Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٢٨
٦١
سُوَةٌ غَفَاء
والجملة حاليةٌ من الفاعل أو المفعول، وهذا إنكارٌ من ذلك الرجُل عظيمٌ،
وتبكيتٌ لهم شديدٌ، كأنه قال: أترتكبون الفعلةَ الشنعاءَ التي هي قتلُ نفسٍ محرَّمةٍ،
وما لكم عليه في ارتكابها إلَّا كلمةُ الحقِّ التي نطق بها وهي قوله: (ربي الله))، مع
أنه قد جاءكم بالبيناتِ ﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾ أي: من عند مَن نسب إليه الربوبية، وهو ربُّكم
لا ربُّه وحده، وهذا استدراجٌ إلى الاعتراف.
وفي ((أن يقولَ ربي الله)) إلى ((من ربكم)) نكتةٌ جليلةٌ، وهي أنَّ مَن يقول: ربي اللهُ أو
فلانٌ، لا يقتضي أن يقابَلَ بالقتل، كما لا تقابلون بالقتل إذا قُلتم: ربُّنا فرعون، كيف
وقد جعل ربَّه مَن هو ربُّكم، فكان عليكم بأن تعزّرُوه وتوفّروه، لا أن تخذُلوه وتقتُلوه.
وجوَّز الزمخشريُّ(١) كونَ ((أن يقول)) على تقديرِ مضافٍ، أي: وقتَ أن يقول،
فحُذِف الظرفُ فانتصب المضافُ إليه على الظرفية لقيامِه مقامَه، والمعنى: أتقتلونه
ساعةً سمِعتم منه هذا القولَ من غير رويَّةٍ ولا فكرٍ في أمره.
وردّه أبو حيان(٢) بأنَّ القائمَ مقامَ الظرف لا يكون إلا المصدرَ الصريحَ، كـ :
جئت صياح الديك، أو ما كان بـ ((ما)) الدوامية، دون الغير الصريح، كـ : جئت أن
صاح۔ أو أن يصبحَ - الديك.
وفيه أنَّ ابنَ جنيٌّ كالزمخشريِّ صرَّح بالجواز(٣)، وكلٌّ إمامٌ.
ثم إنَّ الرجلَ احتاط لنفسه خشيةَ أن يعرفَ اللعينُ حقيقةً أمره فيبطش به،
فتلطّف في الاحتجاج فقال: ﴿وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُ﴾ لا يتخطَّاه وبالُ كذبه
فيحتاج في دفعه إلى قتله ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ فلا أقلَّ
من أن يصيبكم بعضُ الذي يعدكم أو يَعِدُكموه، وفيه مبالغةٌ في التحذير، فإنَّه إذا
حذَّرهم من إصابة البعض أفاد أنَّه مُهلكٌ مَخوفٌ، فما بالُ الكلِّ؟ وإظهارٌ للإنصاف
وعدم التعصّبٍ، ولذا قدَّم احتمالَ كونه كاذباً.
(١) في الكشاف ٣/ ٤٢٤.
(٢) في البحر ٧/ ٤٦٠.
(٣) حاشية الشهاب ٣٦٨/٧.

سُوَل ◌َغَفَارِ
٦٢
الآية : ٢٨
وقيل: المراد: يصبكم ما يعدُكم من عذاب الدنيا وهو بعضُ مواعيدِه، كأنه
خوَّفهم بما هو أظهرُ احتمالاً عندَهم.
وقيل: ((بعض)) بمعنى ((كلِّ))، وأنشدوا لذلك قولَ عمرو القطاميِّ :
قد يُذْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجته وقد يكونُ معَ المستَعْجِلِ الزَّلَلُ(١)
وذهب الزجَّاجُ(٢) إلى أنَّ ((بعض)) فيه على ظاهره، والمراد إلزام الحجَّة وإبانةُ
فضلِ المتأنِّي على المستعجل بما لا يقدر الخصمُ أن يدفعَه، فالبيت كالآية على
الوجه الأول، وأنشدوا لمجيء ((بعض)) بمعنى ((كل)) قول الشاعر:
دونَ الشيوخِ ترى في بعضِها خَلَلا(٣)
إِنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَّرها
ولا يتعيَّن فیه ذلك كما لا يخفى.
وعن أبي عبيدة أنَّه فسَّر البعضَ بالكلِّ أيضاً، وأنشدَ قول لبيد:
أو يَرْتَبِظُ بعضَ النُّفُوسِ حمامُها (٤)
ترَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرْضَها
حَمَل البيتَ على معنى: لا أزال أنْتَقِل في البلاد إلى أن لا يبقى أحدٌ أقصدُه
من العباد. والمحقِّقون على أنَّ البعضَ فيه على ظاهرِهِ والمرادُ به نفسُه، والمعنى:
لا أزال أترُكُ ما لم أرضه من الأمكنةِ إلا أن أموتَ.
وقال الزمخشريُّ: إن صحَّت الروايةُ عن أبي عبيدة في ذلك فقد حقَّ فيه قولُ
المازني في مسألة العَلْقى: كان أجفى من أن يفقهَ ما أقولُ له(٥). وفيه مبالغةٌ في
الردِّ.
(١) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص ٢٥.
(٢) في معاني القرآن ٤/ ٣٧٢.
(٣) البيت في بهجة المجالس ٢٤/٣، والبحر المحيط ٧/ ٤٦١ دون نسبة، ونسبه في طبقات
الشعراء ص ٤٤٣ لإسحاق بن خلف وهو الخريمي.
(٤) مجاز القرآن ٩٤/١، والبيت فيه وفي شرح ديوان لبيد ص٣١٣ برواية: أو يعتلق بعض
النفوس ... ، وقد سلف البيت ٢٣٩/٧.
(٥) الكشاف ٣/ ٤٢٥. وأشار الزمخشري بذلك إلى خبر أبي عبيدة مع المازني، حيث قال
أبو عثمان المازني: قال لي أبو عبيدة: ما أكذبَ النحويين! فقلتُ له: لم قلتَ ذلك؟ قال:

