Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ١٠٥
١٤١
سُورَةُ الضَنَافَاتِ
وذلك بالعزم والإِتيانِ بالمقدِّمات، ولا يَلزم فيه وقوعُ ما رآه بعينه. وقيل: هو إِقاعُ
تأويلها، وتأويلُها ما وقع. ويُفهم من كلام الإِمام(١) أنَّه الاعترافُ بوجوب العملِ
بها، ولا يدلُّ على الإِتيان بكلِّ ما رآه في المنام.
وهل أَمرَّ عليه السلام الشفرةَ على حَلْقِه أم لا؟ قولان، ذهب إلى الثاني
منهما كثيرٌ من الأجِلَّة، وقد أخرج الإِمامُ أحمدُ(٢) عن ابن عباسٍ أنَّه عليه
السلام لمَّا أخذ الشفرةَ وأراد أن يذبحَه نودي من خلفه أن: يا إبراهيمُ قد
صدَّقتَ الرُّؤيا.
وأَخرج هو، وابن جَرير، وابنُ أبي حاتم، والطبرانيّ، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ
في ((شُعَب الإِيمان)) عنه أنَّه عالج قميصَه ليخلَعه فنودي بذلك(٣).
وأخرج ابنُ المنذر، والحاكمُ وصحَّحه، من طريق مجاهدٍ عنه أيضاً: فلمَّا
أَدخل يدَه ليذبحَه، فلم يحمل المِديةَ حتى نُودي أن: يا إِبراهيمُ قد صدَّقتَ الرُّؤيا،
فأَمسك يدَه(٤) .
وأخرج عبد بنُ حُميدٍ وغيرُه عن مجاهد: فلمَّا أَدخل يدَه ليذبحَه، نودي أن:
يا إِبراهيمُ قد صدَّقت الرُّؤيا، فأَمسك يدَه ورفع رأسَه، فرأى الكبشَ ينحظُ إليه،
حتى وقع عليه، فذبحه.
وفي روايةٍ أخرى عنه أَخرجها عبدُ بن حُميد أيضاً وابنُ المنذرِ أنَّه أَمرَّ السّكِّينَ
فانقلبت(٥).
وإلى عدم الإِمرار ذهبت اليهودُ أيضاً؛ لمَا في توراتهم: مدَّ إِبراهيمُ يدَه فأخذ
(١) في التفسير الكبير ١٥٦/٢٦.
(٢) في مسنده (٢٧٩٤).
(٣) الدر المنثور ٢٨٠/٥، ومسند أحمد (٢٧٠٧)، وتفسير الطبري ٥٨٦/١٩، والمعجم الكبير
للطبراني (١٠٦٢٨)، وشعب الإيمان ٤٦٤/٣-٤٦٥.
(٤) الدر المنثور٥/ ٢٨٠، والمستدرك ٤٣٠/٢-٤٣١، وورد في مطبوعه: فلم يحكّ، وورد في
الدر: فلم تصل، بدل: فلم يحمل.
(٥) الدر المنثور٥/ ٢٨٣.

سُورَةُ الصَنَافَاتِ
١٤٢
الآية : ١٠٥
السِّكين، فقال له ملاكُ اللهِ من السماء قائلاً: يا إِبراهيمُ يا إِبراهيم، قال: لَبَّيك،
قال: لا تمدَّ يدَك إلى الغلام، ولا تصنعْ به شيئاً(١).
وذهب إلى الأوَّل طائفة، فمنهم من قال: إنَّه أمرَّها ولم تَقْطَعْ مع عدمِ المانع؛
لأنَّ القطعَ بخلق اللهِ تعالى فيها أو عندَها عادة، وقد لا يَخلق سبحانه. ومنهم مَن
قال: إنَّه أمرَّها ولم تقطعْ لمانع؛ فقد أَخرج سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذرِ عن
عطاء بن يسارٍ أنَّه عليه السلام قام إليه بالشَّفرة فبرك عليه، فجعل اللهُ تعالى ما بين
لَّتِهِ إلى مَنحَره نحاساً لا تؤثِّر فيه الشَّفرة.
وأخرج ابن جَريٍ وابنُ أبي حاتمٍ عن السُّدي أنَّه عليه السلام جرَّ السكينَ على
حلقه فلم يَنحَر، وضرب الله تعالى على حلقه صفيحةً من نحاس(٢).
وأَخرج الخطيبُ في ((تالي التلخيص)) عن فُضيل بن عياض قال: أَضجعه
ووضع الشَّفرة، فقلبها جبريلُ عليه السلام(٣).
وأخرج الحاكمُ - بسندٍ فيه الواقديُّ - عن عطاءٍ أنَّه نحر في حلقه، فإذا هو قد
نحر في نحاس، فشحذ الشفرةَ مرَّتين أو ثلاثاً بالحجر. وضعّف جميع ذلك(٤).
وقيل: إنَّه عليه السلام ذَبح، لكن كان كلَّما قطع موضعاً من الحَلْق، أَوصله اللهُ
تعالى. وزعموا ورودَ ذلك في بعض الأخبار، ولا يكاد يصحّ. وسيأتي قريباً إن
شاءَ اللهُ تعالى ما يتعلَّق بهذا المقامٍ من الكلام.
وجوابُ ((لمَّا)) محذوفٌ مقدَّر بعد ((صدَّقت الرؤيا)) أي: كان ما كان ممَّا تنطق
به الحال، ولا يُحيط به المقال، من استبشارهما وشكرِهما الله تعالى على ما أنعم
عليهما من دفع البلاءِ بعد حلولِه، والتوفيقِ لمَا لم يوفَّق غيرُهما لمثله، وإِظهارِ
فضلهما مع إِحراز الثوابِ العظيم، إلى غير ذلك. وهو أولى من تقدير: فإذا،
ونحوِهِ. وقدَّره بعضُ البصريِّين بعد ((وتلَّه للجبين)) أي: أَجْزَلنا أجرَهما.
(١) الكتاب المقدس، العهد القديم ص ٩٩.
(٢) الدر المنثور ٢٨٣/٥، وتفسير الطبري ٥٨٠/١٩-٥٨١.
(٣) الدر المنثوره/ ٢٨٢.
(٤) الدر المنثور٥/ ٢٨٣، ومستدرك الحاكم ٥٥٦/٢.

