Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٨٩ ١٠١ سُوَرَةُ الصَّافَاتِ يُنكرها الكفرة، ولا مانعَ من أن يقال: خلق اللهُ تعالى كذا لتظهرَ دلالتهُ على كذا، ولا تتعيَّن العبارةُ التي ذكرها، على أنَّه لا بأسَ بها عند تدقيقِ النظر. ولعل ما قاله من فروع كونِ الماهيات غير مجعولة، والكلامُ فيه شهير. وأمَّا ما ذكره عن عمرَ بنِ الخيَّام، فهو على طرف الثُّمام. وأمَّا ما ذكره في محاجَّة إِبراهيم عليه السلام وتقريرِ المناظرةِ على ما قرَّره، فلم يقل به أحدٌ من المفسِّرين؛ سلفِهم وخلفِهم، بل قد يُقطع بأنَّه لم يخطرْ بقلب المشركِ المناظر، وما هو إلَّا تفسيرٌ بالرأي والتشهِّي، نعوذ باللهِ تعالى من ذلك. وأمَّا استدلالُه بما رُوي من نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال الشمسٍ والقمرِ عند قضاءِ الحاجة، فبعيدٌ عن حاجته، بل لا دلالةَ للنهي المذكورِ على تأثير الكواكبِ الذي يزعمونه، وإلَّا لدلَّ النهيُ عن استقبال الكعبةِ عند قضاءِ الحاجةٍ على أنَّ لها تأثيراً، على أنَّ بعضَ الأجِلَّة(١) قد ذكر أنَّ ذلك النهيَ لم يُنقّل فيه عن رسول اللهِ ﴾ كلمةٌ واحدة، لا بإِسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيف، ولا مثَّصلٍ ولا مرسل(٢)، وإنمَّا قال بعضُ الفقهاءِ في آداب التخلِّي: ولا يَستقبل الشمسَ والقمر، فقيل: لأنَّ ذلك أَبلغُ في التستُّر، وقيل: لأنَّ نورَهما من نوره تعالى، وقيل: لأنَّ اسمَ اللهِ تعالى مكتوبٌ عليهما . وأمَّا ما ذكر من حديث كسوفِ الشمسِ يومَ موتِ إبراهيمَ وقولِه عليه الصلاة والسلام ما قال، فصحيح، لكن لا يدلُّ على ما يزعمه المنجّمون، وصدرُ الحديثِ يدلُّ على أنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان، وليسا بربّين ولا إِلهين، ففيه إشارةٌ إلى نفي التصرُّفِ عنهما. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته)) قولان: أحدهما: أنَّ موت أحدٍ وحياتَه لا يكونان سبباً لانكسافهما. وثانيهما: أنَّه لا يحصلُ عن انكسافهما موتٌ ولا حياة، وإنمَّا ذلك تخويفٌ من اللهِ (١) جاء في هامش الأصل: ابن القيم عليه الرحمة. اهـ منه. (٢) القائل ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة ص٥٤٩ - ٥٥٠ . سُوَقُ الصَنَّافَاتِ ١٠٢ الآية : ٨٩ تعالى لعباده، أَجرى العادةَ بحصوله في أوقاتٍ معلومةٍ بالحساب؛ لطلوع الهلالِ وإبداره وسِرَاره. فأمَّا سببُ كسوفِ الشمس، فتوسُّطُ القمرِ بين جِرمِ الشمسِ وأَبصارنا، کسحابةٍ تمرُّ تحتها، فإنْ لم يكن للقمر عرض، ستر عنا كلَّ الشمس، وإنْ كان له عرض، فِقَدْرِ ما يوجبه عرضُه. وأما سببُ خسوفِ القمر، فهو توسُّطُ الأرضِ بينه وبين الشَّمس، حتى يصيرَ ممنوعاً من اكتساب النُّورِ من الشمس ويبقى ظلامُ ظلِّ الأرضِ المخروطِ في ممرِّه، فقد يقع كلُّه في المخروط، وقد يقع بعضُه فيه ويبقى بعضُه الآخَرُ خارجاً .. إلى آخر ما قرِّر في موضعه، وليس في الشَّرع ما يأباه. والوقوفُ على وقت الكسوفِ والخسوفِ ومقدارِهما أمرٌ سهل، ولا يَلزم من صدق المنجّم في ذلك صدقُه فيما يزعم من التأثيرات، وما الإخبارُ بهما إلَّا كالإخبار بوقت طلوع الشمسٍ في يومٍ كذا في ساعةٍ كذا، وكالإخبار بوقت الهلالِ والإِبدارِ والسرار. ثم إنَّا لا نُنكر أنَّ اللهَ تعالى يُحدث عند الكسوفَين من أَقضيته وأقدارِه ما يكون بلاءً لقومٍ ومصيبةً لهم، ويجعل الكسوفَ سبباً لذلك؛ ولهذا أَمر ◌َِّ عند الكسوفِ بالفزع إلى ذِكر اللهِ تعالى والصلاةِ والعَتاقةِ والصَّدقة، لأنَّ هذه الأشياءَ تكون سبباً لدفع موجبِ الكسفِ الذي جعله اللهُ تعالى سبباً لما جعله، فلولا انعقادُ سببٍ التخويف، لَمَا أمر عليه الصلاة والسلام بدفع موجبِه بهذه العبادات. ولله تعالى في أيام دهرِه أوقاتٌ يُحدث فيها ما يشاء من البلاءِ والنَّعماء، ويقضي من الأسبابِ بما يدفع موجبَ تلك الأسبابِ لمن قامت به، أو يقلِّله، أو يخفِّفه، فمَن فزع إلى تلك الأسبابٍ أو بعضِها اندفع عنه الشرُّ الذي جعل اللهُ تعالى الكسوفَ سبباً له أو بعضُه؛ ولهذا قلَّما يسلم أطرافُ الأرضِ حيث يخفَى الإِيمانُ وما جاءت به الرسلُ فيها من شرِّ عظيم يحصل بسبب الكسوف، ويسلم منه الأماكنُ التي يظهر فيها نورُ النبوَّة والقيامُ بما جاءت به الرُّسل، أو يقلُّ فيها جدّاً. ٠ الآية : ٨٩ ١٠٣ سُوَرَةُ الصَنَافَات وقد جاء أنَّهِ وَّهِ لمّا كُسفت الشمس في عهده قام فَزِعاً مسرعاً يجرُّ رداءه، ونادى في الناس: ((الصلاة جامعة)) وخَطَبهم بتلك الخطبةِ البليغة، وأَخبر أنَّه لم يرَ كيومه ذلك في الخير والشرّ، وأَمرهم عند حصولِ مثلِ تلك الحالةِ بالعَتاقة والصدقةِ والصلاةِ والتوبة (١)، وما ذلك إلّا لكونه عليه الصلاة والسلام أَعلمَ الخلقِ بالله تعالى وبأمره وشأنِه وتصريفِه أمورَ مخلوقاتِه وتدبيرِهِ، وأَنصحَهم للأمَّة، وأَشْفَقَهم على العباد، ولم يبيِّن لهم عليه الصلاة والسلام أسبابَ الكسوفين وحسابَهما؛ لأنَّ الجهلَ بذلك لا يضرّ، والعلم به لا ينفع نفعَ العلمِ بما جاءت به الرُّسلُ علیھم السلام. وقد يقال: الأمرُ بالصَّلاة عندهما كالأَمر بالصَّلاة عند طلوعِ الفجرِ والغروبِ والزَّوال، مع تضمُّن ذلك رفعَ موجيهما الذي جعلهما الله تعالى سبباً له. ومن الناس مَن أَنكر أن يكونَ الكسوفان سببين لشيءٍ من البلاءِ أصلاً، وأنَّ سببَ حصولهِما ليس ما أَطال الكلامَ فيه المنجِّمون ومرَّ بعضُه، بل السببُ هو تجلِّي اللهِ تعالى عليهما؛ لِمَا أَخرجه ابنُ ماجه في ((سنته)) والإمامُ أحمدُ والنَّسائيُّ(٢) من حديث النعمان بن بشيرٍ قال: انكسفت الشمسُ على عهد النبيِّ وَّهِ، فخرج