٦٣
الآية : ٢٩
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّبٌ ﴾﴾ احتجاجٌ آخَرُ ذو وجهين:
أحدهما أنَّه لو كان مُسرِفاً كذَّاباً لَمَا هداه الله تعالى إلى البيّنات، ولَمَا عَضَده بتلك
المعجزات، وثانيهما إن كان كذلك خَذَلَه الله تعالى وأهْلَكَه فلا حاجةَ لكم إلى
قتله. ولعلَّه أراد به المعنى الأولَ، وأوهَمَهم أنه أراد الثانيَ لِتَلِيْنَ شكيمتُهم؛
وعرَّض لفرعون بأنه مُسْرِفٌ، أي: في القتل والفسادِ، كذَّابٌ في ادِّعاء الربوبيةً،
لا يهديه الله تعالى سبيلَ الصواب ومنهاجَ النجاة، فالجملةُ مستأنفةٌ متعلِّقةٌ معنّی
بالشرطية الأولى، أو بالثانية، أو بهما .
﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ غالبين عالِين على بني إسرائيل ﴿فِى الْأَرْضِ﴾
أي: في أرض مصرَ، لا يقاومكم أحدٌ في هذا الوقت ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ﴾
مِن أَخْذِه وعذابه سبحانه ﴿إِن جَآءَنَا﴾ أي: فلا تُفسِدوا أمرَكم ولا تتعرَّضُوا لبأسِ الله
تعالى بقتلِه، فإنَّه إن جاءنا لم يمنعَنا منه أحدٌ، فالفاء في ((فمن)) إلخ فصيحةٌ،
والاستفهامُ إنكاريٌّ، وإنما نَسَب ما يَسُرُّهم من المُلك والظهورِ في الأرض إليهم
خاصَّةً، ونَظَم نفسَه في سلكهم فيما يسوءُهم من مجيء بأسِ الله تعالى؛ تطييباً
لقلوبهم وإيذاناً بأنه مُناصِحٌ لهم ساعٍ في تحصيلِ ما يُجدِيهم ودَفْعِ ما يُردِيهم سعيَه
في حقِّ نفسه ليتأَثَّروا بنُصْحِه.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ بعدَما سمِع ذلك ﴿مَا أُرِيَكُمْ﴾ أي: ما أُشيرُ عليكم ﴿إِلَّ مَآ أَرَى﴾
إلا الذي أَراه وأستَصْوِبِه مِن قتلِهِ، يعني: لا أستَصْوِبُ إلا قتلَه، وهذا الذي تقولونه
غیرُ صواب.
= يقولون: إنَّ هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، وإن الألف التي في ((عَلْقى)) ملحقة
ليست للتأنيث. قال: فقلتُ: وما أنكرتَ من ذاك؟ قال سمعتُ رؤبة يُنْشد:
فحظّ في عَلْقَى وفي مُكُورٍ
فقلت له: ما واحد العلقى؟ فقال: عَلقاة. قال أبو عثمان: فَلَمْ أفسِّر له؛ لأنه كان أغلظ من
أن يفهمَ مثلَ ذلك. إنباه الرواة على أنباه النحاة ٢٥٣/١-٢٥٤، والبرهان ٢٦٨/٢.
والعلقى: شجر تدوم خضرته في القيظ، ولها أفنان طوال دقاق، وورقٌ لطاف. اللسان
(علق).

سُوَلاَ غَفَا
٦٤
الآية : ٢٩
﴾ طريقَ الصواب والصلاح،
﴿وَمَآ أَهْدِيَكُمْ﴾ بهذا الرأي ﴿إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ
أو ما أُعلمُكم إلا ما أعلَمُ من الصواب، ولا أدَّخِرُ منه شيئاً، ولا أُسِرُّ عنكم خلافَ
ما أُظهِر، يعني أنَّ لسانَه وقلبَه متواطِئان على ما يقول، وقد كذب عدوُّ الله، فقد
كان مستشْعِراً للخوفِ الشديد من جهةٍ موسى عليه السلام، لكنَّه كان يتجلَّدُ، ولولا
استشعارُه لم يستَشِرْ أحداً .
وعن معاذ بن جبل والحسن أنهما قرأ: ((الرَّشَّاد)) بشدِّ الشين(١)، على أنه فعَّالٌ
للمبالغة مِن رَشِد بالكسر كعلام من عَلِم، أو من رشَد بالفتح كعبّاد مِن عَبَد.
وقيل: هو مِن أَرْشَدَ المَزِيدِ كجبَّار من أَجْبَرَ. وتعقّب بأن فعَّالاً لم يجئ من
المزيد إلا في عدَّةِ أحرُفٍ نحو: جبَّار ودرَّاك وقصَّار وسأِر، ولا يحسُن القياسُ
على القليل، مع أنَّه ثبت في بعضه كجبَّار سماعُ الثلاثي فلا يتعيَّنُ كونُه من
المزيد، فقد جاء: جَبَره على كذا، كـ : أَجْبَرِهِ، وقصَّار كجبَّار عندَ بعضٍ
لا يتعيَّن كونُه من: أَقْصَرَ، لمجيءٍ: قَصَر عن الشيء، كـ: أَقْصَرَ عنه، وحُكي
عن الجوهريِّ أنَّ الإقصارَ كفِّ مع قدرةٍ، والقَصْر كفِّ مع عَجْزِ (٢)، فلا يتمُّ هذا
عليه .
وأمَّا: درَّاك وسأِر، فقد خُرِّجا على حذف الزيادة تقديراً لا استعمالاً،
كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأوْرَسَ الرِّمْثُ فهو وَارِس(٣)، قال ابن جنِّي:
وعلى هذا خُرِّج ((الرشَاد))، فيكون من رَشَد بمعنى أَرْشَد تقديراً لا استعمالاً؛ فإنَّ
المعنى على ذلك، ثم قال: فإن قيل: إذا كان المعنى على أرشد، فكيف أجزتَ أن
يكون من رَشِد المكسورِ، أو من رَشَد المفتوح؟ قيل: المعنى راجعٌ إلى أنه مُرشِدٌ،
لأنَّه إذا رَشِد أرشد؛ لأنَّ الإرشاد من الرشَد، فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن
المسبّب(٤). انتهى.
(١) المحتسب ٢٤١/٢، والبحر ٧/ ٤٦٢ .
(٢) الصحاح (قصر).
(٣) أي: اصفرَّ ورقه. والرِّمْث: شجر يشبه الغضى. القاموس (ورس) و(رمث).
(٤) المحتسب ٢٤١/٢ -٢٤٢.

الآية : ٣٠
٦٥
سُؤَةٌ غَزْفٍ
وقيل: أُجِيزَ ذلك لأنَّ المبالغةَ في الرَّشَد تكون بالإرشاد كما قرَّرُوا في قُّومِ
وطُهُورٍ.
وقال بعض المحقّقين: إنَّ رَشَد بمعنى اهتدى، فالمعنى: ما أَهديكم إلَّا
سبيلَ مَن اهتدى وعظُم رُشْدُه، فلا حاجةَ إلى ما سمعتَ، وإنما يُحتاج إليه لو
وَجَب كونُ المعنى: ما أهديكم إلا سبيلَ مَن كثُر إرشادُه، ومن أين وجب
ذلك؟!
وجوِّز كونُ فعَّال في هذه القراءة للنسبة كما قالوا: عوَّاج، لبيَّاع العاج،
وبتَّات، لبيَّاعِ البتِّ، وهو كساءٌ غليظ، وقيل: طيلسانٌ من خزٍّ أو صُوفٍ.
وأنكر بعضُهم كونَ القراءة على صيغة فعَّال في كلام فرعون، وإنَّما هي في قول
الذي آمن: (يَقَوْمِ أَنَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ)، فإنَّ معاذ بن جبل كان - كما قال
أبو الفضل الرازي وأبو حاتم (١) - يفسِّرُ ((سبيل الرشاد)» على قراءته بسبيل الله تعالى،
وهو لا يتسنَّى في كلام فرعون كما لا يخفى، وستعلم إن شاء الله تعالى أنَّ معاذاً
قرأ كذلك في قول المؤمن، فلعلَّ التفسيرَ بسبيل الله عزَّ وجلَّ كان فيه، دونَ كلام
فرعون، والله تعالى أعلم.
﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ﴾ الجمهورُ على أنه الرجلُ المؤمنُ الكاتمُ إيمانَه القائلُ:
(تقتلون رجلا أن يقول ربي الله))، قوَّى اللهُ تعالى نفسَه وثبَّت قلبَه فلم يَهَبْ فرعونَ
ولم يعْبَأ به، فأتى بنوعٍ آخَرَ من التهديدِ والتخويفِ فقال: ﴿يَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيَّكُمْ
مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَخْزَابِ ﴾﴾ إلى آخره.
وقالت فرقةٌ: كلامُ ذلك المؤمن قد تمَّ، والمرادُ بـ ((الذي آمن)) هنا هو موسى
عليه السلام، واحتجَّتْ بقوَّةٍ كلامه. وعلى الأول المعوَّلُ، أي: قال ناصحاً لقومه:
يا قوم إني أخاف عليكم في تكذيب موسى عليه السلام والتعرُّضِ له بالسوء أن يَحُلَّ
بكم مثلُ ما حلَّ بالذين تحزَّبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية.
واليوم: واحدُ الأيام بمعنى الوقائع، وقد كثُر استعمالُها بذلك حتى صار حقيقةً
(١) كما في البحر ٧/ ٤٦٢.