الآية : ١٠٦ - ١٠٧
١٤٣
سِوَةُ الصَنَّافَاتِ
وعن الخليلِ وسيبويه تقديرُه قبلَ: ((وتلَّه))، قال في ((البحر))(١): والتقدير: فلمَّا
أَسلما أسلما وتلَّه. وقال ابنُ عطية(٢): وهو عندهم كقول امرئ القيس:
فلمَّا أَجزنا ساحةَ الحيِّ وانتحَى(٣)
أي: أَجزنا وانتحی. وهو كما ترى.
وقال الكوفُّون: الجوابُ مثبت، وهو: ((وناديناه)) على زيادةِ الواو. وقالت
فِرقة: هو ((وتلَّ)) على زيادتها أيضاً. ولعلَّ الأَوْلى ما تقدَّم.
ابتداءُ كلامٍ غير داخلٍ في النِّداء،
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وهو تعليلٌ لإِفراج تلك الشدّة المفهوم من الجواب المقدَّر، أو من الجواب
المذكور، أعني: نادينا ... إلخ، على القول بأنَّه الجواب، أو منه وإنْ لم يكن
الجواب، والعِلَّة في المعنى إِحسانُهما. وكونُه تعليلاً لمَا انطوى عليه الجوابُ من
الشُّكر، ليس بشيء.
﴾﴾ أي: الابتلاءُ والاختبار البيِّن الذي يتميَّز فيه
﴿إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْبَتُّ الْمُبِينُ
المخلِصُ من غيره، أو المحنة البيِّنة، وهي المحنةُ الظاهرةُ صعوبتُها، وما وقع
لا شيءَ أَصعبُ منه، ولا تكاد تخفَى صعوبتُه على أحد، ولله عزَّ وجلَّ أن يبتليَ مَن
شاءَ بما شاء، وهو سبحانه الحكيمُ الفعَّال لما يريد. ولعل هذه الجملةَ لبيان
كونِهما من المحسنين، وقيل: لبيان حكمةٍ ما نالهما. وعلى التقديرين هي مستأنفةٌ
استئنافاً بيانياً، فليتدبّر.
قيل: أي: عظيمِ الجثّة سمين،
﴿وَقَدَیْنَهُ بِذِيج﴾ بحیوانٍ يُذبح بدلَه ﴿عَظِيمٍ.
١٠٧
وهو كبشٌ أبيضُ أَقرنُ أَعيَن، وفي رواية: أَملحُ، بدلَ: أَبيض. وعن الحسن أنه
وَعل أُهبط عن ثَبِير. والجمهورُ على الأوَّل، ووافقهم الحسنُ في روايةٍ رواها عنه
(١) ٣٧٠/٧.
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٨١.
(٣) عجزه: بنا بطنُ حِقفٍ ذي رُكامِ عقنقلٍ، وهو في الديوان ص ١٥، والحقف من الرمل:
المعوج، والعقنقل: المنعقد المتداخل.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
١٤٤
الآية : ١٠٧
ابنُ أبي حاتم، وفيها أنَّ اسمَه: حرير (١). واليهودُ على أنَّه كبشٌ أيضاً.
وفسَّر المُعظَمُ العظيمَ بعظيم القَدْرِ، وذلك على ما رُوي عن ابن عباس؛ لأنَّه
الكبشُ الذي قرَّبه هابيلُ فتقبّل منه وبقي يرعى في الجنَّة إلى يوم هذا الفداء.
وفي روايةٍ عنه وعن ابن جُبيرٍ أنَّهما قالا: عِظَمُه كونُه من كباش الجنةِ؛ رعى
فيها أربعين خريفاً .
وقال مجاهد: وصف بالعِظَم لأنَّه متقبّل يقيناً. وقال الحسين(٢) بنُ الفضل:
لأنَّه كان من عند اللهِ عزَّ وجلّ. وقال أبو بكرٍ الورَّاق: لأنَّه لم يكن عن نسلٍ بل عن
التكوين. وقال عمرو بنُ عبيد: لأنَّه جرت السُّنَّةُ به وصار دِيناً باقياً [إلى] آخر
الدهر. وقيل: لأنَّه فُدي به نبيٌّ وابنُ نبيّ .
وهبوطُه من ثَبير كما قال الحسنُ في الوَعل، وجاءَ ذلك في روايةٍ عن ابن
عباس. وفي روايةٍ عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّه وجده عليه السلام قد رُبط
بسَمرةٍ في أصل ◌َبیر.
وعن عطاءِ بنِ السائب أنَّه قال: كنت قاعداً بالمنحر، فحدَّثني قرشيٍّ عن أبيه
أنَّ رسولَ اللهِ وَلّه قال له: ((إنَّ الكبشَ نزل على إِبراهيمَ في هذا المكان))(٣).
وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ أنَّه خرج عليه كبشٌ من الجنةِ قد رعى فيها أربعين
خريفاً، فأرسل إِبراهيمُ عليه السلام ابنَه واتبعه، فرماه بسبع حَصَياتٍ وأَحرجه عند
الجمرةِ الأُولى، فأَفلت، ورماه بسبع حَصَياتٍ وأَحرجه عند الجمرةِ الوسطى،
فأفلت، ورماه بسبع حصياتٍ وأَحرجه عند الجمرةِ الكبرى، فأتى به المنحرَ من مِنّی
فَذُبح. قيل: وهذا أصلُ سُنَّة رمي الجمار، والمشهورُ أنَّ أصلَ السُّنّةِ رميُّ الشيطانِ
هناك؛ ففي خبرٍ عن قتادةَ أنَّ الشيطانَ أرادَ أن يصيبَ حاجته من إِبراهيمَ وابنِهِ يومَ
(١) الدر المنثور ٢٨٤/٥.
(٢) في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٧/ ٣٧١ (والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه): الحسن،
والمثبت هو الصواب، وذكر قوله أيضاً البغوي في تفسيره ٣٥/٤، وجاء الاسم فيه على
الصواب.
(٣) الدر المنثور ٢٨٤/٥ وعزاه للبغوي.

الآية : ١٠٨ - ١١٠
١٤٥
سُوَرَةُ الصَّافَاتُ
أُمر بذبحه، فتمثَّل بصديقٍ له، فأراد أن يصدَّه عن ذلك، فلم يتمكَّن، فتعرَّض لابنه،
فلم يتمكَّن، فأتى الجمرةَ فانتفخ حتى سدَّ الوادي، ومع إِبراهيمَ مَلَك، فقال له: إِرمِ
يا إبراهيم، فرمى بسبع حصياتٍ يكبِّر في إثر كلِّ حصاة، فأَفرج له عن الطريق، ثم
انطلق حتى أَتى الجمرةَ الثانيةَ فسدَّ الواديَ أيضاً، فقال الملك: إِرمٍ يا إِبراهيم،
فرمى كما في الأُولى، وهكذا في الثالثة.
وظاهرُ الآيةِ أنَّ الفداءَ كان بحَيَوانٍ واحد، وهو المعروف، وأخرج عبدُ بن
حُميد عن ابن عباسٍ أنَّه فُدي بكبشَين أَملَحين أَقرنين أَعينين(١). ولا أعرف له
صحَّة، ويراد بالذّبحِ عليه - لو صحَّ - الجِنسُ.
والفادي على الحقيقة إبراهيمُ عليه السلام، وقال سبحانه: ((فديناه)) على التجوُّز
في الفداء، أي: أَمرنا، أو: أَعطينا، أو في إِسناده إليه تعالى، وجوِّز أن يكونَ
هناك استعارةٌ مكنيةٌ أيضاً، وفائدةُ العدولِ عن الأصل التعظيمُ.
سبق ما يُعلم منه بيانُه عند
١٠٩
﴿وَتَّكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٣ سَلَمُ عَلَىَ إَِّهِيمَ
تفسيرِ نظيرِه في آخر قصَّة نوح، ولعلَّ ذِكرَ ((في العالمين)) هناك وعدمَ ذِكرِه هنا؛ لمَا
أنَّ لنوح عليه السلام من الشُّهرة - لكونه كآدَمَ ثانٍ للبشر ونجاةٍ مَن نجا من أهل
الطوفانِ ببركته - ما ليس لإِبراهيم عليه السلام.
((ذلك)) إشارةٌ إلى إِبقاء ذِكرِه الجميلِ فيما بين
﴿ كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
الأُمم، لا إلى ما يُشير إليه فيما سبق، فلا تكرار.
وطرحُ هنا ((إنَّا)) قيل: مبالغةً في دفع توهُّم اتِّحاده مع ما سبق، كيف وقد سيق
الأوَّلُ تعليلاً لجزاء إِبراهيمَ وابنِه عليهما السلام بما أُشير إليه قبل، وسيق هذا تعليلاً
لجزاء إِبراهيمَ وحده بما تضمَّنه قوله تعالى: (وَرَكْنَا عَلَّهِ) إلخ، وما أَلطفَ الحذفَ
هنا اقتصاراً، حيث كان فيما قبله ما يُشبه ذلك من عدم ذِكر الابنِ والاقتصارِ على
إِبراهيم.
وقيل: لعل ذلك اكتفاءً بذِكر ((إِنَّا)) مرَّةً في هذه القصّة.
(١) الدر المنثور ٢٨٤/٥.

