Indexed OCR Text
Pages 341-360
الآية : ٧١ ٣٤١ سُورَ ةَ صِنْ لا أدري، فَوَضَعَ كَفَّه بين كتفيَّ، فوجدتُ بَرْدَ أنامله بين ثدييَّ، فتجلَّى لي كلُّ شيءٍ وعرفته، فقال: يا محمد، قلت: لبيكَ. قال: فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الدرجات والكفَّارات، فقال: ما الدرجات؟ فقلتُ: إطعامُ الطعام، وإنشاءُ السلام، والصلاةُ بالليل والناس نيام، قال: صدقتَ، فما الكفَّارات؟ قلتُ: إسباغُ الوضوء في المكاره، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، ونَقْلُ الأقدام إلى الجماعات، قال: صدقتَ، سَلْ يا محمد، فقلت: اللهمَّ إنَّي أسألكَ فِعْلَ الخيرات، وتَرْكَ المنكرات، وحُبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي وترحمني، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتون، اللهمَّ إني أسألك حُبَّكَ وحُبَّ من أَحبَّكَ، وحُبَّ عملٍ يُقرِّبني إلى حُبِّك))، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((تعلَّموهنَّ وادرسوهنَّ، فإنهنَّ حقٌّ)). ومعنى اختصامهم في ذلك على ما في ((البحر)) اختلافُهم في قَدْرِ ثوابه (١). ولا يخفى أنَّ حَمْلَ الاختصام في الآية على ما ذُكر بمراحلَ عن السياق، فإنه مما لم يعرفه أهلُ الكتاب، فلا يُسلِّمه المشركون له عليه الصلاة والسلام أصلاً، نعم هو اختصامٌ آخر لا تعلُّقَ له بالمقام. وجَعَلَ هؤلاء ((إذا في ((إذ قال)) منصوباً بـ ((اذكر)) مقدَّراً، وكذا كلُّ من قال: إنَّ الاختصامَ ليس في شأن آدم عليه السلام، يجعله كذلك. والشهاب الخفاجي قال: الأظهر - أي: مطلقاً - تعلّق ((إذ)) بـ ((اذكر)) المقدَّر على ما عُهد في مثله؛ ليبقى ((إذ يختصمون)) على عمومه، ولئلا يفصلَ بين البدل والمبدل منه، وليشملَ ما في الحديث الصحيح من اختصامهم في الكفارات والدرجات، ولئلا يحتاجَ إلى توجيهِ العدول عن ((ربِّي)) إلى ((ربك))(٢). انتهى، وفيه شيء لا يخفى. ومن غريب ما قيل في اختصامهم، ما حكاه الكرمانيُّ في ((عجائبه)) أنه عبارةٌ عن مناظرتهم بينهم في استنباط العلوم، كمناظرة أهل العلم في الأرض، ويُرَدُّ به على مَنْ يزعمُ أنَّ جميعَ علومهم بالفعل، والمعروفُ عن السلف أنه المقاولةُ في شأن آدم عليه السلام، والردّ به حاصلٌ أيضاً، والمراد بالملائكة في: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ (١) البحر المحيط ٧/ ٤٠٩. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٣٢٠. ٣٤٢ الآية : ٧٢ - ٧٣ لِلْمَلَكَةِ﴾ ما يعمُّ إبليس؛ لأنه إذ ذاك كان مغموراً فيهم، ولعلَّ التعبيرَ بهم دون الضمير الراجع إلى الملأ الأعلى على القول بالاتحاد؛ لشيوع تعلّقِ القول بهم بين أهل الكتاب بهذا العنوان، أو لشهرةِ المقابلة بين الملك والبشر، فيلطف جدّاً قوله سبحانه ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ﴾﴾ وقيل: عبَّر بذلك إظهاراً للاستغراق في المقول له، والمراد: إني خالقٌ فيما سيأتي، وفي التعبير بما ذُكر ما ليس في التعبير بصيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعلٌ ألبثّة من غير صارف. والبشر: الجسمُ الكثيفُ يلاقي ويباشر، أو بادي البشرة ظاهر الجلد غير مستورٍ بشعر أو وَبَرٍ أو صوف، والمراد به آدم عليه السلام؛ وذكر هنا خلقهُ من طينٍ، وفي ((آل عمران)): ﴿خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [الآية: ٥٩]، وفي ((الحِجْر)): ﴿مِّنِ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الآية: ٢٨]، وفي ((الأنبياء)): ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ [الآية: ٣٧]، ولا منافاةَ، غايةٌ ما في الباب أنه ذُكِرَ في بعض المادة القريبة وفي بعض المادة البعيدة، ثم إنَّ ما جرى عند وقوع المحكيِّ ليس اسم البشر الذي لم يخلق مسمَّاه حينئذٍ فضلاً عن تسميته به، بل عبارةٌ كاشفةٌ عن حاله، وإنما عبّر عنه بهذا الاسم عند الحكاية. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: صَوَّرته بالصورة الإنسانية والخِلْقة البشرية، أو: سَوَّيتُ أجزاءَ بدنه بتعديل طبائعه. ﴿وَتَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ تمثيلٌ لإضافة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فليس ثمَّةَ نفخٌ ولا منفوخٌ، أي: فإذا أكملتُ استعدادَهُ وأَفَضْتُ عليه ما يحيا به من الروح الطاهرة التي هي أمري. ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ أَمْرٌ من ((وقع))، وفيه دليلٌ على أنَّ المأمور به ليس مجردَ الانحناء كما قيل، أي: فاسقطوا تحيةً له وتكريماً. له ﴿سَجِدِينَ ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ﴾ أي: فَخَلَقَهُ فسوَّاه، فنفخَ فيه الروحَ، فَسَجَدَ له الملائكة ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيثُ لم يبقَ أحدٌ منهم إلا سجد ﴿أَجْمَعُونَ (®﴾ أي: بطريق المعيَّةِ بحيثُ لم يتأخّرْ أحدٌ منهم عن أحدٍ، فـ ((كلّ)) للإحاطة و((أجمع) للاجتماع، ولا اختصاصَ لإفادته ذلك بالحالية خلافاً لبعضهم، وتحقيقه على ما في ((الكشف)) أنَّ الاشتقاقَ الواضحَ يُرشِدُ إلى أنَّ فيه معنى الجمع والضَّمِّ، والأصلُ في الإطلاق الآية : ٧٤ ٣٤٣ سُورَةُ صِ الخطابيِّ التنزيلُ على أكمل أحوال الشيء، ولا خفاء في أنَّ الجمعَ في وقتٍ واحدٍ أكملُ أصنافه، لكنْ لمَّا شاع استعماله تأكيداً أُقيم مُقَامَ ((كلّ)) في إفادة الإحاطة من غير نظر إلى الكمال، فإذا فُهمتِ الإحاطةُ بلفظٍ آخرَ لم يكن بُدٌّ من ملاحظة الأصل؛ صَوْناً للكلام