Indexed OCR Text
Pages 1-20
زُوَجُ المجاني في تفِ القرآنالعَظِيْ والِسَنْ المثَانِىّ تأليف شِهَابُ الدِّينُ أَبِيُ الثَّنَّاء ◌َجٌمُودِ بْن عَبْدُاللّه الأَلُوُسيْ الْبُعْدَادِيّ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّة هَذَّا الجزء غيَافُ الحاج أحمَدْ سَاهُمْ في تحقيقه أحمر الحمَمَة ملجمَةُ ومحمّد مُعْتز كريم الّين المجَّ الّطبع والعشرية مؤسسة الرسالة -3 ◌ُوعُ المَعَانِى وبد وج في تَفِ القرآن العظيم والسَّنْ المَِّ (٢٤) جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلّاثِرْ الطّبعة الأولىْ ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م مؤسسة الرسالة للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتّوزيع بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com Al-Resalah Publishing House سورة المؤمن وتُسمَّى سورةَ غافر وسورةَ الطّول، وهي كما روي عن ابن عباس وابن الزبير ومسروق وسمرة بن جندب مكيةٌ، وحَكَى أبو حيان الإجماعَ على ذلك(١). وعن الحسن أنها مكيةٌ إلا قولَه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الآية: ٥٥]؛ لأنَّ الصلوات نزلت بالمدينة، وكانت الصلاة بمكةَ ركعتين من غير توقيتٍ(٢). وأنت تعلم أنَّ الحقَّ قولُ الأكثرين: إنَّ الخمسَ نزلت بمكة، على أنَّه لا يتعيَّن إرادةٌ الصلاة بالتسبيح في الآية. وقيل: هي مكيةٌ إلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِّلُونَ﴾ [الآية: ٥٦] فإنها مدنيةٌ؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيرِه أنَّها نزلت في اليهود لَمَّا ذكروا الدجّال(٣). وهذا ليس بنصٍّ على أنها نزلت بالمدينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقولهم: نزلت الآية في كذا، يراد به تارةً سببُ النزول، ويراد به تارةً أنَّ ذلك داخلٌ في الآية وإن لم يكن السببَ، كما تقول: عُنِيَ بهذه الآية كذا (٤). وقال الزركشيُّ في ((البرهان)): قد عُرف مِن عادةِ الصحابة والتابعين أنَّ أحدَهم إذا قال: نزلت الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنَّها تتضمَّنُ هذا الحكمَ، لا أنَّ هذا كان السببَ في نزولها، فهو مِن جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل (١) البحر المحيط ٤٤٦/٧، وأخرج قول ابن عباس ابنُ الضريس في فضائل القرآن ص٣٤، والنحاسُ في الناسخ والمنسوخ ٦١١/٢. (٢) الكشاف ٤١٢/٣، ومجمع البيان ١٧٨/٥ . (٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٣٤٤/٥. (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٩/١٣. ٦ لِمَا وقع(١). نعم سيأتي إن شاء الله تعالى عن أبي العالية ما هو كالنصِّ على ذلك. وأيُّها خمسٌ وثمانون في الكوفيّ والشاميِّ، وأربع في الحجازيِّ، واثنتان في البصريِّ. وقيل: ستّ وثمانون، وقيل: ثمان وثمانون. ووجهُ مناسبةٍ أولها لآخرِ ((الزمر)) أنَّه تعالى لَمَّا ذَكَر سبحانه هناك ما يَؤُول إليه حالُ الكافر وحالُ المؤمن ذَكَر جلَّ وعلا أنَّه تعالى غافرُ الذنب وقابلُ التوب؛ ليكون ذلك استدعاءً للكافر إلى الإيمان والإقلاع عما هو فيه. وبين السورتين أنفسِهما أوْجُهُ من المناسبة، ويكفي فيها أنه ذُكر في كلِّ من أحوالِ يوم القيامة وأحوالِ الكَفَرة فيه وهم في المحشر وفي النار ما ذكر، وقد فُصِّل في هذه من ذلك ما لم يفضَّلْ منه في تلك. وفي ((تناسق الدرر))(٢): وجهُ إيلاء الحواميم السبع لسورة الزمر تواخي المَطالع في الافتتاح بـ ((تنزيل الكتاب))، وفي مصحف أُبَيِّ بنِ كعب(٣) أولُ الزمر ((حم))، وتلك مناسبةٌ جليَّةٌ. ثم إنَّ الحواميم ترتَّبتْ لاشتراكها في الافتتاح بـ ((حم))، وبذكر الكتاب، وأنها مكية، بل ورد عن ابن عباس وجابر بن زيد أنها نزلت عقبَ الزمر متتالياتٍ كترتيبها في المصحف. وورد في فضلها أخبارٌ كثيرة؛ أخرج أبو عبيد في ((فضائله)) عن ابن عباس قال: إنَّ لكلِّ شيءٍ لُباباً وإنَّ لُبابَ القرآن الحواميمُ (٤). وأخرج هو وابن الضُّرَيس وابن المنذر والحاكم والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن مسعود قال: الحواميمُ ديباج