سُؤَدَّةُ الصَنَّافَاتِ
١٤٦
الآية : ١١١ - ١١٢
وقال بعض الأَجِلَّة: إنَّه للإِشارة إلى أنَّ قصةَ إبراهيمَ عليه السلام لم تتمّ، فإنَّ
ما بعدُ من قوله تعالى: ﴿وَبَتَّرَْهُ بِسْخَقَ﴾ إلخ من تكملة ما يتعلَّق به عليه السلام،
بخلاف سائرِ القصصِ التي جعل ((إنا كذلك نجزي المحسنين)) مقطعاً لها، فإنَّ
ما بعدُ ليس ممَّا يتعلَّق بما قبلُ، ومع هذا لم تخلُ القصةُ من مثل تلك الجملةِ
بجميع كلماتِها، وسلك فيها هذا المسلكَ اعتناءً بها، فتأمَّل.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
الكلامُ فيه كما تقدَّم.
﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّ﴾ حالٌ من ((إِسحاق))، وكذا قوله تعالى: ﴿مِّنَ الصَّلِحِينَ
١٢
وفي ذلك تعظيمُ شأنِ الصَّلاح، وفي تأخيره إيماءٌ إلى أنَّه الغايةُ لها(١)؛ لتضمُّنها معنى
الكمالِ والتكميل، والمقصودُ منهما الإِتيان بالأفعال الحسنةِ السَّديدة، وهو في
الاستعمال يختصُّ بها .
وجوِّز كونُ ((من الصالحين)) حالاً، وكونُ ((نبيًّا)) حالاً من الضمير المستترِ فيه،
وقدِّم في اللفظ للاهتمام، ولئلا تختلَّ رؤوسُ الآي، وفيه من البُعد ما فيه. على أنَّ
في جواز تقديمِ الحالِ مطلقاً أو اطّرادِه في مثل هذا التركيبٍ كلاماً لا يخفَى على
مَن راجع الألفيةَ وشروحَها، وفيه ما فيه بَعدُ.
وجوّز أيضاً كونُه في موضع الصفةِ لـ ((نبيًّا))، والكلامُ على الأوَّل - وهو الذي
عليه الجمهور - أَمدحُ كما لا يخفى، والمرادُ كونُه نبيّاً وكونُه من الصالحين في
قضاء اللهِ تعالى وتقديرِه، أي: مقضيّاً كونُه نبيّاً مقضيّاً كونُه من الصالحين، وإن
شئتَ فقل: مقدَّراً، ولا يكونان بذلك من الحال المقدَّرةِ التي تذكر في مقابلة
المقارِنة، بل هما بهذا الاعتبارِ حالان مقارِنان للعامل، وهو فعلُ البِشارة، أو شيءٌ
آخَرُ محذوف، أي: بشَّرناه بوجود إِسحاقَ نبيّاً ... إلخ.
وأَوجب غيرُ واحدٍ تقديرَ ذلك معلِّلاً بأنَّ البشارةَ لا تتعلَّق بالأَعيان، بل
بالمعاني.
(١) أي: للنبوة. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٨٣/٧.

الآية : ١١٣
١٤٧
سُورَةُ الصَنَافَاتِ
وتعقّب بأنَّه إن أُريد أنَّها لا تستعمل إلَّ متعلِّقة بالأَعيان، فالواقعُ خلافُه،
كـ : ﴿بُثِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنَى﴾ [النحل: ٥٨] فإنْ قيل: إنمَّا يصحُّ بتقدير: ولادة،
ونحوِهِ من المعاني، فهو محلُّ النِّزاع، فلا وجهَ له، والذي يميل إليه القلبُ أنَّ
المعنى على إرادة ذلك، وربمَّا يدَّعى أنَّ معنى البشارةِ تستدعي تقديرَ معنًى من
المعاني.
وقيل: هما حالان مقدَّران، كقوله تعالى: ﴿فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وفيه
بحث.
﴿وَبَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: على إِبراهيمَ عليه السلام ﴿وَعَلَّ إِسْحَقُّ﴾ أي: أَفضنا
عليهما بركاتِ الدِّين والدنيا بأنْ كثَّرنا نسلَهما وجعلنا منهم أَنبياءَ ورسلاً .
وقُرئ: ((برَّكنا)) بالتشديد؛ للمبالغة(١).
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ في عمله، أو على نفسه بالإِيمان والطاعة ﴿وَظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر والمعاصي، ويدخل فيها ظلمُ الغير ﴿مُبِينٌ ﴾﴾ ظاهرٌ ظلمُه.
وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّ النَّسب لا أثرَ له في الهدى والضَّلال، وأنَّ الظلمَ في
الأَعقاب لا يعود على الأُصول بنقيصةٍ وعيب.
هذا وفي الآيات بعدُ أَبحاث:
الأوَّل: أنَّهم اختلفوا في الذَّبيح، فقال - على ما ذكره الجلالُ السيوطيُّ في
رسالته ((القولُ الفصيحُ في تعيين الذَّبيح)»(٢) - عليّ، وابنُ عمر، وأبو هريرة،
وأبو الظُّفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبيّ، ويوسفُ بن مِهران، والحسنُ
البصري، ومحمدُ بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر الباقر،
وأبو صالح، والربيعُ بن أنس، والكلبيّ، وأبو عَمرِو بنُ العلاء، وأحمدُ بن حنبل،
وغيرُهم أنَّه إِسماعيلُ عليه السلام لا إسحاقُ عليه السلام، وهو إِحدى الرِّوايتين عن
ابن عباس، ورجَّحه جماعة، خصوصاً غالبُ المحدِّثين، وقال أبو حاتم: هو
(١) الكشاف ٣٥١/٣.
(٢) ٤٩٢/١ فما بعد (الحاوي في الفتاوي).

سُوَرَةُ الصَّافَاتِ
١٤٨
الآية : ١١٣
الصَّحيح. وفي ((الهَذْي))(١): إنَّه الصوابُ عند علماءِ الصحابةِ والتابعين فمَن
بعدهم. وسئل أبو سعيدِ الضريرُ عن ذلك فأَنشد:
نصَّ الكتابُ بذاك والتنزيلُ
إنَّ الذَّبِيحَ هُديتَ إسماعيلُ
وأتى به التفسيرُ والتأويل
شرفٌ به خصَّ الإلهُ نبيَّنا
شرفاً به قد خصَّه التفضيل(٢)
إنْ كنت أُمَّتَه فلا تنكرْ له
وفي دعواه النصّ نظر، وهو المشهورُ عند العربِ قبل البعثةِ أيضاً، كما يُشعر به
أبياتٌ نقلها الثعالبيُّ(٣) في تفسيره عن أميةَ بنِ أبي الصلت، واستدلَّ له بأنَّه الذي
وُهب لإبراهيمَ عليه السلام إِثْرَ الهجرة، وبأنَّ البشارةَ بإسحاقَ بعدُ معطوفةٌ على
البِشارة بهذا الغلام، والظاهرُ التغاير، فيتعيَّن كونُه إِسماعيل، وبأنه بشِّر بأن يوجدَ
وينبّأ، فلا يجوز ابتلاءُ إِبراهيمَ عليه السلام بذبحه؛ لأنَّه علم أنَّ شرطَ وقوعهِ منتفٍ.
والجوابُ بأنَّ الأولَ بشارةٌ بالوجود وهذا بشارةٌ بالنبوّة ولكن بعد الذَّبح، قال
صاحبُ ((الكشف)): ضعيف؛ لأنَّ نظمَ الآيةِ لا يدلُّ على أنَّ البشارةَ بنبوَّته، بل على
أنَّ البشارةَ بأمرٍ مقيَّد بالنبوَّة، فإمَّا أن يقدَّرَ بوجود إِسحاقَ بعد الذبحِ ولا دلالةً في
اللفظ عليه، وإمَّا أن يقدَّرَ الوجودُ مطلقاً، وهو المطلوب.
فإنْ قلت: يكفي في الدَّلالة تقدُّمُ البشارةِ بالوجود أوَّلاً، قلتُ: ذاك عليك
لا لك، ومَن يسلّم أنَّ المتقدِّم بشارةٌ بإسحاق حتى يستتبَّ لك المرام، وبأنَّ البشارةَ
به وقعت مقرونةً بولادة يعقوبَ منه على ما هو الظاهرُ في قوله تعالى في ((هود)»:
﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [الآية: ٧١] ومتى بشِّر بالولد وولدِ الولدِ
دفعة، كيف يتصوَّر الأمرُ بذبح الولدِ مراهقاً قبل ولادةٍ ولده، ومَنعُ كونِه إذ ذاك
مراهقاً لجواز أن يكونَ بالغاً كما ذهب إليه اليهودُ قد ولد له يعقوبُ وغيرُه = مكابرةٌ
لا يُلتَفَت إليها .
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد١/ ٧١.
(٢) تفسير القرطبي ١٨/ ٦٣ .
(٣) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد النيسابوري، ويقال له: الثعلبي والثعالبي، كما ذكر ابن
الأثير في اللباب ١/ ٢٣٨، والأبيات في تفسيره ٨/ ١٥٥، وديوان أمية ص ١٠٨ .