سُورَةٌ غَفَارٍ
٦٦
الآية : ٣١
عُرفيَّةً، أو بمعناها المعروف لغةً، والكلام عليه على حذفِ مضافٍ، أي: مثلُ
حادثِ يومٍ الأحزاب.
وأيًّا ما كان فالظاهرُ جمعُ اليوم، لكن جَمْعُ ((الأحزاب)) المضافِ هو إليه مع
التفسير بما بعدُ أغنى عن جمعه، والمعنى عليه، ورجّح الإفراد بالخفَّة والاختصار.
وقال الزجَّاج (١): المرادُ: يومُ حزبٍ حزبٍ، بمعنى أنَّ جمعَ حزبٍ مرادٌ به
شمولُ أفرادِه على طريق البدل. وهو تأويلٌ في الثاني، وما تقدَّم أظهرُ.
﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: مثلَ جزاءِ دأبِهم، أي: عادتِهم الدائمةِ من
الكفر وإيذاءِ الرسل، وقُدِّر المضافُ؛ لأنَّ المَخُوفَ في الحقيقة جزاءُ العملِ لا هو،
وجاء هذا من نصب ((مثل)) الثاني على أنه عطفُ بيانٍ لـ ((مثل)) الأول؛ لأنَّ آخِرَ
ما تناولته الإضافةُ قومُ نوح، ولو قلتَ: أهلك اللهُ الأحزابَ: قومَ نوح وعاد
وثمودَ، لم يكن إلَّا عطفَ بيانٍ لإضافةِ قومٍ إلى أعلامِ، فسَرَى ذلك الحكمُ إلى أوَّلِ
ما تناولته الإضافةُ.
وقال ابنُ عطية: هو بدلٌ من ((مثل)) الأول(٢)، والاحتياجُ إلى تقديرِ المضاف
على حاله.
﴿وَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ كقوم لوط ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾﴾ أي: فما فعل
سبحانه بهؤلاء الأحزاب لم يكن ظلماً، بل كان عدلاً وقسطاً؛ لأنه عزَّ وجلَّ أرسل
إليهم رسلَهم بالبينات فكذّبوهم وتحَّبوا عليهم، فاقتضى ذلك إهلاكهم، وهذا أبلغ
من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] من حيثُ جعل المنفيّ فيه
إرادةَ الظلم؛ لأنَّ مَن كان عن إرادةِ الظلم بعيداً كان عن الظلم نفسِه أبعدَ، وحيثُ
نكِّر الظلمُ كأنه نَفى أن يُريدَ ظلماً مَّا لعباده.
وجوَّز الزمخشريُّ أن يكونَ معناه كمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَّ﴾
[الزمر: ٧] أي: لا يريد سبحانه لهم أن يَظْلِمُوا، يعني أنَّه عزَّ وجلَّ دمَّرهم؛ لأنهم
(١) في معاني القرآن ٣٧٢/٤.
(٢) المحرر الوجيز ٤ /٥٥٨ .

الآية : ٣٢
٦٧
سُؤَلا عدفل
كانوا ظالمين(١). ولا يخفى أنَّ هذا المعنى مرجوحٌ لفظاً ومعنّى.
ثم لا حَّة للمعتزلة لثبوتِ الفرقِ بين: أراده منه، وأراده له، فلو سلِّم أنَّه
سبحانه لا يريد لهم أن يَظْلِموا لم يَلْزَم أن لا يريدَه منهم، والممتَنِعُ عند أهلِ السنة
هو هذا، فلا احتياجَ إلى صرْفِ الآية عن الظاهرِ عندَهم أيضاً.
﴿وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَيْكُؤْ يَوْمَ النَّنَادِ
خوَّفهم بالعذاب الأخروِيِّ بعدَ
٣٢
تَخْوِيفهم بالعذاب الدنيوِيِّ. و((التناد)» مصدَرُ تَنَادَى القومُ، أي: نادَى بعضُهم
بعضاً، و(يومُ التناد)» يومُ القيامة، سمِّي بذلك؛ لأنَّه يُنادِي فيه بعضُهم بعضاً
للاستغاثة، أو يتَصَايَحُون فيه بالويل والثُّبور، أو لتنادِي أهلِ الجنة وأهلِ النار
كما حُكي في سورة الأعراف، أو لأنَّ الخلقَ يُنادَون إلى المحشر، أو لنداء
المؤمن: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَفِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩] والكافرِ: ﴿يَلِكَنِىِ لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَةْ﴾
[الحاقة: ٢٥].
وعن ابن عباس أنَّ هذا التنادي هو التنادي الذي يكونُ بين الناس عندَ النفْخِ في
الصورِ ونفخة الفَزَعِ في الدنيا، وأنَّهم يَفِرُّون على وجوهِهم للفَزَع الذي
نالَهم، ويُنادِي بعضُهم بعضاً(٢)، وروي هذا عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ◌َ(٣).
وقال ابن عطية: يحتمل أن يرادَ التذكيرُ بكلِّ نداءٍ في القيامة فيه مشقَّةٌ على
الكفَّارِ والعُصاةُ(٤).
وقرأت فرقة: ((التناد)) بسكون الدال في الوصل إجراءً له مُجرى الوقف(٥).
وقرأ ابن عباس والضخَّاكُ وأبو صالح والكلبيُّ والزعفرانيُّ وابن مقسم: ((التنادِّ)
(١) الكشاف ٤٢٦/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٤ /٥٥٨.
(٣) يريد به ما جاء في حديث الصور: يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة
الفزع ... ، إلى أن قال: ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله:
﴿يَوْمَ النَّنَادِ * يَوْمَ تُوُلُّونَ مُدَّبِينَ﴾. وقد تقدم تخريجه ٥٠١/٢٣.
(٤) المحرر الوجيز ٥٥٨/٤ .
(٥) تفسير القرطبي ٣٥٥/١٨، والبحر ٧/ ٤٦٤ .