فزعاً يجرُّ ثوبَه حتى أَتى المسجد، فلم يزل يصلِّي حتى انجلت، ثم قال: ((إنَّ ناساً يزعمون أنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان إلَّا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك، إنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا تجلَّى اللهُ تعالى لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له)). وأنَّ الأمرَ بالصلاةِ لظهور آثارٍ تجلِّ الجلالِ في هذين الجِرمين العظيمين، أو هو کالأمر بالصَّلاة عند غروب الشمسٍ وطلوع الفجر مثلاً، وحکمتُه کحكمته، والقائلون بهذا مكابرون للفلاسفة في أشياءَ لا ينبغي المكابرةُ فيها، ولعلها تضرُّ بالدِّين، وتصيرُ سبباً لطعن الملحدين، فيكابرون في كون الأَفلاكِ مستديرةً والأرضِ كُرَية، وأنَّ نورَ القمرِ مستفادٌ من ضياءِ الشمس، وأنَّ الكسوفَ القمري عبارة عن (١) سلف حديث الكسوف قريباً ص٩٦. (٢) سنن ابن ماجه (١٢٦٢)، ومسند أحمد (١٨٣٥١)، وسنن النسائي ١٤١/٣. سُورَةُ القَنَّافَاتِ ١٠٤ الآية : ٨٩ انمحاء نور القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس، من حيث إنَّ نورَه مقتبسٌ منها، وأنَّ الكسوفَ الشمسيَّ عبارةٌ عن وقوع جِرم القمرِ بين الناظرِ والشمسِ عند اجتماعِهما في العُقدتين على دقيقةٍ واحدة، وقولُهم بتأثير الأسبابِ المحسوسةِ في مسبَّباتها وإثباتِ القُوى والطبائع والأفعالِ والانفعالاتِ إلى غير ذلك، ممَّا تقوم عليه الأدلةُ اليقينيةُ ولا تعارضه النّصوصُ الشرعيةُ القطعية. وما ذكروه من الحديث تعقَّبه حجَّةُ الإسلام الغزاليُّ فقال: إنَّ زيادة: فإنَّ الله(١) .. إلخ، لم يصحَّ نقلُها، فيجب تكذيبُ قائلها، ولو صحَّت، لَكان تأويلُها أهونَ من مكابرة أمورٍ قطعية، فكم من ظواهرَ أوِّلت بالأدلة العقليةِ التي لم تبلغْ في الوضوح إلى هذا الحدّ، وأعظمُ ما يفرح به الملحدةُ أن يصرِّحَ ناصرُ الشرعِ بأنَّ هذا وأمثالَه على خلاف الشَّرع، فيسهل عليه إِبطالُ الشرعِ إن كان شرطُه أمثالَ ذلك. اهـ. وليس الأمرُ في هذه كما قال من عدم الصِّحَّة، فإنَّ إسنادَها لا مطعنَ فيه، فابنُ ماجه يروي الحديثَ بهذه الزيادةِ عن محمد بنِ المثنَّى وأحمدَ بنِ ثابتٍ وحُميدٍ بن الحسن، وهم يروونه عن عبد الوهّاب، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن النُّعمان بن بشير، وكلُّ هؤلاء ثقاتٌ حقّاظ(٢). نعم الحديثُ الخالي عنها رواه بضعةً عشرَ صحابيّاً، منهم عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وابنُ عباس، وعائشة، وأسماء أختها، وأُبيُّ بن كعب، وجابرُ بن عبدِ الله، وسَمُرةُ بن جُندب، وقَبيصة الهلالي، وعبدُ الله بن عَمرو، ومن هنا خاف بعضُ الأَجلَّة أن تكونَ مدرجةً في الحديث، لكنه خلافُ الظاهر، وحينئذٍ يقال: إنَّ كسوفَ الشمسِ والقمرِ يوجب لهما ضَعْفَ سلطانِهما وبهائهما، وذلك يوجبُ لهما من الخشوع والخضوعِ لربِّ العالمين وعَظَمتِهِ وجلالِه سبحانه ما يكون سبباً لتجلِّيه عزَّ وجلَّ لهما، ولا يستنكَر أن يكونَ تجلِّي اللهِ سبحانه لهما في وقتٍ معيَّن كما يدنو سبحانه من أَهل الموقفِ عشيةً (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: فإذا تجلَّى الله ... (٢) إلا أن رواية أبي قلابة عن النعمان بن بشير مرسلة فيما ذكر يحيى بن معين، وفيها اضطراب أيضاً، انظر مسند أحمد وقد سلف قريباً. الآية : ٨٩ ١٠٥ سُوَّةُ الصَّافَاتِ عرفة، وكما يَنزل تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا عند مُضيِّ نصفِ الليل، فيُحدث لهما ذلك التجلِّي خشوعاً آخَرَ ليس هو الكسوف، فإنه إنَّما حدث بالسَّبب الذي عرفت، ولم يقل النبيُّ ◌َّهِ: إنَّ اللهَ تعالى إذا تجلَّى لهما انكسفا، بل قال: (فإذا تجلَّى اللهُ لشيءٍ من خلقِه خشع له))(١). وفي رواية الإِمام أحمد: ((إذا بدا اللهُ لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له)) فهاهنا خشوعان: خشوعٌ أَوجبه كسوفُهما الحادثُ من وضعهما الخاصّ، وخشوعٌ أَوجبه تجلِّيه تعالى لهما لذلك الخشوع الذي أوجبه الكسوف. وهذا توجيهٌ لطيفُ المنزع، يقبله العقلُ المستقيمُ والفطرَةُ السليمةُ إن شاء الله تعالى. وأمَّا استدلالُهُ بحديث ابن مسعود، ففيه ــ على ما قيل - أنَّ الحديثَ لو ثبت، لَكان حجَّةً عليه لا له؛ إذ لو كان علمُ النجومِ حقًّا، لم يأمر بَّهِ بالإِمساك عند ذكرٍ النُّجوم، فالظاهرُ أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يأمرْ بذلك إلَّا لأنَّ الخوضَ في ذلك خوضٌ فيما لا علمَ للخائض به، فتأمَّل. وأمَّا حديثُ النهي عن السفر والقمر في العقرب، فصحيحٌ من كلام المنجِّمين، دونَ رسولِ ربِّ العالمين وَّه وروايتُه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه كذبٌ أيضاً، والمشهورُ عنه خلافُ ذلك، كما سمعتَ في قصَّة خروجِه لقتال الخوارج. وأمَّا ما احتجَّ به من الأثر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّ رجلاً أتاه .. إلخ، فلا يُعلم ثبوتُه عنه رَبِهِ، والكذَّابون كثيراً ما يُنفقون سِلَعَهم الباطلةَ بنسبتها إليه أو إلى أهل بيتِهِ، ثم لو صحَّ عنه، فليس فيه تعرُّضٌ لثبوت أحكام النجوم بوجه، وقد جاءَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((اللهمَّ بارِكْ لأَمَّتي فيَ بُكورها))(٢) ونسبةُ أوَّل الشهرِ إليه كنسبة أولِ النَّهار إليه، وكان صخرٌ راوي الحديثِ إذا بعث تجارةً له، بعثها في أوَّلَ النهار، فأَثَرَى وكثر مالُه. ولا يَبعُد أن يكونَ أوَّلُ السنةِ كأوَّل النهارِ أيضاً، فالأوائل مزيةُ القوَّة، كما هو مشاهدٌ في الشباب والشَّيخوخة، (١) لم