الآية : ١١٣
١٤٩
سُوَّةُ الصَّافَاتِ
وبأنَّه تعالى وصف إسماعيل عليه السلام بالصَّبر في قوله سبحانه: ﴿وَإِسْمَعِيلَ
وَإِذْرِيسَ وَذَا الْكِفِلِّ كُلُّ مِنَ الصَِّينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]. وبأنَّه عزَّ وجلَّ وصفه بصدق
الوعدِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. ولم يصف سبحانه
إسحاق بشيءٍ منهما، فهو الأنسبُ دونَه بأن يكونَ(١) القائل: ((يا أبت افعل ما تؤمر
ستجدني إن شاء الله من الصابرين)) المصدِّق قولَه بفعله.
وبأنَّ ما وقع کان بمگّة، وإسماعيل هو الذي كان فيها، وبأن قرنَي الكبش کانا
معلَّقين في الكعبة، حتى احترقا معها أيامَ حصارِ الحَجَّاجِ ابنَ الزبيرِ ﴿ا، وكانا قد
توارثهما قريشٌ خلفاً عن سَلَف، والظاهرُ أنَّ ذاك لم يكنَ منهم إلَّا للفخر، ولا يتمُّ
لهم إذا كان الكبشُ فِدِى لإِسحاقَ دون أبيهم إِسماعيل.
وبأنَّه روى الحاكمُ في ((المستدرك)) وابن جَريرٍ في («تفسيره))(٢) والأمويُّ في
((مغازيه)) والخلعيُّ في ((فوائده)) من طريق إسماعيلَ بنِ أبي كريمة، عن عمرَ بن
أبي محمدٍ الخطابي، عن العُتبيّ، عن أبيه، عن عبد اللهِ بن سعد، عن الصُّنابحيّ(٣)
قال: حضرنا مجلسَ معاوية، فتذاكر القومُ إسماعيل وإسحاقَ أيُّهما الذَّبيح؟ فقال
بعضُ القوم: إِسماعيل، وقال بعضُهم: بل إِسحاق، فقال معاوية: على الخبير
سقطتم، كنا عند رسولِ اللهِ وَلِّ، فأتاه أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله، خلفت الكلا
يابساً، والماءَ عابساً، هلك العيال، وضاع المال، فعُد عليَّ مما أفاءَ اللهُ تعالى
عليك يا ابنَ الذَّبيحين، فتبسَّم رسولُ اللهِوَّه ولم يُنكِر عليه، فقال القوم: مَن
الذَّبيحان يا أميرَ المؤمنين؟ قال: إنَّ عبد المطلبِ لمَّا أُمر بحفر زمزم، نذر لله تعالى
إن سهَّل أمرَها أن ينحرَ بعضَ بَنِيْه، فلمَّا فرغ أَسهم بينهم، فكانوا عشرة، فخرج
السهمُ على عبد الله، فأراد أن ينحرَه، فمنعه أَخوالُه بنو مخزوم، وقالوا: أَرْضِ
ربَّك واقْدِ ابنَك، فقداه بمئة ناقة، قال معاوية: هذا واحدٌ والآخَرُ إسماعيل.
(١) في (م): يقول، بدل: يكون.
(٢) المستدرك ٥٥٤/٢، وتفسير الطبري ٥٩٧/١٩-٥٩٨.
(٣) في الأصل و(م): عبد الله بن سعيد الصنابحي، وهي هكذا في الدر المنثوره/ ٢٨٢،
والصواب ما أثبتناه.
٠

سُوَقُ الضَّافَاتِ
١٥٠
الآية : ١١٣
وبأنَّه ذُكر في التوراة أنَّ اللهَ تعالى امتحن إِبراهيمَ فقال له: يا إبراهيم، فقال:
لبيَّك، قال: خذ ابنَك وحيدَك الذي تحبُّه، وامضٍ إلى بلد العبادةِ وأَصعده ثَمَّ قرباناً
على أحد الجبالِ الذي أعرِّفك به. فإنَّ معنى وحيدَك: الذي ليس لك غيرُهُ(١)،
ولا يصدق ذلك على إِسحاقَ حين الأمرِ بالذَّبح؛ لأنَّ إِسماعيلَ كان موجوداً إذ
ذاك، لأنَّه وُلِد لإِبراهيم - على ما في التوراة - وهو ابنُ ستِّ وثمانين سنة، ووُلد له
إسحاق - على ما فيها أيضاً - وهو ابنُ مئةٍ سنة، وأيضاً قولُه تعالى: الذي تحبُّه،
أَليقُ بإِسماعيل؛ لأنَّ أوَّلَ ولدٍ له من المحبَّة في الأغلب ما ليس لمن بعده من
الأَولاد، ويُعلم ممَّا ذكر أنَّ ما في التوراة الموجودةِ بأيدي اليهودِ اليومَ مِن ذِكرِ :
هو إِسحاق، بعد: الذي تحبُّهُ(٢)، من زياداتهم وأباطيلهم التي أَدرجوها في كلام اللهِ
تعالى؛ إذ لا يكاد يلتئمُ مع ما قبله. وأَجاب بعضُ اليهودِ عن ذلك بأنَّ إِطلاقَ
الوحيدِ على إسحاق؛ لأنَّ إسماعيلَ كان إذ ذاك بمكّة. وهو تحريفٌ وتأويلٌ باطل؛
لأنَّه لا يقال الوحيدُ وصفاً للابن إلَّا إذا كان واحداً في البنوّة ولم يكن له شريكٌ
فيها. وقال لي بعضٌ منهم: إِنَّ إِطلاقَ ذلك عليه لأنَّه كان واحداً لأمّه ولم يكن لها
ابنّ غيرُه، فقلت: يُبعد ذلك كلَّ التبعيدِ إضافته إلى ضمير إِبراهيمَ عليه السلام.
ويؤيِّد ما قلنا ما قاله ابنُ إِسحاق: ذكر محمدُ بن كعبٍ أنَّ عمرَ بن عبدِ العزيز
أرسل إلى رجلٍ كان يهوديّاً فَأَسلم وحَسُنَ إِسلامه، وكان من علمائهم، فسأله: أيُّ
ابنَي إِبراهيمَ أُمَر بذبحه؟ فقال: إسماعيلُ، واللهِ يا أميرَ المؤمنين، وإنَّ يهودَ لَتعلم
بذلك، ولكنَّهم يحسدونكم معشرَ العرب.
وذكر ابنُ كثيرٍ (٣) أنَّ في بعض نسخ التوراة: بِكَرَك، بدل: وحيدَك. وهو أَظهرُ
في المطلوب.
وقيل: هو إسحاق، ونسبه القرطبيّ(٤) للأكثرين، وعزاه البغويُّ(٥) وغيرُه إلى
(١) في (م): وغيره.
(٢) العهد القديم ص ٩٩.
(٣) في البداية والنهاية ٣٦٦/١.
(٤) في تفسيره ١٨/ ٦١ .
(٥) في تفسيره ٤/ ٣٢.