٦٨
الآية : ٣٣ - ٣٤
بتشديد الدال(١). من ندَّ البعيرُ: إذا هَرب، أي: يوم الهرَبِ والفِرارِ؛ لقوله تعالى:
﴿يَمَ يَغُرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٤]، وفي الحديث: ((إنَّ للناسِ جَولةً يومَ القيامة
ينِدُّون يظنُّون أنَّهم يجدُون مهرباً)(٢).
وقيل: المرادُ به يومُ الاجتماعِ، مِن نَدا: إذا اجتمع، ومنه النادي.
﴿يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ﴾ بدلٌ من ((يوم التناد)) أي: يومَ تُولَّون عن الموقِفِ منصرِفِين
عنه إلى النار. وقيل: فارِّين من النار، فقد رُوي أنهم إذا سمِعوا زَفيرَ النارِ هَرَبوا
فلا يأتون قطراً من الأقطار إلَّا وجدوا ملائكةً صفوفاً فلا ينفعهم الهرَبُ(٣)، ورُجّح
هذا القول بأنَّه أتمُّ فائدةً وأظهرُ ارتباطاً بقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِيرٌ﴾ أي:
بعصِمُكم في فِرارِكم حتى لا تعذَّبُوا في النار، قاله السديُّ. وقال قتادة: أي: ما لكم
في الانطلاق إلى النار من مانع يمنعكم منها أو ناصرٍ(٤)، وهذا ما يقال على المعنى
الأول لـ ((يوم تولُّون مُدْبِرِين)) وأَيَّا ما كان فالجملةُ حالٌ أخرى من ضميرٍ ((تولون)).
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ لَّا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾﴾ يَهديه إلى طريقِ النجاة أصلاً، وكأنَّ الرجلَ
يئِسَ من قبولهم نُصْحَه فقال ذلك، ثم وبَّخَهم على تكذيبِ الرُسُلِ السالفين فقال:
﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ﴾ بن يعقوبَ عليهما السلام ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ موسى
بِالْبَهِنَتِ﴾ الأمورِ الظاهرِةِ الدالَّةِ على صِدْقه ﴿فَا زِلْتُمْ فِى شَكٍ مِّمَا جَاءَكُمْ بِ﴾ من
الدين ﴿حَّ إِذَا هَلَكَ﴾ بالموتِ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً ﴾ غايةٌ
لقوله: ((فما زلتم))، وأرادوا بقولهم: ((لن يبعث الله من بعده رسولا)) تكذيبَ رسالتِهِ
ورسالةٍ غيرِهِ، أي: لا رسولَ فَيُبْعَثَ، فهم بعدَ الشكِّ بتُّوا بهذا التكذيب، ويكون
ذلك ترقِّياً .
ويجوز أن يكونَ الشُّ في رسالتِهِ على حاله وبَتُّهم إنَّما هو بتكذيبٍ رسالةٍ غيرِهِ
مِن بعدِه.
(١) القراءات الشاذة ص١٣٢، والمحتسب ٢٤٣/٢، والمحرر الوجيز ٥٥٨/٤، والبحر ٤٦٤/٧.
(٢) النكت والعيون ١٥٥/٥ دون نسبة.
(٣) تفسير الطبري ٣١٩/٢٠ عن الضحاك بن مزاحم.
(٤) البحر ٧/ ٤٦٤ .

الآية : ٣٤
٦٩
سُورَةٌ غَافِلِ
وقيل: يحتمل أن يكونوا أظهروا الشكَّ في حياتِهِ حسداً وعِناداً، فلمَّا مات
عليه السلام أقرُّوا بها وأنكروا أن يَبْعَثَ اللهُ تعالى مِن بعده رسولاً. وهو خلافُ
الظاهر.
ومجيء يوسفَ بنِ يعقوبَ عليهما السلام المخاطبين بالبيناتِ قيل: من بابٍ
نسبةِ أحوالِ الآباء إلى الأولادِ، وكذلك نسبةُ الأفعالِ الباقيةِ إليهم.
وجوِّز كونُ بعضِ الذين جاءهم يوسفُ عليه السلام حقيقةً حيًّا؛ ففي بعضٍ
التواريخ أنَّ وفاةَ يوسفَ عليه السلام قبلَ مولدٍ موسى عليه السلام بأربعٍ وستين
سنةً، فيكونُ مِن نسبة حالِ البعض إلى الكلِّ.
واستظهر في ((البحر)) أنَّ فرعونَ يوسفَ عليه السلام هو فرعونُ موسى عليه
السلام، وذَكر عن أشهب عن مالك أنه بلغه أنه عُمِّر أربعَ مئةٍ وأربعين سنةً(١).
والذي ذكره أغلبُ المؤرِّخين أنَّ فرعونَ موسى اسمُه: الريَّان، وفرعونَ يوسف
اسمُه: الولید.
وذكر القرطبيُّ أنَّ فرعونَ الأول من العمالقة، وهذا قبطيٍّ، وفرعون يوسف عليه
السلام مات في زمنه(٢). وأختار القولَ بتغايُرِهما، وأمْرُ المجيءِ وما معه من
الأفعال على ما سمعتَ.
وقيل: المراد بيوسف المذكور هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصدِّيق،
أرسله الله تعالى نبيًّا فأقام فيهم عشرين سنةً، وكان من أمرهم ما قصَّ الله عزَّ وجلَّ.
ومن الغريب جدًّا ما حكاه النقَّاش والماورديُّ أنَّ يوسفَ المذكور في هذه
السورة من الجنّ بعثه الله تعالى رسولاً إليهم، نقله الجلال السيوطيُّ في
(الإتقان))(٣)، ولا يقبله مَن له أدنى إتقان، نعم القولُ بأنَّ للجنِّ نبياً منهم اسمه
يوسف أيضاً مما عسى أن يُقْبل كما لا يخفى.
(١) البحر ٧ / ٤٦٤ .
(٢) نقله المصنف من حاشية الشهاب ٧/ ٣٧١.
(٣) ١٠٦٥/٢، وكلام الماوردي في النكت والعيون ١٥٥/٥.

سُورَة ◌َفِلِ
٧٠
الآية : ٣٥
وقرئ: ((ألن يبعث)) بإدخالِ همزةِ الاستفهام على حرفِ النفي(١)، كأنَّ بعضَهم
يقرِّرُ بعضاً على نفْي البعثة.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإضلال الفظيع ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ في
﴾ في دينهِ شاٌّ فيما تشهَدُ به البيناتُ لغلبةِ الوهم والانهماكِ
العصيان ﴿مُرْتَابُ
في التقليد.
﴿الَّذِينَ يُجَّدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ بدلٌ من الموصول الأول أعني (مَن))، أو
بيانٌ، أو صفةٌ له باعتبارِ معناه، كأنه قيل: كلَّ مُسرِفٍ مرتابٍ، أو المسرفين
المرتابين. وجُوِّز نصبُه بـ ((أعني)) مقدَّراً.
وقولُه تعالى شأنه: ﴿يِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ على الأوْجُهِ المذكورةِ متعلِّق بـ ((يجادلون))،
وقولُه سبحانه: ﴿أَتَهُمّ﴾ صفةُ ((سلطان))، والمرادُ بإتيانِهِ إتيانُهُ مِن جهتِه سبحانَه
وتعالى؛ إمَّا على أيدي الرسُل عليهم السلام فيكونُ ذاك إشارةً إلى الدليل
النقليِّ، وإمَّا بطريقِ الإفاضةِ على عُقولهم فيكونُ ذاك إشارةً إلى الدليل العقليِّ،
وقد يُعمَّم فيكون المعنى: يُجادِلون بغير حجَّةٍ صالحةٍ للتمسُّك بها أصلاً،
لا عقليةٍ ولا نقليةٍ.
وقولُه سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ تقريرٌ لِما أَشْعَر به
الكلامُ مِن ذمِّهم، وفيه ضربٌ من التعجّب والاستعظام، وفاعلُ ((گَبُرُ)) ضميرٌ راجعٌ
إلى الجدال الدالّ عليه ((يجادلون)) على نحوٍ: مَن كَذَب كان شرًّا له، أي: کبر
الجِدالُ في آياتِ الله بغيرِ حَجَّةٍ مقتاً عند الله .. إلخ، أو إلى الموصول الأولِ وأُفْرِد
رعايةً للفظهِ، واعتُرض عليه بأنَّه حملٌ على اللفظ من بَعدِ الحمل على المعنى،
وأهلُ العربية يَجْتَنِیونه.
وقال صاحب ((الكشف)): هذا شيءٌ نقله ابنُ الحاجب ولم يساعدْه غيرُه وهو
غير مسلَّم، أي: كبُر المسرفُ المرتابُ المجادِلُ في آيات الله بغير حَجَّةٍ مقتاً، أي:
كبر مقتُّه وعظُم عند الله تعالى وعند المؤمنين.
(١) الكشاف ٤٢٧/٣، والبحر ٧ /٤٦٤ .
:

الآية : ٣٥
٧١
سُوَلاً عَدفل
﴿ كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطبع الفظيع ﴿يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَ كُلِّ قَلْبٍ مُتَكٍَّ
جَبَّارِ ﴾﴾ فيصدُر عنه أمثالُ ما ذُكر من الإسراف والارتيابِ والمجادلةِ بغير حقِّ.
وجوِّز أن يكونَ ((الذين)) مبتدأً، وجملةُ ((كَبُر)) خبره، لكن على حذفٍ مضافٍ هو
المخبَرُ عنه حقيقةً، أي: جدالُ الذين يجادلون كبر مقتاً، وأن يكونَ ((الذين)) مبتدأً
على حذفِ المضاف، و((بغير سلطان)) خبرُ المضافِ المقدَّرِ، أي: جدالُ الذين
يجادلون في آيات الله تعالى كائنٌ بغيرِ سلطانٍ.
وظاهرُ كلام البعض أنَّ ((الذين)) مبتدأُ مِن غيرِ حذفِ مضافٍ، و((بغير سلطان))
خبرُه - وفيه الإخبار عن الذات والجُثَّةِ بالظرف - وفاعلُ ((كَبُر)): ((كذلك)) على
مذهبٍ مَن يرى اسميَّةَ الكاف كالأخفش(١)، أي: كبر مقتاً مثلُ ذلك الجدالِ،
فيكون قولُه تعالى: (يَطْبَعُ) إلخ استئنافاً للدلالة على الموجِب لجدالهم، ولا يخفى
ما في ذلك من العدول عن الظاهر.
وفي ((البحر))(٢): الأولى في إعرابٍ هذا الكلام أن يكونَ ((الذين)) مبتدأً، وخبرُه
(كَبُر))، والفاعلُ ضميرُ المصدر المفهوم من ((يجادلون))، أي: الذين يجادلون كبُر
جدالُهم مقتاً، فتأمَّل.
وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والأعرج بخلافٍ عنه («قلبٍ)) بالتنوين(٣)، فما بعده
صفتُه، ووصفُه بالكبر والتجبُّ؛ لأنه منبعُهما، كقولهم: رأتْ عيني وسمعتْ أذني.
وجوِّز أن يكونَ ذاك على حذفٍ مضافٍ، أي: كلِّ ذي قلبٍ متكبِّرٍ جبَّارٍ، وجَعْلٍ
الصفتَيْن لصاحبِ القلب لتَتَوافَقَ القراءتان هذه وقراءة باقي السبعة بلا تنوين.
وعن مقاتل: المتكبِّرُ: المعاندُ في تعظيم أمر الله تعالى، والجبَّارُ: المتسلِّطُ
على خلق الله تعالى(٤). والظاهرُ أنَّ عمومَ كلِّ منسحِبٌ على المتكبِّرِ والجبَّارِ أيضاً،
فكأنَّه اعتُبِرَ أولاً إضافةُ ((قلب)) إلى ما بعده، ثم اعتُبرت إضافته إلى المجموع.
(١) ينظر ما سلف ٣٩٤/٢-٣٩٥.
(٢) ٧ /٤٦٥ .
(٣) التيسير ص١٩١، والنشر ٣٦٥/٢ عن أبي عمرو وابن ذكوان، والكلام من البحر ٧/ ٤٦٥.
(٤) البحر ٧ / ٤٦٥ .

سُؤَةٌ غَافِلِ
الآية : ٣٦ - ٣٧
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنٍ لِ صَرْحًا﴾ بناءً مكشوفاً عالياً، مِن: صرَح الشيء: إذا
ظهر. ﴿لَّعَلِّيَّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ﴾﴾ أي: الطرُقَ، كما روي عن السديِّ، وقال قتادة:
الأبواب(١). وهي جمعُ سببٍ، ويُظْلَق على كلِّ ما يُتَوَصَّلُ به إلى شيءٍ.
﴿أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾ بيانٌ لها، وفي إبهامها ثمَّ إيضاحِها تفخيمٌ لشأنها وتشويقٌ
للسامعِ إلى معرفتها .
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ بالنصب على جوابِ الترجِّي عند الكوفيين، فإنَّهم
يجوِّزون النصبَ بعد الفاء في جواب الترجِّي كالتمنِّ؛ ومنع ذلك البصريون،
وخرَّجوا النصب هنا على أنه في جواب الأمر وهو ((ابنٍ)) كما في قوله:
يا ناقُ سِيْرِي عَنَقاً فسيحا إلى سليمانَ فنَسْتَرِيْحا (٢)
وجوِّز أن يكونَ بالعطف على خبرِ ((لعل)) بتوهُّم ((أن)) فيه، لأنَّه كثيراً ما جاءنا
مقروناً بها، أو على ((الأسباب)) على حدٍّ:
ولُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني(٣)
وقال بعض: إنَّ هذا الترجِّي تمنٌّ في الحقيقة، لكن أخرجه اللعينُ هذا المخرجَ
تمويهاً على سامعيه، فكان النصبُ في جواب التمنِّي، والظاهرُ أنَّ البصريين
لا یفرِّقون بین ترجّ وترجٌ.
وقرأ الجمهورُ بالرفع عطفاً على ((أبلغ))(٤).
قيل: ولعلَّه أراد أن يَبنيّ له رَصَداً في موضعٍ عالٍ يرصُد منه أحوالَ الكواكب
التي هي أسبابٌ سماوية تدلُّ على الحوادثِ الأرضية، فيرى هل فيها ما يدلُّ على
(١) تفسير الطبري ٣٢٥/٢٠.
(٢) البيت في إعراب القرآن للنحاس ٢٦٧/٢، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٠، وشرح المفصل
٢٦/٧، وشرح قطر الندى ص١٣٤، وشرح شذور الذهب ص٣٩٤ دون نسبة، ونسبه في
الكتاب ٣٤/٣، واللسان (عنق) لأبي النجم العجلي. والعَنَق: نوع من السير، وسليمان:
هو سليمان بن عبد الملك.
(٣) البيت لميسون بنت بحدل الكلبية، وسلف ٣١٢/٤.
(٤) التيسير ص١٩١، والنشر ٢/ ٣٦٥، ولم يقرأ بالنصب سوى حفص عن عاصم.