القرآن(٥). (١) البرهان ٣١/١-٣٢. (٢) ص٧٧ . (٣) في الأصل و(م): وفي مصحف ابن مسعود. والمثبت من تناسق الدرر، ومثله في الإتقان ١/ ٢٠١ نقلاً عن ابن أبي أشتة. (٤) فضائل القرآن ص ١٣٧ . (٥) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٧، ولابن الضريس (٣٢٨)، ومستدرك الحاكم ٤٣٧/٢، وشعب الإيمان (٢٤٧١). وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر ٣٤٤/٥. ٧ سُورَةٌ عَدْفِرِ وأخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم والديلميُّ عن أنس ◌َبه مرفوعاً (١). وأخرج الديلميُّ وابن مردويه عن سمرةً بن جندب مرفوعاً: ((الحواميمُ روضةٌ من رياض الجنة))(٢). وأخرج محمد بن نصر والدارميُّ عن سعد بن إبراهيم قال: كُنَّ الحوامیمُ يُسَمَّيْنَ العرائسَ(٣). وأخرج ابن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله وَلقول يقول: ((إنَّ الله تعالى أعطاني السبعَ الطوال مكانَ التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضَّلني بالحواميم والمفضَّل ما قرأهنَّ نبيٍّ قبلي» (٤). وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) عن الخليل بن مرَّة أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((الحواميم سبعٌ وأبوابُ جهنم سبعٌ، تجيء كلُّ ((حم)) منها فتَقِفُ على بابٍ من هذه الأبواب تقول: اللهم لا تُدخِلْ من هذا الباب مَن كان يؤْمِنُ بي (٥) ویقرؤنی)) وجاء في خُصوص بعض آياتٍ هذه السورة ما يدلُّ على فضله؛ أخرج الترمذيُّ (١) الدر المنثور ٣٤٤/٥، وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره ٨/ ٢٦١، وفي إسناده عبد القدوس بن حبيب، قال الفلّاس: أجمعوا على ترك حديثه. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة الإسناد والمتن. الميزان ٦٤٣/٢. (٢) مسند الفردوس (٢٨١٦). وذكره ملا علي القاري في الفوائد المجموعة ص ٤٩٠ وقال: فيه طلحة بن زيد ويزيد بن محمد الرهاوي منكران. (٣) مسند الدارمي (٣٤٦٥)، وعزاه لمحمد بن نصر السيوطيُّ في الدر ٣٤٤/٥، وسعد بن إبراهيم تابعي رأى ابن عمر، ثقة كثير الحديث، روى له الجماعة، توفي (١٢٧هـ). تهذيب الكمال ٢٤٠/١٠. (٤) الدر المنثور ٣٤٤/٥ وإسناده ضعيف، كما في فيض القدير ٢١٣/٢. (٥) شعب الإيمان (٢٤٧٩)، والإسناد منقطع كما صرح به البيهقي، والخليل بن مرة الضُّبَعي البصري اختلف فيه، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وقال ابن شاهين: هو عندي إلى الثقة أقرب. توفي سنة (١٦٠هـ). تهذيب التهذيب ٥٥٥/١، وتهذيب الكمال ٣٤٢/٨-٣٤٥. سُورَةُ غَفِلِ ٨ الآية : ١ والبزَّار ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ: ((من قرأ (حَمّ) إلى: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وآيةَ الكرسيِّ حينَ يُصبح حُفِظ بهما حتى يُمْسِيَ، ومَن قرأهما حين يُمْسِي حُفِظ بهما حتى يُصبحَ))(١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حَمَ ﴾﴾ بتَفْخيم الألف وتسكين الميم، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوانَ وحمزةُ والكسائيُّ وأبو بكر بالإمالة الصريحة، ونافعٌ برواية ورش وأبو عمرو بالإمالة بين بين(٢). وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفَّة كما في ((أين)) و((كيف))(٣). وجوِّز أن يكونَ ذلك نصباً بإضمارِ ((اقرأ)» ومُنع مِن الصرف للعَلَمية والتأنيث لأنَّه بمعنى السورة، أو للعَلَمية وشَبَهِ العُجمة لأنَّ (فاعيل)) ليس من أوزان أبنية العرب، وإنَّما وُجد ذلك في لغة العجم كقابيل وهابيل، ونقل هذا عن سيبويه (٤). وفي ((الكشف)) أنَّ الأَولى أن يعلَّل بالتعريف والتركيب. وقرأ أبو السَّمَّال: بكسر الميم، على أصلِ التقاء الساكنين كما في ((جَيْرٍ))(٥)، والزهريُّ برفعها، والظاهرُ أنه إعرابٌ فهو إما مبتدأ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ. والكلام في المراد به كالكلام في نظائره. (١) سنن الترمذي (٢٨٧٩)، وشعب الإيمان (٢٤٧٤)، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة (أحد رجال الإسناد) من قِبَل حفظه. (٢) التيسير ص١٩١، والنشر ٧٠/٢. (٣) المحرر الوجيز ٥٤٥/٤، والبحر ٤٤٦/٧ . (٤) الكتاب ٢٥٧/٣. (٥) البحر ٤٤٦/٧، قوله: جَيْرٍ، قال في اللسان (جير): بمعنى أجل، وبمعنى يمين، وقال سيبويه: حرَّكوه لالتقاء الساكنين، وإلّا فحكمه السكونُ لأنه كالصوت. الآية : ١ ٩ سُورَةٌ غَفُلِ ويُجمَعُ على حواميم وحاميمات، أما الثاني فقد أنشد فيه ابن عساكر في ((تاريخه)): هذا رسولُ الله في الخيرات جاء بياسينَ وحَامِيماتٍ(١) وأما الأول فقد تقدَّم عدَّةُ أخبارٍ فيه، ولا أظنُّ أنَّ أحداً يُنكِرُ صحَّةَ جميعها، أو يزعم أنَّ لفظَ ((حواميم)) فيها من تحريف الرواة الأعاجم؛ وأيضاً أنشد أبو عبيدة: حلفتُ بالسبع الأُلَى تطوَّلَتْ وبمئينٍ بعدَها قد أُمثيت وبثمانٍ ثُنِّيَتْ وكُرِّرَت وبالطواسين اللواتي تُليت وبالحواميم اللواتي سُبِّعت وبالمفصَّل التي قد فصِّلت(٢) وذهب الجواليقيُّ والحريريُّ وابن الجوزي إلى أنه لا يقال: حواميم (٣). وفي (الصحاح)) عن الفراء: إنَّ قولَ العامة: الحواميم، ليس من كلام العرب(٤). وحكى صاحبُ ((زاد المسير)) عن شيخه أبي منصور اللغويِّ أنَّ مِن الخطأ أن تقول: قرأتُ الحواميم، والصوابُ أن تقول: قرأت آل حم(٥). وفي حديث ابن مسعود: إذا وقعتُ في آل حم فقد وقعتُ في روضاتٍ دَمِئاتٍ أتأَنَّقُ فيهنَّ(٦). وعلى هذا قولُ الكُميت بن زيد في ((الهاشميات)): (١) تاريخ دمشق ٣٥٠/١٦. (٢) مجاز القرآن ٧/١. مع اختلاف في اللفظ. (٣) درة الغواص للحريري ص٢٠، ونقله المصنف من حاشية الشهاب ٣٥٦/٧. (٤) الصحاح (حمم). (٥) زاد المسير ٢٠٥/٧ . (٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٣٧ . سُورَةُ غَفِ ١٠ الآية : ٢ - ٣ وجذْنا لكم في آلِ حم آيةً تأوَّلها منَّا تقيٍّ ومُعْرِبُ(١) والطواسين والطواسيم بالميم بدلَ النون كذلك عندهم، وما سمعتَ يكفي في ردِّهم. نعم ما قالوه مسموعٌ مقبولٌ كالذي قلناه، لكن ينبغي أن يُعلم أنَّ ((آل)» في قولهم: آل حم - كما قال الخفاجي - ليس بمعنى الآل المشهور وهو الأهل، بل هو لفظٌ يُذكر قبلَ ما لا يصحُّ تثنيتُه وجمعُه من الأسماء المرَّبة ونحوها كـ ((تأبَّط شرًّا))، فإذا أرادوا تثنيته أو جمعَه - وهو جملةٌ لا يتأتَى فيها ذلك إذا لم يُعهدْ مثلُه في كلام العرب - زادوا قبلَه لفظةَ ((آل) أو ((ذوا)) فيقال: جاءني آلُ تأبَّط شرًّا، أو: ذوا تأبط شراً، أي: الرجلان أو الرجال المسمَّون بهذا الاسم، فآل حم بمعنى الحواميم، و((آل)) بمعنى ((ذو))، والمُرادُ به ما يطلق عليه ويستعملُ فيه هذا اللفظ، وهو مجازٌ عن الصُّحبة المعنوية، وفي كلام الرضيِّ وغيرِهِ إشارةٌ إلى هذا، إلَّا أنَّهم لم يصرِّحوا بتفسيره فعليك بحفظه. وحكى في ((الكشف)) أنَّ الأَولى أن يُجمع بذوات حم، أي: دون حواميم أو حاميمات، ومعناه: السوَرُ المصحوباتُ بهذا اللفظ، أعني: حم. ﴿َتَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ اٌلْعَلِيمِ ﴾﴾ الكلامُ فيه إعراباً كالكلام في مطلع سورة الزمر، بيدَ أنَّه يجوزُ هنا أن يكونَ ((تنزيل)) خبراً عن ((حم)). ولعلَّ تخصيصَ الوصفين لِما في القرآنِ الجليل من الإعجاز وأنواعِ العلوم التي يَضيق عن الإحاطة بها نِطاقُ الأفهام، أو هو على نحوٍ تخصيص الوصفين فيما سبق، فإنَّ شأنَ البليغ علمُه بالأشياء أن يكونَ حكيماً إلا أنه قيل: ((العليم)) دون: الحكيم؛ تفتّاً. وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ الثَّبِ شَدِيدٍ الْمِقَابِ ذِى الطَّوْلِ﴾ صفاتٌ للاسم الجليل كالعزيز العليم، وذِكْرُ ((غافر الذنب)) و((قابل التوب)) و((ذي الطّل)» للترغيب، وذكرُ ((شديد العقاب)) للترهيب، والمجموعُ للحثُّ على المقصود من ((تنزيل الكتاب)) وهو المذكورُ بعدُ من التوحيد والإيمان بالبعث المستلزم للإيمان بما سواهما والإقبال على الله تعالى، والأوَّلان منها وإن كانا اسمَي فاعلٍ إلَّا أنَّهما لم يُرَدْ بهما التجدُّدُ ولا التقييدُ بزمانٍ، بل أريدَ بهما الثبوتُ والاستمرارُ، فإضافتُهما (١) ديوان الكميت ص٥٢١، والهاشميات: قصائده التي أنشدها في مدح بني هاشم. الآية : ٣ ١١ للمعرفة بعدَهما مَحْضَةٌ أكسبتْهما تعريفاً، فصحَّ أن يوصَفَ بهما أعرفُ المعارف. والأمر في ((ذي