبُ ((اللوامح))(١): يجوز أن يكونَ الفتحُ من لَغِي بالشيء يَلْغَی به: إذا رَمَی به، فیکون ((فیه)) بمعنی «به))، أي: ارْمُوا به وانبذوه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾﴾ أي: تغلبونه على قراءته، أو تطمِسون أمرَه وتُميتون ذكره. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فوالله لنُذِيقَنَّ هؤلاء القائلين، والإظهارُ في مقام الإضمار للإشعار بالعِلِية، أو: جميعَ الكفار، وهم يدخلون فيه دخولاً أوليًّا. ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ لا يُقادَر قدرُه ﴿وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَاَ اَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: جزاءً سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ، فـ ((أفعل)) للزيادة المطلقة، وقيل: إنه سبحانه لا يُجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوفين وصِلةِ الأرحام وقِرَى الأضياف؛ لأنها مُحبَطَّة بالكفر، والعذابُ إما في الدارين أو في إحداهما، وعن ابن عباس: ((عذاباً شديداً) يومَ بدر، و((أسوأ الذي كانوا يَعْمَلُون)) في الآخرة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من الجزاء، وهو مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿جَزَآءُ أَعْدَاءٍ اللَّهِ﴾ خبرُه، أي: ما ذكر من الجزاء جزاءٌ معَدٌّ لأعدائه تعالى، وقوله سبحانه: ﴿النَّارِ﴾ عطفُ بيانٍ لـ ((جزاء)»، أو بدلٌ، أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ. وجوِّز أن يكون ذلك خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمرُ ذلك، و((جَزاء)) مبتدأ و((النارُ)) خبره، والإشارةُ حينئذٍ إلى مضمون الجملة السابقة. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ جملةٌ مستقلَّةٌ مقرِّرَةٌ لِما قبلها، وجوِّز أن يكون ((النار)) مبتدأ وهذه الجملة خبره، أي: هي بعينها دارُ إقامتهم؛ على أنَّ ((في)) للتجريد كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقول الشاعر: وفي الله إن لم يُنصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ(٢) (١) كما في البحر ٧ / ٤٩٤ -٤٩٥ . (٢) المحرر الوجيز ١٣/٥، والبحر ٤٩٥/٧، وصدره: أباحت بنو مروان ◌ُظُلْماً دماءًنا. كما في معاهد التنصيص ١٦/٣، وعزاه في الحماسة البصرية ٨١/١ لأبي الخطار بشر بن صفوانٍ