الآية : ١١٣
١٥١
سُودَةُ القَنَافَاتِ
عمر، وعليّ، وابنٍ مسعود، والعباس، وعِكرمة، وسعيدٍ بن جبير، ومجاهد،
والشعبيّ، وعُبيدِ بن عمير، وأبي ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبدِ الله بن شقيق،
والزهريّ، والقاسم بن يزيد، ومكحول، وكعب، وعثمانَ بنِ حاضر، والسُّدِّي،
والحسن، وقتادة، وأبي الهذيل، وابنٍ سابط، ومسروق، وعطاء، ومقاتل، وهو
إِحدى الرِّوايتين عن ابن عباس، واختاره أبو جعفرٍ ابنُ جَريرٍ الطبري(١)، وجزم به
القاضي عياضٌ في ((الشِّفا))(٢)، والسُّهيلي في ((التعريف والإِعلام))(٣)، واستدلَّ له
بأنَّه لم يَذكر الله تعالى أنه بشَر بإسماعيل قبل كونِه، فهو إسحاقُ لثبوته بالنصّ،
ولأنَّه لم تكن تحته هاجر أمُّ إسماعيل، فالمدعوُّ ولد من سارة.
وأُجيب بأنَّه كفى هذه الآية دليلاً على أنَّه مبشَر به أيضاً؛ لأنَّ قوله تعالى:
(وبشرناه بإسحاق)) بعد استيفاءِ هذه القصةِ وتذييلِها بما ذيِّل ظاهرُ الدَّلالة على أنَّ
هنالك بشارتَين متغايرتَين، ثم عدمُ الذِّكرِ لا يدلُّ على عدمِ الوجود، ولا يلزم أن
يكونَ طلب ولد سارة، ولا علم أنَّه عليه السلام دعا بذلكَ قبل أن وُهبت هاجرُ
منه؛ لأنها أُهديت إليه في حرَّان قبل الوصولِ إلى الشام، على أنَّ البشارةَ بإسحاقَ
كانت في الشام نصّاً، فظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها قبل الوصولِ إليها؛ لأن البشارةَ عقيبَ
الدعاء، وكان قبل الوصولِ إلى الشام. قاله في ((الكشف)).
وبما رواه ابنُ جَرير (٤) عن أبي كريب، عن زيد بن حُباب، عن الحسن بنِ
دينار، عن عليٍّ بن زيدِ بن ◌ُدعان، عن الحسن، عن الأحنفِ بن قيس، عن
العباس بنِ عبد المطلب، عن النبيِّ نَّه قال: ((الذبيحُ إسحاق)). وتعقِّب بأنَّ
الحسنَ بن دينارٍ متروك، وشيخَه منكرُ الحديث.
وبما أَخرج الديلميُّ في ((مسند الفِردوس)) من طريق عبدِ الله بن ناجية، عن
محمد بنٍ حربٍ النسائي، عن عبد المؤمنِ بن عباد، عن الأعمش، عن عطية، عن
(١) في تفسيره ٥٩٨/١٩.
(٢) ٢٢٨/١ (شرح ملا علي القاري).
(٣) ص١٤٦.
(٤) في تفسيره ٥٨٨/١٩.

سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ
١٥٢
الآية : ١١٣
أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ داودَ سأل ربَّه مسألةً فقال:
إِجعلني مثلَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوب، فأوحى اللهُ تعالى إليه: إني ابتليتُ إِبراهيمَ
بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذَّبح فصبر، وابتليت يعقوبَ فصبر)).
وبما أخرجه الدارقطنيُّ والديلميُّ في ((مسند الفردوس)) (١) من طريقه، عن
محمد بنِ أحمدَ بن إِبراهيمَ الكاتب، عن الحسين بنِ فهم، عن خلف بنٍ سالم، عن
بَهز بن أسد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعودٍ
قال: قال رسولُ اللهِ وَلجه: ((الذبيحُ إسحاق)).
وبما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأَوسط))(٢) وابنُ أبي حاتمٍ في تفسيره من طريق
الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بنِ زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرةً قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى خيَّرني بين أن يغفرَ لنصف
أمَّتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكونَ أعمَّ لأمَّتي، ولولا الذي
سبقني إليه العبدُ الصالحُ لعجَّت دعوتي، إنَّ اللهَ تعالى لمَّا فرَّج عن إسحاقَ کربَ
الذبح، قيل له: يا إِسحاق، سلْ تعطّه، قال: أَمَا واللهِ لأتعجَّلنَّها قبل نزغاتِ
الشيطان، اللهمَّ مَن مات لا يشرك بك شيئاً قد أَحسن فاغفر له)).
وتعقّب هذا بأنَّ عبد الرحمنِ ضعيف، وقال ابنُ كثير(٣): الحديثُ غريبٌ
منكر، وأَخشى أن يكونَ فيه زيادةٌ مدرجة، وهي قوله: إنَّ اللهَ تعالى لمَّا
فرَّج ... إلخ، وإن كان محفوظاً، فالأَشبهُ أنَّ السياقَ عن إِسماعيل وحرَّفوه
بإسحاق.
إلى غير ذلك من الأخبار، وفيها من الموقوف والضعيفِ والموضوعِ كثير،
ومتى صحَّ حديثٌ مرفوعٌ في أنَّه إِسحاق، قَبِلناه ووضعناه على العينِ والرأس،
والذاهبون إلى هذا القولِ يدَّعون صحَّةَ شيءٍ منها في ذلك.
(١) برقم (٣١٧٣).
(٢) برقم (٦٩٩٤).
(٣) في تفسيره ١٦/٤.

الآية : ١١٣
١٥٣
سُوَرَةُ الصَّافَاتِ
وأُجيب عن بعض ما استُدلَّ به للأوَّل بأنَّ وقوعَ القصةِ بمكةَ غيرُ مسلَّم، بل كان
ذلك بالشام، وتعليقُ القرنين في الكعبة لا يدلُّ على وقوعها بمَّة؛ لجواز
أنَّهما نُقلا من بلاد الشام إلى مكةَ فعلِّقا فيها، وعلى تسليم الوقوعِ بمَّة، لا مانعَ
من أن يكونَ إِبراهيمُ قد سار به من الشام إليها، بل قد رُوي القولُ به، أَخرج
عبدُ الله بن أَحمدَ في ((زوائد الزُّهد))(١) عن سعيد بنِ جُبيرٍ قال: لمَّا رأى إِبراهيمُ في
المنام ذبحَ إسحاق، سار به من منزله إلى المنحر بمنّ مسيرةً شهرٍ فِي غَداةٍ واحدة،
فلمَّا صُرف عنه الذبحُ وأُمر بذبح الكبش، ذبحه، ثم راح به رواحاً إلى منزله في
عشيةٍ واحدةٍ مسيرةً شهر، طُويت له الأوديةُ والجبال.
وأمرُ الفخرِ لو سُلِّم لیس بالاستدلال به کثیرُ فخر.
والخبرُ الذي فيه: يا ابنَ الذَّبيحين، غريب، وفي إِسناده مَن لا يُعرف حالُه،
وفيه ما هو ظاهرُ الدلالةِ على عدم صحّته، من قوله: فلمَّا فرغ أَسهم بينهم فكانوا
عشرةً فخرج السهمُ على عبد الله، فإنَّ عبدَ اللهِ بإجماع أهلِ الأَخبار لم يكن مولوداً
عند حفرِ زمزم، وقصةُ نذرٍ عبد المطلبِ ذبحَ أحدٍ أولادِهِ تُروَى بوجهٍ آخَر، وهو أنَّه
نذر الذبحَ إذا بلغ أولادُه عشراً، فلمَّا بلغوها بولادة عبدِ اللهِ كان ما كان.
وما شاع مِن خبر: ((أنا ابنُ الذَّبيحَين)) قال العراقيّ: لم أَقف عليه، والخبرُ
السابقُ بعد ما عُرف حالُه لا يكفي لثبوته حديثاً، فلا حاجةً إلى تأويله بأنَّه أُريد
بالذَّبيحين فيه إسحاقُ وعبدُ الله، بناءً على أنَّ الأبَ قد يُطلق على العمّ، أو أُريد
بهما الذابحان، وهما إِبراهيمُ وعبدُ المطلب، بحمل فَعيل على معنى فاعل
لا مفعول، وحَمَلَ هؤلاء: ((وبشرناه بإسحاق نبياً)) على البِشارة بنبوَّته، وما تقدَّم
على البِشارة بأنْ يوجدَ قبل، ولمَّا كان التبشيرُ هناك قبل الولادة، والتسميةُ إنَّما تكون
بعدها في الأغلب، لم يسمِّ هناك وسمَّاه هنا؛ لأنَّه بعد الولادة، واستأنس للاتِّحاد
بوصفه بكونه من الصالحين؛ لأنَّ مطلوبَه كان ذلك، فكأنَّه قيل له: هذا الغلامُ الذي
بشِّرت به أوَّلاً هو ما طلبتَه بقولك: ((ربِّ هَبْ لي من الصالحين)).
(١) ص١٠٢.