عن الإلغاء، ولو سَلِمَ فـ ((كلّ)) تأكيدُ الشمول بإخراجه عن الظهور إلى النصوص، و((أجمعون)) تأكيدُ ذلك التأكيد، فيفيدُ أتمَّ أنواع الإحاطة، وهو الإحاطةُ في وقتٍ واحد، واستخراجُ هذه الفائدة من جَعْله كإقامة المظهر مقام منشؤهُ عدمُ ٨٢ المضمَرِ لا يلوحُ وجهه، والنقضُ بقوله سبحانه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ تصوٍُّ وجهِ الدلالة. وظاهرُ هذه الآية وآية («الحِجْر» أنَّ سجودَهم مترتّبٌ على ما حكي من الأمر التعليقيٍّ، وكثيرٌ من الآيات الكريمة كالتي في ((البقرة)) و((الأعراف)) (١) وغيرهما ظاهرةٌ في أنه مترتِّبٌ على الأمر التنجيزيِّ، وقد مرَّ تحقيقُ ذلك فليراجع. وقوله تعالى: ﴿إِلَّ إِيْلِسَ﴾ استثناءٌ منَّصلٌ لما أنه - وإن كان جِنِّيّاً - معدودٌ في زمرة الملائكة، موصوفٌ بصفاتهم، لا يقومُ ولا يقعدُ إلا معهم، فشملته الملائكةُ تغليباً، ثم استثني استثناءَ واحدٍ منهم، أو لأنَّ من الملائكة جِنْساً يتوالدون وهو منهم. أو هو استثناءٌ منقطع. وقوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرَ﴾ على الأول استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفية تَرْكِ السجود المفهوم من الاستثناء، فإنَّ تَرْكَهُ يحتملُ أن يكونَ للتأمل والتروِّي، وبه يتحقَّقُ أنه للإباء والاستكبار، وعلى الثاني: يجوزُ اتصاله بما قبله، أي: لكن إبليس استكبرَ وتعظّم. VE ٤﴾ أي: وصار منهم باستكباره وتعاظُمه على أمر الله ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ تعالى، وتَرْكُ الفاء المؤذنةِ بالسببية إحالةٌ على فِظْنةِ السامع، أو لظهور المراد. وكون التعاظم على أمره عزَّ وجلَّ لا سيَّما الشفاهي موجباً للكُفْر مما لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، على أنَّ هذا الاستكبارَ كان متضمِّناً استقباحَ الأمر وعَدَّهُ جَوْراً، (١) سورة البقرة الآية (٣٤) وما بعدها، وسورة الأعراف الآية (١١) وما بعدها. ٣٤٤ الآية : ٧٥ ويجوزُ أن يكون المعنى: وكان من الكافرين في عِلْم الله تعالى لِعِلْمِهِ عزَّ وجلَّ أنه سيعصيه، ويصدرُ عنه ما يصدرُ باختياره وخُبْثِ طويَّته واستعداده. ﴿قَالَ﴾ عزَّ وجلَّ على سبيل الإنكار والتوبيخ: ﴿وَإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ أي: من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ أي: للذي خلقتُه، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ والعائدُ محذوف، واستُدلَّ به على جواز إطلاق ((ما)) على آحاد مَنْ يعقل، ومَن لم يُجِزْ قال: إنَّ ((ما)) مصدريةٌ، ويُراد بالمصدر المفعول، أي: أن تسجدَ لمخلوقٍ. رَِدَّ﴾ وهذا عند بعض أهل التأويل من الخَلَفِ تمثيلٌ لكونه عليه السلام معتنّى بخَلْقه، فإنَّ من شأن المُعتَنَى به أن يُعمَلَ باليدين، ومن آثار ذلك خَلْقه من غير توسُّطِ أبٍ وأمِّ، وكونه جسماً صغيراً انطوى فيه العالم الأكبر، وكونه أهلاً لأن يُفاضَ عليه ما لا يُفاض على غيره، إلى غير ذلك من مزايا الآدميَّة. وعند بعضٍ آخر منهم: اليدُ بمعنى القدرة، والتثنيةُ للتأكيد الدالٌ على مزيد قدرته تعالى؛ لأنها تَرِدُ لمجرد التكرير نحو: ﴿أَرْجِعِ الْصَرَ كَرَةِ﴾ [الملك: ٤] فأُريد به لازمُهُ، وهو التأكيد، وذلك لأنَّ لله تعالى في خَلْقه أفعالاً مختلفةً من جَعْله طِيناً محمَّراً، ثم جسماً ذا لحمٍ وعظم، ثم نفخ الروح فيه وإعطائه قوَّةَ العلم والعمل، ونحو ذلك مما هو دالٌّ على مزيد قدرة خالقِ القُوى والقُدَر. وجُوِّز أن يكون ذلك لاختلاف فعل آدم، فقد يصدرُ منه أفعالٌ مَلَكِيَّةٌ، كأنها من آثار اليمين، وقد يصدرُ منه أفعالٌ حيوانيَّةٌ، كأنها من آثار الشمال، وكلتا يديه سبحانه یمین. وعند بعضٍ: اليد بمعنى النعمة، والتثنيةُ إما لنحو ما مرَّ، وإما على إرادة نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. والسلف يقولون: اليدُ مفردةً وغيرَ مفردةٍ ثابتةٌ لله عزَّ وجلَّ على المعنى اللائق به سبحانه، ولا يقولون في مثل هذا الموضع: إنها بمعنى القدرة أو النعمة، وظاهرُ الأخبار أنَّ للمخلوق بها مزيةً على غيره، فقد ثبت في الصحيح أنه سبحانه قال في الآية : ٧٥ ٣٤٥ سُوءَةُ صِ﴾ جواب الملائكة: اجعلْ لهم الدنيا ولنا الآخرة: وعِزَّتي وجلالي لا أجعلُ مَن خَلَقتُّهُ بيديَّ كَمَنْ قلت له: كُنْ، فكان(١) . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في ((العظمة)) والبيهقي عن ابن عمر ◌ًا قال: خلقَ الله تعالى أربعاً بيده: العرش، وجنات عدن، والقلم، وآدم، ثم قال لكلِّ شيءٍ: كُنْ، فكان(٢) . وجاء في غير ما خبر أنه تعالى كتب التوراةَ بيده. وفي حديث مُحاجَّة آدم وموسى عليهما السلام ما يدلُّ على أنَّ المخلوقيةَ بها وَصْفُ تعظيم حيث قال له موسى: ((أنت آدمُ الذي خَلَقَكَ الله تعالى بيده))(٣). وكذلك في حديث الشفاعة أنَّ أهلَ الموقف يأتون آدمَ ويقولون له: «أنت آدمُ أبو الناس، خَلَقَكَ الله تعالى بيده)»(٤). ويُعلَمُ من ذلك أنَّ ترتيبَ الإنكار في ((ما منعك أن تسجد)) على خَلْقِ الله تعالى إياه بيديه لتأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ، كأنه قيل: ما منعكَ أن تُعِّمَ بالسجود مَنْ هو أهلٌ للتعظيم؛ للعناية الربَّانيَّة التي حَفَّتْ إيجاده. وزعم الزمخشريُّ أنَّ ((خلقتُ بيديّ) من باب: رأيته بعينيَّ، فـ ((بيديّ) لتأكيد أنه مخلوقٌ لاشكَّ فيه، وحيث إنَّ إبليسَ تَرَكَ السجود لآدم عليه السلام لشبهةِ أنه سجودٌ لمخلوقٍ، وانضمَّ إلى ذلك أنه مخلوقٌ من طين، وأنه هو مخلوقٌ من نار، وزلَّ عنه أنَّ الله سبحانه حين أَمَرَ مَنْ هو أَجَلُّ منه وأَقربُ عباده إليه زلفى وهم الملائكة امتثلوا ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له؛ تعظيماً لأمر ربِّهم وإجلالاً لخطابه، ذَكَرَ له ما يتشبَّثُ به من (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦١٦٩) من حديث عبد الله بن عمرو رؤا، وفي مسند الشاميين (٥٢١) من حديث جابر ، وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٠٠. والحديث ليس في الصحيح كما ذكر المصنف. (٢) تفسير ابن جرير ١٤٥/٢٠، والعظمة (٦٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (٦٩٣). (٣) أخرجه أحمد (٩٠٩٥)، ومسلم (٢٦٥٢): (١٥) من حديث أبي هريرة ئه . (٤) أخرجه أحمد (٩٦٢٣)، والبخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة سُورَةُظِّم ٣٤٦ الآية : ٧٥ الشبهة، وأخرج له الكلامَ مخرجَ القول بالموجب، مع التنبيه على مزلَّة القدم، فكأنه قيل له: ما منعكَ من السجود لشيءٍ هو كما تقول مخلوقٌ، خلقتهُ بيديّ، ولا شكّ في كونه مخلوقاً؛ امتثالاً لأمري وإعظاماً لخطابي، كما فعلت الملائكة(١). ولا يخفى أنَّ المقامَ نابٍ عمَّا ذكره أشدَّ النّبو، وجَعْلُ ذلك من باب: رأيتُ بعيني، لا يفيد إلا تأكيد المخلوقية، وإخراجُ الكلام مخرجَ القول بالموجب مما لا يكادُ يُقبَلُ، فإنَّ سياقَ القول بالموجب أن يُسلّم له ثم ينكر عليه، لا أن يُقدّم الإنكار أصلاً ويؤتى به كالرَّمز، بل كالإلغاز، وأيضاً الأخبار الصحيحة ظاهرةٌ في أنَّ ذاك وَصْفُ تعظيم لا كما زعمه، وأيضاً جَعْلُ سجود الملائكة لآدم راجعاً إلى محض الامتثال من غير نظرٍ إلى تكريم آدم عليه السلام مردودٌ بما سُلِّمَ في عِدَّة مواضعَ أنه سجودُ تكريم، كيف وهو يقابل ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وكذلك تعليمه إياهم، فليلحظ فيه جانب الآمر تعالى شأنه، وجانب المسجود له عليه الصلاة والسلام توفيةً للحَقَّين، وكأنه قال ما قال وأخرج الآية على وجهٍ لم يخطرْ ببال إبليس حَذَراً من خَرْم مذهبه، ولا عليه أن يُسلِّم دلالة الآية على التكريم، ويخصَّهُ بوجهٍ، وحينئذٍ لا تدلُّ على الأفضلية مطلقاً، حتى يلزمَ خَرْمُ مذهبه، ولعَمْري إنَّ هذا الرجلَ عَقَّ أباه آدم عليه السلام في هذا المبحث من (كشافه)) حيث أَورد فيه مثالاً لما قرَّره في الآية، جَعَلَ فيه سقاط الحشم مثالاً لآدم عليه السلام، وبَرَّ عدوَّ الله تعالى إبليس، حيث أقام له عُذْرَهُ وصوَّبَ اعتقاده أنه أفضلُ من آدم لكونه من نارٍ وآدم من طين، وإنما غَلَّطه من جهةٍ أخرى وهو أنه لم يقسْ نفسَهُ على الملائكة إذ سجدوا له، على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقطُ المنزلة، وكم له من عَثْرةٍ لا يُقال لصاحبها لَعَاً (٢) مع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم في هذا المقام، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مهاوي الهوى، ويثبِّتَ لنا الأقدام. (١) الكشاف ٣/ ٣٨٣. (٢) يقال للعاثر: لعاً لك، وهو دعاء له بأن ينتعش. مختار الصحاح (لعا). الآية : ٧٥ ٣٤٧ وقرئ: ((بيديّ)) بكسر الياء، كمصرخِيٌّ(١). و((بيدِي)) على التوحيد(٢). ﴿أَسْتَكْبَتَ﴾ بهمزة الإنكار وطَرْحٍ همزة الوصل، أي: أَتكبَّرتَ من غير استحقاق. ﴿أَنْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٥)﴾ أو: كنتَ مستحقّاً للعلوِّ فائقاً فيه. وقيل: المعنى: أَحَدَثَ لك الاستكبارُ، أم لم تزلْ منذ كنتَ من المستكبرين. فالتقابلُ على الأول باعتبار الاستحقاق وعدمه، وعلى الثاني باعتبار الحدوث والقِدَم، ولذا قيل: (كنت من العالين)) دون: أنت من العالين. وقيل: إنَّ العالين صِنْفٌ من الملائكة يقال لهم: المهيمون، مستغرقونَ بملاحظة جمال الله تعالى وجلاله، لا يعلمُ أحدهم أنَّ الله تعالى خَلَقَ غيرَهُ، لم يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام، أو هم ملائكةُ السماء كلُّهم، ولم يُؤمروا بالسجود، وإنما المأمورُ ملائكةُ الأرض، فالمعنى: أَتَرَكْتَ السجودَ استكباراً، أم تركتَهُ لكونك ممن لم يُؤمَرْ به؟! ولا يخفى ما فيه. و((أم)) في كلِّ ذلك متصلةٌ، ونقل ابنُ عطيةً عن كثير من النحويين أنها لا تكون كذلك إذا اختلفَ الفعلان نحو: أَضَرَبْتَ زيداً أم قَتَلْتَهُ(٣). وتعقَّبه أبو حيان بأنه مذهبٌ غيرُ صحيح، وأنَّ سيبويه صَرَّحَ بخلافه (٤). وقرأتْ فرقةٌ منهم ابنُ كثيرٍ فيما قيل: ((استكبرت)) بصلة الألف(٥)، وهي قراءةٌ أهل مكة، وليست في مشهورٍ ابن كثير، فاحتمل أن تكونَ همزةُ الاستفهام قد حُذفت لدلالة ((أم)) عليها، كقوله: (١) الكشاف ٣٨٣/٣، والدر المصون ٣٩٨/٩، والبحر ٤١٠/٧. ووقع في الأصل و(م): بكسر الدال، وهو خطأ، وقراءة ((بمصرخيٍّ)) بكسر الياء لحمزة كما سلف ٢٦٦/١٣. (٢) وهي قراءة الجحدري، ينظر القراءات الشاذة ص ٣٠، والكشاف ٣٨٣/٣، والبحر المحيط ٤١٠/٧. (٣) المحرر الوجيز ٤ /٥١٥. (٤) البحر المحيط ٧/ ٤١٠. (٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥١٥/٤، والبحر المحيط ٤١٠/٧. سُوَالٌ صِ﴾ ٣٤٨ الآية : ٧٦ - ٧٧ بسبعٍ رمينا الجمرَ أم بثمانٍ(١) واحتمل أن يكون الكلامُ إخباراً، و((أم)) منقطعة، والمعنى: بل أنت من العالین، والمراد استخفافه سبحانه به . ﴿قَالَ أَنَأْ خَبْرٌ مِنَّةٌ﴾ قيل: هو جوابٌ عن الاستفهام الأخير، يؤدِّي مؤدَّى أنه كذلك - أي: هو من العالين - على الوجه الأول، وأنه ليس من الاستكبار سابقاً ولاحقاً في