Indexed OCR Text

Pages 461-480

الآية : ٥٤
٤٦١
سُؤَدَّةُ الرُِّزْ
ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم)) (١). فإنه ليس لـ ((لا يبالي)) كثيرُ حُسْنٍ إن كانت
المغفرةُ مشروطةً بالتوبة كما لا يخفى.
وكذا ما أخرجه ابنُ جرير عن ابن سيرين قال: قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه:
أيُّ آيةٍ أوسعُ؟ فجعلوا يذكرون آياتٍ من القرآن: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾
الآية [النساء: ١١٠] ونحوَها، فقال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: ما في القرآن أوسعُ
آيَةً مِن: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية(٢).
1
والمؤكِّدات السابقةُ - أعني السبعةَ عشر - لا يخلو بعضُها عن بحثٍ،
والظاهرُ أنَّ مغفرةَ ذنبٍ لا تجامِعُ العذابَ عليه أصلاً، وذهبَ بعضُهم إلى أنها
تُجامِعه إذا كان أنقصَ(٣) من الذنب لا إذا كان بمقداره، فمن عذِّب بمقدارٍ
ذنبه في النارِ وأُخرِج منها لا يقال: إنه غُفر له. إذ السيئاتُ إنما تُجزى
بأمثالها .
وقيل: تُجامِعه مطلقاً، وكونُ السيئات لا تُجزى إلا بأمثالها بلطفه تعالى أيضاً
فهو نوعٌ من عفوِهِ عزَّ وجلَّ. وفيه ما فيه، فتأمَّل.
وأصل الإنابة: الرجوعُ، ومعنى: ((وأنيبوا إلى ربكم)) إلخ، أي: ارجعوا إليه
سبحانه بالإعراض عن معاصيه والنَّدَم عليها، وقيل: بالانقطاع إليه تعالى بالعبادة،
وذكرُ الربِّ كالتنبيه على العِلَّة.
وقال القشيريُّ: الإنابة: الرجوع بالكلية، والفرقُ بين الإنابة والتوبة أنَّ التائبَ
يرجع من خوف العقوبة والمنيب يرجع استحياءً لكرمه تعالى. والإسلامُ له سبحانه
الإخلاصُ في طاعاته عزَّ وجلَّ. وذَكَر أنَّ الإخلاص بعد الإنابة أن يَعلم العبدُ أنَّ
(١) مسند أحمد (٢٧٥٦٩)، وسنن الترمذي (٣٢٣٧)، والمستدرك ٢٤٩/٢ ولم نقف عليه في
سنن أبي داود، وعزاه إليه السيوطي في الدر ٣٣١/٥، وعنه نقل المصنف. قال الترمذي:
حديث حسن غريب.
(٢) تفسير الطبري ٢٢٨/٢٠.
(٣) وقع في (م): أنقض، بالضاد المعجمة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٣٤٤،
والكلام منه .

سُورَةُ الرِّزْ
٤٦٢
الآية : ٥٥ - ٥٦
نجاتَه بفضل الله تعالى، لا بإنابته، فبفضله سبحانه وصل إلى إنابته، لا بإنابته وصل
إلى فضله، جلَّ فضلُه(١).
وعن ابن عباس من حديثٍ أخرجه ابن جرير وابن المنذر عنه: من آيَسَ العبادَ
من التوبة فقد جَحَدَ كتابَ الله تعالى، ولكن لا يقدِرُ العبد أن يتوبَ حتى يتوبَ الله
تعالى عليه(٢).
﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم﴾ الظاهرُ أنَّه خطابٌ للعباد المخاطَبين
فيما تقدَّم، سواءٌ أُريد بهم المؤمنون، أو ما يعمُّهم والكافرين، والمرادُ بـ ((ما أنزل))
القرآن، وهو كما أُنزِل إلى المؤمنين أُنزل إلى الكافرين؛ ضرورةً أنه أنزِلَ عليه وَّل
لدعوة الناس كافَّة، والمرادُ بأحسنه ما تضمَّن الإرشادَ إلى خير الدارَين دونَ
القِصَص ونحوها، أو المأمورُ به، أو العزائمُ، أو الناسخُ، و((أفعل)) على الأولِ
والثالثِ على ظاهره، وعلى الثاني والرابع فيه احتمالان.
وقيل: لعلَّ الأحسنَ ما هو أنْجَى وأسلمُ كالإنابة والمواظبة على الطاعة،
و((أفعل)) فيه على ظاهرِه أيضاً.
وجوِّز أن يكونَ الخطابُ للجنس، والمرادُ بـ ((ما أنزل)) الكتبُ السماوية،
وبأحسنه القرآنُ. وفيه ارتكابُ خلافِ الظاهر، وفي ذكرِ الربِّ ترغيبٌ في الاتِباع.
﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَهُ﴾ أي: فَجْأَةً ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
لا تعلمون أصلاً بمجيئه فتتدارَكُون ما يدفعُه.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ﴾ في موضع المفعولِ له بتقدير مضافٍ، وقدَّره الزمخشريُّ
(كراهةَ))(٣)، وهو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ يدلُّ عليه ما قبلُ، أي: أنذِرُكم وآمُرُكم
بأحسنٍ ما أُنزِلُ إليكم كراهةَ أن تقول. ومَن لا يشترِطُ للنصب اتحادَ الفاعل يُجَوِّز
كونَ الناصب ((أنيبوا)) أو ((اتبعوا)).
(١) لطائف الإشارات ٢٨٨/٣.
(٢) عزاه لابن جرير وابن المنذر السيوطيُّ في الدر ٣٣١/٥، ولم نقف عليه في مطبوع تفسير
الطبري.
(٣) الكشاف ٣/ ٤٠٤.
١٠٠٠

:
الآية : ٥٦
٤٦٣
سُؤَدَّةُ الرِّزْ
وأيَّاما كان فهذه الكراهةُ مقابِلَ الرضا دونَ الإرادة، فلا اعتزالَ في تقديرها،
وهو أولى من تقدير: مخافةً، كما فعل الحوفيُّ حيث قال: أي: أَنذرْناكم مخافةً أن
تقول(١)، وابن عطية جعلَ العاملَ ((أنيبوا)) ولم يقدِّر شيئاً من الكراهة والمخافةِ حيثُ
قال: أي: أنيبوا من أجلِ أن تقول(٢). وذهب بعضُ النحاة إلى أنَّ التقديرَ:
لئلا تقول. وتنكيرُ ((نفس)) للتكثير بقرينةِ المقام كما في قول الأعشى:
أتاني كريمٌ ينفُضُ الرأسَ مغْضَبا(٣)
ورُبَّ بقيعٍ لو هتفْتُ بِجَوّه
فإنَّه أرادَ أفواجاً من الكرام ينصرونه، لا كريماً واحداً.
وجوِّز أن يكونَ للتبعيض؛ لأنَّ القائلَ بعضُ الأنفس. واستظهره أبو حيان(٤).
قيل: ويكفي ذلك في الوعيد؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ يحتمل أن تكونَ تلك.
وجوِّز أيضاً أن يكونَ للتعظيم، أي: نفسٌ متميزةٌ من الأنفس إمَّا بلَجاجٍ في
الكفر شديدٍ، أو بعذابٍ عظيمٍ، وليس بذاك.
﴿بَحَتْرَقَ﴾ بالألف بدل ياء الإضافة، والمعنى كما قال سيبويه: يا حسرتي
احضُري فهذا وقتُكِ.
وقرأ ابن كثير في الوقف ((يا حسرتاه)) بهاء السكت(٥).
وقرأ أبو جعفر ((يا حسرتي)) بياء الإضافة(٦)، وعنه: ((يا حسرتايْ)) بالألف
والياء التحتية مفتوحةً أو ساكنةً جمعاً بين العِوض والمعوَّض(٧)، كذا قيل.
(١) البحر المحيط ٧/ ٤٣٥.
(٢) المحرر الوجيز ٤ /٥٣٨.
(٣) ديوان الأعشى ص٨.
(٤) في البحر المحيط ٧/ ٤٣٥ .
(٥) البحر ٤٣٥/٧، وهي خلاف المشهور عن ابن كثير، وقرأ بها رويس عن يعقوب، كما في
النشر ١٣٦/٢.
(٦) المحتسب ٢٣٧/٢، والبحر ٤٣٥/٧، والكلام منه.
(٧) البحر ٤٣٥/٧، والقراءة بفتح الياء هي رواية ابن جماز عن أبي جعفر، واختلف عن ابن
وردان، فروي عنه الإسكان والفتح، قال في النشر ٣٦٣/٢: وكلاهما صحيح، نص
عليهما عنه غير واحد.