سُوَدَّةُ الضَّافَاتِ
١٥٤
الآية : ١١٣
وأنت تعلم أنَّ حمله على البِشارة بالنبوَّة خلافُ الظاهر؛ إذ كان الظاهرُ أن يقالَ
لو أُريد ذلك: بشَرناه بنبوَّته، ونحوُه، وتقديرُ أن يوجدَ نبيّاً لا يدفعه كما لا يخفَى،
وكذا وصفُه بالصَّلاح الذي طلبه، فتأمَّل.
ومن العلماء مَن رأى قوَّةَ الأدلَّةِ من الطرفين، ولم يترجَّح شيءٌ منها عنده،
فتوقّف في التعيين، كالجلال السيوطيّ عليه الرحمة، فإنَّه قال في آخر رسالتِه
السابقة: كنتُ مِلْتُ إلى القول بأنَّ الذبيحَ إسحاقُ في التفسير، وأنا الآن متوقّف عن
ذلك(١).
وقال بعضُهم - كما نقله الخَفاجي(٢) -: إنَّ في الدَّلالة على كونه إِسحاقَ أدلة
كثيرة، وعليه جملةُ أهلِ الكتاب، ولم يُنقَل في الحديث ما يعارضه، فلعله وقع
مرَّتين: مرةً بالشام لإِسحاق، ومرةً بمَّة لإِسماعيلَ عليهما السلام.
والتوقّف عندي خيرٌ من هذا القول، والذي أَميل أنا إليه أنه إِسماعيلُ عليه
السلام، بناءً على أنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضيه، وأنه المرويُّ عن كثيرٍ من أئمَّة أهلٍ
البيت، ولم أتيقَّن صحةَ حديثٍ مرفوعٍ يقتضي خلافَ ذلك، وحالُ أهلِ الكتابِ
لا يخفَی علی ذوي الألباب.
البحثُ الثاني: أنَّه استدلَّ بما في القصّة على جواز النسخِ قبلَ الفعل، وهو
مذهبُ كثيرٍ من الأُصوليين، وخالف فيه المعتزلةُ والصَّيرفي. ووجهُ الاستدلالِ - على
ما قرَّره بعضُ الأَجلَّة - أن إِبراهيمَ عليه السلام أُمر بذبح ولِده، بدليل قولِه: ((افعل
ما تؤمر)) ولأنَّه عليه السلام أقدم على الذَّبح وترويعِ الولد، ولو لم يكن مأموراً به،
لَكان ذلك ممتنعاً شرعاً وعادة، ونُسخ عنه قبلَ الفعل؛ لأنَّه لم يفعل، ولو كان ترك
الفعل مع حضور الوقت، لَكان عاصياً.
واعتُرض عليه بأنَّا لا نسلم أنَّه لو لم يفعل وقد حضر الوقتُ لَكان عاصياً؛
لجواز أن يكونَ الوقتُ موسَّعاً فيحصل التمكُّن، فلا يعصي بالتأخير، ثم ينسخ.
(١) الحاوي للفتاوي ٤٩٨/١ .
(٢) في الحاشية ٧/ ٢٨٠.

الآية : ١١٣
١٥٥
سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
وأُجيب أمَّا أوَّلاً: فبأنَّه لو كان موسَّعاً، لَكان الوجوبُ متعلِّقاً بالمستقبل؛ لأنَّ
الأمرَ باقٍ عليه قطعاً، فإذا نُسخ فقد نسخ تعلُّق الوجوبِ بالمستقبل، وهو المانعُ من
النسخِ عندهم، فإنَّهم يقولون: إذا تعلَّق الوجوبُ بالمستقبل مع بقاءِ الأمرِ عليه،
امتنع رفعُ ذلك التعلُّق بالنهي عنه، وإلَّا لزم تواردُ الأمرِ والنهي على شيءٍ واحد،
وهو محال، فإذا جوَّزوا النسخَ في الواجب الموسَّعِ في وقته قبل فعلِه، مع أنَّ
الوجوبَ فيه تعلَّق بالمستقبل، والأمرُ باقٍ عليه، فقد اعترفوا بجوازٍ ما منعوه، وهو
المطلوب.
وأمَّا ثانياً: فبأنَّه لو كان موسَّعاً، لأَخَخَر الفعلَ ولم يُقدِم على الذَّبح وترويعِ الولد
عادة، إمَّا رجاءَ أن يُنسخَ عنه، وإمَّا رجاءً أن يموتَ فيسقط عنه؛ لِعِظَم الأمر،َ ومثلُه
مما يؤخَّر عادة.
وتعقِّب هذا بأنَّ عادةَ الأنبياءِ عليهم السلام المبادرةُ إلى امتثال أمرِ اللهِ تعالى
على خلاف عادةٍ أكثرِ الناس، ولا تُستبعد منهم خوارقُ العادات، وإبراهيمُ من
أجلِّهم قدراً، سلَّمنا أنَّ العادةَ ولو بالنّسبة إلى الأنبياءِ تقتضي التأخير، لكن من أين
عُلم أنَّه عليه السلام لم يؤخّر إلى آخر الوقتِ اتِّباعاً للعادة، فالمعوَّل عليه الجوابُ
الأوَّل، وبه يتمُّ الاستدلال.
وربما دفعوه بوجوهٍ أُخَر:
منها أنَّه لم يؤمَر بشيءٍ، وإنمَّا توهم ذلك توهّماً بإِراءة الرُّويا، ولو سُلِّم، فلم
يؤمَر بالذبح، إنمَّا أُمر بمقدِّماته من إِخراج الولدِ وأخذه المديةَ وتلِّه للجبين.
وتعقّب هذا بأنَّه ليس بشيء؛ لما مرَّ من قوله: ((افعل ما تؤمر» وإِقدامِه على
الذبح والترويعِ المحرَّم لولا الأَمر، كيف ويدلُّ على خلافه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا
لَهُوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ (٣)﴾ وقولُه سبحانه: ﴿وَقَّدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ (﴾﴾ ولولا الأمرُ لمَا كان
بلاءً مبيناً، ولمَا احتاج إلى الفداء، وكونُ الفداءِ عن ظنِّه أنَّه مأمورٌ بالذَّبح لا يخفى
حالُهُ، وعلى أصل المعتزلةِ هو توريطٌ لإِبراهيمَ عليه السلام في الجهلِ بما يظهر أنَّه
أمرٌ وليس بأمر، وذلك غيرُ جائز، ومَن لا يجوِّز الظنَّ الفاسدَ على الأنبياءِ عليهم
السلام فهذا عنده أَدْنَى من لا شيءٍ.