الآية : ٣٧
٧٣
إرسال الله تعالى إياه، وهذا يدلُّ على أنه مُقِرٍّ بالله عزَّ وجلَّ، وإنَّما طلب ما يُزِيل
شكّه في الرسالة، وكان للَّعين وأهلِ عصرِه اعتناءٌ بالنجوم وأحكامِها على ما قيل.
وهذا الاحتمالُ في غايةِ البُعد عندي.
وقيل: أرادَ أن يُعْلِم الناسَ بفسادِ قولِ موسى عليه السلام: إني رسولٌ مِن ربِّ
السماوات(١)، بأنَّه إن كان رسولاً منه فهو ممن يصل إليه، وذلك بالصعودِ للسماء،
وهو محالٌ، فما بُني عليه مثلُه.
ومنشأ ذلك جهلُه بالله تعالى، وظنُّه أنَّه سبحانه مستقِرٍّ في السماء، وأنَّ رسلَه
كُرُسُلِ الملوك يُلاقونه ويَصِلون إلى مقرِّه، وهو عزَّ وجلَّ منزَّهٌ عن صفاتِ المحدَثات
والأجسام، ولا تحتاج إلى ما تحتاج إليه رُسُل الملوك رسُلُه الكرامُ عليهم الصلاة
والسلام، وهذا نفيٌّ لرسالتِهِ مِن الله تعالى ولا تعرُّضَ فيه لنفي الصانع المرسل له.
وقال الإمام (٢): الذي عندي في تفسير الآية أنَّ فرعونَ كان من الدهريَّة، وغرضُه
من هذا الكلام إيرادُ شبهةٍ في نفْي الصانع، وتقريرُه أنه قال: إنَّا لا نرى شيئاً نحكم
عليه بأنَّه إله العالَم، فلم يَجُزْ إثباتُ هذا الإله، أمَّا أنَّه لا نراه، فلأنَّه لو كان موجوداً
لكان في السماء، ونحن لا سبيلَ لنا إلى صعودِ السماوات فكيف يُمكنُنا أن نراه؟
وللمبالغة في بيان عدم الإمكان قال: ((يا هامان ابْنٍ لي صرحاً)) فما هو إلا لإظهارِ
عدم إمكانِ ما ذكر لكلِّ أحدٍ. و((لعلي)) لا تأبى ذلك لأنَّها للتهكّم على هذا.
وهي شبهةٌ في غاية الفساد، إذ لا يلزم من انتفاء أحدٍ طُرُقِ العلم بالشيء انتفاءُ
ذلك الشيء. ورأيتُ لبعض السلفيِين أنَّ اللعين ما قال ذلك إلَّا لأنه سمع من موسى
عليه السلام أو من أحدٍ من المؤمنين وصفَ الله تعالى بالعلوِّ، أو بأنَّه سبحانه في
السماء، فحمله على معنّى مستحيلٍ في حقِّه تعالى لم يُرِده موسى عليه السلام
ولا أحدٌ من المؤمنين، فقال ما قال تهكُّماً وتمويهاً على قومه.
وللإمام في هذا المقام كلامٌ ردّ به على القائلين بأنَّ الله تعالى في السماء، وردًّ
(١) ينظر الآيات (١٦-٢٤) من سورة الشعراء.
(٢) في التفسير الكبير ٦٥/٢٧.

سُوَلا تغافل
٧٤
الآية : ٣٧
احتجاجَهم بما أشعرتْ به الآيةُ على ذلك، وسمّاهم: المشبِّهة(١). والبحثُ في
ذلك طويلُ المجال، والحقُّ مع السلف عليهم رحمةُ الملِك المتعال، وحاشاهم ثم
حاشاهم من التشبيه.
وقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ يحتمل أن يكونَ عنى به: كاذباً في دعوى
الرسالة، وأن يكونَ عنى به: كاذباً في دعوى أنَّ له إلهاً غيري؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨].
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك التزيين البليغ المُغْرِط ﴿زُيِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَّهُ عَمَلِهِ﴾
فانهَمَك فيه انهماكاً لا يَرْعوِي عنه بحالٍ ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيلٍ
الرشاد، فالتعريف للعهد، والفعلان مبنيَّان للمفعول، والفاعلُ في الحقيقة هو الله
تعالى، ولم يفعل سبحانه كُلَّا من التزيين والصدِّ إلَّا لأنَّ فرعونَ طلبَه بلسانِ
استعداده، واقتضى ذلك سوءُ اختيارِهِ، ويدلُّ على هذا أنه قرئ: ((زَيَّن)) مبنيًّا
للفاعل(٢)، ولم يسبق سوى ذكرِه تعالى دونَ الشيطان.
وجوِّز أن يكون الفاعلُ الشيطان، ونسبةُ الفعل إليه بواسطةِ الوسوسة.
وقرأ الحجازيان والشاميُّ وأبو عمرو: ((وصَدَّ)) بالبناء للفاعل(٣) - وهو ضميرُ
((فرعون)) - على أنَّ المعنى: وصَدَّ فرعونُ الناسَ عن سبيل الرشاد بأمثالِ هذه
التمويهات والشبهات، ويؤيِّدُه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوَنَ إِلَّ فِ تَبَابٍ ﴾﴾ أي: في
خَسارٍ لأنه يُشعر بتقدُّمِ ذكرٍ للكيد، وهو في هذه القراءة أظهر.
وقرأ ابن وثاب: ((وصِدَّ) بكسر الصاد(٤)، أصلُه: صُدِد، نُقِلت الحركةُ إلى
الصاد بعد توقُّم حذفها .
وابنُ أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة: ((وصَدٌّ) بفتح الصاد وضمِّ الدال
منونةً عطفاً على ((سوءُ عمله))(٥).
(١) التفسير الكبير ٦٤/٢٧ .
(٢) الكشاف ٤٢٨/٣، والبحر ٤٦٦/٧ .
(٣) التيسير ص١٣٣، والنشر ٢٩٨/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٠، والبحر ٤٦٦/٧ والكلام منه.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٤-٣٤، والمحرر الوجيز ٥٦٠/٤، والبحر ٤٦٦/٧، ونُسِبتِ

الآية : ٣٨ - ٤٠
٧٥
سُورَةٌ غَفٍ
وقرئ: ((وصُدُّوا)) بواو الجمع، أي: هو وقومُهُ(١).
﴿وَقَالَ الَّذِى ءَمَنَ﴾ هو مؤمنُ آلٍ فرعون، وقيل فيه نظيرُ ما قيل في سابقه أنَّه
موسى عليه السلام، وهو ضعيفٌ كما لا يخفى: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ﴾ فيما دلَلْتُكم عليه
﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾﴾ سبيلاً يصل به سالكُه إلى المقصود، وفيه تعريض
بأنَّ ما عليه فرعونُ وقومُه سبيلُ الغيِّ.
وقرأ معاذ بن جبل كما في ((البحر)): ((الرشَاد)) بشدِ الشين(٢)، وتقدَّم الكلامُ في
ذلك، فلا تغفل.
﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعُ﴾ أي: تمتُّعٌ، أو متمتَّعٌ به يسيرٌ لسُرعةٍ
زواله ﴿وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾﴾ لخلودِها ودوامٍ ما فيها.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ﴾ في الدنيا ﴿فَلَا يُجْزَ﴾ في الآخرة ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ عدلاً من الله
عزَّ وجلَّ، واستُدِلَّ به على أنَّ الجناياتِ تُغرَّم بمثلها، أي: بوِزَانِها من غيرِ مضاعَفةٍ
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ﴾ الذين عمِلوا ذلك
﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾﴾ بغيرِ تقديرٍ وموازَنةٍ بالعمل، بل
أضعافاً مضاعفةً، فضلاً منه تعالى ورحمةً.
وقَسْمُ العُمَّالِ إلى ذكرٍ وأنثى؛ للاهتمام والاحتياط في الشمول لاحتمالٍ
نقص الإناث، وجَعْلُ الجزاءِ في جزاءِ أعمالهم جملةٌ اسميةً مصدَّرةً باسم
الإشارة مع تفضيلِ الثواب وتفصيلهِ؛ تغليباً للرحمة وترغيباً فيما عندَ الله عزَّ
وجلَّ، وجَعْلُ العمل معُمدةً وركناً من القضية الشرطية والإيمانِ حالاً للدلالة على
أنَّ الإيمانَ شرطٌ في اعتبار العمل والاعتدادِ به والثوابٍ عليه؛ لأنَّ الأحوالَ
قيودٌ وشروطٌ للحُكم التي وقعت فيه، ويتضمَّنُ ذلك الإشارةَ إلى عظيمٍ شَرَفِه
ومزید ثوابه.
= هذه القراءة في القراءات الشاذَّة ص١٣٢ لعبد الرحمن بن أبي بكر
.
(١) الكشاف ٤٢٨/٣.
(٢) البحر ٤٦٦/٧، وهي في القراءات الشاذة ص١٣٢ .