سُوَّةُ الزَُِّّزْ
٤٦٤
الآية : ٥٦
ولا يخفى أنَّ مثلَ هذا غيرُ جائز، اللَّهم إلَّا شاذًّا استعمالا وقياساً، فالأوْجه أن
يكون ثنَّى الحسرة مبالغةً على نحو: لبيك وسعديك، وأقامَ بين ظهرَيْهم،
وظهرانَيْهم، على لغة بلحارث بن كعب من إبقاء المثنى على الألف في الأحوال
كلِّها، واختار ذلك صاحب ((الكشف))، وجوَّز أبو الفضل الرازي أيضاً في كتابه
((اللوامح)) أن تكون التثنيةُ على ظاهرِها على تلك اللغة، والمراد حسرةُ فوت الجنة
وحسرةُ دخول النار(١). واعتبار التكثير أولى؛ لكثرةٍ حسَرَاتهم يومَ القيامة.
﴿عَلَى مَا فَرَّطَّتُ﴾ أي: بسبب تفريطي، فـ ((على)) تعليليةٌ و((ما)) مصدرية كما في
قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] والتفريطُ: التقصير.
فى جَّئْبِ اللَّهِ﴾ أي: جانبه، قال الراغب: أصلُ الجنب: الجارحةُ، ثم يُستعار
للناحية والجهة التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك، نحو: اليمين
والشمال(٢). والمراد هنا الجهةُ مجازاً، والكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي: في
جنب طاعة الله، أو: في حقٌّه تعالى، أي: ما يحِقُّ له سبحانه ويلزم وهو طاعته عزَّ
وجلَّ؛ وعلى ذلك قول سابق البربري(٣) من شعراء الحماسة:
أما تَتَّقِينَ اللهَ في جَنْبٍ عاشقٍ
له كبِدٌ حرَّى عليكِ تقطّعُ(٤)
والتفريطُ في جهة الطاعة كنايةٌ عن التفريط في الطاعة نفسها؛ لأنَّ من ضيَّع جهةً
ضيَّع ما فيها بطريق الأَولى الأبلغ لكونه بطريق برهانيٍّ، ونظيرُ ذلك قول زياد الأعجم:
(١) نقله المصنف من البحر ٤٣٥/٧ .
(٢) المفردات (جنب).
(٣) هو أبو سعيد سابق بن عبد الله، والبربري لقبه، شاعر زاهد سكن الرقة، وَقَد على
عمر بن عبد العزيز، وله معه حكايات. تاريخ الإسلام للذهبي ٨٦٩/٣، والوافي
بالوفيات ٦٩/١٥، وخزانة الأدب ٥٣٢/٩-٥٣٣.
(٤) البيت في الكشاف ٣/ ٤٠٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٣٤٧، والبحر ٤٣٥/٧،
منسوب إلى سابق، وهو في جمهرة الأمثال ٢٢٨/١ دون نسبة. ونسب في الحماسة البصرية
٢/ ١٢٢ إلى كُثير، وهو في ديوانه ص١٧٧ بلفظ: حُبِّ، بدل: جنب. وتصدَّع، بدل:
تقطّع. قوله: حرَّى: تأنيث حرّان من الحرِّ، وهما للمبالغة، أي: لشدَّة حرِّها قد عَطِشَتْ
ويبستْ من العطش. تاج العروس (حرر).

الآية : ٥٦
٤٦٥
سُؤَدَّةُ الزُِّيز
في قبةٍ ضُرِبَتْ على ابن الحَشْرَجَ(١)
إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندَى
ولا مانعَ مِن أن يكونَ للطاعة - وكذا حقُّ الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه - جهةٌ
بالتبعية للمطيع كمكان السماحة وما مَعها في البيت، ومما ذكرنا يُعلم أنَّه لا مانعَ
من الكناية كما تُؤُهُّم.
وقال الإمام: سمِّي الجنبُ جنباً؛ لأنَّه جانبٌ من جوانب الشيء، والشيء الذي
يكونُ من لوازم الشيء وتوابعِه يكون كأنَّه جندٌ من جنوده وجانبٌ من جوانبه، فلمَّا
حصلَت المشابهةُ بين الجنب الذي هو العُضْو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له،
لا جرمَ حسُن إطلاقُ لفظِ الجنب على الحقِّ والأمر والطاعة(٢). انتهى.
وجعلوا في الكلام عليه استعارةً تصريحيةً وليس هناك مضافٌ مقدَّرٌ، وليس
بذاك.
وقولُ ابن عباس: يريدُ: على ما ضيَّعْتُ من ثواب الله. ومقاتل: على ما ضيَّعْتُ
مِن ذكرِ الله. ومجاهد والسديٌّ: على ما فرَّطتُ في أمر الله. والحسنِ: في
طاعة الله. وسعيد بن جبير: في حقِّ الله(٣) = بيانٌ لحاصل المعنى.
وقيل: الجنبُ مجازٌ عن الذات كالجانب أو المجلس، يُستعمل مجازاً لربِّه،
فيكون المعنى: على ما فرطتُ في ذات الله. وضعِّف بأنَّ الجنبَ لا يليق إطلاقُه
عليه تعالى ولو مجازاً، وركاكتُه ظاهرةٌ أيضاً.
وقيل: هو مجازٌ عن القرب، أي: على ما فرطتُ في قرب الله. وضعِّف بأنَّه
محتاجٌ إلى تجوُّزٍ آخر، ويرجع الأمرُ في الآخرة إلى طاعة الله تعالى ونحوها.
وبالجملة لا يمكن إبقاءُ الكلام على حقيقته؛ لتنزُّهه عزَّ وجلَّ من الجنب
بالمعنى الحقيقيّ.
(١) الأغاني ٣٨٦/١٥، ومعاهد التنصيص ١٧٣/٢-١٧٤، والبيت في مدح عبد الله بن الحشرج
والي سابور، من سادات قيس وأمرائها .
(٢) التفسير الكبير ٦/٢٧.
(٣) تفسير الطبري ٢٣٤/٢٠-٢٣٥، وتفسير السمرقندي ٥٥/٣، وتفسير البغوي ٤/ ٨٥، وزاد
المسير ٧/ ١٩٢.