سُوَرَةُ الصَّافَاتِ
١٥٦
الآية : ١١٣
ومنها أنَّا لا نسلِّم أنَّه لم يذبح، بل رُوي أنَّه ذبح، وكان كلَّما قطع شيئاً يلتحم
عقيبَ القطع، وأنَّه خلق صفيحة نحاسٍ أو حديدٍ تمنع الذَّبح.
وتعقِّب بأنَّ هذا لا يُسمع:
أمّا أوَّلاً: فلأنَّه خلافُ العادةِ والظاهر، ولم ينقل نقلاً معتبراً. وأُجيب بأنَّ
الرِّوايةَ سندٌ للمنع، والضعفُ لا ينافيه، والاحتمالُ كافٍ في المقام، ولا ريبَ في
جوازه، كإِرسال الكبشِ من الجنة.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّه لو ذُبح لَمَا احتيج إلى الفداء، وكونُه لأنَّ الإزهاقَ لم يحصل،
ليس بشيء، ولو مُنع الذبحَ بالصفيحة مع الأَمر به لَكان تكليفاً بالمحال، وهم
لا يجوِّزونه، ثم قد نُسخ عنه، وإلّا لأَثم بتركه، فيكون نسخاً قبل التمكُّن، فهو لنا
لا علینا .
ومن السادة الحنفيةِ مَن قال: ما نحن فيه ليس من النسخ؛ لأنَّه رفعُ الحكمِ
لا إلى بدل، وهنا له بدلٌ قائمٌ مقامَه، كالفدية للصوم في حقِّ الشيخ الفاني، فعُلم
أنَّه لم یرفع حکمُ المأمور به.
وفي ((التلويح)): فإن قيل: هَبْ أنَّ الخلفَ قام مقامَ الأصل، لكنَّه استلزم حرمةَ
الأصل، أي: ذبحَه، وتحريمُ الشيءٍ بعد وجوبِهِ نسخٌ لا محالة؛ لرفع حکمه، قيل:
لا نسلِّم كونَه نسخاً، وإنمَّا يلزم لو كان حكماً شرعياً، وهو ممنوع، فإنَّ حرمةَ ذبحٍ
الولدِ ثابتةٌ في الأصل، فزالت بالوجوب، ثم عادت بقيام الشاةِ مقامَ الولد،
فلا تكون حكماً شرعياً حتى يكونَ ثبوتُها نسخاً للوجوب. انتهى.
وتعقّب بأنَّ هذا بناءً على ما تقرَّر من أنَّ رفعَ الإِباحةِ الأصليةِ ليس نسخاً، أمَّا
على أنَّه نسخٌ كما التزمه بعضُ الحنفيةِ إذ لا إباحةً ولا تحريمَ إلَّا بشرعٍ كما قرَّروه،
يكون رفعُ الحرمةِ الأصليةِ نسخاً، وإذا كان رفعُها نسخاً أيضاً، يبقى الإِيرادُ
المذكورُ من غير جواب، على ما قرِّر في (شرح التحرير))(١).
(١) ٥٠/٣ فما بعده.

الآية : ١١٣
١٥٧
سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ
هذا وتمامُ الكلام في حجَّة الفريقين مفصّل في أصول الفقه، وهذا المقدارُ
كافٍ لغرض المفسِّر.
البحث الثالث: أنَّه استدلَّ أبو حنيفةَ بالقصَّة على أنْ لو نذر أن يذبحَ ولدَه فعليه
شاة، ووافقه في ذلك محمد، ونقله الإِمام القرطبيُّ عن مالك(١).
وفي ((تنوير الأَبصار)) وشرحِه ((الدُّرِّ المختار))(٢): نذر أن يذبحَ ولدَه فعليه شاة؛
لقصَّة الخليلِ عليه السلام، وأَلغاه الثاني(٣) والشافعيّ؛ كنذره قتلَه(٤)، ونقل
الجصَّاص(٥) أنَّ نذرَ القتلِ كنذر الذبح، واعترض على الإِمام بأنَّه نذرُ معصية،
وجاء: ((لا نذرَ في معصية اللهِ تعالى)) (٦)، وقال هو: إنَّ ذلك في شرع إبراهيمَ عليه
السلام عبارةٌ عن ذبح شاة، ولم يثبت نسخُه، فليس معصية.
وقال بعضُ الشافعية: ليس في النظم الجليلِ ما يدلُّ على أنَّه كان نذراً من
إِبراهيمَ عليه السلام حتى يستدلَّ به. وأُجيب بأنَّه ورد في التفسير المأثورِ أنَّه نذر
ذلك، وهو في حكم النصّ؛ ولذا قيل له لمَّا بلغ معه السَّعي: أَوفِ بنذرك، وبأنَّه
إذا قامت الشاةُ مَقامَ ما أَوجبه الله تعالى عليه، عُلم قيامُها مقامَ ما يوجبه على نفسه
بالطريق الأَولى، فيكون ثابتاً بدلالة النصّ.
والإنصافُ أنَّ مدركَ الشافعيِّ وأبي يوسفَ عليهما الرحمة أظهرُ وأَقوى من
مدرك الإِمام الأعظم به في هذه المسألة، فتأمَّل.
(١) قال القرطبي في تفسيره ٨٠/١٨: وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي
عند مقام إبراهيم، في يمين، ثم حنث، فعليه هدي، قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل:
عند مقام إبراهيم، ولا أراده، فلا شيء عليه، قال: ومن جعل ابنه هَذْياً أهدى عنه.
(٢) ٣٩٥/١.
(٣) أي: أبو يوسف رحمه الله تعالى.
(٤) جاء في هامش الأصل: قوله: كنذره قتله، قال الخفاجي: عليه كفارة يمين عند الثاني نذر
الذبح أو القتل. اهـ منه. وهو في الحاشية ٧/ ٢٨٢.
(٥) انظر أحكام القرآن ٣٧٧/٣.
(٦) سلف تخريجه ٣/ ٤٦٤.