الطول)) ظاهرٌ جدًّا. نعم الأمرُ في ((شديد العقاب)) مشكلٌ؛ فإنَّ شديداً صفةٌ مشبَّهةٌ، وقد نصَّ سيبويه على أنَّ كلَّ ما إضافتُه غيرُ محضةٍ إذا أضيف إلى معرفةٍ جاز أن يُنْوَى بإضافته التمخُّضُ فيتعرَّف ويُنْعَت به المعرفةُ إلا ما كان من باب الصفة المشبَّهة فإِنَّه لا يتعرَّفُ(١). ومِن هنا ذهب الزجَّاجُ إلى أنَّ (شديد العقاب)) بدلٌ(٢). ويَرِدُ عليه أنَّ في توسيط البدل بين الصفات تنافراً بيِّناً؛ لأنَّ الوصف يؤذِنُ بأنَّ الموصوفَ مقصودٌ، والبدلُ بخلافه، فيكون بمنزلةِ استئنافِ القصد بعدَ ما جُعل غيرَ مقصود. والجوابُ أنَّه إنما يشكِلُ ظاهراً على مذهب سيبويه وسائر البصريين القائلين بأنَّ الصفةَ المشبَّهةَ لا تتعرَّفُ أصلاً بالإضافة إلى المعرفة، وأمَّا على مذهب الكوفيين القائلين بأنّها كغيرها من الصفات قد تتعرَّفُ بالإضافة، ويجوز وصفُ المعرِفة بها نحوُ: مررتُ بزید حسنِ الوجه = فلا . ويقال فيما ذُكر على المذهب الأول: إنَّ(شديداً)) مؤوَّلٌ بـ: مُشِدّ(٣)، اسمٍ فاعلٍ مِن أَشَدَّه: جعلَه شديداً، كـ : أَذِين بمعنى مُؤذِن، فيُعطَى حكمه. أو يقال: إنَّه معرَّفٌ بـ ((أل))، والأصلُ: الشديدِ عقابُه، لكن حُذفت لأمْنِ اللبس بغير الصفة لوقوعه بين الصفات - واحتمالُ كونه بدلاً وحدَه لا يُلتَفَتُ على ما سمعتَ إليه - ورعايةً لمشاكلةٍ ما معه من الأوصاف المجرّدة منها، والمقدَّرُ في حكم الموجود. وقد غيَّروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل المشاكلةِ حتى قالوا: ما يَعْرِف سُحادِلَيه من عُنادِلَيهِ(٤)، أرادوا: ما يَعرِفُ ذَكَرَه من أُنْثَيْهِ، فثَنَّوا ما هو وِتْرٌ لأجلٍ ما هو شَفْع. (١) الكتاب ١٩٩/١ -٢٠٠، ونقله المصنف من البحر ٤٤٧/٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٦٦/٤. (٣) في الأصل و(م): مشدد، والمثبت من حاشية الشهاب ٧/ ٣٥٧. (٤) قال في القاموس (سحدل): السُّحادِل، كعُلابِط: الذَّكَر، وهو لا يَعرِف سُحادِلَيه من ◌ُنادِلَيهِ، ثُني لمكان عُنادِليه، وهما الخصيتان. سُورَة عَدفلِ ١٢ الآية : ٣ وجوِّز كونُ جميع التوابع المذكورات أبدالاً، وتعمُّدُ تنكيرِ ((شديد العقاب)) وإبهامِه للدلالة على فرط الشدَّة وعلى ما لا شيءَ أدهى منه وأمرُّ لزيادة الإنذار. وفي ((الكشف)): جَعْلُ كلِّها أبدالاً فيه تنافُرٌ عظيمٌ لاسيما في إبدالِ ((العزيز)) من ((الله)) الاسم الجامعِ لسائر الصفات العَلَم النصِّ، وأين هذا من بَراعة الاستهلال؟ وذهب مكي(١) إلى جوازٍ كونِ ((غافر الذنب وقابل التوب)) دونَ ما قبلهما بدلين، وأنَّهما حينئذٍ نَكِرتان. وقد علمتَ ما فيه مما تقدَّم. وقال أبو حيان: إنَّ بدلَ البداءِ عندَ من أثبَتَه قد يتكرَّر، وأمَّا بدلُ كلٍّ من كلٍّ، وبدلُ بعضٍ من كلٍّ، وبدلُ اشتمالٍ، فلا نصَّ عن أحدٍ من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منْعِه، إلا أنَّ في كلام بعض أصحابنا ما يدلُّ على أنَّ البدلَ من البدل جائزٌ، دون تعدُّد البدل واتحاد المبدَل منه(٢) . وظاهرُ كلام الخفاجيِّ أنَّ النحاةَ صرَّحوا بجواز تعدُّده حيثُ قال: لا يرِدُ على القول بالإبدال قلَّةُ البدل في المشتقَّات، ولا أنَّ النكرةَ لا تُبدَل من المعرفة ما لم توصف، ولا أنَّ تعدُّدَ البدل لم يذكره النحاة كما قيل؛ لأنَّ النحاةَ صرَّحوا بخلافه في الجميع، وللدمامينيِّ فيه كلامٌ طويلُ الذيلِ في أول ((شرح الخزرجية)) لا يسعُه هذا المقامُ فإنْ أردتَه فانظُرْ فيه(٣). انتهى. وعندي أنَّ الإبدالَ هنا ليس بشيء كلَّا أو بعضاً. و((التوب)» يحتمِلُ أن يكون مصدراً كالأوب بمعنى الرجوع، ويحتمل أن يكونَ اسمَ جمعٍ لتوبةٍ كَتَمْرٍ وتمرةٍ. و ((الطَّول)» الفضلُ بالثواب والإنعام، أو بذلك وبترك العقاب المستحَقِّ كما قيل، وهو أولى من تخصيصه بتركِ العقاب وإنْ وقع بعد ((شديد العقاب)). وكونُ الثواب (١) كما في البحر ٧/ ٤٤٨ . (٢) البحر ٧/ ٤٤٨ . (٣) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٣٥٧/٧. الآية : ٣ ١٣ سُورَةٌ غَافِلٍ موعوداً فصار كالواجب فلا يكون فضلاً = ليس بشيء؛ فإنَّ الوعدَ به ليس بواجب. وفسَّرِه