سُؤَدَّةُ الزُّهِزْ
٤٦٦
الآية : ٥٧ - ٥٨
ولم أقِفْ على عدِّ أحدٍ من السلف إيَّاه من الصفات السمعيَّة، ولا أعوِّل على
ما في ((المواقف)) (١)، وعلى فرض العدِّ كلامُهم فيها شهيرٌ، وكلَّهم مُجمِعون على
التنزيه، وسبحانَ مَن ليس كمثلِه شيء وهو السميع البصير.
وفي حرفِ عبد الله وحفصةَ: ((في ذكر الله)(٢).
﴿وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السََّخِرِينَ ﴾﴾ أي: المستهزئين بدين الله تعالى وأهلِه، و((إن))
هي المخفَّفةُ من الثقيلة، واللامُ هي الفارقة، والجملةُ في محلِّ النصب على الحال
عند الزمخشريٌّ، أي: فرَّطتُ في حالِ سخريتي(٣).
وقال في ((البحر)): ويظهرُ أنَّها استئنافُ إخبارٍ عن نفسه بما كان عليه في الدنيا،
لا حالٌ (٤)، والمقصودُ من ذلك الإخبارِ التحسُّرُ والتحزُّنُ.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَينِ لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّفِينَ ﴾﴾ أي: من الشرك
والمعاصِي. وفسَّر غيرُ واحدٍ الهدايةَ هنا بالإرشاد والدلالةِ الموصِلَةِ بناءً على أنَّه
الأنسبُ بالشرطية والمطابقُ للردِّ بقوله سبحانه: ﴿بَ﴾ إلخ. وفسَّرها أبو حيان
بخلق الاهتداء(٥)، وأيًّا ما كان فالظاهرُ أنَّ هذه المقالةَ في الآخرة.
﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَ لِ كَرَّةُ﴾ أي: رجوعاً إلى الحياة
﴾ في العقيدة والعمل، و((لو)) للتمنِّي، ((فأكونَ))
٥٨
الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
منصوبٌ في جوابها. وجوَّز في ((البحر)) أن يكون منتصِباً بالعطف على ((كرَّةً)) إذ هو
مصدر، فيكون مثل قوله :
وتسألَ عن رُكبانها أين يَمَّمُوا(٦)
فما لكَ عنها غيرُ ذِكرى وحَسرةٍ
(١) المواقف ص٢٩٨ .
(٢) الكشاف ٣/ ٤٠٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) البحر المحيط ٧/ ٤٣٥ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) البحر ٤٣٦/٧، وهو في معاني القرآن للفراء ٤٢٣/٢، وفيه: ((وحسبة))، بدل: ((وحَسْرة))،
وتفسير القرطبي ٣٠١/١٨، وفيه: وخشية، ولم نهتد إلى قائله.

الآية : ٥٩
٤٦٧
سُورَةُ الرَّحِزْ
وقول الآخر:
ولُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أحبُّ إليَّ من لُبسِ الشُّفُوفِ (١)
ثم قال: والفرقُ بينهما أنَّ الفاءَ إذا كانت في جواب التمنِّي كانت ((أنْ)) واجبةَ
الإضمارِ، وكان الكونُ مترتِّباً على حصولِ المتمثَّى لا متمتَّى، وإذا كانت للعطف
على ((كرَّةً) جاز إظهارُ ((أنْ)) وإضمارُها، وكان الكونُ متمنَّى(٢).
وقوله تعالى: ﴿بَلَ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَّتَ وَّكُنْتَ مِنَ
جوابٌ من الله عزَّ وجلَّ لِمَا تضمَّنه قولُ القائل: ((لو أن الله هداني))
اُلْكَفِرِينَ
مِن نفْي أَن يكونَ اللهُ تعالى هداه؛ ورةٌّ عليه، ولا يشترطُ في الجواب بـ ((بلى)) تقدُّمُ
النفْي صريحاً، وقد وقعَ في موقعِه اللائقِ به؛ لأنَّه لو قدِّمَ على القرينة الأخيرةِ؛
أعني: ((أو تقولَ حين ترى العذاب» إلخ، وأُوْقِعَ بعدَه غيرَ مفصول بينَهما بها، لم
يحسُنْ، لتبتيرِ النظم الجليل، فإنَّ القرائنَ الثلاثَ متناسبةٌ متناسِقةٌ متلاصقةٌ،
والتناسُب بينَهنَّ أتمُّ مِن التناسُبِ بينَ القرينةِ الثانيةِ وجوابِها، ولو أخِّرَت القرينةُ
الثانية وجُعِلَت الثالثةُ ثانيةً، لم يحسُن أيضاً، لأنَّ رعايةَ الترتيب المعنويِّ - وهي
أهمُّ - تَفُوت إذ ذاك، وذلك لأنَّ التحسُّرَ على التفريطِ عند تطايُرِ الصُّحُف على
ما يدلُّ عليه مواضعُ من القرآن العظيم، والتعلُّلُ بعدم الهداية إنَّما يكون بعد مشاهدةِ
حالِ المتقين واغتباطِهم، ولأنَّه للتسلِّي عن بعض التحسُّرِ أو مِن باب تمسُّكِ
الغريق، فهو لاحِقٌ، وتمنِّي الرجوع بعد ذَوْقِ النار، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ
وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْئَنَا نُرَةُ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام: ٢٧].
وكذلك لو حُمِل الوقوفُ على الحبس على شَفيرِها أو مشاهدتِها، وكلٌّ بعدَ
مشاهدةِ حالِ المتقين وما لقوا من خِفَّةِ الحساب والتكريم في الموقف، ولأنَّ اللَّجَأَ
إلى التمنِّي بعد تحقُّقٍ أن لا جدوى(٣)؛ للتعليل.
(١) البيت لميسون بنت بحدل، وسلف ٣١٢/٤.
(٢) البحر ٤٣٦/٧ .
(٣) في الأصل: ((جَدّى)) بالقصر، وهما بمعنّى. ينظر الصحاح (جدى).

سُوَّةُ الُِّزْ
٤٦٨
الآية : ٦٠
وقال الطيبيُّ: إنَّ النفسَ عندَ رؤية أهوالِ يوم القيامة يرى الناس مَجْزِيِّيْنَ
بأعمالهم فيتحسَّر على تفويت الأعمال عليها، ثم قد يتعلَّلُ بأنَّ التقصيرَ لم يكن
مِنِّي، فإذا نَظر وعَلِم أنَّ التقصيرَ كان منه تمنّى الرجوعَ.
ثم الظاهرُ من السياق أنَّ النفوسَ جَمعت بين الأقوالِ الثلاثة، فـ ((أو)) لمنع
الخلوِّ، وجيء بها تنبيهاً على أنَّ كلَّ واحدٍ يكفي صارفاً عن إيثار الكفر وداعياً إلى
الإنابة واتباع أَحْسنِ ما أُنزل. وتذكيرُ الخطاب في ((جاءتكَ)) إلخ على المعنى؛ لأنَّ
المرادَ بالنفس الشخصُ وإن كان لفظُها مؤنَّئاً سَماعياً.
وقرأ ابن يعمر والجحدريُّ وأبو حيوة والزعفرانيُّ وابنُ مقسم ومسعود بن صالح
والشافعيُّ عن ابن كثير ومحمد بن عيسى في اختياره والعبسيُّ: ((جاءتكِ)» إلخ،
بكسر الكاف والتاء (١)، وهي قراءةُ أبي بكر الصديق وابنته عائشةَ ﴿يا، وروتها أمُّ
سلمةَ عن النبيِّ وَلَ(٢) .
وقرأ الحسنُ والأعمش والأعرج: ((جَأَتْكَ)) بالهمز من غير مدِّ بوزن: فَعَتْكَ(٣)،
وهو على ما قال أبو حيان: مقلوبٌ من ((جاءتك))، قُدِّمت لامُ الكلمة وأخِّرت العينُ
فسقطَت الألفُ (٤)
٠
واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ العبدَ خالقٌ لأفعاله. وأجابَ الأشاعرةُ بأنَّ
إسنادَ الأفعالِ إلى العبد باعتبارِ قدرتِهِ الكاسبةِ. وحقَّق الكورانيُّ أنه باعتبار قدرته
المؤثّرةِ بإذنِ الله عزَّ وجلَّ، لا كما ذهب إليه المعتزلةُ مِن أنَّه باعتبار قدرته المؤثّرةِ
أذِنَ الله تعالى أم لم يأذَنْ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ بما ينالُهم من الشدَّةِ
التي تغيِّر ألوانَهم حقيقةً، ولا مانعَ من أن يُجعل سوادُ الوجوه حقيقةً علامة لهم غيرَ
(١) يريدُ بالتاء تاء: ((فكذبت))، و((استكبرتٍ))، و (اكنتِ)).
(٢) القراءات الشاذة ص١٣١، والمحرر الوجيز ٥٣٨/٤، والبحر ٤٣٦/٧، وأخرجه عن أم
سلمة الدوريُّ في جزء قراءات النبي ◌َّر (٩٩).
(٣) القراءات الشاذة ص ١٣١، والبحر ٤٣٦/٧.
(٤) البحر المحيط ٤٣٦/٧ .