نقف عليها عند أحمد، وإنما هي في رواية النسائي. (٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢)، وابن ماجه (٢٢٣٦) من حديث صخر عَبْه . الغامدي ضـ سُورَةُ الصَنَّافَات ١٠٦ الآية : ٨٩ ولله تعالی تجلِیاتٌ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وليس ذلك من تأثير الكواكب في شيء، ومثلُ هذا يقال فيما ذكره الكرمانيّ، وقد مرّ. وأمَّا ما ذكره عن اليهوديِّ الذي أَخبر ابنَ عباسٍ ﴿هَا، فلا نسلُم صحَّته، وإنْ سُلِّم ذلك، فهو من جنس إِخِبار الكهَّانِ بشيءٍ من المغيَّبات، وقد أَخبر ابنُ الصيّاد النبيَّ ◌َ﴿ بما أَخبر، فقال عليه الصلاةُ والسلام له: ((إنَّما أنت من إِخوان الكهَّان)»(١)، وعِلمُ تقدمة(٢) المعرفةِ لا يختصُّ بما ذكر المنجّمون، بل له عدةُ أسبابٍ يصدق الحكمُ معها ويكذب، منها الكهانة، ومنها المنامات، ومنها الفألُ والزَّجر وضربُ الحصَى والخظُ والكفُّ والكشفُ المستندُ إلى الرِّياضة، وهو كشفٌ جزئيٌّ عن بعض الحوادث، ويشترك فيه المؤمنُ والكافر، ومنها غيرُ ذلك. وللعمَّال في البحر والسُّعاة ونحوِهم في البَرِّ علاماتٌ يعرفون بها أوقاتَ المطرِ والصحوِ والبردِ والرِّيح وغيرِها، وقلَّما يُخطئون في أَخبارهم، بل صوابُهم في ذلك أكثرُ من صواب المنجم. وأمَّا ما ذكره من حديثٍ أبي الدرداء، فالمحفوظُ فيه: توفِّي رسولُ اللهِ لاَّه وتَرَكنا وما طائرٌ يقلِّب جناحَيه إلَّا وقد ذكر لنا منه علماً(٣). وفيه رواياتٌ أخرُ صحيحةٌ أيضاً (٤)، وكلُّها ليس فيها: وليست الكواكب .. إلخ(٥)، فهو من أعظم الأَدلَّةِ على بطلان دعوى المنجِّمين؛ إذ لم يذكرْ عليه الصلاة والسلام من أحكام النجومِ شيئاً ألبَّة، وقد علَّمهم علمَ كلِّ شيءٍ حتى الخِراءة (٦). وأمَّا قولُه: إنَّه جاء في الآثار أنَّ أوَّل من أُعطي هذا العلمَ آدمُ عليه السلام .. إلخ، فكَذِبٌ وافتراءٌ على آدَمَ عليه السلام، وقد عمل هذا الكاذبُ (١) سلف خبر ابن الصياد ٣١٤/١٩. (٢) في الأصل و(م): مقدمة، والمثبت من مدارج السالكين ص ٥٧٠، وهو الصواب. (٣) أخرجه أبو يعلى (٥١٠٩)، والطبراني كما في مجمع الزوائد ٢٦٤/٨. (٤) انظر مسند الإمام أحمد (١٨٢٢٤) و(٢١٣٦١). (٥) يعني بذلك قول أبي الدرداء المتقدم ص ٩٥ - ٩٦. (٦) كما ورد في حديث سلمان ظراته، وهو عند مسلم (٢٦٢). الآية : ٨٩ ١٠٧ سُورَةُ الصَّافَاتُ المفتري بالمَثَل السائر: إذا كذبتَ فأَبعِدْ شاهدَك، ونحوُه ما رُوي عن ميمون بنِ مهران. وأمَّا ما نُسب إلى الشافعي، فهو بعضٌ من حكايةٍ ذكرها أبو عبد اللهِ الحاكم فيما ألَّفه في مناقبه، والحكاياتُ التي ذُكرت عنه في أحكام النجومِ ثلاث: إِحداها: قال الحاكم: قُرئ على أبي يعلَى حمزةَ بنِ محمد العلويِّ وأكثرُ ظنِّي أنِّي حضرته: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن محمدٍ بن العباسِ الأَزْديّ في آخرين قالوا: حدَّثنا محمدُ بن أبي يعقوبَ الجوال الدِّينوري، حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البلوي، حدَّثني خالي عمارةُ بن زيدٍ قال: كنت صديقاً لمحمد بن الحسن، فدخلتُ معه يوماً على هارون الرشيد، فساءَلَه، ثم إنِّي سمعت محمد بن الحسنِ وهو يقول: إنَّ محمدَ بن إدريسَ يزعم أنَّه للخلافة أَهل (١)، قال: فاستشاط هارونُ من قوله غضباً، ثم قال: عليَّ به، فلمَّا مَثُل بين يديه، أَطرق ساعةً ثم رفع رأسَه إليه فقال: إيهاً (٢)، قال الشافعي: ما إِيهاً يا أميرَ المؤمنين! أنت الداعي وأنا المدعوّ، وأنت السائلُ وأنا المجيب. فذكر حكايةً طويلةً سأله فيها عن العلوم ومعرفتِه بها، إلى أن قال: كيف علمُك بالنُّجوم؟ قال: أعرف الفلكَ الدائرَ والنجمَ السائر، والقطبَ الثابتَ والمائيَّ والناري، وما كانت العربُ تسمِّيه الأنواءَ ومنازلَ النّيِّرين، والاستقامةَ والرجوع، والنحوسَ والسُّعود، وهيئاتها وطبائعَها، وما أستدلُّ به في بَرِّي وبحري، وأَستدلُّ في أوقات صلاتي، وأعرف ما مضى من الأوقات في إِمسائي وإِصباحي وظَعْني في أسفاري، ثم ساق العلومَ على هذا النَّحو. ومَن له علمٌ بالمنقولات يعلم أنَّ هذه الحكايةَ كذبٌ مختلَق، وإفكّ مفترًى على الشافعي، والبلاءُ فيها من عند محمدِ بن عبد الله البَلَوي، فإنَّه كذَّاب وضَّاع، وهو الذي وضع رحلةَ الشافعيِّ وذكر فيها مناظرتَه لأبي يوسفَ بحضرة الرشيد، ولم يَرَ الشافعيُّ أبا يوسفَ ولا اجتمع به قطّ، وإنمَّا دخل بغدادَ بعد موتِه، ويشهد بگذِبها أنَّها تدلُّ على أنَّ محمداً وشى بالشافعيِّ إلى الرشيد وأراد قتله، ومحمدٌ أجلُّ من (١) كذا في الأصل و(م)، وفي مفتاح دار السعادة ص٥٦٥: أن للخلافة أهلاً. ولَعلَّه الصواب. (٢) يعني: أمراً بالسكوت. النهاية (إيه). سُورَةُ الضَنَّافَاتِ ١٠٨ الآية : ٨٩ أن يُنسبَ إليه ذلك، وتعظيمُه للشافعيِّ ومحبَّته إياه هو المعروف، كتعظيم الشافعيِّ له وثنائه عليه، وفيها شواهدُ أُخَرُ على الكذب، يعرفها العالمُ بالمنقول إذا اطّلع عليها كلِّها . وثانيتُها - وهي التي أخذت منها ما ذكرها الإِمام - قال الحاكم: أَخبرنا أبو الوليدِ الفقيهُ قال: حُدِّثت عن الحسن بنِ سفيان، عن حرملةَ قال: كان الشافعيُّ يديم النظرَ في كتب النُّجوم، وكان له صديق، وعنده جاريةٌ قد حَبِلت، فقال: إنَّها تلد إلى سبعةٍ وعشرين يوماً، ويكون في فخذ الولدِ الأيسرِ خالٌ أسود، ويعيش أربعةً وعشرينَ يوماً ثم يموت، فكان الأمرُ كما قال، فأَحرق بعد ذلك تلك الكتبَ وما عاود النظرَ في شيءٍ منها . وهذا الإسنادُ رجالهُ ثقات، لكنَّ الشأنَ فيمن حدَّث أبا الوليدِ عن الحسن بنِ سفيان، أو فيمن حدَّث الحسنَ عن حرملة، ويدلُّ على كَذِب الحكايةِ أنَّها لو صحَّت، لَوجب أن تُثَنَى الخناصرُ على هذا العِلم، وتشدَّ به الأيدي، لا أن تُحرقَ كتبُهُ ولا يعاوَدَ النظرُ في شيءٍ منها، وأنَّ الطالعَ عند المنجِّمين طالعان: طالعُ مسقطٍ النطفة، وهو الطالعُ الأصليُّ الذي يزعمون دلالتَه على وقت الولادة، والحكايةُ لم تتضمَّن أنَّ الشافعيَّ نظر فيه، ولو كان لتضمَّنته. وطالعُ الولادة، وإِخبارُ الشافعيِّ قبلها؛ ضرورةَ أنَّه قال: إنَّها تلد إلى سبعةٍ وعشرين يوماً. وثالثتُها: قال الحاكم: أنبأني عبدُ الرحمن بنُ الحسنِ القاضي، أنَّ زكريا بنَ يحيى الساجيَّ حدَّثهم قال: أَخبرني أحمدُ بن محمد بن بنت الشافعيِّ قال: سمعتُ أبي يقول: كان الشافعيُّ وهو حَدَثٌ ينظر في النُّجوم، وما نظر في شيءٍ إلَّ فاق فيه، فجلس يوماً وامرأةٌ تلد، فحسب فقال: تلد جاريةً عوراءَ على فَرجِها خالٌ أسود، وتموت إلى كذا وكذا، فوَلَدت، فكان كما قال، فجعل على نفسه ألَّا ينظرَ فيه أبداً . وأمرُ هذه الحكايةِ كالتي قبلها، فإنَّ ابنَ بنتِ الشافعيِّ لم يلقَ الشافعيَّ ولا رآه، والشأنُ فيمن حدَّث بها عنه، وأيضاً طالعُ مسقطِ النطفةِ لم يؤخذ، والخبرُ قبل الآية : ٨٩ ١٠٩ سُورَةُ الصَّافَاتِ تحقَّقِ طالع الولادة، ثم إنَّ تحقُّقَ هذه الحكايةِ إن كان قبلَ تحقَّقِ الحكايةِ التي قبلها، لم تكد تحقَّق، وإن كان تحقّقُ تلك قبل، لم تكد هذه تحقَّق، كما لا يخفَى على المنصف. والذي صحَّ عن الشافعيِّ في أمر النجومِ أنَّه كان يعرف ما كانت العربُ تعرفه من علم المنازلِ والاهتداءِ بالنُّجوم في الظُّرقَات، وأما غيرُ ذلك من الأحكام التي يزعمها المنجّمون، فلا. وكان ظُهُ شديدَ الإِنكار على المتكلِّمين، مُزرياً بهم، حُكُمُه فيهم أن يُضرَبوا بالجريد ويطافَ بهم في القبائل، فما تراه يرى في المنجِّمين الذي شاع هَذَيانُهم، وقَبْحَ عند ذوي العقولِ السليمةِ شأنُهم؟ نَعَم كانت له رُه الیدُ الطُولى في علم الفراسة، وقد خرج إلى اليمنِ لجمع كتبِهِ، فجمع منها ما جمع، وله فيها حكاياتٌ يُقضَى منها العجب، ولعل إِخبارَه بأمر المولودِ - لو صحَّ - من ذلك العِلم، والناقلُ - لجهله أو لأمرٍ آخَر - أَسنده للنَّظر في أَحكام النجومِ وقال ما قال. وأمّا ما ذُكر عن ابن إِسحاقَ من أنَّ فرعونَ كان يقتل أبناءَ بني إِسرائيل لإِخبار المنجّمين إياه بأنَّه سيولد لهم مولودٌ يكون هلاكُه على يده، فهو - كما قال بعضُ الأَجِلَّة - من أخبار أهلِ الكتاب، ومخالفٌ لروايات أكثرِ المفسرين، فإنَّهم أحالوا ذلك على أخبار الكهَّان. وروى بعضُهم أنَّ قومَه أَخبروه بأنَّ بني إسرائيلَ يزعمون أنَّه يولد منهم مولودٌ يكون هلاكُك على يديه، وفي أخبار الكهَّانِ ما هو أعجبُ من ذلك، ومنها خبرُهم بظهور خاتَمِ الرُّسل ◌َ له وانتشارِ أمرِه. ونحن لا نُنكر علمَ تقدمةِ المعرفةِ بأسبابٍ مفضيةٍ إلى مثل ذلك يختلف قُوى الناسِ في إدراكها وتحصيلها، وإنما كلامُنا مع المنجِّمين في أصول علمِ الأَحكام وبيانِ فسادِها وكَذِب أكثرِ الأحكامِ التي يُسندونها إليها . وأمَّا ما ذكره في الاستدلال بالمعقول من أنَّه ما خلت عن هذا العلم مِلَّةٌ من الملل، ولا أمةٌ من الأُمم، وأنَّهم لم يزالوا مشتغلين به، معوِّلين في معرفة المصالحِ عليه ... إلى آخِر ما قال، ففِريةٌ من غير مِرية، ويا عجباً من دعواه إِطباقَ أهلٍ المشرق والمغربِ من أوَّل بناءِ العالَمِ إلى آخره عليه، وهم يقولون: إنَّما أُسِّستَ سُورَةُ الصَّافَاتِ ١١٠ الآية : ٨٩ أصولُه وأوضاعُه في زمن هرمس الهرامسة، يَعنون به إدريسَ عليه السلام، وهو بعدَ بناءِ العالَم بكثير. وأيضاً قد ردَّه كثيرٌ من الفلاسفة وجمعٌ غفيرٌ من أَساطين الإِسلام، حتى إنَّه قد أُلٌف ما يزيد على مئة مصنَّف في ردِّه وإِبطاله، وقد قال أبو نصرِ الفارابي: إِعلم أنَّك لو قلَبتَ أوضاعَ المنجِّمين، فجعلتَ الحارَّ بارداً والباردَ حارّاً، والسعدَ نحساً والنحسَ سعداً، والذَّكرَ أنثى والأُنثى ذَكَراً، ثم حكمت، لَكانت أحكامُك من جنس أحكامِهم، تصيب تارةً وتخطئُ تارات. وقد زيَّف أمرَهم ابنُ سينا في كتابَيه: ((الشِّفاء)) و((النَّجاة)) وكذا أبو البركاتِ البغداديُّ في کتاب (التعبیر) له. هذا ما اختاره بعضُ المحقّقين في الردّ على المنجِّمين، وأَعود فأَقول: الذي أَراه في هذا المقام، ويترجَّح عندي من كلام العلماءِ الأَعلام، أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يخلق شيئاً باطلاً خالياً عن حِكمةٍ ومنفعة، بل خلق الأَشياء؛ علويَّها وسفليَّها، جليلَها ودنيّها، مشتملةً على حِكَمٍ لا تحصَى، ومنافعَ لا تستقصَى، وإنْ تفاوتت في أفرادها قلَّةً وكثرة، وخصَّ كلَّا منها بخاصَّة لا توجد في غيرها، مع اشتراك الكلِّ في الدَّلالة على وجوده تعالى، ووحدته وعلمِه وقدرتِه: وتسكينةٍ أبداً شاهدٌ والله في كلِّ تحريكةٍ تدلُّ على أنَّه واحد (١) وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ فالأَجرامُ العلويةُ مشتركةٌ في هذه الدَّلالة، مختصٌّ كلٍّ منها بخاصَّة، وشأنُ الكواكبٍ في خواصِّها وتأثيراتِها كشأن النباتاتِ والمعدنياتِ والحَیوانیات في خواصِّها وتأثيراتِها. فمنها ما خاصَّته في نفسه غيرُ متوقِّفة على ضمِّ شيءٍ آخَرَ إليه. ومنها ما خاصَّته متوقفةٌ على ضمِّ شيءٍ آخَر. ومنها ما إذا ضمَّ إليه شيءٌ أَسقط خاصتَه وأَبطل منفعته. ومنها ما يُعقل وجهُ تأثيره. ومنها ما لا يُعقل. ومنها ما يؤثِّر في مكانٍ دونَ مكان، وزمانٍ دونَ زمان. ومنها ما يؤثِّر في جميع الأزمنة والأمكنة، إلى غير ذلك من الأحوال. وكونُها زينةً للسماءِ لا يستدعي نفيَ أن يكونَ فيها منفعةٌ (١) سلف ٢٧١/١. الآية : ٨٩ ١١١ سُوَرَّةُ الصَنَافَاتِ أخرى على حدِّ ما في الأرض، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا﴾ [الكهف: ٧]. مع اشتمال الأزهارِ وغيرِها على ما تعلمُ وما لا تعلمُ من المنافع. وكذلك كونُها علاماتٍ يُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، وكونُها رجوماً للشياطين. ولا أَقول ببساطة الأفلاك، ولا ببساطة الكواكب، ولا بانحصارِها فيما يشاهَد ببصرٍ أو رصد، ولا بذكورة بعضٍ وأنوثةٍ آخَر، إلى كثيرٍ مما يزعمه المنجّمون. وأقول: إنَّ اللهَ تعالى أَودع في بعضها تأثيراً حسبما أودع في أزهار الأرضِ ونحوِها، وإنَّها لا تؤثِّر إلَّا بإذنه عزَّ وجلّ، كما هو مذهبُ السلفِ في سائر الأسبابِ العادية، وإن شئتَ فقل كما قال الأَشاعرةُ فيها. وإِنَّه لا يَبعُد أن يكونَ بعضُها علاماتٍ لإِحداثه تعالى أموراً لا بواسطتها في أحد العالمين العلويِّ والسُّفلي، يعرفها مَن يُوقِفِه الله تعالى عليها من ملائكته وخواصٌ عبادِه. وارتباط كثيرٍ من السُّفليات بالعُلويات ممَّا قال به الأكابر، ولا يُنكره إلَّا مكابر. ولا أَنسب أثراً من الآثار إلى كوكبٍ بخصوصه على القطع؛ لاحتمال شركةٍ كوكبٍ أو أمرٍ آخَر. نعم الظاهرُ يقتضي كثرةَ مدخليةٍ بعضٍ الكواكبِ في بعض الآثار، كالقمر في مدِّ البحارِ وجَزرِها، فإنَّ منها ما يأخذ في الازدياد حين يفارق القمرُ الشمسَ إلى وقت الامتلاء، ثم إنَّه يأخذ في الانتقاص، ولا يزال نقصانُه يستمر بحسَب نقصانِ القمرِ إلى المُحاق، ومنها ما يحصل فيه المدُّ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مع طلوع القمرِ وغروبهِ، كبحر فارس وبحرِ الهندِ وبحر الصِّين. وكيفيتُه أنَّه إذا بلغ القمرُ مشرقاً من مشارق البحر، ابتدأَ البحرُ بالمدّ، ولا يزال كذلك إلى أن يصيرَ القمرُ في وسط سماءِ ذلك الموضع، فإذا زال عن مغربٍ ذلك الموضع، ابتدأ المدُّ من تحت الأرض، ولا يزال زائداً إلى أن يصلَ القمرُ إلى وتد الأرض، فحينئذٍ ينتهي المدُّ منتهاه، ثم يبتدئُ الجزرُ ثانياً ويرجع الماءُ كما كان، ومثل المدِّ والجزرِ بحراناتُ الأمراض، فإنَّها بحسب زيادةِ القمرِ ونقصانِه على معنى كثرةٍ مدخليةٍ ذلك ظاهراً فيها، إلى أمورٍ كثيرة. ولا أقول: إنَّ لكوكبٍ تأثيراً في السعادة والشقاوةِ ونحوِهما، ولا يَبعُد أن يكونَ كوكبٌ أو كواكبُ باعتبار بعض الأحوالِ علامةً لنحو ذلك يعرفها بعضُ سُورَةُ الضَنَافَاتِ ١١٢ الآية : ٨٩ الخواصّ، ولا وثوقَ بما قاله الأَحكاميُّون، وكلُّ ما يقولونه ظنٍّ وتخمينٌ لا دليلَ لهم عليه، وهم فيما أسَّسوا عليه أحكامَهم متناقضون، وفي المذاهبِ مختلفون، فللبابليِّين مذهب، وللفُرس مذهب، ولأَهل الهندِ مذهب، ولأهل الصينِ مذهب، وقد ردًّ بعضُهم على بعض، وشهد بعضٌ على بعضٍ بفساد أصولِهم ومبنَى أحكامِهم، فقد كان أوائلُهم من الأَقدمين وكبار رصَّادهم من عهد بطليموس وطيموحارس ومانالارس قد حكموا حكماً في الكواكب، واتَّفقوا على صحّته، وأَقام الناسُ على تقليدهم وبناءِ الأمرِ على ما قالوه أكثرَ من سبع مئةٍ سنة، فجاء من بعدهم خالدُ بن عبد الملكِ المروَزي، وحسنٌ صاحبُ الزِّيج المأموني، ومحمدُ بن الجهم، ويحيى بنُ أبي منصور، فامتحنوا ما قالوا، فوجدوهم غالطين، وأَجمعوا على غلطِهم، وسمّوا رصدَهم الرصدَ الممتحن. ثم حدثت بعدَهم بنحو ستِّين سنةً طائفةٌ أخرى زعيمُهم أبو معشرٍ محمدُ بن جعفر، فردّ عليهم وبيَّن خطأَهم، كما ذكره أبو سعيدٍ شاذانُ المنجّم في كتاب ((أَسرار النُّجوم)) له، وفيه: قلتُ لأبي معشر: الذَّنَب باردٌ يابس، فلمَ قلتم: إنَّه يدلُّ على التأنيث؟ فقال: هكذا قالوا، قلت: فقد قالوا: إنَّه ليس بصادق اليَبَس، لكنَّه باردٌ عَفِن ملتوٍ كلُّ الأَعراضِ الغائيةِ توهُّم لا يكون شيءٌ منها يقينيًّا، وإنَّما يكون توهُّم أَقوى من توهُّم. ومَن تأمَّل أحوالَ القوم، علم أنَّ ما معهم تفرُّسٌ يصيبون معه ويخطئون. ثم حدثت بعدَهم طائفةٌ أخرى بنحو سبعين سَنَة، منهم أبو الحسينِ عبدُ الرحمنِ بنُ عمرَ المعروفُ بالصوفيّ، فردَ على مَن قبله وغلَّطه، وألَّف كتاباً بيَّن فيه من الأَغلاط ما بَيَّن، وحمله إلى عَضُد الدولةِ ابنِ بويه، فاستحسنه وأجزل ثوابَه. ثم جاءت بعد نحوِ ثلاثينَ سنةً طائفةٌ أخرى، منهم كوشيار الدَّيلمي، فَأَلَّف ((المجمَل في الأحكام)) وجهَّل فيه مَن يحتجُّ للأحكام من الأحكاميِّين، وقال عن صناعةِ التنجيم: هي صناعةٌ غيرُ مُبَرْهَنةٍ، وللخواطر والظنونِ فيها مجال، إلى أنْ قال: ومن المنفردين بعلم الأحكامِ مَن يأتي على جزئيَّاته بحُجَجِ على سبيل النظرِ والجدلِ فيظنُّ أنَّها براهين؛ لجهله بطريق البرهانِ وطبيعتِهِ. الآية : ٨٩ ١١٣ سُورَةُ الضَّافَاتِ ثم حدثت طائفةٌ أُخرى، منهم منجِّم الحاكم بالدِّيار المصريةِ المعروفُ بالفكري، فوضع هو وأصحابُه رصداً آخَرَ سمَّوه: الرصدَ الحاكمي، فخالفوا فيه أصحابَ الرصدِ الممتحن، وبنَوا أمرَ الأحكامِ عليه . ثم حدثت طائفةٌ أخرى، منهم أبو الرَّيحانِ البيرونيُّ مؤلِّفُ كتاب ((التفهيم إلى صناعةِ التنجيم))، وكان بعد كوشيار بنحو أربعينَ سنة، فخالف مَن تقدَّمه، وأَتى من مناقضاتهم والردِّ عليهم بما هو دالٌّ على فساد صناعتِهم، وختم كتابَه بقوله في الخبءِ والضمير: ما أكثرَ افتضاحَ المنجِّمين فيه، وما أكثرَ إصابةَ الزاجرين بما يستعمل من الكلام وقتَ السؤال، ويرونه بادياً من الآثار والأَفعالِ على السائل ... إلى آخرِ ما قال. ثم حدثت طائفةٌ أخرى، منهم أبو الصلتِ أميةُ بن عبدِ العزيز الأندلسي، وكان بعد البيرونيِّ بنحو ثمانين عاماً، وكان رأساً في