ابن عباس بالسَّعةِ والغنى، وقتادةُ بالنِّعَم، وابنُ زيد بالقدرة (١). وتوسيط الواو بين ((غافر الذنب وقابل التوب)) لإفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبلَ سبحانه تَوبتَه فيكتبها له طاعةً من الطاعات، وأن يجعلَها مخَّاءةً للذنب كأنه لم يُذنب، كأنه قيل: جامع المغفرة والقبول. قاله الزمخشريُّ(٢)، ووجْهُه كما في ((الكشف)) أنَّها صفاتٌ متعاقبةٌ بدون الواو دالَّةٌ على معنى الجمع المطلَق من مجرَّد الإجراء، فإذا خُصَّت بالواو إحدى القرائن دلَّ على أنَّ المرادَ المعتبرُ فيها وفيما تقدَّمها خاصَّةً صوناً لكلام البليغ عن الإلغاء، ففي الواو هنا الدلالةُ على أنه سبحانه جامعٌ بين الغفران وقَبول التوب للتائب خاصَّةً، ولا ينافي ذلك أنه عزَّ وجلَّ قد يغفِر لمن لم يتُبْ. وما قيل: إن التوسيطَ يدلُّ على أنَّ المعنى كما أخرج أبو الشيخ في ((العظمة)) عن الحسن: غافرُ الذنب لمن لم يتب، وقابلُ التوب لمن تاب (٣) = فغيرُ مسلّم. والتغايُرُ الذي يذكرونه بين موقِع الفعلين وهما غفرانُ الذنب وقبولُ التوبة عنه المقتضِي لكون الغفران بالنسبة إلى قوم والقبول بالنسبة إلى آخرين؛ إذ جعلوا موقعَ الأول الذنبَ الباقي في الصحائف من غير مؤاخذةٍ، وموقعَ الثاني الذنبَ الزائل الممحُوَّ عنها = حاصلٌ مع الإجراء، فلا مدخل للواو. ثم ما ذُكر من الوجه السابق جارٍ على أصلَي أهل السنة والمعتزلة فلا وجهَ لردِّه بما ليس بقادحٍ وإيثارٍ ما هو مرجوٌ. وتقديمُ الغافر على القابل من باب تقديم التخلية على التحلية. فافهم. وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة؛ وفي ((البحر)): الظاهرُ من (١) الأقوال الثلاثة في تفسير الطبري ٢٧٨/٢٠ -٢٧٩. (٢) في الكشاف ٤١٣/٣. (٣) العظمة ص٩٨. سُؤَل ◌َغَفَاعِ ١٤ الآية : ٤ الآية أنَّ توبةَ العاصي بغير الكفر كتوبة العاصي به مقطوعٌ بقبولها(١). وفي توحيدٍ صفةِ العذاب مغمورةً بصفاته تعالى الدالَّةِ على الرحمة دليلٌ على زيادة الرحمة وسبقها فسبحانه مِن إلهٍ ما أرحمه وأكرمَه. ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ فيجب الإقبالُ الكليُّ على طاعته في أوامره ونواهيه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ فحسبُ، لا إلى غيره تعالى لا استقلالاً ولا اشتراكاً، فيجازي كلًّا مِن المطيع والعاصي. وجملةُ: ((لا إله إلا هو)) مستأنفةٌ أو حاليةٌ، وقيل: صفةٌ لله تعالى، أو لـ ((شديد العقاب)). وفي الآيات مما يقتضي الاتعاظَ ما فيها؛ أخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصمِّ أنَّ رجلاً كان ذا بأسٍ، وكان من أهل الشام، وأنَّ عمرَ ◌َُبه فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع(٢) في الشراب، فدعا عمرُ كاتبَه فقال له: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلامٌ عليكم، فإنِّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، بسم الله الرحمن الرحيم (حَمّ) إلى قوله تعالى: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وختم الكتاب، وقال لرسوله: لا تدفعْه إليه حتى تجدَه صاحباً، ثم أمر مَن عندَه بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفةُ جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني ربي أن يغفِرَ لي وحذَّرني عقابَه، فلم يبرح يردِّدها على نفسه حتى بكى، ثم نَزَعِ فأحسن النزوعَ، فلما بلغ عمرَ توبتُه قال: هكذا فافعلوا إذا رأيتم أخاكم قد زلَّ زلَّة فسدِّدوه ووقِّفوه وادعوا الله تعالى أن يتوبَ عليه ولا تكونوا أعواناً للشياطينِ عليه(٣). ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ نزلت على ما قال أبو العالية: في الحارث بن قيس السلميِّ أحدِ المستهزئين(٤). والمرادُ بالجدالِ الجدالُ بالباطل من الطعن في الآيات والقصدِ إلى إدحاض الحقِّ وإطفاءِ نور الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى (١) البحر المحيط ٤٤٩/٧. (٢) في (م): تتابع، بالباء الموحدة، والتتابع بالمثناة: الوقوع في الشر من غير فكرةٍ ولا رَوِيَّة، والمتابعة عليه. النهاية (تيع). (٣) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر ٣٤٥/٥. (٤) البحر ٤٤٩/٧ . الآية : ٤ ١٥ سُودٌ غدفلٍ بعدُ: (وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ) فإنَّه مذكورٌ تشبيهاً لحال كفَّارٍ مكةً بكفَّار الأحزاب من قبلُ، وإلَّا فالجِدالُ فيها لإيضاح ملتِسِها وحلِّ مشكِلها ومقادحةِ أهل العلم في استنباط معانيها وردٌّ أهل الزيغ عنها = أعظمُ جهادٍ في سبيل الله تعالى. وفي قوله بَّه ـ وقد أخرجه عبد بن حميد عن أبي هريرة مرفوعاً -: ((إنَّ جدالاً في القرآن كفرٌ)) (١) إيماءٌ إلى ذلك، حيثُ ذَكَر فيه ((جدالاً)) منكَّراً للتنويع، فأشْعَر أنَّ نوعاً منه كفرٌ وضلالٌ ونوعاً آخرَ ليس كذلك. والتحقيقُ كما في ((الكشف)) أنَّ المجادلةَ في الشيء تقتضِي أن يكونَ ذلك الشيءُ إمَّا مشكوكاً عند المجادِلَينِ أو أحدِهما، أو منكراً كذلك، وأيًّا ما كان فهو مذمومٌ، اللهمَّ إلَّا إذا كان مِن موحَّدٍ لخارجٍ عن الملَّة، أو مِن محقِّقٍ لزائغٍ إلى البدعة، فهو محمودٌ بالنسبة إلى أحدِ الطرفين. وأما ما قيل: إنَّ البحثَ فيها لإيضاح المُلْتَبِس ونحوِهِ جدالٌ عنها، لا فيها، فإنَّ الجدالَ يتعدّى بـ ((عن)) إذا كان للمنع والذبِّ عن الشيء، وبـ ((في)) لخلافه كما ذكره الإمام(٢)، وبالباء أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُمْ يِلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] = ففيه بحثٌ. وفي قوله تعالى: (فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ) دونَ: فيه، بالضمير العائد إلى الكتاب دلالةٌ على أنَّ كلَّ آيَةٍ منه يكفي كفراً لمجادِله فكيف بِمَن يُنكِرِه كلَّه ويقول فيه ما يقول؟ وفيه أنَّ كلَّ آيةٍ منه آيَةٌ أَنَّه مِن الله تعالى الموصوفِ بتلك الصفات فيدلُّ على شدّة شكيمة المجادِل في الكفر، وأنَّه جادَل في الواضح الذي لا خَفاءَ به. ومما ذُكر يظهر اتصالُ هذه الآية بما قبلَها، وارتباطُ قولِه تعالى: ﴿فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِى الْبِلَدِ ﴾﴾ بها، أي: إذا علمتَ أنَّ هؤلاء شديدو الشكائم في الكفر قد خسِروا الدنيا والآخرةَ حيثُ جادلوا في آيات الله العزيز العليم وأصرُّوا على ذلك، فلا تلتفِتْ لاستدراجهم بتوسعة الرزق عليهم وإمهالهم، فإنَّ عاقبتَهم الهلاكُ (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٤٦/٥. (٢) في التفسير الكبير ٢٩/٢٧. سُورَةٌ غَافِلِ ١٦ الآية : ٥ كما فُعِل بِمَن قبلَهم مِن أمثالهم مما أُشيرَ إليه بقوله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَومُ نُوچ﴾ إلخ. والتقلُّبُ الخروجُ من أرضٍ إلى أخرى. والمرادُ بـ ((البلاد)) بلاد الشام واليمن، فإنَّ الآيةَ في كفَّارٍ قريشٍ، وهم كانوا يتقلَّبون بالتجارة في هاتيك البلاد، ولهم رحلةٌ الشتاء لليمن، ورحلةُ الصيف للشام. ولا بأسَ في إرادةِ ما يعمُّ ذلك وغيرَه. وقرأ زيد بن عليٍّ وعبيد بن عمير: ((فلا يغُرَّك)) بالإدغام مفتوحَ الراء (١)، وهي لغةُ تميم، والفكُّ لغةُ الحجازيين. وبدأ بقوم نوح؛ لأنه عليه الصلاة والسلام - على ما في ((البحر)) - أولُ رسولٍ في الأرض(٢)، أو لأنَّهم أولُ قومٍ كذَّبوا رسولَهم وعتَوا عُتُوَّا شديداً. ﴿وَأَلْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: والذين تحزَّبوا واجتمعوا على معاداة الرسل عليهم السلام من بعد قوم نوح كعادٍ وثمودَ وقومٍ فرعون. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ﴾ من تلك الأمم ﴿بِرَسُولِمْ﴾. وقرأ عبد الله: ((برسولها)) رعايةً للفظ الأمة(٣). ﴿لِيَأْنُوَةٌ﴾ ليتمكَّنوا من إيقاع ما يريدون به من حبسٍ وتعذيبٍ وقتلٍ وغيرِه، فالأخذُ كنايةٌ عن التمكُّن المذكور، وبعضُهم فسَّرَه بالأسْر، وهو قريبٌ مما ذكر. وقال قتادة: أي: ليقتلوه(٤). ﴿وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ﴾ بما لا حقيقةً له، قيل: هو قولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلْنَا﴾ [يس: ١٥]. والأَولى أن يقال: هو كلُّ ما يَذكرونه لنفْي الرسالة وتحسينِ ما هم عليه. وتفسيرُه بالشيطان ليس بشيء. (١) البحر ٤٤٩/٧ . (٢) المصدر