٧٦
الآية : ٤١ - ٤٢
وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى وغيرُ واحد من السبعة: ((يُدْخَلون))
مبنيًّا للمفعول(١).
﴿وَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَبِىِ إِلَى النَّارِ ﴾﴾ كرَّر نداءَهم؛ إيقاظاً
لهم عن سِنة الغفلة، واهتماماً بالمنادَى له، ومبالغةً في توبيخهم على ما يقابلون به
دعوته
وتُرِك العطفُ في النداء الثاني وهو ((يا قوم إنما الحياة الدنيا)) إلخ؛ لأنه تفسيرٌ
لِما أُجمِل في النداء قبلَه من الهداية إلى سبيل الرشاد، فإنَّها التحذيرُ من الإخلاد
إلى الدنيا والترغيبُ في إيثار الآخرة على الأولى، وقد أدَّى ذلك فيه على أتمٍّ وجهٍ
وأحسنِهِ، ولم يُتْرَكْ في هذا النداء، لأنه ليس بتلك المثابة، وذلك لأنَّه للموازنة بين
الدعوتين: دعوتِه إلى دين الله الذي ثمرتُه النجاةُ، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي
عاقبتُه النار، وليس ذلك من تفسيرِ الهداية في شيء، بل ذلك لتحقيقِ أنه هادٍ وأَّهم
مُضِلُّون، وأنَّ ما عليه هو الهدى، وما هم عليه هو الضلال، فهو عطفٌ على النداء
الأولِ أو المجموع.
وقيل: هو عطفٌ على النداء الثاني داخلٌ معه في التفسير لِما أُجمِل في النداء
الأول تصريحاً وتعريضاً. ولكلٍّ وجهٌ، وفي الترجيح كلامٌ.
﴿تَدْعُونَنِىِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ بدلٌ من ((تدعونني إلى النار))، أو عطفُ بيانٍ له بناءً
على أنَّه يَجْري في الجُمَلِ كالمفردات، أو جملةٌ مستأنَفةٌ مفسِّرة لذلك، والدعاءُ
كالهداية في التعدية بـ ((إلى)) واللام.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ.﴾ أي: بكونه شريكاً له تعالى في المعبوديّة أو
بربوبيَّته وألوهيَّته ﴿عِلْمٌ﴾ ونفْيُ العلم هنا كنايةٌ عن نفْي المعلوم، وفي إنكارِه
للدعوة إلى ما لا يعلمه إشعارٌ بأنَّ الألوهيَّةَ لا بدَّ لها مِن برهانٍ موجبٍ للعلم
بها .
(١) التيسير ص٩٧، والنشر ٢/ ٣٥٢، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم من
السبعة، والكلام من البحر ٤٦٦/٧ .

الآية : ٤٣
٧٧
سُورَةُ غَفِلٍ
المستجمِعِ لصفاتِ الألوهيَّة من كمال
١٤٢
﴿وَأَنَّأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ
القدرة والغلبة وما يتوقَّفُ عليه من العلم والإرادة والتمكّن من المجازاة والقدرة
على التعذيب والغفرانِ، وخُصَّ هذان الوصفان بالذكر وإن كانا كنايةً عن جميع
الصفات لاستلزامِهما ذلك - كما أُشير إليه - لِما فيهما من الدلالة على الخوفٍ
والرجاء المناسِب لحاله وحالهم.
﴿لَا جَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيَّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ اُلْأَخِرَةِ﴾ سياقُه على
مذهب البصريين أنَّ ((لا)) ردٌّ لكلام سابقٍ، وهو ما يدعونه إليه هاهنا من الكفر بالله
سبحانه، وشركِ الآلهة الباطلةِ به عزَّ وجلَّ(١).
و(جَرَمَ)) فعلٌ ماضٍ بمعنى: ثَبَتَ وحقَّ، كما في قوله:
ولقد طعنتُ أبا عبيدةَ طعنةً جَرَمَتْ فَزارةُ بعدَها أن يغْضَبُوا(٢)
و((أنّ) مع ما في حيِّزها فاعلُه، أي: ثَبَتَ وحقَّ عدمُ دعوةٍ للذي تدعونني إليه
من الأصنام إلى نفسه أصلاً، يعني: إنَّ مِن حقِّ المعبود بالحقِّ أن يَدْعُوَ العبادَ
المكرَمين كالأنبياء والملائكةِ إلى نفسِه ويأمرهم بعبادته، ثم يدعو العبادُ بعضُهم
بعضاً إليه تعالى وإلى طاعته سبحانه إظهاراً لدعوةِ ربِّهم عزَّ وجلّ، وما تدعون إليه
وإلى عبادته من الأصنام لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدَّعي الربوبيَّةَ أصلاً، لا في
الدنيا؛ لأنه جمادٌ فيها لا يستطيع شيئاً من دعاءٍ وغيره، ولا في الآخرة؛ لأنه إذا
أنشأه الله تعالى فيها حيواناً تبرَّأ من الدُّعاةِ إليه ومِن عَبَدته، وحاصله: حقَّ أنْ ليس
لآلهتكم دعوةٌ أصلاً فليست بآلهٍ حقَّةٍ.
أو بمعنى: كَسَب، وفاعلُه ضميرُ الدعاء السابقِ الذي دعاه قومُه، و((أن)) مع
ما في حيِّزها مفعولُه، أي: كَسَب دعاؤُكم إياي إلى آلهتِكم أنْ لا دعوةً لها، أي:
ما حصلَ مِن ذلك إلَّا ظهورُ بطلانِ دعوتها وذهابُها ضَياعاً.
وقيل: (جَرَمَ)) اسمُ ((لا)) وهو مصدرٌ مبنيٌّ على الفتح بمعنى القطع، والخبرُ
(١) وقع في (م) كلمة ((به)) بعد قوله: عز وجلّ. وهو خطأ.
(٢) سلف ٧/ ٢٤.