الصِّناعة، ومع هذا اعترف بأنَّ قولَ المنجّمین هَذَیان. ثم حدثت طائفةٌ أخرى بالمغرب، منهم أبو إسحاقَ الزرقالُ وأصحابه، وكان بعد أبي الصَّلت بنحو مئةٍ سنة، فخالف الأوائلَ والأواخرَ في الصِّناعتين: الرَّصدية، والأَحكامية. وآخرُ ما نعلم حدوثَه زيجُ لالنت والقسيني، وفيه من المخالفةِ لما قبله من الأَزياج ما فيه. وقد ذُكر فيه تقويمُ هرشل ومقدارُ حركته، وهو كوكبٌ سيَّار ظفر به مرشلُ أحدٌ فلاسفةِ الإفرنجِ وسمَّاه باسمه، ولم يظفرْ به أحدٌ قبله. وهذا الزیجُ أَضبطُ الأزياجِ فيما يزعم المنجّمون اليوم. والإفرنجُ على مهارة كثيرٍ منهم بعلم الرَّصدِ لا يقولون بشيءٍ مما يقول به الأَحكاميُّون الأوائلُ والأواخر، ويسخرون منهم. وقد ذكر مَن يوثق به وجوهاً تدلُّ على فسادٍ ما بأيديهم من العلم وأنَّه لا يوثَق به : الأوَّل: أنَّ معرفةَ جميع المؤثِّرات الفلكيةِ مما لا تتأَتَّى: سُورَةُ الصَنَّافَاتِ ١١٤ الآية : ٨٩ أما أوَّلاً: فلأنَّه لا سبيل إلى معرفة الكواكبِ إلَّا بواسطة القُوى الباصرة، وإذا كان المرئيُّ صغيراً أو في غاية البعدِ يتعذَّر رؤيتُه، فإنَّ أصغرَ الكواكبِ التي في فلك الثوابت - وهو الذي به قوَّة البصر - مثلُ كرةِ الأرض بضعةَ عشرَ مرَّة، وكرةُ الأرضِ أعظمُ من كرة عطاردَ كذا مرَّة، فلو قدَّرنا أنَّه حصل في الفلك الأَعظم كواكبُ كثيرة، كلٌّ منها كعطارد حجماً، فكيف ترى؟ ونفيُ هذا الاحتمالِ لا بدَّ له من دليل، ومع قيامِهِ لا يحصل الجزمُ بمعرفة جميعِ المؤثِّرات. وإنْ قالوا: جاز ذلك إلَّا أنَّ آثارَ هذا الكوكبِ لصغره ضعيفة، فلا تصل إلى هذا العالَم، قلنا: صغرُ الجِرم لا يوجب ضعفَ الأَثر، فقد أَثبتُم لعطارد آثاراً قويةً مع صغره بالنّسبة إلى سائر السيّارات، بل أثبتُّم للرأس والذنبِ وسهمِ السعادةِ وسهمِ الغيبِ آثاراً قويّة، وهي أمورٌ وهمية. وأمَّا ثانياً: فالمرصودُ من الكواكب المرئيةِ أقلُّ قليلٍ بالنّسبة إلى غيرِ المرصود، فمن أين لهم الوقوفُ على طبيعة غيرِ المرصود؟ وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه لم يحصل الوقوفُ على طبائع جميعِ المرصودِ أيضاً، وقلَّما تكلَّموا في معرفة غيرِ الثوابتِ التي من القَدْرِ الأوَّلِ والثاني. وأمَّا رابعاً: فآلاتُ الرصدِ لا تفي بضبط الثواني والثوالثِ فما فوق، ولا شكَّ أنَّ الثانيةَ الواحدةَ مثلُ الأرضِ كذا ألف مرة، أو أقلُّ أو أكثر، ومع هذا التفاوتٍ العظيمِ كيف الوصولُ إلى الغرضِ وقد قيل: إنَّ الإنسانَ الشديدَ الجري بين رفعِه رجلَه ووضعِه الأخرى يتحرَّك جِرمُ الفلكِ الأَقصی ثلاثةَ آلافٍ میل؟ فإذا كان كذلك فكيف ضبطُ هذه المؤثِّرات؟ وأمَّا خامساً: فبتقديراتهم عرفوا طبائعَ هذه الكواكبِ حالَ بساطتها، فهل وقفوا على طبائعها حالَ امتزاج بعضِها ببعض، والامتزاجاتُ الحاصلةُ من طبائع ألفٍ كوكبٍ أو أكثرَ - بحسب الأجزاءِ الفلكية - تبلغ في الكثرة إلى حيث لا يَقدر العقلُ على ضبطها . وأمَّا سادساً: فيقال: هَبْ أنَّا عرفنا تلك الامتزاجاتِ الحاصلةَ في ذلك هے الآية : ٨٩ ١١٥ سُوَّةُ الصَّافَاتِ الوقت، فلا ريبَ أنَّه لا يمكننا معرفةُ الامتزاجاتِ التي كانت حاصلةً قبله، مع أنَّا نعلم قطعاً أنَّ الأشكالَ السالفةَ ربمًّا كانت عائقةً ومانعةً عن مقتضيات الأشكالِ الحاصلةِ في الحال، ولا ريبَ أنَّا نشاهد أشخاصاً كثيرةً من النبات والحَيَوانِ والإنسانِ تحدث مقارنةً لطالع واحد، مع أنَّ كلَّ واحدٍ منها مخالفٌ للآخَر في أكثر الأُمور، وذلك أنَّ الأحوالَ السابقةَ في حقٌّ كلِّ واحدٍ تكون مخالِفةً للأحوال السابقةِ في حقِّ الآخَر، وذلك يدلُّ على أنَّه لا اعتمادَ على مقتضى طالعِ الوقت، بل لابدَّ من الإِحاطة بالطّوالع السالفة، وذلك ممَّا لا وقوفَ عليه، فإنَّه ربَّمَا كانت تلك الطوالعُ دافعةً مقتضياتِ هذا الطالعِ الحاضر، وعلى هذا الوجهِ عوَّل ابنُ سينا في كتابيه ((الشِّفاء)) و(النَّجاة)) في إِبطال هذا العلم. الثاني: أنَّ تأثيرَ الكواكبِ يختلف باختلاف أَقدارِها، فما كان من القَدْر الأوَّل، أثَّر بوقوعه على الدَّرجة وإن لم تضبط الدقيقة، وما كان من القَدْر الأخير، لم يؤثّر إلَّا بضبط الدقيقة، ولا ريبَ بجهالة مقاديرٍ جميع الكواكب، فكيف تُضبط الآثار؟ الثالث: فسادُ أصولِهم وتناقضُ آرائهم، واختلافُهم اختلافاً عظيماً من غير دليل، ومتى تعارضت الأقوالُ وتعذّر الترجيحُ فيما بينها، لا يعوَّل على شيءٍ منها. الرابع: أنَّ أرصادَهم لا تنفكُّ عن نوعٍ خلل، وهي مبنَى أحكامِهم، وقد صنَّف أبو عليٍّ بنُ الهيثم رسالةً بليغةً في أَقسام الخللِ الواقع في آلات الرَّصد، وبيّن أنَّ ذلك ليس في وسع الإِنسانِ دفعُه وإزالته، وإصابتُهم في أوقات الخسوفِ والكسوفِ مع ذلك الخللِ لا تستدعي إِصابتهم في غيرها معه. الخامس: أنَّا نشاهد عالَماً كثيراً يُقتلون في ساعةٍ واحدةٍ في حرب، وخلقاً كثيراً يغرقون في ساعةٍ واحدة، مع اختلاف طوالعِهم واقتضائها أحوالاً مختلفةً عندكم، وهذا يدلُّ على عدم اعتبارِ ما اعتبرتموه أوَّلاً. فإن قلتم: إنَّ الطوالعَ قد يكون بعضُها أَقوى من بعض، فلعل طالعَ الوقتِ أَقوى من طالع الأصل، فكان الحكم. قلنا: هذا بعينه يُبطل عليكم اعتبارَ طالعِ المولود، فإنَّ الطوالعَ بعده مختلفةٌ كثيرة، ولعل بعضَها أقوى منه، فلا يفيد اعتبارُه شيئاً . سُورَةُ الصَّافَاتِ ١١٦ الآية : ٨٩ السادس: أنَّ العقلَ لا مساغَ له في اقتضاء كوكبٍ معيَّن أو وضعٍ معيَّن تأثيراً خاصّاً، والتجربةُ على قصورها معارضةٌ بتجربةٍ اقتضت خلافَها . إلى غير ذلك من الوجوه، وأبو البركات البغداديُّ وإن زيَّف ما هم عليه، إلَّا