السابق. (٣) تفسير الطبري ٢/ ٢٨١، والبحر المحيط ٤٤٩/٧. (٤) تفسير الصنعاني ١٧٨/٢ . الآية : ٦ ١٧ سُورَةٌ غَفٍ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليُزِيلوا ﴿بِهِ﴾ أي: بالباطل، وقيل: أي: بجدالهم بالباطل ﴿اَلْحَقّ﴾ الأمرَ الثابتَ الذي لا محيدَ عنه ﴿فَأَخَلُّْهُمْ﴾ بالإهلاك المستأصِلِ لهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ﴾﴾ فإنَّكم تمرُّون على ديارِهم وترون أثرَه. وهذا تقريرٌ فيه تعجيبٌ للسامعين مما وقعَ بهم، وجوِّز أن يكونَ مِن عدم اعتبار هؤلاء. واكتُفي بالكسرة عن ياء الإضافة في ((عقاب)) لأنه فاصِلةٌ. واختُلِف في المسبّب عنه الأخذُ المذكورُ؛ فقيل: مجموع التكذيب، والهمّ بالأخذِ، والجِدال بالباطل. واختارَ الزمخشريُّ كونَه الهمَّ بالأخذ (١)، قال في ((الكشف)»: وذلك لأنَّ قولَه تعالى: (وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُوا) هو التكذيبُ بعينه، والأخذُ يشاكِلُ الأخذَ، وإنَّما التكذيبُ موجِبُ استحقاقِ العذاب الأخرَوِيِّ المشارِ إليه بعدُ، ولا يُنْكَرِ أنَّ كلَیهما يقتضِي كليهما، لكنْ لَمَّا كان ملاءمةُ الأخذِ للأخذ أتمَّ، والتكذيبُ للعذاب الأخروِيِّ = أظهرَ أنه متعلِّقٌ بالأخذِ تنبيهاً على كمال الملاءمة، ثم المجادلةُ العنادِيةُ ليس الغرضُ منها إلا الإيذاءَ، فهي تؤكِّد الهمَّ من هذا الوجهِ، بل التكذيبُ أيضاً يؤكِّدُه، والغرضُ من تمهيد قوله تعالى: (مَا يُحَدِلُ) وذكرِ الأحزاب الإلمامُ بهذا المعنى، ثم التصريحُ بقوله سبحانه: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّمٍ بِرَسُولِهِمْ) يدلُّ على ما اختاره دلالةٌ بَيِّنةً، فلا حاجةَ إلى أن يُعتَذَرَ بأنَّه إنما اعتبرَ هذا - لا ما سيق له الكلامُ من المجادلة الباطلةِ - مزيداً(٢) للتسلِّي. انتهى. والإنصاف أنَّ فيما صنعه جارُ الله رعايةَ جانبٍ المعنى ومناسبةً لفظيةً، إلَّ أنَّ الظاهرَ هو التفريعُ على المجموع كما لا يخفى. ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ أي: كما وجب حكمه تعالى بالإهلاك على هؤلاء المتحزِّبين على الأنبياء وجب حكمُه سبحانه بالإهلاك على هؤلاء المتحزِّبين عليك أيضاً وهم كفَّارُ قريش. (١) الكشاف ٣/ ٤١٥. (٢) كلمة ((مزيداً)) ليست في (م). سُولَلا ◌َفِ ١٨ الآية : ٧ ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾﴾ أي: لأنَّهم أصحابُ النار، أي: لأنَّ العلَّةَ متَّحدةٌ، وهي أنَّهم كفَّارٌ معاندون مهتمُّون(١) بقتل النبيِّ مِثْلَهم، فوُضِع ((أصحاب النار)) موضعَ ما ذُكر لأنَّه آخِرُ أوصافهم وشرُّها والدالُّ على الباقي. و ((أنهم)) إلخ في حيِّزِ النصب بحذفٍ لام التعليل كما أشرْنا إليه، وجوِّز أن يكون في محلِّ رفعٍ على أنه بدلٌ من («كلمة ربك)) بدلَ كلٍّ من كلٍّ إنْ أريد بالكلمة قولُه تعالى أو حكمُه سبحانه بأنَّهم من أصحاب النار، وبدلَ اشتمالٍ إن أريد بها الأعمّ. ويراد بـ ((الذين كفروا)) أولئك المتحزِّبون، والمعنى: كما وجب إهلاكُهم بالعذاب المستأصِل في الدنيا وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة أيضاً لگُفْرهم. والوجهُ الأوَّل أظهرُ بالمساق والتعبيرِ بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره و *، وفسِّرت ((كلمة ربك)) عليه بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ونحوه. وفي مصحف عبد الله: ((وكذلك سبقت)) وهو على ما قيل: تفسيرُ معنّى لا قراءة(٢). وقرأ ابن هرمز وشيبة وابن القعقاع ونافع وابن عامر: ((كلمات)) على الجمع(٣). ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ﴾ وهو جسمٌ عظيمٌ له قوائمُ، الكرسيُّ وما تحته بالنسبة إليه كحلقةٍ في فلاةٍ. وفي بعض الآثار: خلق الله تعالى العرشَ من جوهرةٍ خضراءً، وبين القائمتين من قوائمه خَفَقانُ الطير المسرع ثمانينَ ألف عام(٤). (١) في الأصل: مهمون (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٤٧، والبحر ٧/ ٤٥٠ . (٣) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٦٢/٢ عن نافع وابن عامر وأبي جعفر، والكلام من البحر ٤٥٠/٧. (٤) عرائس المجالس ص١٦، والكشاف ٤١٥/٣. الآية : ٧ ١٩ سُؤَدَةُ غَافِلٍ وذكر بعضُهم في سعته أنَّه لو مُسح مقَّرُه بجميع مياه الدنيا مسحاً خفيفاً لقصرت عن استيعابه. ويزعم أهل الهيئة ومَن وافقهم أنه كُريٌّ، وأنه المحدّد وفلكُ الأفلاك، وأنه كسائر الأفلاك لا يوصَف بثقلٍ ولا خفَّةٍ (١). وليس لهم في ذلك خبرٌ يعوَّلُ عليه، بل الأخبار ظاهرةٌ في خلافه. والظاهر أنَّ الحمل على حقيقته وحَمَلَتُه ملائكةٌ عظامٌ؛ أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسندٍ صحيح عن أبي هريرة ◌َ ته قال: قال رسول الله وَلير: ((أُذن لي أن أُحَدِّثَ عن ملكِ قد مَرَقَتْ رجلاه الأرضَ السابعة السفلى، والعرشُ على منكبيه، وهو يقول: سبحانك أين كنتَ وأين تكون))(٢). وأخرج أبو داود وجماعةٌ بسندٍ صحيح عن جابر بلفظِ: ((أُذِن لي أن أحدِّثَ عن ملَكِ من ملائكة الله تعالى من حَمَلةِ العرش ما بينَ شحمةٍ أُذنه إلى عاتقه مسيرةٌ سبع (٣) مئة عامٍ))(٣). وهم على ما في بعض الآثار ثمانية؛ أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن هارون بن رياب(٤) قال: حَمَلَةُ العرش ثمانيةٌ يتجاوَبون بصوتٍ رخيم، يقول أربعةٌ منهم: سبحانك وبحمدك على حِلْمك بعدَ علمك(٥)، (١) ينظر ما سلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. (٢) مسند أبي يعلى (٦٦١٩)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٤٦/٥. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٠: رجاله رجال الصحيح. وقوله: مَرَقت، قال في الصحاح (مرق): مرق السهم من الرميَّة: خرج من الجانب الآخر. (٣) سنن أبي داود (٤٧٢٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٢١٢/٨، وأبو الشيخ في العظمة ص٢١٨، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٤٦). قال ابن كثير: هذا إسناد جید، رجاله كلهم ثقات. (٤) هارون بن رياب تابعي بصري، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد تصحف في الأصل و(م) ومطبوع الدر المنثور ٣٤٦/٥ إلى رباب، بالباء الموحدة. والخبر في كتاب العظمة ص٢٢٠، وشعب الإيمان ٣٢٧/١، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر ٣٤٦/٥. (٥) في الأصل و(م): عفوك. والمثبت من المصادر. سُؤَلاَ تَغَدفع ٢٠ الآية : ٧ وأربعةٌ منهم: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم من طريق أبي قبيل أنه سمع ابن عمر يقول: حَمَلَةُ العرش ثمانيةٌ، ما بين موقٍ أحدهم إلى مؤشّر عينيه مسيرةُ خمس مئة عام(١). وفي بعض الآثار أنهم اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية؛ أخرج أبو الشيخ عن وهب قال: حَمَلةُ العرش أربعةٌ، فإذا كان يومُ القيامة أُيِّدوا بأربعةٍ آخَرين، ملكٌ منهم في صورة إنسانٍ يشفَعُ لبني آدم في أرزاقهم، وملكٌ منهم في صورة نسرٍ يشفع للطير في أرزاقهم، وملكٌ منهم في صورة ثورٍ يشفَعُ للبهائم في أرزاقهم، وملكٌ منهم في صورة أسدٍ يشفَع للسباع في أرزاقهم، فلمَّا حَمَلوا العرشَ وقَعوا على رُكَبِهم من عظمة الله تعالى، فلُقِّنوا: لا حول ولا قوةَ إلا بالله، فاستوَوا قياماً على أرجلهم(٢) . وجاء روايةٌ عن وهب أيضاً أنهم يحملون العرش على أكتافهم(٣)، وهو الذي يُشعِرِ به ظاهرُ خبر أبي هريرة السابق. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حسان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية، أقدامُهم مثبَّتَةٌ في الأرض السابعةِ، ورؤوسُهم قد جاوزت السماءَ السابعةَ، وقرونُهم مثلُ طولهم، عليها العرشُ (٤). وفي بعض الآثار أنهم خُشُوع لا يرفعون طرفهم، وفي بعضها لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارَهم من شُعاع النور (٥). (١) تفسير ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٢١٢/٨، والعظمة ص٢١٩، ونقله المصنف من الدر المنثور ٣٤٦/٥. وأبو قَبيل: هو حُيَي بن هانئ المصري، من رجال التهذيب. (٢) العظمة ص٢٢١- ٢٢٢، فيه عبد المنعم بن إدريس، قصاص لا يعتمد عليه. لسان الميزان ٢٨٠/٥. (٣) العظمة ص ١١٥ . (٤) العظمة ص٢١٩ . (٥) الأثران أخرجهما عبد بن حميد عن ميسرة كما في الدر المنثور ٣٤٧/٥.