الآية : ٦٠
٤٦٩
سُؤَدَّةُ الزُّهِزْ
مترتّبٍ على ما ينالهم، وجوِّز أن يكونَ ذلك من باب المجاز، لا أنَّها تكونُ مسودَّةً
حقيقةً، بأن يقال: إنَّهم لِمَا يلحَقُهم من الكآبةِ ويظهرُ عليهم من آثار الجهل بالله عزَّ
وجلَّ يُتوقَّم فيهم ذلك. والظاهرُ أنَّ الرؤيةَ بصريةٌ. والخطابُ إمَّا لسيِّد المخاطَبين
عليه الصلاة والسلام، وإما لكلِّ مَن تتأَتَّى منه الرؤيةُ.
وجملةُ ((وجوهُهم مسودَةٌ)) في موضع الحال على ما استظهره أبو حيان(١)،
وكونُ المقصود رؤيةَ سوادٍ وجوهِهم لا ينافِي الحاليةَ كما توهِّم؛ لأنَّ القيدَ مَصَبُّ
الفائدة، ولا بأسَ بتركِ الواو والاكتفاءِ بالضمير فيها، لاسيما وفي ذكرِها هاهنا
اجتماعُ واوين وهو مستثقَلٌ.
وزعم الفرَّاءُ شذوذَ ذلك(٢)، ومن سلَّمه جعلَ الجملةَ هنا بدلاً من ((الذين)»
كما ذهب إليه الزجَّاج(٣)، وهم جوَّزوا إبدالَ الجملة من المفردِ، أو مستأنفةً كالبيان
لِمَا أشعرَتْ به الجملةُ قبلَها وأَدْرَكه الذوقُ السليمُ منها مِن سوء حالهم، أو جعَلَ
الرؤية علميةً والجملةَ في موضع الثاني، وأُيِّد بأنه قرئ: ((وجوهَهم
مسودةً)) بنصبهما على أنَّ ((وجوهَهم)) مفعولٌ ثانٍ و((مسودَةً)) حالٌ منه. وأنت تعلم أنَّ
اعتبارَ الرؤية بصريةً أبلغُ في تفضيحِهم وتشهيرٍ فَظاعةِ حالِهم لاسيَّما مع عموم
الخطاب، والنصْبُ في القراءة الشاذَّةِ يجوزُ أن يكونَ على الإبدال.
والمرادُ بـ ((الذين ظلموا))(٤) أولئك القائلون المتحسِّرون، فهو من باب إقامة
الظاهر مقامَ المضمَر. وينطبقُ على ذلك أشدَّ الانطباقِ قولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِ
، الذين جاءتْهم آياتُ الله فكَذَّبوا بها
جَهَنَّمَ مَثْوَى﴾ أي: مقامٌ ﴿لِّلْمُتَكَِّنَ
واستكبروا عن قبولها والانقيادِ لها؟ وهو تقريرٌ لرؤيتهم كذلك، وينطبقُ عليه أيضاً
قولُه الآتي: ﴿وَيُنَجِّى﴾ إلخ. وكذِبُهم على الله تعالى لوصفِهم له سبحانه بأنَّ له
شريكاً ونحوٍ ذلك؛ تعالى عمَّا يصفون علوًّا كبيراً. وقيل: لوصفهم له تعالى
(١) في البحر ٧/ ٤٣٧ .
(٢) سلف هذا النقل عنه ١٢٥/٢.
(٣) في معاني القرآن ٤/ ٣٦٠.
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ((الذين كذبوا))، كما يدلُّ عليه السياق.

،
سُؤَدَّةُ الرُّهَِّزْ
٤٧٠
الآية : ٦١
بما لا يليق في الدنيا، وقولِهم في الأخرى: ((لو أنَّ الله هداني)) المتضمِّنِ دعوى
أنَّ الله سبحانه لم يَهْدِهم ولم يُرشدهم.
وقيل: هم أهل الكتابینِ.
وعن الحسن: أنَّهم القدريَّةُ القائلون: إن شِئْنا فعلْنا وإن لم يشأ الله تعالى، وإن
شئنا لم نفعل وإن شاء الله سبحانه (١).
وقيل: المرادُ كلُّ مَن كَذَب على الله تعالى ووَصَفَه بما لا يليق به سبحانه نفياً
وإثباتاً، فأضافَ إليه ما يجب تنزيهُه تعالى عنه، أو نزَّهه سبحانه عمَّا يجب أن
يضافَ إليه، وحُكي ذلك عن القاضي(٢)، وظاهرُه يقتضي تكفيرَ كثيرٍ من أهل
القبلة، وفيه ما فيه.
والأوفقُ لنظم الآية الكريمة ما قدَّمنا، ولا يبعُد أن يكونَ حكمُ كلِّ مَن كذَب
على الله تعالى - عالماً بأنه كذَب عليه سبحانه، أو غيرَ عالم لكنَّه مستنِدٌ إلى شبهةٍ
واهيةٍ - كذلك، وكلامُ الحسن - إن صحَّ - لا أظنه إلَّا من باب التمثيل. وتعريضُ
الزمخشريِّ بأهل الحقِّ بما عرَّض(٣) خارجٌ عن دائرة العدل، فما ذهبوا إليه ليس من
الكذب على الله تعالى في شيء، والكذِبُ فيه وفي أصحابه ظاهرٌ جدًّا.
وقرأ أبَيُّ: ((أُجُوههم)) بإِبدالِ الواو همزةٌ(٤).
﴿وَيُنَّجِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ ما اتَّصف به أولئك المتكبِّرُون من جهنمَ. وقرئ:
(ُنْجِي)) بالتخفيف من الإنجاء(٥).
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ اسمُ مصدرٍ كالفَلَاح على ما في ((الكشف))، أو مصدرٌ ميميٌّ على
ما في غيره، من: فاز بكذا؛ إذا أفلح به وظفر بمرادِه منه، وقال الراغب: هي
(١) زاد المسير ٧/ ١٩٣.
(٢) في التفسير الكبير ٨/٢٧، والقاضي هو عبد الجبار.
(٣) في الكشاف ٤٠٥/٣ بقوله: ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح وتجويزِ أن يخلقَ خلقاً
لا لغرض، ويؤلم لا لعوضٍ .. إلخ.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٣١، والبحر ٤٣٧/٧.
(٥) النشر ٢٥٩/٢، وهي قراءة روح عن يعقوب.