أنَّه يُقرُّ بقَبول بعض الأحكام، فإنَّه قال بعد ذكر شيءٍ من أقوالهم التي لا دليلَ لهم عليها: وهذه أقوالٌ قالها قائل، فقَبِلها قابل، ونقلها ناقل، فحَسُنَ بها ظنُّ السامع، واغترَّ بها مَن لا خبرةً له ولا قدرةً له على النظر، ثم حكم بحسبها الحاكمون، بجيِّد ورديء، وسلبٍ وإيجاب، وسعدٍ ونحوس، فصادف بعضُه موافقةً الوجودِ فصدق، فاغترَّ به المغترُون ولم يلتفتوا إلى كذبٍ فيه، بل عذروه وقالوا: هو منجِّم، ما هو نبيٌّ حتى يصدقَ في كلِّ ما يقول، واعتذروا له بأنَّ العلمَ أوسعُ من أن يحيط به، ولو أحاط به لصدق في كلِّ شيء، ولَعمرُ اللهِ تعالى أنَّه لو أَحاط به علماً صادقاً لَصدق، والشأنُ أن يحيط به على الحقيقة، لا على أن يفرضَ فرضاً ويتوهّم وهماً، فينقله إلى الوجود، ويُثبته في الموجود، ويَنسب إليه ويقيس عليه، والذي يصحُّ منه ويلتفت إليه العقلاءُ هي أشياءُ غيرُ هذه الخرافاتِ التي لا أصل لها، ممَّا حصل بتوقيفٍ أو تجربةٍ حقيقية، كالقِرانات والانتقالاتِ والمقابلة، وممرٌّ كوكبٍ من المتحيِّرة تحت كوكبٍ من الثابتة، وما يعرض للمتحيِّرة من رجوعٍ واستقامة، ورجوعٍ في شمال وانخفاضٍ في جنوب، وغير ذلك. وكأنِّي أريد أن أختصرَ الكلامَ هاهنا وأَوافقَ إِشارتك، وأَعملَ بحساب اختيارٍك رسالةً في ذلك، أَذكر ما قيل فيها من علم أحكام النجوم، من أصولٍ حقيقيةٍ أو مجازيةٍ أو وهميةٍ أو غلطية، وفروعٍ نتائجَ أُنتجت عن تلك الأصول، وأَذكرَ الجائزَ من ذلك والممتنعَ والقريبَ والبعيد، فلا أردَّ علمَ الأحكام من كلِّ وجهٍ كما ردَّه مَن جَهِلَه، ولا أقبلَ فيه كلَّ قولٍ كما قبله مَن لم يعقله، بل أُوضحَ موضعَ القبولِ والردّ، وموضعَ التوقيفِ والتجويز، والذي من المنجِّم والذي من التنجيم، والذي منهما، وأُوضحَ لك أنَّه لو أمكن الإنسانَ أن يحيط بشكلٍ كلِّ ما في الفلك علماً، لأَحاط بكلِّ ما يحويه الفلك؛ لأنَّ منه مبادي الأسباب، لكنَّه لا يمكن، ويَبَعُد عن الإِمكان بُعداً عظيماً، والبعضُ الممكنُ منه لا يَهدي إلى بعض الحكم؛ لأنَّ البعضَ الآخَرَ الآية : ٨٩ ١١٧ سُوَّةُ الصَّافَاتِ المجهولَ قد يناقض المعلومَ في حكمه ويُبطل ما يوجبه، فنسبةُ المعلومِ إلى المجهول من الأحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الأسباب، وکفی بذلك بُعداً. انتهى. وفيه من التأييد لبعض ما تقدَّم من الأَوجُه ما فيه (١). وأنا أقول: إنَّ الإحاطةَ بالأسرار المودَعةِ في الأَجرام لا يَبَعُد أن تحصلَ لبعض الخواصِّ ذوي النفوسِ القدسيَّة، لكن بطريق الكشفِ أو نحوِهِ، دون الاستدلالِ الفكريِّ والأعمالِ الرصديةِ مثلاً، وهو الذي يقتضيه كلامُ الشيخ الأكبرِ قدِّس سرُّه، قال في الباب الثالثِ والسبعين من ((الفتوحات))(٢): ومن الأولياء التُّقباء، وهم اثنا عشرَ نقيباً في كلِّ زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد البروجِ الاثني عشر، كلُّ نقيبٍ عالمٌ بخاصِّيَّة كلِّ برج، وبما أَودع اللهُ تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات، وما يُعطَى للنزلاءِ فيه من الكواكب السيّارةِ والثوابت. ثم قال: ومنهم النُّجباء، وهم ثمانيةٌ في كلِّ زمان، إلى أن قال: ولهم القدمُ الراسخةُ في علم تسييرٍ الكواكبٍ من جهة الكشفِ والاطلاع، لا من جهة الطريقةِ المعلومةِ عند العلماءِ بهذا الشأن. والنقباءُ هم الذين حازوا علمَ الفلكِ التاسع، والنجباءُ حازوا علمَ الثمانيةِ الأفلاكِ التي دونه، وهي كلُّ فلكٍ فيه كوكب. ويُفهم من هذا القولُ بالتأثيرات، وأنها مفاضةٌ من البرج على النازلِ فيه من الكواكب. وقد تكرَّرت الإشارةُ منه إلى ذلك، ففي الفصل الثالثِ من الباب الحادي والسبعين والثلاث مئة من ((الفتوحات))(٣): أنَّ اللهَ تعالى خلق في جوف الكرسيِّ جسماً شفَّافاً مستديراً، يعني الفَلَكَ الأطلس، قسمه اثني عشرَ قسماً، هي البروج، وأَسكن كلَّ برج منها ملكاً. إلى أن قال: وجعل لكلِّ نائبٍ من هؤلاء الأَملاكِ الاثني عشرَ في كلِّ برجٍ ملَّكه إياه ثلاثين خزانة، تحتوي كلُّ خزانةٍ منها على علومٍ شتَّى، يهبون منها لمن نزل بهم ما تعطيه مرتبتُه، وهي الخزائنُ التي قال الله تعالى (١) إلى هنا نهاية الكلام عن المنجمين وعلم التنجيم الذي أشار إليه فيما قَبْل، والذي أشرنا إليه بأن معظمه مذكور بحرفيته في مفتاح دار السعادة ص ٤٨٧ وما بعدها. (٢) ٧/٢-٨. (٣) ٤٣٣/٣. سُورَةُ الضَنَافَاتِ ١١٨ الآية : ٨٩ فيها: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِتُهُ، وَمَا نُغَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وهذه الخزائنُ تسمَّى عند أهلِ التعاليم: درجاتِ الفلك، والنازلون بها هم الجواري والمنازلُ وعُّوقاتها من الثوابت، والعلومُ الحاصلةُ من هذه الخزائنِ الإلهيةِ هي ما يظهر في عالم الأَركانِ من التأثيرات، بل ما يظهر في مقعَّر فلكِ الثوابتِ إلى الأرض. وجعل لهؤلاء الاثني عشرَ نظراً في الجِنان وأهلِها وما فيها مُخْلَصاً من غير حجاب، فما في الجِنان من حكم، فهو عن تولِّي هؤلاء بنفوسهم تشريفاً لأهل الجنَّة، وأما أهلُ الدنيا وأهلُ النار فما يباشرون ما لهم من الحكم إلَّا بالنوَّاب، وهم النازلونَ عليهم الذين ذكرناهم. وقال قدِّس سرُّه في الفصل الرابع(١): إنَّ اللهَ تعالى جعل لكلِّ كوكبٍ من هذه الكواكب قطعاً في الفلك الأَطلس؛ ليحصلَ من تلك الخزائنِ التي في بروجه وبأيدي ملائكتِهِ الاثني عشرَ من علوم التأثيرِ ما تعطيه حقيقةُ كلِّ كوكبٍ وجعلها على حقائق مختلفة. انتھی المرادُ منه. وله قدِّس سرُّه كلامٌ غيرُ هذا أيضاً، وقد صرَّح بنحو ما صرَّح به المنجِّمون من اختلاف