سُودَةُ الصَنَافَاتِ
١٥٨
الآية : ١١٤ - ١٢٣
· أَنعمنا عليهما بالنبوَّة وغيرِها من المنافع
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
، هذا وما بعده من قبيل
١١٥
الدينيةِ والدُّنيوية ﴿وَنَّتَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
عطفِ الخاصِّ على العامّ، والكَرْبُ العظيمُ تغلّب فرعونَ ومَن معه من القِبط،
وقيل: الغرق. وليس بذاك.
﴿وَنَصَرْنَهُمْ﴾ الضميرُ لهما مع القوم. وقيل: لهما فقط، وجيءَ به ضميرَ جمعٍ
﴾ بسبب ذلك على فرعونَ وقومِه. و((هم)) يجوز
١١٩
لتعظيمهما ﴿فَكَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ
أن يكونَ فصلاً، أو توكيداً، أو بدلاً. والتنجيةُ وإنْ كانت بحسب الوجودِ مقارِنةً لمَا
ذكر من النَّصر، لكنها لمَّا كانت بحسب المفهومِ عبارةً عن التخليصِ عن المكروه،
بدأ بها، ثم بالنصر الذي يتحقَّق مدلولُه بمحض تنجية المنصورِ من عدوّه من غیر
تغلّبٍ عليه، ثم بالغلبة؛ لتوفية مقام الامتنانِ حقَّه، بإظهار أنَّ كلَّ مرتبةٍ من هذه
المراتبِ الثلاثِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالها .
﴾ أي: البليغَ في البيانِ والتفصيل،
﴿وَءَانْتَهُمَا﴾ بعد ذلك ﴿اَلْكِتَبَ الْمُسْتِينَ
كما يُشعر به زيادةُ البنية، وهو التوراة ﴿وَهَدَيْنَهُمَا﴾ بذلك ﴿اَلْضِرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ
١١٨)
الموصلَ إلى الحقِّ والصَّواب، بما فيه من تفاصيل الشَّرائعِ وتفاريعِ الأحكام.
سَلَهُ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
١١٩
﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِ آلْآَخِينَ
الكلامُ فيه نظيرُ ما سبق في نظيره.
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
الْمُحْسِنِينَ (
قال الطبريّ (١): هو إلياس بنُ ياسين بن
١٢٣
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
فِنْحاص بنِ العيزار بن هارونَ أخي موسى عليهما السلام، فهو إِسرائيليٍّ من سِبط
هارون. وحكى القتيبيُّ(٢) أنَّه من سِبط يوشع. وحكى الطبرسيّ(٣) أنه ابنُ عمِّ
اليسع، وأنَّه بُعث بعد حِزقيل. وفي ((العجائب)) للكرمانيّ أنَّه ذو الكفل.
وعن وَهبِ أنَّه عُمِّر كما عمِّر الخضر، ويبقى إلى فناءِ الدنيا .
(١) في تفسيره ١٩/ ٦١٢.
(٢) في المعارف ص٥١.
(٣) في مجمع البيان ٨١/٢٣-٨٢.

الآية : ١٢٣
١٥٩
سُوَدَةُ الصَنَافَاتِ
وأخرج ابنُ عساكرٍ عن الحسن أنَّه موكلٌ بالفيافي، والخَضِرُ بالبحار والجزائر،
وأنَّهما يجتمعان بالموسم في كلِّ عام(١). وحديثُ اجتماعِه مع النبيِّ ◌َّر في بعض
الأسفار، وأكلهِ معه من مائدةٍ نزلت عليهما - عليهما الصلاة والسلام - من السماءِ
هي خبزٌ وحوتٌ وكَرَفْس، وصلاتِهما العصرَ معاً، رواه الحاكمُ عن أنسٍ وقال: هذا
حديثٌ صحيحُ الإِسناء (٢). وكلُّ ذلك من التعمير وما بعده لا يعوَّل عليه، وحديثُ
الحاكمِ ضعَّفه البيهقيّ(٣)، وقال الذهبي(٤): موضوعٌ قَبَّح الله تعالى مَن وضعه، ثم
قال: وما كنت أحسب ولا أجوِّز أنَّ الجهلَ يبلغ بالحاكم إلى أن يصحِّحَ هذا؟!
وأَخرج عبدُ بن حُميد وابن جَرِيرٍ (٥) وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وابنُ عساكر
عن ابن مسعودٍ أنَّ إلياسَ هو إِدريس، ونُقل عنه أنَّه قرأ: ((وإنَّ إدريسَ
لَمِنَ المرسَلين»(٦)، والمستفيضُ عنه أنَّه قرأ كالجمهور، نعم قرأ ابنُ وثَّاب
والأَعمشُ والمِنهال بنُ عَمٍو والحكم بنُ عُتيبة الكوفيُّ كذلك(٧).
وقُرئ: ((إِذْراس)) وهو لغةٌ في إدريس، كـ: إبراهام في إِبراهيم(٨). وإذا فسِّر
إلياس بإِدريس - على أنَّ أحدَ اللفظين اسمٌ والآخرُ لقب - فإنْ كان المرادُ بهما مَن
سمعتَ نسبَه، فلا بأسَ به، وإنْ كان المرادُ بهما إدريسَ المشهورَ الذي رفعه اللهُ
تعالى مكاناً عليّاً - وهو على ما قيل: أَخنوخ بنُ يزد بنِ مهلاييل بنِ أنوش بنِ
قينان بنِ شيث بنِ آدم، وكان على ما ذكره المؤرِّخون قبلَ نوح، وفي
(المستدرَك))(٩) عن ابن عباسٍ أنَّ بينه وبين نوحِ ألفَ سنة، وعن وَهبِ أنه جدُّ
(١) تاريخ ابن عساكر ٢١٠/٩
(٢) المستدرك ٢/ ٦١٧ .
(٣) في دلائل النبوة ٤٢١/٥-٤٢٢ .
(٤) في تلخيص المستدرك ٢/ ٦١٧.
(٥) في تفسيره ٩/ ٣٨٣.
(٦) القراءات الشاذة ص١٢٨، والمحتسب ٢٢٤/٢، والبحر ٣٧٢/٧.
(٧) المحتسب ٢٢٤/٢، والبحر ٣٧٢/٧.
(٨) البحر ٣٧٣/٧، وانظر المحتسب ٢٢٥/٢.
(٩) ٥٤٨/٢.

سُورَةُ الصَّافَاتِ
١٦٠
الآية : ١٢٤
نوح - أَشكل الأمرُ في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِنْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ
وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ حِكُلًا هَدَيْنَاً
دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (َ
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَّ وَكَذَلِكَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ
٨٥
وَزَّكَرِبَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسِّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِينَ
٨٤
نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَيُونُسَ وَلُوطَا وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣-٨٦] لأنَّ ضميرَ ((ذريته)) إمّا أن
يكونَ لإِبراهيم؛ لأنَّ الكلامَ فيه، وإمَّا أن يكونَ لنوح؛ لأنَّه أقرب، ولأنَّ يونسَ
ولوطاً ليسا من ذرِّية إِبراهيم، وعلى التقديرَين لا يتسنَّى نظمُ إلياسَ المرادِ به إدريسُ
الذي هو قبلَ نوح - على ما سمعت - في عِداد الذرِّية، ويَرِد على القول بالاتِّحاد
مطلقاً أنَّه خلافُ الظاهر، فلا تغفُل.
وقرأ عكرمةُ والحسنُ بخلافٍ عنهما، والأَعرج، وأبو رجاءٍ، وابنُ عامر، وابن
مُحيصن: ((وإنَّ الْياسَ)) بوصل الهمزة(١)، فاحتمل أن يكونَ قد وصل همزةَ القطع،
واحتمل أن يكونَ اسمُه ياساً ودخلت عليه ((أل))، كما قيل في اليسع.
وفي حرف أُبيِّ ومصحفِه: ((وإنَّ إِيْلِيْسَ)) بهمزةٍ مكسورة، بعدها ياءٌ ساكنةٌ آخرُ
الحروف، بعدها لامٌّ مكسورة، بعدها ياءٌ أيضاً ساكنة(٢)، وسينٌ مهملةٌ
مفتوحة(٣).
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ»﴾ وهم - على المشهور في ◌ِلياس - سِبطٌ من بني إِسرائيل،
أَسكنهم يوشعُ لمَّا فتح الشامَ المدينةَ المعروفةَ اليومَ ببعلبك، وزعم بعضُهم أنَّها
كانت تسمَّى بَّة، وقيل: بكّ، بلا هاء، ثم سمِّيت بما عُرف على طريق التركيبِ
المزجيّ.
و((إذ)) عند جمع مفعولُ: اذكر، محذوفاً، أي: اذكر وقتَ قولهِ لقومه: ﴿أَلَا
، عذابَ اللهِ تعالى ونقمتَه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
١٢٤
نَشَّقُونَ
(١) البحر ٧/ ٣٧٣، والمحتسب ٢٢٣/٢ إلا أنه لم يذكر الأعرج وابن عامر، وقراءة ابن
عامر - بخلاف عنه - في التيسير ص ١٨٧، والنشر ٣٥٧/٢.
(٢) بعدها في الأصل: وقيل: مفتوحة.
(٣) المحتسب ٢٢٥/٢، والبحر ٣٧٣/٧.