الآية : ٦١
٤٧١
سُورَةُ الزُّهَزْ
مصدر فاز (١)، أو اسم الفوز، ويرادُ بها الظّفَرُ بالبُغْية على أتمٍّ وجهٍ كالفلاح، وبه
هـ(٢)
فسَّرها السديُّ(٢).
والباء للملابسة متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من الموصول مفيدةٌ لمقارنةٍ تنجِيَتِهم
من العذاب لنيل الثواب، أي: يَنجِّيهم الله تعالى من جهنَّمَ مثوى المتكبِّرين لتقواهم
مما أنَّصف المتكبِّرون به ملتبسين بفلاحهم وظفرِهم بالبغية وهي الجنة، ومالُه:
ينَجِّيهم من النار ويُدْخِلُهم الجنةَ. وكونُ الجنة بغيةَ المتقي كائناً مَن كان مما لا شبهةً
فيه، نعم هي بغيةٌ لبعض المتقين مِن حيثُ إنَّها محلُّ رؤية محبوبهم التي هي غايةٌ
مطلوبهم، ولك أن تعمِّم البغيةَ.
في موضع الحال أيضاً
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ الشُّهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
إما من الموصول، أو من ضميرٍ ((مفازتهم))، مفيدة لكونهم مع التنجية أو الفوز منفيًّا
عنهم على الدوام مساسُ جنسِ السوءِ والحزن. والظاهرُ أنَّ هذه الحالَ مقدَّرةٌ.
وقيل: إنها مقارنةٌ مفيدةٌ لكونِ تنجيتهم أو مفازتهم بالجنَّة غيرَ مسبوقةٍ بمساسٍ
العذاب والحزن، ولا يخفى أنه لا يتسنَّى بالنسبة إلى جميع المتقين إذ منهم مَن
يَمَسُّه العذابُ ويحزَنُ لا محالةَ. وعدُّ وجودٍ ذلك لقلَّته وانقطاعِه كَلا وجودٍ، تكلُّف
بعيدٌ .
وجوِّز أن يراد بالمفازة الفلاحُ، ويُجْعَلَ قولُه تعالى: (لَا يَمَسُّهُمُ) إلخ استئنافاً
لبيانها، كأنه قيل: ما مفازتُهم؟ فقيل: لا يمسُهم إلخ. والباء حينئذٍ على ما في
((الكشف)) سبيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ ((ينجِّي))، أي: ينجِّيهم بنفْي السوء والحُزْنِ عنهم.
وتعقّب بأنَّ في جعل عدم الحزن وعدم السوء سببَ النجاة تكلُّفاً، فهُمَا من
النجاة، والظاهر أنَّه لو جُعلت الباءُ على هذا الوجه أيضاً للملابسة لا يَرِدُ ذلك.
وجوِّز كونُ المفازة اسمَ مكانٍ، أي: محلَّ الفوز، وفُسِّرت بالمنجاة مكانٍ
النجاة، وصحَّ ذلك لأنَّ النجاةَ فوزٌ وفلاحٌ، وجُعلت الباءُ عليه للسببيَّة، وهناك
(١) المفردات (فوز).
(٢) البحر ٧/ ٤٣٧ .

سُورَةُ الرُّهَزْ
٤٧٢
الآية : ٦١
مضافٌ محذوفٌ بقرينةٍ باءِ السببيَّةِ وأنَّ المنجاةَ لا تصلحُ سبباً، أي: ينجِّيهم بسبب
منجاتهم وهو الإيمان، وهو كالتصريح بما اقتضاه تعليقُ الفعل بالموصول السابق.
وفسَّرِه الزمخشريُّ بالأعمال الصالحة، وقوَّاه بما حكاه عن ابن عباس ليتمَّ
مذهبُهُ (١). أو لا مضافَ بل هناك مجازٌ بتلك القرينة من إطلاق اسم المسبَّب على
السبب، والجملةُ بعدُ - على الاحتمالين في هذا الوجه - حالٌ، ولا يخفى أنَّ
المفازة بمعنى المنجاة مكانِ النجاة هي الجنةُ، والإيمانُ أو العملُ الصالح ليس
سبباً لها نفسِها، وإنَّما هو سببٌ لدُخولها، فلا بدَّ من اعتباره، فلا تغفل.
وجوِّز أن تكونَ المفازةُ مصدراً ميميًّا مِن: فاز منه، أي: نجا منه، يقال: طوبى
لمن فاز بالثواب وفاز من العقاب، أي: ظفِرَ به ونجا، والباء إما للملابسة والجملةُ
بيانٌ للمفازة، أي: ينجِّيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصَّة لهم، أي: بنفي
السوء والحُزنِ عنهم، ولا يخفى ركاكةُ هذا المعنى.
وإما للسبيَّة: إمَّا على حذف المضاف، أو التجوُّزِ نظيرَ ما مرَّ آنفاً، ولا يحتاج
هنا إلى اعتبار الدخول كما لا يخفى، والجملة في موضع الحال أيضاً.
وجوِّز على بعض الأوْجُه تعلُّقُ ((بمفازتهم)) بما بعده، ولا يخفى أنَّه خلافُ
الظاهر.
وبالجملة الاحتمالاتُ العقلية في الآية كثيرةٌ؛ لأنَّ المفازةَ إما اسمُ مصدرٍ، أو
مصدرٌ ميميٍّ، أو اسمُ مكانٍ، مِن فازَ به: ظَفِر، أو مِن فازَ منه: نجا. والباءُ
إما للملابسةِ أو للسببيةِ أو للاستعانةِ، وهي إما متعلِّقةٌ بما قبلَها، أو بما بعدها.
وهذه ستَّة وثلاثونَ احتمالاً. وإذا ضممتَ إليها احتمالَ حذف المضاف في
(بمفازتهم)) بمعنى منجاتهم أو نجاتهم، واحتمالَ التجوُّز فيه كذلك، وكذا احتمالَ
كون جملة «لا يمسُّهم)) إلخ حالاً من الموصول، واحتمالَ كونها حالاً من ضمير
((مفازتهم))، واحتمالَ كون الحال مقدَّرة، وكونِها مقارِنةً، زادت كثيراً، ولا يخفى
أنَّ فيها المقبولَ ودونَه، بل فيها ما لا يتسنَّى أصلاً، فأمعِن النظرَ ولا تجمدْ.
(١) الكشاف ٤٠٦/٣.

٤٧٣
الآية : ٦٢ - ٦٣
وقرأ السلميُّ والحسن والأعرج والأعمش وحمزةُ والكسائيُّ وأبو بكر:
(بمفازاتهم)) جمعاً (١)؛ لتكونَ على طِبْق المضاف إليه في الدلالة على التعدُّد
صريحاً .
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من خيرٍ وشرِّ وإيمانٍ وكفرٍ لكنْ لا بالجبر، بل بمباشرةٍ
المتَّصِف بهما لأسبابهما، فالآيةُ رادَّةٌ على المعتزلة ردًّا ظاهراً.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾﴾ يتولَّى التصرُّفَ فيه كيفما يشاء حسبما تقتضيه
الحكمةُ، وكأنَّ ذِكرَ ذلك للدلالة على أنَّه سبحانه الغنيُّ المطلَقُ وأنَّ المنافعَ
والمضارَّ راجعةٌ إلى العباد.
ولك أن تقول: المعنى أنَّه تعالى حفيظُ على كلِّ شيءٍ، كما قيل نحوُ ذلك في
قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]، وحاصلُه أنه تعالى يتولَّى حفظَ
كلِّ شيءٍ بعدَ خلْقِهِ، فيكون إشارةً إلى احتياج الأشياء إليه تعالى في بقائها كما أنَّها
محتاجةٌ إليه عزَّ وجلَّ في وجودِها .
﴿لَّ مَقَالِدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيحُها، كما قال ابن عباس والحسن
وقتادة وغيرهم(٢)، فقيل: هو جمعٌ لا واحدَ من لفظه، وقيل: جمعُ: مقليد،
وقيل: جمعُ: مِقْلاد، من التقليد بمعنى الإلزام، ومنه تقليدُ القضاء وهو إلزامه النظرَ
في أموره، وكذا القلادةُ لِلُزومها للعُنُقِ، وجُعل اسماً للآلة المعروفةِ للإلزام بمعنى
الحفظ. وهو على جميع هذه الأقوالِ عربيٍّ، والأشهرُ الأظهرُ كونُه معرَّباً، فهو
جمعُ: إقليد، معرَّبُ: إكليد، وهو جمعٌ شاذٌّ؛ لأنَّ جمع إفعيل على مفاعيل مخالفٌ
للقياس، وجاء: أقاليدُ، على القياس، ويقال في إكليد: كَلِيد، بلا همزةٍ.
وذكر الشهابُ أنه بلُغة الروم: إقليدس، وكليد، وإكليد منه(٣). والمشهورُ أنَّ
كليد، فارسيٌّ، ولم يشتهرْ في الفارسية ((إكليد)) بالهمز.
(١) التيسير ص ١٩٠، والنشر ٢/ ٣٦٣ عن حمزة والكسائي وأبي بكر، والكلام من البحر ٧/ ٤٣٧.
(٢) تفسير الطبري ٢٤٢/٢٠، وتفسير البغوي ٨٦/٤.
(٣) حاشية الشهاب ٣٤٩/٧.

سُورَةُ الرِّزْ
٤٧٤
الآية : ٦٣
و: له مقاليدُ كذا؛ قيل: مجازٌ عن كونه مالكَ أمره ومتصرِّفاً فيه بعلاقة اللزوم،
ويُكْنَى به عن معنى القدرة والحفظ.
وجوِّز كونُ المعنى الأولِ كنائيًّا، لكن قد اشتَهَرَ فنزِّلَ منزلةَ المدلول الحقيقيِّ،
فكُنِيَ به عن المعنى الآخر، فيكونُ هناك كنايةٌ على كنايةٍ، وقد يقتصرُ على المعنى
الأول في الإرادة، وعليه قيل هنا: المعنى: لا يملكُ أمرَ السماوات والأرض
ولا يتمكَّنُ من التصرُّف فيها غيرُه عزَّ وجلَّ.
والبيضاويُّ بعد ذكرٍ ذلك، قال: هو كنايةٌ عن قدرته تعالى وحفظه لها(١). وفيه
مزيدُ دلالةٍ على الاستقلال والاستبداد لمكان اللام والتقديم.
وقال الراغب: ((مقاليد السماوات والأرض)): ما يحيط بها، وقيل: خزائنها،
وقيل: مفاتيحها، والإشارة بكلِّها إلى معنَى واحدٍ وهو قدرتُه تعالى عليها وحفظُه
لها(٢). انتھی.
وجوِّز أن يكون المعنى: لا يملك التصرُّفَ في خزائن السماوات والأرض - أي:
ما أُودِعَ فيها واستعدَّت له من المنافع - غيرُه تعالى.
ولا يخفى أنَّ هذه الجملةَ إنْ كانت في موضع التعليل لقوله سبحانه: (وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ) على المعنى الأول، فالأظهرُ الاقتصارُ في معناها على أنَّه لا يملك
أمرَ السماوات والأرضِ - أي: العالم بأسرِه - غيرُه تعالى، فكأنَّه قيل: هو تعالى
يتولَّى التصرُّفَ في كلِّ شيءٍ؛ لأنَّه لا يملك أمرَه سواه عزَّ وجلَّ. وإن كانت تعليلاً
له على المعنى الثاني فالأظهر الاقتصارُ في معناها على أنَّه لا قدرةَ عليها لأحدٍ
غيرِهِ جلَّ شأنه، فكأنه قيل: هو تعالى يتولَّى حفظَ كلِّ شيءٍ؛ لأنَّه لا قدرةَ لأحدٍ
عليه غيره تعالى.
وجوِّز أن تكونَ عطفَ بيانٍ للجملة قبلَها، وأن تكونَ صفةً ((وكيل))، وأن تكونَ
خبراً بعد خبرٍ، فأمعِن النظرَ في ذلك وتدبّره.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٤٨/٧.
(٢) المفردات (قلد).

الآية : ٦٣
٤٧٥
سُؤَدَّةُ الرّحِزْ
وأخرج أبو يعلى، ويوسفُ القاضي(١) في ((سننه))، وأبو الحسن القطّان(٢) في
((المطولات))، وابن السنِّ في ((عمل اليوم والليلة))، وابن المنذر وابن أبي حاتم
وابن مردويه عن عثمان بن عفان به قال: سألتُ رسولَ اللهِوَّه عن قول الله
تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضٌِ﴾ فقال: ((لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله
والحمد لله، أستغفِرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلَّا هو، الأول والآخر، والظاهر والباطن،
يحيي ويُميتُ وهو حَيٍّ لا يموتُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)) الحديث(٣).
وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أنَّ عثمانَ جاء إلى النبيِّ وَّ فقال له:
أخبِرْني عن ((مقاليد السماوات والأرض))؟ فقال: ((سبحان الله والحمدُ لله ولا إلهَ
إلا الله والله أكبر، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العليِّ العظيم، الأولِ والآخرِ والظاهرِ
والباطنٍ، بيده الخيرُ، يحيي ويميتُ وهو على كلِّ شيء قديرٌ، يا عثمان، مَن قالها
إذا أصبح عشْر مرَّاتٍ وإذا أمسى، أعطاه الله سِتّ خصالٍ: أمَّا أوَّلُهنَّ فِيُخْرَسُ من
إِبليسَ وجنودِه، وأمَّا الثانيةُ فيُعْطى قِنْطاراً مِن الأجْرِ، وأمَّا الثالثةُ فَيَتَزَوَّجُ من الحُورِ
العِيْن، وأمَّا الرابعةُ فيُغْفَرُ له ذنوبُه، وأمَّا الخامسةُ فيكونُ معَ إبراهيمَ عليه السلامِ،
وأمَّا السادسةُ فَيَحْضُرُه اثنا عشَرَ ملَكاً عندَ موته يبشِّرُونه بالجنة ويزُفُونه مِن قَبْرِه إلى
الموقف، فإن أصابه شيءٌ مِن أهاوِيلِ يومِ القيامة قالوا له: لا تَخَفْ إِنَّكَ من
الآمنين. ثُمَّ يحاسِبُهُ اللهُ حِساباً يسيراً، ثم يُؤْمَرُ به إلى الجنة، فيزُقُّونه إلى الجنة من
(١) هو أبو محمد يوسف بن يعقوب الأزدي، صاحب التصانيف في السنن، سمع مسلم بن
إبراهيم وسليمان بن حرب وابن المديني وطبقتهم. كان ثقةً حافظاً، توفي (٢٩٧هـ). سير
أعلام النبلاء ١٤/ ٨٥، وشذرات الذهب ٤١٤/٣.
(٢) هو علي بن إبراهيم القزويني، روى عن ابن ماجه ((سننه))، وروى عن أبي حاتم وطبقته،
جمع وصنف، كان ثقةً فاضلاً زاهداً، توفي سنة (٣٤٥هـ). تذكرة الحفاظ ٨٥٦/٣،
وشذرات الذهب ٢٤١/٤ .
(٣) مسند أبي يعلى الكبير كما في المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي للهيثمي
(١٦٤٧)، وعمل اليوم والليلة (٧٣). وعزاه ليوسف القاضي وأبي الحسن القطان وابن
المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٣٣/٥-٣٣٤. وقال ابن كثير عند
تفسير هذه الآية: غريب جدًّا وفي صحّته نظر، وفيه نكارة شديدة. اهـ. وقال الذهبي في
الميزان ٤/ ٨٥: هذا موضوع فيما أرى.
٤