شيءٍ على الوجه الثاني، ويجري مجرى التعليل لكونه فائقاً، إلا أنه لمَّا لم يكنْ وافياً بالمقصود لأنه مجردُ دعوى أُوثر بيانه بما يُفيدُ ذلك وزيادة، وهو قوله: ﴿خَلَقْنَنِى مِنْ ثَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ ﴾﴾ أما الأول فظاهرٌ، وأما الثاني فلأنه ذَكَرَ النوعين تنبيهاً على أنَّ المماثلة كافيةٌ، فضلاً عن الأفضلية، ولهذا أَبهمَ وفضَّل وقابل، وآثر ((خلقتني)) و((خلقته)) دون: أنا من نارٍ وهو من طين، ليدلَّ على أنَّ المماثلةَ في المخلوقية مانعةٌ، فكيف إذا انضمَّ إليها خيريَّةُ المادة، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الآمر كان أولى أن يستنكفَ، فإنه - أعني السجود - حقُّ الآمر، واستلطفه صاحب ((الكشف)) ثم قال: ومنه يُعلَمُ أنَّ جوابَ إبليس من الأسلوب الأحمق. وجعل غيرُ واحدٍ قوله: ((أنا خيرٌ منه)) جواباً أولاً وبالذات عن الاستفهام بقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) بادِّعاء شيءٍ مستلزمٍ للمانع من السجود على زَعْمه، وقوله: ((خلقتني)) إلخ تعليلاً لدعوى الخيريَّة. وأيَّاما كان فقد أخطأ اللعينُ؛ إذ لا مماثلة في المخلوقية، فمخلوقيةُ آدم عليه السلام باليدين، ولا كذلك مخلوقيَّته، وأَمْرُ خيريَّة المادة على العكس في النظر الدقيق، ومع هذا الفضلُ غيرُ منحصرٍ بما كان من جهتها، بل يكونُ من جهة الصورة والغاية أيضاً، وفَضْلُ آدم عليه السلام في ذلك لا يخفى، وكأنَّ خطأه لظهوره لم يتعرَّضْ لبيانه، بل جعل جوابه طَردَهُ، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَخْرُجُ مِنْهَا﴾ والفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من اللَّعين من المخالفة للأمر (١) عجز بيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٢٠٩، وصدره: فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ الآية : ٧٨ ٣٤٩ الجليل، وتعليلها بأظهر الأباطيل، أي: فاخرجْ من الجنة، والإضمارُ قبل ذِكْرها لشهرة کونه من سكانها . وعن ابن عباس أنه كان في عَدْنٍ لا في جنة الخلد. ثم إنه يكفي في صِحَّة الأمر كونُه ممن انَّخذَ الجنةَ وطناً ومسكناً، ولا تتوقّفُ على كونه فيها بالفعل وَقْتَ الخطاب كما هو شائعٌ في المحاورات، يقول مَنْ يُخاصم صاحبَهُ في السُّوق أو غيره في دار: اخرجْ من الدار، مع أنه وقت المخاصمة ليس فيها بالفعل، وهذا إن قيل: إنَّ المحاورةَ لم تكن في الجنة. وقيل: ((منها))، أي: من زمرة الملائكة المعزَّزين، وهو المرادُ بالهبوط، لا الهبوطُ من السماء كما قيل، فإنَّ وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد، وكانت - على ما روي عن الحسن - بطريق النداء من باب الجنة، على أنَّ كثيراً من العلماء أنكروا الهبوط من السماء بالكلية، بناءً على أنَّ الجنةَ التي أُسْكِنَها آدم عليه السلام كانت في الأرض. وقيل: اخْرجْ من الخِلْقة التي أنت فيها، وانسلخْ منها. والأمرُ للتكوين، وكان عليه اللَّعنةُ يفتخرُ بخِلْقته، فغيَّرَ الله تعالى خِلْقته، فاسودَّ بعد ما كان أبيضَ، وقَبُحَ بعد ما كان حَسَناً، وأظلمَ بعد ما كان نورانياً. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر بالخروج، أي: مطرودٌ من كلِّ خيرٍ وكرامة، فالرجمُ كنايةٌ عن الطرد؛ لأنَّ المطرودَ يُرجَمُ بالحجارة، أو: شيطانٌ يُرجَمُ بالشُّهُب. كذا قالوا. وقد يقال: المراد بـ ((رجيم)): ذليل، فإنَّ الرَّجْمَ يستدعي الذِّلّة، وهو أبعدُ من توهُّمِ التكرار مع الجملة بعدُ من الوجه الأول وأوفقُ؛ لِمَا في ((الأعراف)) من قوله تعالى: ﴿فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الآية: ١٣]. ﴿وَإِنَّ عَيْكَ لَعْنَتِىّ﴾ أي: إبعادي عن الرحمة، وفي ((الحجر)): ﴿اٌلَّعْنَةَ﴾ [الآية: ٣٥] فإن كانت ((أل)) فيه للعهد، أو عِوَضاً عن الضمير المضافِ إليه، فَعَدَمُ الفرق بين ما هناك وما هنا ظاهرٌ، وإن أُريد كلّ لعنةٍ فذاك؛ لما أنَّ لعنةَ اللاعنين : ٣٥٠ الآية : ٧٩ - ٨٠ من الملائكة والثقلين أيضاً من جهته تعالى، فهم يَدْعونَ عليه بلعنة الله تعالى وإبعاده من رحمته . يوم الجزاء والعقوبة، وفيه إيذانٌ بأنَّ اللعنةَ مع كمال ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فظاعتها ليست كافيةً في جزاء جنايته، بل هي أُنموذجٌ مما سيلقاه مستمرَّةٌ إلى ذلك اليوم، لكن لا على أنها تنقطعُ يومئذٍ كما يُوهمه ظاهرُ التوقيت - ونُسِبَ القولُ به إلى بعض الصوفية - بل على أنه سيلقى يومئذٍ من ألوان العذاب وأفانين العقاب ما تُنسى عنده اللعنة وتصير كالزائل، ألا يُرى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَقْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت : ٢٥]. ﴿قَالَ رَبِّ فَنْظِرْنِ﴾ أي: أمهلني وأَخِّرني، والفاء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ ينسحبُ عليه الكلام، كأنه قال: إذا جعلتني رجيماً فأمهلني ولا تُمتني. ﴾ أي: آدمُ وذرِّيتُهُ للجزاء بعد الموت، وهو وقتُ النفخة ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٧٩ الثانية، وأراد اللَّعينُ بذلك أن يجدَ فُسْحَةً من إغوائهم، ويأخذَ منهم ثأره، وينجو من الموت؛ لأنه لا يكونُ بعد البعث، وكان أَمْرُ البعث معروفاً بين الملائكة، فَسَمِعَهُ منهم فقال ما قال، ويمكن أن يكونَ قد عَرَفَهُ عقلاً، حيث عَرَفَ ببعض الأمارات أو بطريقٍ آخر من طُرُقِ المعرفة أنَّ أفرادَ هذا الجنس لا تخلو من وقوع ظُلْمِ بينها، وأنَّ الدار ليست دارَ قرارٍ، بل لا بدَّ من الموت فيها، وأنَّ الحِكْمة تقتضي الجزاء. ﴾ ورودُ الجواب بالجملة الاسمية مع التعرُّضِ لشمول ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ما سأله الآخرين على وجهٍ يُشعرُ بأنَّ السائلَ تَبَعٌ لهم في ذلك، صريحٌ في أنه إخبارٌ بالإنظار المقدَّر لهم أزلاً، لا إنشاءٌ لإنظارٍ خاصٍّ به، قد وقع إجابةً لدعائه، وأنَّ استنظارَهُ كان طَلَباً لتأخير الموت؛ إذ به يتحقَّقُ كونه منهم، لا لتأخير العقوبة كما قيل، فإنَّ ذلك معلومٌ من إضافة اليوم إلى الدين، أي: إنك من جملة الذين أَخَّرْتُ آجالھم أزلاً حسبما تقتضيه حكمةُ التکوین. الآية : ٨١ - ٨٥ ٣٥١ سُورَةَ صِ﴾ الذي قدَّرتُهُ وعيَّنته لفناء الخلائق، وهو وقتُ ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول، فالفاءُ ليست لربط نفس الإنظار بالاستنظار، بل لربط الإخبار المؤكَّد به، كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ, مِن قَبْلٌ﴾ [يوسف: ٧٧] وقول الشافعي: فإن ترحم فأنت لِذاك أهل(١) ﴿قَالَ فَبِعِزَنِكَ﴾ قَسَمٌ بسلطان الله عزَّ وجلَّ وقهره، وهو کما یکون بالذات یکون بالصفة، فالباء للقَسَم على ما عليه الأكثرون، والفاء لترتيب مضمون الجملة على الإنظار، أي: فأُقسمُ بعزَّتك. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: أفرادَ هذا النوع بتزيين المعاصي لهم. ﴾ وهم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وعَصَمهمْ عن الغواية. وقرئ: ((المخلِصين)) على صيغة الفاعل(٢)، أي: الذين أخلصوا قلوبهم أو أعمالهم لله تعالى. ، بِرَفْع الأول على أنه مبتدأٌ ٨٤ ﴿قَالَ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقِّ أَقُولُ محذوفُ الخبر، أو خبرٌ محذوف المبتدأ، ونَصْبِ الثاني على أنه مفعولٌ لما بعده قُدِّمَ عليه للقَصْر، أي: لا أقولُ إلا الحقَّ، والفاءُ لترتيب مضمون ما بعدها على ما قبلها، أي: فالحقُّ قَسَمِي. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمْ﴾ على أنَّ الحقَّ إما اسمهُ تعالى، أو نقيضُ الباطل عَظَّمَهُ الله تعالى بإقسامه به، ورُجِّحَ بحديث إعادة الاسم معرفة، أو: فأنا الحقُّ، أو: فقَوْلي الحقُّ، وقوله تعالى: ((لأملأن)) إلخ حينئذٍ جوابٌ لِقَسَمِ محذوفٍ، أي: والله لأملأنَّ .. إلخ، وقوله تعالى: ((والحق أقول)) على كلِّ تقدير اعتراضٌ مقرِّرٌ على (١) وعجزه: وإن تَظْرُدْ فَمَن يرحم سواكا، وسلف ٤٧٥/١٣. (٢) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. سُالأَ صِ ٣٥٢ الآية : ٨٥ الوجهين الأولين لمضمون الجملة القَسَمية، وعلى الوجه الثالث لمضمون الجملة المتقدِّمة، أعني فقَوْلي الحق. وقول: ((فالحق)) مبتدأُ خبرُهُ ((لأملأنَّ) لأنَّ المعنى: أن أملا، ليس بشيءٍ أصلاً. وقرأ الجمهور: ((فالحقَّ والحقَّ» بنصبهما(١)، وخُرِّجَ على أنَّ الثاني مفعولٌ مقدَّمٌ كما تقدَّم، والأولُ مُقْسَمٌ به حُذِفَ منه حَرْفُ القَسَم فانتصب، كما في بيت ((الكتاب)): إنَّ عليك اللهَ أن تُبايعا تؤخذَ كرهاً أو تجيءَ طائعا (٢) وقولك: اللهَ لأفعلنَّ. وجوابه: ((لأملأنَّ))، وما بينهما اعتراضٌ. وقيل: هو منصوبٌ على الإغراء، أي: فالزموا الحقَّ، و((لأملأنَّ)) جوابُ قَسَم محذوف. وقال الفرَّاء: هو على معنى قولك: حقّاً لآتينَّكَ. ووجود ((أل)) وطرحُها سواءٌ، أي: لأملأنَّ جهثَّمَ حقّاً (٣). فهو عنده نَصْبٌ على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة، ولا يخفى أنَّ هذا المصدرَ لا يجوزُ تقديمه عند جمهور النحاة، وأنه مخصوصٌ بالجملة التي جزآها معرفتان جامدان جموداً محضاً. وقال صاحب ((البسيط)): وقد يجوز أن يكون الخبرُ نكرةً، والمبتدأ يكون ضميراً، نحو: هو زيدٌ معروفاً، وهو الحقُّ بيِّناً، وأنا الأميرُ مفتخِراً، ويكون ظاهراً نحو: زيدٌ أبوك عَطُوفاً، وأخوكَ زيدٌ معروفاً. فكأنَّ الفراءَ لا يشترطُ في ذلك ما يشترطون. وقرأ ابن عباس ومجاهد والأعمش بالرفع فيهما(٤)، وخُرِّجَ رَفْعُ الأول على (١) التيسير ص١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦٢، وقراءة: ((فالحقُّ) بالرفع لحمزة وعاصم وخلف. (٢) البيت في الكتاب ١٥٦/١، والمقتضب ٦٣/٢، والخزانة ٢٠٣/٥، وقال البغدادي: هو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . (٣) معاني القرآن له ٤١٣/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥١٦/٤، والبحر المحيط ٤١١/٧. الآية : ٨٥ ٣٥٣ سُورَةَ صِرْ ما مرَّ، ورَفْعُ الثاني على أنه مبتدأٌ، والجملةُ بعده خبرٌ، والرابطُ محذوفٌ، أي: أقوله، كقراءة ابن عامر: ((وكلٌّ وَعَدَ الله الحسنى))(١) وقول أبي النجم: عليَّ ذنباً كلُّه لم أَصْنَع(٢) قد أصبحتْ أمُّ الخيار تدَّعي بِرَفْعِ ((كلّ)) ليتأَتَّى السَّلْبُ الكُلُِّّ المقصودُ للشاعر. وقرأ الحسنُ وعيسى وعبد الرحمن بن أبي حماد عن أبي بكر بجرِّهما(٣)، وخُرِّجَ على أنَّ الأولَ مجرورٌ بواو القَسَم محذوفةً، أي: فوالحقِّ، والثاني مجرورٌ بالعَظْفِ عليه كما تقول: والله والله لأقومنَّ، و((أقول)) اعتراضٌ بين القَسَم وجوابه، وجعله الزمخشريُّ مفعولاً مقدَّماً لـ ((أقول)» والجرُّ على حكاية لَفْظِ المقسَم به، قال: ومعناه التوكيدُ والتشديدُ(٤). وإفادته ذلك زيادة على ما يفيده أصلُ الاعتراض؛ لأنَّ العدولَ عمَّا يقتضيه من الإعراب إلى الحكاية لمَّا كان لاستبقاء الصورة الأولى، دلَّ على أنها من العناية في شأنها بمكانٍ، وهذا جارٍ في كلِّ حكايةٍ من دون فِعْلٍ قولٍ وما يقوم