سُورَلَ غَفُلِ
٧٨
الآية : ٤٣
(أنَّ) مع ما في حيِّزها، على معنى: لا قَطْعَ لبطلان دعوة ألوهيَّة الأصنام، أي:
لا ينقطع ذلك البطلانُ في وقتٍ من الأوقات فينقلب حقًّا، وهذا البطلان هو
معنى النّفْي الذي يُفْهم من قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ) إلخ، و((لا جَرَمَ)) على هذا
مثلُ ((لا بُدَّ)، فإنَّه من التبديدِ وهو التفريقُ وانقطاعُ بعضِ الشيء من بعضٍ، ومن
ثَّ قيل: المعنى: لا بدَّ مِن بطلان دعوةِ الأصنام، أي: بطلانُها أمرٌ ظاهرٌ مقرَّرٌ،
ونقل هذا القولُ عن الفراء، وعنه أنَّ ذلك هو أصلُ ((لا جرم))، لكنه كثر استعماله
حتى صار بمعنى حقاً، فلهذا يجاب بما يجاب به القسم في مثل: لا جَرَمَ
لآتِنَّك (١).
وفي ((الكشاف)): ورُوي عن العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل، بضمِّ الجيم وسكون
الراء، أي: لا بدَّ، وفُعْل وفَعَل أخوان، كرُشْد ورَشَد، وعُدْم وعَدَم(٢). وهذه اللغةُ
تؤيِّد القول بالاسميّة في اللغة الأخرى ولا تُعيِّنها كما لا يخفى، وقد تقدَّم شيءٌ من
الكلام في ((لا جَرَم)) أيضاً، فليتذكَّر(٣).
ولامُ ((له)) في جميع هذه الأوجه لنسبة الدعوة إلى الفاعل على ما سمعتَ من
المعنى، وجوِّز أن يكونَ لنسبتها إلى المفعول، فإنَّ الكفَّارَ كانوا يَدْعُون آلهتَھم،
فَنَفَى في الآية دعاءَهم إياها على معنى نَفْي الاستجابةِ منها لدُعائهم إياها،
فالمعنى: إنَّ ما تدعونَني إليه من الأصنامِ ليس له استجابةُ دعوةٍ لمن يدعوه أصلاً ،
أو: ليس له دعوةٌ مستجابةٌ، أي: لا يُدْعَى دعاء يستجيبه لداعيه، فالكلامُ إِمَّا على
حذفِ المضافِ، أو على حذفِ الموصوف.
وجوِّز التجوُّزُ فيه بالدعوة عن استجابتها التي تترتَّبُ عليها، وهذا كما سُمِّي
الفعلُ المجازَى عليه باسم الجزاء في قولهم: كما تدين تدان، وهو من باب
المشاكلة عندَ بعضٍ.
﴿وَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مَرْجعَنا إليه تعالى بالموت، وهذا عطفٌ على
(١) معاني القرآن للفراء ٨/٢.
(٢) الکشاف ٤٢٩/٣.
(٣) ينظر ٣٣/١٢.

الآية : ٤٤ - ٤٥
٧٩
سُورَةٌ غَفاء
(أنما تدعونني)) داخلٌ في حكمه، وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَبُ النَّارِ ®﴾، وفسَّر ابنُ مسعود ومجاهد ((المسرفين)) هنا بالسفَّاكين
للدماء بغير حِلِّها(١)، فيكونُ المؤمنُ قد خَتَم تعريضاً بما افتتح به تصريحاً في
قوله: ((أتقتلون رجلاً)).
وعن قتادةَ أنهم المشركون، فإنَّ الإشراكَ إسرافٌ في الضلالة، وعن عكرمة
أنهم الجبّارون المتكبِّرون(٢). وقيل: كلُّ مَن غلب شرُّه خيرَه فهو مُسرف.
والمراد بـ ((أصحاب النار)) ملازموها، فإن أريد بـ ((المسرفين)) ما يدخُل فيه
المؤمن العاصي أريد بالملازمةِ العرفيةُ الشاملةُ للمُكث الطويل، وإن أريد بهم
ما يَخُصُ الكَفَرَة فهي بمعنى الخلود.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ وقرئ: ((فستَذَكَّرون)) بالتشديد(٣)، أي: فسَيُذَكِّر بعضكم بعضاً عند
معايَنةِ العذاب ﴿مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النصائح ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ﴾ ليعصِمَني
مِن كلِّ سوءٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ فَيَحرُس مَن يلوذُ به سبحانه منهم مِن
المكارِهِ، وهذا يحتمل أن يكونَ جوابَ توتُّدِهم المفهوم من قوله تعالى: (وَمَا
كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ)، أو من قوله سبحانه: ﴿فَوَقَئُهُ اللَّهُ سَيْئَاتٍ مَا
مَكَرُواْ﴾، ويحتمل أن يكونَ متارَكةً، والتفريعُ في ((فستذكرون)) على قوله الأخير:
(يا قوم ما لي أدعوكم)) إلخ، وجَعَله من جعَل ذلك معطوفاً على ((يا قوم)) الثاني
تفريعاً على جملة الكلام.
و ((ما)) في ((ما مكروا)) مصدريةٌ، و((السيئات)): الشدائدُ، أي: فوقاه الله تعالى
شدائدَ مکرِهم.
(١) تفسير الطبري ٣٣٤/٢٠، والمحرر الوجيز ٥٦٢/٤، والبحر ٤٦٨/٧ .
(٢) قول قتادة في تفسير الطبري ٣٣٤/٢٠، والنكت والعيون ١٥٨/٥، وقول عكرمة في البحر
٧/ ٤٦٨.
(٣) أي: بتشديد الكاف وفتحها مع فتح الذال وتخفيفها، ونُسبت لابن مسعود وأبي عمران
الجوني وأبي العالية وابي رجاء، وروي عن أبي وأيوب السختياني: ((فستذَّكَّرون)) بفتح الذال
والكاف وتشدیدهما جميعاً. زاد المسير ٢٢٥/٧-٢٢٦.

سُوَةٌ غَفٍ
٨٠
الآية : ٤٦
﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: بفرعونَ وقومه، فاستغنى بذكرهم عن ذكره ضرورةً أنه
أولى منهم بذلك، ويجوز أن يكونَ آلُ فرعونَ شاملاً له عليه اللعنة بأن یرادَ بهم
مطلقُ كَفَرَةِ القبط كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]: إنَّه
شاملٌ لداود عليه السلام، وكانوا على ما حكى الأوزاعيُّ - ولا أعتقد صحته - ألفَي
ألفٍ وستّ مئة ألفٍ.
وعن ابن عباس: إنَّ هذا المؤمنَ لَمَّا أظهرَ إيمانَه قصد فرعون قتلَه، فهرب إلى
جبلٍ، فبعث في طلبه ألفَ رجلٍ، فمنهم مَن أدركه يُصلِّي والسباعُ حولَه، فلمَّا هُمُّوا
ليأخذوه ذَبَّت عنه فأكلَتْهم، ومنهم من مات في الجبل عطشاً، ومنهم من رَجع إلى
فرعون خائباً فاتَّهمه وقتله وصلبه، فالمراد بـ ((آل فرعون)» هؤلاء الألف الذين بعثهم
إلى قتله(١).
أي: فنزل بهم وأصابهم ﴿سُوَءُ الْعَذَابِ ﴾﴾ الغَرَقُ على الأول، وأكلُ السباع،
والموتُ عطشاً، والقتلُ والصلبُ، على ما روي عن ابن عباس، والنارُ عليهما،
ولعلَّه الأولى، وإضافة ((سوء)) إلى ((العذاب)) لاميةٌ، أو مِن إضافةِ الصفة للموصوف.
وقوله تعالى: ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ، وجملةُ قولهِ تعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيَّْ﴾ خبرُه، والجملةُ تفسيرٌ لقوله تعالى: ((وحاق)) إلخ.
وجوِّز أن تكونَ ((النار)) بدلاً مِن ((سوء العذاب))، و((يعرضون)) في موضع الحال
منها، أو من الآل، وأن تكونَ ((النارُ)) خبرَ مبتدأ محذوفٍ هو ضميرُ ((سوء
العذاب))، كأنه قيل: ما سوءُ العذاب؟ فقيل: هو النار، وجملةُ ((يعرضون)) تفسيرٌ
على ما مرَّ، وفي الوجه الأول مِن تعظيمٍ أمرِ النار وتهويلِ عذابها ما ليس في هذا
الوجه كما ذكره صاحبُ ((الكشاف))(٢)، ومنشأُ التعظيم على ما في ((الكشف))
الإجمالُ والتفسيرُ في كيفية تعذيبهم، وإفادةُ كلٍّ مِن الجملتَيْن نوعاً من التهويل:
الأولى الإحاطةُ بعذابٍ يستحقُّ أن يسمَّى سوءَ العذاب، والثانيةُ النارُ المعروضُ هم
عليها غدوًّا وعشيًّا.
(١) البحر ٧/ ٤٦٨ .
(٢) ٣/ ٤٣٠.