سُوَّةُ الرُّز
٤٧٦
الآية : ٦٣
موقِفه كما تُزَف العروسُ، حتى يُدْخِلوه الجنةَ بإذن الله تعالى والناسُ في شدّة
الحساب(١).
وفي رواية العقيليِّ، والبيهقيِّ في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عمرَ أنَّ
عثمانَ سأل النبيَّ وَّهِ عن تفسير ﴿لَُّ مَقَالِهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال عليه الصلاة
والسلام: ((ما سألني عنها أحدٌ، تفسيرُها: لا إلهَ إلا الله، والله أكبر،
وسبحان الله وبحمده، وأستغفرُ اللهَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله، هو الأولُ
والآخِرُ، والظاهرُ والباطن، بيده الخيرُ، يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ
«(٢)
قديرٌ(٢).
وفي رواية الحارث بن أبي أسامةً وابنٍ مردويه عن أبي هريرةَ أنَّه عليه الصلاة
والسلام قال: ((هي: سبحان الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر ولا حولَ
ولا قوَّةً إلا بالله))(٣).
وبالجملة اختَلَفَت الرواياتُ في الجواب، وقيل في حديث ابن عمرَ هُما: إنَّه
ضعيفٌ، في سنده مَن لا تصلُح روايتُه، وابن الجوزي قال: إنه موضوعٌ(٤). ولم
يُسلَّم له(٥). وحالُ الأخبار الأُخَر الله تعالى أعلَمُ به، والظُّ الضَعْفُ(٦).
والمعنى عليها أنَّ اللهِ تعالى هذه الكلمات يوحَّدُ بها سبحانه ويمَّدُ، وهي
مفاتيحُ خيرِ السماوات والأرضِ، من تكلّم بها من المؤمنين أصابه، فوَجْهُ إطلاقٍ
المقاليد عليها أنَّها مُوصِلَةٌ إلى الخير كما تُوصِلُ المفاتيحُ إلى ما في الخزائن. وقد
(١) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٣٤/٥.
(٢) الضعفاء للعقيلي ٢٣١/٤- ٢٣٢، والأسماء والصفات (١٩).
(٣) مسند الحارث بن أبي أسامة (١٠٤٥ - بغية الباحث) عن أبي هريرة عن عثمان بنحوه،
وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٣٣٤/٥.
(٤) الموضوعات ٢/ ١٧٤ .
(٥) يشير إلى قول الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٤٩/٧: وقول ابن الجوزي: إنه
موضوع، غير مسلم وموضوعاته أكثرها منتقدة.
(٦) نقل ابن عراق في تنزيه الشريعة ١٩٢/١ عن ابن حجر أن هذا الحديث منكر من جميع
طرقه، وعن النباتي قوله: لا يعرف من وجه يصح، وما أشبهه بالوضع.

الآية : ٦٣
٤٧٧
سُوَّةُ الرُّهَزْ
ذَكَر ◌َّهِ شيئاً من الخير في حديث ابن عباس، وعدَّ في الحديث قبلَه عشْرَ خصالٍ
لمن قالها كلَّ يوم مئةَ مرَّةٍ، وهو بتمامه في ((الدر المنثور))(١).
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ معطوفٌ على قوله تعالى:
((الله خالقُ كلِّ شيءٍ)) إلخ، أي: إنه عزَّ شأنُه متَّصِفٌ بهذه الصفاتِ الجليلة الشأنِ
والذين كفروا وجَحَدوا ذلك أولئك هم الكاملون في الخسران.
وقيل: على قوله تعالى: ((له مقاليد السماوات والأرض))، ولا يظهَرُ ذلك على
بعض الأوجُهِ السابقة فيه.
وقيل: على مقدَّرٍ تقديرُه: فالذين اتقوا، أو: فالذين آمنوا بآيات الله هم
الفائزون، والذين كفروا إلخ، وفيه تكلُّفٌ.
وجوِّز أن يكون معطوفاً على قوله تعالى: ((وينجي الله)) .. إلخ. فيكونُ التقدير:
وينجِّي الله المتقين، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون،
وما بينهما اعتراضٌ للدلالة على أنَّه تعالى مهيمِنٌ على العباد مطَّلِعٌ على أفعَالهم
مُجازٍ عليها، وفيه تأكيدٌ لثواب المؤمنين وفلاحِهم وعقابِ الكَفَرة وخُسرانِهم، ولم
يقل: ويُهْلِكُ الذين كفروا بخسرانهم، كما قال سبحانه: ((وينجي)) إلخ؛ للإشعار
بأنَّ العُمدةَ في فوز المؤمنين فضلُه تعالى فلِذا جَعل نجاتَهم مسئَدَةً له تعالى حادثةً
لهم (٢) يومَ القيامة غيرَ ثابتةٍ قبلَ ذلك بالاستحقاق والأعمال، بخلاف هلاك الكَفَرة
فإِنَّهم قدَّموه لأنفسهم بما اتَّصفوا به من الكُفر والضلال، ولم يُسْند له تعالى ولم
يعبر عنه بالمضارع أيضاً، وفي ذلك تصريحٌ بالوعد وتعريضٌ بالوعيد حيثُ قيل:
((الخاسرون)) ولم يُقَلْ: الهالكون، أو: المعذَّبون، أو نحوه، وهو قضيةُ الكرم.
وعطفُ الجملة الاسمية على الفعلية مما لا شبهةً في جوازه عند النحويين،
ومما ذكرنا يُعلَم ردُّ قولِ الإمام الرازيِّ: إنَّ هذا الوجهَ ضعيفٌ من وجهين:
(١) الدر المنثور ٣٣٤/٥، وهو حديث عثمان بن عفان الذي رواه أبو يعلى ويوسف القاضي
والقطان وابن السني وغيرهم، وقد سلف قريباً.
(٢) في (م): حادثةً له، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٤٩/٧، وهو الصواب.