طبائعِ البروج، وأنَّ كلَّ ثلاثةٍ منها على مرتبةٍ واحدةٍ في المزاج. وأنا لا أَزيد على القول بأنَّ للأجرام العلويةِ كواكبِها وأفلاكِها أسراراً وحِكَماً وتأثيراتٍ غيرَ ذاتية، بل مفاضة عليها من جانب الحقِّ والفيَّاض المطلقِ جلَّ شأنُه وعَظُمَ سلطانُه، ومنها ما هو علامةٌ لما شاء الله تعالى، ولا يتمُّ دليلٌ على نفي ما ذكر، ولا يَعلم كميةَ ذلك ولا كيفيتَه ولا أنَّ تأثيرَ كذا من كوكبٍ كذا أو کوکبٍ كذا علامةٌ لكذا في نفس الأمرِ إلَّا اللهُ تعالى العليمُ البصيرُ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيرُ﴾ [الملك: ١٤] إلَّا أنَّه سبحانه قد يُطلع بعضَ خواصِّ عبادِه من البشر والمَلَكِ على شيءٍ من ذلك، ولا يَبَعُد أن يُطلعَ سبحانه البعضَ على الكلّ، ووقوعُ ذلك لنبيِّنَا وَّهِ ممَّا لا أكاد أَشكُّ فيه. وقد نصَّ بعضُ ساداتِنا الصوفية - قدِّست أسرارُهم وأَشرقت علينا أَنوارُهم - على أنَّ علومَه عليه الصلاة والسلام التي وُهبت له ثلاثةُ أنواع: (١) ٣/ ٤٣٧. الآية : ٨٩ ١١٩ سُدَّةُ الصَّافَاتِ نوعٌ أَوجب عليه إظهارَه وتبليغَه، وهو علمُ الشريعةِ والتكاليفِ الإلهية، وقولُه تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيَِّةٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ناظرٌ إلى ذلك دون العمومِ المطلقِ أو خصوصٍ خلافةٍ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه كما يقوله الشّيعة. ونوعٌ أَوجب عليه كتمانَه، وهو علمُ الأسرارِ الإِلهية التي لا تتحمَّلها قوةٌ غيرُ قوَّتِ القدسيةِ عليه الصلاة والسلام، فكما أنَّ لله تعالى علماً استأثر به دون أحدٍ من خلقه، كذلك لحبيبه الأعظم وَليهِ علمٌ استأثر به بعد ربِّه سبحانه، لكنه مفاضٌ منه تعالى عليه، ولعله أُشير إليه في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْخَى﴾ [النجم: ١٠] وقد يكون بين المحبِّ والمحبوبِ من الأَسرار ما يُضنُّ به على الأغيار، ومن هنا قیل : بعمياءً من ليلى بغيرِ يقينٍ ومستخبرٍ عن سرِّ ليلى تركتُه وما أنا إن خبَّرتهم بأمين(١) يقولون خبِّرنا فأنت أمينُها ونوعٌ خيَّره الله تعالى فيه بين الأمرين. وهذا منه ما أَظهره لمن رآه أَهلاً له، ومنه ما لم يُظهره لأمرٍ ما، فلعل ما وُهب له عليه الصلاة والسلام من العلم بدقائق أسرارِ الأجرام العلوية وحِكَمِها وما أراد اللهُ تعالى بها ممَّا لم يُظهره للناس كعلم الشَّريعة؛ لأنَّهَ مما لا يُضبط بقاعدة، وتفصيلُ الأمرِ فيه لا يكاد يتيسَّر، والبعضُ مرتبطٌ بالبعض، ومع هذا لا يستطيع العالمُ به أن يجعل الإِقامةَ سفراً، ولا الهزيمةَ ظَفَراً، ولا العقدَ فلَّا، ولا الإِبرامَ نقضاً، ولا اليأسَ رجاء، ولا العدوَّ صديقاً، ولا البعيدَ قريباً، ولا ولا، ويوشك لو انتشر أمرُه، وظهر حلوُه ومرُّه، أن يضعفَ توكّل كثيرٍ من العوامٌّ على الله تعالى، والانقطاعُ إليه، والرغبةُ فيما عنده، وأنْ يلهو به عن غيره، وينبذوا ما سواه من العلوم النافعةِ لأَجله، فكلٌّ يتمنَّى أن يعلمَ الغيبَ (١) نسبهما صاحب غرر الخصائص الواضحة ص٤٥٣ لمجنون ليلى، وأبو تمام في الحماسة (شرح التبريزي ١٣٤/٣) لجابر بن الثعلب الجرمي الطائي، والبيت الثاني فيه: فقال انتصحني إنني لك ناصح وما أنا .. والبيت الأول في زيادات شعر الأحوص الأسدي ص٢٣٢. سُورَةُ الصَنَّافَاتِ ١٢٠ الآية : ٨٩ ويطلعَ عليه، ويدركَ ما يكون في غدٍ أو يجدَ سبيلاً إليه، بل ربَّما يكون ذلك سبباً لبعض الأشخاصِ مفضياً إلى الاعتقادِ القبيح، والشركِ الصَّريح، وقد كان في العرب شيءٌ من ذلك، فلو فُتح هذا الباب، لاتَّسع الخَرقُ وعَظُمَ الشرّ، وقد ترك اَيه هدمَ الكعبةِ وتأسيسَها على قواعدِ إِبراهيم عليه السلام لنحوِ هذه الملاحظة، فقد رُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام قال لعائشةَ ﴿ُنَا: «لولا قومُكِ حديثو عهدٍ بكفر، لَهدمتُ الكعبةَ وأسَّستها على قواعد إِبراهيم))(١). ولا يَبعُد أيضاً أن يكونَ في علم اللهِ تعالى إظهارُ ذلك وعلمُ الناسِ به سبباً لتعطّل المصالح الدنيوية، ومنافياً للحكمة الإلهية، فأَوجب على رسوله وَ ل كتمَه وتركَ تعليمِه كماَ علَّم الشَّرائع. ويمكن أن يكونَ قد عَلِمَ بَِّ أنَّ العلمَ بذلك من العلوم الوهبيةِ التي يَمُنُّ اللهُ تعالى بها على مَن يشاء مِن عباده، وأنَّ مَن وهب سبحانه له من أمَّته قوَّةً قدسية، يهب سبحانه له ما تتحمَّله قوتُه منه، وقد سمعتَ ما سمعت في النُّقباء والنُّجباء. ويمكن أن يكونَ قد علَّم عليه الصلاة والسلام ذلك أمثالَهم ومَن هو أَعلى قَدْراً منهم، كالأمير عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وهو بابُ مدينةِ العلم، بطريقٍ من طُرُق التعليم، ومنها الإفاضةُ التي يذكرها بعضُ أهلِ الطرائقِ من الصُّوفية. ويجوز أن يقال: إنَّ سرَّ البعثةِ إنمَّا هو إِرشادُ الخلقِ إلى ما يقرِّبهم إليه سبحانه زُلفى، وليس في معرفة التأثيراتِ الفلكيةِ والحوادثِ الكونيةِ قربٌ إلى الله تعالی، والنبيُّ وَّهِ لم يألُ جهداً في دعوة الخلقِ وإِرشادهم إلى ما يقرِّبهم لديه سبحانه، وينفعهم يومَ قدومِهم عليه جلَّ شأنُه، وما يتوقَّف عليه من أمر النجومِ أمورُ دياناتهم، كمعرفة القِبلةِ وأوقاتِ العبادات، قد أَرشد إليه مَن أَرشد منهم، وترك ما يحتاجون إليه من ذلك في أمورٍ دنياهم - كالزِّراعة - إلى عاداتهم وما جرَّبه كلُّ قومٍ في أماكنهم، وأشار إشارةً إجماليةً إلى بعض الحوادثِ الكونيةِ لبعض الكواكبِ في بعض أحوالها، كما في حديث الكسوفِ والخسوفِ السابق، وأَرشدهم إلى (١) أخرجه البخاري (١٢٦) و(١٥٨٥)، ومسلم (١٣٣٣).