مقامه، فيدلُّ فيما نحن فيه على فَضْل عنايةٍ بشأن القَسَمِ، ويفيد التشديد والتوكيد. وقرئ بجرِّ الأول على إضمار حرف القَسَم، ونَصْبِ الثاني على المفعولية(٥). ﴿مِنْكَ﴾ أي: من جنسك من الشياطين ﴿وَمِتَنْ تَِّعَكَ﴾ في الغواية والضلالة ﴾ توكيدٌ للضمير في ((منك)) والضميرِ ﴿مِنْهُمْ﴾ من ذرية آدم عليه السلام ﴿أَجْمَعِينَ ٨٥ المجرور بـ ((من)) الثانية، والمعنى: لأملأنَّ جهنّم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أتركُ منهم أحداً، أو توكيدٌ للتابعين فحسب، والمعنى: لأملأنَّها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس، لا تفاؤُتَ في ذلك بين ناسٍ وناسٍ بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم، وتأكيدُ التابعين دون المتبوعين لما أنَّ حالَ التابعين إذا بلغ إلى أن اتَّصل إلى أولاد الأنبياء، فما بالُ المتبوعين! (١) سورة النساء، الآية: ٩٥. والقراءة في الإملاء ٢/ ٣١٠، والبحر ٣٣٣/٣. (٢) الرجز في ديوان أبي النجم ص ١٣٢، والكتاب ٨٥/١، والخزانة ٣٥٩/١. (٣) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥١٦/٤، والبحر المحيط ٤١١/٧. (٤) الكشاف ٣٨٤/٣. (٥) الكشاف ٣٨٤/٣. ٣٥٤ الآية : ٨٦ وقال صاحب ((الكشف)»: صاحبُ هذا القول اعتبر القُرْبَ، وأنَّ الكلامَ بين الحقِّ تعالى شأنه وبين الملعون في شأن التابعين، فأَّد ما هو المقصود، وتَرَكَ توكيدَ الآخر للاكتفاء. هذا، واعلم أنَّ هذه القصةَ قد ذُكرتْ في عِدَّة سُوَرٍ، وقد تُرِكَ في بعضها بعضُ ما ذُكر في البعض الآخر؛ للإيجاز ثقةً بما ذُكِرَ في ذلك، وقد يكونُ فيها في موضعين مثلاً لفظان متَّحدان مالاً مختلفان لفظاً؛ رعايةً للتفنُّن، وقد يُحمَلُ الاختلافُ على تعدُّد الصدور، فيقال مثلاً: إنَّ اللَّعينَ أَقْسَمَ مرَّةً بالعِزَّة، فحكى ذلك في سورة ((ص)) بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَِّكَ﴾، وأخرى بإغواء الله تعالى الذي هو أثرٌ من آثار قدرته وعِزَّته عزَّ وجلَّ، وحُكْمٌ من أحكام سلطانه، فحكى ذلك في سورة (الأعراف)) بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِ﴾ [الآية: ١٦]. وقد يُحمَلُ الاختلافُ على اختلاف المقامات كَتَرْكِ الفاء من قوله: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ في الأعراف [الآية: ١٥] مع ذكرها فيهما في (ص))، والذي يجبُ اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصلُ معناه، ونفس مدلوله الذي يفيده، وأما كيفيةُ إفادته له فليس مما يجبُ مراعاته عند النقل ألبثّة، بل قد تُراعى وقد لا تراعى حَسب اقتضاء المقام. ولا يقدحُ في أصل الكلام تجريدُهُ عنها، بل قد تُراعَى عند نقله كيفياتٌ وخصوصياتٌ لم يُراعِها المتكلِّمُ أصلاً، حيث إنَّ مقامَ الحكاية اقتضتها وهي ملاك الأمر، ولا يُخِلُّ ذلك بكَوْن المنقول أصل المعنى كما قد حقَّقه صَدْرُ المفتين أبو السعود، وأطال الكلام فيه، فليراجع(١). ﴿قُلْ مَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على القرآن، كما روي عن ابن عباس، أو على تبليغ ما يُوحَى إليَّ، أو على الدعاء إلى الله تعالى على ما قيل. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: أجراً دنيویاً جلَّ أو قلَّ. من الذين يتصنَّعون ويتحلَّون بما ليسوا من أهله، ٨٦ ﴿وَمَّ أَنْ مِنَ الْتَلِّفِينَ وما عرفتموني قَظُ متصنِّعاً ولا مدَّعياً ما ليس عندي حتى أنتحلَ النبوَّةَ وأتقوَّلَ القرآن، فأَمره وَل# أن يقول لهم عن نفسه هذه المقالة ليس لإعلامهم بالمضمونِ، بل (١) ينظر تفسيره ٢٣٧/٧-٢٣٨. الآية : ٨٧ - ٨٨ ٣٥٥ للاستشهاد بما عرفوه منه عليه الصلاة والسلام، وللتذكير بما علموه، وفي ذلك ذَمُّ التكلُّف. وأخرج ابن عدي عن أبي برزة قال: قال رسول الله وَلقر: ((ألا أنبئكم بأهل الجنة))؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((هم الرحماء بينهم)) قال: ((ألا أنبئكم بأهل النار؟)) قلنا: بلى. قال: ((هم الآيسون القانطون الكذَّابون المتكلِّفون))(١). وعلامة المتكلِّف - كما أخرجه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن المنذر - ثلاثٌ: أن يُنازل مَنْ فوقَهُ، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم (٢). وفي الصحيحين(٣) أنَّ ابن مسعود قال: أيها الناس، مَنْ عَلِمَ منكم علماً فليقل به، ومَنْ لم يعلمْ فليقل: الله تعالى أعلم، قال الله تعالى لرسوله وَ له: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الُّْكَلِّفِينَ﴾. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو، أي: القرآن ﴿إِلَّ ذِكْرٌ﴾ جليلُ الشأن من الله تعالى. لِلْعَلَمِينَ · للثقلين كافَّة ﴿وَلَعَلَمُنَّ نَأَهُ﴾ أي: ما أنبأ به من الوعد والوعيد وغيرهما، أو خبره الذي يقال فيه في نفس الأمر، وهو أنه الحقُّ والصّدقُ. ﴿بَعْدَ قال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة، وقال قتادة والفراء چینِ والزجاج: بعد الموت(٤)، وكان الحسن يقول: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر الیقین. وفُسِّر نبؤه بالوعد والوعيد الكائنين في الدنيا، والمراد: لتعلمُنَّ ذلك بتحقُّقه إذا أخذتكم سيوفُ المسلمين، وذلك يوم بدر. وأشار إلى هذا السُّدِّيُّ. وأيَّاما كان ففي الآية من التهديد ما لا يخفى. (١) الكامل ١٠٤٨/٣، وفي إسناده أبو الجارود زياد بن المنذر، وهو متروك. (٢) الشعب (٥٠٦٤) وفيه: ينازع. بدل: ينازل. وابن المنذر هو أرطاة بن المنذر الألهاني، أبو عدي الحمصي، توفي سنة (١٦٣هـ). التهذيب ١٠٢/١. (٣) البخاري (٤٧٧٤)، ومسلم (٢٧٩٨)، وهو عند أحمد (٤١٠٤). (٤) معاني القرآن للفراء ٤١٣/٢، والزجاج ٣٤٢/٤. ٣٥٦ التفسير الإشاري هذا، وممَّا قَالَهُ بَعْضُ السَّادة الصُّوفَّية في بَعْض الآيات، قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا اِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِ وَالْإِشْرَاقِ ﴿ وَلَّيْرَ مَحْشُورَةٌ كُلِّ لَّهُهُ أَوَّبٌ﴾ إنه ظاهرٌ في أنَّ الجمادَ والحيوان الذي هو عند أهل الحجاب غيرُ ناطقٍ حیٍّ له علم بالله عزَّ وجلَّ، ونقل الشعرانيُّ عن شيخه عليٍّ الخوَّاص قُدِّسَ سِرُّهُ القول بتكليف البهائم من حيث لا يشعرُ المحجوبون، وجُوِّزَ أن يكونَ نذيرُها من ذواتها، وأن يكون خارجاً عنها من جنسها، وقال: ما سُميِّتْ بهائمَ إلا لكَوْن أمر كلامها وأحوالها قد أُبهم على غالب الخَلْقِ، لا لأنَّ الأمرَ مُبْهَمٌ عليها نفسها. وحكى عنه أنه كان يُعامل كلَّ جمادٍ في الوجود معاملةَ الحيِّ، ويقول: إنه يفهمُ الخطابَ، ويتألَّمُ كما يتألَّم الحيوان. وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْحُلَآِ لَتْفِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ النفوسَ مجبولةٌ على الظلم وسائر الصفات الذميمة، وإلى أنَّ الذين تزَّتْ أنفسُهم قليلٌ جدًّا بالنسبة إلى الآخرين. ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ نقل الشعرانيُّ أنَّ خلافته عليه السلام، وكذا خلافةُ آدم كانت في عالم الصُّور وعالم الأنفس المدبّرة لها، دون العالم النورانيّ، فإنَّ لكلِّ شخصٍ من أهله مقاماً معلوماً عيَّنه له ربُّهُ سبحانه. وللشيخ الأكبر قُدِّسَ سِرُّهُ كلامٌ طويلٌ في الخلافة، ويُحكى عن بعض الزنادقة أنَّ الخليفةَ لا يُكتَبُ عليه خطيئة، ولا هو داخلٌ في رَبْقة التكليف؛ لأنَّ مرتبته مرتبةٌ مستخلفةٌ. وهو کفرٌ صُراحٌ. وفرَّق العلماء بين الخليفة والملك. أخرج الثعلبيُّ من طريق العوام بن حَوْشب قال: حدثني رجلٌ من قومي شَهِدَ عمر رَُّه أنه سأل طلحة والزبير وكعباً وسلمان ﴿ه: ما الخليفةُ من الملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري. فقال سلمان: الخليفةُ الذي يَعْدِلُ في الرعية، ويَقْسِمُ بينهم بالسَّوية، ويُشفق عليهم شفقةَ الرجل على أهله، ويقضي بكتاب الله تعالى. فقال كعب: ما كنتُ أحسبُ أحداً يعرفُ الخليفةَ من الملك غيري(١). فقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ (١) الدر المنثور ٣٠٦/٥، وهو في تفسير الثعلبي ١/ ١٧٧ بزيادة: ولكن الله عز وجل ملأ سلمان حكماً وعلماً وعدلاً. سُورَةٌ صِ ٣٥٧ التفسير الإشاري كالتفسير لهذه الخلافة، وفيه إشارةٌ إلى ذَمِّ الهوى، وفي بعض الآثار: ما عُبد إلهٌ في الأرض أبغضُ على الله تعالى من الهوى، فهو أعظمُ الأصنام. وقوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسَْطًا بِلِسُوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ فيه إشارةٌ - بناءً على المشهور في القصة - إلى أنَّ كلَّ محبوبٍ سوى الله تعالى إذا حَجَبَكَ عن الله تعالى لحظةً، يلزمكَ أن تُعالجه بسيفِ نفي لا إله إلا الله، وقد سمعتَ استدلال الشبليِّ بذلك على تخريق ثيابه، وما قيل فيه. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ لم يقصد بذلك السؤالِ إلا ما يُوجبُ مزيدَ القرب إليه عزَّ وجلَّ، وليس فيه ما يُخِلُّ بكماله عليه السلام، وإلا لعوتِبَ عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك، ومنه يُعلَمُ كَذِبُ ما في «الجواهر والدرر)) نقلاً عن الخوَّاص، قال: بلغنا أنَّ النملة التي كلَّمتْ سليمانَ عليه السلام قالت: يا نبيَّ الله، أعطني الأمان وأنا أنصحك بشيءٍ ما أظنُّكَ تعلمه. فأعطاها الأمانَ، فأسرَّتْ إليه في أذنه، وقالت: إني أشَمُّ من قولك: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ رائحةَ الحسد، فتغيَّر سليمانُ واغبرَّ لونُه، ثم قالت له: قد تركتَ الأدبَ مع الله تعالى من وجوه؛ منها عدمُ خروجك من شُحِّ النفس الذي نهاك الله تعالى عنه إلى حَضْرة الكرم الذي أمركَ الله تعالى به، ومنها مبالغتُكَ في السؤال بأن لا يكون ذلك العطاءُ لأحدٍ من عبيد سيِّدك من بعدك، فَحَجَرْتَ على الحقِّ تعالى بأن لا يُعطي أحداً بعد موتك ما أعطاه، كلُّ ذلك لمبالغتك في شِدَّة الحرص، ومنها طلبُكَ أن يكونَ ملكُ سيِّدك لك وَحْدَك، تقول: ﴿وَهَبْ لِ﴾، وغابَ عنك أنك عبدٌ له لا يصحُّ أن تملك معه شيئاً، مع أنَّ فَرَحَكَ بالعطاء لا يكون إلا مع شهود ملكك له، وكفى بذلك جهلاً، ثم قالت له: يا سليمان، وماذا مُلْكك الذي سألته أن يُعطيكه؟ فقال: خاتمي. قالت: أفِّ لملكٍ يحویه خاتم. انتهى. ويدلُّ على كَذِبٍ ما بلغه وجوهٌ أيضاً لا تخفى على الخَوَاصِّ، والعجبُ من أنها خفيتْ على الخوَّاص. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَإِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌ﴾ يشيرُ إِلى فَضْل آدم عليه السلام، وأنه أكملُ المظاهر، واليدان عندهم إشارةٌ إلى صِفَتَي اللَّطف والقهر، سُورَ وَ صِنْ ٣٥٨ التفسير الإشاري وكلُّ الصفات ترجعُ إليهما، ولا شكَّ عندنا في أنه أفضلُ من الملائكة عليهم السلام. وذكر الشعرانيُّ أنه سألَ الخوَّاصَ عن مسألة التفضيل الذي أشرنا إليه، فقال: الذي ذهب إليه جماعةٌ من الصوفية أنَّ التفاضلَ إنما يصحُّ بين الأجناس المشتركة، كما يقال: أفضلُ الجواهر الياقوت، وأفضلُ الثياب الحُلَّة. وأما إذا اختلفت الأجناسُ فلا تفاضُلَ، فلا يقال: أيُّما أفضلُ الياقوت أم الخُلَّة؟ ثم قال: والذي نذهبُ إليه أنَّ الأرواحَ جميعها لا يصحُّ فيها تفاضُلٌ إلا بطريق الإخبار عن الله تعالى، فمَنْ أخبره الحقُّ تعالى بذلك، فهو الذي حَصَلَ له العلمُ التامُّ، وقد تنؤَّعتِ الأرواحُ إلى ثلاثة أنواع: أرواحٌ تُدبِّرُ أجساداً نوريَّةً، وهم الملأ الأعلى. وأرواحٌ تُدبّرُ أجساداً ناريةً، وهم الجنُّ. وأرواحٌ تُدبِّرُ أجساداً ترابية، وهم البشر. فالأرواح جميعُها ملائكةٌ، حقيقةٌ واحدةٌ، وجنسٌ واحدٌ، فمَنْ فاضَلَ من غير علمٍ إلهيٍّ، فليس عنده تحقيقٌ، فإنَّا لو نظرنا التفاضُلَ من حيثُ النشأةُ مطلقاً، قال العقل بتفضيل الملائكة، ولو نظرنا إلى كمال النشأة وجمعيَّتها، حكمنا بتفضيل البشر، ومن أين لنا ركونٌ إلى ترجيح جانبٍ على آخر، مع أنَّ الملك جزءٌ من الإنسان من حيثُ روحُهُ؛ لأنَّ الأرواحَ ملائكةٌ، فالكلُّ من الجزء والجزءُ من الكلّ، ولا يقال: أيُّما أفضلُ جزءُ الإنسان أو كلُّه. فافهم. انتهى. والكلام في أمر التفضيل طويلٌ، محلُّه كتبُ الكلام، ثم إنَّ حَّ العارف من القصص المذكورة في هذه السورة الجليلة لا يخفى إلا على ذوي الأبصار الكليلة. نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لفَهْم كتابه بحُرْمة سيِّد أنبيائه وأحبابه صلى الله عليه وسلم وشَرَّفَ وعظّم وكَرَّم. سُورَةُ الزُّهِرْ وتُسَمَّى: سورةَ الغُرَف، كما في ((الإتقان)) و((الكشّاف))(١)، لقوله تعالى: ﴿لَّهـ غُرَفُ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. أخرج ابن الضُّريس وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس أنَّها أنزلت بمكة (٢)، ولم يَسْتَثْنِ. وأخرج النَّاس عنه أنه قال: نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاثٍ آياتٍ نزلت بالمدينة في وحشيٍّ قاتلِ حمزةَ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] إلى ثلاث آيات(٣). وزاد بعضهم: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ الآية [الزمر: ١٠] ذكره السخاويُّ في ((جمال القراء)»، وحكاه أبو حيَّان عن مقاتل(٤). وزاد بعضٌ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] حكاه ابن الجوزي(٥). والمذكور في ((البحر)) عن ابن عباس استثناءُ ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ وقولِه تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ إلخ. وعن بعضهم: إلَّا سبعَ آياتٍ من قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ إلى آخر السبع(٦). وآيُها خمسٌ وسبعون في الكوفيِّ، وثلاثٌ في الشاميِّ، واثنتان في الباقي، وتفصيلُ الاختلاف في ((مجمع البيان)) وغيرِه(٧) . (١) الإتقان ١٧٤/١، والكشاف ٣٨٥/٣. (٢) فضائل القرآن لابن الضُّريس ص٣٤، ودلائل النبوة ٧/ ١٤٤، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٢٢/٥. (٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٠٥/٢. (٤) جمال القرَّاء ١٣٦/١، والبحر المحيط ٤١٤/٧. (٥) في زاد المسير ٧/ ١٦٠ . (٦) البحر المحيط ٤١٤/٧. (٧) مجمع البيان ٥/ ١٣٥، وجمال القراء ٥٤٠/٢-٥٤١. الآية : ١ ٣٦٠ سُورَةُ الرُِّزْ ووجهُ اتصال أوَّلها بآخِرِ ((ص)) أنَّه قال سبحانه هناك: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعُلَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] وقال جلَّ شأنُه هنا: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، وفي ذلك كمالُ الالتئام بحيثُ لو أسقطت البَسْملة لم يتنافر الكلام. ثم إنه تعالى ذكَرَ آخِرَ ((ص)) قصةَ خَلْقِ آدم، وذكر في صدرِ هذه قصةَ خلْقِ زوجِه منه وخلقِ الناسِ كلِّهم منه، وذكر خلقَهم في بطونِ أمَّهاتهم خَلْقاً من بعد خلقٍ، ثم ذكر أنهم ميِّتون، ثم ذكر سبحانه القيامةَ والحسابَ والجنة والنارَ، وختم بقوله سبحانه: ﴿وَقُضِىَ بَيِنَهُم بِاِّْ وَقِيلَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ [الزمر: ٧٥]، فذكر ٧٥ جلَّ شأنه أحوالَ الخلق من المبدأ إلى آخِر المعادِ متَّصِلاً بخلقِ آدمَ عليه السلام المذكورِ في السورة قبلَها . وبين السورتين أوجهٌ أُخَرُ من الربط تظهرُ بالتأمُّل، فتأمَّل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿َتَزِيلُ الْكِتَبِ﴾ قال الفرَّاء والزَّجاج: هو مبتدأً، وقولُه تعالى: ﴿مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ خبرُه، أو: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا المذكورُ تنزيل، و((من الله)) متعلّقٌ بـ ((تنزيل))(١). والوجهُ الأولُ أوجَهُ كما في ((الكشف)). و ((الكتاب)) القرآنُ كلُّه، وكأنَّ الجملةَ عليه تعليلٌ لكونه ذِكْراً للعالمين، أو لقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُنَّ نَبَّهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، والظاهر أنَّ المرادَ بـ ((الكتاب)) على الوجهِ الثاني السورةُ؛ لكونها على شرفِ الذِّكْر، فهي أقربُ لاعتبار الحضور الذي يقتضيه اسمُ الإشارة فيها. و(تنزيل)) بمعنى منزَّل، أو قُصد به المبالغةُ. وقدَّر أبو حيان المبتدأ ((هو)) عائداً على الذكر في ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، وجعل الجملةَ مستأنفةً استئنافاً بيانيّاً، كأنَّه قيل: هذا الذكر ما هو؟ فقيل: هو تنزيل الكتاب(٢). و((الكتاب)) عليه القرآن، وفي ((تنزيل)) الاحتمالان. (١) معاني القرآن للفراء ٤١٤/٢، وللزجاج ٣٤٣/٤. (٢) البحر المحيط ٧/ ٤١٤ .