سُؤَدَّةُ الرَِّّزْ
٤٧٨
الآية : ٦٤
الأولُ: وقوعُ الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه.
الثاني: وقوع الاختلاف بينهما في الفعلية والاسمية، وهو لا يجوز(١).
والإمام أبو حيان منع كونَ الفاصل كثيراً. وقال في الوجه الثاني: إنه كلامُ مَن
لم يتأمَّل كلامَ العرب ولا نَظَر في أبواب الاشتغال(٢).
نعم قال في ((الكشف)): يؤيِّد الاتصالَ بما يليه دون قوله تعالى: ((وينجي)) أنَّ
قوله سبحانه: ((وينجي الله)) متصلٌ بقوله تعالى: ((ويوم القيامة ترى الذين كذبوا))،
فلو قيل بعده: ((والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون)) لم يحسُنْ؛ لأنَّ
الأحسنَ على هذا المساقِ أن يقدَّمَ على قوله تعالى: ((وينجي الله)) على ما لا يخفى؛
ولأنَّه كالتخلُّصِ إلى ما بعدَه مِن حديث الأمر بالعبادة والإخلاص إذ ذاك. وهو
كلامٌ حَسَنٌ.
ثم الحصرُ الذي يقتضيه تعريفُ الطرفين(٣) وضميرُ الفصل باعتبار الكمال
كما أشرنا إليه؛ لا باعتبار مطلَق الخسران فإنَّه لا يختصُّ بهم. وجوِّز أن يكونَ قَصْرَ
قلبٍ فإنَّهم يزعمون المؤمنين خاسرين.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُّرُوَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
· أي: أَبَعْدَ الآياتِ المقتضِیةِ
٦٤
لعبادته تعالى وحدَه غيرَ الله أعبُدُ؟! فـ ((غير)) مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ((أعبد))، و((تأمرونِّي))
اعتراضٌ للدلالة على أنَّهم أمروه به عقيبَ ذلك وقالوا له وَّهِ: استلِمْ بعضَ آلهتِنا
ونُؤمِنُ بإلهك(٤). لفَرْط غباوتهم، ولذا نُودوا بعنوان الجهل.
وجوِّز أن يكون ((أعبد)) في موضع المفعول لـ ((تأمرونِّي)) على أنَّ الأصلَ:
تأمروني أن أعبدَ، فُحذِفَت ((أن)) وارتفع الفعلُ كما قيل في قوله:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضُرُ الوغى(٥)
(١) التفسير الكبير ١٢/٢٧ .
(٢) البحر المحيط ٧/ ٤٣٨.
(٣) تحرفت في الأصل إلى: الطريفين، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٤٩/٧، والكلام منه.
(٤) الكشاف ٣/ ٤٠٧.
(٥) وعجزه: وأنْ أَشْهدَ اللذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدٍ، والبيت لطرفة، وسلف ٢٧٧/٢.

الآية : ٦٥
٤٧٩
سُورَةُ الرُّهَزْ
ويؤيِّده قراءة من قرأ: ((أعبدَ)) بالنصب(١)، و((غير)) منصوبٌ بما دلَّ عليه
(تأمرونِّي أعبُدُ))، أي: تُعَبِّدونني غيرَ الله، أي: أتصيِّرونني عابداً غيرَه تعالى؟
ولا يصحُّ نصبُهُ بـ ((أعبد))؛ لأنَّ الصلةَ لا تعمَلُ فيما قبلَها والمقدَّرُ كالموجود.
وقال بعضهم: هو منصوبٌ به و((أن)) بعدَ الحذف يُبطِل حكمَها المانعُ عن
العمل.
وقرأ ابن كثير: ((تأمرونِّيَ)) بالإدغام وفتح الياء. وقرأ ابن عامر: ((تأمرونَنِي))
بإظهار النونين على الأصل، ونافع: (تأمرونيَ)) بنونٍ واحدةٍ مكسورةٍ وفتح الياء(٢).
وفي تعيينٍ المحذوف من النونين خلافٌ، فقيل: الثانيةُ؛ لأنَّها التي حصَل بها
التكرارُ، وقيل: الأولى؛ لأنَّها حرفُ إعرابٍ عرضةٌ للتغيير.
﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي: من الرسل عليهم السلام ﴿لَينْ
م﴾. الظاهرُ
أَشْرَكْتَ﴾ أي: بالله تعالى شيئاً ما ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِينَ
أنَّ جملةَ ((لئن)) إلخ نائبُ فاعلٍ ((أوحي))، لكن قيل: في الكلام حذفٌ، والأصلُ:
أوحي إليك لئن أشركتَ ليحبَطَنَّ عملك .. إلخ، وإلى الذين من قبلك مثلُ ذلك.
وقيل: لا حذف. وإفرادُ الخطاب باعتبار كلِّ واحدٍ منه ◌َّ والمرسلين الموحَى
إليهم، فإنَّه أوحِيَ لكلٍّ: ((لئن أشركت)) إلخ بالإفراد.
وذهب البصريون إلى أنَّ الجملَ لا تكون فاعلةً فلا تقوم مقامَ الفاعل، ففي
((البحر)) أنَّ ((إليك)) حينئذٍ نائبُ الفاعل، والمعنى كما قال مقاتل: أوحي إليك وإلى
الذين مِن قبلك بالتوحيد، وقوله تعالى: ((لئن أشركت)) إلخ استئنافٌ خوطِب به
النبيُّ وَّهِ خاصَّةً(٣). وهو كما ترى.
وأيَّاما كان فهو كلامٌ على سبيل الفرض لِتَهْييج المخاطَب المعصوم وإقناطِ
الكَفَرة؛ والإيذان بغاية شَناعةِ الإشراك وقُبحِه؛ وكونِه بحيث يُنْهَى عنه مَن لا يكاد
(١) القراءات الشاذة ص١٣١، والبحر ٤٣٩/٧.
(٢) التيسير ص ١٩٠-١٩١، والنشر ٣٦٣/٢-٣٦٤.
(٣) البحر المحيط ٤٣٩/٧.

سُوَّةُ الرُِّزْ
٤٨٠
الآية : ٦٥
يباشرُه فكيف بمَن عَدَاه، فالاستدلالُ بالآية على جواز صدورِ الكبائر مِن الأنبياء
عليهم السلام كما في ((المواقف)» (١)، ليس بشيء، فاحتمال الوقوع فرضاً كافٍ في
الشرطيّة لكن ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ استحالةَ الوُقوع شرعيَّةٌ.
ولاما ((لقد)) و((لئن)) موّئتان للقسم، واللامان بعدُ للجواب.
وفي عدَم تَقْييد الإحباط بالاستمرار على الإشراك إلى الموت دليلٌ للحنفية
الذاهبين إلى أنَّ الرَّةَ تُحبِط الأعمالَ التي قبلَها مطلقاً. نعم قالوا: لا يقْضِي منها
بعدَ الرجوع إلى الإسلام إلا الحجَّ(٢).
ومذهبُ الشافعيِّ أنَّ الرَّةَ لا تُحبط العملَ السابقَ عليها ما لم يستمرَّ المرتدُّ
على الكفر إلى الموت، وتركُ التقييد هنا اعتماداً على التصريح به في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا
وَاْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ويكون ذلك من
حمل المطلق على المقيَّد(٣).
وأجابَ بعضُ الحنفية بأنَّ في الآية المذكورة توزيعاً: (فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ)
ناظرٌ إلى الارتداد عن الدين، (وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ) إلخ ناظرٌ إلى الموت على
الكفر، فلا مقيَّدَ ليُحْمل المطلَقُ عليه (٤).
ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في الصحابيِّ إذا ارتدَّ ثم عاد إلى الإسلام بعد
وفاته وَّهَ، أو قبلَها ولم يَرَهُ، هل يقال له: صحابيٍّ أم لا؟ فمن ذهب إلى الإطلاق
قال: لا، ومن ذهب إلى التقييد قال: نعم(٥).
وقيل: يجوز أن يكون الإحباط مطلقاً من خصائص النبيِّ عليه الصلاة
والسلام؛ إذ شِرْكُه ـ وحاشاه - أقبح. وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ الغرضَ تحذيرُ أمته وتصويرُ
(١) المواقف ص٣٥٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٧٥.
(٣) المجموع ٦/٣.
(٤) حاشية ابن عابدين ٧٦/٢، وينظر بدائع الصنائع ٤٧٨/١ .
(٥) ينظر فتح المغيث ٩٩/٣-١٠٠، وشرح شرح نخبة الفكر لعلي القاري ص٥٧٦ و٥٨٤.